من جانبيه، وهما موضع ما يشدُّه الإنسان على وسطه، وهيئة الاختصار تشعر بالغفلة أو الكبر، وهذا ممَّا ينافي الخشوع في الصَّلاة.
٢ - أنَّ علَّة النَّهي عن ذلك التَّشبُّه باليهود.
٣ - أنَّ اليهود يختصرون في الصَّلاة.
٤ - ذمُّ التَّشبُّه بالكفَّار.
٥ - أنَّ من مقاصد الشَّرع ترك التَّشبُّه بالكفَّار في العادات أو العبادات.
* * * * *
(٢٦٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فَابْدَؤوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا المَغْرِبَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ من عادتهم العشاء قبل المغرب.
٢ - سماحة الشَّريعة بمراعاة الطَّبيعة البشريَّة.
٣ - أنَّ السُّنَّة البداءة بالطَّعام قبل الصَّلاة إذا حصل تزاحمٌ بينهما.
٤ - الرُّخصة بترك الجماعة لحضور الطَّعام.
٥ - أنَّ محلَّ هذه الرُّخصة إذا لم يكن تقديم الطَّعام عند حضور الصَّلاة عادةً أو متعمَّدًا.
٦ - أنَّه يجوز له في هذه الحال أن يأكل عادته ولو إلى حدِّ الشِّبع، ولا يجب عليه الاقتصار على ما يسدُّ رمقه.
٧ - أنَّ صلاة الإنسان ونفسه متعلِّقةٌ بشيءٍ من أمر دنياه من طعامٍ وغيره ممَّا يذهب خشوعه أو يضعفه.
стр. 247
٨ - العناية بأمر الصَّلاة؛ لأنَّ البداءة بالطَّعام ليتفرَّغ القلب لها لا تهاونًا بها.
٩ - الاستعداد للصَّلاة بما يعين على إقامتها والخشوع فيها من فعلٍ أو تركٍ.
١٠ - تحريم مشاهدة المسلسلات في القنوات؛ لأنَّها من أعظم ما يلهي القلب في الصَّلاة، بل يلهي عن الصَّلاة.
* * * * *
(٢٦٤) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحِ الحَصَى؛ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
(٢٦٥) وَزَادَ أَحْمَدُ: «وَاحِدَةً أَوْ دَعْ» (١).
(٢٦٦) وَفِي «الصَّحِيحِ» عَنْ مُعَيْقِيبٍ نَحْوُهُ بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ (٢).
* * *
حديثا أبي ذرٍ ومعيقيبٍ ﵃ فيهما فوائد، منها:
١ - النَّهي عن مسح الأرض عند السُّجود.
٢ - أنَّ في تعفير الوجه بالتُّراب رحمةً للعبد لما فيه من الخضوع والذُّلِّ لله، ومسح الأرض يؤذن بالرَّغبة في تخفيف تعفير الوجه.
٣ - الرُّخصة في مسح الأرض مرَّةً واحدةً، والتَّرك أفضل.
٤ - أنَّ السُّجود على التُّراب أفضل.
٥ - أنَّ مسح ما يؤذي ويذهب الخشوع من شوكٍ أو حصًى لا يدخل في النَّهي.
٦ - ترك الحركة الَّتي لا حاجة إليها في الصَّلاة.
стр. 248
(٢٦٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الالتِفَاتِ فِي الصَّلَاة، فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
(٢٦٨) وَلِلتِّرْمِذِيِّ: عَنْ أَنَسٍ وَصَحَّحَهُ: «إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاة؛ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ» (٢).
* * *
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - ذمُّ الالتفات في الصَّلاة، والمراد به: الالتفات بالرَّأس يمينًا أو شمالاً لا بكلِّ البدن؛ فإنَّ ذلك انحرافٌ عن القبلة تبطل به الصَّلاة.
٢ - أنَّ الالتفات في الصَّلاة من الشَّيطان.
٣ - أنَّه نقصٌ من الصَّلاة إلَّا لحاجةٍ، كما ثبت أنَّه ﷺ بعث فارسًا فكان يلتفت إلى الشِّعب، وثبت أنَّ أبا بكرٍ ﵁ التفت لمَّا نبِّه إلى خروج النَّبيِّ ﷺ من بيته وهم في الصَّلاة ولم يكن يلتفت في الصَّلاة ﵁.
٤ - التَّحذير من الالتفات في الصَّلاة.
٥ - أنَّه سببٌ للهلكة، وهذا يدلُّ على تحريمه، لكنَّ حديث أنسٍ ﵁ ضعيفٌ (٣)، فالصَّحيح: أنَّ الالتفات مكروهٌ؛ لحديث عائشة.
٦ - حرص عائشة ﵂ على العلم، فلذلك كانت عالمةً.
٧ - أنَّ الالتفات في التَّطوُّع أيسر.
стр. 249
(٢٦٩) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلا يَبْزُقَنَّ بيْنَ يَدَيْهِ ولا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
(٢٧٠) وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ».
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - فضل الصَّلاة.
٢ - أنَّ المصلِّي مناجٍ لله.
٣ - جواز أن يقول الإنسان: «ناجيت ربِّي».
٤ - نهي المصلِّي أن يبصق بين يديه، والنَّهي للتَّحريم.
٥ - تعليل ذلك في الرِّواية الأخرى: «فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ» (٢)، وفي لفظٍ: «فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ» (٣).
٦ - نهي المصلِّي أن يبصق عن يمينه، وجاء تعليل ذلك بأنَّ عن يمينه ملكًا.
٧ - إرشاد المصلِّي إذا بدره بصاقٌ أن يبصق عن يساره وتحت قدمه، وذلك إذا لم يكن في المسجد، فإن كان في المسجد لم يجز له أن يبصق فيه، بل في ثوبه، وقد تيسَّر ما يغنيه عن ذلك وهي المناديل.
* * * * *
стр. 250
(٢٧١) وَعَنْهُ، قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ ﵂ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا؛ فَإِنَّهُ لا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلاتِي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).
(٢٧٢) وَاتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، وَفِيهِ: «فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي» (٢).
* * *
هذا الحديث يعرف بحديث القرام أو قرام عائشة ﵂ وهو يدخل في أبوابٍ كثيرةٍ.
وفيه فوائد، منها:
١ - جواز ستر حائط البيت تبعًا لستر السَّهوة والفرجة.
٢ - أنَّ العناية بذلك من شأن النِّساء.
٣ - تحريم تصوير ذوات الأرواح وإن لم يكن للصُّورة ظلٌّ؛ كأن تكون من نسجٍ أو صباغٍ.
٤ - أنَّ رؤية بعض المناظر تعرض لفكر الرَّائي يتذكَّرها.
٥ - أنَّ تذكُّر المشاهد في الصَّلاة ينافي كمال الإقبال عليها.
٦ - استحباب أن يكون ما يلبس في الصَّلاة خاليًا عن الأعلام والألوان والنُّقوش، ولهذا طلب النَّبيُّ ﷺ أنبجانيَّة أبي جهمٍ؛ لأنَّها كذلك.
٧ - كراهة لبس ما يلهي المصلِّي؛ كاللِّباس الَّذي فيه أعلامٌ ونقوشٌ وكتابةٌ، وأعظم من ذلك ما فيه صورٌ محرَّمةٌ.
٨ - اجتناب كلِّ ما يمنع من الخشوع في الصَّلاة.
٩ - تحريم تعليق الصُّور على الحيطان سواءٌ كانت مقصودةً أو غير مقصودةٍ.
стр. 251
١٠ - كراهة زخرفة المساجد.
١١ - أمر من فعل المنكر بتغييره؛ لأنَّه أدعى للقبول، لقوله ﷺ : «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ».
١٢ - أنَّ سؤال الإنسان من له عليه أمرٌ ليس من السُّؤال المذموم؛ كالسَّيِّد والزَّوج والوالد.
١٣ - أنَّ الرَّسول ﷺ بشرٌ قد يشغله ما يراه في صلاته.
* * * * *
(٢٧٣) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - النَّهي عن رفع البصر إلى السَّماء في الصَّلاة، وقد قيل: إنَّه يكره، والصَّواب: أنَّه يحرم.
٢ - تأكيد الكلام بما يتضمَّن القسم.
٣ - تهديد من يصرُّ على ما نهي عنه.
٤ - مناسبة الجزاء للذَّنب.
٥ - أنَّه يجب على المصلِّي أن يكون نظره إلى قبلته، ويستحبُّ أن يكون إلى موضع سجوده إلَّا في التَّشهُّد فينظر إلى إشارته بإصبعه.
٦ - البعد عن كلِّ ما ينافي الخشوع في الصَّلاة والإقبال عليها.
* * * * *
стр. 252
(٢٧٤) وَلَهُ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، ولا وهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ» (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - النَّهي عن الصَّلاة بحضرة الطَّعام، ومعناه: البداءة بالطَّعام إذا قدِّم قبل الصَّلاة كما تقدَّم في حديث أنسٍ ﵁، فالنَّفي بمعنى النَّهي.
٢ - النَّهي عن الصَّلاة حال مدافعة الأخبثين؛ البول والغائط.
٣ - عظم أمر الصَّلاة والعناية بكمالها.
٤ - التَّفرُّغ لها من كلِّ ما يشغل عن الخشوع فيها، فإن كان الشَّاغل شديدًا بحيث يذهب معه الخشوع بالكلِّيَّة وحضور القلب؛ فتحرم الصَّلاة ولا تصحُّ، وإلَّا كرهت وصحَّت، وقيل: لا تصحُّ الصَّلاة في هاتين الحالتين مطلقًا، وهو قول الظَّاهريَّة.
٥ - أنَّ البول والغائط أخبث النَّجاسات المنفصلة عن الإنسان.
٦ - أنَّ مجرَّد الإحساس لا يمنع من الصَّلاة.
٧ - مراعاة الشَّريعة لطبيعة الإنسان.
٨ - يسر الشَّريعة.
ولو جمع المؤلِّف بين هذا الحديث وحديث أنسٍ ﵁ لكان أولى بحسن التَّرتيب، فلتراجع فوائد حديث أنسٍ ﵁ (٢).
* * * * *
стр. 253
(٢٧٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: «فِي الصَّلَاةِ» (١).
* * *
الحديث عزاه المصنِّف إلى مسلمٍ والتِّرمذيِّ، وجعل الزِّيادة للتِّرمذيِّ، والصَّواب: أنَّها عند مسلمٍ (٢) أيضًا، والتَّثاؤب معروفٌ وهو حالة كسلٍ أو تنبئ عن الكسل، وتستدعي فتح الفم لغير حاجةٍ وبغير اختيارٍ، ولكن تمكن الإنسان مدافعته.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ التَّثاؤب من الشَّيطان؛ لأنَّ الشَّيطان يحبُّ من الإنسان الكسل؛ لأنَّ الكسل يقعد بصاحبه عن القيام بما ينبغي القيام به، أو يمنعه من أدائه على الوجه الأكمل.
٢ - الإرشاد إلى كظم التَّثاؤب بردِّه، والاستعانة بوضع اليد.
٣ - كراهة التَّثاؤب مطلقًا وبخاصَّةٍ في الصَّلاة.
٤ - أنَّ كون التَّثاؤب من الشَّيطان لا يدلُّ على الإثم، مثلما يقع في النَّفس من الوساوس.
٥ - استحباب كظم التَّثاؤب.
٦ - شدَّة كراهة الصَّوت عند التَّثاؤب الَّذي يشبه العواء.
стр. 254
٧ - أنَّ الشَّيطان يضحك من بعض أحوال بني آدم، كما ثبت في رواية عند البخاري (١).
٨ - إثبات الإرادة والاستطاعة للإنسان، وهي مناط التَّكليف؛ لقوله ﷺ : «مَا اسْتَطَاعَ».
* * * * *
стр. 255
بَابُ المَسَاجِدِ
المساجد: جمع مسجدٍ؛ وهو: مكان السُّجود، وهو بكسر الجيم على خلاف القياس؛ لأنَّ مضموم العين في المضارع حقُّه الفتح في اسم الزَّمان والمكان، وكلُّ موضعٍ تجوز الصَّلاة فيه يسمَّى مسجدًا، كما قال ﷺ : «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١).
ويراد بالمساجد في الشَّرع: الأماكن والبيوت المعدَّة لإقامة الصَّلوات الخمس فيها، ويقال لها: بيوت الله، كما قال ﷺ : «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ … » (٢) الحديث، وهي المرادة بالبيوت في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال (٣٦) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [النور: ٣٦ - ٣٧].
وللمساجد فضائل وأحكامٌ، وهي أفضل البقاع كما قال ﷺ : «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا» (٣)، وأفضلها المساجد الثَّلاثة: المسجد الحرام ومسجد النَّبيِّ ﷺ والمسجد الأقصى، وجاء ذكر المساجد في مواضع من القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨].
* * * * *
стр. 256
(٢٧٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ، وَتُطَيَّبَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ إِرْسَالَهُ (١).
* * *
هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، فمن العلماء من رجَّح إرساله؛ لأنَّ من أرسله أكثر، ومنهم من رجَّح وصله؛ لأنَّه من زيادة الثِّقة، وزيادة الثِّقة مقبولةٌ، والصَّحيح: أنَّ هذا الحديث متَّصلٌ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - الأمر ببناء المساجد في الدُّور؛ يعني: الأحياء، وهي الحارات، وبناء المساجد في الدُّور واجبٌ، وهو أوَّل ما بدأ به النَّبيُّ ﷺ عندما وصل إلى المدينة مهاجره، وجرى على ذلك المسلمون فيما ينشئونه من البلدان والأحياء، وبناء المساجد هو ممَّا لا يتمُّ الواجب إلَّا به فيكون واجبًا، وليس المراد بهذا الحديث الأمر ببناء مسجدٍ في كلِّ بيتٍ يصلِّي فيه أهل الدَّار خلافًا لمن ظنَّ ذلك.
٢ - وجوب تنظيف المساجد وصيانتها عن الأقذار. وقد أمر الله أن ترفع المساجد؛ أي: تعظَّم، كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦].
٣ - الأمر بتطييبها وهو مستحبٌّ. وسيأتي تفصيل ذلك في الأحاديث الَّتي أوردها المصنِّف.
* * * * *
(٢٧٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(٢٧٨) وَزَادَ مُسْلِمٌ: «وَالنَّصَارَى» (٢).
стр. 257
(٢٧٩) وَلَهُمَا: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة ﵂: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» وَفِيهِ: «أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ» (١).
* * *
حديث أبي هريرة ﵁ جاء معناه في «الصَّحيحين» من حديث عائشة ﵂ قالت: لمَّا نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها عن وجهه ثمَّ قال وهو كذلك: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (٢).
وحديث عائشة ﵂ الَّذي ذكره المصنِّف أصله أنَّ أمَّ حبيبة وأمَّ سلمة ﵃ ذكرتا للنَّبيِّ ﷺ كنيسةً رأتاها في أرض الحبشة، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فقال ﷺ : «أُولئِكِ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ أوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ».
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - التَّحذير من اتِّخاذ القبور مساجد، وذلك ببناء المساجد عليها أو بالصَّلاة عندها.
٢ - نصح الرَّسول ﷺ لأمَّته وتبليغه الرِّسالة حتَّى وهو في سياق الموت.
٣ - أنَّ اتِّخاذ القبور مساجد من كبائر الذُّنوب؛ للدُّعاء باللَّعن والقتال على من فعله، ولقوله ﷺ : «أُولئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ».
٤ - أنَّ اتِّخاذ القبور مساجد من فعل اليهود والنَّصارى.
٥ - أنَّ بناء المساجد على القبور من التَّشبُّه بأهل الكتاب.
٦ - أنَّ ذمَّ اليهود والنَّصارى أو غيرهم بفعلٍ من أفعالهم تحذيرٌ لهذه الأمَّة، ولهذا قالت عائشة ﵂ بعد ذكر الحديث: «يحذِّر ما صنعوا».
стр. 258
٧ - أنَّ التَّقييد بقبور الأنبياء لا مفهوم له، فقد خرج مخرج الغالب، وقد جاء في بعض الرِّوايات: «قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ» (١).
٨ - أنَّ اليهود عندهم غلوٌّ في الدِّين كالنَّصارى، وإن كان الغالب عليهم الجفاء والإساءة إلى الأنبياء إلى حدِّ القتل، كما ذكر الله ذلك في مواضع كثيرةٍ من كتابه.
٩ - أنَّ الدُّعاء بالقتل أو بالقتال هو بمعنى اللَّعن، كما قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُون (١٠)﴾ [الذاريات: ١٠]؛ أي: لُعنَ الخرَّاصون.
١٠ - أنَّ من عادة النَّصارى تزيين كنائسهم وزخرفتها ورسم الصُّور في حيطانها.
١١ - أنَّ زخرفة المساجد بالألوان والنُّقوش والكتابات من التَّشبُّه بهم.
١٢ - أنَّ الغلوَّ في الأنبياء والصَّالحين من أعظم وسائل الشِّرك، بل هو سبب حدوث الشِّرك في العالم.
١٣ - عظم خطر الشِّرك. ولذا جاءت الشَّريعة بسدِّ كلِّ طريقٍ يفضي إليه.
١٤ - حماية جناب التَّوحيد.
١٥ - وجوب هدم المسجد المبنيِّ على قبرٍ؛ لأنَّه كمسجد الضِّرار إذ لم يؤسَّس على تقوًى بل أسِّس على معصية الله.
١٦ - تحريم الصَّلاة فيه وأنَّها لا تصحُّ.
١٧ - أنَّ الصَّلاة عند القبور من اتِّخاذها مساجد؛ لأنَّ الموضع الَّذي يصلَّى فيه يسمَّى مسجدًا، كما قال ﷺ : «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٢).
* * * * *
стр. 259
(٢٨٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلاً، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ … » الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* * *
هذا الحديث تقدَّم طرفٌ منه من رواية عبد الرَّزَّاق في باب الغسل وحكم الجنب (٢)، والرَّجل هو: ثمامة بن أثالٍ ﵁ سيِّد بني حنيفة، بعث النَّبيُّ ﷺ سَريَّةً فجاءت به أسيرًا فربطه النَّبيُّ ﷺ في المسجد، وكان النَّبيُّ ﷺ يمرُّ به ويدعوه إلى الإسلام، وفي الثَّالثة أمر النَّبيُّ ﷺ بإطلاقه فأسلم.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - بعث الإمام السَّرايا للجهاد في سبيل الله.
٢ - جواز أسر الكفَّار، ولو كان الأسير سيِّدًا وشريفًا.
٣ - جواز ربط الأسير في المسجد.
٤ - دعوة الأسير إلى الإسلام.
٥ - جواز إطلاقه إذا رجي إسلامه.
٦ - جواز دخول الكافر للمسجد إذا كان فيه مصلحةٌ تتعلَّق بالدَّاخل أو بالمسجد.
٧ - وجوب غسل الكافر إذا أسلم، عند من يقول بوجوبه.
٨ - حسن خلقه ﷺ وحسن طريقته في الدَّعوة.
٩ - فضيلة ثمامة بن أثالٍ ﵁.
١٠ - أنَّ إسلام السَّادة من الكفَّار فيه نصرٌ للإسلام والمسلمين.
١١ - مشروعيَّة مقاطعة الكفَّار المحاربين اقتصاديًّا بترك الشِّراء منهم أو البيع لهم؛ لما في أصل القصَّة من أنَّ ثمامة ﵁ منع أن يصل إلى قريشٍ شيءٌ من بُرِّ اليمامة حتَّى يأذن النَّبيُّ ﷺ ، فأقرَّه ﵊ على ذلك، ثمَّ طلبت قريشٌ من النَّبيِّ ﷺ أن يأذن، فأذِن ﵊.
стр. 260
(٢٨١) وَعَنْهُ ﵁، «أَنَّ عُمَرَ ﵁ مَرَّ بِحَسَّان يُنْشِدُ فِي المَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ وفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز إنشاد الشِّعر الَّذي لا إثم فيه في المسجد.
٢ - أنَّ الإنكار قد يكون بالنَّظر.
٣ - أنَّ إنشاد الشِّعر ليس ممَّا تبنى له المساجد، وهذا منشأ إنكار عمر ﵁، لكن دلَّت السُّنَّة على جوازه.
٤ - أنَّ إنشاد حسَّان للشِّعر في مسجد النَّبيِّ ﷺ ليس كثيرًا وإلَّا لعرف ذلك عمر ﵁.
٥ - قوَّة صاحب الحجَّة على مخالفه ولو كان كبير القدر.
٦ - صحَّة المذهب إذا قام على الدَّليل.
٧ - فضيلة حسَّان ﵁ لإنشاده الشِّعر الَّذي فيه نصرة الرَّسول ﷺ ، وأمر النَّبيِّ ﷺ له بذلك وإذنه له بذلك في المسجد.
٨ - فضيلة عمر ﵁ لتسليمه لحكم النَّبيِّ ﷺ فلم يعارض السُّنَّة برأيه لمَّا استبانت له.
٩ - أنَّ الشِّعر ممَّا يجاهد به في سبيل الله وينصر به الدِّين، وهذا خير أنواع الشِّعر.
١٠ - الاستدلال على جواز الشَّيء بإقرار النَّبيِّ ﷺ لفاعله.
١١ - إنزال النَّاس منازلهم.
١٢ - مواجهة المفضول بفضل الفاضل عليه إذا اقتضت الحال ذلك.
стр. 261
(٢٨٢) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ (١) ضَالَّةً فِي المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
(٢٨٣) وَعَنْهُ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (٣).
* * *
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - تحريم إنشاد الضَّالَّة في المسجد، وإنشاد الضَّالَّة في هذا الحديث هو السُّؤال عنها، وتحريم البيع والشِّراء في المسجد.
٢ - مشروعيَّة الدُّعاء على من أنشد ضالَّةً في المسجد؛ بألَّا يردَّها الله عليه، والدُّعاء على من باع أو ابتاع في المسجد؛ ألَّا يربح الله تجارته.
٣ - الإنكار على منشد الضَّالَّة في المسجد وإن كان جاهلاً، وكذا من باع أو ابتاع، فيكون الغرض من هذا الدُّعاء هو الإنكار والزَّجر لا حقيقة معناه.
٤ - تعليل النَّهي عن إنشاد الضَّالَّة في المسجد؛ بأنَّ المسجد لم يبن لذلك، فإنَّ المسجد قد بني لمصالح الدِّين، والإنشاد من طلب الدُّنيا، وكذا البيع والشِّراء.
٥ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة.
٦ - مشروعيَّة أن يبيَّن للمنشد وغيره سبب الإنكار والإغلاظ.
٧ - أنَّ تعليل الإنكار بما ذكر يفيد عموم الحكم، فيتناول البيع والشِّراء.
٨ - أنَّ حكم اللُّقطة حكم الضَّالَّة لا يجوز إنشادها في المسجد.
стр. 262
٩ - تعظيم المساجد وصيانتها عمَّا لم تبن له وإن كان جنسه مباحًا كالبيع والشِّراء إلَّا ما خصَّه الدَّليل كالنَّوم في المسجد، ومن باب أولى صيانتها عن الأقوال والأفعال المحرَّمة.
١٠ - أنَّ الله هو الذي يردُّ الضَّالَّة إلى صاحبها بما شاء من الأسباب؛ فيوجب ذلك التوكُّل على الله واللَّجأ إليه في ردِّها، ولا يمنع ذلك من فعل السَّبب كإنشادها عند أبواب المساجد والأسواق، ومن ذلك الإعلان عنها في وسائل الإعلام.
١١ - أنَّ من تسبَّب إلى ردِّها بما حرَّم الله قد يعاقب بالحرمان، ومن أشدِّ ذلك الاستعانة على معرفة الضَّالَّة بسؤال السَّحرة والكهَّان.
* * * * *
(٢٨٤) وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ، ولا يُسْتَقَادُ فِيهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١).
* * *
الحديث وإن ضعَّفه المصنِّف هنا فقد قال في التَّلخيص: «إسناده لا بأس به» (٢). وبشواهده حسَّنه الألبانيُّ (٣)، ويشهد لصحَّة معناه النُّصوص الدَّالَّة على تعظيم المساجد وصيانتها عن كلِّ ما ينافي طهارتها وحرمتها.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم إقامة الحدود في المسجد؛ كقطع يد السَّارق، وجلد الزَّاني أو رجمه، وجلد القاذف والشَّارب، وإقامة هذه الحدود وإن كانت عبادةً فإنَّها تستلزم أمورًا لا تليق بحرمة المسجد؛ كالنَّجاسة، فإنَّ قطع يد السَّارق أو رجم الزَّاني يؤدِّي إلى تنجيس المسجد بالدَّم، كما يلزم الصُّراخ من المحدود.
стр. 263
٢ - تحريم الاستقادة في المسجد، وهو الاقتصاص من الجاني بالقتل أو ما دونه، ويلزم منه ما يلزم من إقامة الحدود، أمَّا إثبات الحدود والملاعنة فتجوز في المسجد؛ لأنَّه لا يترتَّب على ذلك مفسدةٌ.
٣ - إثبات الحدود في الشَّرع، وهي في اصطلاح الفقهاء: العقوبات المقدَّرة؛ كقطع يد السَّارق، وجلد الزَّاني والقاذف، وإقامتها واجبةٌ إذا استوفيت الشُّروط.
٤ - إثبات القود في الشَّرع؛ وهو القصاص في النَّفس وما دونها، ويجب بمطالبة صاحب الحقِّ.
* * * * *
(٢٨٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَضَرَبَ عليهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ؛ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز ضرب الخيمة في المسجد ما لم يضرَّ ذلك بالمصلِّين، كما فعل النَّبيُّ ﷺ لاعتكافه، وكما ضرب خيمةً لسعدٍ ﵁ يمرَّض فيها.
٢ - جواز تمريض المريض في المسجد.
٣ - فضيلة سعد بن معاذٍ ﵁.
٤ - احتفاء النَّبيِّ ﷺ بسعد بن معاذٍ ﵁.
٥ - مشروعيَّة عيادة المريض.
* * * * *
стр. 264
(٢٨٦) وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ … » الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - جواز اللَّعب بالحراب ونحوها في المسجد.
٢ - أنَّ من مظاهر الفرح اللَّعب بالسِّلاح، فقد كان لعب الحبشة في يوم عيدٍ، وليس من اللَّعب بالسِّلاح أن يشير به بعضهم إلى بعضٍ فإنَّ ذلك محرَّمٌ، بل من كبائر الذُّنوب، بل يكون برمي الحربة في الهواء، ثمَّ أخذها أو الرَّمي بها إلى الهدف، أو القفز مع شهر الحربة أو السَّيف ونحو ذلك.
٣ - جواز النَّظر للاستمتاع إلى من يفعل ذلك.
٤ - جواز نظر المرأة إلى الرِّجال لغير شهوةٍ ودون اختلاطٍ، فإنَّ عائشة ﵂ كانت تنظر إليهم من حجرتها، أمَّا إذا رأت المرأة من الرِّجال ما يحرِّك شهوتها أو خشيت ذلك وجب عليها غضُّ بصرها، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١].
٥ - جواز إعانة الرَّجل امرأته على ذلك.
٦ - أنَّ القليل من الفضول لا يقدح في منزلة الأفاضل.
٧ - فضيلة عائشة ﵂ لمنزلتها من النَّبيِّ ﷺ .
٨ - أنَّ للحبشة طريقةً عجيبةً في اللَّعب بالحراب.
٩ - حسن خلقه ﷺ وحسن معاشرته لأهله.
* * * * *
стр. 265
(٢٨٧) وَعَنْهَا ﵂: «أَنَّ وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَان لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ، فَكَانتْ تَأْتِينِي، فَتَحَدَّثُ عِنْدِي … » الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* * *
هذا طرفٌ من حديثٍ طويلٍ تضمَّن قصَّة هذه الوليدة.
وفيه فوائد، منها:
١ - جواز اتِّخاذ الخباء في المسجد إذا لم يؤذ المصلِّين.
٢ - جواز سكنى الغريب في المسجد وإن كانت امرأةً ما لم تصبها الحيضة، فمتى حاضت فلا يحلُّ لها اللُّبث في المسجد إلَّا للضَّرورة.
في قصَّة هذه الوليدة بعض الأمور العجيبة، ولهذا كانت تنشد عند عائشة ﵂:
وَيَوْمُ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا
أَلَا إِنَّهُ مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّانِي
وقد قصَّت على عائشة ﵂ قصَّة الوشاح، وخلاصتها: أنَّها كانت عند قومٍ كفَّارٍ، وكان لإحدى بناتهم وشاحٌ من أدمٍ أحمر ففقدوه، فاتَّهموا به الوليدة، فضربوها وفتَّشوها، وبينما هم كذلك، إذ جاءت حدأةٌ فألقت الوشاح بينهم، فاعتذروا لها وخلَّوا سبيلها فقالت هذا البيت، وصارت تردِّده، وفي هذه القصَّة فوائد تركنا ذكرها اختصارًا.
* * * * *
(٢٨٨) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢).
* * *
стр. 266
البزاق مصدرٌ وهو التَّفل، ويطلق على ما يبصقه الإنسان من ريقه ومن النُّخامة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - تحريم البصاق في المسجد؛ أي: على أرضه أو جداره وأشدُّ ذلك ما كان في قبلته.
٢ - أنَّ كفَّارة البصاق في المسجد دفنها، وذلك إذا كانت على أرضٍ ترابيَّةٍ، أمَّا إذا كانت على الجدار أو على فراش المسجد فلا بدَّ من حكِّها ومسحها.
٣ - وجوب صيانة المسجد عن الأقذار وإن لم تكن نجاسةً، فالنَّجاسة أولى أن يصان عنها المسجد.
٤ - أنَّ قوله ﷺ : «خَطِيئَةٌ» يدلُّ على أنَّ البصاق ذنبٌ محقَّقٌ تجب التَّوبة منه، ولا يجوز تعمُّده ولو نوى التَّكفير.
٥ - أنَّ البزاق طاهرٌ.
* * * * *
(٢٨٩) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١).
* * *
التَّباهي: التَّفاخر. والتَّباهي في المساجد يحتمل أنَّ المراد التَّفاخر في داخل المساجد بالأحساب والأنساب ونحو ذلك، ومعلومٌ أنَّ ذلك من أمور الجاهليَّة كما قال ﷺ : «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ فِي
стр. 267
الأَحْسَابِ … » (١) وهذا ممَّا يجب أن تصان عنه المساجد كسائر المحرَّمات، ويحتمل أن يكون المراد التَّباهي بتشييد المساجد وزخرفتها وتزيينها، فيكون المعنى: حتَّى يتباهى النَّاس في شأن المساجد؛ بمعنى: يتباهى النَّاس بالمساجد، والثَّاني هو المشهور والمعروف في كلام شرَّاح الحديث، وهو من التَّفاخر بما هو مذمومٌ في الشَّرع، وعدولٌ عن مقصود الشَّرع ببناء المساجد.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - إثبات قيام السَّاعة، وهي القيامة الكبرى.
٢ - أنَّ للسَّاعة علاماتٍ.
٣ - أنَّ من علاماتها أن يتباهى النَّاس في المساجد.
٤ - ذمُّ التَّباهي في المساجد وبالمساجد.
٥ - إعراض كثيرٍ من النَّاس عن المقاصد الشَّرعيَّة الحقيقيَّة واهتمامهم بخلافها.
٦ - ذمُّ زخرفة المساجد، وليس من المذموم إحكام بنائها وتوفير ما يعين على العبادة فيها.
٧ - في الحديث علمٌ من أعلام النُّبوَّة، فقد وقع ما أخبر به النَّبيُّ ﷺ كما أخبر، فقد تباهى النَّاس في المساجد.
٨ - الرَّدُّ على من ينكر بناء المساجد من غير عنايةٍ بزخرفتها وزينتها.
٩ - أنَّ من النَّاس من يعمل العمل يظنُّه عملاً صالحًا وهو بخلاف ذلك.
* * * * *
стр. 268
(٢٩٠) وَعَنِ ابْنِ عَباسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١).
* * *
تشييد المساجد رفع بنائها فوق الحاجة، وقيل: طلاؤها بالشِّيد، وهو الجصُّ، وقوله ﷺ : «مَا أُمِرْتُ»؛ أي: ما أمرني ربِّي، وفي معناه: صبغها بالألوان.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - أنَّ الرَّسول ﷺ عبدٌ يؤمر وينهى، ورسولٌ يبلِّغ أمر الله ونهيه.
٢ - أنَّ تشييد المساجد ليس مأمورًا به؛ لا وجوبًا ولا استحبابًا.
٣ - أنَّ تشييد المساجد مكروهٌ، وقد يكون محرَّمًا إذا تضمَّن الإسراف.
٤ - استحباب الاقتصاد في بناء المساجد.
٥ - أنَّ التَّعبُّد بتشييد المساجد بدعةٌ.
* * * * *
(٢٩١) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢).
* * *
الحديث ضعيفٌ (٣)، ولكنَّ القدر الَّذي ذكره الحافظ معناه صحيحٌ يشهد له قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]. وحديث المرأة الَّتي كانت تقمُّ المسجد (٤).
стр. 269
وقوله ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي» معناه: أعلمه الله بأجور أعمالهم حتَّى أجر إخراج القذاة من المسجد، والقذاة ما يؤذي العين، وهو مثالٌ للقلَّة.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - إثبات الجزاء على الأعمال.
٢ - تفاوت الأجور بحسب تفاضل الأعمال الصَّالحة.
٣ - استحباب إخراج القمامة من المسجد وإن كانت يسيرةً.
٤ - إطلاع الله نبيَّه على ثواب الأعمال.
٥ - تسمية ثواب الأعمال أجرًا، وهذا المعنى في القرآن كثيرٌ.
* * * * *
(٢٩٢) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* * *
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - نهي الدَّاخل إلى المسجد عن الجلوس قبل أن يصلِّي ركعتين، فإن كان على طهارةٍ صلَّى، وإن لم يكن على طهارةٍ فينبغي له أن يتوضَّأ ليصلِّي الرَّكعتين، فعلى القول بوجوبهما؛ يجب التَّطهُّر من أجل أن يصلِّيهما، وإن كانتا سنَّةً سنَّ له التَّطهُّر، فإنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجبٌ، وما لا يتمُّ المسنون إلَّا به فهو سنَّةٌ مستحبَّةٌ.
٢ - أنَّه يشرع لمن دخل المسجد أن يصلِّي ركعتين، وتسمَّى هاتان الرَّكعتان عند العلماء تحيَّة المسجد، وذهب الجمهور إلى أنَّهما سنَّةٌ؛ لقوله ﷺ للأعرابيِّ الَّذي قال: هل عليَّ غيرها؟ أي: الصَّلوات الخمس، قال: «لَا، إِلَّا أَنْ
стр. 270
تَطَوَّعَ» (١)، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبهما. وقد ثبت الأمر بهما والنَّهي عن تركهما، وهذا القول قويٌّ، وهو قول الظَّاهريَّة (٢) وآخرين من العلماء (٣).
٣ - جواز صلاة الرَّكعتين في أيِّ وقتٍ للإطلاق في وقت الدُّخول، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من خصَّ هذا الحديث بأحاديث أوقات النَّهي، وخصَّ آخرون أحاديث أوقات النَّهي بهذا الحديث وغيره من أحاديث ذوات الأسباب؛ كصلاة الكسوف، وركعتي الطَّواف. والقول الثَّاني أظهر في النَّظر، وممَّا يرجِّح صلاة تحيَّة المسجد في وقت النَّهي؛ أنَّه ﷺ أمر الَّذي دخل المسجد وجلس -والنَّبيُّ ﷺ يخطب يوم الجمعة- أمره أن يقوم فيصلِّي ركعتين (٤)، ففي هذا دلالةٌ على أنَّ تحيَّة المسجد لا تفوت بالجلوس، بل من جلس خطأً أو نسيانًا فإنَّه يؤمر بها ويذكَّر بها، وأيضًا فإنَّ حديث أبي قتادة ﵁ عامٌّ محفوظٌ لم يدخله التَّخصيص وأحاديث النَّهي عامَّةٌ في الصَّلاة وقد دخلها التَّخصيص، والعامُّ المحفوظ مقدَّمٌ على العامِّ الَّذي قد دخله الخصوص.
٤ - أنَّ من تعظيم المسجد صلاة هاتين الرَّكعتين.
* * * * *
стр. 271
بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
جمع المصنِّف في هذا الباب أحاديث صفة الصَّلاة، وجعلها تحت بابٍ واحدٍ ولم يصنِّفها أبوابًا كما يصنع أكثر المصنِّفين، ولهذا كان هذا الباب أطول أبواب كتاب الصَّلاة، وموضوع هذا الباب هو الغاية من كتاب الصَّلاة، وما قبله وسيلةٌ وما بعده توابع ومكمِّلاتٌ.
* * * * *
(٢٩٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاة فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١).
(٢٩٤) وَلاِبْنِ مَاجَه بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ: «حتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا» (٢).
(٢٩٥) وَمِثلُهُ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ (٣). وَفِي لَفْظٍ لأَحْمَدَ: «فَأَقِمْ صُلْبَكَ حتَّى تَرْجِعَ العِظَامُ» (٤).
(٢٩٦) وَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ: «إِنَّهَا لَنْ تَتِمَّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللهَ، وَيَحْمَدَهُ، وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ» (٥).
стр. 272
(٢٩٧) وَفِيهَا: «فَإِنْ كَان مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وَكَبِّرْهُ، وَهَلِّلْهُ» (١).
(٢٩٨) وَلأَبِي دَاوُدَ: «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللهُ» (٢).
(٢٩٩) وَلاِبْنِ حِبَّانَ: «ثُمَّ بِمَا شِئْتَ» (٣).
* * *
هذا الحديث يعرف عند العلماء بحديث المسيء في صلاته، فإنَّ سببه أنَّ رجلاً دخل المسجد فصلَّى ثمَّ جاء فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ ، فقال ﷺ : «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ … » ردَّه ثلاثًا، فقال: يا رسول الله، والَّذي بعثك بالحقِّ لا أحسن غير هذا فعلِّمني، فعلَّمه النَّبيُّ ﷺ .
والحديث أصلٌ في صفة الصَّلاة وأكمل بيانٍ قوليٍّ في ذلك، واتَّفق العلماء على وجوب ما تضمَّنه من ذلك، وأنَّ الصَّلاة لا تصحُّ بترك شيءٍ ممَّا جاء فيه، إلَّا الاستفتاح على ما جاء في حديث رفاعة ﵁.
وقد عزاه المصنِّف إلى السَّبعة من المصنِّفين، واعتمد أحد ألفاظ البخاريِّ كما ذكر، وأضاف إلى ذلك بعض الرِّوايات الَّتي فيها زيادة بيانٍ من حديث أبي هريرة ﵁ ومن حديث رفاعة بن رافعٍ ﵁.
وفي الحديث فوائد كثيرةٌ، منها:
١ - بداءة الدَّاخل للمسجد بالصَّلاة.
٢ - مشروعيَّة السَّلام على من كان في المسجد.
٣ - مشروعيَّة السَّلام لمن جاء إلى مجلس علمٍ.
٤ - تكرار السَّلام بتكرُّر المجيء.
стр. 273
٥ - حسن تعليمه ﷺ للجاهل، ومن ذلك ترديده له؛ ليشعر بالخطأ ويتطلَّع إلى التَّعليم، ولهذا قال في الثَّالثة: «والَّذي بعثك بالحقِّ ما أحسن غير هذا، فعلِّمني».
٦ - حسن أدب هذا الرَّجل ﵁.
٧ - أنَّ من صلَّى وترك ركنًا من الصَّلاة أو شرطًا لم يكن مصلِّيًا الصَّلاة الشَّرعيَّة؛ فلا تصحُّ صلاته.
٨ - وجوب الإعادة على من صلَّى كذلك ولو كان جاهلاً ما دام في الوقت.
٩ - العذر بالجهل فيما مضى وخرج وقته من العبادات ما لم يكن ذلك عن تفريطٍ.
١٠ - وجوب الوضوء على من قام إلى الصَّلاة إذا لم يكن توضَّأ قبل ذلك.
١١ - وجوب إسباغ الوضوء.
١٢ - وجوب استقبال القبلة في الصَّلاة، وهذان شرطان من شروط الصَّلاة باتِّفاق العلماء؛ الطَّهارة واستقبال القبلة.
١٣ - وجوب القيام في الصَّلاة على من كان قادرًا.
١٤ - وجوب تكبيرة الإحرام حال القيام لمن كان قادرًا، وهي ركنٌ لا تنعقد الصَّلاة بدونها.
١٥ - أنَّ معنى التَّكبير قول (الله أكبر) فلا يقوم غير هذا اللَّفظ مقامه، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الصَّواب.
١٦ - وجوب قراءة شيءٍ من القرآن في الصَّلاة على من يحفظ شيئًا منه.
стр. 274
١٧ - تعيُّن سورة الفاتحة لمن يحفظها، والقراءة ركنٌ في الصَّلاة لا تصحُّ بدونها مع القدرة.
١٨ - أنَّ من ليس معه شيءٌ من القرآن ولا يقدر على تعلُّمه يجزئه أن يذكر الله ويحمده ويكبِّره.
١٩ - أنَّ الرُّكوع في الصَّلاة فرضٌ.
٢٠ - وجوب الطُّمأنينة في الرُّكوع وأنَّه لا يجزئ إلَّا بها.
٢١ - وجوب الاعتدال من الرُّكوع ووجوب الطُّمأنينة فيه، فلا تصحُّ الصَّلاة بدونهما خلافًا للحنفيَّة.
٢٢ - أنَّ السُّجود في الصَّلاة فرضٌ، وقد اتَّفق المسلمون على هذا، كما تجب فيه الطُّمأنينة.
٢٣ - وجوب الرَّفع من السُّجود، ووجوب الطُّمأنينة بين السَّجدتين خلافًا لأبي حنيفة ﵀.
٢٤ - وجوب السَّجدة الثَّانية والطُّمأنينة فيها وإن لم تذكر في أكثر الرِّوايات، وهي في إحدى روايات البخاريِّ، وقد انعقد الإجماع على فرض هذه السَّجدة (١).
٢٥ - أنَّ كلَّ ما تقدَّم فرضٌ في كلِّ ركعةٍ من الصَّلاة، لقوله ﷺ : «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا».
٢٦ - وجوب التَّرتيب بين أركان الصَّلاة على وفق ما جاء في هذا الحديث.
٢٧ - أنَّ التَّسميع والتَّحميد وتكبيرات الانتقال والتَّسبيح في الرُّكوع والسُّجود ليست من واجبات الصَّلاة إلَّا أن يدلَّ لها دليلٌ آخر.
стр. 275
٢٨ - وجوب هذه الأركان في كلِّ صلاةٍ فرضًا كانت أو نفلاً إلَّا ما خصَّه الدَّليل.
٢٩ - جواز الحلف على الخبر وإن لم يستحلف المخبر، لقول الرَّجل: والَّذي بعثك بالحقِّ.
٣٠ - الحلف بالله بذكر فعلٍ من أفعاله.
٣١ - ثناء السَّائل على المسؤول.
٣٢ - اعتراف السَّائل على نفسه بالجهل لحثِّ العالم على تعليمه.
٣٣ - يسر الشَّريعة الإسلاميَّة؛ لقوله ﷺ : «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا».
٣٤ - أنَّ الاستفتاح بعد التَّكبير من تمام الصَّلاة.
٣٥ - استحباب الزِّيادة على الفاتحة بما تيسَّر من القرآن.
* * * * *
(٣٠٠) وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ولا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (١).
* * *
هذا الحديث أشمل حديثٍ ورد في سنن الصَّلاة الفعليَّة.
стр. 276
وقد اشتمل على فوائد، منها:
١ - حرص الصَّحابة ﵃ على العلم وعلى الاقتداء بالنَّبيِّ ﷺ .
٢ - مشروعيَّة تكبيرة الإحرام، وهي من أركان الصَّلاة.
٣ - رفع اليدين حذو المنكبين عند تكبيرة الإحرام.
٤ - إمكان اليدين من الرُّكبتين حال الرُّكوع، وذلك بقبضهما باليدين مفرَّجتي الأصابع.
٥ - هصر الظَّهر حال الرُّكوع؛ وهو تسويته، فلا يكون مقوَّسًا.
٦ - الاعتدال بعد الرُّكوع حتَّى يكون كما كان قبله، وهذا الاعتدال ركنٌ كما تقدَّم في حديث المسيء.
٧ - وضع اليدين -أي: الكفَّين- على الأرض حال السُّجود.
٨ - صفة وضع اليدين بأن تكون الكفَّان مبسوطتين غير مفترش الذِّراعين.
٩ - استقبال القبلة بأطراف أصابع الرِّجلين حال السُّجود، وذلك بأن يجعل بطون الأصابع إلى الأرض.
١٠ - صفة الجلوس في التَّشهُّد الأوَّل؛ وذلك بأن يقعد على رجله اليسرى وينصب اليمنى، ومثله الجلوس بين السَّجدتين.
١١ - صفة الجلوس في التَّشهُّد الأخير، وهي أن يقدِّم رجله اليسرى إلى يمينه وينصب اليمنى، ويقعد على مقعدته؛ وتسمَّى هذه الجلسة: التَّورُّك. وتسمَّى جلسة التَّشهُّد الأوَّل: الافتراش. هذا؛ وقد اختلف العلماء في التَّورُّك والافتراش؛ والرَّاجح بالدَّليل ما ذكرناه؛ وهو: أنَّ المصلِّي يجلس في التَّشهُّد الأوَّل مفترشًا، وفي التَّشهُّد الأخير متورِّكًا، وذلك في الصَّلاة ذات التَّشهُّدين كالظُّهر والعصر. وأمَّا الصَّلاة التي ليس فيها إلا تشهُّدٌ واحدٌ؛ كالفجر والجمعة وما شابههما من النَّوافل، فلا تورُّك فيها، وهذا مشهور مذهب الإمام أحمد ﵀.
стр. 277
١٢ - مشروعيَّة الرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة، وهما من أركانها كما تقدَّم، وكلُّ ما ذكر في الحديث فهو من سنن الصَّلاة إلَّا تكبيرة الإحرام، والرُّكوع، والاعتدال، والسُّجود؛ فإنَّها أركانٌ.
* * * * *
(٣٠١) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ … » إِلَى قَوْلِهِ: «مِنَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ … » إِلَى آخِرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).
(٣٠٢) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «أَنَّ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ» (٢).
* * *
هذا الحديث من أصحِّ ما ورد من أذكار الاستفتاح وأدعيته في الصَّلاة، وأطولها، وظاهر الرِّواية المشهورة أنَّ المراد إذا قام إلى الصَّلاة المكتوبة، لكن إذا صحَّت الرِّواية الَّتي أشار إليها المصنِّف أنَّ ذلك في قيام اللَّيل اختصَّ هذا الاستفتاح بصلاة اللَّيل، وقد يترجَّح ذلك بأنَّ هذا الاستفتاح طويلٌ فلا يناسب السَّكتة الَّتي ذكرها أبو هريرة ﵁ بقوله: «كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر للصَّلاة سكت هنيهةً» (٣)؛ فإنَّه يدلُّ على أنَّها قليلةٌ تناسب الدُّعاء الَّذي ذكر في الحديث، وقد اختصر المصنِّف حديث عليٍّ ﵁ واكتفى بذكر طرفٍ منه؛ لأنَّ منهجه في هذا الكتاب الاختصار.
وفي الحديث فوائد كثيرةٌ، منها:
١ - مشروعيَّة هذا الاستفتاح.
стр. 278
٢ - عظم شأنه بما اشتمل عليه من معاني التَّوجُّه والتَّذلُّل والتَّعظيم لله.
وقوله: «وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ».
فيه فوائد، منها:
٣ - استحضار الإخلاص في العمل.
٤ - ذكر توحيد الرُّبوبيَّة المقتضي لإخلاص العبادة له سبحانه.
٥ - أنَّ الحنيف هو المخلص لله في عبادته.
٦ - أنَّ ذلك لا يتمُّ إلَّا بالبراءة من الشِّرك والمشركين.
وقوله: «إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
فيه فوائد، منها:
٧ - استحضار تحقيق العبوديَّة والتَّوحيد في جميع الأحوال وفي جميع أنواع العبادة الَّتي من أعظمها الصَّلاة والنُّسك.
٨ - أنَّ الذَّبح لله عبادةٌ كالصَّلاة، والذَّبح لغيره شركٌ.
٩ - أنَّ التَّوحيد لا يتحقَّق إلَّا بتخصيصه تعالى بالعبادة مع نفي الشُّركاء، وهذا معنى لا إله إلَّا الله.
١٠ - أنَّ التَّوحيد أعظم ما أمر الله به.
١١ - أنَّه بالتَّوحيد يكون الإنسان مسلمًا ويدخل في عداد المسلمين، والإسلام هو: الاستسلام لله بتوحيده وطاعته.
١٢ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ عبدٌ لله، يأمره وينهاه.
стр. 279
وقوله: «اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ».
فيه فوائد، منها:
١٣ - إثبات اسم الله (الملك)، وصفة الملك له على كلِّ شيءٍ.
١٤ - إثبات تفرُّده بالإلهيَّة.
١٥ - التَّوسُّل إلى الله بربوبيَّته باسمه (الملك)، وبتفرُّده بالإلهيَّة.
١٦ - إثبات الرُّبوبيَّة العامَّة.
١٧ - اختصاص المخلوق بالعبوديَّة، والخالق بالرُّبوبيَّة.
١٨ - توسُّل العبد بربوبيَّته تعالى له وبعبوديَّته لربِّه.
١٩ - أنَّ ظلم النَّفس بالذُّنوب من شأن الإنسان.
٢٠ - التَّوسُّل إلى الله بالاعتراف بذلك.
٢١ - تأكيد الاعتراف بالذَّنب مع تنويع اللَّفظ، فقوله: «ظَلَمْتُ نَفْسِي» اعترافٌ، وقوله: «اعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي» تأكيدٌ.
٢٢ - مشروعيَّة الاستغفار من جميع الذُّنوب.
٢٣ - أنَّ كلَّ ما تقدَّم من التَّوسُّلات لطلب المغفرة.
٢٤ - إعظام الرَّغبة إلى الله لطلب المغفرة من جميع الذُّنوب.
٢٥ - أنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا الله.
٢٦ - التَّوسُّل إلى الله بذلك لطلب المغفرة.
٢٧ - مشروعيَّة طلب الهداية لأحسن الأخلاق والوقاية من سيِّئها.
стр. 280
٢٨ - أنَّه لا يقدر على ذلك إلَّا الله.
٢٩ - من حسن هذا الدُّعاء طلب الكمال في الفضائل والسَّلامة من كلِّ الرَّذائل، وطلب الكمال في الفضائل لقوله: «لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ»، والسَّلامة من كلِّ الرَّذائل لقوله: «وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا»، فالخير يدعى فيه بالأكمل والأفضل، والشَّرُّ تطلب السَّلامة من جميعه.
٣٠ - إثبات هداية التَّوفيق، والرَّدُّ على القدريَّة لقوله: «اهْدِنِي» و «اصْرِفْ عَنِّي».
٣١ - التَّوسُّل إلى الله بتفرُّده بذلك.
قوله: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
فيه فوائد، منها:
٣٢ - أنَّ التَّلبية لا تختصُّ بالإحرام بل تشرع في هذا الاستفتاح.
٣٣ - إظهار الاستجابة لدعوة الله والطَّاعة لأمره «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك» ومعناه: إجابةٌ لك بعد إجابةٍ، وإسعادٌ بعد إسعادٍ.
٣٤ - الثَّناء على الله بأنَّ الخير كلَّه عنده، وهو المتصرِّف فيه بالعطاء والمنع.
٣٥ - إثبات اليد لله.
٣٦ - أنَّ الشَّرَّ لا يضاف إلى الله اسمًا ولا صفةً ولا فعلاً، فأسماؤه كلُّها حسنى، وصفاته كلُّها صفات كمالٍ، وأفعاله كلُّها عدلٌ وحكمةٌ، وإنَّما يوجد الشَّرُّ في مخلوقاته وليس فيها شرٌّ محضٌ؛ لأنَّ كلَّ ما خلقه سبحانه فله فيه حكمةٌ، فوجوده موجب الحكمة.
стр. 281
٣٧ - الاستعانة بالله والتَّوكُّل عليه في قوله: «أَنَا بِكَ»، والتَّوجُّه إليه بعبادته وطاعته في قوله: «وَإِلَيْكَ».
٣٨ - تضمُّن الكلمتين «أَنَا بِكَ» «وَإِلَيْكَ» توحيد الرُّبوبيَّة وتوحيد العبادة.
٣٩ - تنزيه الله عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ في قوله: «تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ».
٤٠ - الثَّناء على الله بكثرة الخير في قوله: «تَبَارَكْتَ».
٤١ - الاستغفار من جميع الذُّنوب، وهو طلب المغفرة منه تعالى.
٤٢ - إظهار التَّوبة إلى الله من جميع الذُّنوب، وحقيقتها: الرُّجوع إلى الله بالنَّدم، والإقلاع عن المعاصي، وعقد العزم على تركها.
٤٣ - الجمع بين الاستغفار والتَّوبة.
٤٤ - أنَّ جماع ما اشتمل عليه هذا الاستفتاح التَّذلُّل لله وتعظيمه والثَّناء عليه وتمجيده والتَّوسُّل إليه بذلك في حصول المرغوب والنَّجاة من المرهوب.
٤٥ - افتقار النَّبيِّ ﷺ إلى ربِّه في جلب المنافع ودفع المضارِّ.
٤٦ - تحقيق النَّبيِّ ﷺ لمقام العبوديَّة بما اشتمل عليه هذا الذِّكر من التَّذلُّل وإظهار الافتقار مع التَّمجيد لله والثَّناء عليه.
* * * * *
(٣٠٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَّ بيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
* * *
стр. 282
هذا أصحُّ حديثٍ ورد في الاستفتاح، ولكنَّ هذا الاستفتاح دعاءٌ محضٌ.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استحباب السَّكتة بعد تكبيرة الإحرام.
٢ - الإسرار في الاستفتاح.
٣ - فضل أبي هريرة ﵁، وحرصه على العلم، وحسن أدبه؛ لقوله -كما في رواية مسلمٍ-: «بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله: أرأيت سكوتك … ».
٤ - التَّوجُّه إلى الله بطلب الوقاية من الخطايا، وهي الذُّنوب بأنواعها؛ ما وقع منها وما لم يقع، فما لم يقع؛ فالوقاية منه بالعصمة والحفظ، وهو مضمون الجملة الأولى، وما وقع؛ فبالمغفرة والعفو، وهو مضمون الجملة الثَّانية والثَّالثة.
٥ - أنَّ ضمان المغفرة لا يوجب ترك الاستغفار وعدم الخوف من الذُّنوب، فالرَّسول ﷺ مع أنَّ الله قد غفر له من ذنبه ما تقدَّم وما تأخَّر فإنَّه يدعو بهذا الدُّعاء ويستغفر كثيرًا.
٦ - مشروعيَّة التَّكبير عند الدُّخول في الصَّلاة.
٧ - أنَّ السُّكوت يطلق على الإسرار بالكلام.
٨ - أنَّ الذُّنوب دنس القلوب فناسب طلب النَّقاء منها نقاءً تامًّا.
٩ - أنَّ الثَّوب الأبيض يظهر عليه الوسخ وإن قلَّ.
١٠ - أنَّ الذُّنوب قذرٌ تطلب الطَّهارة منها.
١١ - أنَّ الذُّنوب تورث حرارةً وخبثًا، فناسب ذكر الماء والثَّلج والبرد.
١٢ - أنَّ الصَّلاة ليس فيها سكوتٌ بل كلُّها ذكرٌ.
* * * * *
стр. 283
(٣٠٤) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، ولا إِلَهَ غَيْرُكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولاً، وَهُوَ مَوْقُوفٌ (١).
(٣٠٥) وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الخَمْسَةِ، وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بعْدَ التَّكْبِيرِ: «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ» (٢).
* * *
أثر عمر وحديث أبي سعيدٍ ﵃ اشتملا على أشهر الاستفتاحات في الصَّلاة وأوجزها وأفضلها كلماتٍ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، ولا إِلَهَ غَيْرُكَ»، وكان عمر ﵁ يجهر به في الصَّلاة، كما اشتمل حديث أبي سعيدٍ ﵁ على الاستعاذة بعد الاستفتاح.
وفي الحديثين فوائد؛ منها:
١ - مشروعيَّة هذا الاستفتاح.
٢ - اشتماله مع تكبيرة الإحرام على أربع الكلمات الَّتي عليها مدار غالب أنواع الذِّكر وهي: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر).
٣ - فضل هذا الاستفتاح بتمحُّضه للذِّكر بلفظ الخطاب لله.
٤ - تنزيه الله عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ.
٥ - الجمع بين الحمد والتَّسبيح في جملةٍ واحدةٍ في قوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ».
٦ - الثَّناء على الله ببركة أسمائه وهي كثرة الخير.
٧ - التَّمجيد لله بقوله: «وَتَعَالَى جَدُّكَ»؛ أي: جلَّت عظمتك.
стр. 284
٨ - توحيد الله في إلهيَّته بنفي الإلهيَّة عن غيره وإثباتها له سبحانه.
٩ - مشروعيَّة الاستعاذة بالله من الشَّيطان قبل القراءة، كما يدلُّ له قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].
١٠ - التَّوسُّل إلى الله في ذلك باسميه تعالى: السَّميع العليم.
١١ - الاستعاذة بالله من همز الشَّيطان ونفخه ونفثه، وهمزه: الخنق، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشِّعر الباطل.
١٢ - أنَّ القدوة من النَّاس ينبغي له أن يجهر بما يخفى على النَّاس من الأمور الشَّرعيَّة.
* * * * *
(٣٠٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ، وَالقِرَاءَةَ بِ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. وَكَان إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بيْنَ ذَلِكَ. وَكَان إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا. وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا. وَكَان يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ. وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَيَنْصِبُ اليُمْنَى. وَكَان يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاة بِالتَّسْلِيمِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١)، وَلَهُ عِلَّةٌ.
* * *
هذا الحديث يشبه حديث أبي حميدٍ السَّاعديِّ ﵁ المتقدِّم (٢) من حيث شموله لكثيرٍ ممَّا يشرع في الصَّلاة، بل هو موافقٌ لحديث أبي حميدٍ ﵁ في أكثر ما جاء فيه، فهو من أصول أحاديث صفة الصَّلاة، والحديث رواه مسلمٌ فهو صحيحٌ عنده، وقد أعلَّه بعضهم بأنَّ أبا الجوزاء الرَّاوي عن عائشة ﵂ لم يسمع هذا الحديث منها؛ لأنَّه جاء في بعض الرِّوايات أنَّه أرسل إليها رسولاً
стр. 285
فسألها، وهذا ما أشار إليه الحافظ بقوله: «وله علَّةٌ»، ولكنَّ الرَّاجح: ما ذهب إليه مسلمٌ فإنَّه على شرطه؛ لأنَّ المعاصرة وإمكان السَّماع كافيان في الحكم باتِّصال رواية الثِّقة عن شيخه، وأبو الجوزاء مع عائشة ﵂ متحقِّقٌ فيه ذلك فوجب حمله على الاتِّصال، والله أعلم.
وفي الحديث فوائد؛ منها:
١ - استفتاح الصَّلاة بالتَّكبير، وهي تكبيرة الإحرام وهي ركنٌ.
٢ - استفتاح القراءة ب: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، ويحتمل أنَّ المراد السُّورة، ويحتمل أنَّ المراد الآية الأولى؛ فيدلُّ على عدم ذكر البسملة. وقراءة الفاتحة من أركان الصَّلاة كما تقدَّم في حديث المسيء.
٣ - مشروعيَّة الرُّكوع في الصَّلاة، وهو من أركانها.
٤ - أنَّ من صفة الرُّكوع ألَّا يصوِّب المصلِّي رأسه؛ أي: بأن يخفضه إلى الأرض، ولا يشخصه؛ أي: لا يرفعه، بل يكون محاذيًا لظهره.
٥ - مشروعيَّة الاعتدال من الرُّكوع والطُّمأنينة فيه، وهو من أركان الصَّلاة.
٦ - مشروعيَّة السُّجود، وهو من أركان الصَّلاة.
٧ - مشروعيَّة الجلوس بين السَّجدتين والطُّمأنينة فيه، وهو من أركان الصَّلاة.
٨ - مشروعيَّة السَّجدة الثَّانية، وحكمها حكم الأولى.
٩ - مشروعيَّة التَّشهُّد بعد كلِّ ركعتين، وهذا في الغالب، وإلَّا فيشرع التَّشهُّد في الثَّالثة من المغرب، وفي الوتر بواحدةٍ، وقد لا يتشهَّد في الوتر إلَّا في الثَّالثة أو الخامسة أو السَّابعة.
١٠ - مشروعيَّة السَّلام، وبه التَّحلُّل من الصَّلاة، وقيل: إنَّه ركنٌ، وقيل: سنَّةٌ، والأوَّل أظهر، وهو قول الجمهور من العلماء (١).