← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والمسألة الثَّانية: هل تشرع إعادة الصَّلاة لمن أدركها مع الإمام في جميع الصَّلوات الخمس؟ هذا هو ظاهر عموم الحديث. وقيل: لا تعاد في وقت النَّهي، فلا تعاد الفجر والعصر. وسبب الحديث يردُّ هذا القول، وهو أنَّ قصَّة الرَّجلين إنَّما كانت في صلاة الفجر. وقيل: لا تعاد صلاة المغرب؛ لأنَّها وتر النَّهار، وهذا التَّعليل لا ينهض لمعارضة عموم الحديث. ٤ - فضيلة يزيد بن الأسود ﵁ لحجِّه مع النَّبيِّ ﷺ وصلاته معه. ٥ - صحَّة صلاة من صلَّى في بيته؛ لقول الرَّجلين: «قد صلَّينا في رحالنا». ٦ - أنَّ من صلَّى ثمَّ جاء إلى مسجد جماعةٍ ولم يصلِّ الإمام فإنَّه يؤمر بالصَّلاة معهم، وينهى عن الجلوس في المسجد والنَّاس يصلُّون؛ لئلَّا يتَّهم بترك الصَّلاة. ٧ - اجتناب مواقف التُّهم. ٨ - أنَّ الصَّلاة الثَّانية نافلةٌ والأولى هي الفريضة. ٩ - التَّثبُّت قبل الإنكار. ١٠ - تفقُّد الإمام لمن في المسجد. ١١ - أنَّ استدعاء المخطئ يوجب خوفه من العقاب. ١٢ - إقامة الصَّلوات الخمس في مسجد الخيف أيَّام منًى. ١٣ - جواز إعادة صلاة الفجر مع الإمام ومثلها العصر، خلافًا لمن منع ذلك من أجل النَّهي عن الصَّلاة في الوقتين. ١٤ - تخصيص عموم أحاديث النَّهي عن الصَّلاة بعد الفجر وبعد العصر بذوات الأسباب؛ كتحيَّة المسجد وصلاة الكسوف. * * * * *

стр. 387

(٤٦٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، ولا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، ولا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا، ولا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (١). * * * هذا أوَّل الأحاديث المتعلِّقة بالإمامة من أحاديث الباب، وهو أصلٌ في باب الإمامة، والإمام هو من يتقدَّم غيره حسًّا أو معنًى، والإمام في الصَّلاة هو: من يقتدى به ويتبع في صلاة الجماعة، وقد تضمَّن هذا الحديث صفة الائتمام، والاقتداء بالإمام. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة اتِّخاذ الإمام في صلاة الجماعة، وهو واجبٌ بل لا تمكن صلاة الجماعة إلَّا بإمامٍ. ٢ - الحكمة من جعل الإمام، وهي الائتمام به. ٣ - أنَّ الائتمام بالإمام هو أعظم المقصود من جعله، وهو ما يفيده الحصر «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ». ٤ - إثبات الجعل الشَّرعيِّ. ٥ - وجوب الائتمام بالإمام، وذلك بالإتيان بأفعال الصَّلاة كلِّها وبعض الأقوال من بعده.

стр. 388

٦ - أنَّه لا يجب الائتمام به في النِّيَّة كمن يصلِّي الظُّهر خلف من يصلِّي العصر. ٧ - تحريم التَّقدُّم على الإمام، وهو ما يعرف بمسابقة الإمام. ٨ - وجوب مراعاة صفة الائتمام في تكبيرة الإحرام وفي الرُّكوع وفي الرَّفع منه وفي التَّسميع وفي السُّجود والقيام والقعود. ٩ - أنَّ المأموم يقول: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، بعد قول الإمام: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». ١٠ - صحَّة إمامة القاعد. ١١ - اتِّباعه في القعود، وقد ثبت ذلك من فعله ﷺ حين صلَّى قاعدًا، وأشار إلى من كان خلفه أن اجلسوا، وقد اختلف العلماء في قعود المأموم إذا كان الإمام قاعدًا، فقيل: إنَّ ذلك منسوخٌ بحديث عائشة ﵂ الآتي، وفيه أنَّ أبا بكرٍ ﵁ ابتدأ الصَّلاة قائمًا، ثمَّ جاء النَّبيُّ ﷺ ، وذلك في مرضه ﵊، فجلس عن يسار أبي بكرٍ ﵁، فكان أبو بكرٍ يقتدي بالنَّبيِّ ﷺ قائمًا، ويقتدي النَّاس بصلاة أبي بكرٍ قيامًا، فجمع بينهما بعض أهل العلم (١) فقال: إن ابتدأ الصَّلاة قاعدًا صلَّى من خلفه قعودًا، وإن ابتدأ الصَّلاة قائمًا ثمَّ عرض له ما يوجب القعود صلَّى من خلفه قيامًا، وخصَّ الإمام أحمد ذلك بالإمام الرَّاتب. وعلى هذا فقوله ﷺ : «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» مخصِّصٌ لقوله ﷺ لعمران بن حصينٍ ﵁: «صَلِّ قَائِمًا» (٢). * * * * *

стр. 389

(٤٦٣) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا، فَقَالَ: «تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث من أحاديث الحثِّ على التَّقدُّم إلى صلاة الجماعة مثل حديث «خير صفوف الرِّجال أوَّلها» (٢) وحديث «لو يعلم النَّاس ما في النِّداء والصَّفِّ الأوَّل … » الحديث (٣). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تفقُّد النَّبيِّ ﷺ لأصحابه ﵃. ٢ - تفقُّد الإمام لجماعة مسجده. ٣ - موعظة الإمام لمن رأى منه تقصيرًا فيما ينبغي. ٤ - الأمر بالتَّقدُّم إلى صلاة الجماعة. ٥ - الأمر بالائتمام بالنَّبيِّ ﷺ في الصَّلاة، وهو يحتمل الائتمام العامَّ، ذكره عياضٌ (٤) فيكون كقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٥)، ويحتمل أن يراد به ائتمام المأموم بالإمام، وأكثر الشُّرَّاح على هذا، فيكون كقوله: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٦) وهذان الاحتمالان يجريان في قوله: «وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» فيكون معنى «وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» إمَّا: فليقتد بكم من يجيء بعدكم من التَّابعين، وإمَّا: فليقتد بكم من خلفكم من الصُّفوف المتأخِّرة، وذلك باستدلالهم على ما يفعله الإمام بما يفعله أهل الصُّفوف المتقدِّمة، وبناءً على هذا قال بعضهم: إنَّ المسبوق إذا أدرك المأمومين ركوعًا فركع معهم أدرك

стр. 390

الرَّكعة مستدلًّا بهذا الحديث، وهذا ضعيفٌ! فإنَّ المعوَّل في إدراك الرَّكعة إدراك الرُّكوع مع الإمام. ٦ - التَّحذير الشَّديد من التَّأخُّر عن حضور صلاة الجماعة، لقوله ﷺ في آخر حديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁: «وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ». ٧ - أنَّ من عقوبة السَّيِّئة السَّيِّئة بعدها، وشواهد هذا كثيرةٌ. * * * * * (٤٦٤) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجْرَةً بِخَصَفَةٍ، فَصَلَّى فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ … » الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * قوله: «احتجر»؛ أي: احتجز مكانًا من المسجد ليصلِّي فيه من اللَّيل صلاة تطوُّعٍ. والخصفة: ما ينسج من خوص النَّخل، ومعناه: جعل الخصفة حاجزًا دون النَّاس، وقوله: «فتتبَّع إليه رجالٌ»؛ أي: شعر به رجالٌ فطلبوا موضعه واجتمعوا إليه، فصلَّوا بصلاته ﷺ ، وفي الحديث أنَّهم انتظروه ليلةً فلم يخرج إليهم ﷺ ثمَّ قال لهم: «فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ». وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز احتجاز مكانٍ من المسجد للانفراد فيه ما لم يضيِّق على المصلِّين، ومن هذا القبيل الخباء للمعتكف. ٢ - حرص الصَّحابة ﵃ على الخير. ٣ - صلاة النَّافلة جماعةً إذا لم يتَّخذ ذلك راتبًا.

стр. 391

٤ - جواز الائتمام بمن دخل في الصَّلاة منفردًا. ٥ - أنَّ صلاة التَّطوُّع في البيت أفضل منها في المسجد. ٦ - التَّرغيب في الصَّلاة في البيوت. ٧ - أنَّ الصَّلاة المكتوبة الأفضل أن تكون في المسجد، وتقدَّم حكم صلاة الجماعة وأنَّها واجبةٌ. ٨ - رحمة النَّبيِّ ﷺ بأمَّته وخشيته ممَّا يشقُّ عليهم. ٩ - أنَّ العمل المفروض لا خيار فيه للمكلَّف. ١٠ - أنَّ صلاة النَّبيِّ ﷺ في المسجد تطوُّعًا كصلاته في بيته؛ أي: في الفضل، وهذا خاصٌّ به ﵊. ١١ - جواز أن يكون بين الإمام والمأموم حاجزٌ. * * * * * (٤٦٥) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل معاذٍ ﵁؛ وذلك من جهة حرصه على الصَّلاة مع النَّبيِّ ﷺ ، ومن جهة رغبته في الصَّلاة، لذلك يطيل فيها. ٢ - صحَّة صلاة المفترض خلف المتنفِّل، فإنَّ صلاة معاذٍ ﵁ الثَّانية نافلةٌ.

стр. 392

٣ - جواز إعادة الصَّلاة جماعةً لسببٍ. ٤ - التَّحذير ممَّا ينفِّر عن الصَّلاة. ٥ - مشروعيَّة التَّأليف على الدِّين وتحبيب العبادة للنَّاس في حدود ما دلَّت عليه السُّنَّة. ٦ - الإنكار على من خالف السُّنَّة ولو كان مجتهدًا والإغلاظ له. ٧ - بيان مقدار القراءة في صلاة العشاء. ٨ - الإرشاد إلى قراءة هذه السُّور ونحوها من أوساط المفصَّل في صلاة العشاء. ٩ - أنَّ السُّنَّة القراءة بالسُّورة كلِّها، لقوله: «اقْرَأْ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ [سورة الشمس] و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [سورة الأعلى]»، ولم يثبت أنَّه ﷺ قسم السُّورة بين ركعتين إلَّا ما ورد من قراءته ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون (١)﴾ [المؤمنون]، حيث أخذته سعلةٌ فركع عند قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين (٤٥)﴾ [المؤمنون: ٤٥] (١)، وورد أنه ﷺ قرأ في الفجر بالصافات. * * * * * (٤٦٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ -فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ- قَالَتْ: «فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أبو بكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بكْرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * تقدَّمت الإشارة إلى هذا الحديث في مسألة إمامة القاعد؛ في الكلام على قوله ﷺ : «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ» (٣).

стр. 393

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الرَّسول ﷺ بشرٌ تعرض له العوارض البشريَّة كالمرض. ٢ - فضل أبي بكرٍ ﵁ على سائر الصَّحابة ﵃. ٣ - جواز الاستنابة في الإمامة. ٤ - جواز عزل النَّائب في الإمامة أثناء الصَّلاة، لكن ذلك لا ينبغي إلَّا في أوَّل الصَّلاة؛ لئلَّا يلزم من ذلك تمام صلاة المأموم قبل الإمام، فإن وقع ذلك سلَّم المأموم الَّذي تمَّت صلاته وتابع المسبوق مع الإمام، وإن انتظر من تمَّت صلاته حتَّى يسلِّم الإمام فحسنٌ. والله أعلم. ٥ - صلاة المأموم قائمًا خلف الإمام القاعد، قيل: هذا الحديث ناسخٌ للحديث المتقدِّم: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ»، وقيل بالفرق بين ما إذا ابتدأ الصَّلاة قاعدًا فيصلِّي المأموم خلفه قاعدًا أو ابتدأها قائمًا ثمَّ اعتلَّ فجلس فيستمرُّ المأموم قائمًا. وبهذا جمع الإمام أحمد بين الحديثين كما تقدَّم. ٦ - جواز التَّبليغ عن الإمام لحاجةٍ؛ كضعف صوته أو بعد المأموم. ٧ - جواز استعمال مكبِّر الصَّوت عند الحاجة من غير مبالغةٍ. ٨ - جواز الانتقال من الإمامة إلى الائتمام. ٩ - جواز انتقال المأمومين من إمامٍ إلى إمامٍ. ١٠ - الإشارة إلى استخلاف أبي بكرٍ ﵁. * * * * * (٤٦٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * *

стр. 394

موضوع الحديث هو بعض ما يجب على الإمام للمأمومين، وهو التَّخفيف. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الإمامة في صلاة الجماعة. ٢ - أنَّ الإمام ليس له أن يصلِّي كيف شاء. ٣ - وجوب مراعاة الإمام للمأمومين بالتَّخفيف، ما لم يؤدِّ إلى الإخلال بواجبات الصَّلاة، بل قال بعض العلماء: إنَّ التَّخفيف الَّذي أمر به النَّبيُّ ﷺ هو ما كان يفعله ﵊. ٤ - أنَّ ذلك رعايةٌ لحال الضُّعفاء وذوي الحاجات. ٥ - أنَّ رعاية المأمومين عامٌّ في الفرض والنَّفل. ٦ - في الحديث شاهدٌ لقاعدة يسر هذا الدِّين. ٧ - أنَّ من صلَّى وحده له أن يطوِّل ما شاء ما لم يؤدِّ إلى خروج الوقت أو يخرج العبادة إلى صورة البدعة. ٨ - أنَّ من صلَّى بقومٍ محصورين يعلم رضاهم فهو كمن صلَّى وحده. * * * * * (٤٦٨) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيّ ﷺ حَقًّا، قَالَ: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ (١). (٤٦٩) وَعَنْ أبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ

стр. 395

سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا -وفِي رِوَايَةٍ: سِنًّا- ولا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، ولا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ؛ إِلَّا بِإِذْنِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٤٧٠) وَلاِبْنِ مَاجَه: مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: «وَلَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، ولا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، ولا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا». وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ (٢). * * * هذه الأحاديث فيها بيان الأحقِّ بالإمامة، ومن لا تصحُّ إمامته، دلَّ على المسألة الأولى الحديثان الأوَّلان، الأوَّل منهما في البخاريِّ، والثَّاني في مسلمٍ، ودلَّ على المسألة الثَّانية الحديث الثَّالث، وهو عند ابن ماجه، وقال فيه المصنِّف: «وإسناده واهٍ»، فهو ضعيفٌ شديد الضَّعف. والحديثان فيهما فوائد، منها: ١ - فضيلة عمرو بن سلمة ﵁، حيث كان أكثر حفظًا للقرآن مع صغر سنِّه. ٢ - صحَّة إمامة الصَّبيِّ. ٣ - أنَّ الأحقَّ بالإمامة من كان أكثر حفظًا للقرآن؛ لقوله ﷺ : «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا»، وفي الحديث الآخر: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ»، والظَّاهر أنَّ المراد بالأقرأ هو: الأكثر حفظًا، وبهذا يزول ما يظنُّ من التَّعارض. والأصل: أنَّه لا يعتدُّ بما يحفظ من القرآن إلَّا مع سلامة القراءة من اللَّحن والتَّحريف. ٤ - قبول رواية الواحد.

стр. 396

٥ - أنَّ الحجَّة فيما صحَّ عن رسول الله ﷺ . ٦ - عمل الصَّحابة ﵃ بظاهر الدَّليل. ٧ - سرعة انقيادهم ﵃ لأمر الرَّسول ﷺ وتواضعهم لمن رفعه الله بالعلم؛ وإن كان أصغر سنًّا. ٨ - وجوب الأذان للصَّلاة المكتوبة إذا دخل وقتها. ٩ - فضل الإمامة على الأذان. ١٠ - أنَّ المؤذِّن لا يراعى فيه ما يراعى في الإمام من الصِّفات كالعلم والسِّنِّ، لقوله: «فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ» ولم يقيِّده بشيءٍ. ١١ - صحَّة صلاة المفترض خلف المتنفِّل؛ لأنَّ صلاة الصَّبيِّ في حقِّه نافلةٌ. ١٢ - فضيلة القرآن العظيم. ١٣ - فضل حامل القرآن. من فوائد الحديث الثاني: ١٤ - أنَّ الأمر يرد بصيغة الخبر؛ لقوله: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ»؛ أي: ليؤمَّ القوم. ١٥ - تقديم الأقرأ في الإمامة، وإن كان دون غيره في العلم بالسُّنَّة. ١٦ - تقديم الأعلم بالسُّنَّة عند التَّساوي في القراءة. ١٧ - التَّقديم بالهجرة عند التَّساوي في القراءة والسُّنَّة. ١٨ - التَّقديم بالسِّنِّ مع التَّساوي في القراءة والسُّنَّة والهجرة. ١٩ - تقديم الوالي في الإمامة في ولايته؛ لقوله: «وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ». ٢٠ - الأدب في ترك الجلوس في المكان الخاصِّ بصاحب المنزل. ٢١ - أنَّه إذا أذن عن طيب نفسٍ فلا حرج في الجلوس على تكرمته (١).

стр. 397

الحديث الثالث -وهو ضعيفٌ- اشتمل على ثلاث مسائل: - الأُولَى: النَّهي عن إمامة الأعرابيِّ -وهو البدويُّ- للمهاجر، وفي معناه المقيم في الحضر، ولكنَّه معارضٌ بالأحاديث الصَّحيحة كما تقدَّم، فالصَّواب: تقديم الأعرابيِّ على المهاجر والحضريِّ إذا كان أقرأ. - الثَّانِيَةُ: النَّهي عن إمامة المرأة للرَّجل. وهذا الحديث وإن كان لا يصحُّ، فقد دلَّ على عدم صحَّة إمامة المرأة للرَّجل أدلَّةٌ أخرى، منها: أنَّه كما لا يصحُّ أن تصافَّ المرأة الرِّجال فلا تصحُّ إمامتها لهم من باب أولى، ومنها: عمل المسلمين المطَّرد؛ فلا يعلم عن أحدٍ أنَّه جعل المرأة إمامًا للرِّجال، وقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم صحَّة إمامة المرأة للرِّجال، وهو الصَّواب المقطوع به، وخصَّ من ذلك إمامة المرأة لأهل بيتها من النِّساء والخدم، ويدخل في ذلك الصِّبيان والمماليك؛ لحديث أمِّ ورقة ﵂ الآتي (١). - الثَّالِثَةُ: النَّهي عن إمامة الفاجر (وهو المظهر للفسق) للمؤمن التَّقيِّ. وقد اختلف العلماء في صحَّة إمامة الفاسق، فذهب الجمهور إلى أنَّ إمامته لا تصحُّ، فلا تصحُّ الصَّلاة خلفه إلَّا أن يكون سلطانًا، أو يلزم من ترك الصَّلاة خلفه تعطيل الشَّعائر؛ كالجمعة والعيد، وقيل: تصحُّ إمامته ولكن إذا أمكن الصَّلاة خلف العدل فهو أولى وأفضل. * * * * * (٤٧١) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢).

стр. 398

(٤٧٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٤٧٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٤٧٤) وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٣). * * * هذه الأحاديث الأربعة تضمَّنت أحكام الصُّفوف في صلاة الجماعة، وموقف المأموم من الإمام. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب رصِّ الصُّفوف بحيث لا يكون فيها فُرَجٌ. ٢ - وجوب تقريب الصُّفوف بعضها من بعضٍ، ويعرف ذلك بالعرف. ٣ - وجوب تسوية الصَّفِّ بحيث لا يكون فيه تقدُّمٌ ولا تأخُّرٌ. ٤ - أنَّ التَّسوية تضبط بالمحاذاة بين الأعناق. ٥ - ترغيب الرِّجال في التَّقدُّم إلى الصَّلاة والصُّفوف الأولى. ٦ - أنَّ أفضل الصُّفوف الصَّفُّ الأوَّل ثمَّ الثَّاني ثمَّ الثَّالث. ٧ - أنَّ شرَّ صفوف الرِّجال آخرها، ومعنى «شرُّها»؛ أي: أقلُّها فضلاً. ٨ - أنَّ صفوف النِّساء عكس صفوف الرِّجال في الفضل، فخيرها آخرها وشرُّها أوَّلها. ٩ - جواز حضور النِّساء صلاة الجماعة من غير ترغيبٍ في ذلك.

стр. 399

١٠ - أنَّ النِّساء يصلِّين مع الجماعة صفوفًا. ١١ - اعتبار أحكام صفوف النِّساء بصفوف الرِّجال إلَّا في المتقدِّم والمتأخِّر من الصُّفوف، وعليه؛ فلا تصلِّي المرأة منفردةً خلف صفوف النِّساء. ١٢ - صحَّة مصافَّة الصَّغير. ١٣ - صحَّة صلاة المميِّز. ١٤ - أنَّ موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام. ١٥ - صحَّة صلاة من وقف عن يسار الإمام، وقال بعض أهل العلم: لا تصحُّ، والصَّواب الأوَّل. ١٦ - جواز الحركة في الصَّلاة، إذا دعت الحاجة؛ فإنَّ الرَّسول ﷺ أخذ برأس ابن عبَّاسٍ ﵃ وأداره من ورائه. ١٧ - أنَّ موقف الاثنين من الإمام خلفه. ١٨ - أنَّ موقف المرأة الواحدة في صلاة الجماعة خلف الرِّجال. ١٩ - جواز صلاة النَّافلة جماعةً في بعض الأحيان، بحيث لا تكون عادةً. ٢٠ - أنَّ العمل بأحكام الصُّفوف من تمام الصَّلاة، ولا يحصل ذلك إلَّا بالتَّعاون. * * * * * (٤٧٥) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ. (٤٧٦) وَزَادَ أبو دَاوُدَ فِيهِ: «فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ» (١). * * *

стр. 400

هذا الحديث هو الأصل لما ذهب إليه الجمهور من إدراك الرَّكعة مع الإمام بإدراك الرُّكوع، حتَّى الَّذين قالوا بوجوب الفاتحة على المأموم، قالوا: يسقط وجوبها عن المسبوق إذا أدرك الرُّكوع، وذهب آخرون من أهل العلم من الظَّاهريَّة وغيرهم إلى أنَّ الرَّكعة لا تدرك بالرُّكوع لفوات القراءة، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لأبي بكرة: «وَلَا تَعُدْ»، وحمل الجمهور قوله ﷺ : «وَلَا تَعُدْ» على الرُّكوع دون الصَّفِّ، ويؤيِّد ما ذهب إليه الجمهور ما جاء في السُّنن أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا ولا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» (١). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل الحرص على الخير ما لم يؤدِّ إلى مخالفةٍ شرعيَّةٍ. ٢ - فضيلة أبي بكرة ﵁. ٣ - صحَّة صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ، لكن يعارضه الحديثان الآتيان، وهذا على تقدير أنَّه ركع ورفع قبل أن يصل إلى الصَّفِّ، أمَّا إذا دخل في الصَّفِّ راكعًا فقد زال الانفراد بإدراك الرُّكوع. ٤ - عدم وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، أو سقوطها عن المسبوق، على الخلاف في حكم القراءة على المأموم. ٥ - نهي الإنسان عن السُّرعة لإدراك الإمام في ركوعه. ٦ - حسن معاملة النَّبيِّ ﷺ لأصحابه ﵃ وحسن تعليمه. ٧ - أنَّه ينبغي الدُّعاء لمن علم منه حسن القصد. ٨ - أنَّ من ارتكب محظورًا جاهلاً فلا إثم عليه. ٩ - النَّهي عن الدُّخول في الصَّلاة قبل الدُّخول في الصَّفِّ. ١٠ - جواز الحركة لإتمام الصَّفِّ، ومن ذلك الحركة لسدِّ الفرجة القريبة.

стр. 401

(٤٧٧) وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ ﵁؛ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). (٤٧٨) وَلَهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁: «لَا صَلَاةَ لمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (٢). (٤٧٩) وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَابِصَةَ: «أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوِ اجْتَرَرْتَ رَجُلاً؟» (٣). * * * هذان الحديثان هما عمدة من قال من العلماء: لا تصحُّ صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ، وفي حكم صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ ثلاثة مذاهب: الأَوَّلُ: ذهب الجمهور إلى الصِّحَّة، وضعَّفوا هذين الحديثين، واستدلُّوا بحديث أبي بكرة ﵁ المتقدِّم، فإنَّه ركع دون الصَّفِّ، واستدلُّوا بوقوف أمِّ أنسٍ ﵂ خلفهم وحدها. قال أنسٌ ﵁: «فصففت واليتيم وراءه -أي: رسول الله ﷺ والعجوز من ورائنا» (٤). الثَّانِي: وذهب آخرون إلى أنَّها لا تصحُّ صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ مطلقًا، واستدلُّوا بهذين الحديثين: حديث وابصة وطلقٍ ﵃ وقالوا: إنَّهما صالحان للاحتجاج؛ أي: بمجموعهما، وردُّوا القدح فيهما، وأمَّا ركوع أبي بكرة ﵁ خلف الصَّفِّ فقد نهاه النَّبيُّ ﷺ عن ذلك، وأمَّا وقوف المرأة وحدها فذلك حكمٌ يختصُّ بالمرأة مع الرِّجال؛ لتعذُّر مصافَّتها لهم، فلا يصحُّ لها الانفراد خلف الصَّفِّ مع النِّساء.

стр. 402

الثَّالِثُ: الفرق بين من تعذَّر عليه الدُّخول في الصَّفِّ، ومن فرَّط في ذلك، فالأوَّل معذورٌ، وسقط عنه وجوب المصافَّة لعجزه، فإنَّه لا واجب مع العجز، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيميَّة (١)، وهذا المذهب قويٌّ من حيث القواعد والأصول، والمذهب الثَّاني قويٌّ من حيث ظاهر الحديثين، فإنَّه ﷺ لم يستفصل الَّذي أمره أن يعيد الصَّلاة، وكذا قوله ﵊: «لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» فيه عمومٌ وإطلاقٌ، واختار هذا القول شيخنا الشَّيخ عبد العزيز بن بازٍ ﵀ (٢). وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تعليم الجاهل. ٢ - وجوب المصافَّة في صلاة الجماعة. ٣ - تحريم الانفراد خلف الصَّفِّ أو خلف الإمام إذا كان وحده. ٤ - بطلان صلاة المنفرد خلف الصَّفِّ. ٥ - أمر من صلَّى وحده خلف الصَّفِّ بالإعادة. ٦ - عموم هذه الأحكام للرِّجال والنِّساء، لقوله: «لَا صَلَاةَ لمُنْفَرِدٍ»، وخصَّ من ذلك المرأة الواحدة مع الرِّجال؛ لحديث أنسٍ ﵁ المتقدِّم (٣). ٧ - أنَّ من جاء ولم يجد مكانًا في الصَّفِّ فله أن يجترَّ رجلاً من الصَّفِّ برضاه، وقد قال بذلك بعض أهل العلم (٤)، ومنعه آخرون؛ لضعف الحديث في ذلك، والأظهر: أنَّه جائزٌ وهو من الإحسان على من خشي فوات الرَّكعة لعدم من يصافُّه. * * * * *

стр. 403

(٤٨٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ولا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الإقامة للصَّلاة المكتوبة. ٢ - رفع الصَّوت بالإقامة حتَّى يسمعها من كان خارج المسجد. ٣ - لزوم الأدب في المشي إلى الصَّلاة في الهيئة والحركة، ولو خشي الماشي فوات بعض الصَّلاة. ٤ - النَّهي عن الإسراع المنافي للسَّكينة والوقار؛ السَّكينة في الحركة، والوقار في الهيئة. ٥ - دخول المسبوق مع الإمام بأيِّ حالٍ من أحوال الصَّلاة. ٦ - أنَّ ما يدركه المسبوق مع الإمام أوَّل صلاته، لقوله: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، وهذا هو الصَّحيح، وقيل: إنَّ ما يدركه آخر صلاته؛ لقوله في روايةٍ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» (٢) حملوا القضاء على المعنى الاصطلاحيِّ عند الأصوليِّين، وهو: فعل العبادة بعد خروج وقتها، والصَّحيح: أنَّ القضاء في لغة الشَّرع هو أداء الفعل المأمور به في وقته أو بعد وقته كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]؛ أي: أدِّيت وفرغ منها، وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. ٧ - تعظيم أمر الصَّلاة بالمشي إليها والدُّخول فيها. ٨ - وجوب الإتمام على المسافر إذا ائتمَّ بالمقيم، ولو كان في آخر ركعةٍ.

стр. 404

(٤٨١) وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - التَّرغيب في صلاة الجماعة. ٢ - فضل صلاة الاثنين على صلاة الواحد، والثَّلاثة على صلاة الاثنين. ٣ - أنَّه كلَّما كانت الجماعة أكثر كانت الصَّلاة أفضل. ٤ - فضل الصَّلاة في المسجد الَّذي يكون أكثر جماعةً ما لم يعارض ذلك مصلحةٌ راجحةٌ، وهذا كلُّه في الصَّلاة الَّتي تشرع لها الجماعة، وأهمُّها الصَّلاة المكتوبة. ٥ - إثبات المحبَّة لله تعالى. ٦ - أنَّ الجماعة ليست شرطًا لصحَّة الصَّلاة. ٧ - أنَّ الاثنين جماعةٌ. ٨ - تفاضل الأعمال بأسبابٍ. ٩ - مشروعيَّة إقامة جماعةٍ لمن فاتتهم الجماعة الرَّاتبة، ويشهد لذلك حديث: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟» (٢). * * * * *

стр. 405

(٤٨٢) وَعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ﵂؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز صلاة النِّساء جماعةً. ٢ - إمامة المرأة للنِّساء، بل قيل: ومن يكون من أهل الدَّار من الصِّبيان، والخدم؛ كمملوك المرأة، قال الفقهاء: «وتقوم وسطهنَّ» (٢). ٣ - أنَّ الأمر يأتي للإباحة. ٤ - فضل أمِّ ورقة ﵂. ٥ - أنَّ صلاة النِّساء في البيوت أفضل من صلاتهنَّ في المسجد، ومع هذا فالحديث مختلفٌ في صحَّته، وجمهور الفقهاء على تصحيحه. * * * * * (٤٨٣) وعَنْ أَنَس ﵁؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى». رَوَاهُ أحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ (٣). (٤٨٤) وَنَحْوُهُ لاِبْنِ حِبَّانَ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (٤). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضيلة عبد الله بن أمِّ مكتومٍ ﵁ في دينه وعقله وعلمه. ٢ - صحَّة إمامة الأعمى في الصَّلاة. ٣ - صحَّة توليته الإمارة، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ استخلفه على المدينة أميرًا وإمامًا.

стр. 406

٤ - أنَّ الجهاد لا يجب على الأعمى، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]. ٥ - مشروعيَّة نصب الإمام في الصَّلاة. ٦ - مشروعيَّة نصب الأمير للجماعة. ٧ - جواز نسبة الرَّجل إلى أمِّه إذا كان لا يكره ذلك. ٨ - ضعف اشتراط البصر في القاضي. * * * * * (٤٨٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١). * * * الحديث وإن كان ضعيفًا فمعناه صحيحٌ في الجملة، تشهد له نصوصٌ من السُّنَّة الصَّحيحة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الصَّلاة على من مات من الموحِّدين، وهي فرض كفايةٍ، وخصَّ من هذا الحكم؛ شهيد المعركة، وترك الإمام الصَّلاة على بعض النَّاس زجرًا له عن بعض الأفعال؛ كقاتل نفسه. ٢ - عدم الصَّلاة على من مات من المشركين والمنافقين. ٣ - صحَّة الصَّلاة خلف أئمَّة المسلمين أبرارًا كانوا أو فجَّارًا، وهذا مذهب أهل السُّنَّة والجماعة.

стр. 407

٤ - صحَّة الصَّلاة خلف الفاسق المسلم، والصَّلاة خلف العدل أولى، وقيل: لا تصحُّ الصَّلاة خلف الفاسق، والصَّحيح الأوَّل، وكذا المبتدع إلَّا أن يخرج ببدعته من الإسلام (١). * * * * * (٤٨٦) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (٢). * * * هذا الحديث وإن كان ضعيفًا فمعناه صحيحٌ عند أهل العلم، ويدلُّ له قوله ﷺ : «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ولا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (٣)، أمَّا ما يعتدُّ به المسبوق ممَّا يدركه مع الإمام فهذا يرجع فيه إلى الدَّليل المبين، وقد جاء عنه ﷺ قوله: «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا ولا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٤)، وهذه الأحاديث تفيد أنَّ المسبوق يدخل مع الإمام في أيِّ حالٍ من أحوال الصَّلاة ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا، ولكنَّه لا يعتدُّ بما أدركه بعد الرُّكوع. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ المسبوق يدخل مع الإمام في أيِّ حالٍ من أحوال الصَّلاة. ٢ - أنَّه لا ينتظر حتَّى يشرع في الرَّكعة الَّتي بعدها. ٣ - أنَّ المسبوق يؤجر على دخوله مع الإمام فيما لا يعتدُّ به. * * * * *

стр. 408

بَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِ وَالمَرِيضِ هذا الباب يشتمل على موضوعين: صلاة المسافر، وصلاة المريض. وخصَّا بالذِّكر؛ لأنَّ صلاة المسافر تختلف عن صلاة المقيم في عدد ركعاتها، ويشرع للمسافر قصر الرُّباعيَّة ركعتين. وأمَّا صلاة المريض فتخالف صلاة الصَّحيح في صفة أدائها. ثمَّ إنَّ السَّفر والمرض من أسباب إباحة الجمع بين الصَّلاتين. * * * * * (٤٨٧) وَعَنْ عَائشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٤٨٨) وَلِلْبُخَارِيِّ: «ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَر عَلَى الأَوَّلِ» (٢). (٤٨٩) زَادَ أَحْمَدُ: «إِلَّا المَغْرِبَ فَإنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإلَّا الصُّبْحَ فَإِنَّهَا تُطَوَّلُ فِيها الْقِرَاءَةُ» (٣). * * * هذا الحديث تخبر فيه أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ عن عدد ركعات الصَّلاة أوَّل ما فرضت، وأنَّها فرضت ركعتين سفرًا وحضرًا، وأنَّه زيد في صلاة الحضر في ثلاث صلواتٍ: الظُّهر والعصر والعشاء، وأقرَّت صلاة السَّفر على ما هي عليه، وظاهر رواية أحمد أنَّ صلاة الفجر لم تزل تطوَّل فيها القراءة، والمغرب كانت ثلاثًا من أوَّل الأمر؛ لأنَّها وتر النَّهار فلم يزد فيهما.

стр. 409

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الصَّلاة أوَّل ما فرضت ركعتين. ٢ - إتمام صلاة الحضر. ٣ - أنَّ ذلك كان في المدينة بعد الهجرة. ٤ - أنَّ صلاة المسافر ركعتان على ما كانت عليه. ٥ - استحباب تطويل القراءة في الفجر، وأنَّ ذلك من حكمة عدم الزِّيادة فيها. ٦ - أنَّ صلاة المغرب منذ شرعت كانت ثلاث ركعاتٍ، وأنَّه لم يزد فيها؛ لأنَّها وتر النَّهار. ٧ - وجوب قصر الصَّلاة في السَّفر، لقولها: «أوَّل ما فُرِضت الصَّلاة ركعتين، فأُقرَّت صلاة السَّفر»، وقد استدلَّ بهذا الحديث من ذهب إلى وجوب القصر، وقد اختلف العلماء في حكم القصر في السَّفر على مذاهب: أَحَدُهَا: أنَّه واجبٌ؛ استدلالاً بهذا الحديث، وهو مذهب أبي حنيفة وابن حزمٍ. وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّه مستحبٌّ والإتمام جائزٌ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ القصر رخصةٌ والإتمام أفضل، ولا ريب أنَّ هذا القول ضعيفٌ؛ لأنَّه خلاف هدي رسول الله ﷺ ، ويردُّ عليه بحديث رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» (١). وَأَرْجَحُ الأَقْوَالِ -والله أعلم- هو القول بوجوب القصر فيما اتُّفق على جواز القصر فيه، ومع هذا فمن أتمَّ فلا يؤمر بالإعادة، فليس الإتمام في السَّفر كالقصر في الحضر؛ لاختلاف الأدلَّة واختلاف المذاهب.

стр. 410

٨ - أنَّ مبنى الشَّريعة على التَّيسير ورفع الحرج. ٩ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة؛ لقول عائشة ﵂: «فإنَّها وتر النَّهار»، ولقولها: «فإنَّها تطوَّل فيها القراءة». * * * * * (٤٩٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ (١). (٤٩١) وَالمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: «إنَّهُ لا يَشُقُّ عَلَيَّ». أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (٢). * * * المتواتر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يقصر في جميع أسفاره، وفي حجَّة الوداع، قال أنسٌ ﵁: «خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكَّة، فكان يصلِّي ركعتين ركعتين حتَّى رجعنا إلى المدينة» (٣)، وحديث عائشة ﵂ هذا معلولٌ كما قال المصنِّف، فلم يثبت الإتمام في السَّفر عن النَّبيِّ ﷺ ، ولكنَّ المحفوظ عن عائشة من فعلها؛ والصَّواب: أنَّها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان في الإتمام بمنًى، وروي عنها أنَّها قالت للنَّبيِّ ﷺ : «أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت»، فقال: «أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ» (٤)؛ وهذا لا يصحُّ عنها، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ما كانت أمُّ المؤمنين لتخالف رسول الله ﷺ وجميع أصحابه فتصلِّي خلاف صلاتهم» (٥).

стр. 411

والمحفوظ أنَّها إنَّما أتمَّت بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ متأوِّلةً في ذلك أنَّه لا يشقُّ عليها. وقوله في الحديث: «ويصوم ويفطر» هو ثابتٌ عن النَّبيِّ ﷺ في أحاديث صحيحةٍ غير هذا الحديث. * * * * * (٤٩٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ (١). (٤٩٣) وَفِي رِوَايَةٍ: «كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» (٢). * * * الرُّخصة هي: الحكم المتضمِّن للتَّخفيف، والمعصية: مخالفة الأمر، والعزيمة هي: الأمر المحتَّم، والعزائم هي: الواجبات، وقد تكون الرُّخصة عزيمةً إذا وجب الأخذ بها، فتكون رخصةً من وجهٍ، وعزيمةً من وجهٍ؛ كالقصر في السَّفر على القول بوجوبه، وكالأكل من الميتة عند الضَّرورة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - إثبات صفة المحبَّة لله . ٢ - التَّرغيب في الأخذ بالرُّخص الشَّرعيَّة، ومنها: القصر في السَّفر، ولأجل هذا ساقه المصنِّف في الباب. ٣ - أنَّ الأخذ بالرُّخص طاعةٌ لله، محبوبةٌ له. ٤ - إثبات صفة الكراهة لله تعالى.

стр. 412

٥ - أنَّ المعاصي مكروهةٌ لله تعالى. ٦ - التَّنفير عن معصية الله. ٧ - وصف الله بالعزم فيما أوجبه على عباده. * * * * * (٤٩٤) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٤٩٥) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ؛ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٢). (٤٩٦) وَعَنِ ابْنِ عباسٍ ﵃ قَالَ: «أَقَامَ النَّبيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ». وَفِي لَفْظٍ: «بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣). (٤٩٧) وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ: «سَبْعَ عَشْرَةَ». وَفِي أُخْرَى: «خَمْسَ عَشْرَةَ» (٤). (٤٩٨) وَلَهُ عنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: «ثَمَانِيَ عَشْرَةَ» (٥). (٤٩٩) وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يقْصُرُ الصَّلَاةَ» (٦). وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ. * * * هذه الأحاديث ظاهرة الدَّلالة على أنَّ هدي النَّبيِّ ﷺ القصر في السَّفر، وتقدَّم أنَّه ﷺ لم يثبت عنه أنَّه أتمَّ في شيءٍ من أسفاره، ويتعلَّق بهذه الأحاديث مسألتان من مسائل القصر:

стр. 413

إِحْدَاهُمَا: المسافة الَّتي تقصر فيها الصَّلاة، وقد اختلف النَّاس في ذلك اختلافًا كثيرًا: فذهب الجمهور إلى أنَّ الصَّلاة لا تقصر في أقلَّ من أربعة بردٍ، (وهي ثمانيةٌ وأربعون ميلاً؛ وهي ثمانون كيلو تقريبًا)؛ كما جاء عن ابن عبَّاسٍ ﵃، وسيذكره المؤلِّف (١). وذهبت الظَّاهريَّة إلى جواز القصر في ثلاثة أميالٍ؛ وهي من الكيلوات خمسةٌ؛ استدلالاً بحديث أنسٍ ﵁. وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنَّه لا تقدير لمسافة القصر، بل يجوز القصر في كلِّ سفرٍ، طالت المسافة أو قصرت؛ كما يدلُّ لذلك حديث عائشة ﵂ في أوَّل الباب «فأُقرَّت صلاة السَّفر» (٢). وما ذهب إليه الجمهور من تقدير المسافة بأربعة بردٍ أضبط في التَّمييز بين ما تقصر فيه الصَّلاة وما لا تقصر، ومن يعلِّق جواز القصر على مطلق السَّفر ولا يحدُّ في ذلك مسافةً أقرب إلى ظاهر الأدلَّة، ولكن يشكل عليه اختلاف النَّاس في مصطلح السَّفر؛ فلا بدَّ من ضابطٍ؛ فقيل: إنَّه ما يحتاج النَّاس فيه إلى زادٍ ومزادٍ، وهذا أيضًا يختلف باختلاف وسائل السَّفر؛ ففي هذا العصر لا يحتاج المسافر بالطَّائرة والسَّيَّارة في كثيرٍ من الأحيان إلى حمل زادٍ، بل قد لا يحتاج مدَّة سفره إلى طعامٍ وشرابٍ؛ لقصر مدَّة رحلته، فلا بدَّ من ربط هذا الضَّابط بالسَّفر على الوسائل القديمة، ولهذا يختلف النَّاس في هذا العصر في مسمَّى السَّفر؛ فلا يسمُّون سفرًا إلَّا ما كان إلى بلادٍ بعيدةٍ، أو قريبةٍ يطول مكثه بها. وبهذا يتبيَّن أنَّ ما ذهب إليه الجمهور أبعد عن الإشكال، ولو قيل بالعمل بالرَّأيين فيقال: يجوز القصر في كلِّ ما يسمِّيه النَّاس سفرًا؛ ولو لم يبلغ أربعة بردٍ، ولكلِّ من قصد أربعة بردٍ فصاعدًا؛ ولو لم يسمَّ سفرًا لكان له وجهٌ. والله أعلم.

стр. 414

وأمَّا حديث أنسٍ ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميالٍ أو فراسخ صلَّى ركعتين» فالظَّاهر: أنَّه إخبارٌ عن ابتداء القصر الواقع من النَّبيِّ ﷺ في أسفاره؛ لا تحديدٌ لمسافة القصر، ولا لمسافة ابتداء القصر، وإلَّا فمن المعلوم أنَّ ثلاثة أميالٍ لا يصدق عليها اسم السَّفر بحالٍ من الأحوال. المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حكم القصر إذا أقام المسافر أثناء سفره في بلدٍ أو مكانٍ؛ وله في هذا حالان: إِحْدَاهُمَا: ألَّا يعزم على الإقامة مدَّةً معلومةً؛ بل كلَّ يومٍ يقول: أخرج غدًا، فله القصر أبدًا. الثَّانِيَةُ: أن يعزم على الإقامة مدَّةً؛ فإن كانت يومًا أو يومين أو ثلاثةً فله القصر، وإن كانت أكثر من ذلك فالجمهور على أنَّه إذا عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيَّامٍ أتمَّ منذ نوى الإقامة، وقيل: يقصر أبدًا؛ ما لم يعزم على الاستيطان بذلك المكان. وبين هذين القولين أقوالٌ أخرى؛ قيل: عشرة أيَّامٍ، وقيل: خمسة عشر يومًا، وقيل: عشرون يومًا. وحجَّة الجمهور أنَّ فرض المقيم الإتمام؛ فمتى أقام المسافر أتمَّ، وخصُّوا من ذلك إذا أقام أربعة أيَّامٍ فأقلَّ؛ لما ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقام بمكَّة عام حجَّة الوداع أربعة أيَّامٍ يقصر قبل خروجه إلى منًى، واحتجَّ القائلون بالإطلاق بآثارٍ عن بعض الصَّحابة ﵃ أنَّهم قصروا شهورًا وربَّما سنةً أو سنتين؛ ولعدم الدَّليل على تقييد مدَّة القصر. وَأَضْبَطُ هذه الأقوال هو ما ذهب إليه الجمهور من التَّقدير بأكثر من أربعة أيَّامٍ. وأمَّا القول بالإطلاق فيرد عليه أنَّ الَّذي يقيم سنين ليس هو في حال سفرٍ؛ بل في حال إقامةٍ، نعم؛ لكنَّه غير مستوطنٍ، والمقابل للسَّفر هو الإقامة، لا الاستيطان.

стр. 415

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ هدي النَّبيِّ ﷺ قصر الصَّلاة في السَّفر. ٢ - جواز القصر لمن قصد ثلاثة أميالٍ. ٣ - أنَّ المسافر وإن أقام في موضعٍ فإنَّه يقصر، وتقدَّم ذكر الخلاف في مدَّة الإقامة الَّتي يجوز فيها القصر. ٤ - أنَّ أطول مدَّةٍ قصر فيها النَّبيُّ ﷺ وهو مقيمٌ عشرون يومًا في غزوة تبوك؛ كما جاء في حديث جابرٍ ﵁، وعند الجمهور إذا عزم المسافر على الإقامة هذه المدَّة أتمَّ، وإن لم يعزم قصر، وعند ابن حزمٍ يقصر مطلقًا؛ وإن لم يعزم على الإقامة، ثمَّ يجب عليه الإتمام بعد العشرين يومًا. ٥ - اختلاف الرِّوايات في مدَّة إقامته ﷺ عام الفتح، والجمهور يقولون: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجمع الإقامة بتبوك ومكَّة هذه المدد المذكورة. * * * * * (٥٠٠) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٥٠١) وَفِي رِوَايَةِ الحَاكِمِ فِي «الأَرْبَعِينَ» بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، ثُمَّ رَكِبَ». (٥٠٢) وَلأَبِي نُعَيْمٍ فِي «مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ»: «كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ» (٢). (٥٠٣) وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). * * *

стр. 416

هذه الأحاديث هي الأصل في مشروعيَّة الجمع بين الصَّلاتين في السَّفر لمن جدَّ به السَّير، وقد ذهب جمهور العلماء إلى ما دلَّت عليه هذه الأحاديث، وقد ذهب أكثر القائلين بجواز الجمع للمسافر إلى جوازه تقديمًا وتأخيرًا. وذهب ابن حزمٍ إلى جواز جمع التَّأخير دون التَّقديم (١)؛ لظاهر حديث أنسٍ ﵁ في «الصَّحيحين» (٢). وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم جواز الجمع إلَّا للحاجِّ بعرفة ومزدلفة، وحملوا ما ورد في الجمع على الجمع الصُّوريِّ؛ وهو صلاة الأولى في آخر وقتها، والثَّانية في أوَّل وقتها، والجمع الحقيقيُّ هو فعل الصَّلاتين في وقت إحداهما. والصَّواب: ما ذهب إليه أكثر العلماء من جواز الجمع الحقيقيِّ؛ لهذه الأحاديث. والجمع شرع تيسيرًا، والجمع الصُّوريُّ فيه حرجٌ وعسرٌ بتحرِّي آخر وقت الأولى، وأوَّل وقت الثَّانية. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ وقت الظُّهر من زوال الشَّمس. ٢ - جواز الجمع بين الظُّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في السَّفر. ٣ - جواز جمع التَّقديم وجمع التَّأخير؛ بحسب الأرفق بالمسافر. ٤ - التَّصريح بتأخير الظُّهر إلى وقت العصر، وتقديم العصر إلى وقت الظُّهر، ففيه: ٥ - الرَّدُّ على من تأوَّل الأحاديث بالجمع الصُّوريِّ. ٦ - تفسير الإجمال في حديث معاذٍ ﵁ بحديث أنسٍ ﵁؛ حيث لم يصرَّح بنوع الجمع تقديمًا أو تأخيرًا، ومن جهة حال الجمع؛ وهو حال الجدِّ في السَّير.

стр. 417

٧ - أنَّ الفجر لا تجمع إلى صلاةٍ أخرى، وكذا العصر لا تجمع إلى المغرب، وهذا بالإجماع. * * * * * (٥٠٤) وَعَنِ ابْنِ عباسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). (٥٠٥) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْرُ أُمَّتي الَّذِينَ إِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الأَوْسَطِ» بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَهُوَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ مُخْتَصَرًا (٢). * * * هذان الحديثان لا يعوَّل عليهما لضعف إسناديهما. وقد تقدَّم ما يتعلَّق بالحديث الأوَّل من تحديد مسافة القصر واختلاف العلماء في ذلك؛ وأنَّ المعتمد في ذلك هو الموقوف على ابن عبَّاسٍ ﵃، وقد صحَّحه الحافظ. وأمَّا الحديث الثَّاني فهو من أحاديث الفضائل، وفضل الاستغفار معروفٌ، وأدلَّته مشهورةٌ، وحكم الفطر في السَّفر سيأتي ذكر أدلَّته، وأدلَّة المفاضلة بينه وبين الصِّيام، وأمَّا القصر في السَّفر فقد تقدَّم ذكر أدلَّته واختلاف العلماء في حكمه. * * * * *

стр. 418

(٥٠٦) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (٥٠٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: عَادَ النَّبِيُّ ﷺ مَرِيضًا، فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَ أبو حَاتِمٍ وَقْفَهُ (٢). (٥٠٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٣). * * * هذه الأحاديث الثَّلاثة قد سبقت في باب صفة الصَّلاة، وتقدَّم ذكر ما يتعلَّق بها من الفوائد والأحكام. * * * * *

стр. 419

بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ قوله: «باب صلاة الجمعة»؛ أي: صلاة يوم الجمعة، وإضافة الصَّلاة إلى الجمعة من باب إضافة الشَّيء إلى وقته. وقد خصَّ الله يوم الجمعة بخصائص كونيَّةٍ وشرعيَّةٍ كثيرةٍ، تقصَّاها ابن القيِّم ﵀ في «زاد المعاد» (١). وأعظم خصائص هذا اليوم: صلاة الجمعة، الَّتي جعلها الله بدلاً عن صلاة الظُّهر لمن كان من أهلها ولكلِّ من حضرها. ويوم الجمعة هو اليوم الَّذي هدى الله إليه هذه الأمَّة، وقد ضلَّ عنه أهل الكتاب؛ كما قال ﷺ : «مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ ولا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ خَيْرٍ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ وَضَلَّ النَّاسُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ لَنَا فيهِ تَبَعٌ، فَهُوَ لَنَا، وَاليَهُودُ يَوْمُ السَّبْتِ، وَالنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، إِنَّ فِيهِ لَسَاعَةً لا يُوَافِقُهَا مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ» (٢). * * * * * (٥٠٩) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). * * * هذا الحديث وما في معناه هو الدَّليل من السُّنَّة على وجوب الجمعة، وقد دلَّ على وجوبها القرآن في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ

стр. 420

مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٩)﴾ [الجمعة: ٩]، فصلاة الجمعة ثابتةٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، فهي من ضروريَّات الدِّين الَّتي من جحد شيئًا منها كفر، فجاحد صلاة الجمعة كجاحد صلاة الظُّهر. وقوله: «لَيَنْتَهِيَنَّ» جواب قسمٍ، يقدَّر: والله لينتهينَّ، والمراد بالأقوام: التَّاركون لحضور صلاة الجمعة، والودع: التَّرك، وقيَّده بالجمعات؛ لأنَّ الوعيد إنَّما يستحقُّ بترك ثلاث جمعٍ فأكثر؛ كما جاء مفصَّلاً في حديثٍ آخر، وهو قوله ﷺ : «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ» (١). وقوله: «أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ»: «أَوْ» للتَّخيير الَّذي الغرض منه التَّهديد، والمعنى: لا بدَّ من أحد الأمرين إمَّا الانتهاء عن ترك الجمعات، وإمَّا الختم على القلوب، وكلا الأمرين مؤكَّدٌ بالقسم، وكذا قوله: «ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ». وقوله: «عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ»؛ أي: قال ذلك وهو يخطب ﷺ . وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّه كان للرَّسول ﷺ منبرٌ يخطب عليه؛ وهو ما صنعه له غلام المرأة الأنصاريَّة (٢). ٢ - تأكيد الخبر بالرُّؤية والسَّماع. ٣ - التَّحذير من ترك صلاة الجمعة. ٤ - أنَّ صلاة الجمعة فرض عينٍ على من كان من أهلها. ٥ - التَّنبيه على أهمِّيَّة الأمر بالقسم عليه. ٦ - أنَّ ترك الجمعات سببٌ لأعظم العقوبات؛ وهو: الختم على القلب. ٧ - أنَّ ترك الجمعة من غير عذرٍ كبيرةٌ من كبائر الذُّنوب.

стр. 421

٨ - أنَّ من أفعال الله الختم على قلوب من شاء؛ عقوبةً على ما ارتكبوا من مخالفة أمره. ٩ - الرَّدُّ على القدريَّة من المعتزلة وغيرهم في زعمهم أنَّ الله لا يُضلُّ أحدًا، ولا يهدي أحدًا. ١٠ - الرَّدُّ على الجبريَّة؛ لقوله: «لَيَنْتَهِيَنَّ» و «وَدْعِهِمُ». ١١ - إثبات الأسباب الشَّرعيَّة؛ فالمعصية سببٌ للعقاب، والتَّوبة سببٌ للسَّلامة. ١٢ - أنَّ تمادي الإنسان في ترك الجمعات يصيِّره من الغافلين عن ذكر الله وآياته، وعن ذكر اليوم الآخر، وعمَّا ينجي العبد من عذاب الله، مع الإقبال على الحياة الدُّنيا. * * * * * (٥١٠) وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَليْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظلُّ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. (٥١١) وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَهُ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ» (٢). (٥١٢) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵃ قَالَ: «مَا كُنَّا نَقِيلُ ولا نَتَغَدَّى إِلَّا بعْدَ الجُمُعَةِ» (٣). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (٥١٣) وَفِي رِوَايَةٍ: «فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». * * *

стр. 422

هذه الأحاديث استدلَّ بها على أنَّ هدي النَّبيِّ ﷺ التَّبكير بصلاة الجمعة، وأنَّه لم يكن يبرد بها؛ لقوله: «ثمَّ ننصرف وليس للحيطان ظلٌّ يستظلُّ به»، وقوله: «نتتبَّع الفيء»؛ ممَّا يدلُّ على أنَّهم ينصرفون من صلاة الجمعة بُعَيد الزَّوال، وكذا قول سهلٍ: «ما كنَّا نقيل ولا نتغدَّى إلَّا بعد الجمعة»، وكانت عادتهم في القيلولة والغداء قبل وقت صلاة الظُّهر. وقد اختلف العلماء في وقت صلاة الجمعة؛ فذهب الجمهور إلى أنَّ وقتها وقت الظُّهر؛ فلا تصلَّى إلَّا بعد الزَّوال، وذهب الإمام أحمد -في المشهور- إلى أنَّ وقتها قبل الزَّوال، بل المذهب أنَّ وقتها من ارتفاع الشَّمس؛ فأوَّل وقتها أوَّل وقت صلاة العيد إلى آخر وقت صلاة الظُّهر، واستدلَّ الإمام أحمد على ذلك بحديث سلمة وسهلٍ ﵃، والحقيقة أنَّ دلالة الحديثين غير ظاهرةٍ، وإن كانت محتملةً، كيف وفي رواية حديث سلمة: «كنَّا نجمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشَّمس». وقوله: «نجمِّع»؛ أي: نصلِّي الجمعة. وأمَّا قوله: «ثمَّ ننصرف وليس للحيطان ظلٌّ يستظلُّ به»، وقوله: «ثمَّ نرجع نتتبَّع الفيء» فغاية ما يدلُّ عليه التَّبكير في أوَّل الوقت كما تقدَّم، ومعلومٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن يطيل الخطبة، وكان يقرأ في الصَّلاة ب «سبِّح» والغاشية، أو الجمعة والمنافقون، وهذا كلُّه ممَّا يؤيِّد أنَّه لم يكن يبتدئ الخطبة والصَّلاة إلَّا بعد الزَّوال، وبهذا يعلم أنَّ ما ذهب إليه الجمهور هو الصَّحيح، هذا؛ وصلاة الجمعة بدلٌ عن صلاة الظُّهر فوقتها وقتها. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ السُّنَّة التَّبكير بصلاة الجمعة؛ ولو مع شدَّة الحرِّ، وأخذ بعض العلماء من ذلك أنَّه لا ينهى عن التَّنفُّل بالصَّلاة قبل الزَّوال يوم الجمعة؛ فقد أُثِرَ أنَّ الصَّحابة كانوا يكثرون من التَّنفُّل قبل صلاة الجمعة.

стр. 423

٢ - التَّصريح بأنَّ صلاة الجمعة بعد الزَّوال؛ كما هو مذهب الجمهور. ٣ - جواز اتِّقاء الرَّمضاء بالمشي فيما تيسَّر من الظِّلِّ؛ والفيء هو: الظِّلُّ بعد الزَّوال، فالظِّلُّ أعمُّ من الفيء، وفيه معنى الفرار من قدر الله إلى قدر الله. ٤ - أنَّ المنفيَّ هو الظِّلُّ الممتدُّ الَّذي يستظلُّ به الإنسان؛ لا نفي أصل الظِّلِّ؛ كما تدلُّ عليه الرِّواية الأخرى «نتتبَّع الفيء». ٥ - أنَّ من عادة الصَّحابة ﵃ القيلولة؛ وهي: النَّوم قبل صلاة الظُّهر، ومن عادتهم تأخير القيلولة والغداء بعد صلاة الجمعة؛ ممَّا يدلُّ على تبكير النَّبيِّ ﷺ بها. ٦ - أنَّ الحجَّة فيما كانوا يفعلون في عهد النَّبيِّ ﷺ ، وهو من السُّنَّة التَّقريريَّة. * * * * * (٥١٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * تضمَّن هذا الحديث ذكر سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ الآية [الجمعة: ١١]، كما تضمَّن إشكالاً؛ إذ كيف ينفضُّ كثيرٌ من الصَّحابة إلى العير، ويتركون النَّبيَّ ﷺ قائمًا يخطب؟! وقد أجاب العلماء عن ذلك بأنَّ الخطبة كانت بعد الصَّلاة؛ وقد جاء ما يؤيِّد ذلك عند أبي داود في (المراسيل) (٢). يضاف إلى ذلك أنَّ الأمر بالسَّعي إلى الجمعة وترك البيع إنَّما كان بعد هذه الحادثة، فما وقع منهم لم يكن مخالفةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:

стр. 424

٩]، وحتَّى لو كان هذا؛ فلم يعفوا من اللَّوم والعتاب، ومن عذرهم شدَّة الحاجة الَّتي لم تصل إلى حدِّ الضَّرورة؛ فلذا لم يعذروا، بل عوتبوا على ذلك. وممَّا يؤيِّد أنَّهم لم يرتكبوا ذنبًا عظيمًا أنَّهم لم يعاقبوا أو يهدَّدوا بعقابٍ، بل اقتصر على اللَّوم والتَّذكير بأنَّ ما عند الله من الأجر والثَّواب خيرٌ ممَّا انصرفوا إليه من اللَّهو والتِّجارة، بل ولم يواجهوا بالعتاب؛ فإنَّ الآية وردت في صيغة الخبر عن الغائب. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة صلاة الجمعة. ٢ - القيام في خطبة الجمعة، وهذا هدي النَّبيِّ ﷺ في الجمعة وغيرها. ٣ - أنَّ من طبع النُّفوس محبَّة منافع الدُّنيا، والحرص عليها، ولا سيَّما مع الحاجة. ٤ - أنَّ الصَّحابة ليسوا بمعصومين، بل تجوز عليهم الذُّنوب في الجملة. ٥ - أنَّه يجزئ في عدد الجمعة اثنا عشر رجلاً، وهذا أحد الأقوال في المسألة، وفي الاستدلال بالحديث على ذلك نظرٌ، وقد اختلف اختلافًا كثيرًا في العدد المشترط لوجوب الجمعة، وأقلُّ ما قيل: إنَّها تجب بثلاثةٍ مستوطنين، وقول الأكثرين إنَّها تجب بأربعين، والصَّواب: أنَّه يجزئ لوجوبها ثلاثةٌ؛ لحديث: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» (١). ٦ - فضل من بقي مع النَّبيِّ ﷺ ؛ كأبي بكرٍ، وعمر، وجابرٍ ﵃.

стр. 425

٧ - جواز التِّجارة إذا لم يترك لأجلها واجبٌ، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال (٣٦) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَار (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]. * * * * * (٥١٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ». رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَوَّى أبو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (١). * * * منطوق هذا الحديث أنَّ من أدرك ركعةً من صلاة الجمعة أنَّه يكون مدركًا لصلاة الجمعة، فيجزئه أن يضيف إليها ركعةً أخرى، فتتمَّ له جمعةٌ، ومفهومه أنَّ من لم يدرك ركعةً -والرَّكعة تدرك بإدراك الرُّكوع- فإنَّه لا تتمُّ له جمعةٌ فيجب عليه أن يصلِّيها ظهرًا، وهذا قول جمهور العلماء؛ وهو أنَّ الجمعة تدرك بإدراك ركعةٍ، ولا تدرك بأقلَّ من ذلك، ويؤيِّد هذا ما في «الصَّحيحين» أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٢)، وهذا يشمل الجمعة وغيرها، واتَّفق العلماء على منطوق هذا الحديث وعلى مفهومه في الجمعة، واختلفوا فيما يدرك به الوقت وصلاة الجماعة؛ فقيل: لا تدرك إلَّا بإدراك ركعةٍ، وقيل: تدرك بإدراك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام، والصَّواب الأوَّل؛ للحديث المتَّفق عليه.
следующие страницы →