← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٣٧ - الاستعانة بالله والتَّوكُّل عليه في قوله: «أَنَا بِكَ»، والتَّوجُّه إليه بعبادته وطاعته في قوله: «وَإِلَيْكَ». ٣٨ - تضمُّن الكلمتين «أَنَا بِكَ» «وَإِلَيْكَ» توحيد الرُّبوبيَّة وتوحيد العبادة. ٣٩ - تنزيه الله عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ في قوله: «تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ». ٤٠ - الثَّناء على الله بكثرة الخير في قوله: «تَبَارَكْتَ». ٤١ - الاستغفار من جميع الذُّنوب، وهو طلب المغفرة منه تعالى. ٤٢ - إظهار التَّوبة إلى الله من جميع الذُّنوب، وحقيقتها: الرُّجوع إلى الله بالنَّدم، والإقلاع عن المعاصي، وعقد العزم على تركها. ٤٣ - الجمع بين الاستغفار والتَّوبة. ٤٤ - أنَّ جماع ما اشتمل عليه هذا الاستفتاح التَّذلُّل لله وتعظيمه والثَّناء عليه وتمجيده والتَّوسُّل إليه بذلك في حصول المرغوب والنَّجاة من المرهوب. ٤٥ - افتقار النَّبيِّ ﷺ إلى ربِّه في جلب المنافع ودفع المضارِّ. ٤٦ - تحقيق النَّبيِّ ﷺ لمقام العبوديَّة بما اشتمل عليه هذا الذِّكر من التَّذلُّل وإظهار الافتقار مع التَّمجيد لله والثَّناء عليه. * * * * * (٣٠٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ لِلصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَّ بيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * *

стр. 282

هذا أصحُّ حديثٍ ورد في الاستفتاح، ولكنَّ هذا الاستفتاح دعاءٌ محضٌ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب السَّكتة بعد تكبيرة الإحرام. ٢ - الإسرار في الاستفتاح. ٣ - فضل أبي هريرة ﵁، وحرصه على العلم، وحسن أدبه؛ لقوله -كما في رواية مسلمٍ-: «بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله: أرأيت سكوتك … ». ٤ - التَّوجُّه إلى الله بطلب الوقاية من الخطايا، وهي الذُّنوب بأنواعها؛ ما وقع منها وما لم يقع، فما لم يقع؛ فالوقاية منه بالعصمة والحفظ، وهو مضمون الجملة الأولى، وما وقع؛ فبالمغفرة والعفو، وهو مضمون الجملة الثَّانية والثَّالثة. ٥ - أنَّ ضمان المغفرة لا يوجب ترك الاستغفار وعدم الخوف من الذُّنوب، فالرَّسول ﷺ مع أنَّ الله قد غفر له من ذنبه ما تقدَّم وما تأخَّر فإنَّه يدعو بهذا الدُّعاء ويستغفر كثيرًا. ٦ - مشروعيَّة التَّكبير عند الدُّخول في الصَّلاة. ٧ - أنَّ السُّكوت يطلق على الإسرار بالكلام. ٨ - أنَّ الذُّنوب دنس القلوب فناسب طلب النَّقاء منها نقاءً تامًّا. ٩ - أنَّ الثَّوب الأبيض يظهر عليه الوسخ وإن قلَّ. ١٠ - أنَّ الذُّنوب قذرٌ تطلب الطَّهارة منها. ١١ - أنَّ الذُّنوب تورث حرارةً وخبثًا، فناسب ذكر الماء والثَّلج والبرد. ١٢ - أنَّ الصَّلاة ليس فيها سكوتٌ بل كلُّها ذكرٌ. * * * * *

стр. 283

(٣٠٤) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، ولا إِلَهَ غَيْرُكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولاً، وَهُوَ مَوْقُوفٌ (١). (٣٠٥) وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الخَمْسَةِ، وَفِيهِ: وَكَانَ يَقُولُ بعْدَ التَّكْبِيرِ: «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ» (٢). * * * أثر عمر وحديث أبي سعيدٍ ﵃ اشتملا على أشهر الاستفتاحات في الصَّلاة وأوجزها وأفضلها كلماتٍ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، ولا إِلَهَ غَيْرُكَ»، وكان عمر ﵁ يجهر به في الصَّلاة، كما اشتمل حديث أبي سعيدٍ ﵁ على الاستعاذة بعد الاستفتاح. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة هذا الاستفتاح. ٢ - اشتماله مع تكبيرة الإحرام على أربع الكلمات الَّتي عليها مدار غالب أنواع الذِّكر وهي: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر). ٣ - فضل هذا الاستفتاح بتمحُّضه للذِّكر بلفظ الخطاب لله. ٤ - تنزيه الله عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ. ٥ - الجمع بين الحمد والتَّسبيح في جملةٍ واحدةٍ في قوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ». ٦ - الثَّناء على الله ببركة أسمائه وهي كثرة الخير. ٧ - التَّمجيد لله بقوله: «وَتَعَالَى جَدُّكَ»؛ أي: جلَّت عظمتك.

стр. 284

٨ - توحيد الله في إلهيَّته بنفي الإلهيَّة عن غيره وإثباتها له سبحانه. ٩ - مشروعيَّة الاستعاذة بالله من الشَّيطان قبل القراءة، كما يدلُّ له قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]. ١٠ - التَّوسُّل إلى الله في ذلك باسميه تعالى: السَّميع العليم. ١١ - الاستعاذة بالله من همز الشَّيطان ونفخه ونفثه، وهمزه: الخنق، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشِّعر الباطل. ١٢ - أنَّ القدوة من النَّاس ينبغي له أن يجهر بما يخفى على النَّاس من الأمور الشَّرعيَّة. * * * * * (٣٠٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ، وَالقِرَاءَةَ بِ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. وَكَان إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بيْنَ ذَلِكَ. وَكَان إِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا. وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا. وَكَان يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ. وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَيَنْصِبُ اليُمْنَى. وَكَان يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاة بِالتَّسْلِيمِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١)، وَلَهُ عِلَّةٌ. * * * هذا الحديث يشبه حديث أبي حميدٍ السَّاعديِّ ﵁ المتقدِّم (٢) من حيث شموله لكثيرٍ ممَّا يشرع في الصَّلاة، بل هو موافقٌ لحديث أبي حميدٍ ﵁ في أكثر ما جاء فيه، فهو من أصول أحاديث صفة الصَّلاة، والحديث رواه مسلمٌ فهو صحيحٌ عنده، وقد أعلَّه بعضهم بأنَّ أبا الجوزاء الرَّاوي عن عائشة ﵂ لم يسمع هذا الحديث منها؛ لأنَّه جاء في بعض الرِّوايات أنَّه أرسل إليها رسولاً

стр. 285

فسألها، وهذا ما أشار إليه الحافظ بقوله: «وله علَّةٌ»، ولكنَّ الرَّاجح: ما ذهب إليه مسلمٌ فإنَّه على شرطه؛ لأنَّ المعاصرة وإمكان السَّماع كافيان في الحكم باتِّصال رواية الثِّقة عن شيخه، وأبو الجوزاء مع عائشة ﵂ متحقِّقٌ فيه ذلك فوجب حمله على الاتِّصال، والله أعلم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استفتاح الصَّلاة بالتَّكبير، وهي تكبيرة الإحرام وهي ركنٌ. ٢ - استفتاح القراءة ب: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، ويحتمل أنَّ المراد السُّورة، ويحتمل أنَّ المراد الآية الأولى؛ فيدلُّ على عدم ذكر البسملة. وقراءة الفاتحة من أركان الصَّلاة كما تقدَّم في حديث المسيء. ٣ - مشروعيَّة الرُّكوع في الصَّلاة، وهو من أركانها. ٤ - أنَّ من صفة الرُّكوع ألَّا يصوِّب المصلِّي رأسه؛ أي: بأن يخفضه إلى الأرض، ولا يشخصه؛ أي: لا يرفعه، بل يكون محاذيًا لظهره. ٥ - مشروعيَّة الاعتدال من الرُّكوع والطُّمأنينة فيه، وهو من أركان الصَّلاة. ٦ - مشروعيَّة السُّجود، وهو من أركان الصَّلاة. ٧ - مشروعيَّة الجلوس بين السَّجدتين والطُّمأنينة فيه، وهو من أركان الصَّلاة. ٨ - مشروعيَّة السَّجدة الثَّانية، وحكمها حكم الأولى. ٩ - مشروعيَّة التَّشهُّد بعد كلِّ ركعتين، وهذا في الغالب، وإلَّا فيشرع التَّشهُّد في الثَّالثة من المغرب، وفي الوتر بواحدةٍ، وقد لا يتشهَّد في الوتر إلَّا في الثَّالثة أو الخامسة أو السَّابعة. ١٠ - مشروعيَّة السَّلام، وبه التَّحلُّل من الصَّلاة، وقيل: إنَّه ركنٌ، وقيل: سنَّةٌ، والأوَّل أظهر، وهو قول الجمهور من العلماء (١).

стр. 286

١١ - النَّهي عن عقبة الشَّيطان، وهي الإقعاء، وفسِّر الإقعاء بأن يجعل المصلِّي ظهور قدميه إذا جلس إلى الأرض ويفرِّق بينهما ويجلس بمقعدته على الأرض، وفسِّر بأن يقعد على مقعدته وينصب فخذيه وساقيه ويتَّكئ بيديه، وهذا تفسير أبي عبيدة (١). ١٢ - النَّهي عن افتراشٍ كافتراش السَّبع، وهو بسط الذِّراعين على الأرض حال السُّجود. ١٣ - مشروعيَّة الافتراش في الجلوس في الصَّلاة، وهو أن يفرش المصلِّي رجله اليسرى فيجلس عليها وينصب اليمنى، وذلك من سنن الصَّلاة. ١٤ - التَّشبيه للتَّقبيح والتَّنفير. * * * * * (٣٠٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃: «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٣٠٨) وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: «يَرْفَعُ يَدَيْهِ حتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ» (٣). (٣٠٩) وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ ﵁ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَكِنْ قَالَ: «حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ» (٤). * * * هذه الأحاديث اشتملت على سنَّةٍ من سنن الصَّلاة، وهي رفع اليدين في هذه المواضع وهي ثلاثةٌ: عند تكبيرة الإحرام، وعند الرُّكوع، والرَّفع منه، وصفة هذا الرَّفع: أن يرفع المصلِّي يديه حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه كما

стр. 287

في حديث مالك بن الحويرث مستقبلًا ببطونهما القبلة، وقد ورد رفع اليدين في موضعٍ رابعٍ، وهو عند القيام من التَّشهُّد الأوَّل كما جاء عن ابن عمر ﵃ في روايةٍ عند البخاريِّ (١)، وما ذكر فيه الرَّفع سوى هذه المواضع كالرَّفع عند السُّجود فهو عند المحقِّقين شاذٌّ، وقد ذهب جمهور العلماء إلى الرَّفع في هذه المواضع الأربعة، وذهب أبو حنيفة إلى عدم رفع اليدين إلَّا عند تكبيرة الإحرام، وهذه الأحاديث ظاهرة الدَّلالة على خلافه، والله أعلم. وقد جاءت آثارٌ تدلُّ على استحباب رفع اليدين عند التَّكبيرات الزَّوائد في صلاة العيدين والاستسقاء والتَّكبيرات في صلاة الجنازة، ويلاحظ أنَّ هذا الرَّفع عند التَّكبير في هذه المواضع كلِّها مرتبطٌ بالقيام، فهو مناسبٌ لما ورد من مشروعيَّة التَّكبير عند الصُّعود كما كان الصَّحابة ﵃ إذا علوا الثَّنايا كبَّروا وإذا هبطوا سبَّحوا (٢). * * * * * (٣١٠) وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى يَدِهِ اليُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ». أَخْرَجَه ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣). * * * هذا الحديث فيه مشروعيَّة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصَّدر في الصَّلاة حال القيام، وصفة ذلك أن يضع يده اليمنى على كفِّه اليسرى والرُّسغ والسَّاعد كما جاء في حديث وائل بن حجرٍ؛ وحديث وائلٍ هذا أصحُّ من حديث عليٍّ ﵁، وفيه قال: «إنَّ من السُّنَّة في الصَّلاة وضع الأكفِّ على الأكفِّ تحت

стр. 288

السُّرَّة» (١) فإنَّه حديثٌ ضعيفٌ، وقد اختلف العلماء في مكان وضع اليدين؛ فقيل: على الصَّدر، وقيل: فوق السُّرَّة، وقيل: تحت السُّرَّة، وقيل بالتَّخيير، والرَّاجح هو الأوَّل، والأمر في هذا واسعٌ. * * * * * (٣١١) وَعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٣١٢) وَفِي رِوَايَةٍ لاِبْنِ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣). (٣١٣) وَفِي أُخْرَى لأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إمَامِكُم؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (٤). * * * هذا الحديث هو عمدة من أوجب قراءة الفاتحة على كلِّ مصلٍّ، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا، والحديث معيِّنٌ لما يجب من القراءة في الصَّلاة؛ فيفسَّر به قوله ﷺ في حديث المسيء: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» (٥) وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ قراءة الفاتحة ركنٌ في الصَّلاة فتجب على الإمام والمنفرد، وذهب أبو حنيفة إلى صحَّة صلاة من لم يقرأ الفاتحة (٦)

стр. 289

مستدلًّا بحديث: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثلاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ» (١). واختلف القائلون بوجوب قراءة الفاتحة في وجوبها على المأموم على مذاهب: ١ - أنَّها لا تجب على المأموم مطلقًا، لكن يستحبُّ له أن يقرأها في سكتات الإمام وما يسرُّ فيه، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، واستدلُّوا بحديث: «مَنْ كَان لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» (٢). ٢ - وجوب القراءة مطلقًا؛ أي: في الصَّلاة السِّرِّيَّة والجهريَّة، واستدلُّوا بعموم حديث عبادة هذا، وبرواية أحمد وأبي داود وغيرهما لهذا الحديث، وفيه أنَّه قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ؟»، قلنا: نعم، قال: «لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا». وأجاب القائلون بعدم وجوب القراءة على المأموم عن هذا الحديث بأنَّه من قول عبادة ﵁، ورجَّح ذلك الإمام ابن تيميَّة ﵀ (٣). ٣ - أنَّ القراءة تجب على المأموم في السِّرِّيَّة دون الجهريَّة جمعًا بين حديث عبادة: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ»، وحديث: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٤) وفيه: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» (٥)، وهذا القول أرجح في النَّظر؛ لكن يشكل عليه حديث: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ» إلَّا إذا صحَّ أنَّه من قول عبادة ﵁.

стр. 290

ومن العجب أنَّ الظَّاهر من تقرير شيخ الإسلام ابن تيميَّة أن يذهب إلى القول الأوَّل. وممَّا يحسن ذكره هنا أنَّ شيخنا عبد العزيز بن بازٍ ﵀ يرى أنَّ الفاتحة في حقِّ المأموم واجبةٌ وليست ركنًا (١) فلا تجب مع النِّسيان ولا على المسبوق إذا أدرك الإمام في الرُّكوع، وهو قولٌ متوسِّطٌ يرتفع به الحرج، ويقوِّيه سعة الخلاف، وتعارض ظواهر الأدلَّة. * * * * * (٣١٤) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاة بِ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٣١٥) زَادَ مُسْلِمٌ: «لا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١)﴾ [الفاتحة: ١] فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ ولا فِي آخِرِهَا». (٣١٦) وَفِي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ: «لا يَجْهَرُونَ بِ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١)﴾ [الفاتحة: ١]» (٣). (٣١٧) وَفِي أُخْرَى لاِبْنِ خُزَيْمَةَ: «كَانُوا يُسِرُّونَ» (٤). وعلى هذا يحمل النَّفي في رواية مسلمٍ، خلافًا لمن أعلَّها. (٣١٨) وَعَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١)﴾ [الفاتحة: ١]، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ: ﴿وَلَا الضَّالِّين (٧)﴾ قَالَ: آمِينَ. وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الجُلُوسِ: اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَقُولُ إِذَا

стр. 291

سَلَّمَ: وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ (١). (٣١٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا قَرَأْتُمُ الفَاتِحَةَ فَاقْرَؤُوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ فَإِنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَوَّبَ وَقْفَهُ (٢). (٣٢٠) وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ القُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: «آمِينَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (٣). (٣٢١) وَلأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُهُ (٤). * * * اشتملت هذه الأحاديث على حكم الجهر والإسرار بالبسملة في الصَّلاة الجهريَّة، وقد دلَّت روايات حديث أنسٍ ﵁ على هدي رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وعمر ﵃ في ذلك وأنَّهم كانوا لا يجهرون ب ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، بل كانوا يقرؤونها سرًّا، وهذا يفسِّر قوله: «كانوا يفتتحون الصَّلاة ب ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾؛ أي: يفتتحون القراءة في الصَّلاة بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ فليس المراد أنَّهم لا يقرؤون البسملة. ويشكل على حديث أنسٍ ﵁ حديث أبي هريرة ﵁ فإنَّه صريحٌ بأنَّه قرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، وأضاف جملة صلاته إلى الرَّسول ﷺ ، وقد جمع بين الحديثين بأنَّ الهدي الغالب من النَّبيِّ ﷺ هو الإسرار بالبسملة، وقد يجهر بها أحيانًا، وعلى هذا فالسُّنَّة هي الإسرار ويجوز الجهر، وقد تنازع العلماء في ذلك على مذاهب:

стр. 292

أَحَدُهَا: القول بما دلَّت عليه هذه الرِّوايات على ما تقدَّم (١)، وهو الصَّواب. الثَّانِي: الجهر بالبسملة دائمًا على أنَّها آيةٌ من الفاتحة (٢)، واستدلَّ من قال ذلك بحديث أبي هريرة ﵁، وتأوَّل قول أنسٍ ﵁: «كانوا يفتتحون الصَّلاة ب ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾» بأنَّه أراد اسم السُّورة، فكأنَّه قال: يفتتحون الصَّلاة بالفاتحة، وأعلَّ رواية مسلمٍ الصَّريحة في عدم ذكر البسملة، كما أشار الحافظ (٣). الثَّالِثُ: القول بعدم قراءة البسملة لا سرًّا ولا جهرًا تمسُّكًا بأكثر روايات حديث أنسٍ ﵁، ولأنَّ البسملة ليست آيةً من الفاتحة عنده، أو ليست آيةً من القرآن كما هو أحد الأقوال في عدِّ البسملة من القرآن (٤). الثَّاني: أنَّها آيةٌ من كلِّ سورةٍ (٥). الثَّالث: أنَّها آيةٌ من سورة الفاتحة (٦)، والصَّواب: أنَّها آيةٌ من القرآن أنزلت للفصل بين السُّور والدَّلالة على بداياتها، ولهذا أثبتها الصَّحابة أمام كلِّ سورةٍ. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ السُّنَّة ترك الجهر بالبسملة. ٢ - أنَّ هذا ممَّا مضى عليه الخلفاء الرَّاشدون. ٣ - أنَّ هذه السُّنَّة لم تنسخ.

стр. 293

٤ - أنَّ قول أنسٍ ﵁: «لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في أوَّل قراءةٍ ولا في آخرها» يريد ترك الجهر، وهذا يفسِّر قوله: «يفتتحون الصَّلاة ب ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾». ٥ - أنَّ البسملة ليست آيةً من الفاتحة، ويدلُّ له الحديث القدسيُّ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي … » الحديث (١). ٦ - تضعيف مذهب من يرى الجهر بالبسملة دائمًا. ٧ - جواز الجهر بها أحيانًا لبيان الجواز، كما هو ظاهر حديث أبي هريرة ﵁. ٨ - فضيلة سورة الفاتحة. ٩ - أنَّ من أسماء الفاتحة أمَّ القرآن؛ أي: أصله؛ لأنَّ معانيه أجملت فيها. ١٠ - أنَّ من صفة الصَّلاة التَّكبير في كلِّ خفضٍ ورفعٍ، قيل: إنَّ ذلك واجبٌ، وقيل: إنَّه سنَّةٌ. ١١ - أنَّ السُّنَّة للإمام إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّين (٧)﴾ أن يقول: «آمِينَ» يجهر بها الإمام والمأموم. ١٢ - تحرِّي أبي هريرة ﵁ صفة صلاة النَّبيِّ ﷺ وإرشاده النَّاس لذلك؛ لقوله ﵁: «والَّذي نفسي بيده إنِّي لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ ». * * * * * (٣٢٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵃ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إنِّي لا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْه، قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، ولا إِلَهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ

стр. 294

الْعَظِيمِ … » الحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالحَاكِمُ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - يسر هذا الدِّين. ٢ - وجوب القراءة في الصَّلاة. ٣ - سقوط القراءة عمَّن لا يستطيع حفظ شيءٍ من القرآن. ٤ - أنَّ من لا يستطيع شيئًا من القرآن يجزئه أن يقول: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، ولا إِلَهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ». ٥ - وجوب تعلُّم الفاتحة على من يستطيع ذلك. ٦ - تصديق المكلَّف فيما يخبر به عن حاله في أمر دينه؛ لأنَّه مؤتمنٌ عليه. ٧ - فضيلة هذا الذِّكر؛ لكونه بدلاً عن الفاتحة. * * * * * (٣٢٣) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «كَان رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَة الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، ويُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى، ويَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * *

стр. 295

هذا الحديث من أحاديث صفة الصَّلاة المتعلِّقة بالقراءة فيها. وفيه فوائد، منها: ١ - قراءة الفاتحة في كلِّ ركعةٍ من الظُّهر والعصر. ٢ - قراءة سورةٍ مع الفاتحة في الأوليين من الظُّهر والعصر. ٣ - الإسرار في القراءة في الظُّهر والعصر. ٤ - جواز الجهر ببعض الآيات بقدر ما يسمع القريب. ٥ - تطويل الإمام للرَّكعة الأولى من الصَّلاة؛ ومن حكمة ذلك أن يدرك النَّاس الصَّلاة من أوَّلها. ٦ - الاقتصار على قراءة الفاتحة في الرَّكعتين الأخريين من الظُّهر والعصر. ٧ - حرص الصَّحابة ﵃ على معرفة صفة الصَّلاة من النَّبيِّ ﷺ . * * * * * (٣٢٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السَّجْدَة]، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. وفِي الأُولَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ عَلَى قدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَالأُخْرَيَينِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث من أحاديث صفة الصَّلاة المبيِّنة لمقدار القيام في صلاتي الظُّهر والعصر.

стр. 296

وفيه فوائد، منها: ١ - أنَّ ما ذكر في الحديث من قدر قيامه ﷺ في الظُّهر والعصر كان بالحزر، وهو التَّقدير بالظَّنِّ. ٢ - أنَّ من طرق العلم الحزر من ذوي الخبرة بالشَّيء. ٣ - أنَّ القيام في الرَّكعتين الأوليين من الظُّهر بمقدار ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾. ٤ - أنَّ مقدار القيام في الرَّكعتين الأخريين من الظُّهر على النِّصف من الأوليين. ٥ - أنَّ الأوليين من العصر بمقدار الأخريين من الظُّهر. ٦ - أنَّ الرَّكعتين الأخريين من العصر على النِّصف من الأوليين. ٧ - عدم الاقتصار على الفاتحة في الرَّكعتين الأخريين من الظُّهر والعصر؛ لأنَّ الفاتحة لا تبلغ ربع ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، فضلاً عن نصفها، ولا منافاة بين هذا الحديث وحديث أبي قتادة ﵁ السَّابق الدَّالِّ على الاقتصار على الفاتحة، فيقال: الغالب هو الاقتصار، وقد يزيد النَّبيُّ ﷺ على الفاتحة في بعض الأحيان، وما دلَّ عليه حديث أبي قتادة ﵁ أقوى ممَّا دلَّ عليه حديث أبي سعيدٍ ﵁ وأرجح؛ لأنَّ حديث أبي قتادة ﵁ خبرٌ عن علمٍ وحديث أبي سعيدٍ ﵁ خبرٌ عن ظنٍّ. ٨ - أنَّ صلاة الظُّهر في جملتها أطول من صلاة العصر. * * * * * (٣٢٥) وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵀ قَالَ: كَانَ فُلَانٌ يُطِيلُ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ العَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي المغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ، وفِي

стр. 297

الصُّبْحِ بِطِوَالِهِ. فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَذَا». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (١). * * * هذا الحديث يتضمَّن بيان مقدار القيام والقراءة في الصَّلاة. وفيه فوائد، منها: ١ - أنَّ من هديه ﷺ تطويل الرَّكعتين الأوليين من الظُّهر والعصر. ٢ - تخفيف صلاة العصر، وقد دلَّ على ذلك حديث أبي قتادة وحديث أبي سعيدٍ المتقدِّمان (٢). ٣ - أنَّ هديه ﷺ في صلاة المغرب القراءة بقصار المفصَّل؛ مثل: (الضُّحى)، و (الشَّرح)، و (التِّين). ٤ - أنَّه ﷺ كان يقرأ في العشاء بأوساط المفصَّل؛ مثل: (سبِّح، والغاشية، والبروج). ٥ - أنَّه ﷺ كان يقرأ في الفجر بطوال المفصَّل؛ مثل: (الذَّاريات، والطُّور، والنَّجم). وما ذكر هو الغالب من فعله ﷺ ، كما ثبت أنَّه ﷺ قرأ في المغرب ب (الطُّور) (٣)، بل قرأ ب (الأعراف) (٤)، وثبت أنَّه ﷺ قرأ في العشاء ب (التِّين) (٥)، وأنَّه ﷺ قرأ في الفجر ب (الزَّلزلة) (٦)، وثبت أنَّه ﷺ قرأ في المغرب ب (المرسلات) (٧)،

стр. 298

فلا ينبغي المداومة في المغرب على قصار المفصَّل، وأوصى النَّبيُّ ﷺ معاذًا ﵁ أن يقرأ ب (سبِّح)، و (الشَّمس)، و (اللَّيل)، وذلك في صلاة العشاء (١). ٦ - الثَّناء على من أشبهت صلاته وهديه صلاة النَّبيِّ ﷺ وهديه. ٧ - أنَّ من طرق رفع الحديث تشبيه الفعل بفعل النَّبيِّ ﷺ ، ولهذا ثبت رفع هذا الحديث بقول أبي هريرة ﵁: «ما صلَّيت وراء أحدٍ أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا». * * * * * (٣٢٦) عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بالطُّورِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذا الحديث تحمَّله جبير بن مطعمٍ ﵁ قبل أن يسلم، فقد قدم المدينة في فداء أسارى بدرٍ، وسمع الرَّسول ﷺ يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطُّور، قال: «فلمَّا بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥] كاد قلبي أن يطير»، وذلك لشعوره بعظمة معنى الآية، وهو التَّنبيه على أنَّه لا بدَّ للنَّاس من خالقٍ، فليسوا خالقين لأنفسهم، ولا خلقوا من غير شيءٍ، فإنَّ ذلك ممتنعٌ في العقل. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز القراءة في المغرب من طوال المفصَّل، واستحباب ذلك أحيانًا. ٢ - تفسير حديث أبي هريرة ﵁ المتقدِّم بأنَّه كان ﷺ يقرأ في المغرب بقصار المفصَّل، وأنَّ ذلك ليس دائمًا بل غالبًا.

стр. 299

٣ - فضيلة جبير بن مطعمٍ ﵁. ٤ - جواز تحمُّل الحديث في حال الكفر ثمَّ روايته بعد الإسلام. ٥ - إرشاد القرآن إلى الدَّلائل العقليَّة في التَّوحيد وغيره من أصول الدِّين. * * * * * (٣٢٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السَّجْدَة]، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان]». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٣٢٨) وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «يُدِيمُ ذَلِكَ» (٢). * * * هذا الحديث يدلُّ على خصيصةٍ من خصائص يوم الجمعة، ويوم الجمعة هو أفضل أيَّام الأسبوع، كما جاء عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» (٣)، ولهذا اليوم خصائص كونيَّةٌ وشرعيَّةٌ، فمن الخصائص الكونيَّة ما جاء في الحديث (٤) أنَّه فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنَّة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم السَّاعة. ومن خصائصه الشَّرعيَّة: صلاة يوم الجمعة، وهي أعظم خصائص ذلك اليوم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل يوم الجمعة. ٢ - أنَّ السُّنَّة تطويل القراءة في صلاة الفجر. ٣ - أنَّ من السُّنَّة قراءة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السَّجْدَة]، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان] في فجر يوم الجمعة، والمداومة على ذلك. ورأى بعض العلماء ترك

стр. 300

ذلك أحيانًا؛ لئلَّا يظنَّ وجوب قراءتهما، وأنَّه لا يقوم مقامَهما غيرُهما من سور القرآن. ومن غلط بعض النَّاس ظنُّه أنَّ المقصود من قراءة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ هو السَّجدة، وأنَّه يحصل المقصود بقراءة أيِّ سورةٍ فيها سجدةٌ، وقد نبَّه على ذلك العلَّامة ابن القيِّم وذكر أنَّ حكمة قراءة هاتين السُّورتين في فجر الجمعة؛ أنَّهما متضمِّنتان لما حدث ويحدث في يوم الجمعة من بدء الخلق وقيام السَّاعة، ففيه خلق آدم وفيه تقوم السَّاعة، والله أعلم. * * * * * (٣٢٩) عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، فَمَا مَرّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ، ولا آيَةُ عَذَابٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). * * * هذا الحديث أصله في مسلمٍ (٢) مطوَّلاً، وفيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرأ البقرة والنِّساء وآل عمران قبل أن يركع وكان إذا مرَّ بآية تسبيحٍ سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ، فأطال القيام والرُّكوع والاعتدال والسُّجود، وفيه أنَّه قال في ركوعه: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، وفي سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»، وقد ذكره المؤلِّف مختصرًا وعزاه إلى الخمسة، وكان الأولى أن يشير إلى طوله وأنَّ أصله في مسلمٍ. وفي اللفظ الذي ذكره المؤلف فوائد، منها: ١ - فضيلة حذيفة ﵁ لصلاته مع النَّبيِّ ﷺ في قيام اللَّيل في بعض اللَّيالي.

стр. 301

٢ - الجهر بالقراءة في صلاة اللَّيل. ٣ - تدبُّر القرآن عند تلاوته واستحضار معانيه. ٤ - التَّعوُّذ عند آيات العذاب. ٥ - السُّؤال عند آيات الرَّحمة، وذلك مختصٌّ بصلاة النَّافلة؛ إذ لم ينقل أحدٌ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه فعل ذلك في الفريضة. ٦ - جواز صلاة النَّافلة جماعةً بصفةٍ عارضةٍ لا دائمةٍ؛ كصلاة الزَّائر والضَّيف مع صاحب البيت. * * * * * (٣٣٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا وَإني نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث اشتمل على حكمين من أحكام الرُّكوع والسُّجود أحدهما تركٌ والآخر فعلٌ. وفيه فوائد، منها: ١ - أنَّ الرَّسول ﷺ يؤمر وينهى، والآمر والنَّاهي له ربُّه، وأمره ونهيه أمرٌ ونهيٌ للأمَّة، فهو أسوةٌ لهم ﷺ . ٢ - النَّهي عن قراءة القرآن في الرُّكوع. ٣ - النَّهي عن قراءة القرآن في السُّجود، والأصل في النَّهي التَّحريم، ويؤكِّد النَّهي تأكيد الخبر عنه ب «ألا» و «إنَّ». ٤ - الأمر بتعظيم الرَّبِّ في الرُّكوع. ٥ - الأمر بالاجتهاد في الدُّعاء في السُّجود.

стр. 302

٦ - أنَّ الرُّكوع أخصُّ بذكر الله وتعظيمه، ويجوز فيه الدُّعاء. ٧ - أنَّ السُّجود أخصُّ بالدُّعاء، ويشرع فيه التَّسبيح، ومنه: سبحان ربِّي الأعلى. ٨ - أنَّ الدُّعاء في السُّجود سببٌ للإجابة. ٩ - جواز بناء الأفعال المضافة لله للمفعول، وإن كان مقتضاها خيرًا، كما في قوله: «نُهِيتُ» و «يُسْتَجَابَ لَكُمْ». ١٠ - أنَّ أفضل ذكرٍ في الصَّلاة قراءة القرآن، ومحلُّه منها القيام، وهو اللَّائق به دون الرُّكوع والسُّجود. ١١ - أنَّ من قرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا متعمِّدًا عالمًا بالنَّهي بطلت صلاته، وهذا مذهب الظَّاهريَّة وهو قويٌّ. ١٢ - إثبات اسم (الرَّبِّ) لله غير مضافٍ بل معرَّفًا ب (أل). * * * * * (٣٣١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة هذا الذِّكر في الرُّكوع والسُّجود. ٢ - جواز الدُّعاء في الرُّكوع. ٣ - مشروعيَّة التَّسبيح في السُّجود. ٤ - تأويل القرآن بفعل المأمور به، فإنَّ عائشة ﵂ ذكرت أنَّ الرَّسول ﷺ بعد أن نزل عليه قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ

стр. 303

تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣] كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يتأوَّل القرآن، وذلك في آخر حياته، فإنَّ سورة النَّصر قد دلَّت على دنوِّ أجله ﷺ كما قال ابن عبَّاسٍ ﵃ فيها: إنَّها أجل رسول الله ﷺ أعلمه له؛ أي: جعل له علامةً. ٥ - كمال عبوديَّة النَّبيِّ ﷺ لربِّه لكثرة تحميده وتسبيحه واستغفاره. ٦ - اشتمال هذا الذِّكر على تنزيه الله عن كلِّ نقصٍ ووصفه بكلِّ كمالٍ على وجه الإجمال. ٧ - أنَّ الرَّسول ﷺ محتاجٌ إلى الاستغفار؛ مع علوِّ قدره، فكيف بمن دونه، وقد كان ﷺ يكثر من الاستغفار في الصَّلاة وخارج الصَّلاة. * * * * * (٣٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوع، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائمٌ: «رَبَّنا وَلَكَ الحَمْدُ»، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنِ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث من أصول الأحاديث في صفة الصَّلاة. وفيه فوائد، منها: ١ - افتتاح الصَّلاة بالتَّكبير، وهذه هي تكبيرة الإحرام الَّتي لا تنعقد الصَّلاة بدونها.

стр. 304

٢ - التَّكبير في كلِّ خفضٍ ورفعٍ وانتقالٍ في أفعال الصَّلاة، ولهذا تُسمَّى هذه التَّكبيرات: تكبيرات الانتقال، ومحلُّها حال الانتقال في الصَّلاة من ركنٍ إلى ركنٍ، وخصَّ من هذا الرَّفع من الرُّكوع، وهذه التَّكبيرات مشروعةٌ للإمام والمأموم والمنفرد، واختلف العلماء في حكمها، فذهب الجمهور إلى أنَّها سنَّةٌ، وذهب آخرون إلى أنَّها واجبةٌ وهو قولٌ قويٌّ لمداومته ﷺ على ذلك، وقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١). ٣ - عظم شأن هذه الكلمة «الله أكبر». ٤ - أنَّ الله أكبر من كلِّ شيءٍ؛ في ذاته وصفاته ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ﴾ [الأنعام: ١٩]. ٥ - ما يشرع من الذِّكر عند الرَّفع من الرُّكوع؛ وهو «سمع الله لمن حمده»؛ ومعناه: استجاب، وهو مناسبٌ للذِّكر عند الاعتدال. ٦ - ما يشرع من الذِّكر حال الاعتدال؛ وهو «ربَّنا ولك الحمد»، أو «اللَّهمَّ ربَّنا ولك الحمد»، مع الواو وبدونها، كما جاءت بذلك الرِّوايات، والتَّسميع والتَّحميد قيل: إنَّهما من واجبات الصَّلاة وقيل: سنَّةٌ، وهما مشروعان للإمام والمنفرد. وأمَّا المأموم فيشرع له: التَّحميد دون التَّسميع لقوله ﷺ : «وَإِذَا قَالَ -أَيِ: الإِمَامُ-: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا ولَكَ الْحَمْدُ» (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّه يشرع له التَّسميع كالإمام والمنفرد، والأوَّل هو الصَّحيح للحديث، وفيه: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» ففرَّق بين التَّكبير والتَّسميع. * * * * *

стр. 305

(٣٣٣) عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّموَاتِ ومِلْءَ الأرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث اشتمل على أطول ذكرٍ مشروعٍ حال القيام بعد الرُّكوع، وقد تضمَّن معاني عظيمةً من التَّحميد والتَّمجيد لله تعالى. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة هذا الذِّكر بعد الرَّفع من الرُّكوع للإمام والمأموم والمنفرد، والقدر المجزئ منه: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ». ٢ - أنَّ الحمد كلَّه مستحقٌّ لله تعالى، وهذا يتضمَّن إثبات جميع المحامد له سبحانه، وهي صفات الكمال. ٣ - أنَّ ما يستحقُّه الرَّبُّ تعالى من الحمد لا نهاية له. ٤ - جواز التَّجوُّز بوصف الأمور المعنويَّة بما يختصُّ بالأمور الحسِّيَّة، وذلك في قوله: «مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ». ٥ - إثبات المشيئة لله تعالى. ٦ - التَّوجُّه إلى الله بالخطاب في مقام الثَّناء. ٧ - فضل هذا التَّحميد؛ لقوله: «أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ»؛ أي: هذا الحمد أحقُّ ما قال العبد. ٨ - الاعتراف لله بالعبوديَّة، وهذه العبوديَّة هي العامَّة، لكنَّها في هذا السِّياق تتضمَّن العبوديَّة الخاصَّة. ٩ - أنَّ الله تعالى هو المعطي المانع.

стр. 306

١٠ - كمال قدرته ، وكمال عجز الخلق، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. ١١ - أنَّ الحظوظ من المال والسُّلطان لا تمنع صاحبها ممَّا أراده الله به، ولا تنجيه من عذابه، فالجدُّ هو: الحظُّ، وقوله: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»؛ أي: لا ينفع ذا الحظِّ منك حظُّه، وقد ضمَّن فعل «ينفع» معنى: ينجي ويخلِّص. ١٢ - وجوب التَّوكُّل على الله في جميع الأمور، وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً. * * * * * (٣٣٤) عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ؛ عَلَى الْجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ- وَالْيَدَيْنِ، والرُّكْبَتَينِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْن». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث اختصر منه المؤلِّف قوله ﷺ : «وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ ولا الشَّعَرَ»؛ أي: وأمرت ألَّا نكفت … إلخ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الرَّسول عبدٌ لله يأمره وينهاه. ٢ - جواز بناء الفعل للمفعول في أفعال الله للعلم به. ٣ - أنَّ من كلام الله الأمر والنَّهي. ٤ - وجوب السُّجود على سبعة أعظمٍ مع القدرة، وهي مبيَّنةٌ في لفظ الحديث. ٥ - وجوب السُّجود على الأنف مع الجبهة، وهما عضوٌ واحدٌ.

стр. 307

٦ - أنَّ من ترك السُّجود على واحدٍ من الأعظم السَّبعة لم يفعل ما أمر به، فإن كانت الجبهة لم يصحَّ سجوده مطلقًا، وإن كان غيرها وكان ترك السُّجود على العضو عمدًا لم يصحَّ سجوده، وإن كان سهوًا فالأظهر أنَّه يصحُّ سجوده. ٧ - أنَّ السُّجود على أطراف القدمين يجزئ وإن كانت الأصابع لغير القبلة. ٨ - التَّعليم بالإشارة. ٩ - أنَّ الإشارة منزَّلةٌ منزلة الكلام إذا دلَّت على المراد. ١٠ - أنَّ اليد إذا أطلقت فالمراد بها الكفُّ، فقوله ﷺ : «وَالْيَدَيْنِ»؛ أي: الكفَّين؛ لما ورد من النَّهي عن بسط الذِّراعين في السُّجود، كما تقدَّم في حديث عائشة ﵂. ١١ - وجوب إبقاء الشَّعر والثِّياب على حالها عند السُّجود، وذلك من كمال السُّجود وكمال التَّواضع لله، ولكن لا أثر لمخالفة ذلك في صحَّة السُّجود، فمن كفَّ ثوبه أو شعره عند السُّجود فقد أساء، وسجوده صحيحٌ، وقيل: كفُّ الشَّعر والثَّوب مكروهٌ، وهو قول أكثر العلماء. ١٢ - أنَّ من حسن البيان الإجمال ثمَّ التَّفصيل، لقوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ … » ثمَّ فصَّلها. * * * * * (٣٣٥) عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٣٣٦) وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا سَجَدتَّ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * *

стр. 308

هذان الحديثان اشتملا على بعض هيئة السُّجود، لكنَّ حديث ابن بحينة ﵁ فعلٌ، وحديث البراء ﵁ قولٌ. وفيهما فوائد، منها: ١ - حرص الصَّحابة على العلم روايةً وتبليغًا حتَّى في دقائق المسائل. ٢ - مجافاة اليدين عن الجنبين في السُّجود، والمبالغة في ذلك ما لم يؤذ أحدًا. ٣ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يداوم على لبس القميص؛ لأنَّه لو كان لابسًا قميصًا لم ير بياض إبطيه. ٤ - وجوب وضع الكفَّين على الأرض في السُّجود، وهما من الأعضاء السَّبعة كما تقدَّم. ٥ - وجوب رفع المرفقين عن الأرض؛ لأنَّ وضعهما على الأرض يستلزم ما نهي عنه من افتراشٍ كافتراش السَّبع أو الكلب، والله أعلم. * * * * * (٣٣٧) وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَان إذَا رَكَعَ فَرَّجَ بيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ». رَوَاهُ الحَاكِم (١). (٣٣٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢).

стр. 309

(٣٣٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). * * * مجموع هذه الأحاديث تضمَّن بعض السُّنن في الرُّكوع والسُّجود، وهيئة الجلوس لمن صلَّى قاعدًا، وما يشرع من الذِّكر بين السَّجدتين. وفيها فوائد، منها: ١ - حرص الصَّحابة ﵃ على معرفة هدي النَّبيِّ ﷺ في صلاته حتَّى في الأمور الدَّقيقة. ٢ - أنَّ السُّنَّة تفريج أصابع اليدين حال وضعهما على الرُّكبتين في الرُّكوع. ٣ - ضمُّ أصابع اليدين حال وضعهما على الأرض في السُّجود، وهذا هو المناسب لحال السُّجود كتفريج الأصابع حال الرُّكوع. ٤ - أنَّ المصلِّي قاعدًا يكون متربِّعًا في محلِّ القيام، والتَّربُّع معروفٌ. ٥ - مشروعيَّة الدُّعاء بين السَّجدتين بما في حديث ابن عبَّاسٍ ﵃. ٦ - فضل هذا الدُّعاء لما اشتمل عليه من المطالب العظيمة مع إيجازه، فقد تضمَّن طلب خير الدُّنيا والآخرة والسَّلامة من الشُّرور في الدُّنيا والآخرة. * * * * *

стр. 310

(٣٤٠) عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل في جلسة الاستراحة في الصَّلاة، وهي أن يستوي المصلِّي جالسًا قبل أن ينهض للرَّكعة الثَّانية أو الرَّابعة، فتكون في الرَّكعة الأولى والثَّالثة، ولهذا قال: «فإذا كان في وترٍ من صلاته». وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضيلة مالك بن الحويرث ﵁، فإنَّه وفد على النَّبيِّ ﷺ وبعض قومه ليتعلموا، وأعظم ما علَّمهم النَّبيُّ ﷺ صفة الصَّلاة، ولهذا أوصاهم بوصايا تختصُّ بالصَّلاة. ٢ - أنَّ من هدي النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة جلسة الاستراحة. وقد اختلف العلماء؛ هل فعلها النَّبيُّ ﷺ تشريعًا؟ فتكون من سنن الصَّلاة أو فعلها للحاجة لمَّا ثقل ﷺ ، وفي ذلك ثلاثة مذاهب: الأَوَّلُ: أنَّها سنَّةٌ. الثَّانِي: أنَّها ليست سنَّةً بل هي أمرٌ عاديٌّ تقتضيه بعض الأحوال. الثَّالِثُ: أنَّها سنَّةٌ لمن احتاج إليها. والأوَّل هو الرَّاجح، فمالك بن الحويرث الَّذي رواها هو الَّذي روى: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (٢)، ولم ينفرد مالك بن الحويرث في روايته لجلسة الاستراحة بل قد رواها أبو حميدٍ السَّاعديُّ ﵁. * * * * *

стр. 311

(٣٤١) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٣٤٢) وَلأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ: «فَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» (٢). (٣٤٣) وَعَنْهُ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ». صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣). (٣٤٤) وَعَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ، إنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَليٍّ، أَفَكَانوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ (٤). (٣٤٥) عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃ قَالَ: عَلَّمَنِي رسُولُ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ؛ فَإنَّكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عَلَيْكَ، إنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٥). (٣٤٦) وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ: «وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ» (٦).

стр. 312

(٣٤٧) زَادَ النَّسائيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ: «وَصَلَّى اللهُ عَلَى النَّبِيِّ» (١). (٣٤٨) وَلِلْبَيْهَقِيِّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ فِي الْقُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ». وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ (٢). * * * أصل معنى القنوت: الخضوع، وقد جاء في القرآن عامًّا وخاصًّا؛ فالعامُّ: هو الخضوع القهريُّ لله تعالى، وهو موجب ربوبيَّته العامَّة؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُون (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦]. والخاصُّ: هو الخضوع ودوام الطَّاعة اختيارًا؛ كقوله سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، وكقوله : ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. ويدخل في هذا النَّوع السُّكوت في الصَّلاة، كما قال زيد بن أرقم ﵁: «لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ أمرنا بالسُّكوت، ونهينا عن الكلام» (٣)؛ أي: كلام النَّاس. ويدخل فيه طول القيام كما في الحديث: «أَفْضَلُ الصَّلَاة طُولُ الْقُنُوتِ» (٤)؛ أي: القيام، قال النَّوويُّ: «المراد بالقنوت هنا القيام باتِّفاق العلماء» (٥). ومنه الدُّعاء في الصَّلاة حال القيام قبل الرُّكوع أو بعده، وهذا هو المقصود بالقنوت في هذه الأحاديث، وقد تضمَّنت هذه الأحاديث ثلاثة أنواعٍ من هذا القنوت: ١ - قنوت النَّوازل؛ دعاءٌ لقومٍ أو على قومٍ. ٢ - القنوت في الفجر. ٣ - القنوت في الوتر.

стр. 313

فأمَّا القنوت في النَّوازل فلا خلاف فيه بين العلماء، وقد جاءت فيه أحاديث صحيحةٌ، في «الصَّحيحين» وغيرهما، ومنها حديث أنسٍ ﵁، وهو أوَّل هذه الأحاديث «أنَّ رسول الله ﷺ قنت شهرًا، بعد الرُّكوع، يدعو على أحياءٍ من أحياء العرب، ثمَّ تركه»، وحديث أنسٍ ﵁ أيضًا عند ابن خزيمة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يقنت إلَّا إذا دعا لقومٍ، أو دعا على قومٍ». وأمَّا القنوت في الفجر دائمًا فذهب إليه الشَّافعيُّ ﵀ مستدلًّا بما عند أحمد والدَّارقطنيِّ عن أنسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ «فأمَّا في الصُّبح فلم يزل يقنت حتَّى فارق الدُّنيا»، وذهب الجمهور إلى عدم مشروعيَّته، وضعَّفوا رواية أحمد، وتأوَّلوا القنوت في رواية أحمد بطول القيام، واستدلُّوا بأنَّ الَّذين نقلوا صفة صلاة النَّبيِّ ﷺ لم يذكروا أنَّه كان يدعو في صلاة الفجر بعد الرُّكوع إلَّا قنوت النَّوازل؛ وبقول طارقٍ الأشجعيِّ ﵁ لمَّا سأله ابنه سعدٌ: «هل كان النَّبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليٌّ يقنتون في الفجر؟ قال: أي بنيَّ محدثٌ». و قول الجمهور هو الصّواب، فليس من سنن صلاة الفجر الدُّعاء بعد الرُّكوع، ومن الممتنع أن يكون ذلك من هدي النَّبيِّ ﷺ ولا ينقله أحدٌ، ولا ينقلون شيئًا ممَّا كان يدعو به، لكن من يرى القنوت في الفجر يجوز أن يصلِّي خلفه من لا يرى القنوت، كما هو الشَّأن في المختلف فيه من واجبات الصَّلاة وشروطها. والظَّاهر: أنَّه لا يتابعه في القنوت بل يشتغل بالذِّكر المشروع في هذا الموضع. وأمَّا القنوت في الوتر فاستدلَّ له بحديث الحسن ﵁ قال: «علّمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقولهنَّ في قنوت الوتر: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ … »». وقد اختلف العلماء في قنوت الوتر على مذاهب:

стр. 314

أَحَدُهَا: أنَّه لا يشرع مطلقًا، واستدلُّوا بأنَّه لم ينقل أنَّ النَّبيَّ ﷺ قنت في الوتر، وضعَّفوا حديث الحسن ﵁ أو لم يبلغهم (١). الثَّانِي: أنَّه مستحبٌّ مطلقًا؛ أي: كلَّ العام، لحديث الحسن ﵁ (٢). الثَّالِثُ: أنَّه لا يشرع إلَّا في رمضان (٣). الرَّابِعُ: أنَّه لا يشرع إلَّا في النِّصف الأخير من رمضان (٤)، واستدلَّ لهذا القول بما جاء عن جمعٍ من الصَّحابة منهم: عليٌّ وابن عمر وأبيٌّ ﵃ أنَّهم كانوا لا يقنتون إلَّا في النِّصف الثَّاني من رمضان (٥)، والرَّاجح أنَّه جائزٌ مطلقًا، لكن لا تنبغي المداومة عليه؛ لأنَّه ليس من السُّنَّة المشهورة الثَّابتة. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة القنوت في الصَّلوات الخمس كلِّها أو بعضها؛ دعاءً لأسرى المسلمين والمستضعفين، ودعاءً على الكفرة المعتدين، ويعرف هذا القنوت عند العلماء بقنوت النَّوازل. وقد استفاضت بذلك الأحاديث عن النَّبيِّ ﷺ . ٢ - أنَّ قنوت النَّوازل لا يكون دائمًا، بل بحسب الأسباب المقتضية له. ٣ - مشروعيَّة القنوت في صلاة الفجر.

стр. 315

٤ - أنَّ القنوت في صلاة الفجر سنَّةٌ دائمةٌ من صفة الصَّلاة؛ لقوله في الحديث: «فأمَّا في الصُّبح فلم يزل يقنت حتَّى فارق الدُّنيا»، ولكن هذه الرِّواية ضعيفةٌ. ٥ - أنَّ القنوت في الفجر دائمًا بدعةٌ؛ لقول طارقٍ الأشجعيِّ ﵁ لمَّا سئل عن القنوت في الفجر: هل كان رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وعمر وعثمان وعليٌّ يقنتون في الفجر، قال طارقٌ: أي بنيَّ، محدثٌ؛ أي: القنوت محدثٌ. ٦ - مشروعيَّة القنوت في الوتر. ٧ - الدُّعاء فيه بما جاء في حديث الحسن ﵁. ٨ - فضل هذا الدُّعاء، لتعليم النَّبيِّ ﷺ الحسن ﵁ لهذا الدُّعاء ولما اشتمل عليه من المعاني الجليلة، وقد اشتمل على دعاء المسألة في جمله الخمس الأولى، وقد تضمَّنت طلب الهداية والعافية والولاية والبركة والوقاية من الشُّرور، فتضمَّنت طلب الخير عاجلاً وآجلاً والسَّلامة من الشَّرِّ عاجلاً وآجلاً. كما تضمَّنت الجمل الأربع الأخيرة إثبات ربوبيَّته سبحانه، وتنزيهه عن كلِّ نقصٍ، وكمال قدرته. ٩ - أنَّ العباد قسمان: أولياء الله وأعداء الله؛ لأنَّه لا يذلُّ من والاه ولا يعزُّ من عاداه. ١٠ - أنَّ العزَّة للمؤمنين، ولا عزَّة للكافرين بحالٍ من الأحوال. ١١ - أنَّ من المطالب العظيمة في الدُّعاء الدُّخول في عباد الله الصَّالحين ممَّن هداهم الله وعافاهم وتولَّاهم، ومن ذلك قول سليمان ﵇: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين (١٩)﴾ [النمل: ١٩]. ١٢ - ختم دعاء القنوت بالصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ ، كما في رواية النَّسائيِّ. ١٣ - فقر العبد إلى ربِّه في جميع أموره. * * * * *

стр. 316

(٣٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ (١). (٣٥٠) وَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (٢). (٣٥١) فَإِنَّ لِلأَوَّلِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵃. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزيْمَةَ، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا (٣). * * * هذان الحديثان اشتملا على هيئة الهويِّ من القيام إلى السُّجود، لكنَّهما متعارضان، فحديث أبي هريرة ﵁ يدلُّ على وضع اليدين قبل الرُّكبتين، وحديث وائلٍ ﵁ يدلُّ على تقديم الرُّكبتين قبل اليدين. ولذلك اختلف العلماء، فذهب الأكثر إلى حديث وائلٍ ﵁، فقالوا بتقديم الرُّكبتين على اليدين، وقالوا: إنَّ حديث أبي هريرة ﵁ مقلوبٌ، وإنَّ أصله: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ» بدليل حديث وائلٍ ﵁؛ ولأنَّ تقديم اليدين قبل الرُّكبتين لا يناسب قوله ﷺ في الحديث: «فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»، فإنَّ البعير يقدِّم يديه، فيناقض آخر الحديث أوَّله. وذهب آخرون إلى حديث أبي هريرة ﵁ في تقديم اليدين قبل الرُّكبتين، قالوا: لأنَّه أقوى من حديث وائلٍ ﵁؛ لأنَّ له شاهدًا من حديث ابن عمر ﵃ كما ذكر المصنِّف، ومنعوا دعوى القلب، قالوا في قوله ﷺ : «لَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»: إنَّه يتضمَّن النَّهي عن تقديم الرُّكبتين وشبَّه ذلك ببروك البعير؛ لأنَّ ركبتي البعير في يديه.

стр. 317

فتبيَّن أنَّ مسلك أهل القول الأوَّل هو الجمع بين الحديثين، ومسلك أهل القول الثَّاني هو التَّرجيح لحديث أبي هريرة ﵁ على حديث وائلٍ ﵁، بل ضعَّفوه وزعم بعضهم أنَّه باطلٌ. والصَّواب: أنَّ حديث وائلٍ ﵁ له شاهدٌ من حديث أنسٍ ﵁ عند الحاكم (١) وغيره (٢)، فيقوى بذلك، ويؤيِّده ما جاء عن عددٍ من الصَّحابة أنَّهم كانوا يقدِّمون الرُّكبتين قبل اليدين (٣)، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من أئمَّة الحديث كأحمد وإسحاق رحمهما الله. وذهب بعض أهل العلم إلى التَّخيير؛ لتكافؤ الأدلَّة. وعلى كلٍّ فالأمر واسعٌ، ومثل هذه المسألة لا ينبغي التَّشدُّد فيها، ولا ريب أنَّ تقديم الرُّكبتين قبل اليدين في السُّجود هو المناسب؛ لأنَّ به ترتيب أعضاء السُّجود، فيضع المصلِّي ركبتيه فيديه فجبهته، وعند النُّهوض بالعكس، والله أعلم. وفي حديث أبي هريرة ﵁ فوائد، منها: ١ - النَّهي -عند السُّجود من قيامٍ- عن بروكٍ كبروك البعير، قيل: معناه تقديم اليدين، وقيل: معناه تقديم الرُّكبتين، فعلى الأوَّل يوافق آخر الحديث أوَّله، وتكون الجملة الثَّانية مؤكِّدةً ومفسِّرةً للجملة الأولى، وعلى المعنى الثَّاني يكون آخر الحديث مخالفًا لأوَّله، ولهذا قال من قال: إنَّه انقلب على الرَّاوي، وإنَّ أصل الحديث: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ».

стр. 318

٢ - النَّهي عن التَّشبُّه بالحيوان في الصَّلاة كما جاء في مواضع: عن نقرٍ كنقر الغراب، والتفاتٍ كالتفات الثَّعلب، وانبساطٍ كانبساط الكلب. ٣ - بيان الرَّسول ﷺ لهيئة الصَّلاة في جميع أفعالها. ٤ - أنَّ المصلِّي يضع يديه قبل ركبتيه، كما تفيده الجملة الثَّانية. ٥ - أنَّ المصلِّي يضع ركبتيه قبل يديه كما تفيده الجملة الأولى عند الأكثر. وفي حديث وائلٍ فوائد، منها: ٦ - بيان هيئة السُّجود من قيامٍ، وذلك بوضع الرُّكبتين قبل اليدين. ٧ - بيان النَّبيِّ ﷺ لهيئات أفعال الصَّلاة بفعله، ويدخل ذلك في قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُوني أُصَلِّي» (١). ٨ - حرص الصَّحابة ﵃ على معرفة هديه ﷺ في الصَّلاة وغيرها من العبادة، ونقلهم ذلك للأمَّة. * * * * * (٣٥٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣٥٣) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وأَشَارَ بِالّتِي تَلِي الإبْهَامَ» (٢). * * * هذا الحديث فيه بيانٌ لشيءٍ من هيئة الجلوس للتَّشهُّد في الصَّلاة.

стр. 319

وفيه فوائد، منها: ١ - وضع اليد اليسرى على الرُّكبة اليسرى في جلوس التَّشهُّد، وجاء في غير هذا الحديث: «على فخذه اليسرى» (١)، ولا منافاة بينهما. ٢ - وضع اليد اليمنى على الرُّكبة اليمنى في جلسة التَّشهُّد أو على فخذه اليمنى كما ورد في غير هذا الحديث (٢). ٣ - قبض ثلاثة الأصابع: الخنصر والبنصر والوسطى، والإشارة بالسَّبَّابة، وهو معنى «عقد ثلاثةً وخمسين»، وقيل: معنى ثلاثةً وخمسين؛ أن يقبض الخنصر والبنصر ويحلِّق الوسطى مع الإبهام. ٤ - تقييد هذه الهيئة بما فيها من عقد الأصابع والإشارة بجلسة التَّشهُّد، وإلى هذا ذهب الأكثر. وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّها لا تختصُّ بجلسة التَّشهُّد، بل تكون في الجلسة بين السَّجدتين أيضًا. * * * * * (٣٥٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: الْتَفَتَ إلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ، والصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (٣٥٥) وَلِلنَّسَائِيِّ: «كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ» (٤). (٣٥٦) وَلأَحْمَدَ: «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ» (٥).

стр. 320

(٣٥٧) وَلِمُسْلِمٍ: عَنِ ابْنِ عَباسٍ ﵃ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: «التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَواتُ الطَّيِّبَاتُ للهِ … » (١) إِلَى آخرِهِ. * * * حديث ابن مسعودٍ ﵁ هذا أصحُّ حديثٍ وأتمُّ حديثٍ في التَّشهُّد، وهو الأصل في وجوبه، ويشهد له حديث ابن عبَّاسٍ ﵃. وفيه فوائد، منها: ١ - وجوب التَّشهُّد في الصَّلاة بأيِّ نوعٍ من أنواع التَّشهُّد الوارد، وأولاها ما رواه ابن مسعودٍ ﵁. ومحلُّ التَّشهُّد في الجلوس بعد كلِّ ركعتين، وفي الرَّكعة الأخيرة من الصَّلاة، كما قالت عائشة ﵂: «وكان يقول في كلِّ ركعتين التَّحيَّة» وتقدَّم (٢). ولهذا كان في الصَّلاة الثُّلاثيَّة والرُّباعيَّة تشهُّدان. فأمَّا التَّشهُّد الأوَّل فقيل: إنَّه واجبٌ، ويسقط بالسَّهو، ويجبر بسجدتين قبل السَّلام كما سيأتي في حديث عبد الله بن بحينة ﵁ في باب سجود السَّهو. وقيل: التَّشهُّد الأوَّل سنَّةٌ؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ أتى بالسُّجود بدلاً عنه؛ لجبر الصَّلاة، ولا يلزم من ذلك وجوبه. وأمَّا التَّشهُّد الَّذي قبل السَّلام فإنَّه فرضٌ؛ لقول ابن مسعودٍ ﵁: «كنَّا نقول قبل أن يفرض علينا التَّشهُّد … » وذكره. وفي روايةٍ: «فإذا فعل ذلك فقد تمَّت صلاته» (٣)، وهذا يدلُّ على أنَّ المراد به التَّشهُّد الأخير. ٢ - الثَّناء على الله بما يستحقُّه من التَّحيَّات -وهي: التَّعظيمات- والصَّلوات -وهي شاملةٌ للفرض والنَّفل- والطَّيِّبات -وهي: الأعمال الصَّالحة قوليَّةً أو فعليَّةً-، وفي الحديث الصَّحيح: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا» (٤).
следующие страницы →