← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وحاصل ما مر من التحصل أن مباشرة الأرض في السجود بالوجه واليدين مندوبة، وأن السجود بالوجه واليدين على حائل مكروه إلا أن يكون الحائل مما تنبته الأرض ولم يقصد للزينة، فترك السجود عليه أحسن: وليس السجود عليه بمكروه بل هو خلاف الأولى. والثوب مظنة الترفه فيكره السجود عليه مطلقا كان مما تنبته الأرض أولا، انتفت منه الرفاهية أولا، وأن محل الكراهة إذا لم يكن ذلك لعذر، وأما إن كان لعذر كحر أو برد أو خشونة أرض فجائز، وأن المكروه على مذهب المدونة ما لا تنبته الأرض مطلقا فيه رفاهية، أولا وما تنبته مما فيه رفاهية. والله سبحانه أعلم. تنبيه: الأدم الجلود المدبوغة جمع أديم، وأحلاس الدواب بفتح الهمزة والحاء والسين المهملة ما يلي ظهور الدواب وما يجعل تحت اللبود، والسروج وأصله من اللزوم، والطنفسة بكسر الطاء وفتح الفاء وهو أفصحها وبضمهما وكسرهما؛ بساط صغير كالنمرقة. وفي القاموس: مثلث الطاء والفاء وبكسر الطاء وفتح الفاء وبالعكس، وفي الذخيرة قال صاحب الطراز: فإن فرش خمرة فوق البساط لم يكره، وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا، قال: فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ثم ينضح ثم يقوم رسول الله ﷺ ونقوم خلفه فيصلي بنا، وكان بساطه من جريد النخل (١)). واعلم أن الوجه آكد في الكراهة من اليدين، وفي الحطاب: واليدان يليان الوجه في التأكيد، وفي المدونة: وإن كان حر أو برد جاز أن يبسط ثوبا ويسجد عليه، ويجعل عليه كفيه. انتهى. ورفع مومئ ما يسجد عليه؛ يعني أنه يكره للمصلي إذا كان شرعه الإيماء أن يرفع شيئا إلى جبهته أو ينصبه ويسجد عليه سواء اتصل بالأرض أم لا، قال فيها: ولا يرفع إلى جبهته أو ينصب بين يديه شيئا يسجد عليه. انتهى. قاله المواق. أبو الحسن: قال أشهب في المجموعة: وذلك إذا أومأ إلى ذلك الشيء برأسه حتى يسجد عليه، وأما إن رفعه إليه حتى أمَسَّه جبهته

стр. 982

وأنفه من غير إيماء لم يجزه ذلك وأعاد أبدا. انتهى. انتهى. وساق ابن يونس قول أشهب مساق التفسير، وعليه يدل قوله: في الكتاب ليسجد عليه. انتهى. وفي المواق عن اللخمي: هذا إن نوى حين إيمانه الأرض، وأما إن كانت نيته الإشارة إلى الوسادة التي رفعت له دون الأرض لم يجزه، ويؤيد هذا قول مالك إنه: يحسر العمامة عن جبهته حين إيمائه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني، قال: والحاصل أن السجود على شيء مرتفع منفصل عن الأرض مبطل، والسجود على أرض مرتفعة مكروه فقط. انتهى. وقال الشيخ الأمير: ورفع مومئ ما يسجد عليه وبطلت إن لم يتصل بالأرض. انتهى. وقد مر أن السجود على أرض مرتفعة مكروه، وحينئذ فلا يشترط ارتفاع الأسافل على الأعالي وإن نظر فيه الحطاب. انظر الشبراخيتي. وللشافعية أنه: يشترط التنكيس وهو ارتفاع الأسافل على الأعالي، فلو ارتفعت أعاليه أو استويا لم يصح. انظر شرح الشيخ عبد الباقي، وفيه عن الجزولي أن الفراش الطاهر لا يخلو من وجهين: إما أن يكون محشوًّا أولا، فإن كان غير محشو صلى عليه بلا تفصيل كالقطيفة ونحوها. انتهى. قال الشيخ بناني: ينبغي أن يقيد بغير التي لها وبر كثير، وإلا فهي كالمحشو ومثلها الهيدورة الكثيرة الصوف. والله أعلم. انتهى قال الشيخ عبد الباقي: وإن كان محشوا فإن امتهن واندك صُلِّيَ عليه، وإن كان بحدثان حشوه أعاد من صلى عليه أبدا. انتهى. ولا يجوز السجود على الفراش المرتفع عن الأرض، كما في حاشية الشيخ بناني. وفي مختصر الواضحة: وإذا شق على المريض النزول عن فراشه إلى الأرض للصلاة، وكان ممن لا يقدر على السجود بالأرض لشدة مرضه، صلى على فراشه، فإن كان غير طاهر ألقى عليه ثوبا كثيفا طاهرا، وإن كان ممن يقدر على السجود في الأرض فلينزل إلى الأرض فيصلي جالسا بالأرض. انتهى. ومفهوم قول المصنف: "مومئ"، بطلان صلاة صحيح فعل ذلك ولو جهلا، وهو الذي تفيده المدونة خلافا لقول غير واحد: إنه مكروه. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "ما يسجد عليه"، ما هذه نكرة موصوفة؛ أي شيئا يسجد عليه.

стр. 983

وسجوده على كور عمامته؛ يعني أنه يكره السجود على كور العمامة بفتح فسكون؛ مجتمع طاقاتها مما شد على الجبهة إن كان قدر الطاقتين؛ أي التعصيبتين، ولا إعادة إن كان خفيفا لا كثيفا؛ أي أزيد من الطاقتين أو برز عن الجبهة فيمنع، فإن فعل أعاد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: أعاد، قال الشيخ بناني: قوله: "أعاد"؛ أي في الوقت كما في ابن يونس وأبي الحسن وغيرهما. وقال الأمير: فإن زاد على الطاقتين وما قاربهما، أعاد بوقت حيث التصق على الجبهة وإلا بطل. وقال الشيخ إبراهيم: أما ما برز عنها حتى منع لصوقها فإنه لا يجزئ اتفاقا. انتهى. والطاقة: هي اللية برمتها، وليس المراد بها الحاشية الواحدة؛ لأن اللية هي التي يحصل منها الكور. حرره الوانشريسي. انظر شرح الشيخ ميارة. وقال الإمام الحطاب: ويكره ستر اليدين بالكمين في السجود، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة حر أو برد. انتهى. أو طرف كم؛ ما تقدم من قوله: "وسجود على ثوب"، في المنفصل، وما هنا في المتصل؛ يعني أنه يكره للمصلي أن يسجد على طرف كمه أو غيره من ملبوسه إلا لضرورة كحر أو برد. وقالت الشافعية بالبطلان في السجود على المتصل، ويكره أن يروح على نفسه في المكتوبة، وخفف في النافلة، وكره الترويح في المسجد بالمرواح. (١) ومر قريبا أنه يكره ستر اليدين بالكمين في السجود إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة حر أو برد، ومن صلى في جبة أكمامها طويلة لا يخرج يديه منها لإحرام ولا ركوع ولا سجود، صلاته صحيحة مع الكراهة؛ لأن عدم مباشرته بيديه الأرض فيه ضرب من التكبر. انتهى. ونقل حصباء المسجد من موضعه؛ يعني أن نقل حصباء المسجد من موضع منه مظلل لأجل أن يسجد عليه من يصلي في الشمس مكروه؛ لأنه يؤدي إلى تحفير المسجد، وقوله: "لسجد"، متعلق بنقل: وأولى بالكراهة النقل المؤدى للتحفير لغير سجود، والكراهة للتحفير لا للنقل من موضع لآخر؛ إذ لا كراهة في ذلك. ولو خرج بالحصباء في يده ناسيا أو في نعله، فإن رد ذلك فحسن وليس بواجب؛ لأنه أمر غالب. انظر أبا الحسن. قاله الشيخ أحمد. نقله الشيخ عبد الباقي وقوله:

стр. 984

"حصباء"؛ يعني أو تراب، وقوله: "من ظل"، وكذا نقل حصباء شمس مسجد. كما قاله غير واحد. وعلم مما قررت أن: محل الكراهة إنما هو في النقل حيث كان يؤدي إلى تحفير المسجد، وإلا فلا كراهة كما نص عليه الشيخ إبراهيم، واحترز بقوله: "بمسجد"، عن غير المسجد، فإنه لا كراهة فيه. قاله غير واحد. وعبارة الشيخ الأمير: ونقل حصباء ظل أو شمس مسجد. انتهى. قال في الشرح: بحذف تنوين ظل وشمس للإضافة، وإنما يفعل هذا فيما شأنهما الاصطحاب كيد ورجل، وكل وبعض، لا دار وغلام. انتهى. ومن هذا قول الشاعر: سقى الأرضين الغيث سَهْلَ وحزنها … فنيطت عرى الآمال بالزرع والضرع وقراءة بركوع؛ يعني أنه يكره للمصلي أن يقرأ في حالة ركوعه. أو سجود يعني أنه يكره للمصلي أن يقرأ في حالة سجوده، والأصل في ذلك ما رواه ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء لأنفسكم فقمن أن يستجاب لكم) (١)؛ أي حقيق. وعللت الكراهة بأن الركوع والسجود حالتا ذل، فيكره أن يجمع بين كلام الله وهذه الحالة. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وقراءة بركوع أو سجود"، وكذا في التشهد. قاله في اللباب. والله أعلم قاله الحطاب. ودعاء خاص؛ يعني أنه يكره للقادر على الدعاء العام أن يدعو في الصلاة وخارجها بدعاء خاص، قال الإمام الحطاب: يحتمل أن يريد بقوله: "خاص"، أن الدعاء خاص بنفسه لم يشرك المسلمين فيه، وهذا خلاف المستحب، ويتأكد في حق الإمام، وقد روي في الحديث أنه خانهم (٢))، ذكره صاحب المدخل وغيره. انتهى المراد منه. ويحتمل أيضا أن يريد بقوله: "خاص". باللفظ، وعليه فلا كراهة بدعوات متعددة وإن لم تكن عامة للناس. نعم، التعميم أفضل. قاله عبد الباقي. قال:

стр. 985

ولعل الكراهة في الخاص الذي لا يدعو بغيره ما لم يكن متعلقة عاما كسعادة الدارين مع كفاية همهما فلا كراهة، ويحتمل العموم وهو صريح المصنف، وإنما كرهوا الدعاء الخاص باللفظ لأن الأدعية فيها أسرار، فقد يكون السر في بعضها دون بعض ولذلك كانت أسماء الله تعالى متعددة مع أن المسمى واحد لأجل أن يتسع مجال الداعين وتفتح لهم أبواب الخيرات كالأبواب والطرقات؛ إذ بعضها أقرب في الوصول من بعض لاختلافها باختلاف أحوال الداعين، فربما صلح الدعاء ببعضها لشخص دون آخر. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. وقال هو وغيره: إنه على الاحتمال الأول تتأكد الكراهة في حق الإمام، فقد ورد في الحديث: أن ذلك يعني عدم إشراك المؤمنين معه في الدعاء خيانة للمؤمنين. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ولعل كراهة الخاص الذي لا يدعو بغيره ما لم يكن متعلقة عاما كسعادة الدارين مع كفاية همهما، فلا كراهة في ملازمة ذلك كما شاهدت الأجهوري يدعو به في سجوده غالبا. انتهى. أو بعجمية لقادر؛ يعني أن الدعاء في الصلاة بالعجمية مكروه لقادر على العربية، ومفهوم في الصلاة الجواز خارجها. قال الشارح: منهم من منع ذلك مطلقا، وكذا يكره الحلف بالعجمية، قال فيها: وما يدريه أن الذي حلف به هو الله؟ وأخذ منه اللخمي الجواز لمن علم أنه من أسماء الله في تلك اللغة: ومفهوم لقادر: عدم الكراهة لغيره، وهو كذلك، ففي سماع ابن القاسم عن الأعجمي يدعو في صلاته بلسانه، فقال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وانظر هذا مع ما في الذخيرة عن الطراز من بطلان صلاة من دعا أو سبح أو كبر بالعجمية ولو غير قادر، ولم يحك فيه خلافا. قاله الشيخ إبراهيم. (ونهى رسول الله ﷺ أن يتكلم بالفارسية في المسجد الحرام) (١) وسمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلين يتكلمان بالفارسية في الطواف، فقال: ابتغيا إلى العربية سبيلا. قاله الإمام الحطاب. وقال الشبراخيتي: ويكره الكلام بالعجمية في المساجد لمن كان قادرا على العربية لنهي عمر عن رطانة الأعاجم، وقال: إنها خب؛ أي مكر وخديعة. ابن يونس: نهي عمر عنها إنما هو في

стр. 986

المساجد، وقيل: إنما ذلك بحضرة من لا يفهمها لأنها من تناجي اثنين دون. ثالث قال القرافي: وتكره مخالطتهم؛ لأنهم وسيلة إلى ذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: والكلام بها؛ يعني بالعجمية مكروه لقادر في المسجد فقط، لنهي عمر عن رطانة الأعاجم في المسجد، وقال: إنها خب أي مكر؛ وهي بفتح الراء وكسرها كلامهم بألسنتهم، وقيل: إنما هو بحضرة من لا يفهمها؛ لأنه من تناجي اثنين دون واحد. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: وعلى هذا فلا خصوصية للكراهة بالمسجد، وهذا التأويل قال أبو الحسن: أسعد بقوله إنها خب، وانظر التأويل الأول أنما ذلك في المساجد، هل لأنها من اللغو الذي تنزه عنه المساجد. انتهى. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المكروه: ودعاء خاص وبعجمية لقادر كالحلف وإحرام الحج. انتهى. والتفات؛ يعني أن الالتفات في الصلاة مكروه لحديث عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (١)) رواه البخاري. ولحديث أبي داوود: (لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في الصلاة ما لم يلتفت فإذا التفت أعرض عنه (٢)). وروى ابن وهب عن أبي هريرة ﵁: (ما التفت عبد في صلاته قط إلا قال الله تعالى أنا خير لك مما التفت إليه (٣)). وقوله: "والتفات"؛ أي في صلاة ولو بجميع جسده حيث بقيت رجلاه للقبلة، وأطلق المصنف في الكراهة وليس كذلك؛ إذ محلها حيث كان الالتفات لغير حاجة، وإلا فلا كراهة. فالالتفات على ضربين: مباح، ومكروه، فما كان للحاجة فمباح؛ (لحديث أبي بكر حين التفت في الصلاة، وكان لا يلتفت في الصلاة، وذلك أنه لما جاء رسول الله ﷺ صفق الناس، فلما أكثروا التصفيق التفت ﵁ فرأى النبي ﷺ فتأخر (٤)). وفي حديث أنه ﷺ قال: (من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت

стр. 987

إليه (١))، وفي حديث أبي داوود عن سهل بن الحنظلية قال: (ثوب بالصلاة، -يعني الصبح- فجعل النبي ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس (٢)). والمكروه الالتفات لغير ضرورة -كما مر-، وقال صاحب الطراز عن المختصر: لا بأس أن يتصفح بخده ما لم يلتفت لما روي عن ابن عباس أنه ﵊ (كان يلحظ في الصلاة ولا يلوي عنقه خلف ظهره (٣))، رواه الترمذي وروى النسائي (أنه كان يلتفت يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه (٤))، والحديثان ضعيفان إلا أن النظر يصحح ذلك فإنه إنما عليه أن يتوجه إلى القبلة، فإذا لم يخل ذلك باستقباله لم يكن به بأس. انتهى. قال الإمام الحطاب: ظاهر كلام صاحب الطراز أن التصفح جائز لغير ضرورة، والظاهر أن ذلك إنما هو للضرورة فأما لغير ضرورة فهو من الالتفات إلا أن الالتفات يتفاوت، فالتصفح بالخد أخف من لي العنق، ولي العنق أخف من الالتفات بالصدر. وقد تقدم أنه يكره ولا يمنع، ولو التفت بجميع جسده حيث بقيت رجلاه إلى القبلة فتصح صلاته؛ لأنه من وسطه إلى أسفله مستقبل، وجسده أيضا في حكم المستقبل، وإنما هو منحرف يسيرا. وأما إذا استقبل برجليه جهة غير جهة القبلة كان تاركا للتوجه منصرفا عن جهة البيت، ولو حول وجهه إلى القبلة لم ينفعه ذلك، كما لو جعل ناحية (٥) خلف عقبيه ثم التفت إليها بوجهه وراء ظهره. انتهى كلام الحطاب. ومن المكروهات في الصلاة: رفع البصر إلى السماء ولو في حالة الدعاء، وفي الحديث: النهي عنه، وأن من لم ينته عن ذلك يخطف بصره، ولفظ الحديث: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم (٦)). انتهى. قال الأبي: وكان الشيخ ابن عرفة يقول: إنما المعنى إذا رفع لغير الاعتبار،

стр. 988

فأما للاعتبار فلا بأس، ولا يلحقه الوعيد. قال العلماء حين رأوا عامة الناس يرفعون أبصارهم إلى السماء، وهي سالمة: المراد بالخطف أخذها عن الاعتبار حتى تمر بآيات السماء وهو معرض، وذلك أشد الخطف. ونكتة ذلك أن قول المصلي: الله أكبر يحرم عليه الأفعال بالجوارح، والكلام باللسان، ونية الصلاة تحرم عليه الخواطر القلبية والاسترسال في الأفكار، إلا أن الشارع لا علم أن ضبط السر يفوت طوق البشر (١)). نقله الإمام الحطاب: وقال ابن العربي: قال العلماء: إن المصلي يجعل بصره إلى موضع سجوده، وبه قال الشافعي والصوفية بأسرهم، فإنه أحضر للقلب، وأجمع للفكر. وقال مالك: ينظر أمامه، فإنه إذا أحنى رأسه ذهب بعض القيام المفروض عليه في الرأس وهو أشرف الأعضاء، وقال ابن رشد الذي ذهب إليه مالك ﵀ أن يكون بصر المصلي أمام قبلته من غير أن يلتفت إلى شيء أو ينكس رأسه، وهو إذا فعل ذلك خشع بصره، ووقع في موضع سجوده على ما جاء عن النبي ﷺ ، وليس يضيق عليه أن يلحظ ببصره الشيء من غير التفات إليه، فقد جاء ذلك عن النبي ﷺ . قاله الإمام الحطاب. تنبيه: ما تقدم من الالتفات المكروه شامل لمعاين الكعبة حيث لم يخرج شيء من بدنه عنها، فإن خرج شيء من بدنه ولو إصبعا عن سمتها، بطلت صلاته. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: وسبق إبطال الانحراف اليسير في الاستقبال القطعي، ويكفي في غيره الوقوف بساق أو صدر. وتشبيك الأصابع؛ يعني أنه يكره تشبيك الأصابع في الصلاة، ويجوز في غيرها ولو في المسجد، فقد (صح أنه ﷺ شبك بين أصابعه ﷺ في المسجد (٢))، وفي البخاري أن: النبي ﷺ قال: (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك أصابعه (٣)). وأومأ داوود بن قيس ليد مالك مشبكا أصابعه ليطلقها. وقال: ما هذا قال مالك، إنما يكره في الصلاة، ابن رشد: (صح في حديث ذي اليدين تشبيكه ﷺ بين أصابعه

стр. 989

في المسجد (١)) انتهى. قاله غير واحد. وقال الش: خص مالك الكراهة بالصلاة خلافا لمن كره ذلك في المسجد. انتهى. وفرقعتها؛ يعني أنه تكره فرقعة الأصابع في الصلاة في المسجد وغيره، وفي المدونة أنها تكره في الصلاة. ابن رشد: لم يتكلم؛ يعني في المدونة على ما سوى الصلاة. وفي العتبية: كرهها مالك في غير الصلاة في المسجد وغيره: لأنها من فعل النساء، وضعفة الناس الذين ليسوا على سمت حسن، ولما قيل إنها تسبيح الشيطان، وخص ابن القاسم الكراهة بالمسجد دون غيره. نقله ابن عرفة وصاحب التوضيح وغيرهما. قاله الحطاب. وقال الشيخ إبراهيم: وقع في كلام الحطاب ما يفيد أن مالكا وابن القاسم اتفقا على كراهة فرقعة الأصابع في المسجد في غير الصلاة، ولا يعول عليه. ونحوه للشيخ عبد الباقي. وإقعاء؛ يعني أن الإقعاء في الصلاة مكروه: قال الإمام: ما أدركت أحدا من أهل العلم إلا وهو ينهى عن الإقعاء. انتهى. وإنما يكره الإقعاء في التشهد وبين السجدتين، ولمن صلى جالسا، وهو أن يرجع على صدور قدميه، وينبغي أن يكون مثله جلوسه عليهما وظهورهما للأرض، وجلوسه بينهما وأليتاه على الأرض وظهورهما للأرض وجلوسه بينهما وأليتاه على الأرض ورجلاه قائمتان على أصابعهما. وأما إقعاء الكلب فممنوع؛ وهو إفضاؤه بأليتيه إلى الأرض ناصبا فخذيه واضعا يديه بالأرض، فالإقعاء المكروه أربع، والممنوع واحدة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: وأما جلوسه كالمحتبي؛ وهو جلوس الكلب، والبدوي المصطلي فممنوع، والأظهر عدم البطلان. انتهى. وتخصر؛ يعني أن التخصر في الصلاة مكروه وهو وضع اليد على الخاصرة (لأنه من فعل اليهود) (٢) كذا فسر الشارح التخصر، ولم يقيده بالقيام. وقال الشيخ عبد الباقي والشيخ إبراهيم بأن يضع يده على خاصرته في القيام. انتهى. ونحو ما للشارح للأمير. والله سبحانه أعلم.

стр. 990

وتغميض بصره؛ يعني أنه يكره تغميض البصر في الصلاة إلا أن يكون ذلك أجمع لفكره أو ينظر محرما، وإنما كره تغميض البصر في الصلاة لخبر: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يغمض عينيه (١)). انتهى. انظر شرح الشيخ إبراهيم ويضع بصره أمامه، وكره مالك أن يضعه بموضع سجوده، وعده عياض من مستحباته، وكره قيامه منكس الرأس، وقد قال عمر للمنكس رأسه: ارفع رأسك فإنما الخشوع في القلب، وأراد المصنف بالبصر العينين فأطلق اسم الحال على اسم المحل. قاله الشيخ عبد الباقي. والظاهر شمول المصنف لما إذا غمض إحدى عينيه وفتح الأخرى. ورفعه رجلا؛ يعني أنه يكره للمصلي أن يرفع رجلا عن الأرض ويعتمد على أخرى، كما تفعله الدابة، وهو الصفن إلا لضرورة كطول القيام، وما مشى عليه المصنف تبع فيه عياضا، وظاهر المصنف كراهته مطلقا كما في التوضيح. قاله الشبراخيتي، وغيره. ووضع قدم على أخرى؛ يعني أنه يكره للمصلي أن يضع قدما على قدمه الأخرى، وكذا يكره له أن يضع قدمه على ساقه؛ لأنه من العبث إلا لطول قيام وشبهه. وإقرانهما؛ يعني أن إقران القدمين في الصلاة مكروه، وإقرانهما ضمهما كالقيد معتمدا عليهما دائما فيجعل حظهما من القيام سواء دائما؛ إذا اعتقد أنه لا بد من ذلك ليلا يشتغل، فإن لم يعتقد ذلك لم يكره كما لو اعتمد على رجل تارة وعلى أخرى تارة أو عليهما لا دائما، ويكره توسيعهما على خلاف المعتاد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: وفسر أبو محمد الإقران بأن يجعل حظهما من القيام سواء راتبا دائما، فلو كان متى شاء روح واحدة ووقف على الأخرى، فهو جائز. انتهى. وقال عياض في قول المدونة: وأكره أن يقرنهما يعتمد عليهما. انتهى؛ يعني ولا يقرنهما ويعتمد عليهما معا، بل يفرق بينهما ويعتمد أحيانا على هذه وأحيانا عليهما انتهى. قاله الحطاب. وفيه أن: الأمر موسع يفعل من ذلك؛ يعني من التفريق والقران ما يسهل عليه في الصلاة، ولا يجعل شيئا

стр. 991

من ذلك سنة ولا يلتزم حالة واحدة. وفي الزاهي: وليس من فعل الناس أن يكون الإنسان قائما في الصلاة لا يتحرك منه شيء. انتهى. قاله الحطاب. (وتفكر بدنيوي) يعني أنه يكره للمصلي التفكر في صلاته بأمر دنيوي؛ لأنه يؤدي إلى عدم الضبط وقلة الخشوع، وهذا إذا كان لا يشغله حتى لا يدري ما صلى فإن شغله عنها حتى لا يدري ما صلى أعاد أبدا على ظاهر المذهب. قاله الحطاب. ولم يبن على النية مع أنها خالصة منه قطعا؛ لأن تفكره كذلك بمنزلة الأفعال الكثيرة. قاله عبد الباقي، قال بناني: أصل هذا للخمي قاس الأشغال الباطنة على الظاهرة، واعترضه بعض الشيوخ بأن حبس الجوارح أيسر من حصر القلب عن التفكر، وبأنه معارض بما يأتي من أن: من شك هل صلى ثلاثا أم أربعا؟ بنى على اليقين، والغالب حصول الشك عن تفكر ولم يقيدوه. انتهى كلام الشيخ بناني. وقال الشيخ عبد الباقي: وإن شغله زائدا على المعتاد ودرى (١) وصلى، أعاد في الوقت ولا يكره بأخروي لم يتعلق بالصلاة؛ (لأن عمر جهز جيشا في الصلاة (٢))؛ أي دبر تجهيزه وهو فيها، وينبغي أن يجري فيه قيد التفكر بدنيوي الذي فيه الإعادة، وأما التفكر المتعلق بالصلاة فلا يكره ولا يجري فيه القيد فيما يظهر. انتهى. والباء في قوله "بدنيوي": بمعنى في، أو سببية. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المكروه: وتفكر بدنيوي وبنى على الأقل، فإن لم يدر شيئا بطل، ولو بأخروي لا يتعلق بالصلاة وإن كان لا يكره، وفي أواخر فضائل رمضان لعلي الأجهوري حصول الثواب لمن في جماعة ولو لم يحضر قلبه، بخلاف الفذ. فلينظر. انتهى. (وحمل شيء بكم) يعني أنه يكره للشخص أن يصلي وهو حامل شيئا في كمه، فالباء بمعنى "في"، وهذا إذا كان لا يمنع عن ركن من أركان الصلاة. قال فيها: أكره أن يصلي وكمه محشو خبزا أو غيره، وظاهرها ولو مخبوزا بأرواث الدواب النجسة؛ لأن دخان النجس لم يحك ابن رشد في طهارته، خلافا وأقره ابن عرفة، والمصنف في التوضيح، فإن شغله ما حمله بكمه عن

стр. 992

ركن من أركانها فلا إشكال في المنع، وقوله: "وحمل شيء بكم"، قال الش: لأنه مما يشغله عن الصلاة انتهى ونحوه في الحطاب عن ابن رشد. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: ومفاده أنه لو انتفى الشغل بالكلية كشيء قليل أحكم شده بكمه لا كراهة فيه، وهذا يقع كثيرا ويرشد إلى ذلك قوله في المدونة: أكره أن يصلي وكمه محشو خبزا أو غيره. (أو فم) يعني أن حمل شيء بفم في الصلاة مكروه كدينار أو درهم لا يمنعه من إخراج الحروف، وظاهره: ولو كان ذلك الشيء خبزا مخبوزا بأرواث دواب نجسة وهو كذلك ما لم تر النجاسة فيه، وقوله: "شيء"، اعلم أن الشيء يطلق عند أهل السنة على الوجود، وعلى المحقق الوقوع حقيقة نحو، ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، أو حكما نحو: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، لا الممكن المعدوم قبل كونه محقق الوقوع بدليل النفي في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾، وجمعه أشياء غير منصرف، وتصغيره شُِيي بضم الشين وكسرها، ولا يقال شوي، وتصغير الجمع أشَيَّاء بضم أوله وتشديد يائه، وجمع الجمع أشاوي بكسر الواو وفتحها كصحاري. وقوله: "حمل شيء بكم أو فم"، فإن فعل ذلك فلا شيء عليه، قاله الشارح. (وتزويق قبلة) يعني أنه يكره تزويق قبلة المسجد، والتزويق: التزيين، وقبلة المسجد: محرابه. والمكروه تزيين القبلة بالذهب وشبهه، لخبر: (إذا ساء عمل قوم زخرفوا مساجدهم (١))، وكذا كتابة بالقبلة، وتزويق مسجد بذهب وشبهه. وأما تحسين بناء المسجد وتجصيصه فيستحبان. ابن القاسم: والتصدق بثمن ما يجمر به المسجد أو يخلق أحب إلي من تخليقه وتجميره. عياض: تبخيره بالبخور، وتخليقه جعل الخلوق بحيطانه والطيب المعجون بالزعفران، فهو مندوب إليه، لكن التصدق بثمن ذلك أحب إليه. انتهى. أي ما لم يكن شرط واقف فيتبع، والعلة في كراهة ما ذكر من التزويق والكتابة ما يخشى على المصلين من أن يلهيهم ذلك في صلاتهم. وفي الحطاب:

стр. 993

قال ابن الحاجب: وكره التماثيل في نحو الأسرة، بخلاف البسط والثياب التي تمتهن، قال الشيخ: التمثال إن كان لغير حيوان كالشجر جاز، وإن كان لحيوان: فماله ظل يقيم فهو حرام بإجماع، وكذا إن لم يقم كالعجين خلافا لأصبغ، (لما ثبت أن المصورين يعذبون يوم القيامة: ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم (١))، وما لا ظل له فإن كان غير ممتهن فهو مكروه، وإن كان ممتهنا فتركه أولى. انتهى. ابن القاسم: كان مالك يكره أن يكتب في القبلة في المسجد شيء من القرآن أو التزويق، ويقول. إن ذلك يشغل المصلي. انتهى. قاله الحطاب. وتعمد مصحف فيه ليصلي له؛ يعني أنه يكره جعل المصحف فيه؛ أي في المحراب عمدا ليصلَّى إلى جهته: فقوله: "له"؛ أي المصحف أي ليصلَّى إلى جهته، واحترز بقوله: "تعمد" عما إذا لم يتعمد جعله في المحراب ليصلى له، بل كان ذلك موضعه فلا كراهة. وبما قررت علم أن معنى قوله: تعمد جعل المصحف في المحراب عمدا، وأن قوله: ليصلَّى، علة في قوله: "تعمد"، وقوله: "فيه"، الظاهر أنه إنما ذكر الضمير: وإن كان عائدا على قبلة المسجد أي محرابه لا في القبلة من معنى التذكير باعتبار المحراب، كما قال طرفة في عكسه: أرق العين خيال لم يقر … طاف والركب بصحراء يسر جازت البيد إلى أرحلنا … آخر الليل بيعفور خدر ثم زارتني وصحبي هجع … في خليط بين برد ونمر ومن مكروهات الصلاة، التروح بكمه أو غيره وعبث بلحية، يعني أنه يكره للمصلي أن يعبث بلحيته؛ أي يلعب بها. قاله الشيخ ميارة. أو غيرها. أي ويكره للمصلي أن يلعب بغير لحيته، كما يكره له أن يعبث بلحيته كخاتم وشبهه إلا أن يجوله (٢) لعدد الركعات خوف السهو، فليس من العبث، بل هو فعل لإصلاحها، ومثله الذي يحصي الآي بيده في صلاته فذلك جائز. ولا

стр. 994

تبطل صلاته بعبثه حيث طلع منها شعرة أو اثنتان أو ثلاث، كما لجد علي الأجهوري؛ وهو كمن صلى وفي ثوبه ثلاث قملات وهو ذاكر قادر. كبناء مسجد غير مربع: يعني أنه يكره بناء مسجد غير مربع، ومثله الربع، وقبلته أحد أركانه لعدم تسوية الصفوف. وفي كره الصلاة به قولان؛ يعني أنه اختلف في الصلاة في المسجد غير الربع، فقيل: تكره الصلاة به للعلة المذكورة، وقيل: تجوز، وقال الشيخ الأمير: وفي كره الصلاة به قولان، ومن الورع مراعاة الخلاف ليتفق على البراءة. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: ومقتضى العلة المذكورة أنه يتفق القولان على الجواز فيما إذا كان المصلي به فذا. والله سبحانه أعلم.

стр. 995

(فصل) يذكر فيه حكم القيام في الصلاة، وما يطلب به المصلي عند العجز عنه، وما يتعلق بذلك. وبدأ ببيان حكمه في الصلاة المفروضة، فقال: (يجب بفرض قيام) يعني أن الصلاة المفروضة يجب فيها القيام، وذلك في ثلاثة مواضع منها: عند تكبيرة الإحرام، وفي قراءة الفاتحة، وفي الركوع. وقوله: "قيام": استقلالا أي غير مستند لشيء استنادا يسقط لأجله بزوال ما استند له، وقوله: "فرض"؛ أي عيني ولو بنذر إن نذر فيه القيام فيجري فيه ولو سقط قادر بزوال الخ، أو كفائي على الوجوب لا على السنية فيندب، وقوله: "قيام"؛ أي استقلالا -كما مر- ولو لم يقدر معه على طمأنينة ولا اعتدال. والقيام فيما مر خاص بتكبيرة الإحرام والقيام للفاتحة، وهذا أعم فيشمل الركوع، واحترز بقوله: "فرض"، عن النفل -كما يأتي- وقيل: يجب القيام للوتر وركعتي الفجر، وهذا ضعيف، والراجح جواز الجلوس فيهما. فالمراد بالفرض هنا ما قابل النفل الشامل للسنة كما في الشبراخيتي. وعلم مما مر قريبا أن قوله: "يجب بفرض قيام"، غير مكرر مع ما تقدم من وجوب القيام لشمول ما هنا للركوع، وأيضا هذا توطئة لا بعده. كما قاله غير واحد. وأما القيام للسورة فقد مر أنه سنة، وكون من قرأها جالسا تبطل صلاته، هو من باب تعمد كسجدة ولأجل ذلك إذا استند في حال قراءتها لا تبطل صلاته. -كما يأتي إن شاء الله تعالى- وقوله: "يجب بفرض"، شامل للصبي، ومعنى الوجوب في الصبي أن هذا فعل لا تصح الصلاة إلا به: وقوله: "بفرض" الباء بمعنى "في"، كما يفيده الشارح. تنبيه إذا كبر المأموم وهو راكع لا يحمل ذلك عنه الإمام، وكذا إذا جلس المأموم في التشهد الأول حتى ركع الإمام، وقام هو وركع من غير قيام لا يحمله. ابن الفخار: ولو جلس في التشهد حتى اطمأن الإمام راكعا فليقم وليركع، فإن لم يقم لم يحمل الإمام عنه. كما في الحطاب. انتهى خلافا لظاهر أبي محمد؛ وهو خلاف مذهب مالك. انظر الحطاب. (إلا لمشقة) يعني أن وجوب القيام في الصلاة المفروضة إنما هو حيث لم تلحق منه مشقة فادحة، وأما إذا خاف أن تلحقه منه مشقة فادحة فإن ذلك يبيح له الصلاة جالسا، وظاهره أن الصحيح الذي لا يخاف إلا المشقة الحالية يصلي جالسا؛ وفيه نظر، بل هذا لا يصلي إلا قائما على المشهور.

стр. 996

والحاصل أن الذي يصلي الفرض جالسا هو من لا يستطيع القيام جملة، ومن يخاف من القيام المرض أو زيادته كالتيمم، وأما الصحيح الذي يحصل له بالقيام الشقة الفادحة فالراجح أنه لا يصلي جالسا، فإن كان مريضا صلى جالسا؛ لأن الشقة في المريض لا يؤمن معها حدوث علة أو زيادتها، وظاهر كلام ابن عرفة أنه لا يصلي جالسا، ومن منع من فعل الصلاة سقط عنه ما لم يقدر عليه من قيام أو ركوع أو سجود أو غيرها، ويفعل ما قدر عليه فلوأكره على ترك القيام مثلا سقط عنه. كما قاله القباب. ويدل له صلاة المسايفة وهو يفيد أنه يؤخر لآخر الاختياري، واعترض بما سيأتي أن الصلاة تبطل بتعمد كلام وإن بكره، وأجيب بأن مراد القباب أنها تجب حيث يضيق. وقد قال اللخمي: إن محل البطلان بالكلام حيث أكره عليه إن لم يضق الوقت، وإلا تكلم وصحت. واعلم أنه لا يتأتى الإكراه على ترك الصلاة بالكلية، كما مر عند قوله: شرط لصلاة. واعلم أن الإكراه في العبادات كالإكراه في الطلاق المشار إليه بقوله: "بخوف مؤلم" الخ. (أو لخوفه) عطف على المستثنى؛ يعني أن القيام تسقط فرضيته لأجل خوف المصلي؛ به؛ أي بسبب القيام؛ أي بسبب صلاته قائما ضررا يبيح التيمم، وسواء حصل ذلك الخوف. فيها؛ أي في الصلاة المفروضة بأن حصل في أثنائها، أي حصل قبل؛ أي قبل الدخول فيها، وفي بعض النسخ: قبلها. ضررا؛ مفعول "خوف" كما فهم من التقرير، وبين المصنف الضرر المبيح لترك القيام بقوله: كالتيمم؛ يعني أن هذا الضرر الذي يسقط فرضية القيام هو الضرر الذي تقدم في باب التيمم؛ يعني خوف المرض أو زيادته أو تأخر البرء. كما قاله الشارح وغيره. ويحتمل أن يكون معنى قوله "كالتيمم" أنه لا خلاف فيه كما في التيمم قاله الشارح. وقوله: أو "قبل ضررا"، كأن تكون عادته إذا قام يغمى عليه أو يسقط أو تحصل له دوخة فصار بهذا كالمريض، فيجلس من أولها. وعلم من المصنف مما يأتي: سقوط القيام عمن لا قدرة له عليه، وعلم أيضا مما هنا بالأحروية، ولا بد أن يكون الخوف هنا مستندا لأمر كإخبار عارف أو تجربة في نفسه أو غيره من مقارب له في المزاج، كما مر في التيمم، وقد يقال: اعتبار الخوف على هذا الوجه يشق في الصلاة، فيعتبر مطلق الخوف الحاصل كما ذكرنا نحوه في الرعاف قاله الشيخ عبد الباقي،

стр. 997

والشيخ إبراهيم. كخروج ريح تشبيه في سقوط القيام؛ يعني أن الشخص إذا كان يخاف خروج ريح منه بسبب قيامه في الصلاة فإنه يصلي جالسا. قاله ابن عبد الحكم؛ لأن المحافظة على الشرط الواجب في كل العبادة -يعني كانت الصلاة فرضا أو نفلا- أولى من المحافظة على الركن الواجب فيها في الجملة، فإن القيام إنما يجب في الفرض لا النفل، وبهذا يجاب عن قول سند: لم لا يصلي قائما ويغتفر له خروج الريح منه؟ ويصير كالسلس الذي لا يقدر على رفعه، فلا يترك الركن لأجله كعريان يصلي قائما بادي العورة. انتهى. لأنه هنا كسلس يقدر على رفعه، ورفعه هنا بالجلوس. وانظر ما الفرق بين جعله هنا ناقضا لقدرته على رفعه بالجلوس، وبين ما تقدم من أن من يخرج منه حدث إن توضأ لا إن تيمم لا يكون ناقضا على مختار الحطاب، لا على مختار غيره من النقض والتيمم، مع أنه شرط في المحلين. قاله الشيخ عبد الباقي. ولا مفهوم لقوله: "ريح"، ولو قال: كحصول ناقض كان أشمل. قاله الشيخ الراهيم. ثم استناد؛ يعني أن المصلي إذا لم يقدر على القيام مستقلا فإنه يجب عليه أن يقوم مستندا، ويستند لكل شيء طاهر من حيوان أو جماد. وقوله: "استناد" على حذف مضاف؛ أي قيام ذو استناد؛ أي ملابس له. لا لجنب؛ يعني أن المصلي إذا لم يقدر على القيام مستقلا، وقدر عليه مستندا -وقلنا إنه يستند لكل شيء- فإنما ذلك في غير الجنب، وأما الجنب فإنه لا يستند له كان الجنب ذكرا أو أنثى، محرما حيث كان المستند رجلا، وكذا المرأة لا تستند لجنب أنثى أو ذكر محرم. وحائض؛ يعني أن مثل الجنب الحائض فلا يستند لها العاجز عن القيام استقلالا. وقوله: "لا لجنب وحائض"؛ أي يكره الاستناد لهما لنجاسة أثوابهما وبعدهما عن الصلاة، ولا يصح أن يستند لأجنبية أو زوجة أو أمة ولو غير حائض لمظنة اللذة. وفي بعض التقارير تقييد عدم الصحة بتحقق حصول اللذة أو الفتنة أو الاشتغال المفسد للصلاة وإن لم يجد غيرهما، فإن تحقق عدم ذلك أو شك استند لهما ولو مع وجود غيرهما حيث لا حيض لهما ولا جنابة، وهذا التقرير هو الذي ارتضاه الرماصي. ولهما أعاد بوقت؛ يعني أنه إذا ارتكب المكروه بأن استند للجنب أو الحائض أو لهما مع وجود الغير، فإنه يعيد في الوقت الضروري، وإن لم يجد غير الجنب والحائض فإنه يجب الاستناد

стр. 998

لهما: ولا إعادة. وعلم مما مر أنه يجوز الاستناد لحيوان لا يعقل ورجل غير جنب، وقوله: "لا لجنب"، لو أدخل الكاف عليه ليدخل السكران، كان أشمل. قاله الشيخ إبراهيم. والحاصل أن الاستناد لكل شيء جائز إلا للجنب والحائض، فيكره لهما مع وجود غيرهما، وإلا وجب لهما ويعيد في المكروه لا في الواجب ولا في الجائز. وأما الاستناد للأجنبية أو للأجنبي فلا يجوزت وأما للزوجة والأمة فكذلك ولو غير جنب أو حائض على ما للشبراخيتي وعبد الباقي، لأنهما مظنة اللذة. قال الشيخ عبد الباقي: ولكن في بعض التقارير تقييد عدم الصحة إلى آخر ما مر، وقوله: "ولهما أعاد بوقت"، علله أكثر الأشياخ بأنه باشر نجاسة في أثوابهما، وعليه فلو تيقنت طهارة ثيابهما فلا إعادة عليه. وقال ابن بشير: العلة فيهما بعدهما من الصلاة، وقيل: لأن المستند له حكمه حكم المصلي؛ لأنه كالعاون له فيجب أن يكون على أكمل الحالات. قاله الشارح. ثم جلوس؛ يعني أنه إذا لم يقدر على القيام بحالتيه من استقلال واستناد، فإنه يجب عليه الجلوس، ولا يجوز له الاضطجاع. كذلك؛ يعني أنه إذا وجب عليه الجلوس فإنه يجب عليه أن يأتي به مستقلا، فإن عجز عن ذلك فالواجب عليه أن يأتي به مستندا على التفصيل المتقدم في القيام من الاستقلال والاستناد لا لجنب وحائض، ولهما أعاد بوقت من غير فرق بينهما في ذلك، فلو اضطجع مع قدرته على الجلوس أعاد أبدا. قاله ابن بشير. قال الشيخ عبد الباقي: والمعتمد أن الترتيب بين القيام مستندا، وبين الجلوس مستقلا مندوب فقط، فالترتيب بين القيامين واجب، وكذا بين الجلوسين، وكذا بين القيام مستندا والجلوس مستندا، وكذا بينه وبين الاضطجاع. وأما بين القيام مستندا والجلوس مستقلا فمندوب على المعتمد. والصور عشر لأنك تأخذ القيام مستقلا معه مستندا، ومع جلوس بقسميه، ومع اضطجاع. فتلك أربع، ثم تأخذ القيام مستندا مع ثلاث بعده، ثم الجلوس مستقلا مع الاثنتين بعده، ثم الجلوس مستندا مع الاضطجاع. وإن لم يقدر على الاستناد حال تلبسه بالصلاة إلا بالكلام، تكلم، ويصير من الكلام لإصلاحها، ويجب الترتيب في الصور المذكورة كلها على ما قال المصنف، وعلى مقابله يجب

стр. 999

فيما عدا واحدة؛ وهي الترتيب بين القيام مستندا والجلوس مستقلا، فيندب فيها. وقد مر عن الشيخ عبد الباقي أن المعتمد مقابل المصنف، وقال الشيخ محمد بن الحسن ما معناه ما ذكره المصنف من وجوب الترتيب بين القيام مستندا والجلوس مستقلا. ذكره ابن شأس وابن الحاجب، وذكر ابن ناجي والشيخ زروق أن ابن رشد ذكر في سماع أشهب أن ذلك على جهة الاستحباب، قال؛ أي بناني: وليس في هذا ترجيح على أن ابن ناجي اختار خلاف ما لابن رشد. وقال: إنه ظاهر المدونة عندي، -وأيضا- ما لابن شأس هو الذي نقله القباب عن المازري مقتصرا عليه؛ وهو الذي في التوضيح، وابن عبد السلام، والقلشاني، وغيرهم. وبه تعلم أن ما ذكر الزرقاني أنه المعتمد ليس هو المعتمد. والله أعلم. انتهى. (كذلك) يعني أن هذا العاجز عن القيام بحالتيه إذا صلى فريضته جالسا، فإنه يتربع ندبا في حال قيامه العجوز عنه، كما روي عن ابن عباس، وابن عمر. وأنس. وقوله: "وتربع"؛ بأن يخالف بين رجليه، فيضع رجله اليمنى تحت ركبته اليسرى، ورجله اليسرى تحت ركبته اليمنى، وسمي متربعا لأنه جعل نفسه أرباعا: الساقان، والفخذان. والظاهر أن المراد أرباع تلي الأرض، فلا يقال هو أرباع تربع أو لم يتربع، وما مشى عليه المصنف من التربع في العاجز عن القيام بحالتيه هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: كالتشهد، واختاره المتأخرون، واستحسنه اللخمي؛ لأنه أقرب للتواضع وهو جلوس الأدنى بين يدي الأعلى. والتربع جلسة الأكفاء، وقال الأجهوري: والظاهر أنه لا فرق في الندب بين كون قدميه تحت وركيه أو تحت ساقيه أو بين ساقيه، ووركيه من كل جانب. ولما كان تعبيره بالفعل ربما يوهم الوجوب دفع ذلك بقوله: (كالمتنفل) يعني أن هذا العاجز يتربع، كما أن المتنفل يتربع والحكم فيهما الندب. واعلم أن حكم تربع التنفل الذي أحال عليه المصنف يعلم من الذهب، وأما المصنف فلم يذكره. والله سبحانه أعلم. انظر الشبراخيتي. وقوله: "كالمتنفل"؛ أي لفعله ﵊، وقوله: "وتربع"، قال في الجواهر: ولو عجز عن القيام فلا يتعين في القعود هيئة للصحة، لكن

стр. 1000

الإقعاء مكروه، وهوأن يجلس على وركيه ناصبا فخذيه، والمشهور أن يتربع في موضع القيام. قاله الإمام الحطاب. وغير جلسته بين سجدتيه؛ يعني أن التربع يغير جلسته بين سجدتيه سواء كان متنفلا أو مفترضا، وقوله: "وغير جلسته بين سجدتيه"؛ أي ندبا، وكذا في تشهده بأن يأتي بالهيئة المتقدمة في قوله: "والجلوس كله بإفضاء اليسرى للأرض واليمنى" إلى آخر ما مر، ويغير التربع أيضا في سجوده على وجه السنية: بأن يسجد على أطراف قدميه وركبتيه ويديه -كما مر- وسكت المصنف عن ذلك للعلم به مما تقدم له في الفصل قبل هذا، ولا يكبر إلا بعد تربعه بعد إكمال تشهده في الجلوس الوسط؛ لأنه بمنزلة استقلاله. ولو سقط قادر بزوال عماد بطلت؛ يعني أن من استند في الصلاة استنادا يسقط لأجله إذا أزيل عنه ما استند إليه تبطل صلاته إن استند في الفاتحة بفرض عمدا أو جهلا، وركعة الاستناد فقط إن كان سهوا. وقوله: "ولو سقط"؛ أي تقديرا أو فعلا، وقوله: "قادر"؛ أي قادر على القيام مستقلا أو قادر على الجلوس مستقلا. وقوله: "عماد" المراد بالعماد ما يعتمد؛ أي ما يُستَنَد إليه كان عمودا أو عصى أو حائطا أو غير ذلك. وبما قررت علم أن كلام المصنف شامل لمن يستند في القيام والجلوس مع قدرته على الاستقلال فيهما، وفي المدونة: ولا يتوكأ في المكتوبة على حائط أو عصى ولا بأس به في النافلة قاله الإمام الحطاب. وإلا كره؛ يعني أن المستند المذكور إذا لم يكن يسقط بزوال ما استند له، فإنه يكره فعله ذلك ويعيد في الوقت الضروري. قاله الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم، والشيخ الخرشي. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره عبد الباقي والخرشي من الإعادة في الوقت لم أر من ذكره، والكراهة لا تستلزم الإعادة وأما لو استند في السورة فالجاري على أصل الذهب أنه لا شيء عليه؛ لأن القيام لها سنة فمن تركه لا شيء عليه. قاله الحطاب. وقد مر نص المدونة: ولا يتوكأ في المكتوبة على حائط أو عصى ولا بأس به في النافلة. انتهى. ثم ندب على أيمن؛ يعني أن من عجز عن القيام مستقلا ومستندا والجلوس كذلك، فإنه يجب عليه أن يصلي مضطجعا، فإن قدر على حالة من حالات الاضطجاع دون غيرها صلى على تلك

стр. 1001

الحالة بحسب ما أمكنه، وإن قدر على الصلاة على جنبه الأيمن والأيسر والظهر فإنه يندب له البداءة بالصلاة على شقه الأيمن ووجهه إلى القبلة كالملحد في قبره وإلا بطلت. ثم أيسر؛ يعني أنه إذا لم يقدر على الصلاة على جنبه الأيمن، وقدر على الصلاة على الجانب الأيسر والظهر، فإنه يندب له تقديم الأيسر ووجهه للقبلة وإلا بطلت. ثم ظهر؛ يعني أن من لم يقدر على القيام ولا على الجلوس ولا على الجانب الأيمن ولا الأيسر، وقدر على الظهر والبطن فإنه يصلي على ظهره وجوبا ورجلاه للقبلة، فإن جعل لها رأسه بطلت. فحالات الاستلقاء الثلاث: أي الجنب الأيمن، والأيسر، والظهر مخير فيها، ولا يصلي على البطن إلا من عجز عن حالات الاستلقاء الثلاث فيجب تقديمها على البطن، وحيث صلى على بطنه فيكون رأسه للقبلة وإلا بطلت وهذا مع قدرته على التحول ولو بمحول: ويجري فيه قوله: "فالآيس أول المختار" الخ: وهذا الترتيب الذي ذكره المصنف هو قول ابن القاسم، ومطرف، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم. ولابن القاسم على ما نقله ابن حبيب: تقديم الظهر أولا، فإن لم يقدر فعلى جنبه الأيمن، فإن لم يقدر فعلى الأيسر. وقوله: "ثم ظهر"، هو من عطف الجمل؛ أي ثم صلى على ظهر؛ لأن الظهر يجب تقديمه على البطن، ولهذا قال الشيخ الأمير: وندب على أيمن ثم أيسر ثم وجب على ظهر. وأما كونه من عطف المفردات ففيه بحث لأن حالات الاستلقاء الثلاث مقدمة على البطن وجوبا والندب إنما هو فيها. وقوله: ثم ندب على أيمن ثم أيسر، كان ينبغي له أن يقول كذلك؛ أي مستقلا ثم مستندا لا لجنب وحائض، ولهما أعاد بوقت. وقوله: ثم ندب على أيمن لخ، مصب الندب التقديم، وإلا فأحد الحالات الثلاثة: واجب لا بعينه كخصال الكفارة فهو واجب مخير فيه، ووجوب الصلاة على البطن في حق من عجز عن الحالات الثلاث المذكورة في المتن مستفاد من قوله: وإن لم يقدر إلا على نية الخ. قاله الشيخ إبراهيم. وأومأ عاجز إلا عن القيام؛ يعني أن من عجز عن جميع أفعال الصلاة ما عدا القيام، يصلي قائما ويومئ للركوع والسجود من قيام، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وهل تكون نيته في الفعل الذي يومئ له بمنزلة الفعل؟ فإذا تركها يكون بمنزلة من ترك ركنا، أو النية التي وقعت في أول الصلاة منه تكفيه؟ فمن لم ينو الجلوس للسلام، هل يكون بمنزلة من ترك الجلوس للسلام؟ أو

стр. 1002

يكتفي بنية الصلاة أولا كما يكتفي بها إذا كان يجلس للسلام، وهذا فيمن يقدر على الإيماء بشيء من جسده كما يدل له لفظه: وإلا فهو كمن لا يقدر إلا على نية قاله الشيخ علي الأجهوري. ومعنى النية التي ذكر -والله سبحانه أعلم- أن ينوي في الفعل الذي يومئ فيه أنه بدل الركوع وأنه بدل السجود. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ومع الجلوس أومأ للسجود منه؛ يعني أن من عجز عن جميع أفعال الصلاة غير القيام والجلوس يومئ للركوع من قيام وللسجود من جلوس وجوبا، فإن أومأ للسجود من قيام بطلت صلاته. واعلم أن القادر على الركوع والسجود لا يجوز له الإيماء لهما في الفرض اتفاقا، واختلف في جوازه في النافلة، فعند ابن القاسم: لا يجوز خلافا لابن حبيب، فإنه أجاز له إذا صلى جالسا أن يومئ للسجود من غير علة. قاله الش. وعلى قول ابن القاسم: إن أومأ من غير علة أجزأه كما قال ابن يونس. وقوله: للسجود يشمل السجدتين. ويكون الضمير في قوله: "منه" عائدا على الجلوس؛ لأنه أقرب مذكور -كما قررت- فيجب الإيماء لهما أي للسجدتين من جلوس، فإن لم يفعل بطلت صلاته -كما مر في أول الحل- ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: "منه" عائدا على القيام، فيكون موافقا لأبي إسحاق القائل يومئ للسجدة الأولى من قيام لكنه ضعيف. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ بناني: عزاه ابن بشير للأشياخ، ومن قدر على الجلوس ولم يومئ منه، بطلت صلاته. وهل يجب فيه الوسع؛ يعني أن من يصلي إيماء من قيام أو جلوس، اختلف فيه هل يجب عليه أن يبذل غاية وسعه؛ أي طاقته في الإيماء للركوع والسجود؟ وعلى هذا لا يبالي بمساواة إيماء الركوع لإيماء السجود، وعدم تمييز أحدهما عن الآخر حتى لو قصر عنه بطلت صلاته، وهذا التأويل هو ظاهر ما في مختصر ابن شعبان ونحوه في مختصر ما ليس في المختصر، فإنه قال: إذا أومأ إلى حد يطيق من الانحطاط أكثر منه فسدت صلاته واستظهر لأنه الأقرب إلى الأصل، أو لا يجب عليه بذل الوسع، بل يكفيه أدنى ما يطلق عليه إيماء لهما وهو ظاهر المدونة عند اللخمي والمازري، لقوله فيها: وإذا صلى إيماء جعل إيماءه للسجود أخفض منه للركوع، ففيه بيان أنه لا

стр. 1003

يجب عليه أن يأتي بغاية قدرته. قاله الش. وعلى هذا التأويل الأخير فلا بد من تمييز حقيقة الإيماء للسجود من الركوع قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر في هذا أن لو قال المصنف تردد كما يؤخذ من كلام ابن عرفة ونصه: وفي نهاية وسعه بالانحناء قولان للخمي، الأول من رواية ابن شعبان من رفع ما يسجد عليه إن أومأ جهده صحت وإلا فسدت، والثاني من قوله فيها: يومئ القائم بالسجود أخفض من الركوع فهما معا. للخمي: وليسا بتأويلين على المدونة. انتهى. أو يجوز أن يسجد على أنفه؛ يعني أن ابن القاسم قال في من بجبهته قروح تمنعه السجود عليها هو مأمور بالإيماء ولا يسجد على أنفه، وأن أشهب قال فيه: يجزئه أن يسجد على أنفه. واختلف المتأخرون في مقتضى قول ابن القاسم، فمنهم من قال: هو موافق لقول أشهب، وهو لابن يونس؛ لأن الإيماء لا يختص بحد ينتهي إليه، فلو قارب المومئ الأرض أجزأه باتفاق فزيادة إمساس الأرض بالأنف لا يؤثر، مع أن الإيماء رخصة وتخفيف، ومن ترك الرخصة وارتكب الشقة فإنه يعتد بما فعل كمتيمم أبيح له التيمم بعذر فتحعل الشقة واغتسل، فإنه يجزئه، ومنهم من ذهب إلى أن قول ابن القاسم مخالف لقول أشهب. وحينئذ فلا يجزئه أن يسجد على أنفه؛ لأنه لم يأت بالأصل ولا ببدله حكاه ابن القصار. وقال الشيخ الأمير فإن سجد على أنفه غير مومئ أي غير ناو الإيماء بالجبهة مع ذلك أبطل. تأويلان؛ أي في ذلك تأويلان وهما راجعان للمسألتين. ولما وصف في المدونة الإيماء بالظهر والرأس. المازري: والطرف لمن عجز عن غيره. واختلف شيوخنا هل لليدين مدخل معهما في الإيماء للسجود، أو ليس لهما مدخل؟ أشار إلى ذلك بقوله: يومئ بيده للسجود أو يضعهما على الأرض؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما يفعله المومئ للسجود بيديه، فمنهم من قال: يومئ بيديه إلى الأرض إذا أومأ له من قيام ويضعهما على الأرض حيث أومأ له من جلوس كما يفعل الساجد غير المومئ، ومنهم من قال: لا يفعل ذلك، فلا يومئ بهما حال إيمائه له من قيام، بل يتركهما مسدولتين ولا يضعهما على الأرض حال إيمائه له من جلوس؛ بل يضعهما على ركبتيه لأنهما تابعان للجبهة في السجود، وهي لم يسجد عليها في الحالتين، فالتأويل الذكور يشتمل على حالتين، وكذا الطوي كما ظهر لك، "وأو" في قوله: "أو

стр. 1004

يضعهما"، بمعنى الواو. قاله الشيخ إبراهيم. وعلى أنه يضعهما على الأرض، فإن رفع وضعهما على ركبتيه. كما قاله الشيخ إبراهيم. وأما من يومئ للركوع من قيام فيشير بيديه لركبتيه، ومن يومئ له من جلوس يضعهما على ركبتيه، وليس فيهما تأويلان. وهو؛ أي التأويل المذكور على الحالتين: المختار دون التأويل المطوي، ثم ذكر مسألة مالك المتفق عليها في الوجوب، فقال: كحسر عمامته؛ يعني أن من يومئ للسجود من قيام أو جلوس يحسر عمامته عن جبهته؛ أي يرفعها عنها حال إيمائه للسجود اتفاقا قاله غير واحد. وصرح عبد الباقي بالوجوب، فيعيد أبدا إن لم يحسرها. قال الشيخ الأمير: ولعله لضعف الإيماء، وإلا فقد سبق في السجود تقييده بالوقت أو يحمل على التفصيل السابق. انتهى. وقوله: "كحسر عمامته"، فيه تقوية لا اختاره اللخمي، فإن قيل: ما الفرق بين اشتراط حسر العمامة، وعدم اشتراط طهارة المحل؛ إذ المومئ إلى مكان نجس لا يضره ذلك؛ لأن المراد بمكان المصلي ما تماسه أعضاؤه بالفعل. فالجواب أن طهارة المحل اختلف فيها؛ وأما السجود فهو ركن متفق عليه. قاله الشيخ إبراهيم. وبما قررت علم أن قوله: بسجود يتنازعه الثلاثة؛ أي يومئ، ويضع وحسر. وإلى ما ذكره وطواه أشار بقوله: تأويلان؛ أي في ذلك تأويلان، وهما فيما قبل التشبيه كما علمت. قال الشيخ عبد الباقي: وانظر ما حكم الإيماء باليدين ووضعهما على الركبتين، هل هو واجب لأنه من جملة الإيماء للركن فهو من جملة بدله، أم لا؟ انتهى. والظاهر أن ذلك يجري على حكم السجود عليهما، فعلى المشهور من أن السجود عليهما سنة يكون ذلك سنة، وعلى أنه واجب يكون ذلك واجبا. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وهو المختار"، قال الشارح: ونص اللخمي: وإذا كان المصلي يقدر على القيام دون القراءة صلى قائما، وإذا أومأ بالسجود يومئ بيديه إلى الأرض. وفي النوادر عن مالك: وإذا أومأ بيديه إلى الركوع مد يديه إلى ركبتيه. اللخمي: وإن كانت صلاته جالسا فعل في الركوع مثل ذلك، يجعل يديه على ركبتيه حين إيمائه للركوع، فإذا رفع أزالهما، وإذا أومأ للسجود جعل يديه على الأرض، وإذا رفع جعلهما على ركبتيه. انتهى.

стр. 1005

قال جامعه عفا الله عنه: وإذا تأملت هذا علمت أن قوله: "وهو المختار": ليس جاريا على اصطلاحه، وإنما هو قول اللخمي من نفسه. كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وإن قدر على الكل وإن سجد لا ينهض أتم ركعة؛ يعني أن المصلي إذا كان يقدر على جميع أركان الصلاة ولكنه إذا سجد لا يقدر بعد سجوده أن يأتي بالقيام، فإنه يأتي بركعة تامة بسجدتيها؛ ثم بعد أن أتمها بسجدتيها، جلس. أي استمر جالسا وبقية صلاته؛ لأن السجود أعظم من القيام في الإجلال لخبر: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد (١))، وللاتفاق على وجوبه، ولأن المكلف يطلب أولا بما قدر عليه: ولا ينتقل عنه حتى يتحقق عجزه، وقيل: يصلي قاتما بركوع وإيماء لسجود إلا في الأخيرة فيركع ويسجد. قاله الشبراخيتي. وذكر عكس قوله: أو لخوفه الخ، بقوله: وإن خف معذور انتقل للأعلى؛ يعني أن المعذور؛ أي العاجز عن بعض أركان الصلاة أو هيئةٍ مندوبةٍ فيها إذا خف في أثناء الصلاة أي قدر على أن يأتي بما هو أعلى من حالته التي كان يصلي عليها، فإنه ينتقل إلى الحالة العليا وجوبا فيما يجب فيه الترتيب، وندبا فيما يندب فيه. كما في حالات الاضطجاع على ما تقدم؛ فإن لم ينتقل بطلت فيما يجب فيه الترتيب، لا فيما يندب. وفهم من قوله: "انتقل"، أنه خف وهو في الصلاة، وأما إن خف بعدها فلا إعادة عليه في وقت ولا في غيره. كما في سماع عيسى. بخلاف غريق صلى إيماء لعجزه فيعيد في الوقت، ولعل الفرق أن المرض وإن زال يبقى أثره مدة غالبا، فخفف عنه بعدم الإعادة، والغرق إذا زال لا يبقى أثره غالبا وقوله: "انتقل للأعلى"؛ أي لأنه لما زال عنه العذر وجب أن يأتي بالأصل، وهذا هو المذهب وقاله في المدونة. وخرج قول بأنه: يبتدئ ولا قائل بأنه يتمها على ما كان عليه. قاله الإمام الحطاب. وإن عجز عن فاتحة قائما جلس؛ يعني أن المصلي إذا عجز عن أن يقرأ الفاتحة كلا أو بعضا سواء قدر على القيام بقدرها بدون قراءتها أم لا، فإنه يجلس لأجل أن يقرأها بعد أن يكبر

стр. 1006

للإحرام قائما، ثم بعد قراءة الفاتحة جالسا يقوم للركوع، ودخل في كلام المصنف من لم يحفظها ويقدر على قراءتها جالسا بمصحف، فإن قدر على بعضها قائما كملها جالسا إن قدر على القيام للركوع، فإن لم يقدر عليه إلا بقراءة جميعها جالسا في الفرض المذكور فانظر، هل يقرؤها جالسا محافظة على القيام للركوع إذ هو ركن بكل ركعة من غير نزاع بخلاف الفاتحة؟ أو يقرأ بعضها قائما وبعضها جالسا لسبق خطابه بها على خطابه بالقيام للركوع؟ وإذا كان إذا أتى ببعضها قائما لا يقدر على قراءة بقيتها جالسا، ويقدر أن يأتي بها كلها جالسا فإنه يجلس لها أيضا إن كان ينهض للركوع قائما، وإلا فالظاهر تركها ليأتي بالركوع من قيام؛ لأن وجوبه في كل ركعة متفق عليه. وقوله: "وإن عجز عن فاتحة قائما جلس"، مثل ذلك من عجز عنها جالسا وقدر عليها مضطجعا فإنه يضطجع. قاله غير واحد. قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر جريان التفصيل التقدم فيه، وعجز بفتح الجيم وكسرها يعجز بكسرها أفصح من فتحها، وفهم من تقييد المصنف بالفاتحة أن من عجز عن السورة قائما لا يجلس وهو كذلك. ابن رشد واللخمي: والعاجز عن قيام السورة يركع إثر الفاتحة، وإذا وجد القاعد خفة في أثناء القراءة فليبادر إلى القيام، وإن خف بعدها انتقل إلى القيام للهوي للركوع. قاله الإمام الحطاب. واختلف في القوم ينكسر بهم الركب فيتعلقون بالألواح فلم يقدروا على الصلاة بالإيماء أو غيره حتى خرج الوقت، هل تسقط عنهم؟ وهي رواية معن بن عيسى عن مالك فيمن يكتنفهم العدو حتى لا يقدروا على الصلاة أولا، ويصلونها بعد الوقت؛ وهو قولها في الذين ينهدم عليهم البيت، فإن كلا من هؤلاء غير عاجز عن الإيماء بالعيون والحواجب. قاله ابن غازي. قال الشيخ سالم: يمكن أن يقال إنما جاء الخلاف في هؤلاء بالوجوب والسقوط من جهة عجزهم عن الطهارة، فلو قدروا عليها لوجبت عليهم بالإيماء بلا خلاف. وقد مر أن المريض إذا خف بعد الصلاة لا يعيد في الوقت. وإن لم يقدر إلا على نية أو مع إيماء بطرف فقال وغيره لا نص ومقتضى المذهب الوجوب؛ يعني أن الشخص إذا لم يقدر على شيء من أفعال الصلاة وأقوالها إلا على نية فقط، أو قدر عليها مع إيماء بطرف أو يد أو حاجب أو غيرهما من الأعضاء، فإن الحنفية قالت بالسقوط في المسألتين،

стр. 1007

وقالت الشافعية بالوجوب فيهما، وقال الإمام المازري من أئمتنا في المسألة الثانية، وهي ما إذا قدر على النية مع إيماء بطرف أو يد أو نحو ذلك، مقتضى المذهب وجوب الصلاة على من اتصف بذلك؛ أي صرح بذلك أي بأن مقتضى المذهب الوجوب وذلك يتضمن أن لا نص، ولم يعرج على مقتضى المذهب في الأولى بحال. وقال ابن بشير: من أئمتنا إنه لا نص في الأولى؛ أي صرح بذلك: وهي ما إذا لم يقدر إلا على النية فقط، فإنه قال: لا نص فيها؛ أي في الأولى، وأوجب الشافعي القصد إلى الصلاة وهو أحوط. انتهى. وهذا يتضمن أن مقتضى المذهب الوجوب عنده؛ وأما الثانية فقال. فيها: لا خلاف أي في المذهب أنه يصلي ويومئ بما قدر على حركته. أشار له الشيخ إبراهيم. والحاصل أن كلاهن الإمامين قال: لا نص، ومقتضى المذهب الوجوب، فالمازري قال: مقتضى المذهب الوجوب صريحا في الثانية؛ أي صرح بأن مقتضى المذهب الوجوب؛ وتضمن ذلك أنه قال: لا نص، ولم يعرج على الأولى بحال. وابن بشير صرح بأنه: لا نص في الأولى؛ وقال: وأوجب الشافعي القصد إلى الصلاة وهو أحوط، وذلك يتضمن أن مقتضى المذهب الوجوب عنده فيها، وأما الثانية فقال فيها لا خلاف في المذهب أنه يصلي ويومئ بما قدر على حركته، والنفي -والله أعلم- إنما هو النص الأصولي، وهو ما لا يحتمل غير المراد، لا الفقهي وهو ما أفاد معنى مع الاحتمال المرجوح أو نفيه؛ إذ هو موجود من قول الجلاب: ولا تسقط عنه الصلاة ومعه شيء من عقله: وفي المدونة: وليصل المريض بقدر طاقته فإن دين الله يسر. ونحوه في الرسالة. انظر الشبراخيتي. ولما قدم حكم العجز بمرض لا تسبب للمكلف فيه، شرع في بيان حكم ما كان بسببه من مداواة وطلب نجح: فقال: (وجاز قدح عين أدى لجلوس) القدح: دواء في العين. قاله الشيخ الأمير، ولا خصوصية للعين، بل مداواة سائر الجسد كذلك؛ يعني أن قدح العين أي مداواتها ليعود لها إبصارها أو ليكمل؛ إذا كان يؤدي للجلوس والإيماء فإنه يجوز ويصلي جالسا مومئا ولو إلى أربعين يوما، كما هو ظاهر المصنف؛ إذ ظاهره طالت المدة أو قصرت. (لا استلقاء) يعني أن مداواة العين للإبصار إذا كانت تؤدي إلى الاستلقاء فإنها لا تجوز، فإن فعل القدح المؤدي للاستلقاء. إنه يجب عليه أن يصلي قائما وإن ذهبت عيناه كما روى ابن القاسم،

стр. 1008

فإن خالف وصلى مستلقيا فإنه يعيد أبدا عند ابن القاسم. اللخمي: إنما فرق مالك وابن القاسم بين الجالس والمضطجع، فإن (١) الجالس يأتي بالعوض عن الركوع والسجود وهو الإيماء بالرأس يطأطئه، والمستلقي لا يأتي بعوض وإنما يأتي عند الركوع والسجود بالنية من غير فعل. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وصحح عذره أيضا؛ يعني أن رواية ابن وهب أنه يجوز له القدح المؤدي للاستلقاء للإبصار فهو معذور، وهذا القول صححه بعض الأشياخ معترضا على الأول بأن التداوي مباح فينبغي أن لا يعيد، وعلل ما لمالك وابن القاسم بتردد النجح، وأجيب بأن البرء يحصل والتجربة تشهد لذلك، وكما جاز له الانتقال من الغسل إلى المسح بسبب الفصادة فكذلك هنا، وكما جاز التعرض للتيمم بالأسفار بسبب الأرباح المباحة فهنا أولى، ومحل الخلاف إن كان القدح لعود البصر لا غير، وإن كان لدفع الضرر جاز اتفاقا. كما في الحطاب. وقال الشبراخيتي: إن قوله: "وصحح عذره أيضا" ضعيف، والمذهب قوله: "لا استلقاء". انتهى. وفي نوازل ابن الحاج مسألة، قال القاضي أبو عبد الله: إذا كان به وجع في عينه فأراد أن يقدحه ليزول الوجع ويصلي على تلك الحال فذلك جائز له بلا اختلاف، وإذا لم يكن به وجع وأراد قدح عينه ليعود إليه بصره لا غير، فهذه مسألة الاختلاف. وفي كتاب الشيخ الأمير: ما يخالف ما مر عن الشيخ إبراهيم، فإنه قال: وجاز قدح وإن لضوء بلا وجع، وأدى لاستلقاء في الصلاة على الصحيح مما في الأصل. وفهم مما قررت أن محل الخلاف كما يفهم من المصنف فيما إذا أدى الدواء إلى الاضطجاع لا إلى الجلوس كما في التوضيح، والخلاف مقيد بما إذا أدى ذلك إلى الاضطجاع، وأما إن أدى إلى ترك القيام للجلوس فإنه يصلي جالسا ويجوز له ذلك. قاله المازري. ولم يحك فيه خلافا انتهى. ولمريض ستر نجس بطاهر ليصلي عليه، يعني أنه يجوز للمريض ستر نجس فراشا أو غيره بطاهر كثيف غير حرير إن وجد غير الحرير وإلا فبالحرير؛ لأنه مقدم على النجس. ابن يونس: عن

стр. 1009

بعض الأشياخ إنما رخص في هذا للمريض خاصة، وأما الصحيح فلا. وخالفه غيره من شيوخنا، وقال: ذلك جائز للمريض وغيره؛ لأن بينه وبين النجاسة حائلا طاهرا. ابن يونس: وهو أصوب، وإلى ذلك أشار بقوله: كالصحيح على الأرجح. ابن ناجي: ويجري عليها إذا فرش ثوبا على ثوب حرير ولا أعرف فيها لأهل المذهب نصا ولا إجراء وأجراها الغزالي في الوسيط على ما ذكرنا. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي وقال الشيخ محمد بن الحسن: انظر، فقد تقدم له في قول المصنف: "وعصى وصحت إن لبس حريرا"، عن المازري وعياض: منع الجلوس على الحرير بحائل، إلا أن يقال كلام ابن ناجي في: المريض يضطر إلى فراش الحرير ولم يمكنه التحول عنه في وقت الصلاة. والله أعلم. انتهى. وقوله: "ولمريض ستر"، عطف على قدح، "أو لمريض"، خبر مقدم مبتدؤه ستر. والله سبحانه أعلم. واشترط الأمير عن شيخه أن لا يكون الساتر ثوبه. وذكر عن النفراوي ميله لجوازه أخذا من النجاسة أسفل نعل. ولمتنفل جلوس؛ يعني أنه يجوز للمتنفل مع قدرته على القيام الجلوس ولو نذر أصل النفل لكنه خلاف الأولى، لقوله ﷺ : (صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم (١))، وهذا إن كان لغير عذر لا له، ففي الخبر القدسي: (اكتبوا لعبدي ثوابه صحيحا (٢))، والجلوس في السنن مكروه. كما نص عليه الشيخ إبراهيم وغيره، وقيل: يجب القيام في الوتر، وركعتي الفجر؛ وهو ضعيف. والراجح جواز الجلوس فيهما. ولو في أثنائها؛ يعني أن المتنفل يجوز له الجلوس، ولا فرق في ذلك بين أن يكون ابتدأ النافلة جالسا ويستمر على ذلك، وبين أن يجلس في أثنائها بعد أن ابتدأها قائما، وإذا جلس في أولها استحب إذا قارب الركوع أن يقوم فيقرأ ما تيسر ويركع؛ (لأنه ﷺ كان يصلي النافلة جالسا حين أسن فإذا بقي من قراءته ثلاثون آية قام فقرأ ثم ركع وسجد، ثم يفعل في

стр. 1010

الركعة الثانية مثل ذلك (١)). وظاهر إطلاقهم أنه يجوز تكرار القيام والجلوس ولو كثر. واستظهره بعض فليس من الأفعال الكثيرة. وكان سعيد بن جبير يصلي قاعدا محتبيا، فإذا بقي عليه عشر آيات قام فقرأ وركع، وقوله: "ولمتنفل جلوس"، وأحرى القيام مستندا، وفي المدونة: ولا يتوكأ في المكتوبة على حائط أو عصى ولا بأس به في النافلة. انتهى. إن لم يدخل على الإتمام؛ يعني أن المتنفل إنما يجوز له الجلوس حيث لم يدخل على شرط الإتمام قائما، فإن دخل عليه قائما لم يكن له الجلوس، وظاهره التزم ذلك بلفظ النذر أولا وهو لأشهب، وأجازه ابن القاسم وهو أحسن، ولذلك حملوا المصنف على أن معناه: دخل على الإتمام قائما ملتزما للقيام بأن ينذره باللفظ وهو صادق بما إذا افتتحها قائما، ولا نية له بأي وجه يتمها، أو نوى إتمامها قائما ولم ينذر، وإن التزم الإتمام قائما وأتم جالسا أثم ولا تبطل صلاته كذا ينبغي. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. وقال الشيخ الأمير: ولمتنفل جلوس ولو في أثنائها إن لم ينذر القيام ولا يلزم بمجرد النية. وقوله: "إن لم يدخل على الإتمام". اعلم أن الصور أربع، ثلاث يجوز فيها الجلوس؛ وهي منطوق المصنف وهي: نية الإتمام قائما، نية الجلوس، عدم نية شيء منهما. ومفهومه واحدة؛ وهي ما إذا نذر القيام نذر أصل النفل أولا. وبما قررت علم أن معنى قول المصنف: "إن لم يدخل على الإتمام" لم يلتزم الإتمام قائما بالنذر بأن ينذره باللفظ، فالدخول هنا بمعنى الالتزام بالنذر. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن، وغيره. ابن عرفة: وفي جواز جلوس مبتدئه قائما اختيارا قولان لها ولأشهب. انتهى. واختلف المتأخرون في محل هذا الخلاف، فذهب ابن رشد وأبو عمران إلى عمومه في الثلاث الأول، وذهب بعض شيوخ عبد الحق إلى قصره على الثانية والثالثة، وأما الأولى؛ وهي أن ينوي الإتمام قائما فيلزمه باتفاقهما لأنه يصير بالنية كنذر. وذهب اللخمي إلى أن محله هو الأولى فقط، وأما إن نوى

стр. 1011

الجلوس أو لم ينو شيئا فله الجلوس باتفاقهما، وضعفه ابن عرفة ورجح الأول وهو ظاهر كلام ابن الحاجب. انتهى. لا اضطجاع؛ يعني أنه يمنع للشخص أن يصلي النافلة مضطجعا إن قدر على القيام أو الجلوس، وإلا جاز. وإن أولا؛ يعني أنه لا يجوز التنفل في حالة الاضطجاع، وإن ابتدأ مضطجعا فلا فرق في المنع بين أن يبتدئه مضطجعا وبين أن يبتدئه قائما أو جالسا ثم يضطجع بعد ذلك. وفي ابن الحاجب: ولا يتنفل قادر على القعود مضطجعا على الأصح. التوضيح: ظاهره كان مريضا أو صحيحا، وحكى اللخمي في المسألة ثلاثة أقوال: أجاز ذلك ابن الجلاب للمريض خاصة، وهو ظاهر المدونة. وفي النوادر: المنع وإن كان مريضا، وأجازه الأبهري للصحيح، وقال ابن عبد السلام على كلام ابن الحاجب المذكور: هل يجري الجلوس في حق المريض مجرى القيام في حق الصحيح؟ فيتنفل المريض القادر على الجلوس مضطجعا كما يفعل ذلك الصحيح جالسا، فيه قولان. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال في الرسم: الأول من سماع أشهب، وسئل عن المصلي في المحمل أين يضع يديه؟ فقال: على ركبتيه أو فخذيه، قيل له: فالمصلي على الدابة؟ قال: مثل ذلك. ابن رشد: يريد أن يضع يديه على ركبتيه أو فخذيه إذا ركع وإذا تشهد، وأما في سائر الصلاة فلا خير في أن تكون يداه على ركبتيه، يدل على ذلك قوله في المدونة: فإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه عن ركبتيه. انتهى. وفي المدونة: قال ابن القاسم قال لي مالك وعبد العزيز ولم أسمع من عبد العزيز غير هذه: من تنفل في المحمل فقيامه تربع ويركع متربعا ويضع يديه على ركبتيه، فإذا رفع رأسه من ركوعه، قال مالك: يرفع يديه عن ركبتيه ولا أحفظ رفع يديه عن ركبتيه عن عبد العزيز، ثم قال: إذا أهوى للسجود ثنى رجليه وأومأ بالسجود، فإن لم يقدر أن يثني رجليه أومأ متربعا. انتهى. نقله الإمام الحطاب. قال جامعه عفا الله عنه: وبهذا تعلم أن من صلى متربعا متنفلا أو مفترضا لا يضع يديه على فخذيه ولا على ركبتيه في حال قراءته، بل يتركهما مسدولتين، كما قال المصنف: وسدل يديه، فإنه شامل للفرض والنفل. كما مر.

стр. 1012

فصل: قال الشيخ عبد الباقي: ذكر فيه أربع مسائل: قضاء الفوائت، وترتيب الحاضرتين، والفوائت في أنفسها، ويسيرها مع حاضرة، وهي في كلامه هكذا مرتبة، فأشار إلى الأول بقوله: "وجب قضاء فائتة؛ " يعني أنه يجب قضاء الفائتة على الفور على المشهور ويقضيها على نحو ما فاتته من قصر وإتمام وجهر وسر وقنوت في صبح. ابن ناجي: وظاهرها أي المدونة أن القضاء على الفور ولا يجوز تأخيرها مع القدرة وهو كذلك على المشهور، وقيل: على التراخي، وقيل يلزمه أن يقضي يومين في يوم. انتهى. وقال ابن رشد في الأجوبة: إنه لا يتنفل ولو قيام رمضان إلا وتر ليلته وفجر يومه، وقال ابن العربي: يجوز له أن يتنفل ولا يخلي نفسه من الفضيلة. نقله ابن ناجي. وقال في شرح الرسالة: ظاهر كلام الشيخ أن قضاء الفوائت على الفور ولا يجوز تأخيرها يريد إلا لعذر؛ وهو كذلك في نقل الأكثر من أهل المذهب. وقال ابن رشد في البيان: ليس وقت النسية بضيق لا يجوز تأخيرها عنه بحال كغروب الشمس للعصر وطلوعها للصبح لقولهم: إن ذكرها مأموم تمادى، وكذلك الفذ عند ابن حبيب، ومثل هذا قال في آخر أجوبته أيضا: إنما يؤمر بتعجيلها خوف مفاجأة الموت، فيجوز تأخيرها لمدة بحيث يغلب على ظنه أداؤها نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: ولوجوب القضاء فورا لا يجوز تنفل من عليه فوائت خلافا لابن العربي إلا ما خف من الصلوات المسنونة، وفجر يومه، والشفع المتصل بالوتر، وأما ما كثر من النوافل المرغب فيها كقيام رمضان، فلا. قاله ابن رشد في أجوبته. زاد في غيرها. فإن فعل أوجر من وجه وأثم من وجه؛ أي أوجر من حيث إن مفعوله طاعة، وأثم من حيث أن مفعوله يتضمن تأخير القضاء. القوري: لو كان يترك النفل للفرض؛ أي لقضائه فلا يتنفل، وإن كان للبطالة فتنفله أولى. وقال الشيخ إبراهيم: وجب على المكلف فورا على منصوص المذهب لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ أي لذكر صلاتي، فهو من مجاز الحذف، ولا يجوز أن يؤخر إلا بمقدار ما يحتاج إليه من معاشه. قال أبو الحسن: انظر هل دَرْسُ العلم من ذلك أم لا، ومراده بالعلم غير المتعين، وأما المتعين فينبغي أن يقدم مطلقا، والظاهر أن التمريض، وإشراف القريب، ونحوه على الموت. كذلك. أبو محمد صالح: إن قضى في كل يوم يومين لم يكن مفرطا فأما مع

стр. 1013

كل صلاة صلاة كما تقول العامة ففعلة لا تساوي بصلة إلا لمن لم يقدر إلا على ذلك. المشدالي: لو واجر نفسه ثم أقر أن عليه منسيات يجب تقديمها على الحاضرة، لم يقبل منه. انتهى. وقوله: "فائتة"، محققة الفوات أو مظنونته أو مشكوكته، وأما الوهم والتجويز العقلي فلا، ثُمَّ إن كانت محققة الفوات أو مظنونته فإنه يأتي بها ولو في وقت النهي، وأما إن كان إتيانه بها للشك فيها فإنه يتوقى أوقات النهي. وقوله: "فائتة"؛ أي لغير عذر مسقط، فإن فاتته لعذر مسقط: كحيض: ونفاس؛ وعدم ماء، وصعيد فلا قضاء. انتهى. مطلقا قال الشيخ عبد الباقي: حال من "قضاء"، ومن "فائتة"؛ أي حال كون القضاء مطلقا في جميع الأوقات، فيقضي وقت طلوع الشمس وغروبها، وخطبة جمعة، وزمن سفر وحضر مع وجوب قضانه لشك في ذمته مستندا لعلامة -كما هو ظاهر إطلاقهم- لا بمجرد وهم أو تجويز عقلي، ويصلي ما وجب قضاؤه بحضرة الناس، وليس عليه إعلامهم، ولكنه يتوقى في المشكوك فيه أوقات النهي وجوبا في المحرم، وندبا في المكروه ولو ممن يقتدى به. وفي المشدالي من نوازل ابن الحاج: إذا ذكر الصبح والإمام يخطب فليقم ويصليها بموضعه، ويقول لمن يلي: إنما أصلي الصبح إن كان ممن يقتدى به، وإلا فليس عليه ذلك. انتهى. والظاهر أن غير الصبح مثلها، وكذا يقال في الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها فيما يظهر، ويستثنى من التعميم في الأوقات وقت يحتاج فيه إلى تحصيل معاشه، وحال كون الفائتة مطلقا تحقيقا أو ظنا أو شكا مستندا لعلامة، ولكنه يتوقى وقت النهي -كما مر- وحال كونها فائتة سهوا باتفاق وعمدا على المعروف، ولا يقال الأولى الاتفاق على العمد والاختلاف في السهو؛ لأنه قد يتوهم أن تركها عمدا كاليمين الغموس التي لا تكفر لعظمها، ولمراعاة قول ابن حبيب بكفر تاركها عمدا. انتهى. ومقابل المعروف ما نقله في التوضيح والحطاب وغيرهما عن داوود من أنه يقول بسقوط القضاء حينئذ قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ مدة الباقي: وحال كون الفائتة فائتة بدار إسلام أو كفر، فدخل فيه من أسلم بدار حرب وبقي فيها مدة ولم يصلِّ بها لجهله وجوبها، ثم دخل دار الإسلام على أحد قولين والآخر لا قضاء عليه؛ أي ترغيبا له في الإسلام، والأول هو المشهور كما يفيده المواق، ويدل عليه ما قدمه المصنف، ومن تكلم في بيان الأعذار المسقطة للقضاء؛ إذ لم يعدوا

стр. 1014

منها الجهل بوجوب الصلاة لمن أسلم بدار حرب وبقي فيها، مدة ومذهب المدونة وجوب القضاء على المستحاضة فيما تركته جهلا بالحكم، وقيل: بسقوطه عنها، وقيل: بلزوم القضاء إن كانت أياها يسيرة لا كثيرة. انظر القلشاني. ثم وجوب القضاء على المكلف، وأما الصبي فيندب له. وقد مر في أول فصل سعتر العورة أن الصبي إن صلى عريانا يعيد في الوقت، وإن صلى بلا وضوء يعيد عند سحنون فيما قرب كيومين، وفي الش عند قول المصنف: "مطلقا"؛ أي كثيرة كانت أو يسيرة. اللخمي: وقضاؤها على الفور، ولا يؤخرها إن كان قادرا على الإتيان بجميعها من غير حرج، فإن كثرت وكان لا يقدر على الإتيان بجميعها مرة إلا بمشقة أتى بما قدر عليه، ثم كذلك حتى يأتي بجميعها من غير حرج انتهى. ولو أقر الأجير بفوائت لم يعذر حتى يفرغ ما عقد عليه، كمن رهن عبدا ثم أقر أنه لغيره، ومن باع عبدا ثم أقر أنه لغيره، ومن باع عبدا ثم أقر أنه كان أعتقه، فإنه لا يقبل الجميع لتعلق حق الغير فلا يسقط بمجرد إقراره للتهمة في ذلك. قاله الحطاب. وعلم مما مر أنه يأتي بما يرفع الشك؛ أي إذا كان بعلامة وشك بلا علامة وسوسة فلا يقضى كما يفعله العجائز والجهال، وإنما يقضى بغالب ظن أو شك مؤثر في النفسى، ومنهم من يجعل في موضع كل نافلة فريضة لاحتمال الخلل في فرائضه، وهذا خلاف السنة. وقد تقدم أنه يقضي الصلاة على نحو ما فاتته، ويستثنى من ذلك ما إذا تركها في حال قدرته على القيام فيها ثم عند القضاء لم يقدر إلا على الجلوس أو الاضطجاع وعكسه، وكذا لو فاتته في حالة لو صلاها لصلاها بالوضوء أو الغسل وعند القضاء لم يستطع إلا التيمم وعكسه، فإنه يأتي بها في ذلك كله على حالته التي هو عليها إذ ذاك، ولا قضاء عليه بعد ذلك إن انتقل إلى حالة أعلى منها. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير: وجب قضاء فائتة بصفتها مثلا الليلية جهرا ولو قضيت نهارا، وعند الشافعية فائتة السفر تتم حضرا لأنه ليس محل قصر. وفي زروق: يقنت في الفائتة على ظاهر الرسالة، قال: ويطول، وخالفه غيره. وقال: لا يقيم وسبق خلافه، نعم يقضي العاجز

стр. 1015

بما قدر والقادر بالقيام ولو فاتته حال عجزه؛ لأن ذلك من العوارض الحالية كالتيمم والوضوء تتبع وقتها، وأشار إلى الثانية بقوله: ومع ذكر ترتيب حاضرتين؛ يعني أنه يجب على الشخص مع الذكر أن يرتب بين الصلاتين الحاضرتين أي يوقع كل واحدة منهما في مرتبتها؛ بأن يقدم الأولى منهما على الثانية، ولا بد مع الذكر من القدرة أيضا، احترازا عما لو أكره على تقديم العشاء على المغرب فتصح له العشاء. وقوله: "مع ذكر"، سواء ذكر في الابتداء أو في الأثناء؛ وهو المعتمد عند عبد الباقي والشبراخيتي خلافا لأحمد، وعبارة عبد الباقي ابتداء وكذا في الأثناء على المعتمد، كما في التوضيح والناصر اللقاني. قال محمد بن الحسن بناني: أما ما نقله عن التوضيح فليس هو فيه، وأما قوله: على المعتمد، فيحتاج إلى دليل، ومقتضى ما يأتي عن ابن رشد وابن بشير وابن عرفة، هو ما قاله أحمد، وهو ظاهر نقل المواق. ومفهوم قول المصنف ذكر أنه لو قدم الأخيرة من الحاضرتين نسيانا صحت، ويعيدها في الوقت لا بعده، وقيل: يعيدها ولو خرج الوقت. وقد مر أن المكره تصح له وإنما يتأتى ذلك في العشاءين، أو في عصر وجمعة. شرطا؛ يعني أن وجوب الترتيب بين الحاضرتين وجوب شرط؛ أي فإن نكس عمدا أعاد أبدا بلا خلاف، فلو نسي الظهر والعصر إلى قدر ما يصلي فيه واحدة قبل الغروب فذكر العصر وحدها فلما صلاها ذكر الظهر، فيصليها ولا يعيد العصر، فلو كان يدرك منها ركعة فأكثر لأعادها استحبابا، ومن قدم الأخيرة من الحاضرتين على الأخرى جهلا أعاد أبدا وشمل كلام المصنف ما لو ضاق الوقت عن فعلهما معا، ووسع إحداهما. كما نقله المثيخ محمد بن الحسن عن ابن رشد؛ فإنه نقل عنه أنه لا خلاف في الحاضرتين إذا نكس بينهما عامدا أنه يعيد أبدا، وإن كان ساهيا أعاد الثانية بوقت مثل أن ينسى الظهر والعصر إلى ما يصلي فيه واحدة قبل الغروب الخ ما مر. قال الشيخ محمد بن الحسن: وبما ذكرناه قرره ابن عاشر من غير نقل وهو صواب، ومن اعترض عليه بكلام الأجهوري ومن تبعه لم يصب. والله أعلم. انتهى. وما ذكر الشيخ محمد بن الحسن خلاف ما قاله الشيخ الأمير، فإنه قال: ومنه أي اليسير مع الحاضرة مشتركتان ضاق الوقت عن أولاهما. انتهى. وما قاله الشيخ الأمير ظاهر، ولكن ما قاله الشيخ بناني دعمه بالنقل. والله

стр. 1016

سبحانه أعلم. وقوله: شرطا، أعربه الش: حالا من "ترتيب"، والعامل، "وجب"، وأعربه غيره صفة لمصدر محذوف؛ أي وجوبا شرطا. قاله الشيخ إبراهيم. وأشار إلى الثالثة بقوله: والفوائت في أنفسها؛ يعني أنه يجب مع الذكر والقدرة وجوبا غير شرط ترتيب الفوائت في أنفسها، ومعنى الترتيب أن يأتي بكل واحدة في مرتبتها الأولى فالثانية فالثالثة، وهكذا ولهذا لا يعيدها إذا نكس ولو عمدا؛ إذ بالفراغ منها يخرج وقتها، وهذا الذي مشى عليه المصنف ذكره المازري وغيره. وفي ترتيب الفوائت ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقا، والسنة والوجوب مع الذكر، والسقوط مع النسيان. قاله غير واحد. وقوله: "والفوائت في أنفسها"، سواء كانت يسيرة أو كثيرة. وأشار إلى الرابعة بقوله: ويسيرها مع حاضرة: يعني أنه يجب مع الذكر والقدرة ترتيب يسير الفوائت مع الحاضرة؛ بأن يبدأ بيسير الفوائت قبل إتيانه بالحاضرة حيث كان ذاكرا قادرا. وإن خرج وقتها؛ يعني أف يجب تقديم يسير الفوائت على الصلاة الحاضرة وإن كان الإتيان بيسير الفوائت قبل الحاضرة، يؤدي إلى فعل الحاضرة بعد خروج وقتها. وفي الحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها، فإن وقتها ذكرها (١)). وما مشى عليه المصنف هو مذهب المدونة وهو المشهور، وقال ابن وهب: يبدأ بالحاضرة، وقال أشهب: يبدأ بأيهما أحب، وقال ابن مسلمة: يبدأ بالفوائت وإن كثرت إذا كان يأتي بجميعها مرة واحدة. وهل أربع؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في حد اليسير الذي يجب تقديمه على الحاضرة، هل هو أربع فدون كما في الرسالة؟ وهو ظاهر المدونة عند سند وجماعة، ونقله في النوادر عن سحنون: وعليه فما زاد على الأربع كثير أو حد اليسير. خمس؛ أي خمس صلوات فدون إلى واحدة، والكثير على هذا ما زاد على الخمس المازري: وهو مشهور مذهب مالك، وإليه ذهب ابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب، وقاله مالك في العتبية، وذكره عنه ابن حبيب؛ وهو ظاهر المدونة عند

стр. 1017

جماعة. قاله الشارح. وقوله: خلاف، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك خلاف ومحله في الخمس، فالأربع من حيز اليسير اتفاقا كما لابن يونس، وطريقة ابن رشد أن الأربعة مختلف فيها كالخمس والست كثيرة اتفاقا، وقال الرماصي: وتقدم الحاضرة على كثير الفوائت جدا كالخمسة عشر: والكثير لا جدا يبدأ به ما لم يخف فوات وقت الحاضرة، وحد الكثير الخمس أو الست، ولابن مسلمة أنه: يبدأ بالكثير ولو صلاة شهرين، وإن خرج وقت الحاضرة إذا كان لا يفارق الكثير حتى يصليه جميعا. وقد مر عن الشيخ الأمير: أن من اليسير مع الحاضرة مشتركتان ضاق الوقت عن أولاهما. فإن خالف ولو عمدا أعاد؛ يعني أن الشخص إذا خالف ما أمر به في هذا القسم الأخير، بأن قدم الحاضرة على يسير الفوائت كانت المخالفة عمدا أو سهوا، فإنه يعيد ندبا الحاضرة بعد إتيانه بيسير الفوائت ويعيدها. بوقت الضرورة المدرك فيه ركعة بسجدتيها، وشمل قوله: أعاد مغربا صليت في جماعة وعشاء بعد وتر، وأولى إذا صلاهما فذا وله حينئذ إعادتهما جماعة فيما يظهر؛ لأن القصد الترتيب لا فضل الجماعة. كما قاله الشيخ عبد الباقي. ورد بقوله: "ولو عمدا"، قول مطرف وابن الماجشون: إنه يعيد أبدا، روياه عن مالك. وفي إعادة مأمومة؛ يعني أن الإمام إذا أمر بالإعادة لكونه قدم الحاضرة على يسير الفوائت فإنه اختلف في إعادة مأمومه؛ لأن الخلل في صلاة الإمام خلل في صلاة المأموم، وعدم إعادته لأنه لا خلل في صلاة المأموم وإنما هو في صلاة الإمام. وقوله: خلاف. مبتدأ، وخبره قوله: "في إعادة"، والراجح عدم الإعادة؛ إذ هو الذي رجع إليه الإمام، وأخذ به ابن القاسم وجماعة من أصحاب الإمام، ورجحه اللخمي، وأبو عمران، وابن يونس. واقتصر عليه ابن عرفة وابن الحاجب، قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. والفرق بين جريان الخلاف هنا وعدم جريانه في مأموم طلب إمامه بالإعادة لنجاسة حيث جزموا بإعادة المأموم تبعا لإمامه قوة الخلل بالنجاسة على خلل الترتيب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وفي إعادة مأمومه"، القول بالإعادة شهره ابن بزيزة، قيل: وهو الأقيس للارتباط، وقد علمت أن الراجح هو القول بعدم الإعادة كما نص عليه غير واحد. خلاف ما قاله الشيخ عبد الباقي من أن: الراجح القول بالإعادة. والله سبحانه أعلم.

стр. 1018

وإن ذكر اليسير في صلاة ولو جمعة قطع فذ؛ يعني أنه لو ذكر مصل فذا أو إماما أو مأموما يسير الفوائت في صلاته فإنه يقطعها إن كان فذا أو إماما، ويقطع مأمومه تبعا له سواء كانت الصلاة المذكور فيها فرضا أو نفلا ما عدا الجنازة فإنها لا تقطع، ولا يلحق بالجنازة في عدم القطع وتر، ولا عيد، ولا كسوف، ولا استسقاء، ولا فرق على المشهور في قطع الصلاة المذكور فيها يسير الفوائت بين أن تكون جمعة وغيرها إذا كان الذاكر إماما. وقيل: لا يقطع الإمام، وقوله: "قطع فذ"، وهل وجوبا أو ندبا؟ قولان. وشفع إن ركع؛ يعني أن الفذ إذا ذكر يسير الفوائت قبل أن يتم ركعة بسجدتيها فإنه يقطع، وأما إن لم يذكره إلا بعد أن ركع أي أتم ركعة بسجدتها فإنه يشفعها؛ أي يأتي لها بثانية ويكون ذلك نافلة ولو صبحا على المذهب أو جمعة، وسيأتي عن أحمد عن أبي الحسن أنه: يتم الصبح بعد ركعة لا مغربا، فيقطع إن ركع كما في كتاب الصلاة الأول من المدونة. واعتمده أبو الحسن، وفي كتاب الصلاة الثاني منها: يشفعها بعدها، ورجح ابن عرفة أنه يتمها مغربا حينئذ، والفرق على الأول بين قطعها وبين شفع النافلة بعد عقد ركعة منها مع النهي فيهما عن التنفل ابتداء، أن النهي في المغرب لذات الوقت، ولتضمنه تأخير قضاء الفائتة، والنهي في التنفل عند ذكر الفائتة لتضمنه تأخيرها فقط لا لذات الوقت، ولا يبحث فيه بأنه لذات الوقت أيضا، إذ بذكرها صار الوقت لها مضيقا؛ لأن الكلام في الإقدام مع التذكر. قاله الشيخ عبد الباقي. وما مشى عليه المصنف من أنه يقطع ما لم يعقد ركعة هو المشهور، وفي سماع أشهب: يتم ركعتين، وقيل: يقطع في النافلة مطلقا، وفي الفريضة ما لم يركع، ومعنى قوله: قطع بغير سلام، وأصل المذهب أن النية كافية في القطع. قاله الإمام الحطاب. وإمام؛ يعني أن من ذكر يسير الفوائت في الصلاة إذا كان إماما فإنه يقطعها حيث لم يعقد ركعة وأما إن عقد ركعة، بأن أتمها بسجدتيها فإنه يشفعها، ويستفاد هذا من قول المصنف كما هو ظاهر. واعلم أن قوله: "ولو جمعة"، إنما يرجع للإمام والأموم لا للفذ لعدم تأتيها فيه، كما هو

стр. 1019

ظاهر فقوله: "وإن ذكر"؛ أي المصلي فذا أو إماما أو مأموما، وأجاب عن الفذ بقوله: "قطع فذ"، وعن الإمام بقوله: "وإمام"، وعن المأموم بقوله: "لا مؤتم". وكما يقطع الإمام إن لم يتم ركعة بسجدتيها ويشفع إن أتمها بسجدتيها، فمأمومه كذلك يقطعون تبعا له فيما يقطع فيه، ويشفعون تبعا له فيما يشفع فيه، ولا يستخلف الإمام. قاله مالك مرة؛ وهو المشهور، ورواه عنه ابن القاسم، وقال: مرة يستخلف وهو رواية أشهب، وقال ابن كنانة: إن لم يعقد ركعة استخلف وإلا أتم بهم، وقوله: "قطع فذ وإمام"، علم مما مر أن من لم يقطع منهما وأتم تصح صلاته، وقوله: "قطع فذ وإمام"، قد مر الخلاف في القطع، هل هو واجب أو مندوب؟ وقوله: وإمام، قال سند على القول بأنهم: يستخلفون يقطع في أي موضع ذكر اليسير، وعلى القول بأنهم يقطعون معه فيكون حكمه على ما تقدم في الفذ. وقال ابن فرحون: يفارق الإمام الفذ من جهة أنه يقطع مطلقا، والفذ يجعلها نافلة على ما قدمناه وهو مخالف لكلام صاحب الطراز. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ إبراهيم: قال سند: إن الإمام كالفذ في التفصيل، وقال ابن فرحون: يقطع مطلقا عقد ركعة أم لا، وقوله: وإمام ومأمومه إن جعل معطوفا على فاعل قطع كان ماشيا على كلام ابن فرحون، وإن جعل متنازعا فيه قطع وشفع كان ماشيا على كلام الطراز وهو المذهب، وكلام ابن فرحون ضعيف. انتهى كلام الشيخ إبراهيم. لا مؤتم؛ يعني أن المأموم إذا ذكر اليسير في حالة اقتدائه فإنه يتمادى وجوبا على صلاته، وكذا لو ذكر المأموم حاضرة في حاضرة فإنه يتمادى، وإذا قلنا: إن المأموم الذي ذكر اليسير يتمادى في صلاته ويتمها، فإنه إذا أتمها يعيدها في الوقت الضروري بعد إتيانه باليسير، وبالغ على وجوب تماديه، وإعادة ما تمادى فيه بقوله: ولو جمعة. ويعيدها جمعة إن أمكن وإلا ظُهْرًا، هذا هو المذهب، وقال أشهب: إن علم أنه إذا قطع وصلى المنسية يدرك ركعة من الجمعة قطع وإلا تمادى، ولا يعيدها ظهرا. قاله الشارح. وعلى أشهب رد المصنف "بلو". والله سبحانه أعلم. تنبيه: قال الشيخ محمد بن الحسن: وهذا التفصيل الجاري في ذكر الفائتة يجري كله في ذكر الحاضرة فهما سواء في الحكم، ثم ذكر قولين في المسألة أحدهما أنه لا يقطع ركع أم لا، ثانيهما أنه يقطع ركع أم لا، وساق من النقول على استواء الحاضرة والفائتة ما فيه مقنع، ثم قال:

стр. 1020

فيتحصل من هذا أن الصورتين في الحكم سواء، وأن فيهما ثلاثة أقوال: مذهب المدونة هو ما عند المصنف: وأما تمادي المأموم في الحاضرة فهو مذهب المدونة أيضا. انتهى. والقولان الآخران: أحدهما أنه يقطع عقد ركعة أم لا، ثانيهما أنه يتم ركعتين عقد ركعة أم لا. وقوله: وإن ذكر اليسير في صلاة لا فرق في المذكور فيها بين أن تكون نافلة وبين أن تكون فريضة. وقال الشيخ إبراهيم والشيخ الخرشي، والشيخ عبد الباقي: إن ترتيب الحاضرتين شرط في الصحة مع الذكر كان في الابتداء أو في الأثناء، وقال الشيخ الأمير: وإن ذكر الحاضرة في نفل أتمه، وفي فرض بطل، وتمادى مأموم ذكر على باطله لحق الإمام. وقوله: بطل، قال في الشرح: لشرط الترتيب على إحدى طريقتين في الأثناء. انتهى. وكمل فذ بعد شفع من المغرب؛ يعني أن الفذ إذا ذكر اليسير من الفوائت بعد شفع من المغرب؛ أي ركعتين تامتين فإنه يكملها وجوبا بنية الفرض، ويعيد في الوقت، وكذا الإمام بطريق الأحروية، ويفيد ذلك قوله: فإن خالف ولو عمدا الخ. كثلاث من غيرها؛ يعني أن الفذ إذا ذكر اليسير بعد أن أتى بثلاث ركعات من غير المغرب كملت بسجداتها، فإنه يتم تلك الصلاة المذكور فيها بنية الفريضة، فإن ذكر قبل عقد الثالثة رجع وتشهد وسلم. وقوله: "وكمل فذ بعد شفع من المغرب كثلاث من غيرها"، قد علمت أن هذا في ذكر يسير الفوائت، وقد علمت أن مثل الفذ الإمام، قال الشيخ محمد بن الحسن: وكذا الحاضرتان، وصرح بأن ذكر الحاضرة في الحاضرة كذكر الفائتة في الحاضرة فتصح المذكور فيها إن أتمها، فقول المصنف: ومع ذكر ترتيب حاضرتين أي ابتداء لا انتهاء، فإعادة الثانية إنما هي في الوقت، وقد مر هذا ومن ذكر فرضا أو وترا بعد فجر صلى المذكور وأعاد الفجر ليتصل بصلاة الصبح. وقد مر أن قوله: "في صلاة"، شامل للفرض والنفل، وذكر بعضهم أن مقتضى قوله: "وشفع"، إن ركع تخصيصه بالفرض، وأما النفل فيقطعه ركع أم لا، فيظهر تأثير الذكر فيه، فإنه لو كمل فيه اثنتين لم يظهر للذكر تأثير فيه، بخلاف الفرض فإنه يظهر الأثر فيه، وهو شفعه.
следующие страницы →