← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(٣٤٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ (١). (٣٥٠) وَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (٢). (٣٥١) فَإِنَّ لِلأَوَّلِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵃. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزيْمَةَ، وَذَكَرَهُ البُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا (٣). * * * هذان الحديثان اشتملا على هيئة الهويِّ من القيام إلى السُّجود، لكنَّهما متعارضان، فحديث أبي هريرة ﵁ يدلُّ على وضع اليدين قبل الرُّكبتين، وحديث وائلٍ ﵁ يدلُّ على تقديم الرُّكبتين قبل اليدين. ولذلك اختلف العلماء، فذهب الأكثر إلى حديث وائلٍ ﵁، فقالوا بتقديم الرُّكبتين على اليدين، وقالوا: إنَّ حديث أبي هريرة ﵁ مقلوبٌ، وإنَّ أصله: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ» بدليل حديث وائلٍ ﵁؛ ولأنَّ تقديم اليدين قبل الرُّكبتين لا يناسب قوله ﷺ في الحديث: «فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»، فإنَّ البعير يقدِّم يديه، فيناقض آخر الحديث أوَّله. وذهب آخرون إلى حديث أبي هريرة ﵁ في تقديم اليدين قبل الرُّكبتين، قالوا: لأنَّه أقوى من حديث وائلٍ ﵁؛ لأنَّ له شاهدًا من حديث ابن عمر ﵃ كما ذكر المصنِّف، ومنعوا دعوى القلب، قالوا في قوله ﷺ : «لَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»: إنَّه يتضمَّن النَّهي عن تقديم الرُّكبتين وشبَّه ذلك ببروك البعير؛ لأنَّ ركبتي البعير في يديه.

стр. 317

فتبيَّن أنَّ مسلك أهل القول الأوَّل هو الجمع بين الحديثين، ومسلك أهل القول الثَّاني هو التَّرجيح لحديث أبي هريرة ﵁ على حديث وائلٍ ﵁، بل ضعَّفوه وزعم بعضهم أنَّه باطلٌ. والصَّواب: أنَّ حديث وائلٍ ﵁ له شاهدٌ من حديث أنسٍ ﵁ عند الحاكم (١) وغيره (٢)، فيقوى بذلك، ويؤيِّده ما جاء عن عددٍ من الصَّحابة أنَّهم كانوا يقدِّمون الرُّكبتين قبل اليدين (٣)، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من أئمَّة الحديث كأحمد وإسحاق رحمهما الله. وذهب بعض أهل العلم إلى التَّخيير؛ لتكافؤ الأدلَّة. وعلى كلٍّ فالأمر واسعٌ، ومثل هذه المسألة لا ينبغي التَّشدُّد فيها، ولا ريب أنَّ تقديم الرُّكبتين قبل اليدين في السُّجود هو المناسب؛ لأنَّ به ترتيب أعضاء السُّجود، فيضع المصلِّي ركبتيه فيديه فجبهته، وعند النُّهوض بالعكس، والله أعلم. وفي حديث أبي هريرة ﵁ فوائد، منها: ١ - النَّهي -عند السُّجود من قيامٍ- عن بروكٍ كبروك البعير، قيل: معناه تقديم اليدين، وقيل: معناه تقديم الرُّكبتين، فعلى الأوَّل يوافق آخر الحديث أوَّله، وتكون الجملة الثَّانية مؤكِّدةً ومفسِّرةً للجملة الأولى، وعلى المعنى الثَّاني يكون آخر الحديث مخالفًا لأوَّله، ولهذا قال من قال: إنَّه انقلب على الرَّاوي، وإنَّ أصل الحديث: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ».

стр. 318

٢ - النَّهي عن التَّشبُّه بالحيوان في الصَّلاة كما جاء في مواضع: عن نقرٍ كنقر الغراب، والتفاتٍ كالتفات الثَّعلب، وانبساطٍ كانبساط الكلب. ٣ - بيان الرَّسول ﷺ لهيئة الصَّلاة في جميع أفعالها. ٤ - أنَّ المصلِّي يضع يديه قبل ركبتيه، كما تفيده الجملة الثَّانية. ٥ - أنَّ المصلِّي يضع ركبتيه قبل يديه كما تفيده الجملة الأولى عند الأكثر. وفي حديث وائلٍ فوائد، منها: ٦ - بيان هيئة السُّجود من قيامٍ، وذلك بوضع الرُّكبتين قبل اليدين. ٧ - بيان النَّبيِّ ﷺ لهيئات أفعال الصَّلاة بفعله، ويدخل ذلك في قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُوني أُصَلِّي» (١). ٨ - حرص الصَّحابة ﵃ على معرفة هديه ﷺ في الصَّلاة وغيرها من العبادة، ونقلهم ذلك للأمَّة. * * * * * (٣٥٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣٥٣) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وأَشَارَ بِالّتِي تَلِي الإبْهَامَ» (٢). * * * هذا الحديث فيه بيانٌ لشيءٍ من هيئة الجلوس للتَّشهُّد في الصَّلاة.

стр. 319

وفيه فوائد، منها: ١ - وضع اليد اليسرى على الرُّكبة اليسرى في جلوس التَّشهُّد، وجاء في غير هذا الحديث: «على فخذه اليسرى» (١)، ولا منافاة بينهما. ٢ - وضع اليد اليمنى على الرُّكبة اليمنى في جلسة التَّشهُّد أو على فخذه اليمنى كما ورد في غير هذا الحديث (٢). ٣ - قبض ثلاثة الأصابع: الخنصر والبنصر والوسطى، والإشارة بالسَّبَّابة، وهو معنى «عقد ثلاثةً وخمسين»، وقيل: معنى ثلاثةً وخمسين؛ أن يقبض الخنصر والبنصر ويحلِّق الوسطى مع الإبهام. ٤ - تقييد هذه الهيئة بما فيها من عقد الأصابع والإشارة بجلسة التَّشهُّد، وإلى هذا ذهب الأكثر. وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّها لا تختصُّ بجلسة التَّشهُّد، بل تكون في الجلسة بين السَّجدتين أيضًا. * * * * * (٣٥٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: الْتَفَتَ إلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ، والصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (٣٥٥) وَلِلنَّسَائِيِّ: «كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ» (٤). (٣٥٦) وَلأَحْمَدَ: «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ» (٥).

стр. 320

(٣٥٧) وَلِمُسْلِمٍ: عَنِ ابْنِ عَباسٍ ﵃ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: «التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَواتُ الطَّيِّبَاتُ للهِ … » (١) إِلَى آخرِهِ. * * * حديث ابن مسعودٍ ﵁ هذا أصحُّ حديثٍ وأتمُّ حديثٍ في التَّشهُّد، وهو الأصل في وجوبه، ويشهد له حديث ابن عبَّاسٍ ﵃. وفيه فوائد، منها: ١ - وجوب التَّشهُّد في الصَّلاة بأيِّ نوعٍ من أنواع التَّشهُّد الوارد، وأولاها ما رواه ابن مسعودٍ ﵁. ومحلُّ التَّشهُّد في الجلوس بعد كلِّ ركعتين، وفي الرَّكعة الأخيرة من الصَّلاة، كما قالت عائشة ﵂: «وكان يقول في كلِّ ركعتين التَّحيَّة» وتقدَّم (٢). ولهذا كان في الصَّلاة الثُّلاثيَّة والرُّباعيَّة تشهُّدان. فأمَّا التَّشهُّد الأوَّل فقيل: إنَّه واجبٌ، ويسقط بالسَّهو، ويجبر بسجدتين قبل السَّلام كما سيأتي في حديث عبد الله بن بحينة ﵁ في باب سجود السَّهو. وقيل: التَّشهُّد الأوَّل سنَّةٌ؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ أتى بالسُّجود بدلاً عنه؛ لجبر الصَّلاة، ولا يلزم من ذلك وجوبه. وأمَّا التَّشهُّد الَّذي قبل السَّلام فإنَّه فرضٌ؛ لقول ابن مسعودٍ ﵁: «كنَّا نقول قبل أن يفرض علينا التَّشهُّد … » وذكره. وفي روايةٍ: «فإذا فعل ذلك فقد تمَّت صلاته» (٣)، وهذا يدلُّ على أنَّ المراد به التَّشهُّد الأخير. ٢ - الثَّناء على الله بما يستحقُّه من التَّحيَّات -وهي: التَّعظيمات- والصَّلوات -وهي شاملةٌ للفرض والنَّفل- والطَّيِّبات -وهي: الأعمال الصَّالحة قوليَّةً أو فعليَّةً-، وفي الحديث الصَّحيح: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا» (٤).

стр. 321

٣ - أنَّ الله سبحانه هو المستحقُّ لكلِّ أنواع التَّعظيم. ٤ - وجوب الإخلاص لله تعالى في الصَّلاة وغيرها؛ وذلك بأن يبتغي بها وجه الله، ولا تكون مقبولةً إلَّا كذلك. ٥ - وجوب السَّلام على النَّبيِّ ﷺ في هذا التَّشهُّد بالصِّيغة المذكورة. ٦ - الدُّعاء للنَّبيِّ ﷺ بالسَّلامة والرَّحمة والبركة، وتقديم السَّلام على الرَّحمة والبركة يرجع إلى معنى أنَّ التَّخلية قبل التَّحلية. ٧ - مشروعيَّة السَّلام على النَّبيِّ ﷺ في حياته وبعد مماته، وبلفظ الخطاب، لقوله: «أَيُّهَا النَّبِيّ» وقد جاء عن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه لمَّا مات النَّبيُّ ﷺ كان يقول: «السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ» (١) وهذا اجتهادٌ منه ﵁، والصَّواب: لزوم اللَّفظ الَّذي علَّمه النَّبيُّ ﷺ أصحابه وكانوا يقولونه في حياته ﷺ وهم غائبون عنه، وهو لا يسمعهم. ٨ - وجوب سلام المصلِّي على نفسه في هذا التَّشهُّد وعلى جميع عباد الله الصَّالحين من الملائكة والإنس والجنِّ، كما يدلُّ لهذا العموم قوله ﷺ : «فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» متَّفقٌ عليه (٢). ٩ - أنَّ الأصل في اللَّفظ العامِّ أن يشمل جميع أفراده؛ لقوله: «فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ». ١٠ - أنَّ اللَّفظ المضاف والمحلَّى ب (أل) الَّتي للجنس من صيغ العموم، لقوله: «عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ». ١١ - فضل النَّبيِّ ﷺ على جميع عباد الله الصَّالحين؛ لتخصيصه بالسَّلام وتقديمه عليهم وعلى النَّفس. ١٢ - مشروعيَّة الدُّعاء للمؤمنين مع دعاء الإنسان لنفسه، وهذا من أنواع الإحسان إلى الغير، كما جاء في الاستغفار ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [محمد: ١٩].

стр. 322

١٣ - مشروعيَّة البداءة بالنَّفس في الدُّعاء العامِّ. ١٤ - وجوب ذكر الشَّهادتين في هذا التَّشهُّد. ١٥ - فضل هذا التَّشهُّد لما اشتمل عليه من تعظيم الله وتوحيده والشَّهادة لرسوله ﷺ بالعبوديَّة والرِّسالة والسَّلام عليه وعلى جميع عباد الله الصَّالحين. ١٦ - أنَّ توحيد الله لا يتحقَّق إلَّا بالنَّفي والإثبات؛ نفي الإلهيَّة عمَّا سوى الله وإثباتها له وحده. ١٧ - أنَّ الاعتقاد في الرَّسول ﷺ هو الشَّهادة له بالعبوديَّة والرِّسالة، خلافًا لأهل الغلوِّ والجفاء في حقِّه ﷺ . ١٨ - مشروعيَّة الدُّعاء بعد هذا التَّشهُّد، وأولى ذلك -بعد الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ : الاستعاذة بالله من أربعٍ، كما قال ﷺ : «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ؛ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (١). ١٩ - جواز ذكر الرَّسول ﷺ بلفظ الخطاب نحو: (الصَّلاة والسَّلام عليك يا رسول الله) و (بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله) ما لم يخش توهُّم السَّامع دعاء الرَّسول ﷺ . ٢٠ - افتقار الرَّسول ﷺ إلى ربِّه . ٢١ - أنَّ العباد منهم الصَّالح وغير الصَّالح، وحقيقة الصَّلاح الإيمان والتَّقوى. ٢٢ - تأكيد الإقرار لله بالتَّوحيد ولنبيِّه بالعبوديَّة والرِّسالة، وذلك لقوله: «أَشْهَدُ» في الموضعين. ٢٣ - أنَّ التَّوحيد نفي الإلهيَّة عمَّا سوى الله وإثباتها له سبحانه. ٢٤ - وجوب إخلاص العبادة لله؛ لأنَّ ذلك مقتضى شهادة أن لا إله إلَّا الله.

стр. 323

٢٥ - علوُّ قدر النَّبيِّ ﷺ وشرفه، حيث وصف بالعبوديَّة الخاصَّة وبالرِّسالة وقرنت الشَّهادة له بذلك بالشَّهادة لله بالتَّوحيد. ٢٦ - في وصف الرَّسول ﷺ بالعبوديَّة والرِّسالة ردٌّ على أهل الغلوِّ والجفاء. ٢٧ - وجوب اتِّباع الرَّسول ﷺ وتحريم الابتداع في الدِّين؛ لأنَّ ذلك مقتضى أنَّه رسول الله ﷺ . ٢٨ - جواز الدُّعاء بعد التَّشهُّد بما يحبُّ الإنسان من خير الدُّنيا والآخرة. ٢٩ - أنَّ من مواضع الدُّعاء والإجابة دبر الصَّلاة وقبل السَّلام. ٣٠ - عظم شأن هذا الذِّكر (التَّشهُّد)، لقوله: «كما يعلِّمنا السُّورة من القرآن» (١) «وأمره أن يعلِّمه النَّاس» (٢). ٣١ - الوصيَّة لمن تعلَّم علمًا أن يعلِّمه النَّاس، وهو من تبليغ الشَّرع الَّذي قال فيه الرَّسول ﷺ : «فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» (٣). ٣٢ - إثبات الإجازة في الرِّواية. * * * * * (٣٥٨) عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيّ، فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا» ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيّ ﷺ ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ (٤). * * *

стр. 324

هذا الحديث أصلٌ في افتتاح الدُّعاء بحمد الله والصَّلاة على رسوله ﷺ . وفيه فوائد، منها: ١ - جواز الجهر بالذِّكر في الصَّلاة لقوله: «سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته». ٢ - البداءة في الدُّعاء في الصَّلاة بحمد الله والصَّلاة على رسول الله، والظَّاهر: أنَّ محلَّ هذا هو التَّشهُّد، فيدلُّ على وجوب التَّشهُّد والصَّلاة على الرَّسول ﷺ ، ويكون المراد بحمد الله هو قوله: «التَّحِيَّاتُ للهِ … » إلخ، وأمَّا دعاء الاستفتاح أو في السُّجود أو بين السَّجدتين فلا يقول أحدٌ بمشروعيَّة افتتاحها بالحمد والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ . ٣ - وجوب التَّشهُّد والصَّلاة على الرَّسول ﷺ قبل الدُّعاء الَّذي قبل السَّلام، أمَّا الدُّعاء قبل التَّشهُّد فهو استعجالٌ منهيٌّ عنه. ٤ - أنَّ الدُّعاء قبل التَّشهُّد لا يبطل الصَّلاة. ٥ - مشروعيَّة تعليم الجاهل. ٦ - ترك المسيء في صلاته حتَّى يفرغ فيعلَّم. * * * * * (٣٥٩) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَرَنَا اللهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: «قُولُوا: اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٣٦٠) وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِيهِ: «فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا؟» (١). * * *

стр. 325

هذا أحد الأحاديث الدَّالَّة على صفة الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة، وتعرف بالصَّلاة الإبراهيميَّة لذكر إبراهيم ﵇ فيها، وقد روى الصَّلاة الإبراهيميَّة جمعٌ من الصَّحابة ﵃ بألفاظٍ مختلفةٍ، منها هذا الحديث واتَّفقت معظم الرِّوايات الصَّحيحة على ذكر محمَّدٍ وآل محمَّدٍ في الصَّلاة والتَّبريك، واختلفت في ذكر إبراهيم وآل إبراهيم، ففي بعضها ذكر إبراهيم، وفي بعضها ذكر آل إبراهيم، وفي بعضها الجمع بينهما. وقد تنازع النَّاس في حكم الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة؛ فذهب الجمهور إلى أنَّها سنَّةٌ وليست واجبةً، وذهب جمعٌ من العلماء إلى القول بالوجوب، بل قال بعضهم: إنَّها ركنٌ في التَّشهُّد الأخير، وروي القول بالوجوب عن جماعةٍ من الصَّحابة ﵃ على ما ذكر الشَّوكانيُّ (١). والقول بالوجوب دون الرُّكنيَّة هو أوسط المذاهب وأقربها للصَّواب، والله أعلم. ولا يظهر من الأدلَّة اختصاص الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ بالتَّشهُّد الأخير؛ لأنَّ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ قرينة السَّلام عليه في الآية، وقد ذكر السَّلام عليه ﷺ في التَّشهُّد الَّذي علَّمه النَّبيُّ ﷺ أصحابه ﵃ فلمَّا سألوه عن كيفيَّة الصَّلاة عليه ﷺ وعلَّمهم إيَّاها قال: «وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ» كما في حديث أبي مسعودٍ ﵁ هذا. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - حرص الصَّحابة ﵃ على العلم. ٢ - الرُّجوع في معرفة الشَّرع إلى النَّبيِّ ﷺ . ٣ - فضل النَّبيِّ ﷺ وآله، وفضل إبراهيم ﵇ وآله.

стр. 326

٤ - أنَّ صلاة المؤمنين على النَّبيِّ ﷺ دعاؤهم أن يصلِّي الله عليه، وصلاته تعالى على نبيِّه هو الثَّناء عليه؛ كما قال أبو العالية: «الصَّلاة من الله ثناؤه على عبده، وصلاة الملائكة الدُّعاء» (١) وهو سؤال الله أن يصلِّي عليه، كما تقدَّم. ٥ - جواز ذكر النَّبيِّ ﷺ باسمه العلم «محمَّدٍ» في مقام الصَّلاة عليه. ٦ - أنَّه لا يشرع وصفه بالسَّيِّد في الصَّلاة عليه في الصَّلاة. ٧ - مشروعيَّة التَّبريك على النَّبيِّ ﷺ وآله في الصَّلاة. ٨ - مشروعيَّة الصَّلاة والتَّبريك على إبراهيم وآله في الصَّلاة. ٩ - جواز الاقتصار على ذكر إبراهيم دون الآل، وعلى ذكر الآل دون إبراهيم، وجواز الجمع بينهما. ١٠ - إثبات اسمين من أسمائه تعالى (الحميد) و (المجيد)، وما دلَّا عليه من صفتي الحمد والمجد، و «حَمِيدٌ»؛ بمعنى محمودٍ، و «مَجِيدٌ»؛ أي: ذو مجدٍ، وهو الرِّفعة والشَّرف وكمال الأوصاف، ومعنى «بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ»؛ أي: اجعل البركة عليه، وأسبغها عليه. ١١ - مناسبة ذكر هذين الاسمين. ١٢ - أنَّ المطلوب من الصَّلاة والبركة هو من آثار هذين الاسمين. ١٣ - أنَّ أشهر أسمائه ﷺ (محمَّدٌ)، وهو علمٌ وصفةٌ. ١٤ - تشبيه الصَّلاة على النَّبيِّ وآله بالصَّلاة على إبراهيم وآله، وكذا التَّبريك، وذلك في الكيفيَّة والكمِّيَّة، وقد قيل: إنَّ هذا يقتضي تفضيل إبراهيم على محمَّدٍ صلَّى الله عليهما وسلَّم في أمر الصَّلاة، على قاعدة أنَّ المشبَّه به أمكن في الوصف من المشبَّه، وهو مشكلٌ على ما هو متقرِّرٌ من فضل محمَّدٍ

стр. 327

ﷺ على إبراهيم ﷺ ، لذلك احتاج من قال بذلك إلى الجواب عنه، فطوَّلوا الكلام، وعندي أنَّه يرفع هذا الإشكال أن يقال: إنَّ الكاف للتَّعليل أو التَّشبيه في مطلق الوصف بقطع النَّظر عن الكمِّيَّة والكيفيَّة. * * * * * (٣٦١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، ومِنْ عَذَابِ القَبْرِ، ومِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٣٦٢) وفِي رِوَايَةٍ لمسلمٍ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُم مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ … ». (٣٦٣) وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵁ أَنهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ: «قلِ: اللهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذان الحديثان تضمَّنا طلب الوقاية من جميع الشُّرور في الدُّنيا والآخرة، فهما من أنفع الأدعية ومن جوامع الدُّعاء. وفيهما فوائد، منها: ١ - مشروعيَّة الاستعاذة بالله من هذه الأربع بعد التَّشهُّد الأخير، وقيل: إنَّ هذا الدُّعاء واجبٌ لأمر النَّبيِّ ﷺ . ٢ - أنَّ آخر الصَّلاة قبل السَّلام موضعٌ للدُّعاء، فيستحبُّ في هذا الموضع. ٣ - أنَّه لا يعيذ ولا يعصم من هذه الشُّرور إلَّا الله.

стр. 328

٤ - إثبات جهنَّم دار الكافرين، وأنَّها أعظم ما يحذر ويتَّقى؛ ولذلك بدأ بها. ٥ - إثبات عذاب القبر، واستحباب الاستعاذة بالله منه. ٦ - استحباب الاستعاذة بالله من فتنة المحيا والممات، والمراد: من شرِّهما، كما جاء في روايةٍ (١)، والمراد بفتنة المحيا: فتن الدُّنيا؛ من فتن الشَّهوات والشُّبهات، والمراد بفتنة الممات: فتنة الإنسان في قبره بسؤاله عن ربِّه ودينه ونبيِّه. ٧ - استحباب الاستعاذة بالله من المسيح الدَّجَّال، وهو الأعور الكذَّاب الَّذي يخرج في آخر الزَّمان، وفتنته هي الابتلاء به، وبما معه من الخوارق، وقد حذَّر منه النَّبيُّ ﷺ وأنذره أمَّته، ووَصَفَه. ٨ - فضل هذا الاستغفار الَّذي علَّمه النَّبيُّ ﷺ لأبي بكرٍ، واستحبابه لا سيَّما في الصَّلاة. ٩ - فضل الاعتراف لله بظلم النَّفس. ١٠ - أنَّ ذلك من أنواع الاستغفار. ١١ - أنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا الله. ١٢ - التَّوسُّل إلى الله بالإقرار بذلك في مغفرة الذُّنوب. ١٣ - طلب الاستغفار بصيغة الطَّلب «اغفر لي». ١٤ - التَّواضع لله عند طلب المغفرة بأنَّ ذلك محض فضله، وذلك بقوله: «مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ». ١٥ - الجمع بين طلب المغفرة والرَّحمة، فبالمغفرة تكون النَّجاة من المرهوب، وبالرَّحمة يحصل الفوز بالمطلوب. ١٦ - إثبات هذين الاسمين: «الْغَفُورُ» و «الرَّحِيمُ» لله تعالى، وما دلَّا عليه من صفتي المغفرة والرَّحمة له .

стр. 329

١٧ - التَّوسُّل إلى الله بأسمائه وصفاته. ١٨ - أنَّ استغفار العبد ودعاءه ربَّه مقتضٍ فقره وظلمه لنفسه، ومقتضٍ أنَّ الله غفورٌ رحيمٌ. ١٩ - فضل أبي بكرٍ ﵁ وحرصه على العلم. ٢٠ - أنَّ سؤال العالم سببٌ لاستخراج علمه فينتفع به السَّائل وغيره. ٢١ - أنَّ السُّؤال عن العلم غير مذمومٍ بل محمودٌ. ٢٢ - فضل الأدعية النَّبويَّة واستحباب معرفتها وحفظها. * * * * * (٣٦٤) وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»، وَعَنْ شِمَالِهِ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (١). * * * هذا الحديث أحد الأحاديث الدَّالَّة على مشروعيَّة التَّسليم من الصَّلاة، وقد روى ذلك جمعٌ من الصَّحابة ﵃ من فعله ﷺ وقوله، كما قال ﷺ في الصَّلاة: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (٢). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة التَّسليم من الصَّلاة، وبه يكون الخروج منها. وقد ذهب الجمهور إلى وجوب التَّسليم؛ لمداومته ﷺ ولقوله: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، ولكنَّهم اختلفوا: هل الواجب تسليمتان أو تسليمةٌ واحدةٌ؟ ذهب الأكثر إلى الثَّاني.

стр. 330

وذهب بعضهم إلى وجوب التَّسليمتين، وهذا هو الأقوى دليلاً، ولا سيَّما في الفريضة. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم وجوب التَّسليم، فيمكن الخروج من الصَّلاة بأيِّ فعلٍ أو قولٍ منافٍ (١). ٢ - مشروعيَّة التَّسليم عن اليمين وعن الشِّمال. ٣ - فضل اليمين للبداءة به. ٤ - مشروعيَّة الجمع في التَّسليم بين السَّلام والرَّحمة والبركة، لكنَّ أكثر من روى التَّسليم لا يذكر فيه «وبركاته»، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنَّ زيادة (وبركاته) شاذَّةٌ، ومنهم شيخنا الشَّيخ عبد العزيز بن بازٍ ﵀ (٢)، وعدَّها بعضهم من تنوُّع الذِّكر، وهذا التَّسليم هو سلامٌ على الملائكة والمصلِّين، فينبغي للمصلِّي أن ينوي به ذلك والخروج من الصَّلاة. ٥ - عظم شأن الصَّلاة حيث افتتحت بالذِّكر وختمت به. ٦ - اشتمال التَّسليم على جماع الخير، وهو السَّلامة من الأضرار والمكروهات، والظَّفر بالمنافع والمحبوبات. * * * * * (٣٦٥) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لَا إِلهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * *

стр. 331

هذا من أصحِّ الأحاديث في الذِّكر بعد الصَّلاة، وقد كتب به المغيرة إلى معاوية ﵃، وقد اشتمل على أفضل الذِّكر «لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له» كما قال النَّبيُّ ﷺ : «أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (١). والمراد بدبر الصَّلاة في هذا الحديث وأمثاله: ما بعد السَّلام، وقد تضمَّنت جمل الحديث النَّصَّ على نوعي التَّوحيد؛ توحيد الإلهيَّة، و توحيد الرُّبوبيَّة، ممَّا يدلُّ على عظم شأن هذا الذِّكر. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مداومته ﷺ على هذا الذِّكر بعد كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ. ٢ - استحباب هذا الذِّكر وتأكُّده بعد كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ. ٣ - بطلان كلِّ معبودٍ سوى الله. ٤ - إثبات الإلهيَّة لله وحده. ٥ - وجوب إفراده تعالى بالعبادة. ٦ - تحريم الشِّرك. ٧ - مشروعيَّة تأكيد ما تضمَّنته كلمة التَّوحيد لقوله: «وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ»، ف «وحده» تأكيد الإثبات، و «لا شريك له» تأكيد النَّفي. ٨ - إثبات تمام الملك وعمومه له سبحانه. ٩ - إثبات الحمد كلِّه له سبحانه. ١٠ - إثبات الحكمة لله في خلقه وأمره.

стр. 332

١١ - إثبات قدرته على كلِّ شيءٍ لقوله: «وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». ١٢ - إثبات تفرُّده سبحانه بالعطاء والمنع، ففيه شاهدٌ لقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد (٣٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون (٣٨)﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٧]. ١٣ - أنَّه لا ينجي أحدًا ممَّا أراده الله به من سوءٍ؛ قوَّةٌ ولا مالٌ ولا سلطانٌ. ١٤ - كمال قدرته ، وكمال عجز الخلق، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. ١٥ - أنَّ الحظوظ من المال والسُّلطان لا تمنع صاحبها ممَّا أراده الله به ولا تنجيه من عذابه، فالجدُّ هو: الحظُّ، وقوله: «وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»؛ أي: لا ينفع ذا الحظِّ منك حظُّه. وقد ضمِّن فعل «يَنْفَعُ» معنى ينجِّي ويخلِّص. ١٦ - وجوب التَّوكُّل على الله في جميع الأمور وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً. * * * * * (٣٦٦) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: إنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ كَان يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). * * *

стр. 333

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ من هديه ﷺ التَّعوُّذ بالله من هذه المذكورات دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ. ٢ - استحباب هذا التَّعوُّذ دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ أسوةً بالنَّبيِّ ﷺ . والدُّبر في هذا الحديث يحتمل أن يراد به آخر الصَّلاة قبل السَّلام؛ لأنَّه موضع الدُّعاء، ورجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيميَّة. ويحتمل أن يراد به ما بعد السَّلام كما جاء في أحاديث الذِّكر بعد الصَّلاة كحديث المغيرة ﵁ المتقدِّم وحديث أبي هريرة ﵁ الآتي وغيرهما، والأمر محتملٌ. ٣ - استحباب تكرار فعل التَّعوُّذ مع كلِّ هذه المذكورات. ٤ - ذمُّ البخل والجبن، واستحباب التَّعوُّذ منهما، والجبن هو: البخل بالنَّفس في مواضع البذل، فهو أخصُّ من البخل. ٥ - استحباب الاستعاذة بالله من الهرم، وهو أرذل العمر؛ لأنَّه يفقد به الإنسان عقله، فيفقد ما كان قد علمه، فلا يعلم حينئذٍ شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]. ٦ - استحباب التَّعوُّذ من فتنة الدُّنيا، والمراد: جميع فتنها؛ فتن الشَّهوات والشُّبهات. ٧ - استحباب الاستعاذة بالله من عذاب القبر. ٨ - إثبات عذاب القبر. ٩ - افتقار الرَّسول ﷺ إلى ربِّه، وحاجته إلى عصمته والوقاية من الشُّرور. * * * * *

стр. 334

(٣٦٧) عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث يدلُّ ظاهره على أوَّل دعاءٍ وذكرٍ بعد السَّلام من الصَّلاة المكتوبة. وفيه فوائد، منها: ١ - مداومته ﷺ على هذا الذِّكر بعد الصَّلاة. ٢ - استحباب البداءة بالذِّكر بعد الصَّلاة بما جاء في هذا الحديث قبل الانصراف عن القبلة، كما صرِّح بذلك في حديث عائشة ﵂ عند مسلمٍ (٢). ٣ - مشروعيَّة الاستغفار ثلاثًا بعد الصَّلاة إمَّا بلفظ: (أستغفر الله) أو (اللَّهمَّ اغفر لي). ٤ - الجمع بين الدُّعاء والثَّناء على الله. ٥ - السِّرُّ في تقديم الاستغفار على الثَّناء في هذا الموضع -والله أعلم- هو استشعار التَّقصير في الصَّلاة، ولذا شرع ختم العمل به في قيام اللَّيل والحجِّ والصَّلاة كما في هذا الحديث. ٦ - إثبات اسم الله «السَّلام»، ووصفه بمعناه، والتَّوسُّل به. ٧ - مشروعيَّة طلب السَّلامة من جميع الشُّرور. ٨ - أنَّ السَّلامة لا تطلب إلَّا من الله ؛ لأنَّه مالكها وحده كما يفيده الحصر بتقديم الجارِّ والمجرور «وَمِنْكَ السَّلامُ».

стр. 335

٩ - الثَّناء على الله بالبركة، وهي كثرة الخير الَّتي لا نهاية لها، وبركته تعالى ذاتيَّةٌ كما يدلُّ لذلك فعل «تبارك»، وهذا الفعل لا يسند إلَّا إلى الله أو إلى اسمه؛ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]، ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]، وهو تعالى يجعل البركة فيمن شاء وما شاء. ١٠ - وصفه تعالى بالجلال، وهو العظمة. ١١ - وصفه تعالى بالإكرام؛ لأنَّه الَّذي يكرم أولياءه، ويحتمل أنَّ ذا الجلال والإكرام؛ أي: المستحقُّ للإجلال والإكرام؛ بتعظيمه وتوحيده وطاعته. ١٢ - أنَّ زيادة: «وَتَعَالَيْتَ» بعد: «تَبَارَكْتَ» بدعةٌ؛ أي: في هذا الموضع. * * * * * (٣٦٨) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ المئَةِ: لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ لَهُ خَطَايَاهُ، وإن كَانتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٣٦٩) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ» (٢). * * * مضمون هذا الحديث هو: ما أرشد النَّبيُّ ﷺ الفقراء إليه، حين شكوا إليه سبق الأغنياء لهم بالصَّدقة بفضول أموالهم، وأخبرهم ﷺ أنَّهم إذا فعلوا ذلك

стр. 336

سبقوا غيرهم ولم يسبقهم إلَّا من فعل مثل فعلهم، وهذا الذِّكر من أصحِّ ما ورد من الذِّكر بعد الصَّلاة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب هذا الذِّكر بعد كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ. ٢ - استحباب المواظبة عليه. ٣ - فضل هذا الذِّكر. ٤ - أنَّ المواظبة عليه سببٌ لمغفرة الذُّنوب، فيدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ٥ - فضل هذه الكلمات الثَّلاث؛ فإنَّ معنى «سَبَّحَ اللهَ»، «وَحَمِدَ اللهَ»، «وَكَبَّرَ اللهَ»؛ أي قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، وأكثر الأذكار مداره عليها مع كلمة لا إله إلَّا الله، وقد فسِّرت بها الباقيات الصَّالحات، وأدلَّة فضلهنَّ كثيرةٌ كقوله ﷺ : «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ ولا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (١)، وقد ورد الذِّكر بهنَّ دبر كلِّ صلاةٍ. ٦ - اعتبار العدد المنصوص من النَّبيِّ ﷺ دون زيادةٍ أو نقصٍ في حصول القدوة وترتُّب الجزاء. ٧ - تنزيه الله عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وهو معنى (سبحان الله). ٨ - إثبات الحمد كلِّه لله، وإثبات جميع صفات الكمال، وهو معنى (الحمد لله). ٩ - أنَّ الله أكبر من كلِّ شيءٍ، وهو معنى (الله أكبر). ١٠ - توضيح المعاني بالتَّمثيل والتَّشبيه بالمحسوس؛ لقوله: «وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».

стр. 337

١١ - أنَّ صفة هذا الذِّكر بالبداءة بالتَّسبيح مفردًا بعددٍ، ثمَّ التَّحميد ثمَّ التَّكبير، ويجوز جمع الكلمات الثَّلاث؛ لقوله في الحديث الآخر: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ». * * * * * (٣٧٠) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ؛ لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ (١). * * * هذا الحديث من أشهر الأحاديث الواردة في الدُّعاء دبر الصَّلوات وهذا الدُّعاء من أجمع الدَّعوات وأنفعها. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضيلة معاذٍ ﵁؛ حيث نوَّه النَّبيُّ ﷺ بمحبَّته له، بقوله ﷺ -كما جاء في أصل الحديث-: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، وبتخصيصه بحمل هذه الوصيَّة. ٢ - فضل هذا الدُّعاء. ٣ - استحباب هذا الدُّعاء دبر كلِّ صلاةٍ، وهو محتملٌ أن يكون محلُّه قبل السَّلام أو بعد السَّلام، ورجَّح بعضهم أنَّ محلَّه قبل السَّلام؛ لأنَّه موضعٌ للدُّعاء. ٤ - مشروعيَّة الاستعانة بالله. ٥ - أنَّ أفضل ما تكون الاستعانة بالله على محابِّه. ٦ - فقر العبد إلى ربِّه في القيام بعبادته وطاعته. ٧ - الفرق بين الذِّكر والشُّكر، فالذِّكر: ما شرعه الله تعالى من الثَّناء عليه وتعظيمه بالقلب واللِّسان، والشُّكر: هو القيام بما شرع الله تعالى في مقابل

стр. 338

إنعامه؛ من طاعته وعبادته قولاً وفعلاً ظاهرًا وباطنًا، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُون (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. ٨ - أنَّ حسن العبادة من أهمِّ المطالب، وحسنها يكون بتحقيق الإخلاص لله والمتابعة للرَّسول ﷺ . ٩ - تفاضل النَّاس في العبادة. ١٠ - التَّنبيه على الأمور المهمَّة؛ بتقديم ما يدلُّ على ذلك؛ لقوله: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، وقوله: «أُوصِيكَ»، وفي روايةٍ أنَّه أخذ بيده. * * * * * (٣٧١) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). (٣٧٢) وَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانِيُّ: وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ [الإخلاص] (٢). * * * هذا الحديث من أدلَّة فضل آية الكرسيِّ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ فأمَّا «آية الكرسيِّ» فقد ثبت في الصَّحيح أنَّها أعظم آيةٍ في كتاب الله (٣)، وأنَّ من قرأها في ليلةٍ لم يزل عليه من الله حافظٌ، ولا يقربه شيطانٌ (٤)، وأمَّا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ فقد ثبت في الصَّحيح أنَّها تعدل ثلث القرآن (٥)، وقد كان النَّبيُّ

стр. 339

ﷺ يقرأ بها بعد الفاتحة في الوتر (١) وفي الرَّكعة الثَّانية من ركعتي الفجر (٢)، وركعتي الطَّواف (٣). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب قراءة آية الكرسيِّ دبر كلِّ صلاةٍ. ٢ - فضل آية الكرسيِّ. ٣ - استحباب قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾. ٤ - فضل هذه السُّورة، وفضل هذه الآية والسُّورة راجعٌ إلى ما تضمَّنتا من توحيد الله وأسمائه وصفاته وتنزيهه. ٥ - أنَّ المواظبة على قراءتهما دبر كلِّ صلاةٍ من أسباب دخول الجنَّة. ٦ - أنَّ دخول الجنَّة لا يكون إلَّا بعد الموت. ٧ - إثبات وجود الجنَّة. * * * * * (٣٧٣) عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤). * * *

стр. 340

هذا الحديث من جوامع الكلم، وهو يدلُّ على وجوب أخذ صفة الصَّلاة من صلاته ﷺ ، وهو نظير قوله ﷺ في الحجِّ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» (١). وهذا الحديث هو ما وصَّى به النَّبيُّ ﷺ مالك بن الحويرث ﵁ ومن معه حين وفدوا عليه ﷺ فقال عند توديعهم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وقال: «وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»، وقد أحسن المؤلِّف في وضعه هذا الحديث عقب أحاديث صفة الصَّلاة، فهو من حسن الختام. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ صلاته ﷺ بما فيها من أقوالٍ وأفعالٍ بيانٌ لما أمر الله به من إقام الصَّلاة. ٢ - وجوب الاقتداء به ﷺ في صفة الصَّلاة. ٣ - بيان الأحكام بالأفعال. * * * * * (٣٧٤) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). (٣٧٥) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيضٍ صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلَكِنْ صَحَّحَ أبو حَاتِمٍ وَقْفَهُ (٣). * * * هذان الحديثان من أحاديث صفة صلاة أهل الأعذار، وفي الحديث الأوَّل أنَّ عمران ﵁ كان به بواسير، فسأل النَّبيَّ ﷺ عن الصَّلاة، فأمره بما جاء في هذا الحديث، والحديثان من أدلَّة تعليق الواجبات بالاستطاعة.

стр. 341

وفيهما فوائد، منها: ١ - وجوب القيام في الصَّلاة مع القدرة في الفرض والنَّفل لإطلاق الحديث، لكن جاء ما يدلُّ على جواز القعود في النَّافلة، فقد كان ﷺ يصلِّي بعض صلاته في اللَّيل قاعدًا، وقال ﷺ : «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» (١) واتَّفق العلماء على جواز صلاة النَّافلة من قعودٍ. ٢ - أنَّ من عجز عن القيام يصلِّي قاعدًا، ويسجد إن استطاع وإلَّا أومأ بالرُّكوع والسُّجود، ويجعل السُّجود أخفض من الرُّكوع. ٣ - جواز القعود على أيِّ صفةٍ كانت، والأفضل أن يكون متربِّعًا. ٤ - أنَّ من عجز عن القعود يصلِّي مضطجعًا على جنبه الأيمن أو الأيسر، والأيمن أفضل، قال الفقهاء: فإن لم يستطع فمستلقيًا ويومئ برأسه للرُّكوع والسُّجود، وقد جاء في روايةٍ تعزى إلى النَّسائيِّ: «وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا» (٢). ٥ - أنَّ من لم يستطع السُّجود يومئ، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وأمَّا قوله: «وَإِلَّا فَأَوْمِ» فلم يثبت في الرِّواية (٣). ٦ - أنَّ من لا يستطيع السُّجود على الأرض لا يتَّخذ ما يسجد عليه من وسادةٍ ونحوها.

стр. 342

٧ - اليسر في أحكام الشَّريعة، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٨ - أنَّ المرض لا يسقط وجوب الصَّلاة. ٩ - أنَّ المريض يصلِّي بحسب حاله. ١٠ - عظم أمر الصَّلاة في الدِّين. ١١ - سؤال المسلم عمَّا أشكل عليه في أمر دينه. * * * * *

стр. 343

بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ (السَّهو) و (النِّسيان) و (الذُّهول) و (الغفلة)؛ يظهر أنَّ النِّسيان أعمُّ منها كلِّها، فالنِّسيان: غياب الشَّيء عن الذِّهن بعد العلم به؛ سواءٌ ذكره أو لم يذكره، وسواءٌ كان حاضرًا أو متقدِّمًا. والسَّهو: نوعٌ من النِّسيان لكنَّه يختصُّ بما هو قريبٌ. والذُّهول: هو الغفلة عن الشَّيء مع حصوله في العلم. والغفلة: عدم العلم بالشَّيء والشُّعور به للإعراض عنه، أو الذُّهول عنه بسبب مفاجأةٍ. وكلُّ هذه الأحوال منها الممدوح والمذموم ودون ذلك بحسب أسبابه ومتعلَّقاته. وممَّا ذكر من الفرق بين السَّهو والنِّسيان؛ أنَّ السَّهو -لتعلُّقه بالفعل- لا يرد على معيَّنٍ مرَّتين؛ فيسهى عنه ثمَّ يسهى عنه في وقتٍ آخر بل عن مثله، بخلاف النِّسيان، فإنَّ الشَّيء ينسى ثمَّ يذكر ثمَّ ينسى بعينه وذلك في غير الأفعال، ويظهر من هذا فرقٌ آخر، وهو أنَّ السَّهو يتعلَّق بالأفعال، والنِّسيان عامٌّ. وسجود السَّهو هو ما يشرع من السُّجود بسبب السَّهو في الصَّلاة، فإضافته إليه من إضافة الشَّيء إلى سببه، وهو يشرع لثلاثة أشياء: الزِّيادة، و النَّقص، و الشَّكِّ. * * * * * (٣٧٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَييْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ

стр. 344

النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وهُوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْن، قبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ البُخَارِيِّ (١). (٣٧٧) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وهُوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلوسِ» (٢). * * * هذا الحديث من أصحِّ الأحاديث في سجود السَّهو، وهو دليل السُّجود للنَّقص، وراويه عبد الله بن مالكٍ الأزديِّ ﵁، وبحينة أمُّه وهي بنت الحارث بن المطَّلب بن عبد منافٍ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب التَّشهُّد الأوَّل. ٢ - أنَّه يسقط بالسَّهو. ٣ - أنَّ الصَّلاة بتركه تجبر بسجود السَّهو. ٤ - أنَّ سجود السَّهو سجدتان. ٥ - أنَّ محلَّ السُّجود قبل السَّلام. ٦ - مشروعيَّة التَّكبير بكلِّ سجدةٍ في الخفض والرَّفع. ٧ - وقوع السَّهو من النَّبيِّ ﷺ ، ومن حكمة تقدير الله لذلك في الصَّلاة؛ بيان الأحكام. ٨ - وجوب سجود السَّهو لترك التَّشهُّد الأوَّل؛ لأنَّ بدل الواجب واجبٌ. ٩ - استنباط حكم الفعل من القرينة، لقوله ﵁: «مكان ما نسي من الجلوس». ١٠ - أنَّ من نسي التَّشهُّد الأوَّل وقام لا يرجع إليه.

стр. 345

١١ - مشروعيَّة التَّسليم من الصَّلاة، وقد تقدَّم أنَّه واجبٌ لا يخرج من الصَّلاة إلَّا به. ١٢ - وجوب متابعة المأمومين للإمام إذا قام وترك التَّشهُّد الأوَّل. * * * * * (٣٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْمِ أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبيُّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ»، فَقَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). (٣٧٩) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «صَلَاةَ الْعَصْرِ» (٢). (٣٨٠) وَلأَبِي دَاوُدَ: فَقَالَ: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فَأَوْمَؤُوا: أَيْ نَعَمْ (٣). وَهِيَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَالُوا. (٣٨١) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَقَّنَهُ اللهُ ذَلِكَ» (٤). (٣٨٢) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁؛ «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، (ثُمَّ تَشَهَّدَ)، ثُمَّ سَلَّمَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (٥).

стр. 346

حديث أبي هريرة ﵁ من أصحِّ الأحاديث وأشهرها في سجود السَّهو، وفي معناه حديث عمران ولكنَّ المؤلِّف اختصره، وهما من أدلَّة سجود السَّهو للزِّيادة في الصَّلاة. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة سجود السَّهو للزِّيادة في الصَّلاة، والزِّيادة الَّتي حصلت في هذه القصَّة هي السَّلام قبل تمام الصَّلاة، والقعود للتَّشهُّد للثَّالثة في حديث عمران ﵁ في بعض رواياته (١). ٢ - أنَّ محلَّ السُّجود للزِّيادة بعد السَّلام. ٣ - أنَّ سجود السَّهو سجدتان. ٤ - التَّكبير في سجود السَّهو خفضًا ورفعًا. ٥ - مشروعيَّة التَّسليم من سجود السَّهو. ٦ - وقوع النِّسيان من النَّبيِّ ﷺ . ٧ - مشروعيَّة التَّثبُّت في الخبر ولو مع تصديق المخبر؛ لتحصيل اليقين والطُّمأنينة. ٨ - أنَّ من سلَّم قبل تمام صلاته لا تجب عليه إعادة ما صلَّى، بل يتمُّ صلاته ويبني على ما صلَّى ما لم يطل الفصل عرفًا. ٩ - فضيلة أبي بكرٍ وعمر ﵃؛ لقوله: «فهابا أن يكلِّماه» أدبًا. ١٠ - فضيلة ذي اليدين؛ لشجاعته بمخاطبة الرَّسول ﷺ بما حصل في الصَّلاة. ١١ - التَّثبُّت في الأمر قبل الحكم، لقوله: «أنسيت أم قصرت الصَّلاة؟»، ثمَّ قال: «بلى قد نسيت».

стр. 347

١٢ - أنَّ من أخبر عن اعتقاده لا يكون كاذبًا ولو خالف الواقع، لقوله ﷺ : «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ»؛ أي: في ظنِّي واعتقادي. ١٣ - تأثُّر الكُمَّل من المؤمنين نفسيًّا إذا دخل عبادتهم نقصٌ أو خللٌ، ولو لم يعلموا به؛ لقوله: «فقام إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجد فاتَّكأ عليها كأنَّه غضبان» (١) كما في روايةٍ. ١٤ - تفاضل النَّاس في كلِّ زمانٍ في الاهتمام بالعبادة وأداء الواجب وطلب الفضيلة؛ لقوله: «وخرج سرعان النَّاس». ١٥ - أنَّه لا يجب بعث طلبٍ في أثر السَّرعان فضلاً أن ينادى في النَّاس: أنَّ الصَّلاة لم تتمَّ، لكن من علم أنَّ صلاته لم تتمَّ فيجب عليه إتمامها ما لم يطل الفصل، فإن طال وجب عليه إعادتها كاملةً. ١٦ - العمل بالإشارة؛ لقوله: «فأومؤوا: أي نعم». ١٧ - أنَّ الكلام في مصلحة الصَّلاة في هذه الحال لا يفسدها، بل لو لم يكن في مصلحة الصَّلاة ما لم يتيقَّن الإنسان أنَّ الصَّلاة لم تتمَّ. * * * * * (٣٨٣) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (٣٨٤) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «وَمَا ذَلِكَ؟»، قَالوا: صَلَّيْتَ كَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا

стр. 348

بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني، وَإذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٣٨٥) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (٢): «فَلْيُتِمَّ، ثُمَّ يُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ». (٣٨٦) وَلِمُسْلِمٍ؛ «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ» (٣). (٣٨٧) وَلأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵃ مَرْفُوعًا: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ»، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٤). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في حكم الشَّكِّ في الصَّلاة، وقد دلَّت على أنَّ الشَّكَّ في الصَّلاة نوعان: تارةً لا يكون معه ترجُّحٌ لأحد الاحتمالين، وتارةً يترجَّح أحد الاحتمالين. دلَّ على الأوَّل وحكمه حديث أبي سعيدٍ ﵁، وعلى الثَّاني وحكمه حديث ابن مسعودٍ ﵁. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - حكم الشَّكِّ في عدد الرَّكعات. ٢ - البناء على اليقين مع التَّردُّد في قوله: «فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى» «وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ».

стр. 349

٣ - البناء على غالب الظَّنِّ، لقوله في حديث ابن مسعودٍ ﵁: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ». وقد اختلف العلماء في هذه الحال فقيل: إنَّ هذا حكم الإمام والمنفرد، فكلاهما يبني على غالب ظنِّه، وقيل: يختصُّ ذلك بالإمام لاعتضاده بسكوت المأمومين، والصَّواب: الأوَّل لعموم حديث ابن مسعودٍ ﵁. وفي الحديثين دليلٌ لقاعدة: البناء على اليقين عند الشَّكِّ، والعمل بغالب الظَّنِّ. ٤ - أنَّ سجود السَّهو للشَّكِّ سجدتان. ٥ - أنَّ من بنى على ما استيقن يسجد قبل السَّلام، كما في حديث أبي سعيدٍ ﵁، ومن بنى على غالب ظنِّه يسجد بعد السَّلام كما في حديث ابن مسعودٍ ﵁. ٦ - أنَّ النِّسيان من العوارض البشريَّة. ٧ - الحكمة من سجود السَّهو؛ وهي: جبر النَّقص أو شفع الصَّلاة إن حصل فيها زيادة ركعةٍ، وإلَّا كان ترغيمًا للشَّيطان، وسجود السَّهو ترغيمٌ للشَّيطان بكلِّ حالٍ؛ لما في سجود السَّهو من جبر الصَّلاة وزيادة الأجر. ومن فوائد حديث ابن مسعودٍ ﵁: ٨ - وقوع النِّسيان من النَّبيِّ ﷺ . ٩ - مشروعيَّة تذكير النَّاسي في الصَّلاة، وإن كان النَّبيَّ ﷺ . ١٠ - مشروعيَّة سجود السَّهو للزِّيادة في الصَّلاة ولو لم يعلم به إلَّا بعد السَّلام والانصراف عن القبلة. ١١ - مشروعيَّة التَّسليم من الصَّلاة. ١٢ - مشروعيَّة التَّسليم من سجود السَّهو الَّذي محلُّه بعد السَّلام.

стр. 350

١٣ - أنَّ الرَّسول ﷺ بشرٌ تجوز عليه العوارض البشريَّة كالمرض وغيره. ١٤ - إمكان نزول الوحي على رسول الله ﷺ في الصَّلاة لقوله: «إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ». وأمَّا حديث عبد الله بن جعفرٍ ﵁ فإنَّه مجملٌ يفسِّره حديث ابن مسعودٍ ﵁ المتقدِّم، فيكون المراد به: الشَّكَّ الَّذي يكون معه رجحانٌ لأحد الاحتمالين ويبني فيه المصلِّي على ما ترجَّح عنده، يدلُّ لذلك قوله: «فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بعْدَمَا يُسَلِّمُ» وهذا هو الذي ذكر في حديث ابن مسعودٍ ﵁. والله أعلم. * * * * * (٣٨٨) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلْيَمْضِ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَإنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ ولا سَهْوَ عَلَيْهِ»، رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١). * * * هذا الحديث ضعَّفه الحافظ كما ترى، ويشهد لمعناه حديث عبد الله بن بحينة ﵁ المتقدِّم أوَّل الباب (٢)، فإنَّه ﷺ قام من اثنتين ولم يتشهَّد، ومضى في صلاته. وحديث ابن بحينة ﵁ هو الأصل في هذه المسألة، وأنَّ من نسي التَّشهُّد الأوَّل، وشرع في الرَّكعة بأن استتمَّ قائمًا فإنَّه يمضي، أمَّا من نهض ولم يستتمَّ قائمًا وتذكَّر فإنَّه يرجع للتَّشهُّد، ولا سجود عليه لهذا السَّهو؛ لعدم ما يوجبه من زيادةٍ أو نقصٍ أو شكٍّ.

стр. 351

فإن كان نهوضه لشكٍّ في عدد الرَّكعات رجع لزوال الشَّكِّ، فلا أثر له، وإن لم يزل الشَّكُّ فعليه العمل بما استيقن أو بما ترجَّح عنده، على ما تقدَّم في حديث أبي سعيدٍ وابن مسعودٍ ﵃، ويجب حمل الحديث على أنَّ الشَّكَّ قد زال. وقد فصَّل الفقهاء ﵏ فيمن سها عن التَّشهُّد الأوَّل فقالوا: إن ذكر قبل أن يستتمَّ قائمًا رجع إليه وجوبًا، فإن استتمَّ قائمًا كره الرُّجوع، فإن شرع في القراءة حرم الرُّجوع، وهذا تفصيلٌ حسنٌ، ويستدلُّون لذلك بحديث المغيرة وحديث ابن بحينة ﵃. وممَّا يضعف حديث المغيرة ﵁ من جهة المتن: أنَّه يخالف ظاهره حديثي أبي سعيدٍ وابن مسعودٍ ﵃، وأنَّه في حكم من شكَّ فقام من اثنتين، والمسألة في حكم من سها عن التَّشهُّد الأوَّل لا من شكَّ في عدد الرَّكعات، وهذا هو الَّذي وقع من النَّبيِّ ﷺ -أعني السَّهو دون الشَّكِّ-، وفرقٌ بين السَّهو والشَّكِّ، فالشَّكُّ تردُّدٌ، والسَّهو نسيانٌ عارضٌ. والله أعلم. * * * * * (٣٨٩) عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ليْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإمَامِ سَهْوٌ، فَإنْ سَهَا الإمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ». رَوَاهُ البَزَّارُ وَالبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١). * * * هذا الحديث ضعَّفه المصنِّف، وهو في حكم سهو الإمام والمأموم، ويشهد له في الجملة قوله ﷺ في الأئمَّة: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» وهو في صحيح البخاريِّ (٢).

стр. 352

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنه ليس على المأموم سهوٌ، ومعناه: أنَّه لا سجود عليه، فإنَّه تابعٌ للإمام في الانصراف من الصَّلاة فيسلِّم إذا سلَّم، وخصَّ الفقهاء ذلك بغير المسبوق، فأمَّا المسبوق بركعةٍ أو أكثر فقالوا: يسجد لسهوه مع إمامه، ولسهوه فيما انفرد فيه، بل ولسهو إمامه. ٢ - أنَّ سهو الإمام يلزم حكمه من خلفه؛ فيقوم مع الإمام إذا ترك التَّشهُّد الأوَّل، ويسجد معه سجود السَّهو ولو لم يكن من المأموم سهوٌ. ٣ - أنَّ بين صلاة المأموم والإمام ارتباطًا ترتَّب عليه أحكامٌ، ومن ذلك: أنَّ الإمام يحمل عن المأموم سهوه، فلا سجود عليه، وأنَّ المأموم يلزمه حكم سهو إمامه. واختلف العلماء في بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام، والصَّواب: أنَّها لا تبطل؛ فلو صلَّى الإمام محدثًا ناسيًا لحدثه ولم يذكر الإمام ذلك حتَّى سلَّم من الصَّلاة بطلت صلاة الإمام دون المأموم، وكذا لو ذكر الإمام في أثناء الصَّلاة على الصَّحيح، ويستخلف من يتمُّ. ٤ - أهمِّيَّة متابعة المأموم للإمام، ووجهه وجوب سجود السَّهو على المأموم تبعًا لإمامه وإن لم يسْهُ المأموم، وسقوط السَّهو عنه وإن سها. ٥ - قوَّة ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام. * * * * * (٣٩٠) عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١). * * *

стр. 353

هذا الحديث ضعيفٌ، وهو مخالفٌ لحديث ابن بحينة ﵁ في موضع سجود السَّهو، وسجود السَّهو منه ما محلُّه قبل السَّلام، ومنه ما محلُّه بعد السَّلام. وفي الحديث فائدتان: ١ - أنَّ كلَّ سهوٍ يشرع له السُّجود، وظاهره: أنَّه يتكرَّر السُّجود لتكرُّر السَّهو، ولم يقل ذلك أحدٌ بإطلاقٍ، والجمهور على أنَّ السُّجود لا يتعدَّد بتعدُّد السَّهو، بل يكفي سجدتان وإن سها المصلِّي مرَّتين أو ثلاثًا؛ سواءٌ أكان السَّهو من جنسٍ أو أجناسٍ. لكن إذا اختلفت مرَّات السَّهو في موضع السُّجود؛ قدِّم ما كان قبل السَّلام وأغنى عن السُّجود بعد السَّلام. وذهب بعض أهل العلم إلى السُّجود قبل السَّلام وبعد السَّلام، والصَّواب: أنَّ السُّجود لا يتكرَّر بتكرُّر السَّهو؛ لأنَّ الحديث ضعيفٌ، ولأنَّه لا يمكن العمل بظاهره. والله أعلم. ٢ - أنَّ محلَّ سجود السَّهو بعد السَّلام مطلقًا، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من عمل بظاهر هذا الحديث وقال: سجود السَّهو كلُّه بعد السَّلام، ومنهم من قال: كلُّه قبل السَّلام، والقولان ضعيفان؛ لأنَّ كلًّا منهما يخالف بعض الأحاديث المتقدِّمة، وهي صحيحةٌ، والقول الثَّالث: أنَّ من سجود السَّهو ما محلُّه قبل السَّلام، ومنه ما محلُّه بعد السَّلام على ما جاء في أحاديث ابن بحينة وأبي سعيدٍ وابن مسعودٍ ﵃، وهذا القول هو الصَّحيح. * * * * * (٣٩١) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّت (١)﴾ [الانشقاق]، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق]»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٣٩٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «﴿ص﴾ ليْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢).

стр. 354

(٣٩٣) وَعَنْهُ ﵁؛ «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (٣٩٤) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيها». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٣٩٥) عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵀ قَالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ فِي (المَرَاسِيلِ) (٣). (٣٩٦) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولاً مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، وَزَادَ: «فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا، فَلَا يَقْرَأْهَا». وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (٤). (٣٩٧) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥). (٣٩٨) وَفِيهِ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ»، وَهُوَ فِي «المُوَطَّأِ» (٦). (٣٩٩) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «كَانَ النّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ، وَسَجَدَ، وَسَجَدْنَا مَعَهُ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ لِينٌ (٧). * * * هذه الأحاديث منها ما هو صحيحٌ، ومنها ما فيه مقالٌ، وكلُّها قد استدلَّ بها على مشروعيَّة سجود التِّلاوة، واختلف العلماء في سجود التِّلاوة هل هو صلاةٌ أو عبادةٌ مستقلَّةٌ؟ ذهب الجمهور إلى أنَّه صلاةٌ فيشترط فيه ما يشترط في الصَّلاة (٨)، وذهب آخرون إلى أنَّه ليس بصلاةٍ فلا تشترط له الطَّهارة ولا السِّتارة (٩).

стр. 355

وفي القرآن خمس عشرة سجدةً، ذكر المؤلِّف أدلَّة ستَّةٍ منها؛ وهي: (ص)، و (النَّجم)، و (الانشقاق)، و (العلق)، وسورة (الحجِّ) وفيها سجدتان، وقد دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃ في (ص) و (النَّجم)، وحديث خالد بن معدان ﵁. وقد اختلف العلماء في عدد سجدات التِّلاوة: فذهب الجمهور إلى أنَّها أربع عشرة سجدةً، ولم يعدُّوا سجدة (ص)، وقال آخرون: بل هي خمس عشرة؛ أي: بسجدة (ص)، وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنَّ السَّجدات إحدى عشرة، وقالوا: إنَّ سجدات المفصَّل منسوخةٌ، وسجدة (ص) ليست من عزائم السُّجود (١). والرَّاجح: أنَّ سجدات التِّلاوة خمس عشرة، وسجدة (ص) وإن لم تكن من عزائم السُّجود فقد سجدها النَّبيُّ ﷺ ، وكفى بهذا دليلاً. وأمَّا سجدات المفصَّل فقد ذكر أبو هريرة ﵁ أنَّه سجد مع النَّبيِّ ﷺ في سورة الانشقاق، وسورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وإسلام أبي هريرة كان في السَّنة السَّابعة فتبطل دعوى النَّسخ. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة السُّجود في سورة الانشقاق. ٢ - مشروعيَّة السُّجود في سورة العلق. ٣ - الرَّدُّ على من قال بنسخ السُّجود في المفصَّل. ٤ - مشروعيَّة السُّجود في سورة ص. ٥ - مشروعيَّة السُّجود في سورة النَّجم. ٦ - أنَّ سجود التِّلاوة ليس بواجبٍ، ويؤخذ ذلك من حديث زيدٍ ﵁؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ لم يأمره، ومن حديث عمر ﵁ وهو صريحٌ. ٧ - مشروعيَّة سجود التِّلاوة في الصَّلاة وخارج الصَّلاة.
следующие страницы →