← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فإن كان نهوضه لشكٍّ في عدد الرَّكعات رجع لزوال الشَّكِّ، فلا أثر له، وإن لم يزل الشَّكُّ فعليه العمل بما استيقن أو بما ترجَّح عنده، على ما تقدَّم في حديث أبي سعيدٍ وابن مسعودٍ ﵃، ويجب حمل الحديث على أنَّ الشَّكَّ قد زال. وقد فصَّل الفقهاء ﵏ فيمن سها عن التَّشهُّد الأوَّل فقالوا: إن ذكر قبل أن يستتمَّ قائمًا رجع إليه وجوبًا، فإن استتمَّ قائمًا كره الرُّجوع، فإن شرع في القراءة حرم الرُّجوع، وهذا تفصيلٌ حسنٌ، ويستدلُّون لذلك بحديث المغيرة وحديث ابن بحينة ﵃. وممَّا يضعف حديث المغيرة ﵁ من جهة المتن: أنَّه يخالف ظاهره حديثي أبي سعيدٍ وابن مسعودٍ ﵃، وأنَّه في حكم من شكَّ فقام من اثنتين، والمسألة في حكم من سها عن التَّشهُّد الأوَّل لا من شكَّ في عدد الرَّكعات، وهذا هو الَّذي وقع من النَّبيِّ ﷺ -أعني السَّهو دون الشَّكِّ-، وفرقٌ بين السَّهو والشَّكِّ، فالشَّكُّ تردُّدٌ، والسَّهو نسيانٌ عارضٌ. والله أعلم. * * * * * (٣٨٩) عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ليْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإمَامِ سَهْوٌ، فَإنْ سَهَا الإمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ». رَوَاهُ البَزَّارُ وَالبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١). * * * هذا الحديث ضعَّفه المصنِّف، وهو في حكم سهو الإمام والمأموم، ويشهد له في الجملة قوله ﷺ في الأئمَّة: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ» وهو في صحيح البخاريِّ (٢).

стр. 352

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنه ليس على المأموم سهوٌ، ومعناه: أنَّه لا سجود عليه، فإنَّه تابعٌ للإمام في الانصراف من الصَّلاة فيسلِّم إذا سلَّم، وخصَّ الفقهاء ذلك بغير المسبوق، فأمَّا المسبوق بركعةٍ أو أكثر فقالوا: يسجد لسهوه مع إمامه، ولسهوه فيما انفرد فيه، بل ولسهو إمامه. ٢ - أنَّ سهو الإمام يلزم حكمه من خلفه؛ فيقوم مع الإمام إذا ترك التَّشهُّد الأوَّل، ويسجد معه سجود السَّهو ولو لم يكن من المأموم سهوٌ. ٣ - أنَّ بين صلاة المأموم والإمام ارتباطًا ترتَّب عليه أحكامٌ، ومن ذلك: أنَّ الإمام يحمل عن المأموم سهوه، فلا سجود عليه، وأنَّ المأموم يلزمه حكم سهو إمامه. واختلف العلماء في بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام، والصَّواب: أنَّها لا تبطل؛ فلو صلَّى الإمام محدثًا ناسيًا لحدثه ولم يذكر الإمام ذلك حتَّى سلَّم من الصَّلاة بطلت صلاة الإمام دون المأموم، وكذا لو ذكر الإمام في أثناء الصَّلاة على الصَّحيح، ويستخلف من يتمُّ. ٤ - أهمِّيَّة متابعة المأموم للإمام، ووجهه وجوب سجود السَّهو على المأموم تبعًا لإمامه وإن لم يسْهُ المأموم، وسقوط السَّهو عنه وإن سها. ٥ - قوَّة ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام. * * * * * (٣٩٠) عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١). * * *

стр. 353

هذا الحديث ضعيفٌ، وهو مخالفٌ لحديث ابن بحينة ﵁ في موضع سجود السَّهو، وسجود السَّهو منه ما محلُّه قبل السَّلام، ومنه ما محلُّه بعد السَّلام. وفي الحديث فائدتان: ١ - أنَّ كلَّ سهوٍ يشرع له السُّجود، وظاهره: أنَّه يتكرَّر السُّجود لتكرُّر السَّهو، ولم يقل ذلك أحدٌ بإطلاقٍ، والجمهور على أنَّ السُّجود لا يتعدَّد بتعدُّد السَّهو، بل يكفي سجدتان وإن سها المصلِّي مرَّتين أو ثلاثًا؛ سواءٌ أكان السَّهو من جنسٍ أو أجناسٍ. لكن إذا اختلفت مرَّات السَّهو في موضع السُّجود؛ قدِّم ما كان قبل السَّلام وأغنى عن السُّجود بعد السَّلام. وذهب بعض أهل العلم إلى السُّجود قبل السَّلام وبعد السَّلام، والصَّواب: أنَّ السُّجود لا يتكرَّر بتكرُّر السَّهو؛ لأنَّ الحديث ضعيفٌ، ولأنَّه لا يمكن العمل بظاهره. والله أعلم. ٢ - أنَّ محلَّ سجود السَّهو بعد السَّلام مطلقًا، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من عمل بظاهر هذا الحديث وقال: سجود السَّهو كلُّه بعد السَّلام، ومنهم من قال: كلُّه قبل السَّلام، والقولان ضعيفان؛ لأنَّ كلًّا منهما يخالف بعض الأحاديث المتقدِّمة، وهي صحيحةٌ، والقول الثَّالث: أنَّ من سجود السَّهو ما محلُّه قبل السَّلام، ومنه ما محلُّه بعد السَّلام على ما جاء في أحاديث ابن بحينة وأبي سعيدٍ وابن مسعودٍ ﵃، وهذا القول هو الصَّحيح. * * * * * (٣٩١) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّت (١)﴾ [الانشقاق]، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق]»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٣٩٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «﴿ص﴾ ليْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢).

стр. 354

(٣٩٣) وَعَنْهُ ﵁؛ «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (٣٩٤) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيها». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٣٩٥) عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵀ قَالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ فِي (المَرَاسِيلِ) (٣). (٣٩٦) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولاً مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، وَزَادَ: «فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا، فَلَا يَقْرَأْهَا». وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (٤). (٣٩٧) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥). (٣٩٨) وَفِيهِ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ»، وَهُوَ فِي «المُوَطَّأِ» (٦). (٣٩٩) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «كَانَ النّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ، وَسَجَدَ، وَسَجَدْنَا مَعَهُ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ لِينٌ (٧). * * * هذه الأحاديث منها ما هو صحيحٌ، ومنها ما فيه مقالٌ، وكلُّها قد استدلَّ بها على مشروعيَّة سجود التِّلاوة، واختلف العلماء في سجود التِّلاوة هل هو صلاةٌ أو عبادةٌ مستقلَّةٌ؟ ذهب الجمهور إلى أنَّه صلاةٌ فيشترط فيه ما يشترط في الصَّلاة (٨)، وذهب آخرون إلى أنَّه ليس بصلاةٍ فلا تشترط له الطَّهارة ولا السِّتارة (٩).

стр. 355

وفي القرآن خمس عشرة سجدةً، ذكر المؤلِّف أدلَّة ستَّةٍ منها؛ وهي: (ص)، و (النَّجم)، و (الانشقاق)، و (العلق)، وسورة (الحجِّ) وفيها سجدتان، وقد دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃ في (ص) و (النَّجم)، وحديث خالد بن معدان ﵁. وقد اختلف العلماء في عدد سجدات التِّلاوة: فذهب الجمهور إلى أنَّها أربع عشرة سجدةً، ولم يعدُّوا سجدة (ص)، وقال آخرون: بل هي خمس عشرة؛ أي: بسجدة (ص)، وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنَّ السَّجدات إحدى عشرة، وقالوا: إنَّ سجدات المفصَّل منسوخةٌ، وسجدة (ص) ليست من عزائم السُّجود (١). والرَّاجح: أنَّ سجدات التِّلاوة خمس عشرة، وسجدة (ص) وإن لم تكن من عزائم السُّجود فقد سجدها النَّبيُّ ﷺ ، وكفى بهذا دليلاً. وأمَّا سجدات المفصَّل فقد ذكر أبو هريرة ﵁ أنَّه سجد مع النَّبيِّ ﷺ في سورة الانشقاق، وسورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وإسلام أبي هريرة كان في السَّنة السَّابعة فتبطل دعوى النَّسخ. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة السُّجود في سورة الانشقاق. ٢ - مشروعيَّة السُّجود في سورة العلق. ٣ - الرَّدُّ على من قال بنسخ السُّجود في المفصَّل. ٤ - مشروعيَّة السُّجود في سورة ص. ٥ - مشروعيَّة السُّجود في سورة النَّجم. ٦ - أنَّ سجود التِّلاوة ليس بواجبٍ، ويؤخذ ذلك من حديث زيدٍ ﵁؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ لم يأمره، ومن حديث عمر ﵁ وهو صريحٌ. ٧ - مشروعيَّة سجود التِّلاوة في الصَّلاة وخارج الصَّلاة.

стр. 356

٨ - أنَّ سورة الحجِّ فيها سجدتان، واختلف في السَّجدة الثَّانية، والجمهور على مشروعيَّتها (١). ٩ - مشروعيَّة التَّكبير لسجود التِّلاوة في الخفض دون الرَّفع، وهذا خارج الصَّلاة، أمَّا داخلها فيكبِّر في الخفض والرَّفع لعموم أدلَّة التَّكبير في الصَّلاة. ١٠ - أنَّه لا يشرع القيام في سجود التِّلاوة، ولا التَّشهُّد ولا السَّلام؛ لعدم نقل ذلك. ١١ - مشروعيَّة السُّجود للمستمع إذا سجد القارئ. وهذه مواضع السُّجود في القرآن: الأعراف، الرعد، النحل، الإسراء، مريم، الحج، الفرقان، النمل، آلم تنزيل، ص، فصلت، النجم، الانشقاق، العلق. * * * * * (٤٠٠) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا جَاءَهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا للهِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (٢). (٤٠١) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَجَدَ النَّبيُّ ﷺ ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَه، وقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدتُّ للهِ شُكْرًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٣). (٤٠٢) وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵃، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إِلَى الْيَمَنِ … فَذَكَرَ الحَدِيثَ قَالَ: «فَكَتَبَ عَلِيٌّ ﵁ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكِتَابَ خَرَّ سَاجِدًا». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ (٤)، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (٥). * * *

стр. 357

سجود الشُّكر كسجود التِّلاوة ليس هو بصلاةٍ، وإضافة السُّجود إلى الشُّكر هو من إضافة الشَّيء إلى نوعه؛ كقولهم: صلاة التَّطوُّع. وكلُّ هذه الأحاديث فعليَّةٌ، أي من سنَّة النَّبيِّ ﷺ الفعليَّة. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة سجود الشُّكر، وذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وقال بعضهم: لا يشرع للشُّكر سجودٌ. وهذه الأحاديث حجَّةٌ عليهم (١). ٢ - أنَّ سبب سجود الشُّكر تجدُّد النِّعم العظيمة عامَّةً أو خاصَّةً. ٣ - أنَّ الشُّكر ما كان من الطَّاعة في مقابل نعمةٍ. ٤ - حرص النَّبيِّ ﷺ على هداية الخلق وفرحه بذلك. ٥ - فرحة النَّبيِّ ﷺ بكرامة الله لأمَّته، كما جاء في حديث سعدٍ ﵁ لمَّا شفع النَّبيُّ ﷺ لأمَّته، رواه أبو داود (٢). ٦ - فرحه ﷺ بمضاعفة أجر الصَّلاة عليه، كما بيَّن ذلك في بعض روايات حديث عبد الرَّحمن بن عوفٍ ﵁. ٧ - فضل عليٍّ ﵁. ٨ - مشروعيَّة بعث الدُّعاة إلى الله. ٩ - اعتماد الكتابة إذا عرف الخطُّ أو علم صدق حامل الكتاب. ١٠ - فضيلة أهل اليمن؛ لمبادرتهم إلى الإسلام بلا قتالٍ، وعناية الرَّسول ﷺ بهم. ١١ - أنَّ سجود الشُّكر على الفور عند وجود سببه. ١٢ - أنَّه لا يشرع فيه تكبيرٌ ولا تسليمٌ. * * * * *

стр. 358

بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ إضافة الصَّلاة إلى التَّطوُّع من إضافة الشَّيء إلى نوعه، والتَّطوُّع أصله ما يفعله الإنسان بطواعيةٍ منه من غير أن يُفرَض عليه، والمراد به في الاصطلاح: كلُّ عبادةٍ ليست واجبةً، ويسمَّى نافلةً، فصلاة التَّطوُّع: هي النَّوافل من الصَّلوات مطلقةً أو مقيَّدةً، وهي مقابلةٌ للصَّلاة المفروضة، ولهذا قال ﷺ للَّذي سأله عن الصَّلوات الخمس؛ هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (١). وآكد صلاة التَّطوُّع: الوتر، ثمَّ الرَّواتب، ثمَّ قيام رمضان، ثمَّ ذوات الأسباب، ومن فضل الله على عباده أن شرع لهم أنواع النَّوافل في أنواع العبادات؛ من الصَّلاة، والصَّدقة، والصِّيام، والحجِّ؛ زيادةً في حسناتهم، وجبرًا لنقص الفرائض. * * * * * (٤٠٣) عَنْ رَبيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ ﵁، قَالَ: قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «سَلْ»، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ. فَقَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟»، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * المراد بكثرة السُّجود؛ كثرة الصَّلاة، وقوله ﷺ لربيعة ﵁: «سَلْ»؛ أي: سلني ما شئت ممَّا ينفعك، وكان ربيعة ﵁ يخدم النَّبيَّ ﷺ أحيانًا، وقوله: «أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ» معناه: أسألك الشَّفاعة لي في مرافقتك في

стр. 359

الجنَّة. وليس المراد أن يكون في منزلة النَّبيِّ ﷺ ، وإنَّما المراد: دخوله الجنَّة مع النَّبيِّ ﷺ . وقوله: «أعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ» معناه: أعنِّي في شفاعتي لك على نجاة نفسك وفوزك بنيل مطلوبك؛ أعنِّي على ذلك بكثرة السُّجود، وقوله ﷺ : «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟» معناه: أو تسألني غير ذلك؟ و المعنى: ألك حاجةٌ غير ما ذكرت تسألنيها؟ قال: «هو ذاك»؛ أي: مطلوبي هو ما ذكرت من مرافقتك في الجنَّة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تسابق الصَّحابة ﵃ على خدمة النَّبيِّ ﷺ . ٢ - فضل ربيعة بن كعبٍ ﵁ لخدمته النَّبيَّ ﷺ . ٣ - إكرام النَّبيِّ ﷺ لأصحابه ﵃، خصوصًا من يخدمه؛ لقوله ﷺ : «سَلْ». ٤ - علوُّ همَّة ربيعة بن كعبٍ ﵁؛ حيث لم يطلب شيئًا من منافع الدُّنيا. ٥ - طلب الشَّفاعة من النَّبيِّ ﷺ في حياته. ٦ - إجابة النَّبيِّ ﷺ ربيعة ﵁ إلى ما طلب. ٧ - أنَّ شفاعة النَّبيِّ ﷺ سببٌ لنيل المطلوب، لكنَّه لا يغني عن الأسباب الشَّرعيَّة من أداء الفرائض والنَّوافل. ٨ - فضل الصَّلاة. ٩ - أنَّ السُّجود أفضل أركان الصَّلاة، واستدلَّ له بقوله ﷺ : «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وهُوَ سَاجِدٌ» (١) وقيل: القيام أفضل؛ لتقديمه في قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، واختار شيخ الإسلام أنَّ القيام ذكره أفضل، والسُّجود فعله أفضل (٢).

стр. 360

١٠ - التَّرغيب في الإكثار من نوافل الصَّلاة. ١١ - أنَّ ذلك من أسباب دخول الجنَّة. * * * * * (٤٠٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «حَفِظْتُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٤٠٥) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «وَرَكْعَتَيْنِ بعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ» (٢). (٤٠٦) وَلِمُسْلِمٍ: «كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» (٣). (٤٠٧) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لا يَدَعُ أَرْبَعًا قبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤). (٤٠٨) وَعَنْهَا ﵂، قَالَتْ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). (٤٠٩) وَلِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٦). (٤١٠) وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَومٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٤١١) وَفِي رِوَايَةٍ: «تَطَوُّعًا» (٧). (٤١٢) وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» (٨). * * *

стр. 361

هذه الأحاديث هي الأصل في السُّنن الرَّواتب التَّابعة للصَّلوات المكتوبة، فمنها قبليَّةٌ ومنها بعديَّةٌ. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ سنن الرَّواتب ثنتا عشرة ركعةً، دلَّ حديث ابن عمر ﵃ على عشرٍ منها، ودلَّ حديث عائشة ﵂ على زيادة ركعتين قبل الظُّهر، وحديث أمِّ حبيبة ﵂ على أنَّها اثنتا عشرة ركعةً. ٢ - أنَّ راتبة الظُّهر القبليَّة أربع ركعاتٍ؛ قيل: بسلامٍ، وقيل: بسلامين، وهو الرَّاجح؛ لأنَّ المعروف من هديه ﷺ في صلاة اللَّيل والنَّهار أنَّه يسلِّم من كلِّ ركعتين. وقيل في الجمع بين حديث عائشة ﵂ وحديث ابن عمر ﵃ أنَّه من قبيل تنوُّع العبادات، وعلى هذا فتكون راتبة الظُّهر إمَّا ركعتين أو أربع ركعاتٍ، وقيل: يؤخذ بحديث عائشة ﵂؛ لأنَّه مشتملٌ على زيادة علمٍ، ويؤيِّد ذلك قولها: «لا يدع أربعًا قبل الظُّهر»، وحديث أمِّ حبيبة ﵂ المذكور. ٣ - أنَّ راتبة الظُّهر البعديَّة ركعتان. ٤ - أنَّ راتبة المغرب ركعتان بعدها، وكذلك العشاء. ٥ - أنَّ راتبة الفجر ركعتان قبلها، فهذه اثنتا عشرة ركعةً. ٦ - استحباب أن تكون راتبة المغرب والعشاء والفجر في البيت، وكذا سنَّة الجمعة. ٧ - أنَّ السُّنَّة بعد الجمعة ركعتان على ما في حديث ابن عمر ﵃، وجاء عند مسلمٍ من حديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا

стр. 362

أَرْبَعًا» (١)، فالأوَّل فعله ﷺ ، والثَّاني قوله ﷺ ، والمعروف في الأصول أنَّ القول أقوى من الفعل. وعلى هذا فالسُّنَّة بعد الجمعة أربع ركعاتٍ، سواءٌ صلَّاها في المسجد أو البيت، وإن صلَّى ركعتين في المسجد وركعتين في البيت فحسنٌ؛ لأنَّ ذلك يتضمَّن الجمع بين الحديثين. وقال بعض أهل العلم: إن صلَّاها في المسجد صلَّى أربعًا، وإن صلَّى في البيت صلَّى ركعتين. ٨ - فضل الرَّكعتين قبل الفجر. ٩ - أنَّ ركعتي الفجر آكد من سائر الرَّواتب فلا تترك في حضرٍ ولا سفرٍ. ١٠ - شدَّة تعاهد النَّبيِّ ﷺ لركعتي الفجر. ١١ - أنَّ السُّنَّة تخفيف ركعتي الفجر، ويدلُّ له حديث عائشة ﵂ الآتي: «كان النَّبيُّ ﷺ يخفِّف الرَّكعتين اللَّتين قبل صلاة الصُّبح» (٢). ١٢ - فضل صلاة الفجر؛ لأنَّها أولى بالفضل من راتبتها. ١٣ - أنَّه لا راتبة للعصر قبليَّةٌ ولا بعديَّةٌ، ولا للمغرب ولا للعشاء راتبةٌ قبلهما. ١٤ - من حكمة السُّنن الرَّواتب زيادة حسنات العبد ممَّا يزيد في ثوابه، ومن حكمتها جبر نقص الفرائض. ١٥ - حقارة الدُّنيا وما فيها بجنب عمل الآخرة وإن قلَّ؛ لأنَّ الدُّنيا فانيةٌ والآخرة باقيةٌ. * * * * *

стр. 363

(٤١٣) وَلِلْخَمْسَةِ عَنْهَا ﵂: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (١). (٤١٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى أرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ (٢). (٤١٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النّبِيِّ ﷺ : قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ»، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ»؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٤١٦) وَفِي رِوَايَةِ ابْن حِبَّانَ: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» (٣). (٤١٧) وَلِمُسْلِمٍ: عَنِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْن بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَانَ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا» (٤). * * * هذه الأحاديث الأربعة تضمَّنت أنواعًا من سنن الصَّلوات في أوقات الصَّلوات المكتوبة، ولكنَّها ليست من الرَّواتب الَّتي تتأكَّد المحافظة عليها وتقضى إذا فاتت. وفيها فوائد، منها: ١ - مشروعيَّة أربع ركعاتٍ قبل الظُّهر، وهي من الرَّواتب كما تقدَّم. ٢ - مشروعيَّة أربع ركعاتٍ بعد الظُّهر، واثنتان منها من الرَّواتب كما تقدَّم. ٣ - مشروعيَّة أربع ركعاتٍ قبل صلاة العصر، وليست من الرَّواتب.

стр. 364

٤ - فضل هذه الرَّكعات؛ لقوله: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً … ». ٥ - التَّرغيب في صلاة ركعتين قبل المغرب وأنَّهما غير واجبتين، لقوله: «لِمَنْ شَاءَ». ٦ - حرص الصَّحابة على هاتين الرَّكعتين، يؤيِّده ما جاء في الحديث الآخر؛ أنَّهم كانوا يبتدرون السَّواري (١). ٧ - إقرار النَّبيِّ ﷺ لهم على ذلك. ٨ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ ربَّما صلَّى هاتين الرَّكعتين، فدلَّ على هذه السُّنَّة قوله وفعله وتقريره ﷺ ، وقول أنسٍ ﵁: «فلم يأمرنا ولم ينهنا» يدلُّ على أنَّه لم يبلغه أمر الرَّسول ﷺ بهما كما في حديث عبد الله بن مغفَّلٍ ﵁. * * * * * (٤١٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٤١٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون (١)﴾ [الكافرون]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ [الإخلاص]». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). (٤٢٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤). (٤٢١) وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إذَا صَلَّى أحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٥).

стр. 365

هذه الأحاديث الأربعة اشتملت على سننٍ تتعلَّق بركعتي الفجر، والأحاديث الثَّلاثة الأولى صحيحةٌ، والرَّابع الَّذي فيه الأمر بالضَّجعة صحَّحه بعضهم كالتِّرمذيِّ، وضعَّفه آخرون، بل قال ابن تيميَّة: إنَّه باطلٌ (١). وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تخفيف ركعتي الفجر. ٢ - أنَّ من سنَّة النَّبيِّ ﷺ قراءة سورتي الإخلاص (٢) في ركعتي الفجر بعد الفاتحة. ٣ - فضل سورتي الإخلاص. ٤ - مشروعيَّة الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر، وقد اختلف النَّاس في ذلك؛ فقيل: هذه الضَّجعة واجبةٌ؛ لحديث الأمر بها، وشذَّ ابن حزمٍ فرأى أنَّ من لم يضطجع لم تصحَّ صلاته (٣)، وهذا من عجائبه، فأيُّ علاقةٍ بين هذه الضَّجعة وصلاة الفجر؟! وقيل: سُنَّةٌ؛ لفعله ﷺ ، وقيل: إنَّها ليست مشروعةً؛ لأنَّ اضطجاع الرَّسول ﷺ للرَّاحة فهو أمرٌ عاديٌّ ولم يكن للتَّشريع، ولأنَّ الأمر بها لم يصحَّ، وقد صحَّ عن ابن عمر ﵁ أنَّه إذا رأى من يضطجع في المسجد بعد الرَّكعتين حصبه بالحصى (٤). وأظهر هذه الأقوال: القول الثَّالث، وهو أنَّها غير مشروعةٍ فإنَّها أشبه بالعادات الَّتي تقتضيها الحاجة. * * * * *

стр. 366

(٤٢٢) وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٤٢٣) وَلِلْخَمْسَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى». وَقَالَ النَّسَائِيُّ: «هَذَا خَطَأٌ» (٢). (٤٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). * * * الحديثان اشتملا على فضل صلاة اللَّيل وصفتها، ومعنى «مَثْنَى»: ثنتين ثنتين؛ أي: كلُّ ركعتين بسلامٍ، ومعنى «تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى»؛ أي: تجعل صلاته وترًا. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - ورود الأمر بصيغة الخبر. ٢ - صفة صلاة اللَّيل، وهي: التَّسليم من كلِّ ركعتين، ويستثنى من هذا الوتر، فإنَّه يجوز لثلاثٍ متَّصلةٍ بسلامٍ واحدٍ، ويجوز بخمسٍ وسبعٍ وتسعٍ. ٣ - أنَّه لا حدَّ لعدد صلاة اللَّيل، خلافًا لمن أوجب الاقتصار على إحدى عشرة. ٤ - ختم صلاة اللَّيل بالوتر.

стр. 367

٥ - أنَّ الوتر يكون ركعةً في بعض الأحيان. ٦ - أنَّ وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر. ٧ - أنَّ ختم صلاة اللَّيل بركعةٍ يصيِّرها كلَّها وترًا، وإن لم تكن الرَّكعة متَّصلةً بالصَّلاة قبلها. ٨ - أنَّ صلاة النَّهار مثنى مثنى كصلاة اللَّيل، لكن قال النَّسائيُّ عن رواية «والنَّهار» إنَّها خطأٌ، ولو لم تصحَّ هذه الرِّواية فإنَّ مجموع الأحاديث الواردة في التَّطوُّع بالصَّلاة يدلُّ على أنَّ صلاة النَّهار مثنى مثنى كصلاة اللَّيل، فإنَّه لم يحفظ أنَّه ﷺ صلَّى أربعًا بسلامٍ واحدٍ. ٩ - أنَّ صلاة اللَّيل أفضل من صلاة النَّهار؛ المطلق أفضل من المطلق، والمقيَّد أفضل من المقيَّد. ١٠ - أنَّ أفضل الصَّلاة بعد الفريضة صلاة اللَّيل. ١١ - أنَّ الفرض أفضل من التَّطوُّع. ١٢ - التَّرغيب في صلاة اللَّيل تطوُّعًا، ويدلُّ لهذا ثناؤه تعالى في كثيرٍ من الآيات على أصحاب قيام اللَّيل؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤]، وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقوله: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون (١٧) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. ١٣ - تفاضل الأعمال والعاملين. * * * * * (٤٢٥) وَعَنْ أَبِي أيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ

стр. 368

بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ». رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ وَقْفَهُ (١). (٤٢٦) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «ليْسَ الْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ المَكْتُوبَةِ، وَلكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (٢). (٤٢٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: «إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الْوِتْرُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). (٤٢٨) عَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»، قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْوِتْرُ مَا بيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٤). (٤٢٩) وَرَوَى أَحْمَدُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ نَحْوَه (٥). (٤٣٠) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ﵃، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَليْسَ مِنَّا»، أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٦). (٤٣١) وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ أَحْمَدَ (٧). * * *

стр. 369

هذه الأحاديث اشتملت على حكم الوتر وصفته، والوتر من صلاة اللَّيل، وهي: صلاةٌ مقيَّدةٌ بعددٍ؛ أقلُّه واحدةٌ، ويجوز بثلاثٍ وخمسٍ وسبعٍ، وكلُّها بسلامٍ واحدٍ. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الوتر سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، بل هو أوكد نوافل الصَّلاة، وهذا مذهب الجمهور، واستدلُّوا بحديث عليٍّ ﵁: «ليس الوتر بحتمٍ كهيئة المكتوبة»، وبحديث جابرٍ ﵁: «إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الْوِتْرُ» وحملوا ما ورد من الأمر به ونحوه على تأكيد الاستحباب، ولو كان واجبًا لكان صلاةً سادسةً، وقد قال ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فقال الرَّجل: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (١). وقال بعض أهل العلم بوجوب الوتر؛ لقوله ﷺ في حديث أبي أيُّوب ﵁: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، وهذا اللَّفظ يستعمل في الواجب، والمتأكِّد الَّذي ليس بواجبٍ، واستدلَّ للوجوب بحديث بريدة ﵁: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»، لكنَّ الحديث فيه مقالٌ (٢)، فلا ينهض لمعارضة الأحاديث الصَّحيحة. ٢ - فضل الوتر. ٣ - أنَّ وقت الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثَّاني، كما يدلُّ له حديث خارجة ﵁. ٤ - جواز الوتر بثلاثٍ وخمسٍ وسبعٍ بلا تشهُّدٍ ولا سلامٍ إلَّا في آخرها، وقد ورد الوتر بتسع ركعاتٍ، لكن يتشهَّد في الثَّامنة ولا يسلِّم، ويتشهَّد في التَّاسعة ويسلِّم (٣).

стр. 370

٥ - أنَّ الوتر سنَّةٌ سنَّها الرَّسول ﷺ بقوله وبفعله. ٦ - حرصه ﷺ في التَّخفيف عن أمَّته، وخوفه ممَّا يشقُّ عليهم. ٧ - أنَّ ما شرع الله من الوتر وغيره من العبادات نعمٌ من الله على عباده يعرِّضهم بها لجزيل الثَّواب؛ لقوله في حديث خارجة ﵁: «إِنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». * * * * * (٤٣٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ ولا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ولا يَنَامُ قَلْبِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٤٣٣) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا ﵂: «كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ» (٢). (٤٣٤) وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا» (٣). (٤٣٥) وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «مِنْ كُلِّ اللّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَانْتَهى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (٤). * * * هذه الأحاديث الأربعة الَّتي روتها أمُّ المؤمنين ﵂ اشتملت على هديه ﷺ في قيام اللَّيل والوتر، وأنَّه أنواعٌ.

стр. 371

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مداومته ﷺ على قيام اللَّيل. ٢ - إطالته ﷺ للصَّلاة في قيام اللَّيل، وتحمُّل مشقَّة ذلك. ٣ - أنَّ الغالب عليه في صلاته ﷺ أنَّه لا يزيد على إحدى عشرة ركعةً في رمضان ولا في غيره. ٤ - أنَّه ﷺ كان يستريح في تهجُّده فيصلِّي أربعًا ثمَّ يستريح ثمَّ يصلِّي أربعًا، ثمَّ يستريح، ثمَّ يصلِّي ثلاثًا، والصَّحيح: أنَّ الأربع بسلامين؛ لقوله ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى» (١)، ولحديث ابن عبَّاسٍ ﵃: «أنَّه ﷺ صلَّى ركعتين ثمَّ ركعتين … » (٢)، وقولها: «ثمَّ يصلِّي ثلاثًا» يحتمل أن تكون بسلامٍ، ويحتمل أن تكون بسلامين؛ لأنَّ الوتر يكون واحدةً وثلاثًا وخمسًا كما تقدَّم. ٥ - أنَّه ﷺ قد يوتر في آخر صلاته بركعةٍ، وقد يوتر بخمسٍ لا يجلس إلَّا في آخرها. ٦ - أنَّه ﷺ قد يصلِّي ثلاث عشرة، ولكنَّ ذلك قليلٌ. ٧ - وصف الصَّلاة بالحسن، وحسن الصَّلاة إكمالها بواجباتها وسننها وتناسبها. ٨ - أنَّ صلاة الرَّسول ﷺ غايةٌ في الحسن. ٩ - أنَّ نومه ﷺ لا كنوم غيره، فإنَّه ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه، فيغيب بالنَّوم عن الأمور الخارجة عنه ممَّا حوله ولا يغيب عن أحواله الباطنة، لذلك كان نومه غير ناقضٍ، وقد ثبت أنَّه ﷺ ينام حتَّى يكون له غطيطٌ ثمَّ يخرج إلى الصَّلاة. رواه البخاريُّ (٣)، وفي روايةٍ: «فخرج فصلَّى ولم يتوضَّأ» (٤). وفي هذا دليلٌ على أنَّ غطيط النَّائم ليس عيبًا.

стр. 372

١٠ - أنَّه ﷺ قد يوتر في أوَّل اللَّيل، وفي وسطه، والغالب على هديه ﷺ أنَّه يوتر في آخر اللَّيل. * * * * * (٤٣٦) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵃ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ اللهِ! لا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ؛ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * عبد الله بن عمرٍو ﵃ أحد عبَّاد الصَّحابة وحفَّاظهم، لذلك خصَّه النَّبيُّ ﷺ بهذه الوصيَّة، وحكمها عامٌّ، ولعلَّ فيها إشارةً؛ أنَّ من الاجتهاد في العبادة ما يؤدِّي إلى الانقطاع، وكان عبد الله يجتهد في العبادة كثيرًا. وفيه فوائد، منها: ١ - فضيلة عبد الله بن عمرٍو ﵃. ٢ - فضل قيام اللَّيل. ٣ - المحافظة على قيام اللَّيل. ٤ - استحباب المداومة على نوافل الطَّاعات، وفي الحديث: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» (٢). ٥ - ذمُّ الانقطاع عمَّا تعوَّده العبد من الخير، والحذر من أسبابه. ٦ - أنَّ من عرف بما يذمُّ عليه واشتهر؛ يجوز ذكره به تحذيرًا من مثل حاله، فإنَّ الرَّسول ﷺ سمَّى ذلك الرَّجل، ولكنَّ عبد الله لم يرد ذكر اسم ذلك الرَّجل فكنَّى عنه بفلانٍ، وفلانٌ في اللُّغة كنايةٌ عمَّن لا يراد ذكر اسمه العلم، ويقال في الأنثى: فلانة.

стр. 373

(٤٣٧) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآنِ؛ فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). (٤٣٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٤٣٩) وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلةٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). (٤٤٠) وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى]، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون (١)﴾ [الكافرون]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ [الإخلاص]». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (٤). (٤٤١) وَزَادَ: «وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرهِنَّ». (٤٤٢) وَلأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَفِيهِ: «كُلُّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي الأَخِيرَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ» (٥). (٤٤٣) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). (٤٤٤) وَلاِبْنِ حِبَّانَ: «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ» (٧).

стр. 374

(٤٤٥) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (١). (٤٤٦) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ خَافَ أَلَّا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (٤٤٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ، فَأَوْتِرُوا قبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣). * * * هذه عشرة أحاديث تضمَّنت جملةً من أحكام الوتر، وبيانها يأتي ضمن ذكر الفوائد، وهي: ١ - فضل حفَّاظ القرآن القائمين به. ٢ - تأكُّد الوتر في حقِّهم أكثر من غيرهم. ٣ - أنَّ من أسماء الله الوتر. ٤ - إثبات صفة المحبَّة لله. ٥ - أنَّ الله يحبُّ الوتر، وهذا مجملٌ تبيِّن مواضعه الأحاديث الدَّالَّة على استحباب الوتر أو وجوبه، فإنَّه يجب في: الطَّواف، والسَّعي، ورمي الجمار، والسُّجود على سبعة أعضاءٍ، ويستحبُّ في الوضوء، وفي تغسيل الميِّت، وفي أكل التَّمرات قبل الذَّهاب لصلاة عيد الفطر. ٦ - أنَّ محلَّ الوتر آخر الصَّلاة باللَّيل.

стр. 375

٧ - استحباب الوتر أوَّله لمن خاف ألَّا يقوم آخره، ويشهد لذلك وصيَّة النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة ﵁ أن يوتر قبل أن ينام (١). ٨ - استحباب الوتر آخر اللَّيل لمن وثق أنَّه يقوم في هذا الوقت. ٩ - أنَّ آخر وقت الوتر قبل طلوع الفجر، يدلُّ لذلك عدَّة أحاديث. ١٠ - أنَّه إذا طلع الفجر ذهب وقت صلاة اللَّيل والوتر. ١١ - النَّهي عن الوتر مرَّتين، فمن أوتر أوَّل اللَّيل فلا يوتر آخره؛ لقوله ﷺ : «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ»، لكن من بدا له أن يصلِّي بعد الوتر فلا حرج عليه، لكن لا يوتر مرَّةً أخرى. وذهب بعض السَّلف إلى أنَّ من أوتر أوَّل اللَّيل وأراد أن يصلِّي آخره صلَّى ركعةً يشفع بها الوتر السَّابق، ثمَّ يصلِّي ما بدا له ثمَّ يوتر، وهذا خلاف قوله ﷺ : «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلةٍ»، بل يتضمَّن الوتر ثلاث مرَّاتٍ! ومن جهة النَّظر: كيف توصل ركعةٌ بركعةٍ قد مضى عليها ساعاتٌ؟! ولم تنو هذه الرَّكعة اللَّاحقة. ١٢ - أنَّ من نام عن الوتر أو نسيه قضاه في النَّهار لكن يشفعه، فمن كان يوتر بثلاثٍ صلَّى أربعًا، أو بخمسٍ صلَّى ستًّا، لما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه إذا فاته ورده من اللَّيل صلَّى من الضُّحى ثنتي عشرة ركعةً (٢). ١٣ - مشروعيَّة قراءة السُّور الثَّلاث في الوتر: الأعلى، الكافرون، الإخلاص، كلُّ سورةٍ في ركعةٍ. ١٤ - قراءة المعوِّذتين مع سورة الإخلاص. ١٥ - فضل هذه السُّور الثَّلاث، ويدلُّ لذلك أنَّ ﴿سَبِّحِ﴾ [سورة الأعلى] كان يقرأ بها النَّبيُّ ﷺ في الجمعة والعيدين، وسورتي (الكافرون) و (الإخلاص)

стр. 376

يقرأ بهما في ركعتي الفجر وركعتي الطَّواف. وسورة (الإخلاص) تعدل ثلث القرآن. * * * * * (٤٤٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٤٤٩) وَلَهُ عَنْهَا ﵂ أَنَّهَا سُئِلَتْ: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» (٢). (٤٥٠) وَلَهُ عَنْهَا ﵂: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإنِّي لَأُسَبِّحُهَا» (٣). (٤٥١) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٤). (٤٥٢) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنةِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ (٥). (٤٥٣) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ بَيْتِي، فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» (٦). * * * هذه الأحاديث تبيِّن حكم صلاة الضُّحى وصفتها، وإضافة الصَّلاة إلى الضُّحى من إضافة الشَّيء إلى سببه وهو وقتها كصلاة الظُّهر وصلاة الفجر ونحو ذلك.

стр. 377

وقد دلَّ على مشروعيَّة صلاة الضُّحى سننٌ قوليَّةٌ وفعليَّةٌ، فأمَّا القوليَّة؛ فما جاء في وصيَّة النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة ﵁ (١)، وقوله ﷺ : «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» وفيه: «وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (٢)، وحديث زيد بن أرقم ﵁ المذكور في الباب. وأمَّا الفعليَّة؛ فهذه الأحاديث الَّتي ساقها الحافظ ﵀، عن عائشة ﵂. وهذه الأحاديث تدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يداوم على صلاة الضُّحى، ولم يكن يداوم على عددٍ معيَّنٍ من الصَّلاة؛ فتارةً يصلِّي الضُّحى أربعًا، وتارةً ثمانيًا، وثبت أنَّه ﷺ صلَّى ضحى يوم الفتح بمكَّة ثماني ركعاتٍ (٣)، لكن قال بعض أهل العلم: إنَّ هذه صلاة الفتح؛ أي صلَّى هذه الصَّلاة شكرًا لله على نعمة الفتح. لذا اختلف العلماء: فذهب الجمهور إلى استحباب صلاة الضُّحى واستحباب المداومة عليها، وكره بعضهم المداومة عليها. واختار شيخ الإسلام استحباب المداومة عليها لمن لا يقوم آخر اللَّيل؛ أخذًا من وصيَّة النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة ﵁ (٤)، وقد أوصاه أن يوتر قبل أن ينام. والرَّاجح -والله أعلم-: هو القول الأوَّل، وهو أنَّه يستحبُّ المداومة عليها، لحديث أبي هريرة وأبي ذرٍّ ﵃، وأمَّا حديث عائشة ﵂: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي سبحة الضُّحى قطُّ، وإنِّي لأسبِّحها» فأحسن ما يقال في الجواب عنه: إنَّه مرجوحٌ في مقابل الأحاديث الصَّحيحة من فعله ﷺ وقوله، فإنَّه لا

стр. 378

يمكن الجمع بين قولها: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الضُّحى أربعًا» وقولها: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي سبحة الضُّحى قطُّ، وإنِّي لأسبِّحها» فإنَّ هذا تقابلٌ بين النَّفي والإثبات في أمرٍ واحدٍ عن راوٍ واحدٍ. وفي قولها: «وإنِّي لأسبِّحها» مع قولها: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي سبحة الضُّحى» نكارةٌ (١)، فاللَّائق أن تقول: فأنا لا أسبِّحها؛ أي: اقتداءً بتركه ﷺ . وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة صلاة الضُّحى. ٢ - فضل صلاة الضُّحى. ٣ - أنَّ أقلَّها ركعتان. ٤ - أنَّ أكثرها ثمان ركعاتٍ، وما زاد فمن التَّطوُّع المطلق، وقيل: لا حدَّ لأكثرها (٢)؛ لقول عائشة ﵂: «ويزيد ما شاء الله». ٥ - أنَّ وقتها من ارتفاع الشَّمس إلى أن يقوم قائم الظَّهيرة. ٦ - أنَّ أفضل وقتها حين ترمض الفصال؛ أي: حين تجد حرَّ الرَّمضاء. ٧ - أنَّ الرَّسول ﷺ لم يكن يداوم على صلاة الضُّحى، وإن كانت أحاديثه القوليَّة تقتضي استحباب المداومة عليها. ٨ - استحباب صلاة ركعتين لمن قدم من سفرٍ، وتكون في مسجدٍ، كما دلَّ لذلك حديث كعب بن مالكٍ وحديث جابرٍ ﵃، قال كعبٌ ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين» (٣).

стр. 379

٩ - فضل الأوّاب؛ وهو الرَّجَّاع إلى الله بفعل الصَّالحات والتَّوبة من السَّيِّئات. ١٠ - تسمية صلاة الضُّحى سبحةً، وتسمية التَّنفُّل بالصَّلاة مطلقًا تسبيحًا، كما قال ابن عمر ﵃: «لو كنت مسبِّحًا لأتممت» (١). * * * * *

стр. 380

بَابُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وَالإِمَامَةِ هذا الباب يشتمل على موضوعين: ١ - صلاة الجماعة. ٢ - الإمامة. والمقصود من هذا الباب: بيان حكم صلاة الجماعة وأحكامها وأحكام الإمامة. والإمامة من أحكام صلاة الجماعة، وإضافة الصَّلاة إلى الجماعة من إضافة الشَّيء إلى نوعه، أو إلى صفته. وقوله: «والإمامة» معطوفٌ على الصَّلاة، والتَّقدير: باب صلاة الجماعة وباب الإمامة، وهو يشبه عطف الخاصِّ على العامِّ. * * * * * (٤٥٤) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٤٥٥) وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا» (٢). (٤٥٦) وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، وَقَالَ: «دَرَجَةً» (٣). (٤٥٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ.

стр. 381

وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). (٤٥٨) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٤٥٩) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى المَسْجِدِ. فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلّى دَعَاهُ؛ فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَجِبْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). (٤٦٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ (٤). * * * هذه الأحاديث تضمَّنت حكم صلاة الجماعة وبيان فضلها، فأمَّا حكمها فقد اختلف فيه أهل العلم على مذاهب: أَحَدُهَا: أنَّها واجبةٌ على الأعيان من الرِّجال المكلَّفين، واستدلَّ لهذا القول بأدلَّةٍ؛ منها: أحاديث أبي هريرة ﵁ الثَّلاثة، وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃، وهي ظاهرة الدَّلالة على الوجوب. الثَّانِي: أنَّها سنَّةٌ مؤكَّدةٌ، واستدلُّوا بأحاديث فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ؛ كحديث ابن عمر ﵃ وحديث أبي هريرة ﵁ المذكورين في الباب، فتارك الجماعة عندهم تاركٌ لما هو أفضل، وهذه حجَّةٌ ضعيفةٌ؛ فإنَّ الأفضليَّة لا تنافي الوجوب، ولا جواب لهم عن أدلَّة الموجبين لصلاة الجماعة.

стр. 382

وَالثَّالِثُ: أنَّها فرض كفايةٍ، تجب إقامتها في مسجدٍ من البلد أو في مساجد البلد، ولعلَّهم في هذا قصدوا إلى الجمع بين الأدلَّة، ولكنَّ أدلَّة الوجوب لا تحتمل فرض الكفاية، فالرَّسول ﷺ همَّ بتحريق بيوت المتخلِّفين مع إقامة صلاة الجماعة في مسجده ﷺ . وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ صلاة الجماعة شرطٌ؛ فلا تصحُّ صلاة منفردٍ ما دامت الجماعة الرَّاتبة باقيةً، فمن صلَّى قبل فراغها لم تصحَّ صلاته؛ كصلاة الجمعة، لا تصحُّ صلاة الظُّهر ممَّن تجب عليهم إلَّا بعد انقضائها. وذهب بعض الشُّرَّاح إلى أنَّ الأحاديث لم تدلَّ على وجوب الجماعة إلَّا في مسجده ﷺ (١)، ولا وجه لهذا التَّخصيص؛ فليس في شيءٍ من الأحاديث التَّقييد بمسجده ﷺ ، وقد كان للصَّحابة ﵃ في عصره ﷺ مساجد يصلُّون فيها غير مسجده. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ صلاة الجماعة في المسجد تفضل على صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين ضعفًا أو خمسٍ وعشرين درجةً أو جزءًا، والضِّعف والدَّرجة والجزء معناها واحدٌ، وهو مقدارٌ من الأجر. وهذا التَّفاوت في مقدار التَّضعيف والدَّرجات بين سبعٍ وعشرين وخمسٍ وعشرين، قيل: إنَّه راجعٌ إلى أنَّ الرَّسول ﷺ أخبر أوَّلاً بخمسٍ وعشرين ثمَّ أخبر بسبعٍ وعشرين زيادةً تفضَّل الله بها. وقيل: إنَّ ذلك راجعٌ إلى تفاوت الجماعات في الكثرة والقلَّة والبعد والقرب في المساجد. والله أعلم. ٢ - أنَّ الجماعة الَّتي لها هذا التَّضعيف والتَّفضيل هي الجماعة الرَّاتبة، الَّتي تقام في المسجد، يدلُّ لذلك حديث أبي هريرة ﵁ الَّذي اختصره المؤلِّف،

стр. 383

ولفظه: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، ولا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ». فعلَّل التَّضعيف بما ذكر من التَّطهُّر والخروج إلى المسجد، وكتابة الخطى، وصلاة الملائكة. ٣ - التَّرغيب في صلاة الجماعة. ٤ - سعة فضل الله تعالى بمضاعفة الحسنات لعباده. ٥ - صحَّة صلاة الفذِّ ولو ترك الجماعة من غير عذرٍ؛ لأنَّه ﷺ أثبت لها قدرًا من الثَّواب تزيد عليه صلاة الجماعة بخمسٍ وعشرين أو سبعٍ وعشرين. ٦ - وجوب صلاة الجماعة على كلِّ مكلَّفٍ قادرٍ من الرِّجال. ٧ - جواز القسم بدون استحلافٍ؛ للتَّأكيد وبيان أهمِّيَّة الأمر. ٨ - جواز القسم بهذه الصِّيغة «والَّذي نفسي بيده» وإثبات اليد لله. ٩ - أنَّه لا يلزم من الهمِّ بالشَّيء فعله، فقد يمنع منه مانعٌ. ١٠ - جواز معاقبة المتخلِّف عن الجماعة من غير عذرٍ. ١١ - جواز التَّعزير بإتلاف المال. ١٢ - جواز التَّخلُّف عن صلاة الجماعة الرَّاتبة لتغيير منكرٍ يفوت. ١٣ - وجوب الصَّلاة جماعةً في المسجد. ١٤ - أنَّ إقامة صلاة الجماعة في البيوت لا يسقط وجوب صلاة الجماعة في المسجد؛ لقوله ﷺ : «لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ»، ولم يقل: لا يصلُّون جماعةً. ١٥ - أنَّ الصَّلاة ثقيلةٌ على المنافقين، وأثقلها صلاة العشاء والفجر. ١٦ - عظم أجر هاتين الصَّلاتين. ١٧ - إيثار المنافقين لمنافع الدُّنيا -وإن كانت زهيدةً- على ثواب الآخرة.

стр. 384

١٨ - التَّحذير من مشابهة المنافقين في ذلك. ١٩ - التَّخلُّف عن صلاة الجماعة من سمات المنافقين. ٢٠ - فضل العلم لأهله العاملين، وأنَّه يحمل على العمل. ٢١ - سقوط الجماعة بالأعذار الشَّرعيَّة؛ كالمرض والخوف وغيرهما. ٢٢ - أنَّ مناط وجوب الجماعة سماع النِّداء، فمن لم يسمع النِّداء لبعده لم تجب عليه، ولا عبرة بسماع النِّداء بمكبِّرات الصَّوت مع بعد المكان، ويشهد له قوله ﷺ في حديث الأعمى: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قال: نعم. قال: «فَأَجِبْ». ٢٣ - أنَّ العمى ليس عذرًا في ترك الجماعة إذا كان الأعمى يمكنه الحضور. ٢٤ - جواز رجوع العالم عن فتواه لمقتضٍ يوجب ذلك. ٢٥ - أنَّ صلاة الجماعة واجبةٌ على الأعيان من وجوهٍ: - همُّ النَّبيِّ ﷺ بتحريق بيوت المتخلِّفين عن شهود الصَّلاة. - أنَّه لم يرخِّص للأعمى حين طلبه الرُّخصة في التَّخلُّف عن صلاة الجماعة. - قوله ﷺ : «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»، وهذا الحديث استدلَّ به من قال إنَّ الجماعة شرطٌ، فلا تصحُّ صلاة المتخلِّف إلَّا إذا فاتته صلاة الجماعة كالجمعة، واستدلَّ به من قال بوجوب الجماعة على الأعيان، فيأثم المتخلِّف وإن كانت صلاته صحيحةً. وأمَّا من قال: إنَّ الجماعة سنَّةٌ أو فرض كفايةٍ، فتأوَّلوا هذا الحديث على معنى: لا صلاة كاملةٌ. ٢٦ - أنَّ المرأة لا يجب عليها حضور الجماعة. * * * * *

стр. 385

(٤٦١) وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟»، قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَدْرَكْتُمَا الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (١). * * * يزيد بن الأسود العامريُّ ﵁ كما جاء في المسند، وليس هو يزيد بن الأسود الجُرشيُّ ﵀ الذي كان معاوية ﵁ يقدِّمه في الاستسقاء لصلاحه؛ رجاء بركة دعائه، كما كان عمر ﵁ يفعل ذلك مع العبَّاس ﵁ عمِّ النَّبيِّ ﷺ ، وكانت صلاة يزيد العامريِّ مع النَّبيِّ ﷺ في حجَّة الوداع بمنًى. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة إعادة الصَّلاة لمن صلَّى ثمَّ أدركها مع الإمام، وقد اختلف العلماء في هذا الموضع في مسألتين: أولاهما: أيُّ الصَّلاتين يعتدُّ بها المكلَّف لفرضه؟ على ثلاثة مذاهب: ١ - قيل: الفريضة الأولى، والثَّانية نافلةٌ. ٢ - وقيل: بالعكس. ٣ - وقيل: يفوَّض الأمر إلى الله يختار لعبده الأولى أو الثَّانية. والأوَّل هو الصَّواب؛ لقوله ﷺ : «فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ»، والظَّاهر عود الضَّمير إلى الصَّلاة مع الإمام.

стр. 386

والمسألة الثَّانية: هل تشرع إعادة الصَّلاة لمن أدركها مع الإمام في جميع الصَّلوات الخمس؟ هذا هو ظاهر عموم الحديث. وقيل: لا تعاد في وقت النَّهي، فلا تعاد الفجر والعصر. وسبب الحديث يردُّ هذا القول، وهو أنَّ قصَّة الرَّجلين إنَّما كانت في صلاة الفجر. وقيل: لا تعاد صلاة المغرب؛ لأنَّها وتر النَّهار، وهذا التَّعليل لا ينهض لمعارضة عموم الحديث. ٤ - فضيلة يزيد بن الأسود ﵁ لحجِّه مع النَّبيِّ ﷺ وصلاته معه. ٥ - صحَّة صلاة من صلَّى في بيته؛ لقول الرَّجلين: «قد صلَّينا في رحالنا». ٦ - أنَّ من صلَّى ثمَّ جاء إلى مسجد جماعةٍ ولم يصلِّ الإمام فإنَّه يؤمر بالصَّلاة معهم، وينهى عن الجلوس في المسجد والنَّاس يصلُّون؛ لئلَّا يتَّهم بترك الصَّلاة. ٧ - اجتناب مواقف التُّهم. ٨ - أنَّ الصَّلاة الثَّانية نافلةٌ والأولى هي الفريضة. ٩ - التَّثبُّت قبل الإنكار. ١٠ - تفقُّد الإمام لمن في المسجد. ١١ - أنَّ استدعاء المخطئ يوجب خوفه من العقاب. ١٢ - إقامة الصَّلوات الخمس في مسجد الخيف أيَّام منًى. ١٣ - جواز إعادة صلاة الفجر مع الإمام ومثلها العصر، خلافًا لمن منع ذلك من أجل النَّهي عن الصَّلاة في الوقتين. ١٤ - تخصيص عموم أحاديث النَّهي عن الصَّلاة بعد الفجر وبعد العصر بذوات الأسباب؛ كتحيَّة المسجد وصلاة الكسوف. * * * * *

стр. 387

(٤٦٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، ولا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، ولا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا، ولا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (١). * * * هذا أوَّل الأحاديث المتعلِّقة بالإمامة من أحاديث الباب، وهو أصلٌ في باب الإمامة، والإمام هو من يتقدَّم غيره حسًّا أو معنًى، والإمام في الصَّلاة هو: من يقتدى به ويتبع في صلاة الجماعة، وقد تضمَّن هذا الحديث صفة الائتمام، والاقتداء بالإمام. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة اتِّخاذ الإمام في صلاة الجماعة، وهو واجبٌ بل لا تمكن صلاة الجماعة إلَّا بإمامٍ. ٢ - الحكمة من جعل الإمام، وهي الائتمام به. ٣ - أنَّ الائتمام بالإمام هو أعظم المقصود من جعله، وهو ما يفيده الحصر «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». ٤ - إثبات الجعل الشَّرعيِّ. ٥ - وجوب الائتمام بالإمام، وذلك بالإتيان بأفعال الصَّلاة كلِّها وبعض الأقوال من بعده.

стр. 388

٦ - أنَّه لا يجب الائتمام به في النِّيَّة كمن يصلِّي الظُّهر خلف من يصلِّي العصر. ٧ - تحريم التَّقدُّم على الإمام، وهو ما يعرف بمسابقة الإمام. ٨ - وجوب مراعاة صفة الائتمام في تكبيرة الإحرام وفي الرُّكوع وفي الرَّفع منه وفي التَّسميع وفي السُّجود والقيام والقعود. ٩ - أنَّ المأموم يقول: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، بعد قول الإمام: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». ١٠ - صحَّة إمامة القاعد. ١١ - اتِّباعه في القعود، وقد ثبت ذلك من فعله ﷺ حين صلَّى قاعدًا، وأشار إلى من كان خلفه أن اجلسوا، وقد اختلف العلماء في قعود المأموم إذا كان الإمام قاعدًا، فقيل: إنَّ ذلك منسوخٌ بحديث عائشة ﵂ الآتي، وفيه أنَّ أبا بكرٍ ﵁ ابتدأ الصَّلاة قائمًا، ثمَّ جاء النَّبيُّ ﷺ ، وذلك في مرضه ﵊، فجلس عن يسار أبي بكرٍ ﵁، فكان أبو بكرٍ يقتدي بالنَّبيِّ ﷺ قائمًا، ويقتدي النَّاس بصلاة أبي بكرٍ قيامًا، فجمع بينهما بعض أهل العلم (١) فقال: إن ابتدأ الصَّلاة قاعدًا صلَّى من خلفه قعودًا، وإن ابتدأ الصَّلاة قائمًا ثمَّ عرض له ما يوجب القعود صلَّى من خلفه قيامًا، وخصَّ الإمام أحمد ذلك بالإمام الرَّاتب. وعلى هذا فقوله ﷺ : «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» مخصِّصٌ لقوله ﷺ لعمران بن حصينٍ ﵁: «صَلِّ قَائِمًا» (٢). * * * * *

стр. 389

(٤٦٣) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ: «تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث من أحاديث الحثِّ على التَّقدُّم إلى صلاة الجماعة مثل حديث «خير صفوف الرِّجال أوَّلها» (٢) وحديث «لو يعلم النَّاس ما في النِّداء والصَّفِّ الأوَّل … » الحديث (٣). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تفقُّد النَّبيِّ ﷺ لأصحابه ﵃. ٢ - تفقُّد الإمام لجماعة مسجده. ٣ - موعظة الإمام لمن رأى منه تقصيرًا فيما ينبغي. ٤ - الأمر بالتَّقدُّم إلى صلاة الجماعة. ٥ - الأمر بالائتمام بالنَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة، وهو يحتمل الائتمام العامَّ، ذكره عياضٌ (٤) فيكون كقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٥)، ويحتمل أن يراد به ائتمام المأموم بالإمام، وأكثر الشُّرَّاح على هذا، فيكون كقوله: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٦) وهذان الاحتمالان يجريان في قوله: «وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» فيكون معنى «وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» إمَّا: فليقتد بكم من يجيء بعدكم من التَّابعين، وإمَّا: فليقتد بكم من خلفكم من الصُّفوف المتأخِّرة، وذلك باستدلالهم على ما يفعله الإمام بما يفعله أهل الصُّفوف المتقدِّمة، وبناءً على هذا قال بعضهم: إنَّ المسبوق إذا أدرك المأمومين ركوعًا فركع معهم أدرك

стр. 390

الرَّكعة مستدلًّا بهذا الحديث، وهذا ضعيفٌ! فإنَّ المعوَّل في إدراك الرَّكعة إدراك الرُّكوع مع الإمام. ٦ - التَّحذير الشَّديد من التَّأخُّر عن حضور صلاة الجماعة، لقوله ﷺ في آخر حديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁: «وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ». ٧ - أنَّ من عقوبة السَّيِّئة السَّيِّئة بعدها، وشواهد هذا كثيرةٌ. * * * * * (٤٦٤) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجْرَةً بِخَصَفَةٍ، فَصَلَّى فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ … » الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * قوله: «احتجر»؛ أي: احتجز مكانًا من المسجد ليصلِّي فيه من اللَّيل صلاة تطوُّعٍ. والخصفة: ما ينسج من خوص النَّخل، ومعناه: جعل الخصفة حاجزًا دون النَّاس، وقوله: «فتتبَّع إليه رجالٌ»؛ أي: شعر به رجالٌ فطلبوا موضعه واجتمعوا إليه، فصلَّوا بصلاته ﷺ ، وفي الحديث أنَّهم انتظروه ليلةً فلم يخرج إليهم ﷺ ثمَّ قال لهم: «فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ». وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز احتجاز مكانٍ من المسجد للانفراد فيه ما لم يضيِّق على المصلِّين، ومن هذا القبيل الخباء للمعتكف. ٢ - حرص الصَّحابة ﵃ على الخير. ٣ - صلاة النَّافلة جماعةً إذا لم يتَّخذ ذلك راتبًا.
следующие страницы →