← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وأما قوله ﷺ في الحديث: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ففيه فوائد؛ منها: ٣ - الترغيب في نكاح المرأة الودود، أي المتوددة لزوجها، ويعرف ذلك بما يذكر عنها وعن أهلها أو قريباتها. ٤ - أن تودد المرأة لزوجها مما يجلب السعادة لهما ودوام العشرة، مما يحقق الغاية من النكاح من التحصين وتحصيل الذرية. ٥ - الترغيب في نكاح الولود، وهي كثيرة الولادة، كما تفيده صيغة المبالغة، ويعرف ذلك بماضيها إن كانت ثيبا، وبقراباتها إن كانت بكرًا. ٦ - الحكمة من الترغيب في كثرة النسل، وهي تكثير أتباع النبي ﷺ . ٧ - أن الذرية الصالحة هي مطلب عباد الله الصالحين، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤]. ٨ - أن ما يطلب من الرجل في هذا الحديث يطلب من المرأة، أي بأن تختار الرجل الصالح الودود المنجب، أي غير العقيم؛ لأن تكثير الأمة لا يحصل إلا بمراعاة أسبابه من الرجل والمرأة. ٩ - أن التسبب لكثرة أتباع النبي ﷺ بكثرة النسل مع حسن التربية أو بالدعوة إلى الله هو مما يحبه النبي ﷺ ويؤجر عليه العبد. ١٠ - أن النبي ﷺ أكثر الأنبياء تابعًا؛ لكثرة من آمن به في حياته، وبعد وفاته إلى قيام الساعة؛ حيث لا نبي بعده ﷺ ، كما يشهد لذلك حديث عرض الأمم على النبي ﷺ (١). ١١ - تفاضل الأنبياء في الأتباع، وظهورُ فضل النبي ﷺ عليهم يوم القيامة. ١٢ - أن الأوامر والنواهي تتفاضل؛ لقوله: «نَهْيًا شَدِيدًا»، ويشهد لذلك قول أم عطية: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» (٢). * * * * *

стр. 877

(١٠٩٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ بَقِيَّةِ السَّبْعَةِ (١). * * * هذا الحديث خبر من النبي ﷺ عن صفات المرأة الداعية إلى نكاحها في عادة الناس، وليس المراد ذكر الغايات الشرعية من صفات المرأة إلا الدين. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من أهم صفات المرأة الداعية إلى نكاحها هذه الخصال الأربع. ٢ - أن أهم هذه الخصال عند أكثر الناس المال. ٣ - أن من الناس من يفضل الحسب، وهو شرف بيت المرأة، وكرم أرومتها. ٤ - أن من الناس من يفضل في المرأة جمالها. ٥ - أن ذات الدين -أي المرأة الصالحة- هي المفضلة في الشرع. ٦ - أنه إذا تيسر اجتماع بعض الصفات المتقدمة أو كلها مع الدين كان ذلك خيرًا إلى خير. ٧ - جواز الدعاء غير المقصود على المخاطب لتأكيد الأمر أو النهي؛ لقوله: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ». أي لصقت بالتراب، ولا نالت شيئًا، ونظيره قوله ﷺ لمعاذ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ» (٢)، وقوله لصفية: «عَقْرَى حَلْقَى» (٣).

стр. 878

٨ - أن من حسن البيان والتعليم الإجمال ثم التفصيل. * * * * * (١٠٩٦) وَعَنْهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ قَالَ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، والأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (١). * * * هذا الحديث أصل في تهنئة حديث العهد بالعرس، والدعاءِ له، وهذا هو المراد بقوله: «إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّجَ»، وكان أهل الجاهلية يقولون لحديث العهد بالزواج: بالرِّفاء والبنين، أي ظفرت بالالتئام وجمع الشمل من رفَأَ الثوب، فأغنى الله المسلمين عن الترفئة الجاهلية بالترفئة النبوية، كما أغناهم عن تحية الجاهلية: عم صباحًا بتحية الإسلام: السلام عليكم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من هديه ﷺ ترفئة حديث العهد بالزواج. ٢ - استحباب الدعاء للمتزوج، وإن لم يدخل بزوجته. ٣ - استحباب هذا الدعاء النبوي. ٤ - أن الدعاء يكون بصيغة الخبر. ٥ - أن هذا الدعاء من جوامع الكلم. ٦ - الدعاء للزوجين وإن كان المخاطب أحدهما. ٧ - تضمن الدعاء ثلاثة أمور:

стр. 879

أ. حصول البركة للزوجين في عرسهما، وهذا يتضمن أن يكون العرس سببًا لخير كثير لهما في الدين والدنيا. ب. حلول البركة على كل من الزوجين حتى يكون كل منهما مباركًا على صاحبه. ج. اجتماعهما في خير من الله تعالى. * * * * * (١٠٩٧) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ والأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث تضمَّن أصحَّ ما ورد عن النبي ﷺ من ألفاظ الحمد والثناء في الخطبة؛ فإن أكثر ما ينقل عن النبي ﷺ أنه خطب فحمد الله وأثنى عليه، ولعل ما ذكر في هذا الحديث تفسير لما أجمل في غيره، ويؤيد ذلك ما رواه مسلم من حديث ابن عباس في قصة ضماد بلفظ قريب مما هنا (٢)، وتسمى هذه الخطبة: خطبة الحاجة، كما قال ابن مسعود، ويدل على عظم شأنها أن النبي ﷺ كان يعلمها أصحابه كما يعلمهم السورة من القرآن. ومن أهم الحاجات عقد النكاح؛ لأنه ليس كسائر العقود؛ إذ تبنى عليه أهم علاقة بين إنسانين، فعلى هذا العقد ينبني وجود الأسرة اللبنة الأولى للمجتمع،

стр. 880

وقد نوَّه الله بأول نكاح نشأت عنه البشرية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [النساء: ١] ونوَّه كذلك بإنعامه على عباده بنوع هذه العلاقة فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. ولذلك درج العلماء على قراءة هذه الخطبة عند عقد النكاح وقراءة الآيات، ولهذا ذكر الحافظ هذا الحديث في كتاب النكاح، وقد سبقه إلى هذا بعض المصنفين في السنة، ويدل على عظم شأن هذه الخطبة أنها تضمنت أنواع التوحيد والشهادتين والإيمان بالقدر. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تعليم النبي ﷺ أصحابه كل ما فيه صلاح دينهم ودنياهم. ٢ - تسمية الشيء بأهم ما تضمنه؛ لقوله: «عَلَّمَنَا التَّشَهُّدَ». ٣ - فضل هذه الخطبة. ٤ - استحباب قراءتها عند عقد النكاح، وعند التحدث في كل أمر له شأن. ٥ - استحباب قراءة الآيات الثلاث بعد الخطبة، وهي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية [النساء: ١]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] الآية. وفي الخطبة فوائد؛ منها: ١ - إثبات الحمد كله لله، وهو يتضمن إثبات جميع صفات الكمال. ٢ - استحباب حمد العبد لربه واستعانته واستغفاره واستعاذته به. ٣ - الاستعاذة بالله من شر النفس وسيء العمل.

стр. 881

٤ - أنهما أخطر شيء على الإنسان، قال فيهما ابن القيم: وَسَلِ العِيَاذَ مِنْ اثْنَتَيْنِ هُمَا اللَّتَا * نِ بهُلْكِ هَذَا الخَلْقِ كَافِلَتَانِ شَرُّ النُّفُوسِ وَسَيِّءُ الأَعْمَالِ مَا * واللهِ أعْظَمُ مِنْهُمَا شَرَّانِ وَلقَدْ أَتَى هَذَا التَّعَوُّذُ مِنْهُمَا * فِي خُطْبَةِ المَبْعُوثِ بِالفُرْقَانِ (١) ٥ - أن النفس الأمارة بالسوء شر على صاحبها. ٦ - أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء. ٧ - أنه تعالى المتفرد بالهدى والإضلال، ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [النحل: ٩٣]. ٨ - إثبات القدر، من قوله: «مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ». ٩ - فقر العبد لربه في جميع أموره. ١٠ - إثبات صفة المغفرة. ١١ - إثبات كمال ربوبيته، من قوله: «نَسْتَعِينُهُ» وما بعده. ١٢ - استحباب تضمين الخطبة الشهادتين. ١٣ - إثبات الإلهية لله وحده، والعبودية والرسالة لمحمد ﷺ . ١٤ - أن الإقرار بالعبودية والرسالة للنبي محمد ﷺ هي الصراط المستقيم، فلا إفراط ولا تفريط. ١٥ - تشريف النبي ﷺ بإضافة العبودية والرسالة إليه سبحانه. ١٦ - أن من رحمة الله بعباده إرسال الرسل، وقد نص تعالى على ذلك في رسالة محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ١٧ - أن الدعاء تصح فيه النيابة، بخلاف الإقرار بالشهادتين، ولهذا جمع الضمير في جمل الدعاء، وأفرده في الشهادتين.

стр. 882

(١٠٩٨) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). (١٠٩٩) وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ (٢). (١١٠٠) وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ حِبَّانَ: مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ (٣). (١١٠١) وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا» (٤). * * * هذه الأحاديث أصل في نظر الخاطب إلى المخطوبة، فيخص بها ما ورد من تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - إباحة خطبة الرجل المرأة بنفسه أو بغيره، رجلًا كان أو امرأة. ٢ - استحباب نظر الخاطب إلى المخطوبة. ٣ - جواز أن ينظر الخاطب من المخطوبة إلى كل ما يظهر من وجهها وشعرها ونحرها وقدِّها وساقها وقدمها؛ لقوله: «إلى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا». ٤ - أن هذا النظر ليس بواجب. ٥ - الحكمة من الندب إلى النظر إلى المخطوبة. ٦ - أن محاسن المرأة من دواعي الرغبة فيها.

стр. 883

٧ - وجوب الاقتصار في النظر على موضع الرخصة. ٨ - أن النظر فعل. ٩ - تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات. ١٠ - تثبت الإنسان في الأمر الذي يريد الدخول فيه، سدًّا لباب القلق والندم. ١١ - كمال نصحه ﷺ . ١٢ - كمال دين الإسلام. وفي الحديث الثاني: ١ - التعبير بالفعل عن الإرادة، في قوله: «تَزَوَّجَ». ٢ - استحباب الاستفصال في مقام الاحتمال. ٣ - جواز قول الإنسان (لا) للسائل. ٤ - الأمر بالنظر إلى المخطوبة، والجمهور على أنه للاستحباب، وأفضل طريقة لتحقيق النظر أن يترصد الخاطب للمرأة فيراها وهي لا تعلم، كما قال جابر ﵁: «كُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا» (١)، وإذا أعان أهل المرأة على ذلك كان حسنًا، وإن كان بترتيب لقاء من غير خلوة ولا تطويل فلا بأس. والله أعلم. * * * * * (١١٠٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٢). * * *

стр. 884

هذا الحديث أصل في تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه، وتحريم العدوان على حقوقه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن أخوة الإسلام أوثق الروابط بين المسلمين. ٢ - وجوب مراعاة هذه الأخوة. ٣ - جواز أن يخطب الرجل بنفسه أو بغيره. ٤ - تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا علم بخطبته. ٥ - جواز ذلك إذا أذن الخاطب الأول أو ترك الخطبة. ٦ - أن الخاطب الثاني إذا لم يعلم بالأول فلا حرج عليه، كما يدل لذلك حديث فاطمة بنت قيس، حيث ذكرت للنبي ﷺ أنه خطبها معاوية وأبو جهم ﵄ (١). * * * * * (١١٠٣) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵄ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قَالَ: «فَهَلْ عِنْدكَ مِنْ شَيْءٍ؟»، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟» فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي، -قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ

стр. 885

اللهِ ﷺ : «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ»، فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟»، قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: «تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اذْهَبْ، فَقَدَ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (١١٠٤) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ» (٢). (١١٠٥) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٣). (١١٠٦) ولأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «مَا تَحْفَظُ؟»، قَالَ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: «قُمْ، فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً» (٤). * * * هذا الحديث يعرف بحديث الواهبة، أي المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وجواز هبة المرأة نفسها للنبي ﷺ بلا ولي ولا صداق هو من خصائصه ﷺ ، كما قال: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها، وهو عطف على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وفي الحديث فوائد كثيرة؛ منها: ١ - جواز هبة المرأة نفسها للنبي ﷺ . ٢ - جرأة هذه المرأة في إعلانها هبة نفسها للنبي ﷺ أمام الحضور، وهي قائمة، والذي جرأها على ذلك أمران: ١ - ما تعلمه من جواز ما فعلت بنصِّ القرآن.

стр. 886

٢ - أنه لا غضاضة عليها أن تعلن ذلك؛ لأن الموهوب له الرسول ﷺ ، فهو الحظ لها لو قبلها. ٣ - جواز النظر إلى المخطوبة وتكراره؛ لأن الواهبة كالمخطوبة. ٤ - جواز ردِّ الهبة قبل قبضها. ٥ - أن النبي ﷺ لم يقبل من المرأة هبتها نفسها له. ٦ - الدلالة على الردِّ بالفعل. ٧ - حسن خلقه ﷺ حيث لم يردها صريحًا بالقول. ٨ - فضل هذه المرأة، وذلك: أ. بهبة نفسها للنبي ﷺ رغبة في قربه لا طمعًا في الدنيا، ولذا رضيت بتزوج الفقير. ب. تولي النبي ﷺ إنكاحها الرجل. ٩ - كرم النبي ﷺ على ربه حيث أباح له من النكاح ما لم يبح لغيره. ١٠ - الرد على الملحدين الطاعنين في النبي ﷺ في أمر النكاح، وذلك أنه لا يعرف أنه تزوج امرأة بطريق الهبة مع أنه مباح له. ١١ - جواز خطبة المرأة الواهبة. ١٢ - جواز أن يتولى النبي ﷺ تزويج الواهبة من يرضاه لها، فكأنها قد جعلت أمرها إليه، بل يمكن أن يقال: فيه جواز أن يتولى النبي ﷺ تزويج أي امرأة ممن ترضاه ويرضاه لها، فهو أولى بها من وليها؛ لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. ١٣ - وجوب الصداق في النكاح، فإن سمي عند العقد، وإلا وجب مهر المثل. ١٤ - أنه لا حد لأقله. ١٥ - أن الأصل أن يكون الصداق مالًا، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: ٢٤].

стр. 887

١٦ - جواز أن يكون الصداق منفعة؛ كتعليم العلوم النافعة المباحة، وكالخدمة في رعي الغنم، كما في قصة موسى مع صاحب مدين. ١٧ - جواز أن يكون الصداق تعليم شيء من القرآن. ١٨ - أنه يجب على الزوج تسليم المهر؛ لقوله: «فعلِّمْها». ١٩ - أن الإيجاب في النكاح لا يختص ب (زوجت وأنكحت)، بل بأي لفظ يدل عليه، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وقرره؛ لقوله في الحديث: «مَلَّكْتُكَهَا»، كما هو الشأن في سائر العقود (١)، والله أعلم. ٢٠ - جواز التختم بالحديد. ٢١ - جواز القَسَم من غير طلب. * * * * * (١١٠٧) وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٢). * * * الإعلان ضد الإسرار والإخفاء، ويشهد لهذا الحديث حديث: «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ» (٣)، وبه تظهر حكمة الإعلان. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية إعلان النكاح بأي وسيلة من ضرب بالدف وصنع وليمة واجتماع، أو غير ذلك مما تجري به عادة الناس، وقد اختلف العلماء في حكم الإعلان؛ فقيل: مستحب، وبه يقول من يشترط شاهدين، وهم الجمهور، وقيل

стр. 888

بوجوب الإعلان، وبه يصح النكاح، ولو لم يكن شاهدان عند العقد، وقال شيخ الإسلام: «يكفي في إعلان النكاح الشهادة عليه عند طائفة من العلماء، وطائفة أخرى توجب الإشهاد والإعلان» (١)، ولا ريب أن الإعلان آكد من الشاهدين؛ لأنه أبلغ في إظهار النكاح، وأما حديث: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» فضعيف (٢). ٢ - أن للإعلان فوائد؛ منها: أ. اتباع السنة. ب. تمييز النكاح عن السفاح. ج. إظهار السرور. د. دعوة الشباب للاقتداء. هـ. ظهور ما قد يكون مانعًا من النكاح من رضاع ونحوه. * * * * * (١١٠٨) وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وصَحَّحَهُ ابْنُ المدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وأُعلَّ بالإِرْسَالِ (٣). (١١٠٩) وروى الإمام أحمد عن الحسن عن عمران بن الحصين مَرْفُوعًا: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ» (٤).

стр. 889

(١١١٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ». أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (١). * * * هذه الأحاديث هي عمدة الجمهور في اشتراط الولي في عقد النكاح، وهذه الأحاديث وإن لم تبلغ درجة الصحة فإنه يشد بعضها بعضًا، مع ما يشهد لها من القرآن. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم النكاح من غير ولي وبطلانُه؛ لأن قوله: «لَا نِكَاحَ» إما نفي بمعنى النهي، فيفيد التحريم، أو خبر بنفي الصحة، فيفيد البطلان. ٢ - اشتراط الولي في عقد النكاح، والولي هو القريب، وأقرب الناس إلى المرأة أبوها، ثم من بعده من عصبتها، وولاية النكاح تفيد أن الإيجاب يكون من قبله. ٣ - أن اشتراط الولي في النكاح من محاسن الإسلام؛ لما فيه من صيانة كرامة المرأة؛ لأن توليها إنكاح نفسها يزري بها، ويجعل بها شبها بالزانية، فإن الزانية هي التي تُنكح نفسها، كما جاء عن أبي هريرة من قوله ﵁ (٢). ومن حكمة اشتراط الولي؛ أن المرأة في الغالب لا تعرف مصلحة نفسها، ولا تعرف من يخطبها، فالولي ينظر لها ويختار لها الكفء.

стр. 890

٤ - أن من شرط النكاح شاهدين عدلين، ومن حكمة ذلك إعلان النكاح بأقل ما يمكن، وهو الشاهدان، فلو تواطؤوا على كتمانه بطل. ٥ - تحريم تزويج المرأة للمرأة. ٦ - بطلان نكاح المرأة بغير إذن وليها. ٧ - أن أولياء المرأة إذا اختلفوا وجب رفع الأمر إلى السلطان، وهو القاضي ليحكم بينهم، أو يتولى عقد النكاح. ٨ - أن من لا ولي لها من عصباتها فوليها السلطان. ٩ - أن من كان أقرب من العصبة فهو أحق بولاية النكاح. ١٠ - اشتراط الإسلام في ولاية النكاح؛ لأن الكافر لا ولاية له على المسلم، فلا يزوج الكافر ابنته المسلمة. ١١ - أن من تزوجت بغير وليٍّ فدخل بها الزوج، فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن لم يدخل بها فلا شيء لها. ١٢ - أن ولي المرأة لو وكل من يزوجها فالنكاح صحيح. * * * * * (١١١١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١١١٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (١١١٣) وفي لفظ: «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ». رواه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (٣).

стр. 891

(١١١٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في اشتراط رضا المرأة في النكاح، فلذلك وجب استئذانها. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن الأيِّم -وهي الثيِّب - لا تُزوَّج حتى تستأذن فتأذن، قولا، وقوله: «لَا تُنْكَحُ»، خبر بمعنى النهي وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من الاعتناء بشأن المنهي عنه، وتأكد طلب امتثاله حتى كأنه امتُثل وأخبر عنه. ٢ - أن البكر لا تزوج حتى تستأذن فتأذن، وإذنها سكوتها، ولو أذنت بالقول كان أبلغ. ٣ - اشتراط رضى المرأة في النكاح، بكرًا كانت أو ثيبًا. ٤ - أن الأب ليس له أن يجبر ابنته البكر، وهذا مذهب الجمهور، وقال آخرون: بل له أن يجبرها، وليس ذلك إلا للأب. وفي الحديث الثاني والثالث: ١ - أن الثيب تختار لنفسها، ويزوجها وليها بعد إذنها. ٢ - أن البكر يختار لها وليها، لكن لا يزوجها إلا بعد استئذانها وإذنها. وفي الحديث الرابع: ١ - تحريم أن تزوج المرأةُ المرأة، قريبة منها أو أجنبية، ولو أذن الولي، فلا يتولى العقد إلا الولي أو نائبه. ٢ - تحريم أن تزوج المرأة نفسها، يؤكد ذلك ما سبق أنه لا نكاح إلا بولي.

стр. 892

٣ - حكمة الشريعة في التفريق بين الأحوال المختلفة. ٤ - الفرق بين ولاية الرجل والمرأة في تولي عقد النكاح، والرد على دعاة التسوية بين الرجل والمرأة، وإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من ظلم المرأة. * * * * * (١١١٥) وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ»، وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ. * * * هذا الحديث هو الأصل في تحريم الشغار، فالشغار نوع من الأنكحة المحرمة، وهو باطل، قيل: سمي شغارًا من شغَر المكان بمعنى خلا، فسمي هذا النكاح شغارًا لخلوه عن الصداق، كما جاء في تفسير نافع ﵀، وقيل: من شَغَر الكلب رجله، أي رفعها ليبول، لأن كلًا من الرجلين يأخذ برجل صاحبته. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم نكاح الشغار. ٢ - أنه باطل. ٣ - سد ذرائع الظلم والفساد والنزاع. ٤ - أن من الظلم أن ينظر الولي من تزويج موليته إلى مصلحة تختص به، من غير مراعاة لمصلحتها. ٥ - أنه إذا فرض لكل من المرأتين صداق مثلها جاز هذا النكاح، وهذا مبني على تفسير ابن عمر أو نافع للشغار، وإلى هذا ذهب الجمهور، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن فرض الصداق لكل من المرأتين لا يخرجه عن

стр. 893

حكم التحريم، لأن التفسير المذكور لم يكن من النبي ﷺ ، فما هو إلا رأيٌ، وقد رجح التحريم مطلقًا من المتأخرين شيخنا الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀، في رسالة له في الأنكحة المحرمة (١). وعليه؛ فمتى شُرط نكاح إحداهما بنكاح الأخرى بطل. * * * * * (١١١٦) وعن ابن عباس ﵄؛ أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ؛ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَها النَّبِيُّ ﷺ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وأُعِلَّ بالإِرْسَالِ. * * * هذا الحديث من أدلة اعتبار رضا المرأة بمن تُزوجه، وهو مناسب لأحاديث استئذان المرأة المتقدمة، وله مناسبة لحديث النهي عن الشغار؛ لأنه مظنة لعدم رضا المولية، وإن فُرض لها صداق. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - اعتبار رضا المرأة في النكاح. ٢ - أنه ليس للأب أن يجبر ابنته على النكاح. ٣ - أن الأب إذا أكره ابنته فالنكاح صحيح. ٤ - أنه إذا وقع ذلك فلها الخيار، فإن شاءت أمضت النكاح، وإن شاءت فسخته، ومن يقول من العلماء بأن للأب إجبار ابنته البكر البالغة لا يجعل لها الخيار، بل يجب عليها السمع والطاعة إلا أن يزوجها بغير كفء لها. ٥ - صحة تصرف الفضولي بإجازة صاحب الشأن. ٦ - إنصاف الشريعة للمظلوم، ولو كان الظالم من أقرب الناس. * * * * *

стр. 894

(١١١٧) وَعَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). * * * هذا الحديث أصل في اعتبار السبق -وجوبًا - في العقود اللازمة كالنكاح والبيع، والعقود المباحة كإحياء الموات، واستحبابًا فيما سوى ذلك من العقود وغيرها. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الذي يزوج المرأة وليها. ٢ - أن أولياء المرأة قد يستوون في حق ولاية المرأة؛ كالإخوة الأشقاء، أو الإخوة لأب. ٣ - أن المرأة لو زوجها وليَّان، كلٌّ منهما زوجها من رجل، فهي لمن تقدم عقده عليها، وعقد الآخر باطل؛ لأنه لم يصادف محلا، ولو فرض أن وقع العقدان في لحظة واحدة بطلا؛ وكذا إذا لم يتبين السابق منهما، لأنه لا فضل لأحدهما على الآخر، ولا يمكن إنفاذهما، وعلى الزوجين حينئذ أن يطلقا لرفع الاشتباه. وقيل: يفسخ الحاكم نكاحهما، وقيل: يقرع بينهما، وتكون المرأة لمن وقعت له القرعة. وينبغي هنا أن يؤمر كلٌّ من الزوجين بالطلاق، ويعقد لمن عينته القرعة. وهذا يتصور فيما لو أذنت المرأة لوليين في أن يزوجها كلٌّ منهما من يرضاه لها، وفي هذه الحال لا ينبغي لواحد منهما أن يزوِّج حتى يؤذِن الآخر، دفعًا للاختلاف. * * * * *

стр. 895

(١١١٨) وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ أَوْ أَهْلِهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * هذا الحديث من أدلة منع العبد من التصرف بنفسه أو مال سيده، وكذلك الأمة إلا بإذن السيد؛ لأن الرقيق مملوك. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن العبد لا يتصرف إلا بإذن سيده. ٢ - أنه لا يتزوج إلا بإذنه. ٣ - أنه إن تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر، أي زانٍ، كما قال ﷺ : «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (٢). ٤ - أن نكاحه لا يصح، فإن فعل وجب عليه مفارقة الزوجة، والتوبة من ذلك، ويلحق به النسب؛ لأن وطأه وطء شبهة، وقيل: يصح بالإجازة، والمراد بالموالي السيد وأهله، فإنه في العادة قد ينوب بعضهم عن بعض، وقد يراد بالموالي السيد خاصة، فيكون من التعبير بالجمع عن الواحد. * * * * *

стр. 896

(١١١٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث من أدلة التحريم بالمصاهرة تحريمًا مؤقتًا، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، وأجمع العلماء على معنى هذا الحديث، وهو يدل على أن من نكح امرأة حرم عليه أربع من قريباتها، وهنَّ: عمتها وخالتها وبنت أخيها وبنت أختها، كما تحرم أختُها بالقرآن، فإذا طلقها وبانت منه أو ماتت حللن له، والله أعلم. ومن الحكمة في هذا التحريم أن الجمع بين هذه القرابات القريبة يؤدي إلى القطيعة بينهن، ولهذا جاء في الحديث: «فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ» (٢)، والحديث من أدلة قاعدة سد الذرائع. فهذا الحكم من محاسن الإسلام، والحديث مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾. وقد ذكر الفقهاء قاعدة لمن يحرم الجمع بينهن، فقالوا: يحرم الجمع بين كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا حرمت عليه الأخرى إلا المرأة وربيبتها، فإنه يجوز الجمع بينهما. * * * * * (١١٢٠) وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). وَفِي رِوَايَةٍ له: «وَلَا يَخْطُبُ». (١١٢١) وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: «وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ» (٤).

стр. 897

(١١٢٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١١٢٣) وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا؛ أن النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ (٢). * * * هذه الأحاديث تتعلق بنكاح المحرم، وحديث عثمان هو الدليل على أحد محظورات الإحرام، وهو عقد النكاح، وتحريم الخطبة. وفيه فوائد؛ منها: ١ - تحريم عقد النكاح على المحرم، ويدخل في ذلك عقد المحرم لنفسه، والعقد على المحرمة، وعقد المحرم لموليته الحلال. ٢ - تحريم الخطبة من المحرم بنفسه أو وكيله، وقيل: تكره. ٣ - تحريم الخطبة إلى المحرم، كما في الرواية عند ابن حبان، وفيها مقال. ٤ - أن عقد النكاح وسيلة إلى الوطء، وهو الرفث، وهو محرم في الإحرام، ففي الحديث شاهد لقاعدة سد الذرائع. وأما حديث ابن عباس فهو معارض لحديث عثمان؛ فإن ظاهره جواز نكاح المحرم؛ لأنه ﷺ أسوة لأمته، ويحتمل أن يكون ذلك من خصائصه، ولكن حديث ابن عباس معارَض بحديث ميمونة وأبي رافع: «أن النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» (٣)، والتعارض بينهما لا يمكن فيه الجمع ولا النسخ، فوجب الترجيح، وقد رجح جمهور العلماء حديث ميمونة وأبي رافع بوجوه: أ. أن ميمونة صاحبة القصة، فهي أعلم بحالها. ب. أن أبا رافع هو السفير بين النبي ﷺ وميمونة.

стр. 898

ج. أن ابن عباس كان صغيرًا، فلا يدرك حقيقة الحال، فمن العلماء من عدَّ هذا وهما من ابن عباس، ومنهم من تأول قوله: «وَهُوَ مُحْرِمٌ»، أي في الحرم أو في الشهر الحرام، فأشبه أنه وهم منه ﵁. د. أن حديث ميمونة وأبي رافع مناسب لحديث عثمان ﵃. * * * * * (١١٢٤) وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ؛ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث دليل على الوفاء بالشروط في العقود، وهو من الوفاء بالعقود، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز الشروط في العقود في الجملة. ٢ - وجوب الوفاء بالشروط في العقود، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، كما في الحديث المشهور: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا» (٢). ٣ - الرد على من ضيق في ذلك من أهل المذاهب. ٤ - تأكيد الوفاء بالشروط في النكاح، ومنها الصداق المسمَّى، فيجب بذله للمرأة كاملًا، إلا ما طابت به نفسها، كما قال تعالى: ﴿وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]. ٥ - غلظ عقد النكاح، كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِّيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢١].

стр. 899

٦ - أن الأصل في الفروج التحريم، فلا تحل إلا بعقد النكاح الصحيح أو بملك اليمين، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون (٢٩) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُون (٣١)﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١]. ٧ - توسعة الشريعة في الشروط في العقود. ٨ - أن من كمال الشريعة وشمولها اشتمالَها على أحكام العقود التي تكون بين الناس. * * * * * (١١٢٥) وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١١٢٦) وَعَنْ عَلَيٍّ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١١٢٧) وعنه ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُدَ (٣). (١١٢٨) عَنْ رَبِيعِ بْنِ سَبُرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، أَلَا وَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخْلِ سَبِيلَهَا، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وأَحمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ (٤).

стр. 900

هذه أربعة أحاديث في حكم متعة النساء، وهي النكاح المؤقت بمدة معلومة، وقد تضمنت الأحاديث الرخصة فيها مرتين؛ مرة قبل غزوة خيبر، ومرة في غزوة أوطاس، وتضمنت الأحاديث تحريمها ثلاث مرات؛ مرة يوم خيبر، كما في حديث علي، ومرة في أوطاس، كما في حديث سلمة، والثالثة تحريمها تحريمًا مؤبدًا في حجة الوداع، كما في حديث سَبُرة بن معبد، وقد ذهب جمهور الصحابة إلى ما دل عليه حديث سبرة، وجاء عن ابن عباس أنه رخص فيها، وقيل: إنه رجع عن ذلك، وقد استقر أمر الأمة على تحريمها، وانفردت الرافضة بإباحتها، بل بتعظيمها والتعبد بها، وهذا من مخازيهم. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - جواز النسخ مرتين. ٢ - تحريم المتعة يوم خيبر. ٣ - أن المتعة كانت حلالًا قبل ذلك. ٤ - الرخصة فيها يوم أوطاس. ٥ - تحريمها بعد ثلاثة أيام. ٦ - تحريمها تحريمًا مؤبدًا في حجة الوداع، وقيل: عام الفتح، فيكون تأكيدًا لتحريمها في أوطاس، ويحتمل أنه ﷺ أباحها إباحة ثالثة، ثم حرمها تحريمًا مؤبدًا، لقوله: «إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ». ٧ - أن المتعة حرام إلى يوم القيامة، فهي من الأنكحة الباطلة. ٨ - وجوب المبادرة إلى ترك الحرام بعد العلم بتحريمه. ٩ - أن من عقد عقدًا فاسدًا فالواجب تركه؛ ولا يحتاج إلى فسخ. ١٠ - أن من وطئ امرأة بنكاح أو شبهة فلا يحل له أخذ شيء مما أعطاها.

стр. 901

١١ - تحريم النكاح بنية الطلاق؛ لأنه في معنى نكاح المتعة من حيث كونه موقتًا بالنية، والمفاسد التي حرمت المتعة من أجلها هي نفسها موجودة في النكاح بنية الطلاق، ويزيد هذا النكاح على المتعة بأنه فيه غشًّا للمرأة وأوليائها، وهو مستلزم لعدم شرط النكاح، وهو رضا الزوجة لو علمت حقيقة الحال. * * * * * (١١٢٩) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ والنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (١). (١١٣٠) وَفِي الْبَابِ: عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (٢). * * * هذا الحديث من أدلة تحريم نكاح التحليل، وهو أن يتزوج الرجل المرأة البائن من زوجها بينونة كبرى، أي بعد الطلقة الثالثة، يتزوجها لا رغبة فيها، بل ليحلها لمطلقها، ولذا كان من شرط هذا النكاح إذا وطئها المحلل أن يطلقها، فإن كان هذا الشرط عند العقد فالنكاح باطل باتفاق العلماء، وإن كانوا تواطؤوا عليه، فالجمهور على تحريمه وبطلانه، وهو الصواب، وقد أجمع الصحابة ﵃ على تحريم نكاح التحليل، وسمى النبي ﷺ المحلِّل التيس المستعار (٣)؛ لأنه ليس زوجًا في الحقيقة، فلذا شبهه بالتيس المستعار لينزو على الأنثى من المعز. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم نكاح التحليل، وأنه باطل.

стр. 902

٢ - أن المطلقة لا تحل بهذا النكاح لزوجها الأول. ٣ - أن التحليل من كبائر الذنوب. ٤ - أنه يشترك في إثم ذلك المحلِّلُ والزوجُ المحلَّل له والمرأةُ إذا تواطؤوا على ذلك. ٥ - أن نكاح التحليل أقبح من نكاح المتعة وأغلظ تحريما من وجوه: أ. أنه لم يبح قط. ب. أنه لم يقل بحله أحد من الصحابة. ج. لعن فاعله والراضي به. ٦ - تحريم أن تتزوج المرأة ممن تريد أن يحلها، وهو لا يعلم، ثم تختلع منه. ٧ - تحريم الاحتيال لاستحلال الحرام. ٨ - في الحديث شاهد لقاعدة سد الذرائع. * * * * * (١١٣١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إِلَّا مِثْلَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). * * * هذا الحديث دليل على تحريم نكاح الزاني إلا زانية، لا ينكح العفيفة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين (٣)﴾ [النور: ٣]، وقوله: «الْمَجْلُودُ» أي الذي أقيم عليه حد الزنا، وليس لهذا القيد مفهوم، بل غير المجلود أولى بالنهي.

стр. 903

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم نكاح الزاني للعفيفة ما لم يتب. ٢ - تحريم نكاح العفيف للزانية ما لم تتب. ٣ - حل نكاح الزاني للزانية. ٤ - أن العفة طيب وطهر، والزنى قذارة وخبث. ٥ - مراعاة التجانس في النكاح بين الخبيثين والتجانس بين الطيبين، كما قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ الآية [النور: ٢٦]. * * * * * (١١٣٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا، حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. * * * هذا الحديث أصل في أن المطلقة المبتوتة لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجًا غيره، ويطأها، وهو مفسر لقوله تعالى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىَ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وأن المراد بالنكاح في الآية الوطء، أو أن المراد بالنكاح في الآية العقد، والوطء شرط في إحلالها للأول. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز الطلاق في الإسلام.

стр. 904

٢ - أن الرجل يملك ثلاث طلقات فقط، فإن كانت متفرقات والثانية بعد رجعة والثالثة بعد رجعة، حرمت المطلقة بعد الثالثة تحريمًا قطعيًا، وإن كانت بلفظ واحد، أو بألفاظ من غير رجعة، فجمهور الأمة على أنها تقع ثلاثًا، فتحرم المطلقة، ولا تحل للأول إلا بعد زوج، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن طلاق الثلاث بلفظ واحد أو متفرقًا من غير رجعة لا يقع إلا واحدة (١)، ومنهم من فرق بين ما إذا كانت الثلاث بلفظ واحد أو بألفاظ، فإن كانت بلفظ واحد وقعت واحدة، كما إذا قال: أنت طالق ثلاثًا، وإن كانت بألفاظ، كما إذا قال الزوج: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ولم يرد التأكيد والإفهام وقعت ثلاثًا. ٣ - جواز أن تتزوج المرأة أكثر من رجل واحدًا بعد واحد بعد الفراق وانقضاء العدة. ٤ - اشتراط وطء الزوج الثاني في حلها لمطلقها الأول بعد طلاق الثاني وخروجها من العدة، وهو ما عبر عنه النبي ﷺ بقوله: «لَا، حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ». ٥ - أن لذة الاستمتاع لا تكون تامة إلا بالجماع. ٦ - أن من طرق البيان التشبيه، وأن العسل يشبه به في اللذة. ٧ - جواز اختصار الكلام، والاقتصار على (لا) إذا حصل به الإفهام. ٨ - الكناية عما يستحيا من ذكره إلا إذا دعت الحاجة إلى التصريح. * * * * *

стр. 905

بَابُ الكَفَاءَةِ وَالخِيَارِ الكفاءة في اللغة المماثلة، وكُفْءُ الشيء مثله، والكفاءة في النكاح المماثلة في الدين والنسب والحرية، والخيار في اللغة اسم مصدر من خيَّره واختاره، والمراد به خيار العيب الذي يثبت لأحد الزوجين إذا وجد في الآخر عيبًا. * * * * * (١١٣٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، إِلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا». رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ (١). (١١٣٤) وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ (٢). * * * هذا الحديث ضعيف (٣)، وإن كان قد احتج به بعضهم على عدم تزويج العربية بالمولى. وفي الحديث -على فرض صحته - فوائد؛ منها: ١ - أن العرب بعضهم أكفاء بعض وإن اختلفت قبائلهم، وأن الموالي بعضهم أكفاء بعض، وعند الفقهاء أن الكفاءة تعتبر للمرأة، فلا تزوج العربية بمولى.

стр. 906

٢ - أن العربية لا تزوج بمولى، والمولى أحد معانيه العتيق، ويطلق على الأعجمي لمقابلة الموالي بالعرب. ٣ - أن الحياكة -وهي النسيج- والحجامة من الصناعات الناقصة، فلا تزوج العربية حجامًا ولا حائكًا، وإن كان عربيًّا، هذا معنى الاستثناء في الحديث، ويعارضه حديث: «أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إِلَيْهِ» الآتي. * * * * * (١١٣٥) وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «انْكِحِي أُسَامَةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١١٣٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إِلَيْهِ». وَكَانَ حَجَّامًا. رواه أبُوْ دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ (٢). (١١٣٧) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خُيِّرَتْ بَرِيرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (٣). (١١٣٨) وَلِمُسْلِمٍ عنها: أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا (٤). (١١٣٩) وَفِي رِوَايَةٍ عنها: كَانَ حُرًّا (٥)، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ. (١١٤٠) وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ؛ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا (٦). * * * هذه الأحاديث دليل على عدم اشتراط الكفاءة في النكاح؛ كفاءة النسب والصناعة والحرية، فهذه فاطمة بنت قيس وهي قرشية، أشار عليها النبي ﷺ أن تنكح أسامة بن زيد وهو مولى، وهذا أبو هند وهو حجام، أرشد النبي ﷺ بني بياضة أن يزوجوه، وأن يتزوجوا من بناته، وبريرة لما عتقت خيرها النبي

стр. 907

ﷺ بين الفسخ والبقاء مع زوجها، وكان عبدًا، على الصحيح من الروايات، وقد اقتصر الحافظ على طرف من حديث فاطمة وحديث عائشة في قصة بريرة مما يشهد للباب. وفي الأحاديث فوائد: ففي حديث فاطمة ﵂: ١ - الاستشارة في أمر النكاح. ٢ - فضل أسامة ﵁. ٣ - جواز تزويج القرشية من غير قرشي، بل من مولى. ٤ - أن على المستشار أن ينصح لمن استشاره، ولو خالف هوى المستشير. وفي حديث أبي هريرة ﵁: ١ - جواز حرفة الحجامة، وإن كانت دنيئة، وحل كسب الحجام، وإن كان مكروها، وقد صح قوله ﷺ : «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» (١)، وأنه أعطى الحجام أجرة (٢). ٢ - جواز تزويج أصحاب الصناعات الدنيئة، والزواج منهم، وإن كان مكروها في العادة، وقوله ﷺ : «أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إِلَيْهِ» الأمر فيه للإباحة، وبنو بياضة فخذ من الأنصار. ومن قصة بريرة ﵂: ١ - تخيير الأمة إذا عتقت وزوجها عبد. ٢ - جواز تزويج الحرة من مملوك لغيرها، لأنه لا يحل للسيدة أن تستمتع بعبدها. ٣ - أن زوج بريرة كان عبدًا، على الراجح من الروايات.

стр. 908

(١١٤١) وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ (١). (١١٤٢) وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄؛ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ (٢). * * * هذان الحديثان أصل في إبطال أنكحة الجاهلية بعد الإسلام إذا اشتملت على ما يحرم في الإسلام، وتصحيح ما ليس كذلك. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم الجمع بين الأختين، وقد دل عليه القرآن، وأجمع العلماء على ذلك. ٢ - أن من أسلم وتحته أختان وجب عليه أن يفارق إحداهما. ٣ - أن المحرم هو الجمع بين الأختين لا نكاح الأخرى بعد فراق الأولى. ٤ - أنه لا فرق في تحريم الجمع بين الأختين بين الابتداء والاستدامة، ومن حكمة ذلك: سد باب القطيعة بين القرابة القربى.

стр. 909

٥ - تحريم الجمع بين أكثر من أربع زوجات، وعلى هذا أجمعت الأمة، ولم يخالف إلا طائفة من الروافض، ويدل له قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. ٦ - أن من أسلم وتحته أكثر من أربع زوجات وجب عليه أن يختار منهن أربعًا، ويفارق الباقي، دون نظر إلى ترتيب نكاحهن. ٧ - أن الاختيار للزوج لا لهن. ٨ - أنه لا يحتاج إلى طلاق المفارَقات. ٩ - أن جمع أكثر من أربع زوجات من خصائص النبي ﷺ ، وقد توفي النبي ﷺ وتحته تسع نسوة. ١٠ - أن عقود أنكحة الكفار صحيحة إلا أن يكون موجِب التحريم قائمًا بعد الإسلام. * * * * * (١١٤٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا النَّسَائِيَّ وصَحَّحَهُ أحمد وَالْحَاكِمُ (١). (١١٤٤) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أن النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ. قالَ التِّرْمذيُّ: «حديثُ ابنِ عبَّاسٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا، والعَمَلُ على حديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ» (٢). (١١٤٥) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ قَالَ: «أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ، وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي، فَانْتَزَعَهَا

стр. 910

رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الْآخِرِ، وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأبُوْ دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان وَالْحَاكِمُ (١). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في حكم ما إذا أسلم أحد الزوجين، ثم أسلم الآخر بعد ذلك، فقيل: يبطل النكاح منذ أسلم، وبه قال ابن حزم، ولا ترجع المرأة إلا بعقد جديد، وقيل: يبطل إذا خرجت من العدة، وهو قول الجمهور، وقيل: لا يبطل، بل يبقى معلَّقًا ما لم تتزوج المرأة، فإذا أسلم الزوج رجعت إليه بالعقد الأول، وبه قال جماعة من السلف، واختاره شيخ الإسلام وابن القيم (٢)، ومنشأ هذا الخلاف اختلاف الروايات في قصة زينب بنت النبي ﷺ ؛ فإنها أسلمت وتأخر إسلام زوجها أبي العاص بن الربيع، فلما أسلم قيل: ردها النبي ﷺ بنكاح جديد، كما في حديث عمرو بن شعيب، وقيل: ردها ولم يحدث نكاحًا، كما في حديث ابن عباس. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن المسلمة لا تحل للكافر مطلقًا، وأما إذا أسلم الرجل حرمت عليه زوجته الكافرة إلا أن تكون كتابية. ٢ - تحريم نكاح المشركة. ٣ - تحريم إنكاح المسلمة للكافر. ٤ - أن المرأة إذا أسلمت لم يبطل نكاحها من زوجها الكافر، فإذا أسلم الزوج رجعت إليه من غير تجديد نكاح، على ما جاء عن ابن عباس.

стр. 911

٥ - محبة زينب بنت النبي ﷺ لزوجها أبي العاص، فقد صبرت تنتظر إسلامه ست سنين. وفي حديث عمرو بن شعيب: ١ - أن المرأة إذا أسلمت بطل نكاحها بعد العدة، فإذا أسلم الزوج لم ترجع إليه إلا بنكاح جديد، وهذا مذهب الجمهور، كما قَالَ التِّرْمِذِيُّ بعد الحديث: «والعمل على حديث عمرو بن شعيب»، فحديث عمرو معارض لحديث ابن عباس في شأن زينب، ولا يمكن الجمع بينهما؛ لأن مدلوليهما متقابلان تقابل النفي والإثبات، ولا يمكن النسخ؛ لأن القضية واحدة، فوجب الترجيح، فرجح الجمهور حديث عمرو، لأنه الموافق للأصول، ورجح آخرون حديث ابن عباس؛ لأنه أصح، وإن كان فيه مقال، لكن تشهد له بعض الآثار عن السلف، ولا يترتب على هذا الخلاف كبير أمر؛ لأن للمرأة أن تختار؛ إما الزواج وإما الانتظار. وفي حديث ابن عباس ﵄ الثاني: ١ - أن المرأة إذا أسلمت ثم أسلم زوجها في العدة أو بعدها على الخلاف المتقدم، وعلمت بإسلامه، فليس لها أن تتزوج، فإن تزوجت فالنكاح باطل، وحمل الجمهور الحديث على أن الرجل أسلم في عدة المرأة، فلذا انتزعها النبي ﷺ من الزوج الثاني، وردها إلى الأول. ٢ - أن من وطئ بشبهة فلا يحد، ويُلحق به النسب. * * * * * (١١٤٦) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا،

стр. 912

فَقَالَ: «الْبَسِي ثِيَابَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ»، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفِي إِسْنَادِهِ جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي شَيْخِهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا (١). (١١٤٧) وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا». أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٢). (١١٤٨) وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضًا: عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَزَادَ: «وَبِهَا قَرْنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» (٣). (١١٤٩) وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَيْضًا قَالَ: «قَضَى عُمَرُ فِي الْعِنِّينِ، أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً». وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٤). * * * هذا الحديث وما بعده من الآثار هي الأصل في خيار العيب في النكاح، ومن العيوب التي يفسخ بها النكاح إجماعًا: الجنون والبرص والجُذام، وما أشبهها من الأمراض المنفرة، فإذا وجد أحد الزوجين في الآخر عيبًا فله الفسخ، فإن دخل الزوج بالمرأة فلها الصداق بما استحل من فرجها، ويرجع الزوج بالصداق على من غرَّه. وفي الحديث والآثار فوائد؛ منها: ١ - أن النبي ﷺ تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها، وهي العالية من بني غِفار، من كنانة.

стр. 913

٢ - بيان سبب طلاقها، وهو ما فيها من البياض، أي البرص. ٣ - أن البرص عيب يفسخ به النكاح. ٤ - أن من كنايات الطلاق: الحقي بأهلك، لكن بالنية، أو القرينة. ٥ - كرم النبي ﷺ وحسن خلقه، إذ أعطاها الصداق كاملًا، مع أنها لا حق لها فيه، لأن موجِب الفرقة من قبلها. وفي أثري سعيد بن المسيب: ١ - أن العيوب المذكورة مما يبيح فسخ النكاح. ٢ - أن من تزوج امرأة ثم دخل بها، ووجد بها عيبا، فلها المهر بما استحل من فرجها، ويرجع الزوج بالصداق على من غرَّه. ٣ - أنه إذا لم يدخل بها فلا حق لها عنده. وفي الأثر الأخير عن سعيد بن المسيب: ١ - أن العُنَّة عيب في النكاح يبيح فسخه، والعُنَّة عدم الشهوة، والعِنِّين الذي لا يقدر على الجماع. ٢ - أن العنين يمهل سنة، فإن زالت عنته، وإلا فسخ النكاح، ووُقِّت التربص بسنة لتمر على العنين الفصول الأربعة؛ لأن لتغير الفصول تأثيرًا على طبيعة الإنسان وقواه. * * * * *

стр. 914

بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ هذا الباب مناسب كل المناسبة لما تقدم، فقد علم مما تقدم فضل النكاح وشروطه وموانعه، وما يباح ويحرم، وكأنه بعد ذلك قد تم النكاح، والتقى الزوجان، فلا بد إذن من معرفة كيفية العشرة بينهما، والعِشْرة الصحبة، والعشير الصاحب، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وعشرة النساء معاشرتهن، وهي معاملة كل من الزوجين للآخر، وأقل ذلك بذل ما يجب لكل منهما على الآخر، وترك ما يحرم، وأهم ذلك ما يحصل به الإعفاف والإحصان لكل منهما. * * * * * (١١٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رواه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائيُّ وَاللَّفْظُ له، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلكنْ أُعِلَّ بِالإِرْسَالِ (١). (١١٥١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بالوَقْفِ (٢). * * * هذان الحديثان يدلان على ما دل عليه القرآن من وجوب إتيان المرأة في قبلها لا في دبرها؛ لأن ذلك هو الاستمتاع الطبيعي الذي به كمال اللذة، ويكون به إعفاف المرأة، ويحصل به الازدراع بوضع النطفة في موضعها، ولذا سمى

стр. 915

الله النساء حرثًا، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٢ - ٢٢٣]، أي كيف شئتم، أو من أي جهة شئتم، إذا كان في موضع الحرث. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم إتيان المرأة في دبرها. ٢ - أنه من الكبائر. ٣ - أنه ليس مرادًا بقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. ٤ - أنه أقبح من إتيان المرأة الحائض. ٥ - أنه مخالف للفطرة السليمة. ٦ - أنه لا تجب به كفارة، بل الواجب التوبة. ٧ - أنه لا يوجب فسخ النكاح، كما تظنه العامة. ٨ - أنه يحرم على المرأة المطاوعة في ذلك. ٩ - تحريم إتيان الرجل الرجل، وهو أكبر من إتيان المرأة في دبرها، ويوجب الحد، بخلاف إتيان المرأة في دبرها. ١٠ - أن دين الإسلام دين الطهر والتنزه عن الأقذار، فإن الدبر محل النجاسة. ١١ - أن من أنواع الوعيد إعراض الله عن العبد، فلا ينظر إليه، ومن أنواعه اللعن. ١٢ - وجوب الحذر من التعرض لوعيد الله بترك الأسباب المفضية إلى ذلك. * * * * *
следующие страницы →