← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

بَابُ القَسْمِ من حقوق الزوجات على الأزواج العدل بينهن، ومنه العدل بينهن في القسم، والمراد به قسم الوقت، بأن يجعل لكل واحدة يوما وليلة، ولما كان الليل أهم ما يتعلق به الغرض اعتبر القسم بالليالي، فيقال: يجعل لكل واحدة ليلة، واليوم تابع، وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، فالعدل الواجب هو المستطاع، كما هو الشأن في كل واجب، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. * * * * * (١١٩٨) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ، فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ». رواه الأربعة، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان وَالْحَاكِمُ، وَلَكِنْ رَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ إِرْسَالَهُ (١). (١١٩٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ (٢).

стр. 947

(١٢٠٠) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). (١٢٠١) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٢٠٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٢٠٣) وَعَنْ عُرْوَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتَ عِنْدَهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ وَاللَّفْظُ له، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٤). (١٢٠٤) وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ». الحديث (٥). (١٢٠٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «أَيْنَ أَنَا غَدًا؟»، يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). (١٢٠٦) وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). * * *

стр. 948

تضمنت هذه الأحاديث هديه ﷺ في القسم بين زوجاته الحديثة والقديمة، وفي سفره وإقامته، وما يتبع ذلك من مصالحته لبعض أزواجه في حقها، وتحريه للعدل في القسم، وإن لم يكن واجبًا عليه، لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاء﴾ [الأحزاب: ٥١]. وفي هذه الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه، ويعدل بينهن في القسم. ٢ - أن العدل الواجب في ذلك هو ما يملكه الإنسان، وهو المستطاع. ٣ - أنه لا لوم على الإنسان بترك ما لا يستطيع كالمحبة، وقيل: كالجماع؛ لأنه تابع للمحبة، والصحيح أن العدل في الجماع ممكن، فلا يحل له تعمد ترك جماع إحداهن ليتوفر للأخرى. مسألة: هل يجب على الرجل العدل بين زوجاته في الهبة والعطية، مما هو زائد على الواجب؟ ذهب كثير من الفقهاء من أصحاب المذاهب إلى أنه لا يجب العدل في مثل ذلك، فله أن يفضل إحدى زوجاته بهدية أو عطية، وهذا القول خلاف ظاهر الأدلة من الكتاب والسنة، كقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، وقوله ﷺ : «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» والعدل في الهبة والعطية مقدور عليه، فتجب مراعاته، ومن لا يعدل في ذلك لن تستقيم حياته الزوجية، بل يكون معهن في شقاق وشقاء، ولا يدفع الفساد والإثم بإخفاء ذلك، لقوله ﷺ : «وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» (١)، وقد يكون من دوافع تفضيل إحدى الزوجات مراعاة أولادها، لأن ما يخصها به يعود شيء من نفعه إليهم، فيفضي ذلك إلى نوع آخر من الجور، وهو ترك العدل بين الأولاد، والله أعلم.

стр. 949

٤ - جواز إضافة اللوم إلى الله في مقام النفي، كما في هذا الحديث، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين (٦)﴾ [المؤمنون: ٦]، وجاء في مقام الإثبات، كما روي في السنن: «إِنْ الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس» (١). ٥ - أن استطاعة العبد تكون بإقدار الله له، فلا يقدر إلا على ما أقدره الله عليه. وفي الحديث الثاني: ١ - وجوب العدل بين الزوجات، ومنه العدل في القَسم. ٢ - تحريم الميل إلى إحدى الزوجات بترك العدل المستطاع. ٣ - أنه من كبائر الذنوب. ٤ - أن الجزاء من جنس العمل. ٥ - أن من العقوبات على بعض الذنوب الفضيحة يوم القيامة، ولهذا شواهد من القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وكقوله ﷺ : «يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ فقيل هذه غَدْرَةُ فلانِ بنِ فلانٍ» (٢). وفي الحديثين الثالث والرابع: ١ - أن من حق الزوجة الجديدة إن كانت بكرًا الإقامة عندها سبع ليال بأيامها، وإن كانت ثيبًا فحقها ثلاث ليال. ٢ - الحكمة في هذا الفرق بين البكر والثيب، وهي ما استقر في العرف من تفضيل البكر على الثيب، وما تشعر به البكر من ذلك. ٣ - أن هذا التفضيل لا ينافي العدل الواجب، بل هو من العدل؛ لأن كل ما شرعه الله فهو عدل.

стр. 950

٤ - أن الزوجة الحديثة الثيب إذا اختارت التسبيع، جاز ذلك للرجل، ووجب لغيرها مثلها، ولم تكن لها مزية. ٥ - أن أم سلمة من أمهات المؤمنين، تزوجها النبي ﷺ بعد أبي سلمة. ٦ - أن الإقامة عند الثيب ثلاثًا ليس لهوان بها. ٧ - بيان ما يحتاج ذو العلاقة إلى بيانه ليكون على بينة، لقوله ﷺ : «إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي». وفي الحديث الخامس: ١ - جواز مصالحة المرأة زوجها بتنازلها عن حقها في القسم لتبقى في عصمته. ٢ - جواز أن تهب يومها وليلتها لإحدى ضراتها. ٣ - حكمة سودة أم المؤمنين ﵂ في تصرفها بإيثارها في يومها وليلتها عائشة أحبَّ نساء النبي ﷺ إليه، وقد نزل في هذا الصلح قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]. ٤ - أن من تنازل عن حق له سقط فلا يطالِب به، كالإبراء من الدين. ٥ - أن من طلقها النبي ﷺ فإنها لا تكون من أمهات المؤمنين، ولذا آثرت سودة أن تهب يومها وليلتها لعائشة، لتبقى في عصمة النبي ﷺ ، فيبقى لها فضل ذلك في الدنيا والآخرة. وفي أحاديث عائشة الأربعة الأخيرة: ١ - أن من هديه ﷺ أنه كان يطوف على نسائه في يوم إحداهن، أي يزورهن، حتى ينتهي إلى التي هو يومها، فيستقر عندها ويبيت، وفي هذا تجديد العهد مع كل واحدة حتى لا تطول الغيبة عنهن، وفيه إيناس لهن، وتوثيق للمودة.

стр. 951

٢ - أن زيارة الرجل لبعض نسائه في يوم إحداهن لا تنافي العدل، لكن من غير جماع، لقول عائشة: «فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ». ٣ - أن المهم من القسم المبيت، لقولها: «حَتَّى يَبْلُغَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتَ عِنْدَهَا». ٤ - قيام النبي ﷺ بحقوق الأهل مع ما هو متحمل من شؤون الأمة. ٥ - محبة النبي ﷺ لعائشة ﵂، ففيه شاهد لما في «الصَّحِيحَيْنِ»: قيل: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: «عَائِشَة» (١). ٦ - فضيلة عائشة ﵂ على سائر أزواجه ﷺ ، واختلف في أفضلهن، فقيل: عائشة، وقيل: خديجة ﵄، وقيل: كل واحدة منهما أفضل من وجه، فخديجة لسبقها ومؤازرتها للنبي في أول أمره، وعائشة لفقهها وعلمها وروايتها. ٧ - أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه حتى في مرضه إلى أن استقر في بيت عائشة بإذن نسائه، ويشهد له ما في «الصَّحِيحَيْنِ» أنه ﷺ مات في بيتها، وبين سحرها ونحرها (٢). ٨ - أن النبي ﷺ بشر تعتريه الأعراض البشرية من المرض وغيره. ٩ - حسن عشرة زوجات النبي ﷺ ، ومراعاتهن له فيما يحب. ١٠ - جواز سفر الرجل بإحدى نسائه، وتعيينها يكون بالقرعة، لا بالهوى والرغبة، إلا أن تأذن له البواقي بطيب نفس. ١١ - مشروعية القرعة لتعيين المستحق عند التساوي. * * * * *

стр. 952

(١٢٠٧) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). * * * هذا الحديث أصل في بيان منزلة الزوجة عند الرجل، وأنها ليست كالخادم. وفيه فوائد، منها: ١ - جواز ضرب الرجل امرأته في الجملة؛ لتقصيرها في حقه كما يشهد له قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، وقوله ﷺ : «فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» (٢). ٢ - تحريم امتهان الرجل امرأته بالضرب بشبهة الرخصة في ذلك. ٣ - أن للرجل سلطانًا على امرأته، كما يشهد له قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤]. ٤ - جواز ضرب الرجل عبده بلا عدوان، إذا أساء. ٥ - أن للرجل سلطة على عبده بالمعروف؛ لأنه مالكه. ٦ - أن الرجل يتحمل من الضرب ما لا تتحمله المرأة. ٧ - مراعاة الحكمة في الأفعال، وهي وضع الأمور في مواضعها، ومنها الفرق بين المختلفات. * * * * *

стр. 953

بَابُ الخُلْعِ الخُلع نوع من الفرقة بين الرجل والمرأة، وهو ما كان بسببها أو برغبتها، وهو يتم على عوض من جهتها أو من غيرها برضاها، والخُلع اسم مصدر من خلع الرجل امرأته، إذا فسخ نكاحها، وهو فسخ لا طلاق، ولا رجعة فيه، والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ومن السنة حديث امرأة ثابت بن قيس بن شماس ﵄، والخلع طريق لتخلص المرأة ممن لا ترضى عشرته والمقام معه، وهذا من حكمة الشريعة ومحاسنها. * * * * * (١٢٠٨) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْبَلِ الحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (١٢٠٩) وَفِي رِوَايَةٍ له: «وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا» (٢). (١٢١٠) ولأَبِي دَاوُدَ والتِّرمِذِيِّ وحسنه: «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً» (٣). (١٢١١) وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵄ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ دَمِيمًا، وَأَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ: «لَوْلَا مَخَافَةُ اللهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ فِي وَجْهِهِ» (٤).

стр. 954

(١٢١٢) ولأَحْمَدَ؛ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: «وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ خُلْعٍ فِي الْإِسْلَامِ» (١). * * * هذا الحديث برواياته في شأن امرأة ثابت بن قيس بن شماس هو الأصل من السنة في مشروعية الخلع. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن امرأة ثابت اختلعت منه، وأنه أول خلع وقع في الإسلام. ٢ - جواز أن تطلب المرأة الطلاق أو الخلع إذا كرهت زوجها، ولم تطق المقام معه لعيب في خَلْقه أو خُلُقه، فإن كان لظلمه جاز لها، ولم يحل له ما يأخذه منها. ٣ - أن المرأة إذا رغبت في الفرقة فللزوج أن يطالب بما أعطاها من المهر. ٤ - أن العوض يكون برد ما أخذت من الصداق؛ لقوله: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟»، قيل: لا تجوز طلب الزيادة على ما أخذت، وقيل: تجوز لقوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وينبغي أن يرجع في هذا إلى اجتهاد الحاكم عند التشاح. ٥ - وجوب الطلاق على الزوج إذا طلبت المرأة ذلك، وردت ما أخذت من الصداق. ٦ - أن الصداق قد يكون عقارًا. ٧ - أن عدة المختلعة تكون بحيضة، وذهب الجمهور إلى أن عدتها كالمطلقة. ٨ - أن الخلع فسخ وليس بطلاق، فلا يحتسب من عدد الطلقات، وفي ذلك ثلاثة مذاهب، قيل: إنه طلاق مطلقًا، وقيل: فسخ مطلقًا، وقيل: إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو فسخ، والله أعلم بالصواب، ومن الدليل

стр. 955

على أنه فسخ ما جاء في الرواية أن النبي ﷺ جعل عدتها حيضة، ومن الدليل على أنه طلاق قوله ﷺ : «وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». ٩ - أن الشقاق إذا كان من أحد الزوجين فلا حاجة إلى بعث الحكمين. ١٠ - أن الخلع نوع من الفرقة بين الزوجين، وهو طريق لتخلص المرأة من المقام على ما تكره. ١١ - الاحتياط لسلامة الدين؛ لقولها: «وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ»، والمراد بالكفر كفر الإحسان. ١٢ - أن الكراهة الطبيعية لا تنافي ما يجب من الموالاة الشرعية. ١٣ - ذكر المرأة السبب الباعث على طلب الفرقة لإقامة عذرها. ١٤ - الإرشاد إلى السنة في الطلاق وغيره؛ لقوله: «وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». * * * * *

стр. 956

كِتَابُ الطَّلَاقِ

стр. 957

الطلاق: اسم مصدر من طلَّق الرجل امرأته تطليقًا، وهو حَل عقدة النكاح الصحيح بما يدل عليه من الألفاظ، والأصل أنه بغيض شرعًا، ولكن الله شرعه إذا دعت إليه حاجة أو ضرورة، فهو من محاسن الإسلام. وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع، وهو من حيث حكمه تجري فيه الأحكام التكليفية الخمسة؛ فيجب إذا ترتب على بقاء النكاح مفسدة راجحة، لا تجوز الإقامة عليها، ويحرم كطلاق البدعة، ويستحب إذا ترجحت مصلحته، ويكره إذا كان بغير سبب، ويباح فيما سوى ذلك. * * * * * (١٢١٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ». رواه أبُوْ دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَرَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (١). (١٢١٤) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أنهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٢١٥) وَفِي رِوَايَةٍ لمسْلِمٍ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» (٣). (١٢١٦) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: «وَحُسِبَتْ عَلَيْهِ تَطْلِيقَةً» (٤).

стр. 958

(١٢١٧) وَفِي رِوَايَةٍ لمسْلِمٍ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أُرَاجِعَهَا، ثُمَّ أُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ» (١). (١٢١٨) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ» (٢). * * * هذان الحديثان قد تضمنا حكم الطلاق في سائر أحوال المرأة من حيث الطهر والحيض، وفي الحديث الأول حكم الطلاق إجمالًا، وفي الثاني بيان حكمه تفصيلًا. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن الأصل في الطلاق الحل مع الكراهة. ٢ - أن الله يبغض بعض الأفعال، وما أبغضه فهو حرام إلا أن يدل دليل على حله، كما في هذا الحديث. ٣ - بيان طلاق السنة وطلاق البدعة، فطلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يمسها فيه، أو حاملة بينة الحمل. وطلاق البدعة أن يطلقها حائضًا، أو في طهر جامعها فيه. ٤ - وجوب ارتجاع المطلقة في الحيض حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم بعد ذلك يخير بين إمساكها أو طلاقها. ٥ - أن من طلق زوجته في الحيض لزمه أن ينتظر حتى تطهر بعد الحيضة الثانية.

стр. 959

٦ - سؤال الرجل عن حكم ما فعله ابنه من طلاق ونحوه. ٧ - جواز طلاق الحامل، خلافًا لما يعتقده العامة. ٨ - جواز طلاق من لا تحيض لصغر أو إياس. ٩ - أن من ناب عن غيره في السؤال عن حكم شرعي يجب عليه أن يبلغه، ويأمره بما أمره الله به ورسوله. ١٠ - أن الأمر بما أمر الله به ورسوله تبليغ للشرع. ١١ - وقوع طلاق البدعة؛ لقوله: «وَحُسِبَتْ عَلَيْهِ تَطْلِيقَةً»، ولقوله: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» والرجعة إنما تكون بعد طلاق، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، وهو قول لابن عمر صاحب القصة، وذهب جمع من العلماء من السلف والخلف إلى عدم الوقوع؛ لأن ما كان محرمًا فليس عليه أمر الله ورسوله ﷺ ، فيكون مردودًا، وهذا القول قوي في النظر والدليل. وفي المسألة استدلالات من الجانبين ومناقشات طويلة، يرجع إليها في كتب الخلاف، وقد بسط ابن القيم أدلة الفريقين في «زاد المعاد»، ورجح -كشيخه - عدم الوقوع (١). ١٢ - تضييق الشرع لفرصة الطلاق مما يؤكد كراهته، ووجه ذلك تحريم الطلاق في الحيض، وفي الطهر الذي حصل فيه جماع، وهما غالب حال المرأة، وهو الوقت الذي تقل فيه الرغبة في المرأة، وهذا هو الصواب في الحكمة لا من أجل تضمن تحريم الطلاق تطويل العدة. ١٣ - أن الأحكام الشرعية قد يخفى بعضها على بعض أهل العلم. ١٤ - أن السنة تفسر القرآن؛ لقوله: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»، والمراد قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. * * * * *

стр. 960

(١٢١٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ؟ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٢٢٠) وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟». حَتَّى قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَقْتُلُهُ؟ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ (٢). (١٢٢١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَاجِعِ امْرَأَتَكَ»، فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا». رواه أبُوْ دَاوُدَ (٣). (١٢٢٢) وفي لفظ لأحمد: طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلَاثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَإِنَّهَا وَاحِدَةٌ». وَفِي سَنَدِهِمَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَفِيهِ مَقَالٌ (٤). (١٢٢٣) وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَقَالَ: «وَاللهِ مَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً»، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ (٥). * * * هذه الأحاديث تضمنت حكم طلاق الثلاث مجموعة بلفظ واحد، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن جمع الثلاث بدعة، فهو محرم، ولكنه يقع ثلاثًا، وذهب جمع من السلف والخلف إلى أنه يقع واحدة، واستدل على تحريمه

стр. 961

-أي جمع الثلاث - بحديث محمود بن لبيد المذكور، واستدل القائلون بأنه يقع واحدة بحديث ابن عباس، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله (١). واستدل الجمهور على أن جمع الطلاق يقع ثلاثًا بما جاء في حديث اللعان، وأن الرجل قال: هي طالق ثلاثًا، وأن الرسول ﷺ فرق بينهما (٢)، وقد نوقش هذا الاستدلال بأن تفريق النبي ﷺ لا بالطلاق، بل لمجرد اللعان، واستدلوا بإمضاء عمر ﵁ الطلاق على من طلق ثلاثًا جميعًا، وبموافقة جمهور الصحابة له. وفي الأحاديث فوائد، منها: ١ - أن غاية ما يملكه الرجل من الطلاق ثلاث تطليقات. ٢ - تحريم جمع الثلاث. ٣ - أن طلاق الثلاث مجموعة كان على عهد رسول الله ﷺ واحدة، وكذلك في عهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر. ٤ - أن من السياسة الشرعية إلزام من خالف حكم الشرع بموجَب قوله، لذلك ألزم عمر ﵁ من طلق ثلاثًا جميعًا بوقوع الطلقات الثلاث. ٥ - قوة مذهب من جعل طلاق الثلاث واحدة؛ لأن العمل على ذلك في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁. ٦ - الغضب عند الموعظة. ٧ - شدة غيرة النبي ﷺ إذا انتهكت محارم الله.

стр. 962

وفي حديث أبي ركانة ﵁: ٨ - أن طلاق الثلاث مجموعة أو مفرقة يكون واحدًا، تباح بعده الرجعة، كما في الرواية الأولى لأَبِي دَاوُدَ وعِنْدَ أحمَدَ. ٩ - أن «الْبَتَّةَ» كناية يقع بها ما نواه، فإن نوى الثلاث فعلى الخلاف، وإن نوى واحدة فواحدة، كما تفيده الرواية الثانية عند أبي داود. * * * * * (١٢٢٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). (١٢٢٥) وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ: «الطَّلَاقُ، وَالْعِتَاقُ، وَالنِّكَاحُ» (٢). (١٢٢٦) وَلِلْحَارِثِ ابْنِ أَبِي أُسَامَةَ: مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَفَعَهُ: «لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ فِي ثَلَاثٍ: الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعِتَاقُ، فَمَنْ قَالَهُنَّ فَقَدْ وَجَبْنَ». وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (٣). (١٢٢٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). (١٢٢٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يَثْبُتُ (٥).

стр. 963

هذه الأحاديث إلى آخر الباب تضمنت حكم أنواع من الطلاق، وهي طلاق الهازل، والمكره، والمخطئ، وغير المكلف، والطلاق في النَّفْس، وحكم بعض كنايات الطلاق، والطلاق قبل النكاح. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن كلام الهازل في الطلاق والنكاح والرجعة ككلام الجاد يقع مقتضاه. ٢ - أن كلام الهازل في العتق ككلام الجاد، والهازل من لا يريد من كلامه حقيقته ولا حصول مقتضاه، واختلف العلماء في طلاق الهازل ونكاحه، فذهب أكثر العلماء إلى أنه يلزمه موجَب قوله وإن لم ينوه، لحديث أبي هريرة: «ثَلَاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ». وذهب آخرون إلى عدم وقوع طلاق الهازل وعدم صحة عقوده، لخلوها عن النية، لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١)، ورد هذا بأن الهازل قاصد لمعنى كلامه، غير قاصد لحصول مقتضاه، ووقوع مقتضى كلامه ليس إليه، بل إلى الشرع، فمن تكلم بكلام وهو يريد معناه أخذ به، فلهذا: من تكلم بكلمة الكفر، وهو يعلم معناها -وإن كان لا يريد أن يكفر - فإنه يكفر بذلك. ٣ - أن مجرد حديث النفس لا يقع به طلاق ولا غيره، ولو عزم عليه بقلبه ولم يعمل ولم يتكلم مع قدرته على ذلك. ٤ - أن طلاق الناسي والمخطئ والمكره لا يقع، لحديث: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، فمن طلق ساهيًا أو سبق لسانه بالطلاق أو أكره على الطلاق، لم يقع طلاق واحد منهم، وذلك لخلو الكلام

стр. 964

عن النية، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على صحة معنى هذا الحديث، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، «قَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ» (١)، وقال سبحانه: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقد عذر الله من تكلم بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. ٥ - أن القول الراجح هو العفو عن الخطأ والنسيان في الطلاق بفعل المحلوف عليه أو تركه خطأً أو نسيانًا. ٦ - أن من قال قولًا أو عمل عملا فإنه يؤاخذ به، إلا أن يكون خطأً أو نسيانًا أو عن إكراه. ٧ - أنه إذا قرن القول بالعمل أو الفعل فإن القول يختص بعمل اللسان، وإذا أطلق العمل أو الفعل دخل فيه القول. ٨ - رحمة الله بهذه الأمة، حيث وضع عنها المؤاخذة بحديث النفس والخطأ والنسيان والإكراه. ٩ - إثبات الحكم المطلق لله، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فالحلال ما حلَّله، والحرام ما حرَّمه، والدين ما شرعه، والعفو ما عفا عنه. * * * * * (١٢٢٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ». وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). (١٢٣٠) وَلِمُسْلِمٍ: «إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا» (٣). * * *

стр. 965

هذا الحديث يتضمن حكم تحريم الرجل لزوجته، مثل أن يقول: أنت عليَّ حرام، وقد اختلف السلف والخلف في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا، على أكثر من خمسة عشر قولًا، ذكرها ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١). منها: أنه ظهار، كقوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فتجب فيه كفارة الظهار. ومنها: أنه طلاق بائن إذا نوى به الطلاق. ومنها: أنه كتحريم الأمة السُّرية، وكتحريم الطعام، فتكون يمينًا مكفرة، وهذا ما يقتضيه قول ابن عباس ﵄، وقوله: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة يشير به إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم (٢)﴾ [التحريم: ١ - ٢]، وهذه الآيات نزلت في تحريم النبي ﷺ على نفسه العسل الذي كان يشربه عند بعض أزواجه، إرضاءً لبعضهن (٢)، أو تحريمه لمارية ﵂، كما جاء في سبب النزول (٣)، وجمهور العلماء يفرقون بين تحريم السُّرية، وتحريم الزوجة، ولهذا اتفقوا أن تحريم السُّرية كتحريم الطعام، تجب فيه كفارة اليمين، لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وأما تحريم الزوجة ففيه الاختلاف الذي سبقت الإشارة إليه (٤). والراجح ما ذهب إليه ابن عباس ﵄، وهو أن تحريم الرجل امرأته يمينٌ تَحُلُّها الكفارة، كتحريم السُّرية، وقد رفع ابن عباس هذا الحكم إلى رسول الله ﷺ بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ومحل هذا فيما إذا قال الرجل ذلك منشئًا يريد تحريمها على نفسه وامتناعه منها، كما يُحَرِّم الرجل سريته على نفسه أو الطعام، كما جاء في سبب نزول الآية، أما إذا قال:

стр. 966

أنتِ عليَّ حرام، على وجه الخبر، فهو كذب، ولا تكون يمينًا، ولا تجب عليه كفارة. وهذا أحسن ما يحمل عليه اختلاف الروايتين عن ابن عباس ﵄. ولما ذكر ابن القيم المذاهب بدأ بهذا القول، وذكر أنه «قاله شيخا الإسلام وبصرا الدين وسمعُه أبو بكر وعمر ﵄، وتبعهما حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵄»، ثم عرض ابن القيم المذاهب وأدلتها ومآخذها، على نحو سياق ابن حزم (١)، ورجح قول شيخه ابن تيمية حيث قال: «وفي المسألة مذهب آخر وراء هذا كله، وهو أنه إن أوقع التحريم كان ظهارًا، ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينًا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل النص والقياس» (٢)، وللشيخ محمد العثيمين ﵀ في قول الرجل لامرأته: أنت عليَّ حرام تفصيل حسن، ذكره في شرح الزاد، لعله يجمع أهم المذاهب في هذه المسألة، قال ﵀: «القول الراجح أنه إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، ونوى به الخبر دون الإنشاء، فإننا نقول له: كذبت، وليس بشيء؛ لأنها حلال، كما لو قال: هذا الخبز عليَّ حرام، يريد الخبر لا الإنشاء، فنقول: كذبت، هذا حلال، لك أن تأكله. وإذا نوى الإنشاء، أي: تحريمها، فهذا إن نوى به الطلاق فهو طلاق؛ لأنه قابِلٌ لأن يكون طلاقًا، وإن نوى به الظهار فهو ظهار، وإن نوى به اليمين فهو يمين» (٣). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن في تحريم الرجل امرأته عن ابن عباس روايتين؛ إحداهما: أنه ليس بشيء، والثانية: أنها يمين مكفرة، والأشبه: حمل الرواية الأولى على الثانية،

стр. 967

وتأويل قوله: «لَيْسَ بِشَيْءٍ» أنه لا يوجب تحريمًا، ليس مراده أنه لا يجب فيه الكفارة. ٢ - تعظيم ابن عباس ﵄ للسنة، استدلالًا واحتجاجًا بها على المخالف، كما احتج على معاوية ﵁ باستلام الركنين الشاميين بأن النبي ﷺ لم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (١). ٣ - أن الحجة بالسنة، لا برأي أحد من الناس، ويشهد لهذا ما جاء عنه ﵁ في شأن متعة الحج أنه قال لمن نازعه فيها: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟» (٢). * * * * * (١٢٣١) وَعنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا. قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، قَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣). * * * في هذا الحديث بيان حكم الكناية في الطلاق، والمراد بالكناية اللفظ المحتمل الطلاق وليس نصًّا فيه، ومن ذلك قول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك، وحكم كناية الطلاق عند العلماء اعتبار النية فيها أو القرينة كسؤال المرأة الطلاق.

стр. 968

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن النبي ﷺ تزوج ابنة الجون. ٢ - أن النبي ﷺ طلقها. ٣ - أن من كنايات الطلاق قول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك، وهي في هذا الحديث قد أراد النبي ﷺ بها الطلاق؛ لقوله: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ»، بخلاف ما جاء في قصة كعب بن مالك أنه قال لامرأته: «الحقي بأهلك» (١)؛ إذ لم يرد طلاقها، وإنما أراد مجرد اعتزالها، لأمر النبي ﷺ بذلك. ٤ - أن من طلقها النبي ﷺ لا تكون من أمهات المؤمنين. ٥ - أن من تعظيم الله إعاذة من استعاذ به، ففيه شاهد لقوله ﷺ : «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ» (٢). ٦ - أن ابنة الجون كانت غِرَّة، وقد جاء في قصتها أن بعض النساء قلن لها: إذا دخل عليكِ رسولُ الله فقولي: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ»، فخدَعْنها (٣). * * * * * (١٢٣٢) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ». رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (٤).

стр. 969

(١٢٣٣) وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ: عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِثْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ أَيْضًا (١). (١٢٣٤) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَنُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهِ (٢). * * * هذه الأحاديث الثلاثة موضوعها واحد، وهي أصلٌ في حكم التصرف في الشيء قبل مِلكه، وقد شملت الأحاديث ثلاثة أمور: الأول: الطلاق قبل النكاح. الثاني: العتق قبل المِلك. الثالث: النَّذر قبل المِلك. والأحاديث الثلاثة مختلف في الاحتجاج بها، ولكنها بمجموعها مع الآثار عن الصحابة تنهض للاحتجاج بها والعمل بها، وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن الأحكام مرتبطة بأسبابها. ٢ - أن العقود تقتضي جواز التصرف المناسب لها. ٣ - صحة الطلاق بعد النكاح. ٤ - أنه لا يصح الطلاق قبل النكاح، لا منجَّزًا ولا معلَّقًا، وفي المعلَّق قولان، كما لو قال: إن تزوجتُ فلانة فهي طالق، والصحيح أنه لا يقع؛ لأنها ليست محلًّا للطلاق، والمطلِّق ليس أهلا لهذا التصرف؛ لأنه ليس زوجًا.

стр. 970

٥ - صحة العتق بعد المِلك. ٦ - أنه لا يصح قبل المِلك، كما لو قال: عبدُ فلانٍ حرٌّ، أو: هذا العبد حرٌّ، فلو ملَكه لم يعتق، وإن علَّق عتقه على مِلكه فملَكه لم يعتق عند الجمهور، ويعتق عند الإمام أحمد ﵀؛ لأنه يفرق بين العتق والطلاق؛ لأن مِلك العبد يُقصد للعتق، بخلاف الطلاق؛ فإن النكاح لا يُقصد لأجل الطلاق عند العقلاء، ويقال أيضا: إن الشرع له تشوُّفٌ إلى تحرير الرقيق. ٧ - أن النَّذر لا يلزم إلا فيما يملكه الإنسان؛ فمن نذر التصدق بمعيَّن لا يملكه، أو عِتْقَ عبد لا يملكه لم يلزم التصدق ولا العتق بعد المِلك، اللهم إلا على قول الإمام أحمد في العتق، كما تقدم. * * * * * (١٢٣٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يَفِيقَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل في سقوط التكليف عن المذكورين: النائم والصغير والمجنون، ونحوهم، وقد أجمع العلماء على معنى هذا الحديث في الجملة، ولهذا اشترطوا البلوغ والعقل في وجوب الواجبات، وفي ترتب الإثم على فعل المحرمات، وأما النائم فكذلك لا يأثم بترك واجب ولا فعل محرم، ولكن يتعلق به الوجوب، ولذلك يجب عليه قضاء ما فاته في نومه من الصلوات، والمراد بالقلم قلم التكليف، ورفع القلم معناه لا تكتب عليه السيئات، ولا يؤاخذ بترك واجب ولا فعل محرم؛ لفقد شرط التكليف،

стр. 971

وهو البلوغ والعقل، ويلحق بالنائم والمجنون كل من زال عقله بسبب ليس باختياره، أما من زال عقله بسبب محرم كالسكران، فللعلماء تفصيل في حكم أقواله وأفعاله. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن النائم غير مكلف. ٢ - أن المجنون غير مكلف. ٣ - أن الصغير غير مكلف. ٤ - أن شرط التكليف العقل والبلوغ. ٥ - أن كل من زال عقله لا يؤاخذ بأقواله وأفعاله فيما يتعلق بحقوق الله، وأما ما يتعلق بحقوق العباد فيؤاخذ بأفعاله، فيضمن ما أتلفه. ٦ - أن السكران لا يقع طلاقه، وكذلك الغضبان غضبًا يغيب عقله. ٧ - يسر الشريعة ورحمة الله بعباده. ٨ - أن المذكورين ونحوهم لا تكتب سيئاتهم بخلاف سواهم. * * * * *

стр. 972

بَابُ الرَّجْعَةِ المراد بالرجعة: رد الرجل امرأته المطلقة إلى ما كانت عليه قبل الطلاق، وشروطها: أن تكون في العدة من طلاق رجعي في نكاح صحيح. والأصل في مشروعية الرجعة قوله تعالى في المطلقات: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: في مدة التربص، وليس من شروط الرجعة رضا الزوجة؛ لأن الرجعة حق للزوج على مطلقته الرجعية، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وتثبت بما يدل عليها من قول أو فعل، والمطلقة الرجعية زوجة إلا أنه لا قسم لها. * * * * * (١٢٣٦) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ، ثُمَّ يُرَاجِعُ، وَلَا يُشْهِدُ؟ فَقَالَ: «أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا». رَوَاهُ أبُوْ دَاوُدَ هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ (١). (١٢٣٧) وأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄ سُئِلَ عَمَّنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُشْهِدْ، فَقَالَ: «فِي غَيْرِ سُنَّةٍ فَلْيُشْهِدِ الآنَ» (٢). (١٢٣٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ،؛ أنهُ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * هذه الأحاديث هي الأصل من السنة في جواز الرجعة.

стр. 973

وفي هذه الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - جواز الرجعة. ٢ - مشروعية الإشهاد عليها وعلى الطلاق، وقد أمر الله بالإشهاد على الرجعة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، والآية والحديث يدلان على وجوب الإشهاد؛ لأن فيهما الأمر به. ٣ - أن من لم يشهد على الطلاق والرجعة يشهد ولو بعد وقت؛ لقول عمران: «فَلْيُشْهِدِ الآنَ». ٤ - أن من طلق امرأته في الحيض يؤمر بمراجعتها. * * * * *

стр. 974

بَابُ الإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ وَالكَفَّارَةِ أدرج المؤلف ﵀ في هذه الترجمة ثلاث مسائل؛ الإيلاء والظهار والكفارة، والإيلاء: أن يحلف الرجل على ترك جماع زوجته مطلقًا أو أكثر من أربعة أشهر، وقد ذكر الله حكمه في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فينظر المولي أربعة أشهر ليرجع عن حلفه، أو يطلق، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فيمهل المولي أربعة أشهر، ثم يوقف ويؤمر؛ إما أن يفيء، أو يطلق. الثاني -مما ذكره المؤلف-: الظهار، وهو أن يقول لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، وهذا منكر من القول وزور، وهو كلام باطل، فالزوجة حلال وطؤها، والأم أعظم من يحرم عليه نكاحها، وفي حكم الأم سائر المحرمات في النكاح؛ كالبنت والأخت، ولا يختص الظهار بذكر الظهر، بل يشمل كل أعضاء المحرَّمة؛ كالبطن والفرج، وهذا قول الجمهور، وخصَّ ابن حزم الظهار بالظهر من الأم؛ لأن أصله عدم القياس (١). الثالث: الكفارة، والمراد كفارة الظهار، وتجب بالعزم على الوطء، وهو المراد من العود على قول الجمهور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، وحكم الظهار وكفارته ذكرهما الله في آيات سورة المجادلة من قوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِّسَائِهِم مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٤]، فكفارة الظهار أحد ثلاثة أشياء مرتبة؛ عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا. * * * * *

стр. 975

(١٢٣٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا (١)، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (٢). (١٢٤٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وُقِفَ الْمُؤْلِي حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣). (١٢٤١) وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: «أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْمُولِي». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (٤) .. (١٢٤٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ إِيلَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَوَقَّتَ اللهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ». أخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (٥). * * * هذه الأحاديث تضمنت حكم الإيلاء. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن النبي ﷺ آلى من نسائه، وجاء في بعض الروايات: آلى من نسائه شهرًا (٦). ٢ - أنه ﷺ حرم على نفسه بعض ما أحل الله له، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، قيل: المراد بذلك أَمَتُه، وقيل: المراد العسل الذي كان يشربه عند بعض نسائه.

стр. 976

٣ - أنه ﷺ جعل ما حرمه على نفسه حلالًا، طاعة لله تعالى، وكفَّر عن يمين التحريم، لا يمين الإيلاء، لأنه ﷺ برَّ بيمينه في الإيلاء، فقد سمَّى الله التحريم يمينًا في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وهذا معنى قول عائشة: «فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً»، وليس مرادها يمين الإيلاء؛ فإنه ﷺ آلى من نسائه شهرًا، وبر بيمينه. ٤ - أن المولي إذا مضى عليه أربعة أشهر ولم يف فإنه يوقف ويؤمر؛ إما أن يطلق أو يفيء، ولا تطلق امرأته بمجرد مضي الأشهر، ولا يطلِّق عليه الحاكم إلا إذا امتنع من الفيئة والطلاق. ٥ - أن إيلاء النبي ﷺ من نسائه ليس هو الإيلاء في الاصطلاح، بل هو إيلاء لغوي. ٦ - أن مدة الإيلاء في الجاهلية تبلغ السنة والسنتين، فجعلها الله أربعة أشهر. * * * * * (١٢٤٣) وَعَنْهُ ﵄؛ أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، قَالَ: «فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ (١). (١٢٤٤) ورواه البَزّارُ: مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ فِيهِ: «كَفِّرْ وَلَا تَعُدْ» (٢).

стр. 977

(١٢٤٥) وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ، فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَتِي، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ لَيْلَةً، فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حَرِّرْ رَقَبَةً» قُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إِلَّا رَقَبَتِي. قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قُلْتُ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنْ الصِّيَامِ؟ قَالَ: «أَطْعِمْ عِرْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا». أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ إلا النَّسَائِيَّ، وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الْجَارُودِ (١). * * * هذه الأحاديث دلت على ما دل عليه القرآن من كفارة الظهار، وهي واحد من ثلاثة مرتبة؛ عتق رقبة، فمن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، فمن لم يجد فيطعم ستين مسكينًا، وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب الكفارة على من ظاهر من امرأته. ٢ - بيان خصال كفارة الظهار. ٣ - أنها على الترتيب؛ عتق فصيام فإطعام. ٤ - جواز جهر المستفتي بما يستحيا من ذكره. ٥ - حسن خلقه ﷺ . ٦ - تحريم الجماع ودواعيه على المظاهر قبل الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤].

стр. 978

٧ - أن من جامع قبل أن يكفر فليس عليه كفارة أخرى. ٨ - أن من جامع قبل أن يكفر فقد أساء، وحكم التحريم باقٍ. ٩ - أن الظهار ليس حكمه حكم اليمين، فيحصل التحلل منه بكفارة اليمين. ١٠ - أنه يجوز للمستفتي أن يبين للمفتي حاله مع هذه الفتوى، ويعتذر عمَّا أوجب عليه. ١١ - أن الوجوب منوط بالاستطاعة. ١٢ - وجوب التتابع في صيام كفارة الظهار. ١٣ - أنه لا يشترط في كفارة الظهار أن تكون الرقبة مؤمنة. ١٤ - أن الفقير والمسكين يعبَّر بكل واحد منهما عن الآخر. * * * * *

стр. 979

باَبُ اللِّعَانِ اللِّعان: مصدر لاعَن يُلاعِن لِعانا ومُلاعنة، ومعناه: التَّلاعُن من الطَّرفين بأن يلعن أحدهما الآخر، وأصل اللعن في اللغة: السبُّ والدعاء بالطَّرد والإبعاد، واللَّعن من الله هو الطَّرد والإبعاد من رحمته. واللِّعان في الشرع: هو ما يشرع للزوجين إذا رمى الزوج زوجته بالزنا من الشهادات والدعاء على نفسه، وبه يدرأ حد القذف عن الزوج، ويثبت حد الزنا على المرأة إذا تمت الشهادات من الرجل ونكلت المرأة عن الشهادات، ويندفع عنها الحد بشهاداتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِين (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين (٩)﴾ الآيتين [النور: ٨، ٩]. وقد وقع اللعان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل فيه أربع آيات في سورة النور من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، إلى آخر الآيات. * * * * * (١٢٤٦) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «سَأَلَ فُلَانٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ! فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فَوَعَظَهَا كَذَلِكَ، قَالَتْ:

стр. 980

لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٢٤٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ تَعَالَى، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَالِي؟ قَالَ: «إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٢٤٨) وَعَنِ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا، فَهُوَ لِلَّذِي رَمَاهَا بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٢٤٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا مُوجِبَةٌ». رواه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٤). (١٢٥٠) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ: «فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا،، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). * * * في هذه الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن اللِّعان وسببه وقع في عهد النبي ﷺ . ٢ - أن سبب نزول آيات اللعان قصة عويمر العجلاني مع امرأته.

стр. 981

٣ - فيها شاهد لقولهم: إن البلاء موكل بالمنطق، فمن كان في عافية فلا يفرض وقوعه في البلاء. ٤ - صفة اللِّعان بين الزوجين. ٥ - حضور الإمام أو نائبه عند اللِّعان بين الزوج القاذف والمرأة. ٦ - أن اللِّعان يدرأ حد القذف عن الرجل؛ لقوله ﷺ : «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» (١)، فإذا امتنع الرجل من اللعان وجب على الزوج حد القذف. ٧ - أن المرأة إذا أصرت على تكذيب الزوج وأدت الشهادات فإنها لا تحد. ٨ - دعوة المتلاعنين إلى التوبة. ٩ - وعظ الإمام المتلاعنين حتى لا يقدما على الكذب. ١٠ - البداءة في اللِّعان بالرجل؛ لأنه المدعي. ١١ - أن المتلاعنين لا بد أن يكون أحدهما كاذبا. ١٢ - أنه إذا تم اللِّعان فرق بينهما. ١٣ - أن هذه الفرقة لا توجب رد شيء من المهر. ١٤ - أن المهر عوض عن استحلال الاستمتاع. ١٥ - أن المهر لا يرد إلى الزوج، ولو قدِّر أنه صادق؛ لقوله: «إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا». ١٦ - حسن تعليمه ﷺ ؛ لقوله: «إِنْ كُنْتَ .. وإِنْ كُنْتَ». ١٧ - الاستدلال بالشَبَه في الخلقة. ١٨ - أن الشَّبَه لا يرفع حكم اللِّعان.

стр. 982

١٩ - أن الملاعِنة إذا جاءت بمولود يشبه الزوج دلَّ ذلك على صدقها وكذبه، ولا يثبت بذلك نسبه، إلا إن أقرَّ به الزوج واستلحقه، وإن أشبه المولودُ مَنْ رُميت به دلَّ على صدق الزوج وكذبها. ٢٠ - أن نسبة المولود إلى الواطئ تكون كونية لا توجب نسبًا شرعيا، كما في هذا الحديث؛ لقوله: «فَهُوَ لِزَوْجِهَا»، وقوله: «فَهُوَ لِلَّذِي رَمَاهَا بِهِ»، بخلاف قوله ﷺ في الحديث الآخر: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١)، فتجتمع النسبتان الكونية والشرعية في المولود من وطء يلحق به النسب، وتنفرد النسبة الكونية في نسبة الولد إلى الزاني، كما في قوله ﷺ : «فَهُوَ الَّذِي رَمَاهَا بِهِ»، وكما في حديث جريج: «مَنْ أَبُوكَ يَا غُلامُ؟» (٢)، وتنفرد النسبة الشرعية في المولود من زنا على فراش الزوج أو السيد؛ لحديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ»، والمراد بالفراش الزوجة أو السرية. ٢١ - استحباب أن يضع إنسان يده على فم الملاعن عند الخامسة؛ لعظم خطرها، وهي قوله: إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ٢٢ - خطر من دعا على نفسه، وهو يعلم أنه كاذب. ٢٣ - جواز جمع الطلاق الثلاث؛ لإقرار النبي ﷺ للملاعن على ذلك، كذا قيل، وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأن الفرقة باللِّعان مؤبَّدة، فلا أثر لذلك الطلاق. ٢٤ - أن قذف الزوج لامرأته برجل إنما يوجب حد القذف لحق المرأة. * * * * *

стр. 983

(١٢٥١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أن رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ. قَالَ: «غَرِّبْهَا». قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي. قَالَ: «فَاسْتَمْتِعْ بِهَا». رواه أبُوْ دَاوُدَ والبَزَّارُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١) .. (١٢٥٢) وأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ من وجه آخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظٍ قَالَ: «طَلِّقْهَا». قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا. قَالَ: «فَأَمْسِكْهَا» (٢). * * * هذا الحديث تضمن حكم إمساك المرأة الضعيفة العفة، مثل التي تتهاون بالزنى الأصغر؛ كاللمس والنظر والكلام، بفعل منها، أو بفعل غيرها معها، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث، وهذا هو معنى قوله: «لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ»، وليس المراد أنها تفعل الفاحشة الكبرى؛ لأن النبي ﷺ رخَّص بإمساكها، ولا يمكن أن يأذن الرسول ﷺ بالإقامة مع امرأة تصر على فعل الفاحشة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين (٣)﴾ [النور: ٣]، ومن فهم من إذن الرسول ﷺ للرجل بإمساكها أنه يلزم منه جواز إمساك الزانية فقد اضطر إلى تأويل اللمس بمعنى بعيد عن سياق الحديث، وهو أنها لا ترد يد ملتمس للصدقة، فيفضي ذلك إلى إفساد ماله، والصواب ما تقدم، وقوله ﷺ للرجل: «غَرِّبْهَا» أي: أبعدها، يريد الطلاق، كما تدل عليه رواية النَّسَائِيِّ، ولهذا قال: «أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي»، أي: تتعلق بها، فلا أسلو عنها، لذلك رخص له النبي ﷺ بإمساكها تيسيرًا عليه، ودفعًا للحرج الذي خافه.

стр. 984

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم لمس المرأة الأجنبية، ولا سيما إذا كانت ذات زوج، وهو زنى اليد، كما جاء في الحديث: «واليد تزني، وزناها اللمس» (١). ٢ - استحباب مفارقة المرأة المتهاونة بمثل هذا. ٣ - جواز إمساكها إذا خاف من فراقها مفسدة أكبر من الإقامة معها. ٤ - غيرة الصحابة ﵃ على نسائهم. ٥ - بناء الفتوى على قول المستفتي المدعي، بخلاف المدعي في الخصومة. ٦ - فيه شاهد لقاعدة احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. ٧ - أن المشقة تجلب التيسير. ٨ - بناء الشريعة على التيسير. ٩ - ضعف الإنسان في أمر النساء. * * * * * (١٢٥٣) وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ -وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ- احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ، وَفَضَحَهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ». أخْرجَهُ أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (٢).

стр. 985

(١٢٥٤) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «مَنْ أَقَرَّ بِوَلَدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ (١). (١٢٥٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ؟ قَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟» قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: «هَلْ فِيهَا مَنْ أَوْرَقَ؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَنَّى ذَلِكَ؟»، قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: «فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذه الأحاديث تضمنت حكمين: ١. تحريم أن تزني المرأة ذات الزوج، فتحمل من الزنى وتلد فينسب لزوجها وعشيرته، وهو معنى قوله: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ … ». ٢. تحريم أن يجحد الرجل ولده وهو يعلم أنه منه، وهو معنى قوله: «وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ -وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ- … »، وكل من الأمرين من كبائر الذنوب. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم أن تتسبب المرأة بزناها بإدخال ولدها من الزنى على من ليس منهم، فتجمع بين الزنا والافتراء، وهذا هو البهتان الذي قال الله فيه: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، قال ابن عباس: «يعني: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم» (٣). ٢ - تحريم أن ينفي الرجل ولده، وهو يعلم أنه منه. ٣ - أن من مقاصد الشريعة حفظ النسب، وهذا أحد الضروريات الخمس.
следующие страницы →