سبحانه أعلم. وقوله: شرطا، أعربه الش: حالا من "ترتيب"، والعامل، "وجب"، وأعربه غيره صفة لمصدر محذوف؛ أي وجوبا شرطا. قاله الشيخ إبراهيم.
وأشار إلى الثالثة بقوله: والفوائت في أنفسها؛ يعني أنه يجب مع الذكر والقدرة وجوبا غير شرط ترتيب الفوائت في أنفسها، ومعنى الترتيب أن يأتي بكل واحدة في مرتبتها الأولى فالثانية فالثالثة، وهكذا ولهذا لا يعيدها إذا نكس ولو عمدا؛ إذ بالفراغ منها يخرج وقتها، وهذا الذي مشى عليه المصنف ذكره المازري وغيره. وفي ترتيب الفوائت ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقا، والسنة والوجوب مع الذكر، والسقوط مع النسيان. قاله غير واحد. وقوله: "والفوائت في أنفسها"، سواء كانت يسيرة أو كثيرة.
وأشار إلى الرابعة بقوله: ويسيرها مع حاضرة: يعني أنه يجب مع الذكر والقدرة ترتيب يسير الفوائت مع الحاضرة؛ بأن يبدأ بيسير الفوائت قبل إتيانه بالحاضرة حيث كان ذاكرا قادرا. وإن خرج وقتها؛ يعني أف يجب تقديم يسير الفوائت على الصلاة الحاضرة وإن كان الإتيان بيسير الفوائت قبل الحاضرة، يؤدي إلى فعل الحاضرة بعد خروج وقتها. وفي الحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها، فإن وقتها ذكرها (١)). وما مشى عليه المصنف هو مذهب المدونة وهو المشهور، وقال ابن وهب: يبدأ بالحاضرة، وقال أشهب: يبدأ بأيهما أحب، وقال ابن مسلمة: يبدأ بالفوائت وإن كثرت إذا كان يأتي بجميعها مرة واحدة.
وهل أربع؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في حد اليسير الذي يجب تقديمه على الحاضرة، هل هو أربع فدون كما في الرسالة؟ وهو ظاهر المدونة عند سند وجماعة، ونقله في النوادر عن سحنون: وعليه فما زاد على الأربع كثير أو حد اليسير. خمس؛ أي خمس صلوات فدون إلى واحدة، والكثير على هذا ما زاد على الخمس المازري: وهو مشهور مذهب مالك، وإليه ذهب ابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب، وقاله مالك في العتبية، وذكره عنه ابن حبيب؛ وهو ظاهر المدونة عند
стр. 1017
جماعة. قاله الشارح. وقوله: خلاف، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك خلاف ومحله في الخمس، فالأربع من حيز اليسير اتفاقا كما لابن يونس، وطريقة ابن رشد أن الأربعة مختلف فيها كالخمس والست كثيرة اتفاقا، وقال الرماصي: وتقدم الحاضرة على كثير الفوائت جدا كالخمسة عشر: والكثير لا جدا يبدأ به ما لم يخف فوات وقت الحاضرة، وحد الكثير الخمس أو الست، ولابن مسلمة أنه: يبدأ بالكثير ولو صلاة شهرين، وإن خرج وقت الحاضرة إذا كان لا يفارق الكثير حتى يصليه جميعا. وقد مر عن الشيخ الأمير: أن من اليسير مع الحاضرة مشتركتان ضاق الوقت عن أولاهما.
فإن خالف ولو عمدا أعاد؛ يعني أن الشخص إذا خالف ما أمر به في هذا القسم الأخير، بأن قدم الحاضرة على يسير الفوائت كانت المخالفة عمدا أو سهوا، فإنه يعيد ندبا الحاضرة بعد إتيانه بيسير الفوائت ويعيدها. بوقت الضرورة المدرك فيه ركعة بسجدتيها، وشمل قوله: أعاد مغربا صليت في جماعة وعشاء بعد وتر، وأولى إذا صلاهما فذا وله حينئذ إعادتهما جماعة فيما يظهر؛ لأن القصد الترتيب لا فضل الجماعة. كما قاله الشيخ عبد الباقي. ورد بقوله: "ولو عمدا"، قول مطرف وابن الماجشون: إنه يعيد أبدا، روياه عن مالك.
وفي إعادة مأمومة؛ يعني أن الإمام إذا أمر بالإعادة لكونه قدم الحاضرة على يسير الفوائت فإنه اختلف في إعادة مأمومه؛ لأن الخلل في صلاة الإمام خلل في صلاة المأموم، وعدم إعادته لأنه لا خلل في صلاة المأموم وإنما هو في صلاة الإمام. وقوله: خلاف. مبتدأ، وخبره قوله: "في إعادة"، والراجح عدم الإعادة؛ إذ هو الذي رجع إليه الإمام، وأخذ به ابن القاسم وجماعة من أصحاب الإمام، ورجحه اللخمي، وأبو عمران، وابن يونس. واقتصر عليه ابن عرفة وابن الحاجب، قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. والفرق بين جريان الخلاف هنا وعدم جريانه في مأموم طلب إمامه بالإعادة لنجاسة حيث جزموا بإعادة المأموم تبعا لإمامه قوة الخلل بالنجاسة على خلل الترتيب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وفي إعادة مأمومه"، القول بالإعادة شهره ابن بزيزة، قيل: وهو الأقيس للارتباط، وقد علمت أن الراجح هو القول بعدم الإعادة كما نص عليه غير واحد. خلاف ما قاله الشيخ عبد الباقي من أن: الراجح القول بالإعادة. والله سبحانه أعلم.
стр. 1018
وإن ذكر اليسير في صلاة ولو جمعة قطع فذ؛ يعني أنه لو ذكر مصل فذا أو إماما أو مأموما يسير الفوائت في صلاته فإنه يقطعها إن كان فذا أو إماما، ويقطع مأمومه تبعا له سواء كانت الصلاة المذكور فيها فرضا أو نفلا ما عدا الجنازة فإنها لا تقطع، ولا يلحق بالجنازة في عدم القطع وتر، ولا عيد، ولا كسوف، ولا استسقاء، ولا فرق على المشهور في قطع الصلاة المذكور فيها يسير الفوائت بين أن تكون جمعة وغيرها إذا كان الذاكر إماما. وقيل: لا يقطع الإمام، وقوله: "قطع فذ"، وهل وجوبا أو ندبا؟ قولان.
وشفع إن ركع؛ يعني أن الفذ إذا ذكر يسير الفوائت قبل أن يتم ركعة بسجدتيها فإنه يقطع، وأما إن لم يذكره إلا بعد أن ركع أي أتم ركعة بسجدتها فإنه يشفعها؛ أي يأتي لها بثانية ويكون ذلك نافلة ولو صبحا على المذهب أو جمعة، وسيأتي عن أحمد عن أبي الحسن أنه: يتم الصبح بعد ركعة لا مغربا، فيقطع إن ركع كما في كتاب الصلاة الأول من المدونة. واعتمده أبو الحسن، وفي كتاب الصلاة الثاني منها: يشفعها بعدها، ورجح ابن عرفة أنه يتمها مغربا حينئذ، والفرق على الأول بين قطعها وبين شفع النافلة بعد عقد ركعة منها مع النهي فيهما عن التنفل ابتداء، أن النهي في المغرب لذات الوقت، ولتضمنه تأخير قضاء الفائتة، والنهي في التنفل عند ذكر الفائتة لتضمنه تأخيرها فقط لا لذات الوقت، ولا يبحث فيه بأنه لذات الوقت أيضا، إذ بذكرها صار الوقت لها مضيقا؛ لأن الكلام في الإقدام مع التذكر. قاله الشيخ عبد الباقي. وما مشى عليه المصنف من أنه يقطع ما لم يعقد ركعة هو المشهور، وفي سماع أشهب: يتم ركعتين، وقيل: يقطع في النافلة مطلقا، وفي الفريضة ما لم يركع، ومعنى قوله: قطع بغير سلام، وأصل المذهب أن النية كافية في القطع. قاله الإمام الحطاب.
وإمام؛ يعني أن من ذكر يسير الفوائت في الصلاة إذا كان إماما فإنه يقطعها حيث لم يعقد ركعة وأما إن عقد ركعة، بأن أتمها بسجدتيها فإنه يشفعها، ويستفاد هذا من قول المصنف كما هو ظاهر. واعلم أن قوله: "ولو جمعة"، إنما يرجع للإمام والأموم لا للفذ لعدم تأتيها فيه، كما هو
стр. 1019
ظاهر فقوله: "وإن ذكر"؛ أي المصلي فذا أو إماما أو مأموما، وأجاب عن الفذ بقوله: "قطع فذ"، وعن الإمام بقوله: "وإمام"، وعن المأموم بقوله: "لا مؤتم".
وكما يقطع الإمام إن لم يتم ركعة بسجدتيها ويشفع إن أتمها بسجدتيها، فمأمومه كذلك يقطعون تبعا له فيما يقطع فيه، ويشفعون تبعا له فيما يشفع فيه، ولا يستخلف الإمام. قاله مالك مرة؛ وهو المشهور، ورواه عنه ابن القاسم، وقال: مرة يستخلف وهو رواية أشهب، وقال ابن كنانة: إن لم يعقد ركعة استخلف وإلا أتم بهم، وقوله: "قطع فذ وإمام"، علم مما مر أن من لم يقطع منهما وأتم تصح صلاته، وقوله: "قطع فذ وإمام"، قد مر الخلاف في القطع، هل هو واجب أو مندوب؟ وقوله: وإمام، قال سند على القول بأنهم: يستخلفون يقطع في أي موضع ذكر اليسير، وعلى القول بأنهم يقطعون معه فيكون حكمه على ما تقدم في الفذ. وقال ابن فرحون: يفارق الإمام الفذ من جهة أنه يقطع مطلقا، والفذ يجعلها نافلة على ما قدمناه وهو مخالف لكلام صاحب الطراز. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ إبراهيم: قال سند: إن الإمام كالفذ في التفصيل، وقال ابن فرحون: يقطع مطلقا عقد ركعة أم لا، وقوله: وإمام ومأمومه إن جعل معطوفا على فاعل قطع كان ماشيا على كلام ابن فرحون، وإن جعل متنازعا فيه قطع وشفع كان ماشيا على كلام الطراز وهو المذهب، وكلام ابن فرحون ضعيف. انتهى كلام الشيخ إبراهيم.
لا مؤتم؛ يعني أن المأموم إذا ذكر اليسير في حالة اقتدائه فإنه يتمادى وجوبا على صلاته، وكذا لو ذكر المأموم حاضرة في حاضرة فإنه يتمادى، وإذا قلنا: إن المأموم الذي ذكر اليسير يتمادى في صلاته ويتمها، فإنه إذا أتمها يعيدها في الوقت الضروري بعد إتيانه باليسير، وبالغ على وجوب تماديه، وإعادة ما تمادى فيه بقوله: ولو جمعة. ويعيدها جمعة إن أمكن وإلا ظُهْرًا، هذا هو المذهب، وقال أشهب: إن علم أنه إذا قطع وصلى المنسية يدرك ركعة من الجمعة قطع وإلا تمادى، ولا يعيدها ظهرا. قاله الشارح. وعلى أشهب رد المصنف "بلو". والله سبحانه أعلم.
تنبيه: قال الشيخ محمد بن الحسن: وهذا التفصيل الجاري في ذكر الفائتة يجري كله في ذكر الحاضرة فهما سواء في الحكم، ثم ذكر قولين في المسألة أحدهما أنه لا يقطع ركع أم لا، ثانيهما أنه يقطع ركع أم لا، وساق من النقول على استواء الحاضرة والفائتة ما فيه مقنع، ثم قال:
стр. 1020
فيتحصل من هذا أن الصورتين في الحكم سواء، وأن فيهما ثلاثة أقوال: مذهب المدونة هو ما عند المصنف: وأما تمادي المأموم في الحاضرة فهو مذهب المدونة أيضا. انتهى. والقولان الآخران: أحدهما أنه يقطع عقد ركعة أم لا، ثانيهما أنه يتم ركعتين عقد ركعة أم لا. وقوله: وإن ذكر اليسير في صلاة لا فرق في المذكور فيها بين أن تكون نافلة وبين أن تكون فريضة. وقال الشيخ إبراهيم والشيخ الخرشي، والشيخ عبد الباقي: إن ترتيب الحاضرتين شرط في الصحة مع الذكر كان في الابتداء أو في الأثناء، وقال الشيخ الأمير: وإن ذكر الحاضرة في نفل أتمه، وفي فرض بطل، وتمادى مأموم ذكر على باطله لحق الإمام. وقوله: بطل، قال في الشرح: لشرط الترتيب على إحدى طريقتين في الأثناء. انتهى.
وكمل فذ بعد شفع من المغرب؛ يعني أن الفذ إذا ذكر اليسير من الفوائت بعد شفع من المغرب؛ أي ركعتين تامتين فإنه يكملها وجوبا بنية الفرض، ويعيد في الوقت، وكذا الإمام بطريق الأحروية، ويفيد ذلك قوله: فإن خالف ولو عمدا الخ.
كثلاث من غيرها؛ يعني أن الفذ إذا ذكر اليسير بعد أن أتى بثلاث ركعات من غير المغرب كملت بسجداتها، فإنه يتم تلك الصلاة المذكور فيها بنية الفريضة، فإن ذكر قبل عقد الثالثة رجع وتشهد وسلم. وقوله: "وكمل فذ بعد شفع من المغرب كثلاث من غيرها"، قد علمت أن هذا في ذكر يسير الفوائت، وقد علمت أن مثل الفذ الإمام، قال الشيخ محمد بن الحسن: وكذا الحاضرتان، وصرح بأن ذكر الحاضرة في الحاضرة كذكر الفائتة في الحاضرة فتصح المذكور فيها إن أتمها، فقول المصنف: ومع ذكر ترتيب حاضرتين أي ابتداء لا انتهاء، فإعادة الثانية إنما هي في الوقت، وقد مر هذا ومن ذكر فرضا أو وترا بعد فجر صلى المذكور وأعاد الفجر ليتصل بصلاة الصبح. وقد مر أن قوله: "في صلاة"، شامل للفرض والنفل، وذكر بعضهم أن مقتضى قوله: "وشفع"، إن ركع تخصيصه بالفرض، وأما النفل فيقطعه ركع أم لا، فيظهر تأثير الذكر فيه، فإنه لو كمل فيه اثنتين لم يظهر للذكر تأثير فيه، بخلاف الفرض فإنه يظهر الأثر فيه، وهو شفعه.
стр. 1021
وإن جهل عين منسية مطلقا صلى خمسا؛ يعني أن من نسي صلاة من الصلوات الخمس، ولم يدر أي الصلوات الخمس هي سواء علم يومها أم لا، يصلي خمسا؛ أي الصلوات الخمس، وينوي عند كل واحدة أنها المنسية، كما قال الأبهري، وتبعه القرافي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وإن جهل عين منسية"، وكذا الحكم لو تركها عمدا أو جهلا، فالدار على تركها تركت عمدا أو جهلا أو نسيانا. واعلم أن من عليه صلاة واحدة لا تخلو إما أن تكون مجهولة أو معلومة، فإن كانت مجهولة، فإما أن تكون مجهولة في صلاة الليل، أو في صلاة النهار؛ أو فيهما معا، وعلى كل حال فإما أن يكون يومها معلوما أو مجهولا في الأسبوع، أو مشكوكا في بعض الأسبوع، وعلى كل حال فإنه يصلي في المجهولة في صلاة الليل صلاتين. وفي المجهولة في صلاة النهار ثلاث صلوات، وفي المجهولة في اليوم والليلة خمس صلوات وهذه هي مسألة المصنف، وينوي في كل واحدة أنها المنسية كما مر. وقد مر أن معنى قوله: "مطلقا" علم يومها أم لا، ويحتمل أن معناه في سفر أو حضر، وأن معناه عدم الاختصاص بليل أو نهار. وقوله: "صلى خمسا"، إنما وجب عليه الإتيان بجميع الخمس؛ أعني الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح لوجوب الإتيان بأعداد تحيط بحالات الشك ليتيقن براءة الذمة. وللشيخ عبد الباقي هنا كلام فيه نظر. انظر حاشية الشيخ بناني.
وإن علمها دون يومها صلاها ناويا له؛ يعني أنه إذا علم عين الصلاة دون أن يعلم يومها فإنه يصليها فقط ناويا بها اليوم الذي يعلم الله أنها له، والنية المذكورة مندوبة فيما يظهر لأن تعيين الزمن لا يشترط في صحة الصلاة، ولا يلزمه تكرارها بعدد أيام الأسبوع لأنها لا تختلف باختلاف الأيام كما أشار له الشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ الأمير: وندب نية يومها الذي يعلمه الله حيث جهله. انتهى. وقال في الحاشية: فإن لم ينوه أجزأ بخلاف ما إذا نوى يوما فتبين غيره. انتهى. وقال الإمام الحطاب عند قول المصنف: "أو لم ينو الركعات أو الأداء أو ضده": ولا ينوي الأيام اتفاقا. المازري: حضرت شيخنا عبد الحميد ﵀، فأتاه بعض الخواص فوجد عنده بعض من كان يقرأ معنا عليه ممن اشتهر بالوسوسة، فقال: كنت البارحة أصلي المغرب بمسجد فلان، فأتى هذا الفتى وأشار إلى الوسوس فصلى إلى جنبي، فسمعته عند الإحرام يقول: المغرب
стр. 1022
ليلة كذا فأنكرت نفسي تسمية الليلة، ثم خشيت أن يكون ما قاله إنما هو لا سمع منك، فجئت أسألك، فأنكر شيخنا على صاحبنا واعتذر للسائل عنه بما اشتهر من وسوسته، فلما انصرف السائل أقبل علينا جملة أهل الميعاد، فقال: هل يتخرج من المذهب اعتبار ذكر القلب يوم الصلاة عند النية؛ فلم يظهر لنا شيء، فأشار ﵀ لما وقع من الاختلاف إلى (١) مراعاة الأيام. انتهى. وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة في أول صفة العمل في باب الصلاة المفروضة: المشهور عدم وجوب نية القضاء والأداء، وكذلك نية اليوم الذي هو فيه. انتهى.
واعلم أن ما فوق الواحد من الفوائت إما أن يكون معينا أم لا، وفي كل قسمان؛ لأن غير المعين إما أن يعلم نسبة كل واحد من الآخر أم لا، والمعين إما أن يعلم ترتيبه أم لا. القسم الثالث تركه المصنف لوضوحه، والثاني لم يذكره وسأبينه إن شاء الله تعالى، والقسمان الباقيان هما المذكوران في المتن، أحدهما قوله، وإن نسي صلاة وثانيتها صلى ستا؛ يعني أن من نسي صلاتين غير معينتين وهو يعلم نسبة كل واحدة منهما إلى الأخرى كما لو نسي صلاة وثانيتها؛ أي التي تليها، ولا يدري من ليل أو نهار أو منهما، ولا سبقية إحداهما، يصلي ست صلوات متوالية يختم بما بدأ به لاحتمال كونه المتروك مع ما قبله، والذمة تبرأ بخمس، ووجوب ختمه بما بدأ به لمراعاة مرجوح؛ وهو أن تارك ترتيب الفوائت يعيد أبدا، لا لأجل الترتيب لأنه إنما يطلب بعد براءة الذمة إن بقي الوقت، فما هنا مشهور مبني على ضعيف، وهذا يجري في جميع ما يأتي. وبيان ما قال المصنف أنه: يحتمل أن يكون عليه ظهر وعصر، أو عصر ومغرب، أو مغرب وعشاء، أو عنتاء وصبح، أو صبح وظهر. فإذا ختم بالذي بدأ به كأن يبدأ بالظهر ثم يأتي بالعصر، ثم بالمغرب، ثم بالعشاء، ثم بالصبح، ثم بالظهر الذي بدأ به، فإنه يحتاط بحالات الشك. ونبه بقوله: "وثانيتها" على سابعتها، وثانية عشرتها، ونحوهما من مماثل الثانية فالحكم في ذلك واحد، فيصلي ستا مرتبة، يبدأ بالظهر ندبا، ويختم به. والله سبحانه أعلم.
стр. 1023
واعلم أن الشك يكون في الإتيان، وفي الأعيان، وفي الترتيب. ومعنى الشك في الإتيان، شكه هل أتى بما يطلب به أم لا؟ ومعنى الشك في الأعيان شكه في عين المتروك هل هو ظهر أو غيرها؟ ومعنى الشك في الترتيب كونه لا يدري الأولى من غيرها مع علمه بعين ما عليه. والله سبحانه أعلم.
وندب تقديم ظهر؛ يعني أنه إذا نسي صلاة وثانيتها، فإنه يصلي ستا -كما مر-، ويندب له أن يبتدئ بالظهر لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ ، وقيل: يبدأ بالصبح فإن علم أنهما من ليل فقد علمهما فليصلهما ناويا الليل الذي هما له، أو من نهار فقط صلى النهاريات الثلاث، وإن تحقق واحدة من ليل وأخرى من نهار وعلم تواليهما كما هو فرض المسألة، فإن علم سبقية إحداهما فواضح، وإلا صلى العصر والمغرب والعشاء والصبح، وإن لم يعلم هل هما من ليل أو نهار أو منهما وتيقن تقدم اليوم أو الليلة صلى خمسا فقط، وبدأ بالصبح في الأولى بأن تيقن أنهما من يوم السبت وليلة الأحد مثلا، وبالمغرب في الثانية بأن تيقن أنهما من ليلة الأحد ويومه مثلا، وقوله: "وندب تقديم ظهر"، وكذا يندب البداءة بالظهر فيما يأتي له من نسيان صلاة، وثالثتها أو رابعتها أو خامستها أو سادستها أو حادية عشرتها، وأما المعينات فلا يندب فيها تقديم الظهر. كما يفيده الشيخ عبد الباقي والله سبحانه أعلم.
وفي ثالثتهما؛ يعني أن الحكم فيمن نسي صلاة وثالثتها غير معينتين كالحكم فيما إذا نسي صلاة وثانيتها، في أنه يصلي ستا، وفي أنه يندب له البداءة بالظهر إلا أن صفة القضاء مختلفة، ففي الأولى يصلي ستا مرتبة، وفي هذه يثنى بالنسي؛ أي يوقع النسية في المرتبة الثانية بالنسبة لا انفصل عنه، فيبدأ بالظهر، ويثنى بالمنسي؛ أي بثانيه بأن يثني بالمغرب، فإذا صلى الظهر والمغرب فقد برئت ذمته على احتمال كونهما المتروكتين، وبقيت احتمالات أخر لا تبرأ ذمته عليها، وهي كون المتروك مغربا وصبحا؛ إذ هي ثالثتها، والمغرب قد صلاها وهي أول المنسي على أحد الاحتمالات الباقية، فيثني لها بثاني المنسي على هذا الاحتمال، بأن يثنيها بالصبح، وقد برئت ذمته على هذا الاحتمال، وبقي احتمال كون الصبح هي الأولى فقد أتى بها؛ وهي أول المنسي، ويثني بثاني المنسي؛ وهو العصر، ثالثتها، وبقي احتمال كون العصر هي أولى المنسي
стр. 1024
فقد أتى بها، ويثني بثانيه وهو العشاء ثالثتها، وبقي احتمال كون العشاء هي أولى المنسي فقد أتى بها، ويثنى بثاني المنسي؛ وهو الظهر فقد ختم بما بدأ به واحتاط بحالات الشك كلها. والله سبحانه أعلم. ونبه بقوله: ثالثتها، على ثامنتها، وثالثة عشرتها ونحوهما من كل ما ماثل الثالثة، فالحكم في ذلك كحكم من نسي صلاة وثالثتها، فيصلي ستا على الوجه الذي قدمته، كما نص عليه غير واحد. والله سبحانه أعلم. وقوله: صلاة وثالثتها، هما بينهما واحدة كما قررت.
أو رابعتها؛ يعني أن الحكم فيمن نسي صلاة ورابعتها وهما ما بينهما اثنتان والمنسيتان غير معينتين، كالحكم فيمن نسي صلاة وثانيتها في أنه يصلي ستا، وفي أنه يندب تقديم الظهر، إلا أن صفة القضاء في هذه أن يبدأ بأول المنسي، ويثني بثانيه؛ أي يوقعه في المرتبة الثانية بالنسبة لما انفصل عنه، كما مر في قوله: "وثالثتها"، فيبدأ بالظهر ندبا، ثم بالعشاء، ثم بالعصر، ثم بالصبح، ثم بالمغرب، ويختم بالظهر التي بدأ بها. وقد مرَّ بيان ما يرشد إلى معرفة هذا في قوله: "وفي ثالثتها"، ونبه بقوله: "أو رابعتها"، على تاسعتها ورابعة عشرتها، ونحوهما من كل ما ماثل الرابعة، فالحكم في ذلك أنه كنسيان صلاة ورابعتها.
أو خامستها؛ يعني أن من نسي صلاة وخامستها وهما ما بينهما ثلاث، والنسيتان غير معينتين، حكمه حكم من نسي صلاة وثانيتها في أنه يصلي ستا، وفي أنه يندب تقديم الظهر، فيبدأ بأول المنسي، ويثنى بثانيه أي يوقعه في المرتبة الثانية بالنسبة لا انفصل عنه، فيبدأ بالظهر ندبا، ثم بالصبح، ثم بالعشاء، ثم بالمغرب، ثم بالعصر، ويختم بما بدأ به وهو الظهر. وقد مر ما يوضح لك هذا في قوله: "وثالثتها"، ونبه بقوله: "خامستها"، على عاشرتها، وخامسة عشرتها ونحوهما من مماثل الخامسة. وبما قررت به يثني علم أنه: ليس المراد به يثني ضد يثلث ويربع ويخمس ويسدس، ومنهم من فسرها بذلك، فقال: يثنى ويثلث ويربع ويخمس ويسدس.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر التفسير الأول لأنه هو الذي يسفر عن المراد؛ إذ هو دافع للإتيان بالصلوات الخمس مرتبة، ويختم بما بدأ به، ولهذا لم يقله عند قوله: "وإن نسي صلاة
стр. 1025
وثانيتها"، والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أن قوله: كذلك راجع للمسائل الثلاث، ومعناه يصلي ستات وندب تقديم ظهر كما قررت؛ وهو معمول لصلى محذوفا، ولك أن تجعل الكاف اسما بمعنى: مثل مبتدأ، والخبر قوله: "في ثالثتها"، وقوله: يثني بالمنسي راجع للمسائل الأربع أيضا كما تقدم تقريره، وقوله: "بالمنسي"، على حذف مضاف؛ أي بثاني المنسي، وقوله: يثنى بالمنسي جملة حالية: ولتصديرها بمضارع لم يأت فيها بالواو كما في الألفية:
وذات بدء بمضارع ثبت … حوت ضميرا ومن الواو خلت
قوله: "وفي ثالثتها أو رابعتها" الخ، سواء تركت عمدا أو جهلا أو نسيانا. وصلى الخمس مرتين في سادستها؛ يعني أن من نسي صلاة ومماثلتها، وكذا الحكم لو تركها عمدا أو جهلا، فإنه يصلي الخمس مرتين، وذلك كصلاة وسادستها، وهما ما بينهما أربع صلوات، أو كصلاة. وحادية عشرتها فالسادسة مماثلة الأولى من يوم ثان، وحادية عشرتها مماثلتها من يوم ثالث، وكذا سادسة عشرتها لأنها مماثلتها من يوم رابع، وكذا حادية عشريها لأنها مماثلتها من يوم خامس، ونحو ذلك، فإنه يصلي الخمس مرتين في جميع ذلك، وذلك محتمل لأمرين: أحدهما أنه يصلي صلاة يوم متوالية، ثم يصلي صلاة يوم متوالية وهو مختار ابن عرفة، والثاني أن يصلي كل صلاة من الخمس مرتين، فيصلي الظهر مرتين، ثم العصر مرتين، ثم المغرب مرتين، ثم العشاء مرتين، ثم الصبح مرتين؛ وهو للمازري. وندب تقديم ظهر في هذه أيضا كما نص عليه الشبراخيتي، وسكت المصنف عما إذا ترك صلاتين ولا يدري ما هما ولا نسبة إحداهما للأخرى؛ وهو ثاني الأقسام الأربعة، فإن علم أنهما من يوم واحد صلى خمسا يبدأ بالصبح ويختم بالعشاء، وإلا صلى الخمس مرتين.
وفي صلاتين من يومين معينتين: بالتأنيث صفة لصلاتين، حقه أن يتصل بموصوفه لا مذكر صفة ليومين؛ إذ لا فرق بين أن يكون اليومان معينين أم لا على الراجح قاله الشيخ عبد الباقي؛ يعني أن من ترك صلاتين معينتين من يومين. لا يدري السابقة منهما صلاهما، ناويا كل صلاة ليومها، كما يدل عليه قوله: "وإن علمها دون يومها صلاها ناويا له"؛ إذا صلاهما، أعاد المبتدأة وجوبا
стр. 1026
كما للطخيخي لوجوب ترتيب الفوائت حتى يصير ظهرا بين عصرين، أو عصرا بين ظهرين، وندبا كما لغيره؛ لأن الترتيب إنما يجب قبل فعلها، وأما بعده فيندب، والراجح عدم طلبه حينئذ لخروج وقت الفائتة بالفراغ منها، والذمة قد برئت بصلاتهما.
ومع الشك في القصر أعاد إثر كل حضريةٍ سفريَّةً هذا عام في جميع مسائل الباب ما تقدم وما يأتي؛ يعني أن من عليه فائتة أو أكثر، وشك هل فاته ذلك في السفر أو في الحضر، يعيد إثر كل حضرية صلاها صلاة سفرية ندبا، وهذا حيث بدأ بالحاضرة كما هو موضوع كلامه، فإن بدأ بالسفرية أعاد الحضرية وجوبا، ويتضح لك هذا بالمثال، فلو نسي ظهرا وعصرا مثلا، ولا يدري السابقة، وشك هل كان ذلك في القصر أو في الحضر؟ فإنه إذا صلى الظهر سفرية يجب عليه أن يعيدها حضرية، فإن صلاها ابتداء حضرية ندب له أن يعيدها سفرية، وكذا يقال في العصر، وإذا أعاد المبتدأة فعل بها كذلك. والله سبحانه أعلم. واستشكلت الإعادة؛ لأن المسافر إذا أتم إنما يعيد في الوقت، ووقت الفائتة ينتهي بالفراغ منها، وأجيب بما في المواق أن الذي لابن رشد أن: إجزاء الحضرية عن السفرية خاص بالوقتية، وأما الفائتة في السفر فلا تجزئ عنها حضرية، وهذا خلاف ما قدمته من ندب إعادة السفرية بعد الحضرية، ورد هذا الجواب بأن ما لابن رشد خلاف المذهب. والصواب أن المصنف تبع ابن عبد السلام في قوله: إذا ابتدأ بالحضرية تكون الإعادة مستحبة، والظاهر أن لا وجه له. كما يفيده ما نقله الحطاب عن اللخمي. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقول المصنف: "إثر" لا مفهوم له؛ لأن حقيقة الأثر ما كان فورا، والفورية غير مشترطة هنا، فلو عبر "ببعد"، بدل "إثر" كان أولى؛ لأن البعدية تصدق بالتراخي. قاله الشبراخيتي ثم ذكر تتمة قوله: وفي صلاتين من يومين الخ، فقال: وثلاثا كذلك سبعا؛ يعني أن من نسي ثلاث صلوات معينات من ثلاثة أيام، عينت الأيام أم لا، ولا يدري السابقة كصبح وظهر وعصر من ثلاثة أيام، يصلى سبع صلوات بأن يصلي الثلاث المعينات، ثم يعيدها، ثم يعيد المبتدأة، وبراءة الذمة تحصل بثلاث، وبهذه الكيفية يحصل الترتيب. وقد علمت أن الراجح على ما عند ابن رشد: عدم طلبه بعد براءة الذمة -كما مر- ولا يبدأ هنا بالظهر، وبيان حصول
стр. 1027
الترتيب بما ذكر أن كل واحدة من الصلوات المذكورة تحتمل أن تكون أولى أو وسطى أو أخرى، فإن كانت الصبح هي الأولى فلها حالتان: إما أن تليها الظهر، أو العصر، فإذا بدأ بالصبح وأتبعها الظهر ثم العصر بقي احتمال أن العصر هي التالية للصبح، فإذا أعاد الثلاث فقد أحاط بالاحتمالين، ولو كانت الظهر هي الأولى ففيها احتمالان أيضا: أن تليها العصر، أو الصبح؛ فإن كانت العصر هي التي تليها، فقد تلتها بصلاتين أوَّلاً، وبالإعادة يحاط بالاحتمالين، ولو كانت العصر هي الأولى ففيها احتمالان أيضا: أن تليها الصبح، أو الظهر، فبإعادتهن تلتها الصبح، وبإعادة المبتدأة يحاط بالاحتمالين. والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أن معنى قوله: "كذلك"، معينات؛ وهو صفة لثلاث، والإشارة راجعة لقوله: "معينتين".
وأربعا ثلاث عشرة؛ يعني أن من نسي أربع صلوات معينات من أربعة أيام عينت الأيام أم لا، ولا يدري السابقة كظهر وعصر ومغرب وعشاء من أربعة أيام، يصلي ثلاث عشرة؛ بأن يصلي الأربع ثم يعيدها مرتين، ثم يعيد المبتدأة، وبذلك يحصل الترتيب يقينا، ويعلم هذا مما مر في المسألة قبله.
وخمسا إحدى وعشرين؛ يعني أن من نسي خمس صلوات معينات من خمسة أيام عينت الأيام أم لا، ولا يدري السابقة منها، يصلي إحدى وعشرين صلاة، فيصلي الخمس ويعيدها ثلاثا، ثم المبتدأة، والضابط في العدد الواجب فعله أن تضرب عدد النسيات في مثله، وتسقطه إلا واحدا، أو تضرب عددها في أقل منه بواحد ثم تزيد واحدا على الحامل، وكذا لو ترك معينات أكثر من خمسة ولا يدري السابقة، ثُمَّ ذكر ما هو من تتمة قوله: "وإن جهل عين منسية"، وقوله: "وإن نسي صلاة وثانيتها"، فقال: وفي ثلاث مرتبة من يوم لا يعلم لأولى سبعا، يعني أن الشخص إذا كان عليه ثلاث صلوات مرتبة أي متوالية من يوم وليلة، ولا يعلم سبق اليوم وعكسه، ولا يعلم عين واحدة منهن كما علم من قوله: "لا يعلم الأولى"، فإنه يصلي سبع صلوات، وبذلك يحصل الترتيب، فإن بدأ بالظهر وختم بالعصر فقد برئ بإيقاع الخمس مرتبة إن كانت الظهر أولى، وكذا إن كانت العصر هي الأولى أو المغرب، وبإعادة الظهر يبرأ إن كانت العشاء هي الأولى، وبإعادة العصر المختوم بها يحصل الترتيب إن كانت الصبح أولى. والله سبحانه أعلم. ولو علم أن بعضها
стр. 1028
من النهار وبعضها من الليل صلى ستا، فيبدأ بالظهر ويختم به حيث لم يعلم تقدم أحدهما، وإلا صلى أربعا، فإن علم تقدم أحدهما ولكن لا يدري، هل هي كلها من النهار أو بعضها منه وبعضها من الليل؟ صلى خمسا في علم تقدم النهار، وبالعكس صلى أربعا. والله تعالى أعلم. ويصليها مرتبة.
وأربعا ثمانيا؛ يعني أن من عليه أربع صلوات متوالية من يوم وليلة، ولا يدري سبق اليل على النهار ولا عكسه، ولا يعلم عين الأولى منهن، يصلي ثماني صلوات، فيبدأ بالظهر مثلا، ثم يأتي بما بعده مرتبا حتى يختم بالمغرب، وبذلك يحصل الترتيب، وبراءة الذمة تحصل بخمس. وخمسا تسعا؛ يعني أن من عليه خمس صلوات متوالية لا يعلم عين الأولى منهن، ولا يدري هل من يوم وليلة، أو من يومين وليلة بينهما، أو من ليلتين ويوم بينهما يصلي تسع صلوات، فيبدأ بالظهر مثلا ثم يأتي بما بعده مرتبا حتى يختم بالعشاء، وبهذا يحصل الترتيب، فكلما زدت في هذا النوع منسية زدت مقضية، ولو علم أن الخمس من يوم وليلة فقط اكتفى بسبع، فإن علم المتقدم منهما اكتفى بخمس. والله ﵎ أعلم. وقوله: "أربعا وخمسا"، معمول "نسي"، وقوله: "ثمانيا وتسعا"، معمول "لصلى" وقد علمت أنه لا مفهوم للنسيان، فإن الحكم في العمد والجهل كذلك.
ولما فرغ من بيان حكم السهو عن الصلاة بالكلية شرع في الكلام على حكم السهو عن بعضها، فقال:
стр. 1029
فصل: يذكر فيه حكم السهو عن البعض، وفي الذخيرة: التقرب إلى الله بالصلاة المرقعة المجبورة إذا عرض فيها الشك أولى من الإعراض عن ترقيعها والشروع في غيرها، والاقتصار عليها أيضا بعد الترقيع أولى من إعادتها، فإنه منهاجه ﵊، ومنهاج أصحابه، والسلف الصالح بعدهم؛ والخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع. وقد قال ﷺ : (لا صلاتين في يوم (١)): والله لا يتقرب إليه بمناسبات العقول، وإنما يتقرب إليه بالشرع المنقول وقوله: أولى في كلامه أولا وثانيا للوجوب؛ إذ قطع العبادة وإعادتها بعد إتمامها كل منهما ممنوع، ولابن أبي جمرة أن: المرقعة تعدل سبعين صلاة ليس فيها سجود؛ لأن فيها ترغيم الشيطان، وكل ما فيه ترغيمه فيه رضى الرحمن. انتهى. وقوله سبعين صلاة، قال الشيخ بناني: يعني -والله أعلم- سبعين من التي يأتي بها بعد رفض الصلاة التي وقع فيها موجب السجود، أما حمله على ظاهره فبعيد، والسهو الذهول عن الشيء تقدمه ذكر أم لا، وأما النسيان فلا بد أن يتقدمه ذكر. قاله الإمام الحطاب، ولبعضهم:
السهو عن معلوم الذهول … قلت وفي نسياننا يزول.
واختلف في حكم سجود السهو، فأما القبلي فقيل: إنه سنة. قاله ابن عبد الحكم. وقيل: واجب، وقيل بوجوبه إن ترتب عن ثلاث سنن، وإن ترتب عن سنتين فسنة، وأما البعدي فقال عبد الوهاب والمازري: هو سنة، وقيل: واجب، ومشى المصنف على السنة في القبلي والبعدي. أما البعدي فلا كلام في رجحان سنيته، وإنما الكلام في إثبات مقابله، فمنهم من أثبت وجوبه؛ ومنهم من أنكره: وأما القبلي فاعتمد المصنف فيه على ما قاله ابن عبد السلام، ورجح القول بالسنة، وصرح الشارح بأنه المشهور، وتبعه على ذلك الأقفهسي وجماعة، واقتصر ابن الكدوف على القول بالوجوب، وقال في الشامل: سجود السهو قبل السلام سنة، ورجح أو واجب؛ وهو مقتضى المذهب قولان، وقال البساطي: أكثر نصوصهم على الوجوب. قاله الإمام الحطاب.
стр. 1030
واعلم أن العلماء اختلفوا في محل السجود على مذاهب، فقال الإمام أبو حنيفة: كله بعدي، وقال الإمام الشافعي: كله قبلي، وقال الإمام أحمد: يسجد قبل حيث سجد ﷺ قبل، وبعد حيث سجد ﷺ بعد، وما عداهما كله قبل زيدا أو نقصا، وقال إمامنا مالك: يسجد للنقص قبل، وللزيد بعد، ولاجتماعهما: قبل، تغليبا للنقص، ولهذا قال: سن لسهو؛ يعني أنه يسن السجود قبليا أو بعديا لأجل جبر خلل حصل بسهو غير مستنكح، فإن استنكحه الشك ندب كما يأتي، وإن استنكحه السهو فلا سجود كما يأتي. واعلم أن الأصل في الجابر أن يؤتى به عند مجبوره، وأُخِّرَ سجود السهو عن محله؛ إذ لو أتي لكل سهو بسجوده عنده لربما تكرر سهوه، وشق عليه فخفف عنه لطفا به وإن تكرر؛ يعني أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر موجبه، بل يكتفى بسجدتين حيث كان تكرر الموجب قبل السجود للسهو، فيخرج مسبوق أدرك مع إمامه ركعة وسجد مع الإمام قبليا، ثم بعد مفارقته لإمامه سها هو، فإنه يسجد لسهوه أيضا، ولا يكتفي بالأول على المشهور. ويخرج أيضا من سجد لنقص قبل سلامه، ثم تذكر أنه بقي عليه شيء منها فأتمه وسها فيه، فإنه يسجد ثانيا، ويخرج أيضا من سجد لسهوه قبل السلام، ثم تكلم ساهيا قبل سلامه، فإنه يسجد بعد السلام، ويخرج أيضا من سجد القبلي ثلاثا سهوا، فإنه يسجد بعد السلام عند اللخمي، وقال غيره: لا سجود عليه، وأما البعدي إذا سجده ثلاثا سهوا فإنه لا يسجد أصلا، وفي الرهوني: أن ما للخصي خلاف المعتمد. وبما قررت علم أن محط البالغة قوله: "سجدتان" كما يأتي إن شاء الله.
بنقص سنة متعلق بسهو، والباء للملابسة. كما في الشبراخيتي؛ يعني أن الساهي المخل بأمر من صلاته لا يخلو، إما أن يزيد فيها أو ينقص منها شيئا، فإن كان سهوه بنقص فينظر في ذلك، فإن نقص سنة فإنه يسجد بشرط أن تكون مؤكدة. كما أشار إلى ذلك بقوله: موكدة، واحترز بقوله: "سنة" عن الفضيلة، فإنه لا يسجد للسهو عنها، فإن سجد له قبل بطلت صلاته -كما سيأتي- وعن الفريضة فإنه لا يسجد لها لعدم جبرها بالسجود، بل يتدارك أو يبني إن أمكن وإلا بطلت -كما يأتي- واحترز بقوله: "مؤكدة" عن غير المؤكدة، فإنه لا يسجد لها، ومن
стр. 1031
سجد لها قبل بطلت صلاته -كما يأتي- ولا بد في السجود لنقص السنة المؤكدة من كونها داخلة في ماهية الصلاة بخلاف الأذان والإقامة، وشمل كلام المصنف الفاتحة إذا سها عنها في أقل الصلاة فليسجد لها، وإلا فكترك قبلي عن ثلاث سنن على أحد قولين -كما مر- وقد مر أن العمد كذلك راجع ما تقدم عند قوله: "وفاتحة بحركة لسان".
واعلم أن السنن التي يسجد لتركها ثمانية: الجَهْرُ، والسر، والتشهدان؛ الأول والثاني، وشمل الأول مسائل البناء والقضاء، والسُّورةُ، والجُلوسُ الأول، والتّكْبير، والتَّسْميع؛ أي قول: سمع الله لمن حمده، ويسجد لترك الجهر في الفاتحة ولو مرة، وإن كان الجهر في جميع الصلاة سنة واحدة؛ لأن البعض الذي له بال كالكل، ولا يسجد لترك الجهر في السورة مرة واحدة، بل لتركه فيها مرتين: ويسجد لترك تشهد واحد أدى جلوسَه خلافا للمصنف، ويسجد لترك الجلوس ولو واحدا، ولا يسجد لتكبيرة واحدة ولا لتسميعة واحدة، بل لتكبيرتين فأكثر، أو لتسميعتين فأكثر. أو لتكبيرة وتسميعة فأكثر وأما السر فيسجد لتركه بعد السلام على المشهور خلافا لابن القاسم: لأن الجهر فيه معنى الزيادة، وإنما يعتبر في الفاتحة أو ركعتين. كما نص عليه الشيخ المحقق الأمير، وما عدا ما ذكر من السنن كالمندوب في الحكم، فلا يترتب في سهوه سجود. والله سبحانه أعلم. فالتكبيرة الواحدة سنة خفيفة، وتتقوى بإضافة غيرها لها من تكبيرة أو تسميعة أو غيرهما من هذه السنن، وكذا يقال في التسميعة، ونظم بعضهم السنن التي يترتب في تركها السجود، فقال:
سينان شينان كذا جيمان … تاءان عد السنن الثمان
فالسينان: السر والسورة، والشينان: التشهدان، والجيمان: الجهر والجلوس، والتاءان التكبير والتسميع. والله سبحانه أعلم. وقول المصنف: "لسهو" احترز به عن العمد، فإنه لا سجود في ترك السنة المؤكدة عمدا، وهل تبطل أولا؟ قولان كما يأتي للمصنف. أو زيادة، يعني أنه يسجد لنقص السنة بما تقدم من الشروط حيث تمحض نقصها، أو حصل نقصها مع زيادة.
стр. 1032
واعلم أن النقص مع الزيادة لا يتقيد بكونه عن سنة مؤكدة على المشهور، فمن نقص تكبيرة واحدة مع زيادة كقيامه مع ذلك لخامسة، فإنه يسجد قبل السلام، وقيل: بشرط التأكيد، وإلا سجد بعدُ إن أوجبت الزيادة سجودا، وإلا فلا سجود، ويأتي هذا في قول المصنف: "وفي إبدالها بسمع الله لمن حمده" الخ، وعلى الأول يكون قوله: أو مع زيادة عطفا على مؤكدة، وعلى الثاني يكون عطفا على مقدر تقديره: منفردة.
والصور التي يسجد فيها القبلي سبع: تحقق النقص فقط، أو شك فيه فقط، أو شك هل زاد أو نقص، أو تحققهما، أو شك فيهما، أو تحقق النقص وشك في الزيد، وكذا العكس، ويدخل في ذلك صورة القرافي؛ وهي ما إذا تيقن موجب السجود، وشك هل هو قبل أو بعد فليست زائدة على المتن خلافا للتتائي. قاله الشيخ إبراهيم، وبقي للبعدي اثنتان: تحقق الزيد فقط أو الشك فيه فقط، ولأبي الحسن أن من قرأ السورة وشك في الفاتحة؛ فإنه يقرؤها ويعيد السورة ولا سجود عليه؛ وهو وارد على قولهم: الشك في الزيادة كتحققها. قاله الشيخ عبد الباقي وفي كتاب الشيخ الأمير: ولو كرر الفاتحة سهوا سجد، ومنه إعادتها لسر أو جهر، والشد على الظاهر بخلاف السورة، ومنه إعادتها لتقديمها على الفاتحة، ولا يعول على ما في الخرشي هنا. انتهى. ونقل الشيخ أحمد عن المدونة أن من قدم السورة سهوا على الفاتحة يعيدها بعد الفاتحة، ويسجد بعد. نقله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ بناني: ما ذكره عن أبي الحسن نحوه نقل المواق عن سماع عيسى عند قول المصنف: وإعادة سورة فقط لهما، وما ذكره عن أحمد من السجود بعد هو قول ثان في المدونة ذكره أبو الحسن بعد أن ذكر كلام المدونة بعدم السجود. انتهى.
سجدتان هذا هو محط المبالغة؛ أي يُكتفى بسجدتين، وإن تكرر موجب السجود من نوع واحد كنقص فقط أو زيادة فقط إجماعا، بل وإن من نوعين كنقص وزيادة على المذهب؛ وهو قول جمهور العلماء. وقال ابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة بالتعدد، فيسجد قبل وبعد، وأنكر ذلك الرجراجي. وقال: هو مخالف للنقل موافق لدليل العقل، وقوله: سجدتان كونه سجدتين
стр. 1033
مجمع عليه. ودلت عليه الأحاديث الصحيحة (١))، فلا تجزئ السجدة الواحدة، ولا تجزئ الثلاثة، فلو سجد واحدة ثم تذكر قبل السلام أضاف إليها أخرى، فإن سلم ثم تذكر أنه إنما سجد واحدة سجد أخرى وتشهد، وسلم ولا سجود عليه: وإن سجد ثلاث سجدات سهوا سجد بعد السلام في القبلي عند اللخمي ولا شيء عليه في البعدي -كما مر- وكلام اللخمي مخالف للمدونة في أنه لا سجود في زيادة سجود السهو القبلي بجعله ثلاث سجدات. والله سبحانه أعلم. قاله الإمام الحطاب.
قبل سلامه؛ يعني أن السجود لأجل نقص سنة مؤكدة أو مع زيادة محله قبل السلام وبعد تشهده، وعدد سجدتان، -كما مر- لا ينقص عنهما، وتمنع الزيادة عليهما. قال الشيخ عبد الباقي: وانظر لو فعله قبل التشهد، هل يعتد به أم لا؟ لأنه لم يقع في محله فيكون بمنزلة من لم يأت به. وحينئذ فينظر إن ترتب عن ثلاث سنن أو أقل، والظاهر الأول، وعليه فالظاهر أنه يكفي له وللصلاة تشهد واحد. قال الشبراخيتي: ونقل ابن ناجي في شرح المدونة: أن المصلي إذا أعرض عن السجود القبلي وأعاد الصلاة ثانيا لم تجزه، والسجود باق في ذمته، ونقل معناه عبد الباقي عن ابن بشير، وعزاه للحطاب، ثم قال عبد الباقي: وظاهره أن الصلاة ليست بطول ولو أطال فيها، فإن جعلت طولا بطلت الأولى إن كان النقص عن ثلاث سنن وإلا سقط سجوده. انتهى المراد منه. وقال الشيخ بناني: معنى كلام ابن بشير أن من ترتب عليه سجود قبلي غير مبطل فأعرض عنه وأعاد الصلاة لم تجزه تلك الصلاة عن ذلك السجود؛ لأن تلك الصلاة ليست بطول فلا بد أن يأتي به، واستدل لذلك بالنقل عن أبي الحسن وابن يونس، قال: فلم يجعل الصلاة طولا في السهو، والظاهر أن العمد كذلك، وفي سقوط القبلي غير المبطل بالطول طرق والمذهب السقوط بالطول، ثم قال: وذكر شيخ شيوخنا أبو علي: أن ما نقلوه عن ابن بشير غير صحيح، وأن كلام ابن بشير ليس فيه أن السجود قبلي، ثم قال؛ أي أبو علي: فإذا علمت أن ابن بشير لم يقيد بالقبلي فيجب أن يحمل في كلامه على البعدي، ويسقط الإشكال. انتهى
стр. 1034
باختصار. وقوله: قبل سلامه حيث لم يُصَلِّ خلف من يرى السجود بعد، وإلا فلا يخالفه، فإن الخلاف شر، كما قاله في المدونة.
وبالجامع في الجمعة؛ يعني أن من ترتب عليه قبلي فإنه يسجده في سهو غير الجمعة بالجامع وغيره، وأما في سهو الجمعة فإنما يسجده بالجامع الذي صليت فيه الجمعة فقط ولا يسجده في غيره، واستشكل بأن الخروج من المسجد مبطل إن ترتب عن ثلاث سنن وإلا فلا يتأتى السجود في غير الجامع حتى ينفى، وأجيب بأنه مبني على القول بأن الخروج منه غير مؤثر -كما يقوله محمد- وسيأتي أن الخروج طول عند ابن القاسم وأشهب، وأجيب أيضا بأن هذا فيمن صلى خارجه لضيق، بناء على أنه إن زال المانع كملها فيه لا في محله، فإذا صلاها شخص برحاب المسجد لضيق أو اتصال صفوف وكان مسبوقا ثم زال الضيق فإنه يدب للمسجد ليكملها، أو سجود سهوها به فيما يظهر؛ لأنه يدب للسترة؛ وهي مستحبة أو سنة، فأولى دبه للسجود القبلي؛ لأنه شرط في صحتها حيث لا ضيق على ما يأتي للمصنف في الجمعة لا على خلافه، فيكمل، بموضعه. وأما البعدي من الجمعة فإنه يسجده في أي جامع شاء فيشترط فيه أن يكون بالجامع، ولكن لا يشترط فيه الجامع الذي صلى فيه، وإن لم يسجد القبلي في الجامع كان كتركه، فيفصل فيه إذا طال بين أن يكون عن ثلاث أو أقل ويسجد القبلي في غير الجمعة عند طلوع الشمس وغروبها وخطبة جمعة؛ لأنه داخل الصلاة ولو أخره، وكذا البعدي إن ترتب عن فرض، وإن ترتب عن نفل فقيل كذلك؛ وهو ظاهر المدونة، وقيل: لا؛ وهو لأبي الحسن وعبد الحق، وهل هو تفسير لها أو خلاف؛ قولان، وقوله: وبالجامع في الجمعة إنما يتصور في حق الإمام أو في حق المسبوق إذا سها بعد مفارقة الإمام على القول بأن الإمام لا يحمله؛ وهو المشهور. وأعاد تشهده؛ يعني أن من ترتب عليه السجود القبلي إذا سجده فإنه يعيد تشهده، ثم يسلم ولا يسلم منه بمجرد سجوده، بل حتى يتشهد، وهل وجوبا كما روى ابن القاسم عن مالك، أو ندبا كما روى ابن عبد الحكم مع ابن رشد، عن ابن وهب، أو لا يطلب به كما روى ابن حارث عن أشهب، واللخمي عن عبد الملك؟ والمراد بالوجوب أنه أمر تتوقف صحته عليه كركوع النافلة،
стр. 1035
وفسر أحمد الوجوب بأنه الطلب على وجه التأكد، قال الشيخ عبد الباقي: وتفسير الشيخ أحمد هو المتعين فيما روى ابن القاسم؛ إذ كيف يعقل أن تشهد أصل الفرض سنة، وتشهد سجود السهو واجب، وكثيرا ما يعبر المتقدمون بالوجوب عن الطلب استنانا، قال الشيخ أحمد: وانظر لو نسيه وسلم عقبه من غير فصل، هل يسجد أم لا؟ وينبغي السجود. انتهى. وهو مخالف لمفاد الحطاب من أنه لا سجود عليه، وقوله: "وأعاد تشهده"، هذا أحد المواضع التي لا يطلب في تشهدها الدعاء، ومن أقيمت عليه الصلاة أو خرج عليه الخطيب وهو في تشهد نافلة، ومن سها عن التشهد حتى سلم الإمام.
والحاصل أن القبلي يسجده قبل سلامه، وبعد إتيانه بالتشهد، والصلاة على النبي ﷺ والدعاء، وأنه إذا أتى بالقبلي يقرأ التشهد ولا يدعو فيه ولا يطيله. والله سبحانه أعلم.
كترك جهر مثال للنقص الموجب للسجود؛ يعني أنه يسجد لترك الجهر في الفاتحة، ولو في ركعة أو في السورة من ركعتين، لا من ركعة، وإن كان الجهر كله سنة واحدة؛ لأن البعض الذي له بال كالكل بأن أبدله بأعلى السر؛ أي حركة اللسان فقط. وأما إن أبدله بأدنى السر؛ وهو أن يسمع نفسه فقط؛ فلا سجود.
وسورة؛ يعني أن من ترك السورة المشروعة سهوا يسجد قبل السلام، ومحل السجود لترك الجهر والسورة إنما هو صلاة فرض؛ فهو قيد فيهما، وإلا فلا سجود، والسهو في النفل كالسهو في الفرض إلا في خمس: السر، والسورة، والجهر، ومن عقد ثالثة ففي النفل يكمل أربعا، وفي الفرض يرجع متى ما ذكر، ومن ترك ركنا وطال ففي الفرض يعيد وفي النفل لا شيء عليه، ومثل الطول إذا تذكر بعدما شرع في فريضة أو ركع في نافلة أخرى أوأطال، كما يأتي في قوله: "فمن فرض" الخ.
وتشهدين؛ يعني أنه يسجد لترك تشهدين قبل السلام في فرض أو نفل، ويتصور تركهما في مسائل البناء والقضاء، ويتصور أيضا فيمن يصلي النفل ستا وهو ضعيف، وقد مر أن السنن التي يسجد لتركها إنما هي ثمانية جمعها بعضهم بقوله:
стр. 1036
سينان شينان كذا جيمان … تاءان عد السنن الثمان
وأن ما عداها كالمندوب لا سجود في تركه، وفهم من قوله: "تشهدين"، أنه لا يسجد لترك تشهد واحد وسينص على ذلك، وسيأتي أن فيه طريقين، وأظهرهما السجود. ومن نسي التشهد حتى سلم، فإن ذكر بقرب السلام رجع وتشهد وسلم وسجد كما في المدونة؛ وهو مبني على أن التدارك لا يفيته السلام، وهو المشهور، وروي عنه أنه يفيته، واستشكل تصور السجود للتشهد؛ لأن الثاني إن ذكره قبل السلام تداركه، والأول وحده لا سجود فيه على ما للمصنف، وأجيب بما تقدم، وبأنه إن ذكره بعد السلام بالقرب رجع وتشهد وسجد قبل، ثم سلم لزيادة سلام، ونقص تشهد واحد وهو الأول، وبأنه أيضا يسجد قبل لترك الأول مع زيادة تأخير الثاني عن محله، ولو لم يكن نقص التشهد الأول سجد بعد السلام لتمحض الزيادة، ولو لم يذكر التشهد إلا بعد الطول لم يسجد؛ إذ لا سجود مع الطول، ولا تبطل صلاته؛ لأن القبلي المرتب عن أقل من ثلاث سنن لا تبطل الصلاة بتركه سهوا مع الطول. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وتشهدين"؛ يعني مع إتيانه بالجلوس، وما ذكره المصنف من أن السجود القبلي يعاد فيه التشهد هو المشهور، ودليله ما رواه الترمذي، وحسنه من حديث عمران ابن حصين (أن النبي ﷺ صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم (١))، والقول بعدم إعادة التشهد لمالك أيضا، واختاره عبد الملك، ووجهه أن سنة الجلوس الواحد أن لا يكرر فيه التشهد مرتين. قاله الإمام الحطاب. وفيه: فإن لم يعد التشهد فالظاهر أنه لا شيء عليه كما يؤخذ من كلام صاحب الطراز، وقوله: "كترك جهر"، هذا هو مذهب المدونة. قال ابن عرفة: وفي سجود ترك الجهر ثلاثة قبل وبعد، ولا سجود لها، وللمازري عن رواية أشهب وسماع القرويين، وعلى السجود لو ذكر قبل ركوعه أعاد صوابا، وفي سجوده سماع عيسى عن ابن القاسم ومحمد عن أصبغ.
стр. 1037
وإلا فبعده؛ يعني أنه إذا تمحضت الزيادة اليسيرة من غير أقوال الصلاة المسنونة تحقيقا أو شكا، فإنه يسن له سجدتان بعد سلامه الواجب، والسنة لحديث ابن مسعود ﵁ (أنه ﷺ صلى الظهر خمسا وسجد بعد السلام (١))، ولحديث ذي اليدين (أنه ﷺ سلم من ركعتين في صلاة العصر ثم قام إلى خشبة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، وخرج سرعان الناس يقولون: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين، واسمه: خرباق، فقال يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: ﷺ كل ذلك لم يكن؛ أي في ظني، فقال: قد كان بعض ذلك؛ أي في نفس الأمر، فأقبل ﷺ على الناس، فقال: أحق ما يقول ذو اليدين، قالوا: نعم: فتقدم فصلى ما ترك، ثم سجد سجدتين بعد السلام (٢)). ودليل النقصان حديث ابن بحينة: قال: (قام رسول الله ﷺ من اثنتين، ولم يجلس فلما قضى صلاته سجد سجدتين قبل السلام (٣))، ثم مثل للزيادة المشكوك فيها، فأحرى المحققة بقوله: كمتم لشك؛ يعني أنه يسن له أن يسجد بعد السلام فيما إذا أتم صلاته لأجل شك؛ أي عدم يقين فيما صلى، أواحدة أم اثنتين، أو اثنتين أم ثلاثا، أو ثلاثا أم أربعا فيبني على الأقل في جميعها ما لم يكن مستنكحا، ويأتي بما يتمها يقينا وجوبا، فأراد بالشك هنا، وفي الآتية مطلق التردد؛ لأن الوهم معتبر في الفرائض لا في غيرها، فإذا توهم أنه صلى ركعتين وظن ثلاثا عمل على الوهم، وإذا توهم أنه ترك تكبيرتين لم يسجد، ويعتبر الشك فيتم ولو طرأ بعد السلام على أحد قولين. ويظهر من كلام الطراز ترجيح أنه يعتبر كما في الحطاب. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والقول الآخر أنه يبني على يقينه الأول، ولا يؤثر طروُّ الشك بعد السلام، وقوله: "كمتم لشك"، بيان للحكم والسجود جميعا.
стр. 1038
ومقتصر على شفع شك أهو به أم بوتر؛ يعني أنه إذا كان يصلي الشفع، وشك بعد تيقن إتمام الركعتين في حال جلوسه، أو هو قائم فلم يدر أهو به أو أتمه؟ وهو بوتر، فإنه يحتاط بأن يجعل ذلك من الشفع، فيقتصر عليه ليكون على يقين في إتمام الشفع، ويسجد بعد سلامه منه، ثم يستأنف الوتر. قال الشيخ عبد الباقي: وهذا يغني عنه ما قبله؛ إذ فهم منه أن الشاك يبني على الأقل، والنافلة كالفريضة، وشمل كلامه الشك البسيط أي التردد بين أمرين -كما قررت- والمركب وهو التردد بين ثلاث أي شك أهو جالس بأولى الشفع أو ثانيته أو بوتر؟ أتى بركعة، وسجد بعد السلام، ثم أوتر بواحدة. وعبر المصنف في هذه بمقتصر لأنه يقتصر على الركعتين المتيقنتين، فيسلم منهما ثم يوتر، وبمتم في الأولى لأنه لا يقتصر على المتيقنتين، بل يأتي بما شك فيه فحصل التقابل بين اللفظين بأوجز عبارة. وقوله: "ومقتصر على شفع" الخ، بيان للحكم والسجود جميعا كالذي قبله. أبو الحسن: ليس في الأمهات بعد السلام، واختلف الشيوخ هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ وإنما سجد لاحتمال أن يكون أضاف ركعة الوتر إلى ركعتي الشفع من غير سلام، فيكون قد صلى الشفع ثلاثا، فيسجد بعد السلام لاحتمال هذا. صح من النكت. ونقل عن عبد الحق في غير النكت أنه قال: التعليل إنما يقتضي أن يسجد قبل السلام لا بعده؛ لأنه ترك السلام من الشفع، وقوله: "شك" بيان للسبب الذي اقتصر على الشفع لأجله، وقوله: "أهو به أو بوتر" تصوير للشك.
أو ترك سر؛ يعني أن من ترك السر وأتى بأعلى الجهر يسجد بعد السلام لأنه كزيادة محضة؛ وهو مذهب ابن القاسم، وقال غيره: يسجد قبل لأنه زاد الصوت ونقص السر وهو أقيس. قاله التتائي. وقد مر عنه أنه يسجد قبل لترك السر، فله قولان، ومحل السجود المذكور حيث كان يقرأ بصلاة فرض، وجَهَرَ في الفاتحة ولو مرة، أو في السورة في ركعتين. كما للشيخ الأمير. وأما في النافلة فلا يسجد لترك السر؛ لأن السر في النفل مندوب، ولا يسجد لترك مندوب. وقوله: "أو ترك سو بفرض"، هو المشهور كما نص عليه غير واحد، ونسب في التوضيح المقابل لابن القاسم لا لغيره. قال الرهوني: وما ذكروه من الخلاف مخالف لما قال ابن رشد في سماع القرينين، فإنه
стр. 1039
قال: وأما من جهر فيما يسر فيه من صلاته ناسيا فلا اختلاف أحفظه في المذهب في أنه يسجد بعد السلام، وسلمه ابن عرفة وابن ناجي في شرح المدونة. انتهى. وأما لو أتى في محل السر بأدنى الجهر فإنه لا سجود عليه.
أو استنكحه الشك؛ يعني أنه إذا استنكحه الشك أي داخله وكثر منه بأن يطرأ عليه كل يوم مرة فأكثر فإنه يسجد بعد السلام، والسجود في هذه مستحب كما مر. ولَهِيَ عنه؛ يعني أنه إذا استنكحه الشك فإنه يجب عليه أن يلهى عنه أي يضرب ويعرض؛ أي يجب عليه أن يعرض عن مقتضاه، فإذا شك فيما صلى هل اثنتين أم ثلاثا، أو ثلاثا أم أربعا؟ فإنه يبني على ثلاث في الأولى وجوبا، ولا يجوز له البناء على اثنتين، بل يأتي بركعة ويسلم، ويبني على أربع في الثانية، ويسجد بعد السلام ندبا فيهما ترغيما للشيطان، فإن لم يله عن الشك المذكور بأن عمل بمقتضاه ولو عمدا أو جهلا لم تبطل، وفتح الهاء لغة طيء، وكسرها لباقي العرب. قاله النووي. وفي الصحاح أنه: بفتح الياء وكسر الهاء فقط. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وفي الصحاح: لهيت بالشيء بالكسر لهيا ولهيانا إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه، وألهاه أي شغله، ولهوت بالشيء بالفتح لهوا إذا لعبت به. انتهى. وقوله: ولهي عنه؛ أي وجوبا -كما قررت- لأن الاشتغال به يؤدي إلى الشك في الإيمان. والعياذ بالله تعالى. وقد تقدم أن الاستنكاح هو أن يطرأ عليه كل يوم مرة فأكثر سواء اختلفت صفة إتيانه كأن يأتيه، مرة في نيتها، ومرة في عدد ركعاتها أم لا، فيلفق ما وقع من ذلك، إلا الوسائل مع القاصد فلا تلفق، كأن يأتيه الشك مرة في الطهارة، ومرة في عدد الركعات، فإن لم يطرأ الشك إلا بعد يوم أو يومين أو ثلاثة فليس بمستنكح. واعلم أن من تكرر منه إعادة الصلاة لكثرة العوارض من الغفلة وترك الخشوع وغير ذلك، فقد اختلف في ذلك، هل هو محمود أو هو من باب التعمق في الدين؟ انظر الحطاب.
(كطول بمحل لم يشرع فيه) تشبيه في سجود البعدي؛ يعني أن المصلي يسجد بعد السلام فيما إذا حصل منه طول لتفكر متعلق بصلاته زائدا على طمأنينة واجبة وسنة، وكان ذلك الطول في محل لم يشرع التطويل فيه كرفع من ركوع وجلوس بين سجدتين، ومستوفز للقيام على يديه وركبتيه،
стр. 1040
فإن طول عبثا أو لتذكر شيء من غير صلاته، فانظر ما الحكم؟ قاله الخرشي والشبراخيتي وغيرهما. ومحل السجود حيث ترتب على الطول ترك سنة، فإن ترتب عليه ترك مستحب فقط كتطويل، جلوس وسط فلا سجود كما لابن رشد. وذكر غيره أنه مكروه والسنة هنا عدمية، فتركها زيادة، فلذا كان السجود بعديا كما في ترك السر، ولم يبينوا حد الزائد على الطمأنينة الذي هو سنة، ولا حد التطويل الذي يوجب السجود، ومفهوم طول أنه لو لم يطول لا سجود عليه كما يأتي في قوله: "أو شك هل سها"، ومفهوم قوله: "بمحل لم يشرع به"، المطويل أنه لو طول طولا خارجا عن الحد في محل شرع به التطويل أنه لا يسجد، ومعنى شرع به التطويل أن التطويل به قربة كالقيام والركوع والسجود، وهذا التفصيل الذي درج عليه المصنف هو لأشهب، ومقابله قولان: أحدهما لابن القاسم أنه لا سجود عليه مطلقا كان المحل الذي طول فيه مشروعا به التطويل أم لا، والثاني لسحنون يقول بالسجود مطلقا شرع بالمحل الذي طول فيه التطويل أم لا. قال ابن رشد في البيان: قول أشهب؛ يعني القول بالتفصيل الذي مشى عليه المصنف هو أصح الأقوال، وإلى ما قاله ابن رشد في البيان أشار المص بقوله: على الأظهر، وبهذا تعلم أن قول الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم: لا سجود في محل شرع به التطويل إلا أن يخرج عن حده، الصواب، إسقاطه؛ لأنه لسحنون، وهو مقابل للقول الذي مشى عليه المصنف. كما علمت. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ عبد الباقي: إن من قرأ مكتوبا بمحرابه بقلبه فقط بطلت صلاته إن طول، قال: وظاهره ولو مرة بمحل يشرع فيه التطويل. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر، قال: وكتب بعض هنا ما نصه: لا وجه للبطلان حيث كانت القراءة بقلبه ما لم يطل جدا بحيث يكون شغلا كثيرا، وإن كان يقرأ بلسانه فالذكر والقراءة لا يبطلان، وغيرهما واضح إبطاله إن كان عمدا، ولا فرق بين المحراب وغيره. هذا ما ظهر لي. انتهى.
ولابن عرفة: من جلس على وتر قدر تشهد سجد، وفيما دونه مطمئنا فيه قولان، قال: ولا سجود على إمام جلس ينتظر صنع الناس لشكه وإن بعد شهر؛ يعني أن السجود البعدي المتروك لا يسقط الخطاب به طول الزمان الحاصل بعد الصلاة التي ترتب منها، بل يسجده وإن طال
стр. 1041
الأمد كما لو ذكره بعد شهر كما في المدونة، أو بعد سنة كما في الواضحة والمجموعة، أو أبدا كما في غيرها؛ لأنه لما كان جابرا للفرض أمر به لتبعيته، وإن كان النفل لا يقضى سوى الفجر، وهذا يقتضي أن سجود النفل لا يقضى، إلا أن يقال: النفل يصير فرضا بالدخول فيه. وانظر ما حكم تأخيره، هل هو مكروه أولا؟ ولو حذف المصنف قوله: "بعد شهر"، وقال: وإلا فبعده أبدا لكان أحسن. والمطلوب فعله إثر الصلاة، ويفعل في كل مكان إلا في الجمعة كما تقدم، وفي أي وقت حتى الطلوع والغروب، وخطبة جمعة إن ترتب من فرض ومن نفل قيل: كذلك؛ وهو ظاهر المدونة. قاله في الطراز، وهو خلاف ما حملها عليه أبو الحسن أنه يسجد البعدي عند الطلوع والغروب، إلا أن يكون من نافلة. وقوله: "وإن بعد شهر"، قدر الشيخ إبراهيم بين الظرف وبين إن ذَكَرَ. انتهى.
بإحرام؛ يعني أن البعدي إنما يكون أصليا أو قبليا بإحرام أي نية مع تكبيرة السجود لا تكبير زائد عليها، والظاهر أنه لا يرفع يديه، قال الشيخ إبراهيم: ولا يفتقر القبلي لنية؛ لأنه من الصلاة. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ويحتاج القبلي لتكبيرة هوي مع نية. والفرق بين البعدي والقبلي إن ترتب عن أقل من ثلاث سنن، تسقط الطالبة به مع الطول أن البعدي فيه ترغيم الشيطان، فلا يتقيد بزمان والقبلي جابر فلذا سقط مع الطول. وأمر بالبعدي بَعْدَ بُعْدٍ مع أنه ليس بفرض، والقاعدة أن النافلة لا تقضى؛ لأنه لما كان جابرا للفرض أمر به لتبعيته لا لنفسه. قاله في التوضيح. وقوله: للفرض، يقتضي أن سجود النافلة لا يقضى إلا أن يقال النافلة صارت فرضا بالدخول فيها. قاله الشيخ سالم، قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: جابرا للفرض، لا ينافي ما تقدم من أنه ترغيم للشيطان؛ لأنه للترغيم وللجبر معا. والله سبحانه أعلم.
وتشهد؛ يعني أنه إذا سجد السجدتين البعديتين فإنه يتشهد لهما كتشهد الجلوس الأول فقط، وقال في الطراز: لا خلاف أن التشهد لهما ليس بشرط أي فلا يبطل تركه. قاله الشيخ إبراهيم. وسلامه؛ يعني أنه إذا سجد السجدتين البعديتين فإنه يتشهد لهما ويسلم منهما وسلامه منهما واجب غير شرط، ولا يبطل البعدي بترك الثلاثة أي التكبير والتشهد والسلام فيما يظهر، وأما النية فلا بد منها. وفي المدونة: وإن نسي سجود سهو بعد سلام سجده متى ما ذكر ولو بعد
стр. 1042
شهر، وإن انتقض وضوؤه توضأ وقضاهما، وإن أحدث فيهما توضأ وأعادهما، وإن أحدث بعد ما سجدهما توضأ وأعادهما، فإن لم يعدهما أجزأتاه، وصلاته في ذلك كله تامة لأنهما ليستا من الصلاة. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "بإحرام"، هذا هو المشهور، وقيل: لا يفتقر البعدي للنية؛ وهو لمالك. قاله الحطاب. وفي الطراز: لا يختلف أنه يتشهد لهما ويسلم، وإنما الخلاف، هل يشترط التسليم والإحرام أم لا؟ وما تقدم من أنه يكبر تكبيرة واحدة للهوي، دليله ما في الموطإ من حديث ذي اليدين، (فصلى ركعتين ثم كبر فسجد (١))، وذلك يقتضي أنه كبر تكبيرة واحدة. ونقل ابن فرحون في شرح ابن الحاجب ما يقتضي: أنه يكبر تكبيرتين. جهرا؛ يعني أنه يجهر بتسليمة البعدي، والجهر بها سنة.
وصح إن قدم؛ يعني أن من ترتب عليه بعدي، وقدمه بأن سجده قبل السلام يصح ويجزئه ولو عمدا، رعيا لمذهب الشافعي القائل: إن السجود كله قبلي، ولو كان المقدم له المأموم؛ بأن ترك المأموم السلام الأول مع الإمام، وسلم معه بعد السجود، ويتصور في المسبوق أيضا؛ بأن يقدم السجود على سلام نفسه بعد القضاء، ولا تبطل إلا إن سجد البعدي قبل القضاء قاله الشيخ محمد بن الحسن. أو أخر؛ يعني أن من ترتب عليه قبلي. وأخره بأن سجده بعد السلام، فإنه يصح ويجزئه ولو عمدا، رعيا لمذهب أبي حنيفة القائل: إن السجود كله بعدي، ويحرم تقديم البعدي، ويكره تأخير القبلي ولو أخر الإمام القبلي. البرزلي: كان شيخنا ابن عرفة يقول: إن المأموم يسجد قبل، وظاهر كلام غيره أنه يتبعه في السلام والسجود، وفي المواق: فيها لمالك: وكذا إن قدم الإمام القبلي وأخره المأموم فتصح صلاته. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله: وفي المواق فيها لمالك الخ، لم أر في المواق ما ذكره، وهو مشكل؛ إذ يلزم عليه سلام المأموم من الصلاة قبل إمامه، اللهم إلا أن يكون المأموم سها عن السجود مع الإمام حتى سلم الإمام. فتأمل. انتهى. وفي حاشية الرهوني عن المدونة: أن الإمام إذا كان يرى تأخير القبلي
стр. 1043
لا يخالفه المأموم. انتهى. واعلم أن الصلاة ليست بطول في القبلي المرتب عن أقل من ثلاث سنن، فمن ذكره أو ذكر البعدي في صلاة فرضا أو نفلا لم تبطل واحدة منهما، فإذا أتم صلاته سجدهما، فقول المصنف فيما يأتي: "إن أطال القراءة" الخ: خاص بالقبلي المرتب عن ثلاث سنن ونحوه، وفاعل صح: ضمير يعود على سجود السهو.
لا إن استنكحه السهو؛ الظاهر أنه معطوف على مقدر بعد قوله: "سن لسهو"؛ أي إن لم يستنكح؛ يعني أنه لا سجود على من استنكحه السهو أي داخله كثيرا، بأن يأتيه كل يوم مرة فلا سجود عليه من زيادة أو مع نقص عند انقلاب ركعاته أو نقص فقط. وانظر، هل يحرم سجوده أو يكره، أو الأول إن كان قبليا والثاني إن كان بعديا؟ وهل تبطل بالقبلي أولا لأن هناك من يقول بسجوده؟ قاله الشيخ عبد الباقي.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر في القبلي الحرمة لإدخاله في الصلاة ما ليس منها وبطلانها، وفي البعدي الكراهة والله سبحانه أعلم.
ويصلح؛ يعني أن من استنكحه السهو لا سجود عليه، ولكن عليه أن يصلح إن أمكنه الإصلاح كما لو تذكر بعد تمام القراءة سجدة فيسجدها، ويعيد الفاتحة. والظاهر أنه يسن له قراءة شيء بعدها؛ لأنه كمن لم يقرأ، وكما لو تذكر السورة قبل تمام الانحناء فيرجع ويأتي بها، وهذا البحث لا يخص المستنكح بالسهو، وإن لم يمكن الإصلاح فلا إصلاح عليه، كما لو استنكحه السهو في سورة حتى ينحني أو عن الجلوس الوسط حتى يفارق الأرض بيديه وركبتيه، ولا سجود عليه، وصلاته صحيحة. كما يدل عليه كلام الأئمة. قال الشيخ عبد الباقي: وفي الشادلي على الرسالة أنه: يؤمر المستنكح برجوعه بعد مفارقة الأرض بيديه وركبتيه. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره عن الشادلي لم أر ما يطابقه، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: قال أحمد: قوله: "ويصلح"، هذا ما لم يكن استنكاحه بعد أن يقرأ السورة، هل قرأ الفاتحة أم لا؟ فإنه يقرأ الفاتحة، ولا يعيد السورة، قاله القرافي. قال الشيخ بناني: قوله عن أحمد: "ما لم يكن استنكاحه" الخ فيه نظر، فإن هذا من استنكاح الشك لا السهو، وقوله: فإنه يقرأ، خلاف قول المصنف: "ولهي عنه". وفي الحطاب عند قوله: "أو استنكحه الشك"، من سماع أشهب ما نصه:
стр. 1044
ومن شك في قراءة أم القرآن، فإن كثر هذا عليه لهي عنه، وإن كان المرة بعد المرة فليقرأ، وكذلك سائر ما شك فيه، وقوله: "ويصلح"، إن أمكن -كما مر- فإن لم يمكن كما لو تذكر سجدة بعد رفع رأسه من الركوع بعدها بطلت تلك الركعة، ويأتي بها على ما سيذكره المصنف من قوله: "ورجعت الثانية أولى" الخ. والحاصل أنه إذا لم يمكن له إصلاح الفرائض لأجل فوات التدارك فهو كغيره ما عدا السجود، كما لو لم يفته. وقي كتاب الشيخ الأمير: وأصلح سهوه إن أمكن، وإلا أبطل ترك الفرض لبُعدٍ من سلام، فإن لم يبعد بطلت الركعة فقط، على ما يأتي في مبحث الإصلاح.
واعلم أن من ترك السورة سهوا أو عمدا صحت صلاته، كما في المدونة. وعلم من المصنف أربعة أقسام: ساه غير مستنكح، وشاك غير مستنكح، كل منهما يصلح ويسجد، وشاك مستنكح يسجد ولا يصلح، وساه مستنكح يصلح ولا سجود عليه. وإلى القسم الأول أشار بقوله: "سن لسهو وإن تكرر بنقص سنة مؤكدة أو مع زيادة سجدتان قبل سلامه"، وبقوله: "وإلا فبعده"، وإلى الثاني بقوله: "كمتم لشك ومقتصر على شفع الخ"، وإلى الثالث بقوله: "أو استنكحه الشك ولهي عنه"، وإلى الرابع بقوله: "لا إن استنكحه السهو ويصلح". والفرق بين الساهي بقسميه، والشاك بقسميه أن الساهي يضبط ما وقع له بخلاف الشاك، ونظم بعضهم الأقسام الأربعة بقوله:
غيران يسجدان يا إخوان … ويصلحان قل بلا بهتان
وصاحب الشك والاستنكاح … يسجد بعد قل بلا إصلاح
وموقن مستنكح لمن يسجدا … ويصلح الفروض حتما أبدا.
وصرح بمفهوم قوله: "كطول بمحل لم يشرع به"، التطويل، فقال: أو شك هل سها؛ يعني أنه لا سجود على من شك هل سها عن شيء يتعلق بالصلاة من زيادة أو نقص، أو لم يسه فتفكر قليلا، ثم تبين أنه لم يسه، وعلى هذا التقرير فكلام المصنف ناقص يقدر معه فتفكر قليلا، كما في المدونة. ويحتمل أن يراد به الشك الذي لم يستند لعلامة فإنه بمنزلة الوهم، وعليه حمل
стр. 1045
القلشاني قول الجلاب: ومن شك في صلاته فلم يدر سها فيها أم لا فلا شيء عليه، لكنه مقيد بالشك في غير الفرائض، فكلامه ناقص على كلا الاحتمالين، والاحتمال الأول أقرب. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. أو سلم؛ يعني أن من شك هل سلم أو لم يسلم، سلم ولا سجود عليه إن كان قريبا، ولم ينحرف عن القبلة، ولم يفارق موضعه: والمراد بالشك مطلق التردد فيشمل الوهم حيث تعلق بالفرائض.
واعلم أن المراد بالشك حيث تعلق بالفرائض مطلق التردد الشامل للوهم، وأما بالنسبة لغير الفرائض فالمراد به ما لا يشمل الوهم. كما قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. فإن انحرف عن القبلة كثيرا سجد، وإن طال جدا بطلت، وإن توسط أو فارق مكانه بنى بإحرام، وتشهد وسلم وسجد بعد السلام كما سيأتي إن شاء الله. وقال الشيخ محمد بن الحسن في التوسط: إنه لا سجود عليه لأنه طول في محل شرع به التطويل.
أو سجد واحدة في شكه فيه هل سجد اثنتين؛ يعني أنه إذا تحقق أنه سجد سجدة واحدة من سجدتي السهو، وشك في إتيانه بالثانية، فبنى على اليقين بأن سجد واحدة أخرى لأجل دفع الشك، فإنه لا سجود عليه. وقوله: "هل سجد اثنتين"، تفسير للشك أي شك هل سجد اثنتين سجدتي السهو أو لم يسجد إلا واحدة؟ وبما قررت علم أن في الأولى للسببية كما في الحديث: (دخلت امرأد النار في هرة ربطتها لا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض (١)). وعلم أيضا أن هنا معطوفا محذوفا هو والعاطف بعد اثنتين تقديره أو واحدة، وقوله: "سجد"، معطود على قوله: "لا إن استنكحه السهو"، وقوله: "أو سجد واحدة؛ أي لا سجود عليه؛ لأنه لو أمر بالسجود لأمكن أن يشك أيضا فيتسلسل، ولأن الصغر لا يصغر ثانيا، ولو سجد القبلي ثلاثا سهوا ثم تذكر، سجد بعد السلام عند اللخمي، وعند غيره لا سجود عليه في القبلي ولا في البعدي؛ وهو مذهب المدونة كما في الحطاب. والله سبحانه أعلم. وأما البعدي فوافق
стр. 1046
اللخمي فيه على عدم السجود، ولو شك في السجدتين هل هما للفريضة أو للسهو؟ أتى بأربع سجدات. وحكىَ أن محمد بن المواز قال للكسائي: لم لا تشتغل بالفقه؟ فقال من أحكم علما هداه إلى سائر العلوم، فقال محمد: أنا ألقي عليك شيئا من مسائل الفقه وخَرِّج جوابه من النحو، فقال: هات، فقال: ما تقول في من سها في سجود السهو؟ فتفكر ساعة ثم قال: لا سهو عليه، فقال: من أي أبواب النحو أخرجت منه هذا؟ فقال: من باب التصغير، فإن المصغر لا يصغر، فتعجب من فطنته.
أو زاد سورة في أخرييه؛ يعني أنه لا سجود على من زاد سهوا على الفاتحة سورة في الركعتين الأخيرتين معا، هذا هو المشهور، وقال أشهب: يسجد، وأما في إحدى أخرييه فلا سجود اتفاقا، وقوله: "في أخرييه"، وأولى في عدم السجود لو زاد سورة في أولييه.
أو خرج من سورة لغيرها؛ يعني أنه لا سجود على المصلي إذا كان يقرأ سورة، وخرج منها لغيرها سهوا، ويكره تعمد ذلك ما لم يكن افتتح بسورة قصيرة في صلاة يشرع فيها التطويل، فإن له أن يتركها إلى سورة طويلة، كما في الجلاب. قاله الخرشي. وإذا كره الخروج من رواية إلى أخرى، فأولى من سورة إلى أخرى. قاله التلمساني؛ أي رواية القرآن، وهل في الآية الواحدة، أو ولو في آيتين. وذكر لي بعض الفضلاء أن النووي صرح بالكراهة في الحالتين. قاله الأجهوري. والكراهة خاصة بالصلاة، ولعل وجه ذلك أن في تعددها إعمال خاطره بما يمنعه من الخشوع في الصلاة قاله الشيخ عبد الباقي. وأما القراءة برواية واحدة في الصلاة فلا كراهة فيها، وأما القراءة في الصلاة بالتجويد فمطلوبة لقول ابن الجزري:
والأخق بالتجويد حتم لازم … من لم يصحح القران آثم
وتجويده مراعاة مده، والإدغام بغنة وغيرها، والإظهار، والإخفاء. وقال صاحب البيان: كره مالك إظهار الهمزة في الصلاة، واستحب التسهيل في قراءة ورش؛ لأن ذلك لغة النبي ﷺ . وكره الترقيق، والروم، والإشمام، وغير ذلك من معاني القرآن. نقله القرافي. انتهى
стр. 1047
قاله الشيخ عبد الباقي عن الشيخ أحمد. وقال الشيخ محمد بن الحسن: اعترض ابن عرفة كلام البيان هذات ونصه: سمع ابن القاسم كراهة النبر في قراءة الصلاة. ابن رشد: هو إظهار الهمزة بكل موضع، ولذا جرى عمل قرطبة أن لا يقرأ إمام جامعها إلا بورش، وإنما ترك منذ زمن قريب. ويحتمل أن الترجيع الذي يحدث به نبر ءا ءا ءا، أو فعل بعض المقرئين من تحقيق الهمز، والترقيق؛ والتغليظ، والروم، والإشمام، وإخفاء الحركة، وإخراج كل الحروف من حقيقة مخارجها لشغله عن فهم حكمه وعبره وتدبره، قلت: هذا الاحتمال لا يليق لاتفاق كل القراء عليه وتواتره، ولا سيما إخراج الحروف من مخارجها. انتهى المراد منه.
أو قاء غلبة؛ يعني أنه لا سجود على من قاء غلبة، ولا تبطل صلاته إن كان يسيرا طاهرا، فإن قاء عمدا بطلت صلاته كما لو كان كثيرا أو نجسا، ومحل الصحة فيما إذا كان يسيرا طاهرا حيث لم يزدرد منه شيئا عمدا، فإن ازدرد منه شيئا عمدا بطلت صلاته، فإن ازدرده غلبة ففي بطلانها وعدمه قولان، وعلى القول بالصحة فلا سجود عليه فيما يظهر، وإن ازدرده سهوا صحت وسجد بعد السلام. وقد مر هذا.
أو قلس؛ يعني أن من قلس غلبة لا سجود عليه، والقلس كالقيء في التفصيل المذكور من غير فرق. والله سبحانه أعلم. وعلم مما قدمته أن محل قوله: "أو قاء غلبة أو قلس"، إنما هو حيث لم تبطل صلاته، راجع ما تقدم عند قوله: "ومن ذرعه قيء لم تبطل صلاته".
ولا لفريضة؛ يعني أن الفريضة لا تجبر بسجود السهو حيث تركها مصل سهوا، ولا بد من الإتيان بها تداركا أو غيره، فإن عرفها أتى بها، وإلا جعلها الإحرام فيحرم بنية، ثم يصلي ويسجد بعد ولو أيقن بالإحرام جعلها الفاتحة وهكذا أبدا، وهذا محترز قوله: "بنقص سنة". قال الشيخ عبد الباقي: فإن قلت: قوله: فيحرم بنية ثم يصلي؛ يقتضي عدم الاعتداد بما وقع منه من أفعال الصلاة. وقوله: يسجد بعد السلام يخالفه، قلت: لا يخالفه؛ لأن عدم الاعتداد بما ذكر لا ينفي الشك في حصول الإحرام منه أولا؛ إذ الإحرام الحاصل منه ثانيا لا ينفي ما حصل منه من الإحرام أولا إن كان حصل منه؛ إذ يجوز كونه تأكيدا، وإذا كان كذلك فيحصل الشك
стр. 1048
في زيادة الإحرام الثاني، فلذا يسجد بعد السلام، وسيأتي أن القطع إنما يكون بسلام، أو مناف، أو رفض.
وغير مؤكدة، هذا محترز قوله -سابقا- مؤكدة؛ يعني أنه لا سجود لترك سنة غير مؤكدة، وبطلت الصلاة إن سجد لها قبل، قال الشيخ عبد الباقي: وانظر حكم النهي في جميع ما ذكر، هل على الحرمة أو الكراهة؛ انتهى. وقوله: وانظر حكم النهي إلى آخره، قال الشيخ بناني: حيث كانت الصلاة تبطل بفعل القبلي، فالحرمة فيه ظاهرة لحرمة فعل البطل لغير ضرورة، وقوله: وغير مؤكدة أي بانفرادها، وأما مع زيادة ففيها قولان بالسجود وعدمه.
كتشهد مثال للسنة غير المؤكدة؛ يعني أن من نسي تشهدا واحدا أدى جلوسه، لا سجود عليه؛ لأنه سنة غير مؤكدة، وقال الشبراخيتي وغيره: إن هذا ضعيف، والمعتمد أنه سنة مؤكدة، فيسجد له، كما قاله المواق، وذكره صاحب العزية. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكرد المصنف من عدم السجود للتشهد الواحد إذا جلس له، نحوه لابن عبد السلام، ونص عليه الجلاب، وجعله في الطراز المذهب، وهو خلاف ما صرح به اللخمي، وابن رشد من أنه: يسجد للتشهد الواحد، وإن جلس له. وصرح ابن جزي والهواري بأنه: المشهور، وعلى السجود له اقتصر صاحب النوادر، وابن عرفة. قال الإمام الحطاب: والحامل أن فيه طريقين أظهرهما السجود، وفي التهذيب: من نسي التشهد حتى سلم فذكر ذلك، يرجع إلى الصلاة، ويتشهد ويسلم، ثم يسجد بعد السلام، وتقدم نحوه في كلام النوادر عن ابن حبيب قال ابن عرفة: وهذا معارض لقول المازري في المدونة: إن ذكر تارك التشهد الأخير؛ وهو بمكانه سجد لسهوه، وإن طال فلا شيء عليه، ونحوه للصقلي، فيكون فيها قولان. انتهى. وانظر كيف جعله يرجع للتشهد؛ وهو سنة، وقد حصل ركنا من أركان الصلاة؛ وهو السلام؟.
والقاعدة أنه إذا فات محل فعل السنة فإنه لا يرجع كمن نسي السورة حتى ركع. قاله الإمام الحطاب. وقال ابن عرفة: ونقص السنة عمدا في بطلان الصلاة به، ثالثها: يسجد قبل،
стр. 1049
ورابعها: يعيد في الوقت لبعض أصحاب مالك، وابن القاسم، وغيره، واختيار الجلاب. ونقل اللخمي قاله الإمام الحطاب.
ويسير جهر؛ يعني أنه لا سجود على من اقتصر في السرية على يسير جهر؛ بأن أسمع نفسه ومن يليه. أو سر؛ يعني أنه لا سجود على من اقتصر في الجهرية على يسير سر؛ بأن أسمع نفسه فقط، فالسجود لترك الجهر محله إذا بالغ في الإسرار، وكذا السر هذا هو الصحيح، وما عداه وَهَمٌ. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.
وإعلان بكآية؛ يعني أنه لا سجود في إعلان بكالآية في محل السر، وكذا السر به في محل الجهر وإعادة سورة فقط لهما؛ يعني أن من أسر بالسورة في محل الجهر ساهيا، وذكر قبل الانحناء فإنه يعيدها جهرا لأجل تحصيل سنة الجهر: ولا سجود عليه في إعادته للسورة، وكذا لو جهر بها في محل السر، وذكر قبل الانحناء؛ فإنه يعيدها سرا لأجل تحصيل سنة السر، ولا سجود عليه في إعادته للسورة، وهذه الإعادة في الموضعين مأمور بها، وتفوت بالانحناء كما يأتي. واحترز بقوله: "فقط"، عما لو أعاد الفاتحة لهما، أو أعادها مع السورة لهما؛ فإنه يسجد بعد السلام، وقيل: لا سجود في إعادة القراءة للجهر.
واعلم أن من كرر الفاتحة سهوا سجد، وعمدا أثم، ولا بطلان. وقال الشيخ الأمير: ولو كرر الفاتحة سهوا سجد: ومنه إعادتها لسر أو جهر، والشك على الظاهر بخلاف ما لو كرر السورة فلا سجود عليه، ومنه إعادتها لتقديمها على الفاتحة، ولا يعول على ما في الخرشي هنا. انتهى بإيضاح. وفي بناني ما معناه: سمع عيسى عن ابن القاسم: من أعاد القراءة لسهوه عن جهرها سجد، وسمع القرويون: من أعاد القراءة لسهوه عن جهرها لم يسجد، ومن كرر السورة للتنكيس، فقيل: يسجد، وقيل: لا يسجد. وبما قررت علم أن اللام في قوله: "لهما" للتعليل، وضمير التثنية للسر والجهر؛ أي لا سجود في إعادة السورة لأجل تحصيل سنة الجهر أو السر. وتكبيرة؛ يعني أنه لا سجود على من ترك تكبيرة واحدة، فقوله: "وتكبيرة"؛ عطف على قوله: "تشهد"؛ فهو مثال ثان للسنة غير المؤكدة، وكذا لا سجود على من ترك سمع الله لمن حمده مرة واحدة، وقوله: "وتكبيرة" ما لم تكن من تكبير العيد، فإنه يسجد قبل السلام لترك تكبيرة
стр. 1050
واحدة منه -كما يأتي؛ لأن كل واحدة من تكبيره سنة مؤكدة. وكما يترتب القبلي في نقصه يترتب البعدي في زيده، كما نص عليه غير واحد. قال الإمام مالك في مختصر ابن شعبان: من سها في العيد فزاد تكبيرة واحدة سجد بعد السلام.
وفي إبدالها بسمع الله لمن حمده؛ يعني أن شراح المدونة اختلفوا فيمن جعل موضع الله أكبر، سمع الله لمن حمده، فمنهم من تأولها على السجود؛ لأنه نقص وزاد، ومنهم من نفى السجود، ومحل التأويلين حيث أبدل التكبيرة بسمع الله لمن حمده سهوا عند الخفض للركوع مرة واحدة. أو عكسه؛ يعني أن شراح المدونة اختلفوا فيمن جعل موضع سمع الله لمن حمده، الله أكبر مرة واحدة، فمنهم من تأولها على السجود لأنه نقص وزاد، ومنهم من نفاه، وقوله: تأويلان: مبتدأ تقدم خبره، وهو قوله: "في إبدالها" الخ، فالتأويلان في السجود، ونفيه يعني القبلي في المسألتين، ومحلهما إن أبدل في أحد المحلين، فإن أبدل بالمحلين معا سجد قطعا، ومحلهما أيضا إن فات التدارك بأن تلبس بالركن الذي يليه، وإلا أتى به ولا سجود عليه، وإن أبدل إحدى تكبيرات السجود خفضا أو رفعا بسمع الله لمن حمده لم يسجد، فإن أبدل بمحلين سجد، وقال الشيخ إبراهيم: وأما لو أبدل سمع الله لمن حمده، بقوله: ربنا ولك الحمد، فإنه لا سجود، قاله في النوادر عن الواضحة، ونحوه في الحطاب، فإنه قال: ولا يأتي التأويلان فيمن أبدل موضع سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فإنه لا سجود عليه. انتهى. وفي البرزلي: ومن نسي التكبير في صلاته كلها شهرا أعادها كلها على المشهور، وعلى قول من يقول: كله سنة، فإنه لا يعيد. ومن نسي سمع الله لمن حمده في صلاته شهرا، وهو مسافر، فإنه يعيد المغرب ثلاثين مرة، ولا يعيد غيرها؛ لأن القبلي في غيرها إنما ترتب عن سنتين وهذا على المشهور. وأما على أن سمع الله لمن حمده كله سنة فلا يعيد المغرب، ولو نسيها في الحضر أعاد ما سوى الصبح على المشهور لا على مقابله، ولو كان يضيف إلى سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فلا إعادة عليه، كذا كان شيخنا الإمام يفتي أن ربنا ولك الحمد تنوب عن التسميع، لكونه ذكرا شرع في المحل، بخلاف إبدال التكبير منها، كما قال في المدونة؛ لأن التحميد يشارك التسميع في الطلب
стр. 1051
مع اتحاد المحل، فالحقيقة قريب بعضها من بعض، ولو نسي تكبيرتين أو تحميدتين شهرا صحت صلاته. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وفي التهذيب: ولا يجزئ من الإحرام إلا الله أكبر، ولا من السلام إلا السلام عليكم. ابن ناجي: اتفق المذهب على أنه إذا قال: الله، أنه لا يجزئ، أي عن السلام عليكم: مع أنه مجانس، وأحرى إذا قال غيره كقوله: الله السميع، ويقوم منه أن من أبدل سمع الله لمن حمده، بربنا ولك الحمد في ثلاث ركعات فأكثر، أن صلاته باطلة ولا اعتبار بالمجانسة، وبه كان يفتي أبو محمد الشبيبي إلى أن مات ﵀، وتوجه فتواه بأن المستحب لا يقوم مقام السنة لضعفه، وكان بعض شيوخنا يفتي بالصحة والصواب الأول. انتهى.
وقوله: إن صلاته باطلة -يريد إذا لم يسجد لسهوه. قاله الإمام الحطاب. قال الشيخ عبد الباقي: ثم ذكر مسائل لا سجود في سهوها؛ لأن عمدها منه ما يطلب؛ ومنه ما يجوز، ومنه ما يكره كما بين ذلك في كلامه، فقال: ولا لإدارة مؤتم؛ يعني أنه لا سجود لأجل إدارة مؤتم أداره إمامه عن يساره ليمينه، ويندب عمدها؛ لأن الوسيلة تعطى حكم مقصدها، وأصلها قصة ابن عباس ﵄ قال: (نمت عند خالتي ميمونة والنبي ﷺ عندها تلك الليلة فتوضأ ثم قام يصلي فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه (١))، وفي رواية (فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه (٢))، وفي أخرى (فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها فأقامني (٣)). وهذا كله في صحيح البخاري. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ بناني: قوله: "ولا سجود الخ"، كذا شرحه التتائي وغيره، وهو ظاهر المصنف، قال الرماصي: وليس ذلك مراده، بل مراده أن ذلك مغتفر؛ لأن كلامه في فعل ذلك عمدا، وكأنه يحوم على قول ابن الحاجب فكثير الفعل مبطل مطلقا، وإن وجب كقتل ما يحاذر، أو إنقاذ نفس أو مال والقليل جدا مغتفر، ولو كان كإشارة لسلام أو رده أو لحاجة على المشهور، وما فوقه من مشي يسير وشبهه إن كان لضرورة كانفلات دابة أو لصلحة من مشي يسير لسترة أو فرجة أو دفع مار دفعا خفيفا، فمشروع، وإن
стр. 1052
كان لغيره فإن أطال (١) الإعراض فمبطل عمده، ويجبر سهوه، وإلا فمكروه، فأشار للمشروع بقوله: "ولا لإدارة مؤتم إلى آخره"؛ أي لا شيء عليه فيه لكونه مطلوبا، وأشار للجائز بقوله: "ولا لجائز"، إلا أنه لشدة الاختصار لم يفصح بالمراد، وخلط المطلوب بالجائز والمكروه.
وحاصله أن ما كان من مصلحة الصلاة كإدارة المؤتم، وإصلاح الرداء والدنو من السترة، وسد الفرجة فمطلوب، وغيره إن قل جدا جائز، وإلا فمكروه لغير ضرورة ولها مغتفر. انتهى. وقال الشيخ علي الأجهوري في شرحه ما معناه أنَّ فعْلَ ما لا يسجد لسهوه منه ما هو مطلوب، وأشار إليه بقوله: "ولا لإدارة مؤتم"، إلى قوله: "ولا لجائز"، ومنه ما هو جائز، وأشار إليه بقوله: "ولا لجائز"، إلى قوله: "ولا لتبسم"، ومنه ما هو مكروه، وأشار إليه بقوله: "ولا لتبسم"، فإنه ليس من الجائز لعطفه عليه، ويجعل التشبيه في قوله: كأنين لوجع وبكاء تخشع لإفادة نفي السجود فقط؛ لأن الملجأ غير مكلف فلا يكونان من الأقسام المذكورة. أشار له الشيخ إبراهيم. ونقل عن ابن السبكي ما نصه: والصواب امتناع تكليف الغافل والملجإ، وكذا المكره على الصحيح. انتهى. وإصلاح رداء؛ يعني أنه لا سجود على المصلي في إصلاح ردائه، لفعله ﵊، وعمده مندوب إن خف إصلاحه، ولم ينحط له، وإلا لم يندب بل ينهى عنه، ولكن لا تبطل صلاته. وقال الشيخ الأمير: وندب إدارة مؤتم لليمين إن وقف بغيره، وإصلاح رداء أو سترة وإن انحط مرة وأبطل إن زاد، وأما الانحطاط لأخذ عمامته فمبطل لأنها لا تصل مرتبة ما ذكر في الطلب، إلا أن يتضرر لها. كما في عبد الباقي انتهى.
أو سترة سقطت؛ يعني أنه لا سجود في إصلاح سترة سقطت بل يستحب إصلاحها إن خف ولم ينحط لها من قيام، وإلا فلا بل ينهى عن إصلاحها، ولكن لا تبطل إلا إذا انحط لها مرتين، لأنه فعل كثير، وانظر في الإدارة إن تكررت، وكذا النظر فيما بعده. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: أي ويستحب إصلاحها إن خف ولم ينحط لها من قيام، وإلا فلا، بل ينهى عن
стр. 1053
إصلاحها، ولكن لا تبطل. انتهى. وروى علي عن مالك في المجموعة: إذا استتر الإمام برمح فسقط فليقمه إن كان ذلك خفيفا، وإن شغله فليدعه. ونقله سند ثم قال: وهذا إذا كان جالسا بين يديه فيقيم السترة فذلك يسير، فأما إن كان قائما ينحط لذلك فثقيل إلا أنه يغتفر مثله للضرورة.
أو كمشي صفين لسترة؛ يعني أنه لا سجود على مصل مشى كالصفين لأجل سترة يستتر بها كمسبوق سلم إمامه، والكاف داخلة على صفين، وأدخلت الثالث. وفي المدونة: ينحاز الذي يقضي بعد سلام الإمام إلى ما قرب منه من السواري، وبين أبو الحسن القرب بالعرف، ولم يحده بالصفين والثلاثة، وإنما تبع المصنف قول ابن عبد السلام أكثر عبارات أهل المذهب أنه يمشي الصفين، وربما قالوا والثلاثة. انتهى. ويمكن تفسير العرف الواقع في أبي الحسن بالصفين والثلاثة فلا اختلاف. قاله الشيخ عبد الباقي.
أو فرجة؛ يعني أنه لا سجود في مشي كصفين لأجل فرجة يسدها ولا يحسب من الثلاثة الذي خرج منه، ولا الذي دخل فيه. وانظر هل يجري ذلك فيما قبل الفرجة من المسائل وما بعدها، أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. والفرجة بضم الفاء: فرجة الحائط مثلا، وأما الفرجة للتفصي من الهم فمثلثتها، وقد علمت أن المشي المذكور مندوب: لأنه وسيلة إلى تسوية الصفوف، وهي اعتدال القامة على سمت واحد، ويراد بها أيضا سد الخلل الذي في الصف. وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة من أجمعها حديث ابن عمر ﵄ أنه ﷺ قال: (أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا فروجات للشيطان ومن وصل صفا وصله الله (١))، رواه أبو داوود: وصححه ابن خزيمة والحاكم. وروى أبو داوود، وصححه ابن خزيمة أنه ﷺ أقبل على الناس بوجهه فقال (أقيموا صفوفكم ثلاثا والله لَتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم (٢))، معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء؛ لأن اختلافهم في
стр. 1054
الظواهر سبب لاختلاف البواطن. قال الراوي للحديث، وهو النعمان بن بشير ﵁: فلقد رأيت الرجل منا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه. قاله سيدي محمد الزرقاني. أو دفع مار يعني أنه لا سجود في مشي كصفين لأجل دفع مار يريد مرورا بين يديه قال الشيخ عبد الباقي: انظر من قيده بمشي كصفين؛ إذ مفاد نقل الشارح، والتتائي عن أشهب أن: التحديد بالقرب إلا أن يفسر بهما. وانظر إذا حصل من المصلي مشي كالصفين لكل من السترة والفرجة والظاهر اغتفاره، وكذا يقال في إصلاح الرداء مع إصلاح السترة. انتهى. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المندوب: ومشى لسترة أو فرجة قربتا كالصفين مستقبلا، أو دفع مار فإن بعد أشار له ولا يرجعه إن جاز، وسد فيه لتثاؤب بغير باطن اليسرى لملابسة النجاسة، وليس التفل عند التثاؤب مشروعا، وما نقل عن مالك لاجتماع ريق إذ ذاك ولا سجود لها؛ أي للمذكورات. انتهى.
أو ذهاب دابة يعني أنه لا سجود في مشي قل كالصفين لأجل أن يرد دابة ذهبت كانت الدابة للمصلي الذي مشى ليردها، أو لغيره. قال الشبراخيتي: ولم نر من حد المشي في هذه بكصفين، ويستفاد من ابن رشد وعبد الحق أنه متى خشي بذهابها تلف نفسه أو مشقة شديدة يتكلم ويقطع، كثر ثمنها أم لا، ضاق الوقت أم لا. فتلك أربعة يقطع فيها، فإن لم يخش ذلك تمادى على صلاته في ثلاثة وهي: ما إذا ضاق الوقت كثر ثمنها أو قل، أو اتسع الوقت وقل ثمنها، فإن كثر ثمنها واتسع الوقت قطع. وللشارح فيما إذا خشي هلاكا أو شديد أذى أنه لو قيل: يطلبها ويصلي كالمسايف ما بعد، ونحوه لابن ناجي وكأنه من توافق الوارد في الخواطر، والمال كالدابة في هذه الثمانية، والظاهر أن المراد بالوقت: الضروري. قال الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم: وانظر هل الكثرة والقلة منظور لها في نفسها، أو بالنظر للمالك؟. وفي باب الحج والتيمم ما يفيد الخلاف في ذلك، وفي ابن عرفة ما يفيد أن الكثير ما يضر، وما هنا عام في الفذ والإمام والمأموم، وما يأتي من الاستخلاف في صور القطع الخمسة فلا مخالفة. انظر حاشية الشيخ بناني.
وإن لجنب أو قهقرة راجع للأربع؛ أعني مشيه كصفين لسترة، أو فرجة أو دفع مار، أو ذهاب دابة؛ يعني أنه إذا مشى في هذه الأربع لا فرق بين أن يمشي أمامه وبين أن يمشي لجنب أو
стр. 1055
قهقرة، وظاهره أنه لا يستدبر القبلة، ولو لعذر، وهو كذلك فيضره الاستدبار. والظاهر أن حكم الانحراف الكثير حكم الاستدبار، وفي الرعاف: يستدبر لعذر، والظاهر أن ما هنا أولى. قاله الشيخ علي الأجهوري. قال الشيخ عبد الباقي: هو ظاهر في ذهاب الدابة للضرورة فيستدبر فيما يظهر لها فقط دون السترة والفرجة ودفع المار، ولذا لم يبالغ إلا على الجنب والقهقرة لجريانهما في الجميع، وصوابه قهقوى. قاله الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم. وسمع بعض أن ما هنا لغة قاله الشيخ عبد الباقي.
وفتح على إمامه إن وقف؛ يعني أن المأموم لا سجود عليه إذا فتح على إمامه في الصلاة فرضا أو نفلا حيث وقف الإمام؛ أي استطعم، ومعنى الفتح تلقينه القراءة عند الوقف، ومعنى استطعم -كما مر- بأن علم طلب ذلك منه، أو تردد. كما للشبراخيتي. ومثله إذا خلط آية رحمة بآية عذاب نص عليه ابن حبيب، وكذا إذا وقف وقفا قبيحا؛ فإنه يعيده على الصواب، وهو واجب في الفاتحة، وإن لم يقف بأن قرأ من مكان آخر، وفي السورة إما سنة أو مستحب، وإذا لم يقف في السورة كره ذلك بأن ينتقل من سورة إلى سورة. كما في الحطاب. ولا تبطل صلاة الفاتح، وقال الشيخ عبد الباقي: ويفتح عليه فيما يظهر إن أبدل خبيرا ببصيرا وسميع عليم بواسع عليم، ومن باب أولى فيما يظهر إن ترك الفاتحة وابتدأ بالسورة. وفي حديث ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ صلى بالناس وقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، فأسقط آية، فلما فرغ قال: أفي المسجد أبي بن كعب؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: ما منعك أن تفتح علي حين أسقطت الآية؟ قال: حسبت أنها نسخت، قال: إنها لم تنسخ). قاله الشيخ إبراهيم. وإن ترك الفتح في الفاتحة صحت صلاة الإمام، وانظر في صلاته هو. ويتحصل من كلامهم هنا أنه يفتح على إمامه في الفاتحة من غير شرط، وأما في السورة فيفتح عليه إن وقف؛ أي استطعم بأن علم طلب ذلك منه أو تردد، ومثله إذا خلط آية رحمة بآية عذاب أو غير تغييرا يقتضي الكفر، وكذا لو وقف وقفا قبيحا، وكذا لو أبدل خبيرا ببصير ونحو ذلك، وكذا لو ترك الفاتحة وابتدأ بالسورة، وكذا لو أسقط آية. وأما إن لم يقف بأن انتقل من سورة إلى سورة فإنه لا يفتح عليه في السورة كراهة، فإن فتح وارتكب المكروه صحت صلاته. وبالله تعالى التوفيق.