← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

٢ - أن من أخرج شيئًا لله؛ كالزكاة والصدقة لا يحل له شراؤه من المتصدق عليه؛ فإن ذلك نوع من الرجوع. ٣ - فضيلة عمر ﵁، وذلك من جهتين؛ الأولى: تبرعه بالفرس في سبيل الله. الثانية: سؤاله النبي ﷺ عما اشتبه عليه حكمه. ٤ - استحباب الهدية توددًا للجار والقريب والصديق. ٥ - أن الهدية تجلب المودة وتزيل الحقد. ٦ - استحباب هدية المرأة لجارتها بما تيسر، ونساء المسلمات من إضافة الموصوف إلى الصفة، وفرسن الشاة هو الظلف، وهو شيء حقير في العادة. ٧ - أن من أهدى هدية ليثاب عليها فله الرجوع فيها إن لم يثب عليها، وحكمها عند الفقهاء كالبيع. * * * * *

стр. 842

بَابُ اللُّقَطَةِ اللُّقَطَة: فُعَلة من اللَّقْط أو الالتقاط، وهو أخذ الشيء من على الأرض، وهي في الاصطلاح: كل مال فقده صاحبه وضل عنه، من أثمان أو حيوان أو غيرهما. وحكم التقاط اللقطة في الجملة مستحب؛ لأنه حفظ لمال الغير، وقسم الفقهاء اللقطة ثلاثة أقسام: ١ - ما يحرم التقاطه؛ كالإبل. ٢ - ما يباح التقاطه بلا تعريف؛ وهو ما كان حقيرًا من المال. ٣ - ما يستحب التقاطه ويجب تعريفه؛ وهو ما سوى ذلك. * * * * * (١٠٦٣) عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٠٦٤) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا». قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذان الحديثان أصل في حكم اللُّقطة وأنواعها.

стр. 843

وفيهما فوائد؛ منها: ١ - جواز التقاط الشيء الحقير والانتفاع به، بلا تعريف. ٢ - تحريم الصدقة على النبي ﷺ وآل بيته. ٣ - ورع النبي ﷺ باجتناب المشتبهات. ٤ - أن تلك التمرة كانت في موضع محتمل أن تكون ساقطة من تمر الصدقة، أما إذا كانت لا يحتمل فيها ذلك لم تكن من المتشابه. ٥ - أن سقوط الطعام من غير قصد وتركه لتفاهته لا يوجب الإثم، أما إن كان كثيرًا فلا يجوز تركه؛ لأن ذلك من إضاعة المال. ٦ - أن اللُّقطة ذات القيمة يجوز التقاطها أو يستحب. ٧ - أن من سيرة الصحابة سؤال النبي ﷺ عما أشكل عليهم. ٨ - أن الشريعة شاملة لأحكام العبادات والمعاملات. ٩ - أنه تجب معرفة صفات اللُّقطة، ويجب تعريفها سنَة؛ لقوله ﷺ : «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً»، والعفاص الوعاء الذي توضع فيه النقود، والوكاء الرباط الذي يربط به. ١٠ - وجوب رد اللُّقطة على صاحبها. ١١ - أن التعريف يرجع في صفته إلى العرف. ١٢ - أن اللُّقطة يملكها الملتقط بعد تعريفها سنة. ١٣ - استحباب التقاط ضالة الغنم؛ لأن عليها خطرًا من الذئب، وقوله: «هِيَ لَكَ» أي إذا أخذتها، أو «لِأَخِيكَ» أي صاحبها. ١٤ - تحريم التقاط ضالة الإبل؛ لأنه لا خطر عليها؛ لأنها تأكل الشجر وترد الماء. ١٥ - أن ضالة الإبل إذا كانت في مسبعة يجوز التقاطها؛ لأنها لا تسلم، وهذا من قياس العكس.

стр. 844

١٦ - تعليل الأحكام الشرعية. ١٧ - الغضب في التعليم فيما يقتضي الإنكار، وقوله ﷺ : «مَا لَكَ وَلَهَا؟!» أي لا سبيل لك عليها. ١٨ - جواز إطلاق اسم رب مضافًا على الإنسان؛ كرب الدار ورب الإبل. ١٩ - أن أحكام الشريعة مبنية على الحكمة، وهي التسوية بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات. * * * * * (١٠٦٥) وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٠٦٦) وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ لَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ والأربعة إلا التِّرْمِذِيَّ وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ (٢). (١٠٦٧) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). (١٠٦٨) وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا». رواه أبُوْ دَاوُدَ (٤). * * *

стр. 845

هذه الأحاديث اشتملت على جملة من أحكام اللقطة، وهي من متممات الباب. وفيها فوائد؛ منها: ١ - تحريم إيواء الضَّالة من غير تعريف، وهو أخذها، والضَّالة المال الضَّائع، وهي أخص بالحيوان، كما تقدم في حديث زيد بن خالد (١). ٢ - وجوب تعريف اللقطة. ٣ - أن من لم يعرف اللقطة فهو ضال، والضلال ضد الهدى، وفي الحديث جناس. وفي حديث عياض بن حمار ﵁: ١ - مشروعية الإشهاد على اللقطة شاهدين عدلين، والحكمة من ذلك أن لا تتعرض اللقطة للنسيان أو الكتمان. ٢ - اعتبار العدالة في الشهود. ٣ - أن الأصل في الشهادات الرجال. ٤ - وجوب حفظ صفات اللقطة، ومن ذلك معرفة وعائها ووكائها. ٥ - تحريم كتمان اللقطة أو تغييب شيء منها. ٦ - وجوب تعريفها سنة إن كان يطمع في العثور على صاحبها، وإلا تصدق بها. ٧ - وجوب دفع اللقطة لصاحبها متى جاء. ٨ - أن واجد اللقطة لا يتصرف فيها إلا بعد سنة. ٩ - حرمة أموال الناس.

стр. 846

١٠ - أن اللقطة بعد تعريفها سنة يكون لواجدها التصرف فيها تصرف المالك؛ لقوله: «وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». ١١ - إضافة المال إلى الله، وذلك من إضافة المملوك إلى مالكه، والمخلوق إلى خالقه. ١٢ - إثبات المشيئة لله تعالى. وفي حديث عبد الرحمن التيمي ﵁: ١ - النهي عن لقطة الحاج، فإن كان المراد لقطة الحرم فمعناه أنها لا تملك ولو بعد التعريف؛ لقوله ﷺ : «وَلا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» (١)، وإن كان المراد ما يسقط من الحاج مطلقًا فمعناه النهي عن التقاطه، أو عن تملكه كلقطة الحرم، والمعروف عند أهل العلم أن لقطة الحاج في غير الحرم كغيره. وفي حديث المقدام ﵁: ١ - تحريم كل ذي ناب من السباع. ٢ - تحريم الحمار الأهلي. ٣ - تحريم اللقطة من مال المعاهد إلا إن سمحت بها نفسه، ولقطة المعاهد كاللقطة من مال المسلم، من حيث تحريم الالتقاط، ووجوب التعريف، وجواز التصرف فيها بعد تعريفها سنة. * * * * *

стр. 847

بَابُ الفَرَائِضِ هذا الباب يترجم له بعض العلماء بكتاب الفرائض أو كتاب المواريث أو باب المواريث، والفرائض جمع فريضة، مأخوذ من قوله : ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧]. ومن قوله ﷺ : «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا» (١)، والمواريث جمع ميراث، وهو المال المنتقل من الميت إلى الحي، فالميت موروث أو مورِّث، والحي وارث، وقد عني العلماء بأحكام المواريث، فأفردوها بمصنفات مبسوطة ومختصرة وبنظم، ورتبوا أبوابها، ووضعوا القواعد لقسمة التركات، وضمَّنوا هذه المصنفات الحث على تعلم هذا العلم، والوصية بتعلمه، وذكروا ما ورد في فضله. * * * * * (١٠٦٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذا الحديث أصل في علم المواريث، وقد تضمَّن نوعي الإرث بالفرض والتعصيب إجمالًا. وفيه فوائد، منها: ١ - أن السنة تفسر القرآن. ٢ - أن من الأحكام ما ثبت بالسنة.

стр. 848

٣ - وجوب قسمة التركة على الوارثين؛ وذلك بعد الوصية والدين. ٤ - أن التركة ملك للورثة بحكم الشرع ملكًا قهريًا. ٥ - أن الإرث نوعان: فرض؛ وهو الإرث المقدر، وتعصيب؛ وهو الإرث بلا تقدير. ٦ - تقديم أصحاب الفروض، والفروض المقدرة في كتاب الله ستة: ثلثان وثلث وسدس، ونصف وربع وثمن: - فالثلثان لأربعة أصناف: للبنتين وبنتي الابن فأكثر والأختين الشقيقتين، والأختين لأب فأكثر. - والثلث لصنفين: للأم وللأخوين لأم فأكثر؛ ذكورًا أو إناثًا. - والسدس لسبعة أصناف: للأم، والأب، والجدّة مطلقًا، والجد من قبل الأب، والأخ أو الأخت لأم، وبنت الابن مع البنت، والأخت لأب مع الأخت الشقيقة. - والنصف لخمسة: للبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والزوج. - والربع لصنفين: للزوج، ولزوجة فأكثر. - والثمن لصنف واحد، وهو الزوجة فأكثر. وشروط استحقاقهم لهذه الفروض مبينة في كتب الفقه والفرائض. ٧ - أن المسائل التي فيها فروض تكون عادلة؛ وهي: ما استغرقت فروضُهَا سِهامَها، وعائلة؛ وهي: ما زادت فروضُها على سهامها، وناقصة؛ وهي: ما نقصت فروضُها عن سهامِها. مثال العادلة: نصف وثلث وسدس؛ كزوج وأم وأخ لأم.

стр. 849

مثال العائلة: نصف وثلثان وثلث وسدس؛ كزوج وأختين شقيقتين وأختين لأم، وأم. والناقصة: نصفٌ فقط، أو ثلثٌ فقط؛ كزوج وعم، وأم وعم. ٨ - تقديم العصبة بالقرابة على العصبة بالولاء، وهو المُعْتَقُ والمُعْتَقة. ٩ - ترتيب العصبة بالقرابة على ترتيبهم في القرب باعتبار الجهات: البنوة، فالأبوة، فالأخوة، فالعمومة. ١٠ - تقديم الأدنى إلى الميت من أهل هذه الجهات على الأبعد؛ كالابن مع ابن الابن، والأب مع الجد. ١١ - تقديم الأقوى قرابة؛ وهو المُدْلِي بأبَوَيْن على المُدْلِي بأب، وذلك في جهة الإخوة وبنيهم، وجهة العمومة وبنيهم، وهذا التفصيل في ترتيب العصبة مفهوم من قوله: «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»، والبنات وبنات الابن عصبة مع الابن وابن الابن، لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، والأخوات الشقيقات أو لأب؛ عصبة مع إخوتهن، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، والأخت الشقيقة أو لأب؛ عصبة مع البنات أو بنات الابن على الصحيح، لحديث ابن مسعود ﵁: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ في بِنْتٍ وَبِنْتِ ابنٍ وأختٍ؛ أنَّ للبنتِ النصفَ، ولبنتِ الابن السدسَ، وما بَقِيَ فللأُخْتِ (١). ١٢ - أن المُعصِّب يسقط إذا استغرقت الفروض التركة، وخُصَّ من هذا الأب والابن؛ فإنهما لا يسقطان. ١٣ - أن المعصِّبَ يأخذ ما أبقت الفروض. ١٤ - أن المعصِّبَ بنفسه يحوز جميع المال؛ إذا انفرد بالميراث عن أصحاب الفروض.

стр. 850

١٥ - أن القرابة من أسباب الإرث. ١٦ - أن الزوج لا يرث بالتعصيب. ١٧ - أن المرأة لا ترث بالتعصيب بنفسها إلا المُعْتِقَة. ١٨ - إطلاق اسم الرجل فيما يعم حكمُهُ الرجلَ والمرأةَ، ولهذا جاء تأكيد الرجل بالذكر لإخراج المرأة، ومن شواهد ذلك قوله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ … » (١)؛ فإن هذا الحكم لا يختص بالرجل، وهذا أحسن ما وُجِّه به إتباع الرجل بالذَّكَرِ؛ واختار معناه الحافظ ابن رجب ﵀ (٢). ١٩ - فضل الذَّكرِ على الأنثى. ٢٠ - تفضيل الذَّكرِ وتقديمه على الأنثى في الميراث في الجملة. ٢١ - اشتراك الرجال والنساء في الميراث؛ قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، خلافًا للجاهلية الأولى الذين يخصون بالميراث الكبار من الرجال، دون النساء والصغار، وخلافًا لبعض القوانين المعاصرة التي تخص بالميراث الأكبر من الأولاد، أو تبيح للمورِّث التصرف في ماله كيف شاء. ٢٢ - فيه شاهد لما اختص به النبي ﷺ من جوامع الكلم. ٢٣ - أن من كمال هذا الدين شموله لأمور العباد في حياتهم وبعد موتهم. ٢٤ - أن من مقاصد الشريعة الاشتراك في المال، وأحكام الميراث مبنية على هذا. تنبيه: ما رُسم من الفوائد المتعلقة بالفرض والتعصيب مبنيٌّ على قول الجمهور؛ أن المراد بالفرائض: المواريث المقدَّرة في كتاب الله، وأما على قول من فسر الفرائض بأنها كل ما نص الله عليه في القرآن من المواريث مقدرًا

стр. 851

كان أو غير مقدر، فيدخل في ذلك ميراث العصبة من البنين والبنات، والإخوة والأخوات، ويختص قوله في الحديث: «فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» بميراث أبناء الإخوة الأشقاء أو لأب، والعمومة وبنيهم، والمُعْتِقِ والمُعْتِقة. * * * * * (١٠٧٠) وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل في منع التوارث لاختلاف الدين. وفيه فوائد؛ منها: ١ - التضاد بين الإسلام والكفر. ٢ - قطع الولاية بين المسلم والكافر. ٣ - أن المسلم لا يرث الكافر. ٤ - أن الكافر لا يرث المسلم، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء في المسألتين، وقيل: إنه لا توارث بين المسلم والكافر إلا بالولاء، وقيل: يرث المسلم الكافر إلا الحربي، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، والصواب هو القول الأول؛ لموافقته ظاهر الحديث، وقوله: «لَا يَرِثُ» خبر بمعنى النهي. * * * * * (١٠٧١) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي بِنْتٍ، وَبِنْتِ ابْنٍ، وَأُخْتٍ؛ فقَضَى النَّبِيُّ ﷺ : لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ الابْنِ السُّدُسُ -تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ- وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣).

стр. 852

هذا الحديث هو الأصل في أن الأخوات الشقائق أو لأب عصبةٌ مع البنات أو بنات الابن، وسبب رواية ابن مسعود للحديث أن أبا موسى الأشعري ﵁ سئل عن بنت وابنة ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى رسول الله ﷺ ، وَفِي رِوَايَةٍ: لأقضين، للابنة النصف، ولابنة ابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت (١). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن للبنت النصف، وهو حكم ثابت بالقرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]. ٢ - أن لبنت الابن السدس مع البنت، وهو مستنبط من القرآن أيضًا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، ووجهه أن البنت إذا أخذت النصف بقي من نصيب البنتين أو البنات السدس، فتأخذه بنت الابن، سواء أكانت واحدة أم أكثر، وهو تكملة الثلثين. ٣ - أن للأخت أو الأخوات لأبوين أو لأب ما بقي بعد البنت وبنت الابن. وخالف في ذلك ابن حزم، مستدلا بحديث ابن عباس: «فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢)، والجواب أن هذا الحديث مخصص لحديث ابن عباس، ويؤيده أن الأخوات إذا انفردن عن المعصب ولم يكن فرع وارث فإنه يفرض لهن.

стр. 853

٤ - الحلف على الفتيا؛ لقول ابن مسعود: «لَأَقْضِيَنَّ»، أي: والله لأقضين. ٥ - أن من تابع غيره على الفتيا وهو مخطئ فهو ضال؛ لقول ابن مسعود في سبب رواية الحديث: «لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ». * * * * * (١٠٧٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (١)، وأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ أُسَامَةَ (٢)، وَرَوَى النَّسَائِيُّ حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ (٣). * * * هذا الحديث هو حجة من يرى أن الكفر ملل شتى، وأنه لا توارث بين أهل ملتين، وهذا قول الجمهور، فلا يرث اليهودي النصراني، وكذا عكسه، والملة هي الديانة، والذي يظهر أن الملل ست، وهي المذكورة في آية الحج في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]، فالوثنيون هم الذين أشركوا، فهم ملة واحدة، وعلى هذا فلا يرث اليهودي النصراني أو الوثني أو المجوسي ولا الصابئ، فضلا عن المسلم، ولا يرث المسلم أحدًا من هذه الطوائف الخمس. وقيل: الكفر ملة واحدة، وهو مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد، وعليه فتتوارث هذه الطوائف إلا الكافر والمسلم فلا يتوارثان؛ لحديث أسامة المتقدم. وعليه فمعنى «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» أي: ملة الإسلام وملة الكفر، وبهذا تظهر مزية الإسلام على سائر الملل، ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، فملة الكفر واحدة وإن

стр. 854

تعددت أسماؤها ومناهجها، وكلها ضد الإسلام، ومصير أهلها واحد، وهو نار جهنم، وبئس المصير. وبعد فمن قال: إن الكفر ملة واحدة يجعل حديث أسامة مفسِّرًا لحديث عبد الله بن عمرو، وهو الراجح؛ لما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. والله أعلم. * * * * * (١٠٧٣) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ، فَمَا لِيَ مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَالَ: «لَكَ السُّدُسُ»، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «لَكَ سُدُسٌ آخَرُ»، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ. فَقَالَ: «إِنَّ السُّدُسَ الْآخَرَ طُعْمَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ (١). * * * هذا الحديث أصل في توريث الجد من ابن ابنه بالفرض والتعصيب جميعًا، فيرث بالفرض السدس مع الفرع الوارث بنين أو بنات، ويرث بالتعصيب مع إرثه بالفرض ما بقي بعد البنات أو بنات الابن، إن لم يكن ورثة سواهن، فإن كانت واحدة فالباقي هو الثلث، وإن كنَّ اثنتين فأكثر فالباقي هو السدس. وحكم الرسول للرجل بالسدسين؛ الثاني: طعمة أي: ليس بفرض، يقتضي أن المتوفى -وهو ابن ابن الرجل- خلف مع الجد بنتين أو أكثر، أو بنتًا وأم، وفي كل من الصورتين يرث الجد السدس فرضًا، والباقي، وهو السدس تعصيبًا، وحكم الجد في هذا كله حكم الأب. * * * * *

стр. 855

(١٠٧٤) وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ. رواه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ الْجَارُودِ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل في ميراث الجدة، والجدة الوارثة هي أم الأم عند عدم الأم، وكذا ترث أمُّ الأب منفردة أو مشاركة لأم الأم، واختلف العلماء فيمن يرث من الجدات، فقيل: ترث أم الأم وأم الأب دون أم الجد، وقيل: ترث أم الجد، فتكون الجدات الوارثات ثلاثا، يشتركن في السدس إذا استوين في الدرجة، كأم أم أم مع أم أم أب وأم الجد. ولا ترث أم أم بعدى مع أم أم قربى. وقد توقف الصديق ﵁ في توريث الجدة حتى شهد عنده المغيرة؛ أن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس (٢). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الجدة ترث السدس عند عدم الأم. ٢ - أن الجدات إذا تعددن اشتركن في السدس. ٣ - أن الجدة لا ترث الثلث؛ فليست كالأم. * * * * *

стр. 856

(١٠٧٥) وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى التِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (١). (١٠٧٦) وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: كَتَبَ مَعِي عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ﵃؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ والأربعة سوى أَبِي دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (٢). * * * هذان الحديثان هما من أدلة توريث ذوي الأرحام، وذوو الأرحام في اصطلاح الفرضيين كل من أدلى إلى الميت بوارث، وليس بذي فرض ولا تعصيب، واختلف العلماء في توريث ذوي الأرحام؛ فذهب الجمهور إلى توريثهم إذا لم يكن هناك صاحب فرض ولا تعصيب، ثم اختلفوا في كيفية توريثهم، والمشهور في مذهب الشافعي والإمام أحمد تنزيلهم منزلة من أدلوا به، فيأخذ نصيبه؛ كأولاد البنت، وكالخال والخالة والعمة، وبنات الأخ والأخت، وبنت العم. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن الخال يرث من لا وارث له من ذوي الفروض والتعصيب، وهو أخو الأم والجدة. ٢ - أن ظاهر الحديث استقلال الخال بالإرث، فيحوز جميع المال، والجمهور يلحقون به سائر ذوي الأرحام.

стр. 857

٣ - أن الله ورسوله أولى بالمؤمنين، فالله ولي المؤمنين، والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. ٤ - أن من لا وارث له فماله لبيت المال. * * * * * (١٠٧٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ». رواه أبُوْ دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (١). * * * هذا الحديث دليل على أن الحمل يرث، لكن بشرطين: ١. ما ذكر في هذا الحديث، وهو أن يستهل عند ولادته، وهو صرخته، ولذا قال الفقهاء: أن يستهل صارخا، والاستهلال من الإهلال، وهو رفع الصوت. ٢. تحقق وجوده في الرحم عند موت المورث، وذلك بأن يولد لأقل من ستة أشهر، منذ موت المورث. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الحمل يرث. ٢ - أن الحمل لا يرث إلا إذا استهل صارخًا عند ولادته. ٣ - رعاية الشريعة لحقوق الإنسان، ولو كان في بطن أمه. ٤ - أن من كمال الشريعة شمول أحكامها لجميع أحوال الإنسان: حملًا وطفلًا، وما بعد ذلك: حيًا وميتًا. * * * * *

стр. 858

(١٠٧٨) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ، وَالصَّوَابُ: وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَ (١). * * * هذا الحديث هو دليل حرمان القاتل من الميراث، والقتل أنواع: قتل عمد، وشبه عمد، أو خطأ، والعمد قد يكون بحق؛ كالقتل قصاصًا أو حدًّا وغير ذلك، وللعلماء في هذا المقام ثلاثة مذاهب: أحدها: العمل بظاهر الحديث في عمومه وإطلاقه، فمنع القاتل من الميراث، سواء أكان عمدًا أم غير عمد، بحق أو بغير حق، وهذا مذهب الشافعية. الثاني: أن القتل الذي يمنع من الميراث ما أوجب قصاصًا أو دية أو كفارة، فيدخل في ذلك قتل الخطأ وشبه العمد والقتل عمدًا عدوانًا، وأما القتل بحق فلا يمنع من الميراث، كمن اقتص من ابن عمه، وهو وارثه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. الثالث: أن القتل لا يمنع من الميراث إلا إذا كان عمدًا عدوانًا، ورجح ذلك ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٢)، وهذا أقرب الأقوال، ولا ريب أن من قتل مورِّثه عمدًا عدوانًا أنه حقيق بحرمانه من ميراث مورِّثه، معاملة له بنقيض قصده، وعقوبة له على عدوانه. والغاية -والله أعلم - من هذا الحكم منع التذرع إلى الميراث بقتل المورِّث، لكن من العلماء من بالغ في ذلك، كما في القول الأول، ومنهم من توسط، كما في القول الثاني، ومنهم من قصر الحكم على الظالم المعتدي بالقتل.

стр. 859

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن القتل يمنع من الميراث، وفيه الخلاف والتفصيل المتقدم. ٢ - فيه شاهد لقاعدة سد الذرائع. ٣ - فيه شاهد لقولهم: من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. ٤ - حكمة الشريعة؛ فبناء أحكامها على جلب المصالح ودرء المفاسد. * * * * * (١٠٧٩) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ أَوْ الْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وصَحَّحَهُ ابْنُ المدِينِيِّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (١). * * * الحديث دليل على الإرث بالتعصيب، ولكنه مقيد بما في «الصَّحِيحَيْنِ» عن ابن عباس: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢)، فقوله في الحديث: «لِعَصَبَتِهِ» أي بعد إعطاء أصحاب الفروض فروضهم، وقوله: «مَا أَحْرَز» أي ما ملك وكسب، والعاصب كل من كان إرثه غير مقدر بسهم؛ كالنصف والربع والسدس. وقوله: «مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ أَوْ الْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ» أي إذا مات، والولد إن كان ابنا فإنه يعصب أباه، والبنت مع الابن عصبة، والأب يعصب في بعض الأحوال، وقد لا يرث إلا بالفرض، وقد يرث بالفرض والتعصيب. وتفصيل ذلك في علم الفرائض. * * * * *

стр. 860

(١٠٨٠) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَعَلَّهُ الْبَيْهَقِيُّ (١). * * * الحديث دليل على الإرث بالولاء، والولاء علاقة سببها إنعام السيد على عبده بالعتق، وقوله: «لُحْمَةٌ» أي علاقة وصلة، والنسب هو العلاقة التي سببها الولادة، وفي هذا تشبيه الولاء بالنسب. ووجه الشبه التشابه بينهما في الأحكام؛ فكل منهما لا يوهب ولا يورث، وكل منهما يوجب الميراث في الجملة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - إثبات الولاء بين المعتِق والمعتَق. ٢ - الإرث بالولاء، وقد ذهب الجمهور إلى أن الإرث بالولاء يكون من جانب السيد فقط، ولا يرث به المعتَق، وقيل: بل يتوارثان عند عدم من يرثهما بفرض أو تعصيب. ٣ - أن الولاء لا يباع ولا يوهب، وكذلك لا يورث. ٤ - أن النسب لا يباع ولا يوهب. ٥ - أن العتق سبب للانتفاع في الدنيا والآخرة. * * * * *

стр. 861

(١٠٨١) وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ (١). * * * هذا طرف من حديث تضمن تفضيل عدد من الصحابة لفضلهم على غيرهم في خلق من الأخلاق وعلم من علوم الشريعة، ونصه: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي دِينِ اللهُ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ» واقتصر الحافظ منه على ما يناسب الباب، ومعنى «أَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ» أي أعلمكم بالفرائض، والمراد فرائض المواريث لا كل فرائض الدين، وقد اشتهر زيد ﵁ بهذا العلم، مما يقوي الحديث من جهة معناه، ولا يلزم من فضل زيد ﵁ في الفرائض أن يكون الصواب معه في كل المسائل التي خولف فيها. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل زيد ﵁. ٢ - تفاضل الصحابة ﵃. ٣ - تميز بعض الصحابة على بعض ببعض علوم الدين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ٤ - أن علم الفرائض من أفضل علوم الشريعة. ٥ - الترغيب في تعلم علم المواريث. * * * * *

стр. 862

بَابُ الوَصَايَا الوصايا: جمع وصيَّة، كهدايا جمع هديَّة، والوصيَّة هي العهد المؤكد بالأمر، وهي تتعلق بالموصي والموصى به والموصى إليه، والموصى له هو الوصي، ويقال للموصى به: وصية، وأصلها مصدر وصَّى يوصِّي توصية ووصيَّة. والوصية في الاصطلاح هي: تبرع الإنسان بمال بعد موته. * * * * * (١٠٨٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في حكم الوصية، وقد دل على جوازها الكتاب والسنة والإجماع، وتجري فيها الأحكام الخمسة؛ فتجب بوفاء الديون، وتستحب في صدقة التطوع، وتحرم الوصية لوارث أو بأكثر من الثلث، وتُكره من الفقير الذي له وارث، وتباح لصديق، وقوله في الحديث: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» إلخ أي: ليس من حقه ولا يباح له أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده، وهذا في الوصية الواجبة، و «مَا» في الحديث نافية، و «حَقُّ» مبتدأ، و «لَهُ شَيْءٌ» في موضع جر صفة لمسلم، وجملة «يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ» في موضع جر صفة لشيء، و «يَبِيتُ» تامة و «لَيْلَتَيْنِ» ظرف، وجملة «يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ» خبر، وجملة «إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ» حال، والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال، أي يبيت ليلتين في أي حال من الأحوال إلا ووصيته مكتوبة.

стр. 863

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية المبادرة إلى الوصية فيما تجب فيه وتستحب. ٢ - التنبيه إلى قصر الأمل. ٣ - أن المبادرة إلى الوصية من موجَبات الإسلام. ٤ - التوسعة في تأخير الوصية ليلة، وجاء في رواية مسلم: «ثَلَاثَ لَيَالٍ»، فتكون التوسعة بليلتين. ٥ - أنه لا ينبغي تأخير الوصية ثلاث ليال فأكثر. ٦ - مشروعية كتابة الوصية. ٧ - الاعتماد على الخط المعروف في الوصية. ٨ - إظهار الوصية بجعل كتاب الوصية قريبًا منه حتى لا يحتاج إلى البحث عنها، يؤيده ما جاء في الرواية الأخرى: «وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ». ٩ - أن من محاسن الإسلام تعظيم حقوق العباد. * * * * * (١٠٨٣) وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * *

стр. 864

هذا طرف من حديث طويل، وفيه أن النبي ﷺ عاد سعدًا ﵁ في مرضه، وهو بمكة في حجة الوداع، فسأل سعدٌ هذا السؤال، والحديث أصل في مقدار الوصية من المال. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية عيادة المريض، وهي من حق المسلم على المسلم. ٢ - أن من هديه ﷺ عيادة من مرض من أصحابه، بل عيادة الكافر لدعوته إلى الإسلام. ٣ - جواز الوصية ببعض المال بعد الموت. ٤ - جواز الوصية بالثلث فأقل. ٥ - تحريم الوصية بأكثر من ذلك. ٦ - أن سعدًا ﵁ كان من أغنياء الصحابة. ٧ - أن سعدًا حين سؤاله النبي ﷺ لم يكن له إلا ابنة واحدة، وقد رزق بعد ذلك بأولاد كثيرين بنين وبنات. ٨ - استحباب مراعاة حال الورثة في الوصية؛ فإن كانوا أغنياء استحبت الوصية، ولا تزيد على الثلث، وإن كانوا فقراء استحب الغض من الثلث إلى الربع والخمس أو ترك الوصية، سواء أكان الورثة الأولاد أم غيرهم، ويؤجر على ذلك إن كانت له نية. ٩ - أن الغنى قد يراد به حصول الكفاية، وقد يراد به ملك النصاب؛ لقوله ﷺ : «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (١). ١٠ - أن الغنى خير من الفقر الذي يلجئ للسؤال.

стр. 865

١١ - أن على السائل أن يوضح الحال للمفتي حتى لا يحتاج إلى الاستفصال فيما يختلف فيه الحكم. ١٢ - إجراء الأمور على ظاهر الحال؛ لقوله: «أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ». ١٣ - أن من فوائد عيادة المريض نصيحته وإرشاده. ١٤ - جواز تصرف المريض في الجملة. ١٥ - مشروعية السؤال عما يشكل من مسائل الدين. ١٦ - حسن تعليم النبي ﷺ ؛ لأنه قال: «وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، ثم علله بقوله: «أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ»، إلخ. ١٧ - فضل سعد بن أبي وقاص ﵁ لعيادة النبي ﷺ له، وسؤال سعد النبي ﷺ عن صدقته، وبشارة النبي ﷺ له بقوله: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ». ١٨ - فيه من فوائد العربية جواز حذف الفاء مع المبتدأ من الجملة الاسمية الواقعة في جواب الشرط؛ لقوله: «خَيْرٌ»، والتقدير: فهو خير، وذلك على رواية: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ» بكسر همزة (إنَّ). * * * * * (١٠٨٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). * * *

стр. 866

هذا الحديث أصل في وصول ثواب الصدقة عن الميت، فهو من أدلة مسألة انتفاع الأموات بسعي الأحياء، فيكون الحديث مخصصًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وقد يقال: إن انتفاع الإنسان بمال غيره أو عمله أوسع من استحقاقه وملكه، فلا يكون هناك تخصيص، وعليه فلا يكون في الآية تخصيص. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب الصدقة عن الوالدين. ٢ - أن أجر الصدقة عن الميت للميت، وللمتصدِّق عنه أجر الإحسان. ٣ - أن الوصية لا تثبت بمجرد النية، وإنما تثبت بالكلام. ٤ - أن التسويف في العمل الصالح سبب للفوت. ٥ - العمل بالظن المستند إلى دليل. ٦ - مشروعية الإشهاد على الصدقة الجارية؛ لقول الرجل -وهو سعد بن عبادة - في بعض روايات الحديث للنبي ﷺ : «أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا» (١). ٧ - فضيلة سعد بن عبادة لبره بأمه. ٨ - الذي ذكر أنه سعد هو ابن عبد البر، كما في الفتح. * * * * *

стр. 867

(١٠٨٥) وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسَّنَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (١). (١٠٨٦) وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَزَادَ فِي آخِرِه: «إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الوَرَثَةُ» (٢)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. * * * هذا الحديث أصل في تحريم الوصية لوارث، وقد استُدل به على نسخ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]. والصواب أن الناسخ لآية البقرة آيات المواريث، والحديث مبين لذلك، وقال بعض العلماء: إن آية البقرة محكمة، لكن آيات المواريث مخصصة لها، والسلف يسمون التخصيص نسخًا. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الله هو المعطي وحده، كما في الحديث: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَاللهُ يُعْطِي» (٣)، والعطاء من الله كوني وشرعي، والمذكور في الحديث هو الشرعي. ٢ - وجوب الرضا بقسمة الله للمواريث. ٣ - تحريم الوصية للوارث. ٤ - أن الوصية للوارث باطلة. ٥ - جواز إمضائها إذا رضي الباقون من الورثة.

стр. 868

٦ - أن الذي تحرم الوصية له هو الوارث بالفعل بعد الموت، فمن أوصى لغير وارث ثم صار وارثًا بطلت الوصية له، ومن أوصى لوارث ثم صار عند الموت غير وارث فيحتمل أن تصح له الوصية. ٧ - جواز الوصية لغير الوارث، وإن كان من الأقارب. * * * * * (١٠٨٧) وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ؛ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (١). (١٠٨٨) وأَخْرَجَهُ أحمَدُ، والبَزّارُ؛ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ (٢). (١٠٨٩) وَابْنُ مَاجَهْ؛ مِنْ حَدِيْثِ أبي هُرَيْرَة (٣)، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ قَدْ يَقْوَى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. * * * هذا الحديث يشهد لصحة معناه حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم، فلو ضم إليه لكان أنسب في الترتيب، ومعنى: «تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ» أي: أباح لكم التصدق بثلث أموالكم وصية بعد الموت. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز الوصية بثلث فأقل. ٢ - أن الإنسان يثاب على التبرع بعد الموت. ٣ - أنه ليس للإنسان أن يوصي بأكثر من الثلث، ووجهه أن المقام مقام الامتنان، فلو كان يجوز بأكثر من الثلث لذكره. ٤ - أن جواز الوصية بالثلث فضلٌ من الله تعالى.

стр. 869

٥ - أن الوصية بالثلث لا تجوز إلا فيما هو قربة؛ لقوله: «زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ»، فمن جعل وصيته فيما لا ينفعه في الآخرة من مباح أو حرام وجب صرفها إلى ما هو قربة. ٦ - أن الإنسان ليس حرًّا في ماله يتصرف فيه كيف شاء، بل بإذنه تعالى. ٧ - حاجة العبد إلى زيادة حسناته. ٨ - نسبة التصدق إلى الله، وهو مختص بالعطاء الشرعي، فيشمل معناه جميع الرخص؛ كالقصر والفطر في السفر. * * * * *

стр. 870

بَابُ الوَدِيعَةِ (١٠٩٠) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١). * * * الوديعة: فعيلة بمعنى مفعولة، من الإيداع بمعنى الائتمان، وهي نوع من الأمانة، وهي مختصة بما يُدفع للإنسان لحفظه، بأجرة أو بغير أجرة، وفي حكم الوديعة كل ما أذن للإنسان التصرف فيه من مال غيره، أو كانت له ولاية عليه، والحديث وإن كان ضعيفًا فمعناه مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهو أنه لا ضمان على المودَع إذا تلفت الوديعة إلا أن يتعدى أو يفرط، والتعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب عليه. وكذلك كل أمانة إلا العارية، فقد اختلف في وجوب الضمان فيها، والصحيح وجوبه بالشرط. والله أعلم. * * * * *

стр. 871

كِتَابُ النِّكَاحِ

стр. 872

لما كان المال وسيلة إلى النكاح ذكر الفقهاء أحكامه أولًا من كتاب البيع إلى الوديعة، فذكر كتاب النكاح بعد ذلك من ذكر الغاية بعد الوسيلة، وأصل النكاح في اللغة الضم والجمع، ويطلق النكاح في اللغة على الوطء وعلى العقد، ثم قيل: هو حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وقيل بالعكس، وقيل: هو حقيقة فيهما، والأمر في هذا سهل، وكل ما جاء من ذكر النكاح في القرآن فالمراد به العقد إلا قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، قيل: المراد به الوطء؛ لدلالة السنة على ذلك، لقوله ﷺ : «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (١)، وقد يقال: المراد به في الآية العقد، والسنة قد دلت على اشتراط الوطء في حل المطلقة البائن لزوجها الأول. والنكاح في الشرع عقد الزوجية الصحيح، وهو شريعة إلاهية وسنة كونية، جعلها الله سببًا في بقاء النوع البشري، وأهم مقاصد النكاح تحصين الفرج وغض البصر وتحصيل الذرية، والنكاح تجري فيه الأحكام الخمسة الوجوب والاستحباب والتحريم والكراهة والإباحة، ويأتي تفصيلها. * * * * * (١٠٩١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * *

стр. 873

هذا الحديث أصل في مشروعية النكاح، ويدل له من القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تخصيص بعض المكلفين بالوصية بأمرٍ لمناسبة يختص بها، والمعشر الطائفة الذين يشتركون في وصف. ٢ - مشروعية النكاح لمن يحتاج إليه. ٣ - تأكد استحبابه أو وجوبه على الشباب لقوة الداعي عندهم، والشباب جمع شاب، وهو من حين البلوغ إلى سن الثلاثين، وقيل غير ذلك. ٤ - تقييد الأمر بالزواج بالاستطاعة، وهي القدرة على الباءة، والباءة فسرت بالقدرة على النكاح، والقدرة على كلف الزواج، والمعنى الثاني أظهر. ٥ - أن النكاح سبب لحفظ الفرج والبصر. ٦ - أن النكاح لا يعصم من الوقوع في الحرام، لكنه يعين على اجتنابه، فلا بد من مراقبة الله. ٧ - مشروعية الصوم لمن لم يستطع النكاح؛ لأن الصوم يكسر شهوته، كما يكسرها رضُّ الخصيتين، وهو الوجاء، وقطعهما هو الخصاء. ٨ - أنه لا يشرع لمن لم يستطع النكاح أن يقترض، ولا تباح له العادة السرية. ٩ - حسن تعليمه ﷺ وبيانه، ويظهر ذلك في الحديث من أمور: أ. تخصيص الشباب بالخطاب. ب. تعليل الحكم؛ لقوله: «فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ»، وقوله: «فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». ج. استعماله ﷺ التشبيه. د. ذكر ما يعوض عن المطلوب إذا تعذر. * * * * *

стр. 874

(١٠٩٢) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في الاقتصاد في العبادة، وهو ما تضمنه هديه ﷺ ، ولهذا الحديث سبب، وهو أن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فقام النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، الحديث، والمصنف اختصر القصة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - حرص الصحابة على الخير. ٢ - أنه ليس كل مريد للخير يصيبه. ٣ - أن أزواج النبي ﷺ أعلم بهديه في أحواله وعبادته في البيت. ٤ - مشروعية الخطبة لإنكار المنكر. ٥ - افتتاح الخطبة بحمد الله والثناء عليه. ٦ - أن من هديه ﷺ قوله في الخطبة: «أما بعد». ٧ - إبهام من يراد الإنكار عليه في الخطبة. ٨ - أن النكاح سنة، وهو من دأب المرسلين. ٩ - تحريم التبتل، وهو ترك النكاح مبالغة في العبادة. ١٠ - إباحة أكل اللحم. ١١ - النهي عن تحريم الإنسان الحلال على نفسه، ويدل لذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾

стр. 875

[المائدة: ٨٧]، أما تحريم الحلال مطلقًا على كل أحد فهو تغيير لشرع الله، وهو من أنواع الكفر. ١٢ - بناء الشريعة على الاعتدال والتيسير في العبادة والأحكام. ١٣ - أن من ترك سنته ﷺ رغبة عنها وتفضيلًا لغيرها، فالرسول بريء منه. ١٤ - أنه ليس من السنة قيام الليل كله دائمًا، ولا الصيام دائمًا. * * * * * (١٠٩٣) وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (١). (١٠٩٤) وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ -أَيْضًا- مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ (٢). * * * هذا الحديث قد تضمن معناه الحديثان المتقدمان، فقوله: «يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ» أي: يأمر بالنكاح، وهو معنى حديث: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ» (٣)، وقوله: «وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ» أي: عن ترك النكاح على وجه التعبد، وقد تضمن معنى هذا النهيِ قوله ﷺ : «وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (٤). وقد تقدم ذكر فوائد الحديثين. ومنها: ١ - الترغيب في النكاح. ٢ - تحريم التبتل.

стр. 876

وأما قوله ﷺ في الحديث: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ففيه فوائد؛ منها: ٣ - الترغيب في نكاح المرأة الودود، أي المتوددة لزوجها، ويعرف ذلك بما يذكر عنها وعن أهلها أو قريباتها. ٤ - أن تودد المرأة لزوجها مما يجلب السعادة لهما ودوام العشرة، مما يحقق الغاية من النكاح من التحصين وتحصيل الذرية. ٥ - الترغيب في نكاح الولود، وهي كثيرة الولادة، كما تفيده صيغة المبالغة، ويعرف ذلك بماضيها إن كانت ثيبا، وبقراباتها إن كانت بكرًا. ٦ - الحكمة من الترغيب في كثرة النسل، وهي تكثير أتباع النبي ﷺ . ٧ - أن الذرية الصالحة هي مطلب عباد الله الصالحين، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤]. ٨ - أن ما يطلب من الرجل في هذا الحديث يطلب من المرأة، أي بأن تختار الرجل الصالح الودود المنجب، أي غير العقيم؛ لأن تكثير الأمة لا يحصل إلا بمراعاة أسبابه من الرجل والمرأة. ٩ - أن التسبب لكثرة أتباع النبي ﷺ بكثرة النسل مع حسن التربية أو بالدعوة إلى الله هو مما يحبه النبي ﷺ ويؤجر عليه العبد. ١٠ - أن النبي ﷺ أكثر الأنبياء تابعًا؛ لكثرة من آمن به في حياته، وبعد وفاته إلى قيام الساعة؛ حيث لا نبي بعده ﷺ ، كما يشهد لذلك حديث عرض الأمم على النبي ﷺ (١). ١١ - تفاضل الأنبياء في الأتباع، وظهورُ فضل النبي ﷺ عليهم يوم القيامة. ١٢ - أن الأوامر والنواهي تتفاضل؛ لقوله: «نَهْيًا شَدِيدًا»، ويشهد لذلك قول أم عطية: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» (٢). * * * * *

стр. 877

(١٠٩٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقِيَّةِ السَّبْعَةِ (١). * * * هذا الحديث خبر من النبي ﷺ عن صفات المرأة الداعية إلى نكاحها في عادة الناس، وليس المراد ذكر الغايات الشرعية من صفات المرأة إلا الدين. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من أهم صفات المرأة الداعية إلى نكاحها هذه الخصال الأربع. ٢ - أن أهم هذه الخصال عند أكثر الناس المال. ٣ - أن من الناس من يفضل الحسب، وهو شرف بيت المرأة، وكرم أرومتها. ٤ - أن من الناس من يفضل في المرأة جمالها. ٥ - أن ذات الدين -أي المرأة الصالحة- هي المفضلة في الشرع. ٦ - أنه إذا تيسر اجتماع بعض الصفات المتقدمة أو كلها مع الدين كان ذلك خيرًا إلى خير. ٧ - جواز الدعاء غير المقصود على المخاطب لتأكيد الأمر أو النهي؛ لقوله: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ». أي لصقت بالتراب، ولا نالت شيئًا، ونظيره قوله ﷺ لمعاذ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ» (٢)، وقوله لصفية: «عَقْرَى حَلْقَى» (٣).

стр. 878

٨ - أن من حسن البيان والتعليم الإجمال ثم التفصيل. * * * * * (١٠٩٦) وَعَنْهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (١). * * * هذا الحديث أصل في تهنئة حديث العهد بالعرس، والدعاءِ له، وهذا هو المراد بقوله: «إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ»، وكان أهل الجاهلية يقولون لحديث العهد بالزواج: بالرِّفاء والبنين، أي ظفرت بالالتئام وجمع الشمل من رفَأَ الثوب، فأغنى الله المسلمين عن الترفئة الجاهلية بالترفئة النبوية، كما أغناهم عن تحية الجاهلية: عم صباحًا بتحية الإسلام: السلام عليكم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من هديه ﷺ ترفئة حديث العهد بالزواج. ٢ - استحباب الدعاء للمتزوج، وإن لم يدخل بزوجته. ٣ - استحباب هذا الدعاء النبوي. ٤ - أن الدعاء يكون بصيغة الخبر. ٥ - أن هذا الدعاء من جوامع الكلم. ٦ - الدعاء للزوجين وإن كان المخاطب أحدهما. ٧ - تضمن الدعاء ثلاثة أمور:

стр. 879

أ. حصول البركة للزوجين في عرسهما، وهذا يتضمن أن يكون العرس سببًا لخير كثير لهما في الدين والدنيا. ب. حلول البركة على كل من الزوجين حتى يكون كل منهما مباركًا على صاحبه. ج. اجتماعهما في خير من الله تعالى. * * * * * (١٠٩٧) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث تضمَّن أصحَّ ما ورد عن النبي ﷺ من ألفاظ الحمد والثناء في الخطبة؛ فإن أكثر ما ينقل عن النبي ﷺ أنه خطب فحمد الله وأثنى عليه، ولعل ما ذكر في هذا الحديث تفسير لما أجمل في غيره، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم من حديث ابن عباس في قصة ضماد بلفظ قريب مما هنا (٢)، وتسمى هذه الخطبة: خطبة الحاجة، كما قال ابن مسعود، ويدل على عظم شأنها أن النبي ﷺ كان يعلمها أصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن. ومن أهم الحاجات عقد النكاح؛ لأنه ليس كسائر العقود؛ إذ تبنى عليه أهم علاقة بين إنسانين، فعلى هذا العقد ينبني وجود الأسرة اللبنة الأولى للمجتمع،

стр. 880

وقد نوَّه الله بأول نكاح نشأت عنه البشرية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: ١] ونوَّه كذلك بإنعامه على عباده بنوع هذه العلاقة فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. ولذلك درج العلماء على قراءة هذه الخطبة عند عقد النكاح وقراءة الآيات، ولهذا ذكر الحافظ هذا الحديث في كتاب النكاح، وقد سبقه إلى هذا بعض المصنفين في السنة، ويدل على عظم شأن هذه الخطبة أنها تضمنت أنواع التوحيد والشهادتين والإيمان بالقدر. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تعليم النبي ﷺ أصحابه كل ما فيه صلاح دينهم ودنياهم. ٢ - تسمية الشيء بأهم ما تضمنه؛ لقوله: «عَلَّمَنَا التَّشَهُّدَ». ٣ - فضل هذه الخطبة. ٤ - استحباب قراءتها عند عقد النكاح، وعند التحدث في كل أمر له شأن. ٥ - استحباب قراءة الآيات الثلاث بعد الخطبة، وهي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية [النساء: ١]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] الآية. وفي الخطبة فوائد؛ منها: ١ - إثبات الحمد كله لله، وهو يتضمن إثبات جميع صفات الكمال. ٢ - استحباب حمد العبد لربه واستعانته واستغفاره واستعاذته به. ٣ - الاستعاذة بالله من شر النفس وسيء العمل.
следующие страницы →