مع اتحاد المحل، فالحقيقة قريب بعضها من بعض، ولو نسي تكبيرتين أو تحميدتين شهرا صحت صلاته. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وفي التهذيب: ولا يجزئ من الإحرام إلا الله أكبر، ولا من السلام إلا السلام عليكم. ابن ناجي: اتفق المذهب على أنه إذا قال: الله، أنه لا يجزئ، أي عن السلام عليكم: مع أنه مجانس، وأحرى إذا قال غيره كقوله: الله السميع، ويقوم منه أن من أبدل سمع الله لمن حمده، بربنا ولك الحمد في ثلاث ركعات فأكثر، أن صلاته باطلة ولا اعتبار بالمجانسة، وبه كان يفتي أبو محمد الشبيبي إلى أن مات ﵀، وتوجه فتواه بأن المستحب لا يقوم مقام السنة لضعفه، وكان بعض شيوخنا يفتي بالصحة والصواب الأول. انتهى.
وقوله: إن صلاته باطلة -يريد إذا لم يسجد لسهوه. قاله الإمام الحطاب. قال الشيخ عبد الباقي: ثم ذكر مسائل لا سجود في سهوها؛ لأن عمدها منه ما يطلب؛ ومنه ما يجوز، ومنه ما يكره كما بين ذلك في كلامه، فقال: ولا لإدارة مؤتم؛ يعني أنه لا سجود لأجل إدارة مؤتم أداره إمامه عن يساره ليمينه، ويندب عمدها؛ لأن الوسيلة تعطى حكم مقصدها، وأصلها قصة ابن عباس ﵄ قال: (نمت عند خالتي ميمونة والنبي ﷺ عندها تلك الليلة فتوضأ ثم قام يصلي فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه (١))، وفي رواية (فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه (٢))، وفي أخرى (فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها فأقامني (٣)). وهذا كله في صحيح البخاري. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ بناني: قوله: "ولا سجود الخ"، كذا شرحه التتائي وغيره، وهو ظاهر المصنف، قال الرماصي: وليس ذلك مراده، بل مراده أن ذلك مغتفر؛ لأن كلامه في فعل ذلك عمدا، وكأنه يحوم على قول ابن الحاجب فكثير الفعل مبطل مطلقا، وإن وجب كقتل ما يحاذر، أو إنقاذ نفس أو مال والقليل جدا مغتفر، ولو كان كإشارة لسلام أو رده أو لحاجة على المشهور، وما فوقه من مشي يسير وشبهه إن كان لضرورة كانفلات دابة أو لصلحة من مشي يسير لسترة أو فرجة أو دفع مار دفعا خفيفا، فمشروع، وإن
стр. 1052
كان لغيره فإن أطال (١) الإعراض فمبطل عمده، ويجبر سهوه، وإلا فمكروه، فأشار للمشروع بقوله: "ولا لإدارة مؤتم إلى آخره"؛ أي لا شيء عليه فيه لكونه مطلوبا، وأشار للجائز بقوله: "ولا لجائز"، إلا أنه لشدة الاختصار لم يفصح بالمراد، وخلط المطلوب بالجائز والمكروه.
وحاصله أن ما كان من مصلحة الصلاة كإدارة المؤتم، وإصلاح الرداء والدنو من السترة، وسد الفرجة فمطلوب، وغيره إن قل جدا جائز، وإلا فمكروه لغير ضرورة ولها مغتفر. انتهى. وقال الشيخ علي الأجهوري في شرحه ما معناه أنَّ فعْلَ ما لا يسجد لسهوه منه ما هو مطلوب، وأشار إليه بقوله: "ولا لإدارة مؤتم"، إلى قوله: "ولا لجائز"، ومنه ما هو جائز، وأشار إليه بقوله: "ولا لجائز"، إلى قوله: "ولا لتبسم"، ومنه ما هو مكروه، وأشار إليه بقوله: "ولا لتبسم"، فإنه ليس من الجائز لعطفه عليه، ويجعل التشبيه في قوله: كأنين لوجع وبكاء تخشع لإفادة نفي السجود فقط؛ لأن الملجأ غير مكلف فلا يكونان من الأقسام المذكورة. أشار له الشيخ إبراهيم. ونقل عن ابن السبكي ما نصه: والصواب امتناع تكليف الغافل والملجإ، وكذا المكره على الصحيح. انتهى. وإصلاح رداء؛ يعني أنه لا سجود على المصلي في إصلاح ردائه، لفعله ﵊، وعمده مندوب إن خف إصلاحه، ولم ينحط له، وإلا لم يندب بل ينهى عنه، ولكن لا تبطل صلاته. وقال الشيخ الأمير: وندب إدارة مؤتم لليمين إن وقف بغيره، وإصلاح رداء أو سترة وإن انحط مرة وأبطل إن زاد، وأما الانحطاط لأخذ عمامته فمبطل لأنها لا تصل مرتبة ما ذكر في الطلب، إلا أن يتضرر لها. كما في عبد الباقي انتهى.
أو سترة سقطت؛ يعني أنه لا سجود في إصلاح سترة سقطت بل يستحب إصلاحها إن خف ولم ينحط لها من قيام، وإلا فلا بل ينهى عن إصلاحها، ولكن لا تبطل إلا إذا انحط لها مرتين، لأنه فعل كثير، وانظر في الإدارة إن تكررت، وكذا النظر فيما بعده. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: أي ويستحب إصلاحها إن خف ولم ينحط لها من قيام، وإلا فلا، بل ينهى عن
стр. 1053
إصلاحها، ولكن لا تبطل. انتهى. وروى علي عن مالك في المجموعة: إذا استتر الإمام برمح فسقط فليقمه إن كان ذلك خفيفا، وإن شغله فليدعه. ونقله سند ثم قال: وهذا إذا كان جالسا بين يديه فيقيم السترة فذلك يسير، فأما إن كان قائما ينحط لذلك فثقيل إلا أنه يغتفر مثله للضرورة.
أو كمشي صفين لسترة؛ يعني أنه لا سجود على مصل مشى كالصفين لأجل سترة يستتر بها كمسبوق سلم إمامه، والكاف داخلة على صفين، وأدخلت الثالث. وفي المدونة: ينحاز الذي يقضي بعد سلام الإمام إلى ما قرب منه من السواري، وبين أبو الحسن القرب بالعرف، ولم يحده بالصفين والثلاثة، وإنما تبع المصنف قول ابن عبد السلام أكثر عبارات أهل المذهب أنه يمشي الصفين، وربما قالوا والثلاثة. انتهى. ويمكن تفسير العرف الواقع في أبي الحسن بالصفين والثلاثة فلا اختلاف. قاله الشيخ عبد الباقي.
أو فرجة؛ يعني أنه لا سجود في مشي كصفين لأجل فرجة يسدها ولا يحسب من الثلاثة الذي خرج منه، ولا الذي دخل فيه. وانظر هل يجري ذلك فيما قبل الفرجة من المسائل وما بعدها، أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. والفرجة بضم الفاء: فرجة الحائط مثلا، وأما الفرجة للتفصي من الهم فمثلثتها، وقد علمت أن المشي المذكور مندوب: لأنه وسيلة إلى تسوية الصفوف، وهي اعتدال القامة على سمت واحد، ويراد بها أيضا سد الخلل الذي في الصف. وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة من أجمعها حديث ابن عمر ﵄ أنه ﷺ قال: (أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا فروجات للشيطان ومن وصل صفا وصله الله (١))، رواه أبو داوود: وصححه ابن خزيمة والحاكم. وروى أبو داوود، وصححه ابن خزيمة أنه ﷺ أقبل على الناس بوجهه فقال (أقيموا صفوفكم ثلاثا والله لَتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم (٢))، معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء؛ لأن اختلافهم في
стр. 1054
الظواهر سبب لاختلاف البواطن. قال الراوي للحديث، وهو النعمان بن بشير ﵁: فلقد رأيت الرجل منا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه. قاله سيدي محمد الزرقاني. أو دفع مار يعني أنه لا سجود في مشي كصفين لأجل دفع مار يريد مرورا بين يديه قال الشيخ عبد الباقي: انظر من قيده بمشي كصفين؛ إذ مفاد نقل الشارح، والتتائي عن أشهب أن: التحديد بالقرب إلا أن يفسر بهما. وانظر إذا حصل من المصلي مشي كالصفين لكل من السترة والفرجة والظاهر اغتفاره، وكذا يقال في إصلاح الرداء مع إصلاح السترة. انتهى. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المندوب: ومشى لسترة أو فرجة قربتا كالصفين مستقبلا، أو دفع مار فإن بعد أشار له ولا يرجعه إن جاز، وسد فيه لتثاؤب بغير باطن اليسرى لملابسة النجاسة، وليس التفل عند التثاؤب مشروعا، وما نقل عن مالك لاجتماع ريق إذ ذاك ولا سجود لها؛ أي للمذكورات. انتهى.
أو ذهاب دابة يعني أنه لا سجود في مشي قل كالصفين لأجل أن يرد دابة ذهبت كانت الدابة للمصلي الذي مشى ليردها، أو لغيره. قال الشبراخيتي: ولم نر من حد المشي في هذه بكصفين، ويستفاد من ابن رشد وعبد الحق أنه متى خشي بذهابها تلف نفسه أو مشقة شديدة يتكلم ويقطع، كثر ثمنها أم لا، ضاق الوقت أم لا. فتلك أربعة يقطع فيها، فإن لم يخش ذلك تمادى على صلاته في ثلاثة وهي: ما إذا ضاق الوقت كثر ثمنها أو قل، أو اتسع الوقت وقل ثمنها، فإن كثر ثمنها واتسع الوقت قطع. وللشارح فيما إذا خشي هلاكا أو شديد أذى أنه لو قيل: يطلبها ويصلي كالمسايف ما بعد، ونحوه لابن ناجي وكأنه من توافق الوارد في الخواطر، والمال كالدابة في هذه الثمانية، والظاهر أن المراد بالوقت: الضروري. قال الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم: وانظر هل الكثرة والقلة منظور لها في نفسها، أو بالنظر للمالك؟. وفي باب الحج والتيمم ما يفيد الخلاف في ذلك، وفي ابن عرفة ما يفيد أن الكثير ما يضر، وما هنا عام في الفذ والإمام والمأموم، وما يأتي من الاستخلاف في صور القطع الخمسة فلا مخالفة. انظر حاشية الشيخ بناني.
وإن لجنب أو قهقرة راجع للأربع؛ أعني مشيه كصفين لسترة، أو فرجة أو دفع مار، أو ذهاب دابة؛ يعني أنه إذا مشى في هذه الأربع لا فرق بين أن يمشي أمامه وبين أن يمشي لجنب أو
стр. 1055
قهقرة، وظاهره أنه لا يستدبر القبلة، ولو لعذر، وهو كذلك فيضره الاستدبار. والظاهر أن حكم الانحراف الكثير حكم الاستدبار، وفي الرعاف: يستدبر لعذر، والظاهر أن ما هنا أولى. قاله الشيخ علي الأجهوري. قال الشيخ عبد الباقي: هو ظاهر في ذهاب الدابة للضرورة فيستدبر فيما يظهر لها فقط دون السترة والفرجة ودفع المار، ولذا لم يبالغ إلا على الجنب والقهقرة لجريانهما في الجميع، وصوابه قهقوى. قاله الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم. وسمع بعض أن ما هنا لغة قاله الشيخ عبد الباقي.
وفتح على إمامه إن وقف؛ يعني أن المأموم لا سجود عليه إذا فتح على إمامه في الصلاة فرضا أو نفلا حيث وقف الإمام؛ أي استطعم، ومعنى الفتح تلقينه القراءة عند الوقف، ومعنى استطعم -كما مر- بأن علم طلب ذلك منه، أو تردد. كما للشبراخيتي. ومثله إذا خلط آية رحمة بآية عذاب نص عليه ابن حبيب، وكذا إذا وقف وقفا قبيحا؛ فإنه يعيده على الصواب، وهو واجب في الفاتحة، وإن لم يقف بأن قرأ من مكان آخر، وفي السورة إما سنة أو مستحب، وإذا لم يقف في السورة كره ذلك بأن ينتقل من سورة إلى سورة. كما في الحطاب. ولا تبطل صلاة الفاتح، وقال الشيخ عبد الباقي: ويفتح عليه فيما يظهر إن أبدل خبيرا ببصيرا وسميع عليم بواسع عليم، ومن باب أولى فيما يظهر إن ترك الفاتحة وابتدأ بالسورة. وفي حديث ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ صلى بالناس وقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾، فأسقط آية، فلما فرغ قال: أفي المسجد أبي بن كعب؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: ما منعك أن تفتح علي حين أسقطت الآية؟ قال: حسبت أنها نسخت، قال: إنها لم تنسخ). قاله الشيخ إبراهيم. وإن ترك الفتح في الفاتحة صحت صلاة الإمام، وانظر في صلاته هو. ويتحصل من كلامهم هنا أنه يفتح على إمامه في الفاتحة من غير شرط، وأما في السورة فيفتح عليه إن وقف؛ أي استطعم بأن علم طلب ذلك منه أو تردد، ومثله إذا خلط آية رحمة بآية عذاب أو غير تغييرا يقتضي الكفر، وكذا لو وقف وقفا قبيحا، وكذا لو أبدل خبيرا ببصير ونحو ذلك، وكذا لو ترك الفاتحة وابتدأ بالسورة، وكذا لو أسقط آية. وأما إن لم يقف بأن انتقل من سورة إلى سورة فإنه لا يفتح عليه في السورة كراهة، فإن فتح وارتكب المكروه صحت صلاته. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1056
وحاصل هذا أنه يرشده إلى الصواب إلا فيما إذا كان الإمام يقرأ السورة: وانتقل منها لغيرها، وقال الشيخ عبد الباقي: إن وقف حقيقة بأن استطعم ولم ينتقل ولم يكرر، أو حكما بأن تردد أو كرر آية؛ إذ يحتمل أن يكون للتبرك أو التلذذ بها، ويحتمل الاستطعام كقوله: والله ويكررها ويسكت، فيعلم أنه لا يعلم أن بعد غفور رحيم، أو على كل شيء قدير. وقال الشيخ الأمير عاطفا على ما لا سجود فيه: وفتح على إمامه، وله حكم قراءته فيجب بفاتحة، ويسن في أصل الزائد، وكره إن خرج من غير الفاتحة لأخرى، وأبطل فتح على غيره، وإن مصليا لأنه في معنى مخاطبته إلا بقراءة في محلها. كما يأتي في قصد التفهيم. انتهى والله سبحانه أعلم. وقال الأخضري: ومن وقف في القراءة ولم يفتح عليه أحد ترك الآية وقرأ ما بعدها، فإن تعذرت عليه ركع، ولا ينظر مصحفا بين يديه إلا أن يكون في الفاتحة، فلا بد من إكمالها في مصحف أو غيره.
وسد فيه لتثاؤب؛ يعني أنه لا سجود على المصلي فيما إذا سد فاه عند تثاؤبه، وندب عمده له لا لغير تثاؤب ولا سجود في سهوه خلافا لظاهر المصنف، ولا بطلان في عمده. قاله الشيخ عبد الباقي. وكرهت قراءته حالة التثاؤب، وأجزأت إن فهمت وإلا أعادها، وإلا أجزأته إلا في الفاتحة، وصحت صلاته لأن ما أتى به من القراءة ليس كالكلام الأجنبي، وإذا لم يعد الفاتحة فيجري على حكم من تركها، والسد بباطن اليمنى وظاهرها، وبظاهر اليسرى لا بباطنها قاله غير واحد. ولعل حكم السد بباطن اليسرى الكراهة، وعبارة الشيخ الأمير: عاطفا على المندوب وسد فيه لتثاؤب بغير باطن اليسرى لملابسة النجاسة، وليس التفل عند التثاؤب مشروعا وما نقل عن مالك لاجتماع ريق إذ ذاك. انتهى. وقال مالك في الواضحة: يسد فاه بيده في الصلاة حتى ينقطع تثاؤبه، فإن قرأ حال تثاؤبه فإن كان يُفهم ما يقول فمكروه ويجزئه، وإن لم يفهم فليعد ما قرأ، فإن لم يعد فإن كان في الفاتحة لم يجزه وإلا أجزأه. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وفي الحطاب: أن من تثاءب في الصلاة سد فاه إن شاء بيده وإن شاء أطبق شفتيه. انتهى. وفيه: وليس النفث من أحكام التثاؤب، وربما يجتمع في فم الإنسان ريق يكثر عند التثاؤب فينفث، ولو بلعه جاز، وينبغي له أن ينفثه إذا كان صائما. انتهى. والتثاؤب: هو النفث الذي ينفتح معه الفم لدفع
стр. 1057
البخارات المختلفة في عضلات الفك، وهو إنما يكون من امتلاء المعدة، وهو يورث الكسل، وثقل البدن؛ وسوء الفهم، والغفلة. قاله الكرماني. نقله الشيخ عبد الباقي.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أن المراد بالنفث في هذا الحد النفخ؛ لأن من معاني النفث النفخ اللطيف بلا ريق. والله سبحانه أعلم.
ونفث بثوب لحاجة؛ يعني أنه لا سجود في نفث وقع سهوا بثوب لحاجة، والنفث: البصاق بلا صوت، كما لأبي محمد صالح، أو به كما لابن شبلون. واللام في قوله: "لحاجة"، للتعليل؛ أي لأجل حاجة، ومفهوم قوله: "لحاجة": قال الشبراخيتي: فإن كان لغير حاجة عمدا أو جهلا بطلت، وسهوا سجد إن كان إماما أو فذا لا مأموما. ونحوه للحطاب عن الجزولي. زاد الشبراخيتي: وهذا كله إن كان بصوت: فإن كان بلا صوت لغير حاجة فلا سجود في سهوه ولا بطلان في عمده، وينبغي كراهته، وحكم النفث في الصلاة الجواز لمن احتاج إليه. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: والنفث البصاق بلا صوت، كما لأبي محمد بثوب لحاجة ولغيرها سهوا يسجد، فإن كان بصوت عمدا وجهلا بطلت، وسهوا سجد بعد السلام إن كان إماما أو فذا لا مأموما فيحمله عنه إمامه. قاله البرزلي، ثم قال: والنفث عمدا لحاجة جائز. وكره لغيرها فيما يظهر. انتهى. وقوله: فإن كان بصوت عمدا أو جهلا بطلت، قال الرهوني: إنه خلاف الراجح: قال الشيخ بناني: قوله: وكره لغيرها الخ، قال الشيخ أبو علي: إنما زاد المصنف لحاجة ليكون النفث مطلوبا فيدخل في هذا القسم الذي يطلب فعله، وإلا فلا فرق بين الحاجة وغيرها في النفث لكن إن كان لحاجة فلا سجود اتفاقا، وإلا فقولان؛ لأنه مع الحاجة إما مطلوب أو جائز، وبلا حاجة إما أن يكون جائزا أو مكروها، وحكم ذلك كله في أبي الحسن، وكلام هذا الشارح يقتضي أنه لم يقف على نص. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وقول بعضهم: النفث نفخ لطيف بلا ريق على الصحيح، وقيل: بريق غير ظاهر؛ إذ النفخ مبطل لطف أم لا. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر؛ لأن ما في المواق والحطاب صريح في جواز النفخ اليسير لمن لم يفعله عبثا؛ إذ لا يسلم منه البصاق. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وبصق بثوب وإن بصوت للحاجة، وإلا يكن لحاجة والموضوع أنه بصوت فكالنفخ والكلام، فإن الكلام هنا بمعنى مطلق الصوت ولو نهق
стр. 1058
كالحمار، قالوا: إن حرك شدقيه وشفتيه لم تبطل، وينبغي حمله على ما يحصل بين يدي الكلام، أما إن حصلت صورة الكلام بتحرك اللسان والشفتين، فينبغي البطلان كما اكتفوا به في قراءة الفاتحة والإحرام، وترددوا هل تبطل إشارة الأخرس أو إن قصد بها الكلام له؟ أما إن نطقت يده بلا قصده فلا، وبه ولي يفتي نفسه انتهى.
كتنحنح؛ يعني أن من تنحنح في صلاته سهوا لا سجود عليه، والأولى ترك عمده، وإن كان لشيء نابه في صلاته يتعلق بها أو بغيرها لخبر: (من نابه شيء في صلاته فليسبح (١))، فإن كان التنحنح لأجل توقف قراءة عليه وجب في الواجبة، وندب أو من في غيرها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: كتنحنح؛ أي لحاجة. وفسر ابن عاشر الحاجة بضرورة الطبع، قال المازري: التنحنح للضرورة، وأنين الوجع مغتفر. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "كتنحنح"، يريد أن التنحنح لحاجة لا يبطل الصلاة ولا سجود فيه. ابن بشير: باتفاق، واختلف إذا تنحنح من غير حاجة، هل يكون كالكلام فيفرق فيه بين السهو والعمد، وهو قول مالك في المختصر أولا تبطل به الصلاة مطلقا؛ وهو قول مالك أيضا، وبه أخذ ابن القاسم واختاره الأبهري واللخمي، وإليه أشار بقوله: والمختار؛ أي عند اللخمي من قولي مالك عدم الإبطال؛ أي ابطال الصلاة به. أي بالتنحنح كغيرها؛ أي لغير حاجة أصلا، كما في نقل الحطاب، فلا تبطل ولو عبثا أي إذا قل، وإلا أبطل. وحمله السنهوري وأحمد على أن معناه لغير حاجة تتعلق بالصلاة، كأن يسمع غيره أنه في صلاة فلو فعله عبثا لبطلت. انتهى. وفي الرهوني أن: ما حمله عليه السنهوري وأحمد لا يعول عليه، وأن الإطلاق هو الموافق لكلام أهل المذهب، والتنخم كالتنحنح كلاهما لا يفسد الصلاة، ولالك قول أنهما يفسدان الصلاة قاله الإمام الحطاب. قال: والقولان إنما هما في تنحنح غير المضطر. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: وأما التنخم بأن يقول: أخ، فلا يبطل إن كان لضرورة البلغم الذي يسقط من دماغه، ولغير ضرورة قال الجزولي: من تنخم عمدا في صلاته
стр. 1059
أعادها لأنه كلام، وهو، أخ، وقال البرزلي: ولغير ضرورة للتسميع الصواب أن لا تبطل. انتهى. ولا تبطل بجشإ للضرورة، والظاهر عدم بطلانها بجمع التنحنح والتنخم. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير عاطفا على ما لا سجود فيه: وتنحنح وإن عبثا أي لغير حاجة إلا أن يتلاعب أو يكثر، وكذا التبسم على هذا التفصيل. انتهى. ولابن العربي في العارضة: البزاق في المسجد ضرب من الإهانة، ولكن جعل الله للعبد طرحه ضرورة في أي حال كان حتى في الصلاة، وهو كلام لأنه كلام (١) إما بفْ أو تُفْ، أو أع، أو أخ، أو أح أح وسمح فيه. قاله الإمام الحطاب. ونقل عن أبي الحسن الخلاف في النفخ، والتنحنح، والتأوه، والأنين؛ والبصاق بصوت، والاستفهام بالقرآن. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: والتنهد غلبة مغتفر ولغيرها عمدا أو جهلا مبطل وسهوا سجد غير المأموم، وينبغي أن لا يبطل الجشأ إذا كان غلبة كالتنهد، وأما الجشأ من غير غلبة فإن كان عمدا أو جهلا أبطل، وإن كان سهوا فإنه يسجد غير المأموم. وذكر الشيخ زروق في شرح القرطبية أنه: إذا ابتلع الإنسان ما اجتمع من ريقه في الصلاة فإنها تبطل، وكذا الصيام، ويرده قول المصنف: وتعمد بلع ما بين أسنانه، وذكر في الشامل في الصيام: التردد في ذلك. انتهى. ونقل الإمام الحطاب عن الجزولي: ومن تنحنح في صلاته عامدا أعادها؛ لأنه كلام، وإن كان ذلك لضرورة كبلغم نزل من دماغه فلا شيء عليه. انتهى. وفيه عن البرزلي أن: التنحنح والتنخم إن كان لضرورة لا شيء فيه، ولغير ضرورة للتسميع اختلف، هل تبطل أو لا تبطل؟ والصواب أن لا تبطل. وكان شيخنا الإمام يفتي بقول ابن عبد الحكم ببطلانها إذا فعلت عمدا أو جهلا، فسألته عن ذلك، فقال: هو تغليظ على العامة؛ لأنهم يفعلونه كثيرا في جامع الزيتونة عند القنوت في الصبح للتسميع. وبالله تعالى التوفيق. انتهى. وفيه عن الجزولي ما نصه: واختلف في التنحنح في الصلاة لغير ضرورة، هل تبطل به الصلاة أو يكره؟ فإن وقع ونزل أجزأته صلاته قولان: وكذلك التأوخ، والتأوه، والأنين، والبكاء بالصوت. انتهى.
стр. 1060
وتسبيح رجل أو امرأة لضرورة، يعني أنه لا سجود في تسبيح رجل ولا امرأة لأجل ضرورة؛ أي حاجة عرضت في الصلاة تعلقت بإصلاحها أم لا، لخبر: (من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله (١))، ومن تشمل الرجل والمرأة لأنها من ألفاظ العموم، وحديث: (فليسبح الرجال وليصفق النساء (٢)) ضعفه مالك لقادح فيه، ولم يأخذ به، ولهذا قال: ولا يصفقن؛ أي النساء المدلول عليهن "بامرأة" على المشهور. قاله الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم. وعدل المصنف عن الإفراد في قوله: ولا "يصفقن"، إلى الجمع تلميحا لخبر: من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجال وليصفق النساء، ولو جعل الضمير مفردا عائدا على امرأة لفاتته نكتة التلميح. وفي شرح الشيخ عبد الباقي (من أبي الحسن في شرح قولها: وضعف مالك أمر التصفيق للنساء بحديث التسبيح. انتهى. وهو: (من نابه شيء في صلاته فليسبح وإنما التصفيق للنساء (٣))، ومَن مِن ألفاظ العموم وقوله: وإنما التصفيق للنساء، يحتمل أن يكون للذم، ويحتمل أن يكون للتخصيص، فقدم ظاهر عموم من نابه الخ: على ما يحتمل أن يكون مخصصا، وأن يكون ذما. وانظر لِمَ لَمْ يجعل صوتها بالتسبيح عورة ولعله للضرورة ولخفته: وصفة التصفيق على مقابل المشهور؛ أعني على القول بأن النساء يصفقن؛ أن تضرب المرأة بظهر إصبعين من يمينها على باطن كفها اليسرى. ومقتضى ما مر عن الأجهوري أو صريحه أن تسبيح الرجل والمرأة في الصلاة للضرورة مندوب. والله سبحانه أعلم. ومفهوم قوله: لضرورة، أنه لغيرها لا يجوز، ويبطل إن قصد التفهيم به عبثا وإلا فلا، والظاهر كراهته. انتهى. وقال الأخضري: ومن ناداه أحد أبويه، فقال: سبحان الله كره له وصحت صلاته. انتهى. ومن كتاب ابن سحنون: وإذا سها الإمام، فقال له من خلفه: سبح، قال: إنما القول سبحان الله، وأرجوا أن يكون هذا خفيفا. ومن الواضحة: ولا بأس أن يسبح للحاجة في الصلاة، فإن جعل مكان ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو هلل، أو كبر فلا حرج، وإن قال: سبحانه، فقد أخطأ،
стр. 1061
ولا يبلغ به الإعادة. ابن الماجشون: ولا بأس بالمصافحة في الصلاة، قال الأبهري: فإن صفقت المرأة لم تبطل صلاتها، والمختار التسبيح.
وكلام لإصلاحها بعد سلام؛ يعني أنه لا سجود كلام قل عمدا لإصلاح الصلاة بعد سلام إمام من اثنتين أو من غيرهما، كان الكلام من الإمام أو المأموم أو هما إن لم يفهم إلا به، ولم يحصل طول بتراجعه، وسلم معتقدا الكمال ونشأشكه من كلام المأمومين، فإن اختل شرط من هذه الشروط الأربعة بطلت صلاته وصلاتهم، فلو حصل له الشك من قبل نفسه منع سؤالهم قبل السلام أو بعده، فيبادر لفعل ما شك فيه والسجود هنا للسلام لا للكلام. ونص المصنف على عدم السجود في الكلام لإصلاحها بعد السلام مع أنه لإصلاحها قبل السلام كذلك، خلافا للتتائي لأنه من العمد الذي لا يبطلها للرد على من قال: الكلام لإصلاحها بعد السلام لا يجوز، وتبطل الصلاة به وإن حديث خرباق اللقب بذي اليدين لطولهما، منسوخ كما قال أصحاب مالك، أو مخصوص بصدر الإسلام، وحديث ذي اليدين هو ما في الموطإ عن أبي هريرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين: فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أوأطول، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع (١)). انتهى. قوله: أقصرت بالبناء للمفعول، ورفع الصلاة على النيابة عن الفاعل، أو بضم الصاد للبناء للفاعل، قال النووي: وهذا أكثر وأرجح، قاله سيدي محمد الزرقاني، ونسخ قبل خروج ابن مسعود من الحبشة كما قال أبو حنيفة، ورد بأن راويه أبو هريرة؟ وهو متأخر الإسلام، وما قدمته من أنه لا فرق بين سلامه من اثنتين وغيرهما، هو المشهور كما في الذخيرة، وقال سحنون: خاص بالسلام من اثنتين؛ لأنه الوارد في قصة ذي اليدين (٢)، وجوابه أنه معلل بإصلاح الصلاة، فيتعدى محل مورده. قاله الشيخ عبد
стр. 1062
الباقي. وقال الشيخ الخرشي في شرح قول المصنف: "وكلام لإصلاحها" أي: ولا سجود في كلام قليل عمدا لإصلاح الصلاة من مأموم وإمامه بعد السلام وقبله. ابن عرفة: كإمام سلم من اثنتين ولم يفقه التسبيح، فكلمه بعضهم فسأل بقيتهم فصدقوه، أو زاد أو جلس في غير محله ولم يفقه فكلمه بعضهم. ابن حبيب: كمن رأى في ثوب إمامه نجاسة فليدن منه ويخبره كلاما. انتهى. وقال الإمام الحطاب: وقوله: بعد سلامه، هذا بالنسبة إلى الإمام في بعض الصور، ويجوز له الكلام في مسألة الاستخلاف قبل سلامه، وأما المأموم فإنه يكلم الإمام إذا خالف ولو لم يسلم. وقد نص اللخمي على أن الإمام إذا قام إلى ركعة زائدة، وسبح به فلم يفقه، أنه يكلمه أحد المأمومين. انتهى. وظاهر كلام المصنف أنه: يجوز الكلام والسؤال بعد سلامه على يقين سواء حدث له شك بعد السلام أو لم يحدث له، وهذا هو الذي اقتصر عليه صاحب البيان، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب، وهو خلاف ما نقل في التوضيح عن اللخمي، والمشاور من أنهما قالا: المشهور والمعروف أنه إذا شك بعد سلامه فلا يبالي، بل يبني على يقينه. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأمير: إن الكلام لإصلاح الصلاة يجب على المأمومين كفاية إن لم يفد التسبيح كمستخلف جهل ما صلى الأول واحتاج للكلام، وقول المصنف: "بعد سلام"؛ يعني به إذا سلم معقتدا الكمال كما قدمته، وإلا بطلت كما يأتي إن شاء الله. واحترز بقل عما إذا كثر فإن الصلاة تبطل حينئذ. وقد علمت أن السجود ثابت في مسألة المصنف هذه للسلام والذي نفاه المصنف إنما هو السجود للكلام لإصلاحها.
ولما أحكمت السنة أن الشاك في صلاته يرجع إلى يقينه لا إلى يقين غيره، وخرج عن ذلك رجوع الإمام إلى مأمومه لحديث ذي اليدين، وبقي ما عداه على الأصل، أشار إلى ذلك بقوله: ورجع إمام فقط؛ يعني أن الإمام إذا أخبر بالتمام فإنه يرجع بقول عدلين يعتمد على خبرهما، بشرط أن يكونا من مأموميه، واحترز بقوله: "فقط" عن الفذ والمأموم، فلا يرجعان لعدلين، ولا لأكثر منهما. إن لم يتيقن؛ يعني أن محل اعتماد الإمام على خبر العدلين من مأموميه إنما هو حيث غلب على ظنه صدقهما، أو تردد فيه بأن لم يتيقن خلاف خبرهما. ومعنى رجوع الإمام للعدلين
стр. 1063
أنه لا يأتي بما شك فيه، وموضوع المصنف أن الإمام غير مستنكح، وأما المستنكح فقد تقدم أنه لا يأتي بما شك فيه، وأشعر قوله: إمام أن العدلين المذكورين من مأموميه؛ وهو كذلك كما لابن القاسم في المدونة، وقد أشرت إلى ذلك في أول الحل، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذه الطريقة هي التي شهرها ابن بشير والذي اعتمده في التوضيح، وهو طريقة اللخمي، الرجوع لعدلين من مأموميه أو غيرهم، لكن اختار الحطاب حمل المصنف على ما لابن بشير. وقوله: "إن لم يتيقن"، قال عبد الباقي. يشمل ثماني صور؛ أي يرجع لقولهما حيث تردد، أو غلب على ظنه صدقهما مستنكحا أم لا، أخبراه بالتمام أو بالنقص، وسواء في هذه الأربع قبل السلام أو بعده معتقدا الكمال، فيرجع لقولهما في الصور الثمان، فإن لم يرجع بطلت صلاته. ومفهوم الشرط أنه إن تيقن خلاف خبرهما لم يرجع لقولهما في الصور الثمان، بل يعمل على يقينه ولو خالفه غيرهما أيضا من مأموميه حيث لم يفد خبرهما العلم الضروري، فإن عمل على كلامهما وكلام نحوهما بطلت عليه وعليهم. ثم إذا عمل على يقينه ولم يرجع لقولهما: فإن كانا أخبراه بالنقص فعلا معه ما بقي من صلاته، فإذا سلم أتيا بما بقي عليهما أفذاذا أو بإمام، وإن كانا أخبراه بالتمام فكإمام قام لخامسة، فيأتي فيه تفصيله قاله الشيخ عبد الباقي. وفيه عندي تسامح من حيث تقرير المصنف: لا من حيث الفقه، والأظهر عندي أن: يقرر المصنف بأن الإمام غير المستنكح أخبر بالكمال، وأما إن أخبر بالنقص فإنه يرجع لأي مخبر إن لم يتيقن، ويأتي بما شك فيه ولو طرأ له الشك من قبل نفسه، فإن أخبر غير المستنكح بالنقص رجع لعدلين. وقوله: "فقط" هو مذهب المدونة كما عزاه ابن عرفة لها، فإنه قال في رجوع الشاك لعدلين ليسا في صلاته وبنائه على حكم نفسه نقلا اللخمي عن المذهب مع ابن الجلاب عن أشهب، والعتبي عن ابن القاسم معها. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني.
إلا لكثرتهم جدا؛ يعني أنه إذا تيقن الإمام خلاف خبر العدلين فإنه لا يرجع لهما، ولا لأكثر منهما وافقهما إلا أن يكثر المخبرون له جدا بحيث يفيد خبرهم العلم الضروري سواء كانوا عدولا أم لا، فإنه يرجع لقولهم مع تيقنه خلاف خبرهم وأولى مع شكه مستنكحا أم لا، أخبروه بالنقص أو بالتمام، وسواء في هذه الصور أخبروه قبل سلامه أو بعده معتقدا الكمال، فإن لم يرجع
стр. 1064
له بطلت صلاته وصلاتهم في الصور المذكورة. والمراد بتيقنه مع كثرتهم جدا الجزم، ويجوز في الاستثناء الانقطاع وهو ظاهر؛ لأن الذي قبله عدلان فقط، وهذا أكثر. وأيضا لا فرق بين كون الكثير جدا مأموميه أم لا، وقد مر أن مصليا غير إمام لا يرجع لخبر واحد أو أكثر؛ أي إلا أن يفيد خبرهم العلم الضروري، وقوله: "إلا لكثرتهم جدا"، هو قول محمد بن مسلمة، وقال الرجراجي: إن الأصح المشهور أنه لا يرجع عن يقينه إليهم ولو كثروا إلا أن يخالطه ريب، فيجب عليه الرجوع إلى يقين القوم، وإن أخبر بالنقص وكان غير مستنكح رجع لأي مخبر إن لم يتيقن وإلا فلا إلا لكثرتهم جدا. وإن كان مستنكحا فقد مر أنه يلغي الشك ويبني على الأكثر، فإن تيقن عمل على يقينه إلا لكثرتهم جدا، وقال الشيخ الأمير: ولا يرجع الإمام عن يقينه إلا لمستفيضة كغيره. انتهى. قال في الشرح: تشبيه في الرجوع للمستفيضة، ولا يشترط فيها مأمومية ولا عدالة.
تنبيه: من شك هل صلى؟ فأخبرته زوجته، وهي ثقة، أو رجل عدل أنه قد صلى، لم يرجع إلى قول واحد منهما إلا أن يكون يعتريه كثيرا. روى ذلك ابن نافع عن مالك في المجموعة. قاله الإمام الحطاب.
ولا لحمد عاطس؛ يعني أنه لا سجود على المصلي فيما إذا عطس فحمد الله ، واللام في قوله: "لحمد عاطس" للتعليل؛ أي ولا سجود لأجل حمد عاطس، والعطاس بخار يطلع بسرعة من الخيشوم تندفع به مضرة، والفعل عطس كضرب ونصر، وله مصدران عطاس وعطس بسكون الطاء، وأما عطش بشين معجمة فبكسر الطاء ومصدره بفتحها.
واعلم أنه يستحب للعاطس في غير الصلاة أن يقول: "الحمد لله" ويقتصر على ذلك، وقيل يزيد: "رب العالمين - على كل حال - حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. قاله. الشادلي. قال الشيخ أبو محمد: وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له: يرحمك الله. انتهى. قال شارحه: النفراوي: إنما هو في حق العاطس الرجل المسلم، والمرأة المحرم، أو الأجنبية المتجالة، أو ما في معناها مما لا تميل إليه النفوس. وأما الشابة التي تخشى منها الفتنة إذا سمعها الرجل الأجنبي تعطس،
стр. 1065
وسمع حمدها فلا يشمتها، كما لا يرد سلامها، وأما الكافر فيقول له: هداك الله، لما ورد أن النبي ﷺ كان يقول لليهود الذين يعطسون بحضرته: (يهديكم الله ويصلح بالكم (١)) ولا يجوز لأحد أن يقول للكافر: يرحمك الله؛ لأن الكافر لا يرحم إلا أن يؤمن. انتهى. وفي الشادلي: ويبلغ بالتشميت ثلاثا، فإن زاد عن الثلاث، قال له: إنك مضنوك.
أو مبشر؛ يعني أنه لا سجود على الشخص فيما إذا بشر فحمد الله وهو في الصلاة، وقوله: "أو مبشر" بفتح المعجمة، وكذا لا سجود في استرجاع في مصيبة؛ وقوله: "ولا لحمد عاطس أو مبشر"، نفي السجود في هذا يدل على أن الحمد وقع منه سهوا، ولهذا قال: وندب تركه؛ يعني أنه يندب للمصلي ترك ما ذكر من الحمدين؛ أي حمد العطاس، وحمد التبشير. والظاهر الكراهة لقول ابن القاسم: لا يعجبني قوله لخبر يسمعه: (الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات (٢))، أو على كل حال أو استرجاعه لصيبة، وصلاته مجزئة، وخبر رفاعة: (صليت خلف رسول الله ﷺ فعطست فقلت الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما تُحب ربَّنا وتَرضى، فلما قضى النبي ﷺ صلاته، قال ثلاثا: من المتكلم في الصلاة؟ فلما لم يتكلم أحد، قلت في الثالثة: أنا يا رسول الله، فقال: والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها (٣))، يقتضي عدم تركه. قاله الشيخ إبراهيم وسمع القرينان: من قال عند سماع قراءة إمامه الإخلاص: الله كذلك، لم يعد، ومثله: صدق الله العظيم، وكذا: الله رب العالمين، عند سماع آخر سورة تبارك، وعند: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى، بلى إن الله قادر، وعند قوله إياك نستعين، استعنا بالله، فالأولى ترك جميع ذلك ولو في نافلة. وفي الشادلي أن: المصلي إذا عطس يحمد الله في نفسه.
ولا لجائز؛ يعني أنه لا سجود في أمر يجوز ارتكابه في الصلاة حيث وقع سهوا، واعترض بأنه يقتضي أن ما قبله ليس من الجائز مع أن بحضه جائز، وأجيب بأن المراد هنا نوع خاص من
стр. 1066
الجائز، وهو الجائز لنفسه لا لإصلاحها، ولا ما يشملهما بخلاف ما سبق فإنه جائز لإصلاحها، كالفتح على الإمام والتسبيح، وبأنه أراد به هنا ما استوى طرفاه، وما قبله مطلوب، قال عبد الباقي: لكن يرد على هذا، قتل عقرب تريده فإنه واجب، كما نقل ابن عرفة عن ابن رشد، فالأولى الجواب الأول. ويراد بالجائز المأذون فيه، فيشمل الواجب كقتل الحية، والإشارة لرد السلام. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي.
ونقل في التوضيح: الجواز في قتل العقرب التي تريده عن ابن رشد، خلاف ما عزا الزرقاني له عن ابن عرفة، ومَثَّل المصنف للجائز بأربعة أمثلة، أحدها: قوله: كإنصات؛ يعني أنه لا سجود على المصلي فيما إذا حصل منه إنصات أي استماع بشرط أن يكون هذا الإنصات قد قل، وقوله: لمخبر بكسر الباء اسم فاعل فيشمل ما إذا كان الإخبار للمصلي الذي أنصت، أو لغيره. وقوله: "لمخبر"، متعلق بإنصات؛ أي لا سجود في إنصات؛ أي استماع لخبر قل ذلك الاستماع. ومفهوم قل أنه إن توسط سهوا سجد، وعمدا بطلت، والكثير يبطل مطلقا. وهو ما يخيل للناظر الإعراض عن الصلاة بإفساد نظامها ومنع اتصالها. نقله الشيخ محمد بن الحسن، عن ابن شأس، عند قول الشيخ عبد الباقي هنا: والطول والتوسط والقلة بالعرف كذا ينبغي. انتهى. قائلا: كأنه لم يقف على نص، والذي لابن شأس: والكثير ما يخيل للناظر الخ، ثانيها: قوله: وترويح رجليه؛ يعني أنه لا سجود في ترويح الرجلين، فإن فسر بالاعتماد على رجل مع عدم رفع الأخرى -كما فسره به بعضهم- لم يحتج لتقييد، وإن فسر بالاعتماد على رجل مع رفع أخرى -كما فسره به الشارح- احتاج إلى التقييد بأمر اقتضاه، كطول قيام وإلا كره إلا أن يكثر فيجري على الأفعال الكثيرة، وكره التروح بمروحة أو غيرها في فرض لا نفل، ويكره الإتيان إلى المسجد بالمراوح، والتروح بها فيه. قاله الشيخ إبراهيم (١)). وغيره. وقوله: والتروح بها فيه، ظاهره كراهته، وإن لم يأت هو بها بناء على أنه مستقل لا من تمام ما قبله. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام
стр. 1067
الحطاب بعد جلب أنقال ما نصه. فتحصل من هذا أن التروح في الفريضة مكروه، وسواء كان بكم أو بمروحة، وأما في النافلة فخففه ابن القاسم في العتبية، وكرهه في الواضحة. وظاهر كلام الشيخ ابن أبي زيد أن كلام ابن القاسم تفسير لقول مالك في العتبية، وعلى ذلك اقتصر في الطراز. وظاهر كلام ابن رشد: أن كلام ابن القاسم خلاف لقول مالك. انتهى. وما أشار إليه عن مالك هو قول العتبية: وسئل مالك عن التروح في الصلاة من الحر، فقال: الصواب أن لا يفعل، قال ابن القاسم: يريد في المكتوبة، ولا بأس به في النافلة إذا غلب الحر. ابن رشد: رأى مالك ترك التروح والصبر على شدة الحر ومجاهدة النفس على ذلك أصوب من التروح فيها، لقول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، واستخف ابن القاسم ذلك في النافلة؛ إذ ليست بواجبة. انتهى. وفي اللباب: من المكروهات التروح بكمه أو غيره، وفي النوادر عن الواضحة: ويكره التروح بمروحة أو بكمه أو بغير ذلك في فرض أو نفل أو يلقي الرداء عن منكبيه في الحر، وقال في المختصر: لا بأس أن يلقي الرداء عن منكبيه للحر إذا كان جالسا في النافلة، ولا يفعل ذلك في قيامه. وقال عن الواضحة: ولا بأس أن يمسح؛ أي المصلي العرق. انتهى. ثالثها: قوله: وقتل عقرب تريده؛ يعني أنه لا سجود على المصلي في قتل عقرب تريده وأحرى الحية، وقتلهما حينئذ واجب. قال ابن رشد: إن وجب فعله كقتل حية أرادته لم يسجد له، وقول المصنف: "تريده"، مفهومه أنها إذا لم ترده كره له تعمد قتلها، وإن تعمده ساهيا عن كونه في الصلاة ففي سجوده قولان، وقال الشيخ عبد الباقي: ولا تبطل صلاته لانحطاطه (١) بأخذ حجر يرميها به في قسمي الجائز والمكروه، بخلاف انحطاطه لأخذ حجر يرمي به طائرا، فتبطل، فإن أخذه وهو جالس، أو قوسا رمى به طيرا أي ساهيا عن كونه في الصلاة، فلا تبطل. انظر التتائي. وظاهره عدم البطلان ولو تكرر فعله؛ أي حيث لم يكثر، ثم قال عبد الباقي: ويبحث في مسألة القوس بأن الرامي يعتقد أنه في غير الصلاة، وما كان كذلك فهو من الأفعال الكثيرة. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قول عبد الباقي: ولا تبطل بانحطاطه الخ، فيه نظر، والذي يظهر من
стр. 1068
نقل الحطاب أن الانحطاط من قيام لأجل حجر أو قوس من الكثير البطل للصلاة مطلقا، سواء كان لقتل عقرب لم ترده أو طائر أو صيد، فالتفريق في ذلك غير ظاهر.
واعلم أن الإرادة ثابتة لكل حيوان عند العقلاء. وعرفوا الحيوان بأنه الجسم النامي الحاس التحرك بالإرادة، ومن سقطت عمامته وهو قائم وطأطأ لأخذها فينبغي أن تبطل صلاته، إلا أن يخشى ضررا بتركها، ولا بأس بإصلاح السراج في الصلاة أي بغير فم. قاله ابن قداح. ويشمل ما إذا طأطأ له، ويكره قلب منكاب قريب منه في جلوسه، فإن كان قائما وطأطأ له فالظاهر البطلان. قاله الحطاب. قال عبد الباقي: وينبغي تقييد البطلان في قلبه بما إذا لم يحتج له لمعرفة وقت، وسمع أبو زيد: من رمى طيرا في صلاته أساء ولا تفسد صلاته إن لم يطل. ابن رشد: إن كان جالسا والحجر أو القوس بجنبه ولو تناولهما قائما بطلت، ويكره قتل ما سوى الحية والعقرب من طير أو صيد أو ذرة أو نحلة أو بعوضة بلا خلاف، ولا تبطل بشيء مما ذكر إلا بما فيه شغل كثير. قاله الإمام الحطاب، وغيره. ابن عرفة: ابن رشد: إن وجب فعله لقتل حية أرادته لم يسجد له، وإن كره قتله ولم ترده في سجوده قولان، وفي العارضة: إن كانت دانية وتمكن منها بعمل يسير قتلها، وإن خاف منها وكانت بعيدة وعمل كثيرا، قتلها واستأنف الصلاة. قاله الإمام الحطاب. وقال: وقوله: "وقتل عقرب"، وأحرى الحية، فإن لم يُرِيدَاهُ كان مكروها، ونقله في التوضيح عن المقدمات: ويتمادى على صلاته في الصورتين إلا أن يكون شغل كثير. انتهى. وفي الحطاب: إن أخذ القوس ورمى به الصيد أو تناول الحجر من الأرض فرمى به الطير لم تفسد صلاته إذا لم يطل ذلك، يريد إذا كان جالسا والحجر والقوس إلى جانبه. فتناولهما ورمى بهما، وأما لو كان قائما فتناول الحجر والقوس من الأرض ورمى به لكان مبطلا. انتهى. رابعها: قوله: وإشارة لسلام؛ يعني أنه لا سجود في إشارة بيد أو رأس لسلام ردا وابتداء، وأما رده باللفظ عمدا وجهلا فمبطل على الصواب، وسهوا سجد. ومن قال لعاطس: يرحمك الله، بطلت عند القرطبي وسند، خلافا للبرزلي، وقول البرزلي ضعيف، وقال بعض: قول المصنف: "لسلام"؛ أي لرده لا ابتدائه فإنه مكروه، خلافا لقول ابن الحاجب: يجوز، فإن ابن هارون قال: لم أر ذلك لغيره
стр. 1069
وتركه عندي صواب، والكلام هنا في الجائز. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: الصواب التقرير الأول لا في الحطاب عن سند أنه لا فرق بين الرد والابتداء. انتهى. وقوله: وإشارة لسلام. اعلم أنه يجب الرد بالإشارة للسلام كما تقدم التنبيه عليه عند قوله: ولا لجائز؛ إذ المراد بالجائز المأذون فيه. فيشمل الواجب كقتل العقرب والحية والإشارة لرد السلام، وقد صرح ابن رشد بوجوب الرد. (وقد سلم الأنصار على رسول الله ﷺ ؛ وهو في الصلاة فرد عليهم إشارة بيده (١))، وقال عبد الله بن عمر: إذا سلم أحدكم وهو يصلي فلا يتكلم وليشر بيده: قاله لرجل سلم عليه في الصلاة فرد عليه الرجل كلاما. نقله الزرقاني على الموطإ، وقال؛ أي الزرقاني: ورده؛ أي السلام بالكلام مفسد للصلاة عند جمهور العلماء كالأئمة الأربعة، وقال قتادة والحسن وطائفة من التابعين: يجوز رده كلاما. انتهى.
أو حاجة؛ يعني أنه لا سجود في إشارة لأجل طلب حاجة أو ردها وهذا جائز، وقيدها ابن القاسم بالخفيفة: (وقد فعله ﷺ بيده (٢))، وروي (بإصبعه (٣)). وقوله: "وإشارة لسلام أو حاجة": وقيل: يكره للمصلي الإشارة لسلام أو حاجة، وفصل ابن الماجشون، فقال: تكره الإشارة للحاجة لا لرد السلام، قال: والمذهب أظهر، ولا فرق في الإشارة بين الجواب والابتداء. قاله الإمام الحطاب. وقد مر هذا، وقال ابن وهب: ولا بأس أن يشير الرجل بلا ونعم في الصلاة. قال القاضي: هذا مثل ما في المدونة، والأصل في ذلك ما روي (أن رسول الله ﷺ خرج إلى قباء، فسمعت به الأنصار فجاءوا فسلموا عليه، وهو يصلي، فرد عليهم إشارة بيده (٤))، فكان مالك لا يرى به بأسا أن يرد الرجل إلى الرجل جوابا بالإشارة في الصلاة، وأن يرد إشارة على من سلم عليه، ولم يكره شيئا من ذلك، وقد روى عنه زياد أنه كره أن يسلم على المصلي، وأن يرد المصلي على من سلم عليه إشارة برأس أو بيد أو بشيء، والحجة لهذه الرواية
стр. 1070
(أن ابن مسعود ﵁ سلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فلم يرد عليه (١)). والأظهر من القولين عند تعارض الأثرين وجوب رد السلام، إشارة لقول الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، ومن كتاب ابن سحنون: وإذا سها الإمام فقال له من خلفه: شح سبح، قال: إنما القول سبحان الله، وأرجوا أن يكون هذا خفيفا. ومن الواضحة: ولا بأس أن يسبح للحاجة في الصلاة، فإن جعل مكان ذلك لا حول ولا قوة إلا بالله، أو هلل أو كبر فلا حرج، وإن قال: سبحانه فقد أخطأ، ولا يبلغ به الإعادة. ابن الماجشون: ولا بأس بالمصافحة في الصلاة. قاله الإمام الحطاب. ابن العربي: نزلت نازلة ببغداد في أبكم أشار في صلاته، فقال بعض شيوخنا: بطلت صلاته؛ لأن إشارة الأبكم ككلامه، وقال بعضهم: لا تبطل لأن الإشارة في الصلاة جائزة، وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: وفي إلحاق إشارة الأخرس بالكلام، ثالثها: إن قصد الكلام. انتهى. ولا فرق في الإشارة بين أن تكون بالرأس أو باليد، قال في المدونة: ولا يكره السلام على المصلي في فرض أو نافلة، وليرد مشيرا برأسه أو بيده، وفهم من قول المدونة: وليرد؛ أن الرد واجب. لا على مشمت؛ يعني أنه لا يرد مصل عاطس بالإشارة على من شمته؛ لأنه إن لم يحمد لم يستحق ردا، وكذا إن حمد فقد فعل مكروها منهيا عنه، والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا، ويكره الرد إشارة على مشمت ولو عطس قبل الإحرام، وحمد جهرا ثم شمته بعد ما أحرم؛ لأن الدعاء لا يحصل بالإشارة، وهو من الشمت؛ وهو الدعاء، وكل داع مشمت. والظاهر أن "لا"، في قوله: "لا على مشمت"، عاطفة محذوفا تقديره: لا رد بإشارة على مشمت، والمعطوف عليه محذوف، والتقدير: ويجوز ما ذكر لا رد بإشارة على مشمت فلا يجوز؛ أي يكره. والله سبحانه أعلم. فإن قلت التشميت فرع سماع الحمد، والفرض أنه لا يحمد، فكيف يشمت؟ فالجواب أن ذلك يمكن فرضه إذا عطس وحمد جهرا قبل الإحرام، ثم أحرم فشمته فإنه لا يرد عليه حينئذ -كما مر قريبا-. والتشميت: قول من سمع العاطس يقول،
стр. 1071
الحمد لله رب العالمين: يرحمك الله، وفي التشميت أربعة أقوال، قيل: فرض عين، وقيل: فرض كفاية، وقيل: سنة، وقيل: ندب. والفرق بين الإشارة لابتداء السلام وهو غير واجب اتفاقا مع أنه يشير له في الصلاة -كما مر- ورد التشميت مختلف في وجوبه وندبه، وتكره الإشارة له، لأن التشميت المقصود منه الدعاء، وهو لا يحصل بالإشارة، والسلام المقصود منه الأمان وهو يحصل بالإشارة. قاله غير واحد. وممن قاله، عبد الباقي: قال الرهوني: قول الزرقاني: ورد التشميت مختلف في وجوبه وندبه الخ، هو كلام التوضيح، ولم أر من ذكر التصريح بحكم رد العاطس على من شمته غير كلام التوضيح هذا، ولكن المصنف مطلع ثقة. وظاهر التلقين أنه سنة كحمد العاطس وتشميته، ونصه: ومن سنة العاطس أن يحمد الله، وأن يشمته من سمعه؛ بأن يقول: يرحمك الله، وأن يرد عليه العاطس بأحد لفظين؛ بأن يقول: يغفر الله لي ولكم، أو يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. انتهى. والله سبحانه أعلم.
كأنين لوجع؛ يعني أن الأنين في الصلاة لأجل الوجع، لا شيء فيه؛ فهو تشبيه بالجائز في أنه لا شيء فيه، وليس من أفراد الجائز؛ لأن الفعل الضروري لا يتصف بالحكم الشرعي، وظاهر المصنف عدم البطلان ولو كان من الأصوات الملحقة بالكلام؛ لأنه محل ضرورة.
وبكاء تخشع؛ يعني أن بكاء التخشع لا شيء على الآتي به؛ وقوله: "وبكاء" عطف على قوله: "كأنين"، فهو تشبيه بالجائز في أنه لا شيء فيه، وليس من أفراد الجائز لأن الفعل الضروري لا يتصف بالحكم الشرعي. وبما قررت علم أن المراد بالتخشع الخشوع؛ أي البكاء لخوف الله والدار الآخرة، ويقيد بالغلبة، والخشوع، وليس المراد به حقيقة التخشع الذي هو تكلف الخشوع؛ فإنه يكره إظهار التخشع. وفي الحطاب عن سند: وقد اتفق الناس في البكاء للمصيبة والوجع، أنه يقطع الصلاة، ولو نهق ونعق من غير حركة شفتيه ولسانه بطلت، ولو حرك الإنسان شفتيه وشدقيه من غير كلام فلا شيء عليه، والنفخ في الصلاة يبطل عمده كما يأتي. وقد اجتمعت الأمة على أن النفخ لا ينبغي أن يفعل، وإنما اختلف الناس هل هو محرم أو مكروه؟ ولا ينبغي للإمام أن يكثر من البكاء لأنه يشوش على المصلين. وإلا بأن أنَّ لا لوجع، أو بكى بصوت لغير خشوع كمصيبة أو وجع. فبكاؤه كالكلام يفرق بين سهوه وعمده، وقليله وكثيره.
стр. 1072
واعلم أن أقسام البكاء ثمانية؛ لأنه: إما بصوت أو غيره، وفي كل إما اختيارا، أو غلبة، وفي كل إما لتخشع، أو مصيبة؛ فما لا صوت فيه لا يبطل اختيارا أو غلبة، تخشعا أم لا. وينبغي إلا أن يكثر الاختياري فإن كثر ضر، وما بصوت يبطل إن كان اختيارا مطلقا، وإلا أبطل إن كان لمصيبة لا لتخشع، ظاهره ولو كثر، والتنهد غلبة مغتفر ولغيرها عمدا أو جهلا مبطل، وسهوا سجد غير المأموم، ولو حرك شدقيه وشفتيه من غير كلام أو تنفس أو نفخ من الأنف عند امتخاطه لم تبطل، ولو نهق أو نعق من غير حركة لسانه وشفتيه بطلت. كما مر قريبا.
ولما قدم أنه يجوز للمصلي رد السلام إشارة، شبه به أنه يجوز لغير المصلي السلام على المصلي ابتداء، فقال: كسلام على مفترض؛ يعني أنه يجوز السلام أي ابتداء به على المصلي فرضا، وأولى نافلة. قاله الإمام في المدونة، ودليله (أنه ﷺ خرج إلى قباء فسمعت به الأنصار فجاءوا فسلموا عليه وهو يصلي فرد عليهم إشارة بيده (١))، وقد روى زياد عن مالك أنه كره أن يسلم على المصلي وأن يرد المصلي على من سلم عليه إشارة برأس أو بيد أو بشيء، وقد تقدم دليله عند قوله: "وإشارة لسلام أو حاجة"، فراجعه إن شئت. وقوله: "كسلام على مفترض"، تشبيه في الجواز فقط لا في الجواز ونفي السجود؛ إذ الفرض أن المسلم ليس في صلاة، ولذا كان المناسب ما سلكه المصنف من ترك العاطف كما أشار له ابن غازي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وهذه المسألة أجنبية. انتهى. وعطف على ما لا سجود فيه، قوله: ولا لتبسم؛ يعني أنه لا سجود لأجل تبسم حصل في الصلاة سهوا أو عمدا، لكن يكره عمده إن قل فيهما، وإن كثر أبطل ولو سهوا، فإن توسط سجد في سهوه؛ وهوأول الضحك وانشراح الوجه وإظهار الفرح. وقوله: "ولا لتبسم"، وعن مالك: يسجد، وهل قبلُ وهو لأشهب، أو بعدُ وهو لسحنون؟ قولان. الأقفهسي: الضحك على وجهين بغير صوت؛ وهو التبسم، وبصوت؛ وهو المراد بقول الرسالة: ومن ضحك في الصلاة أعادها، ولم يعد الوضوء. وفي النوادر: قال أصبغ لا شيء في
стр. 1073
التبسم إلا الفاحش منه شبيه بالضحك فأحب إلي أن يعيد في عمده ويسجد في سهوه. انتهى. قاله الحطاب. وفيه: وقال في الطراز: فإن أشكل عليه تبسمه، قال أصبغ: إلى آخر ما مر، ثم قال: وهذا مذهب أصبغ في الضحك، وعلى مذهب الكتاب يعمل بالأحوط متى أشكل. انتهى. وقوله: ولا لتبسم ما ذكره المصنف من عدم السجود رواه ابن القاسم عن مالك، وقد مر عن مالك أنه: يسجد: وروى عنه ابن عبد الحكم أنه: يسجد بعد السلام، واستحسنه اللخمي. وقاله سحنون.
وفرقعة أصابع؛ يعني أن المصلي لا سجود عليه فيما إذا فرقع أصابعه سهوا، ويكره عمد فرقعة الأصابع. كما مر. والتفات بلا حاجة؛ يعني أنه لا سجود على المصلي فيما إذا التفت لغير حاجة سهواة ويكره عمد الالتفات بلا حاجة، ويجوز الالتفات للحاجة.
وتعمد بلع ما بين أسنانه؛ يعني أنه لا سجود على المصلي فيما إذا تعمد بلع ما بين أسنانه، وإن كان ذلك مكروها فلا تبطل صلاته ليسارته، ومثل الصلاة الصوم، ولو رفع حبة من الأرض وابتلعها فعليه القضاء، والكفارة في العمد والقضاء فقط في السهو على الراجح، خلافا لقول ابن يونس: ينبغي لا قضاء عليه، والجهل كالسهو. وقوله: "وتعمد بلع ما بين أسنانه"، قال الشيخ عبد الباقي: ومثل بلع ما بين أسنانه مضغ ما بينهما، وبلع تينة كاملة أو لقمة كان كل منهما بفيه قبل الصلاة، وكذا بلع حبة رفعها من الأرض، فلا يضر في الصلاة على ما صوبه ابن ناجي. وفي الناصر أنه: يضر. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: المضغ عمل كثير بخلاف البلع، وكذا بلع التينة واللقمة فالظاهر أنه من العمل الكثير. انتهى. وفي الحطاب: ابن ناجي: وظاهره، يعني كلام المدونة أنه لو رفع حبة من الأرض وابتلعها فإنه يقطع: والصواب لا شيء عليه ليسارة ذلك، ولعله إنما ذكر بين أسنانه؛ لأنه الأعم الأغلب. انتهى. وفي مسائل ابن قداح: من ابتلع نخامة في الصلاة وهو قادر على طرحها بطلت صلاته، وصومه إن كان صائما. انتهى. وتقدم عن اللخمي أن: في ذلك قولين قاله الحطاب. وقال الشيخ الأمير عاطفا على ما لا سجود فيه: ولا لمكروه كبلع ما بين أسنانه مطلقا؛ أي ولو بمضغ كيسير غيره بلا مضغ، واغتفروا ما بين الأسنان في الصوم كالريق، ولا ينبغي. وقال الإمام مالك في المدونة: ومن كان بين أسنانه
стр. 1074
طعام كفلقة فابتلعه في صلاته لم يقطع ذلك صلاته. أبو الحسن: لأن فلقة الحبة ليست بأكل له بال تبطل به الصلاة، ألا ترى أنه إذا ابتلعها في الصوم لا يفطر على ما في الكتاب؟ فإذا كان الصوم لا يبطل بها فأحرى الصلاة. انتهى. وقوله: "تعمد بلع ما بين أسنانه"، ينبغي تقييده باليسير، فإن كثر ولو سهوا أبطل، وإن توسط سهوا وعمدا فالظاهر البطلان.
وحك جسده؛ يعني أنه لا سجود على المصلي فيما إذا حك جسده، وكره لغير حاجة لا لها ويقيد عدم السجود في هذا باليسير، فإن توسط سهوا سجد، وعمدا أبطل. كما للأمير. وإن كثر مطلقا أبطل.
وذكر قصد التفيهم به؛ يعني أنه لا سجود على المصلي فيما إذا قال في صلاته ذكرا، قصد التفهيم به؛ أي قصد أن يفهم به شخصا، ولا إشكال في صحة الصلاة، والمراد بالذكر كل مشروع جنسه في الصلاة قرآنا أو تسبيحا أو غيرهما، ومن لازم نفي السجود الصحة كما أشرت إليه، ومحل الصحة حيث كان الذكر الذي فهَّم به مقولا. بمحله؛ أي الذكر كاستيذان شخص وهو يقرأ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، فرفع صوته بقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، لقصد الإذن، أو رفعه بتكبير أو تحميد أو غيرهما للإعلام بأنه في صلاة، أو ليوقف المستأذن أو قصد أمرا غيره كأخذه كتابا وهو يقرأ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، فجهر بقوله: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ لينبه على مراده. قال الشيخ عبد الباقي: ومن محله أيضا ما إذا شرع عقب الفاتحة في: ﴿ادْخُلُوهَا﴾، و: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ عند حدوث السبب آخر الفاتحة. كما هو الظاهر. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ابن عرفة: لو نبه غيره بقرآن كـ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، و ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. المازري: إن أتى به ففي بطلانها قولا بعض البغداديين وابن حبيب، ولو وافق فرفع صوته لم تبطل، وخَرَّجَ اللخمي الأول على بطلانها بالفتح. ابن رشد: وفي إبطالها برفع صوت ذكرا أو قرآنا لإنباء غيره قولا ابن القاسم وأشهب، بخلاف رفع صوت بالتكبير في الجوامع؛ لأنه لإصلاحها. انتهى. وعلى الطريقة الأولى جرى المصنف، وبه تعلم أن قول الزرقاني: ومن محله أيضا إذا شرع عقب الفاتحة الخ، غير
стр. 1075
ظاهر؛ لأنه أتى به قصدا تأمل، لكن في المواق عن المازري ما يفيد أنه من محله، حيث قال: لو أفرده على وجه التلاوة، وقصد به التنبيه لم يبعد أن يقال بصحة صلاته. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي بعد كلامه السابق: فيصدق محله: يعني من قوله: "قصد التفهيم به" بمحله بشيئين أن يكون عقب الفاتحة بلا فاصل، أو متلبسا بالآية التي قبل: ﴿ادْخُلُوهَا﴾، وقبل: ﴿يَايَحْيَى﴾، ويصدق أيضا بتلبسه بقراءة أول: ﴿ادْخُلُوهَا﴾، وقبل: بـ ﴿يَايَحْيَى﴾، فيجهر بباقيها لقصد إفهام. والمراد بمحله في غير القرآن كالتسبيح في الصلاة كلها لحاجة لا لغيرها.
وإلا؛ بأن قصد التفهيم به بغير محله، كما لو كان يقرأ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ﴾، فقطعها وقرأ ﴿وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، وكما لو كان يقرأ في آية وقطعها، وابتدأ: ﴿يَايَحْيَى﴾ بطلت؛ صلاته على الأصح في غير التسبيح والحوقلة والهيللة، وقوله: "بطلت"؛ أي عند ابن القاسم خلافا لابن حبيب، فإن لم يقصد التفهيم به لم تبطل تسبيحا أو غيره، وإن فهم به عبثا بطلت في التسبيح وغيره. وانظر لو كان في السورة التي بعد الفاتحة فختمها، ثم قرأ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾. مثلا لقصد التفهيم، والظاهر أنه إن قصد قراءة ما ذكر قبل الاستئذان لم تبطل وإلا بطلت. وانظر أيضا إذا حصل الاستيذان بعد ما قرأ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، فكررها لقصد الإفهام. والظاهر أنه إن قرأ بعدها شيئا ثم رجع لها كان مما هو بغير محله، وإلا فهو مما هو بمحله. قاله الشيخ عبد الباقي. وشمل قوله: "ذكر حمد المبشَّر" فهو مثل: ﴿ادْخُلُوهَا﴾، فإن كان بمحله فلا شيء عليه وإلا بطلت. نقله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: مثل ما ذكره أحمد في التوضيح، والظاهر ضبط البشر بالكسر اسم فاعل، بمعنى أن المصلي أراد أن يبشر غيره، وبه يناسب الموضوع، والمختار في لفظ التسبيح: سبحان الله لخبر البخاري (١))، فإن قال: سُبِّح سُبِّح، أرجوا أن يكون خفيفا، وإنما القول؛ أي المستحب: سبحان الله. ابن حبيب: فإن قال: سبحانه، فقد أخطأ، ولا أبلغ به الإعادة وقوله: "بطلت"؛ أي لما فيه من معنى المكالمة.
стр. 1076
كفتح على من ليس معه في صلاة، يعني أن المصلي إذا فتح على من ليس معه في صلاة؛ أي لقنه القراءة، فإن صلاته تبطل. وقوله: من ليس معه في صلاة، بأن كان في صلاة أخرى، أو قارئا خارج الصلاة. ويفهم من المصنف صحة صلاة مأموم فتح على مأموم آخر معه في صلاته، لكنه مخالف لمذهب المدونة، فإن مذهبها بطلان صلاته، لقولها: لا يفتح أحد على من ليس معه في الصلاة، ولا مصل على مصل آخر، فإن فتح أعاد، وما في التتائي مما يخالف هذا غير معول عليه. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: على الأصح، راجع للفرعين، أعني قوله: "وإلا بطلت"، وقوله: كفتح على من ليس معه في صلاة، ومقابل الأصح في الأول. ابن حبيب: كما تقدم التنبيه عليه، ومقابله في الثاني قول أشهب. لا تبطل: وأخذ به ابن حبيب. والأصح في الأول لابن القاسم، وفي الثاني لابن القاسم وسحنون. ابن رشد: في إبطالها برفع صوت ذكر أو قرآن لإنباء غيره قولا ابن القاسم وأشهب، بخلاف رفع صوته بالتكبير في الجوامع؛ لأنه لإصلاحها. قلت: لابن حارث عن عباس بن مروان: رفعهم مبطل، ورده لقمان بعدم إنكاره علماء الأمصار بمكة. انتهى. ورفع الصوت المبلغ بمكة موجود إلى الآن يرفعه رفعا بليغا.
وبطلت بقهقهة؛ يعني أن الصلاة تبطل بالقهقهة، وهي الضحك بصوت عمدا أو غلبة أو نسيانا لكونه في الصلاة، ولم يكن سهوها كسهو الكلام لأنه شرع جنسه فيها كالكلام لإصلاحها بخلاف القهقهة، وظاهره ولو سرورا بما أعد الله لأوليائه، وصوب ابن ناجي حينئذ الصحة كالبكاء خوف عقاب الله، وتصويبه ضعيف، وقياسه فاسد؛ لأن البكاء خوف عقاب الله ليس بينه وبين الصلاة منافاة، وما تقدم من تعميم البطلان في الضحك هو رواية ابن القاسم عن مالك، ونقله في البيان عن ابن القاسم. وقال سحنون وأشهب وأصبغ وابن المواز: إن نسيان القهقهة كنسيان الكلام. ابن ناجي: وكل من لقيته لا يرتضي هذا القول للزوم الضحك عدم الوقار مطلقا. انتهى. قاله الإمام الحطاب: وفيه: وإن قهقه المصلي وحده قطع. ابن ناجي: زاد في الأم، ويعيد الإقامة. ظاهره وإن كان ناسيا وهو كذلك على المشهور، وقيل: تصح ويسجد بعد السلام كالكلام، واتفق على إبطالها في العمد.
стр. 1077
واعلم أن القهقهة في غير الصلاة مكروهة عند الفقهاء، وحرام عند الصوفية قاله الأقفهسي. ولعل المراد بالحرمة الكراهة الشديدة، أو أنهم نظروا فيها لمعنى يوجب التحريم عند الفقهاء لو اطلعوا عليه؛ إذ الصوفية لا يخالفون الشرع، ومن ذلك قول بعض الصوفية بجواز سماع بعض آلات اللهو المحرمة عند الفقهاء لسماعه منها ذكر الله دون اللهو، فالجواز قاصر على من هو بتلك الصفة، ومن ذلك إتلاف الشبلي ما يلبسه بنحو حرقه، مجيبا من قال له: جاء النهي عن إضاعة المال؛ بأن إضاعته لمداواة مرض بدني غير منهي عنها بل مطلوبة، فكيف بإضاعته لمداواة مرض ديني؟ وأنا أفعله لذلك. قاله الشيخ عبد الباقي.
وتمادي المأموم؛ يعني أن المأموم إذا قهقه فإنه تبطل صلاته ويتمادى عليها وجوبا حتى يتمها، وأما الفذ والإمام فإنهما يقطعان في القهقهة مطلقا عمدا، أو غلبة أو نسيانا؛ فتلك ثلاث صور. وقوله: إن لم يقدر على الترك شرط في تمادي المأموم؛ يعني أن تمادي المأموم إنما هو في اثنتين من الصور المذكورة في الفذ والإمام، وهما ما إذا كان ضحكه عن غلبة أو نسيان، ويقطع في الأربع الباقية. وإنما تمادى المأموم في الصورتين المذكورتين مراعاة لقول سحنون بصحة الصلاة، وإذا تمادى المأموم فإنه يعيد وجوبا بعد إتمام صلاته التي تمادى فيها لبطلانها. وقد علمت أن محل كلام المصنف إن لم يكن ضحك ابتداء عمدا وإلا لم يتماد في الغلبة بعد، إن لم يقدر على الترك بعد وكلام المصنف مقيد بغير الجمعة، وينبغي تقييده أيضا، والناسي بما إذا لم يخف بتماديه خروج الوقت، وإلا قطع، وبما إذا لم يلزم على بقائه ضحك المأمومين أو بعضهم وإلا قطع، ويجري هنا ما يأتي في جمع الظهرين لمن تحصل له القهقهة في جميع وقت إحدى المشتركتين الاختياري قدم أو أخر، فإن كان يقهقه بعد ما يسع صلاة الظهر والعصر بعد الزوال إلى الغروب قدم العصر، وإن كان يقهقه إلى أن يبقى للغروب ما يسعهما أخرهما، وكذا يجري بقية ما يجري في الجمع هنا. ومفهوم قوله: "وتمادى المأموم" أن الفذ يقطع مطلقا -كما مر- وكذا الإمام -كما مر- أيضا، وتبطل على مأموميه أيضا إن تعمد لا سهوا أو غلبة فعليه دونهم، ولابن القاسم في العتبية ونحوه في الموازية أن: الإمام يستخلف في الغلبة والسهو، ويرجع مأموما ويعيد أبدا، وهل يعيد مأمومه أم لا؟ واستظهره ابن رشد قولان، وقوله: وهل يعيد مأمومه، قال الشيخ عبد
стр. 1078
الباقي: لعل إعادتهم في الوقت. وانظر لو كان كلما شرع في فرض ضحك، هل تسقط عنه؟ كمن كلما صام عطش عطشا يوجب الفطر، أو يصلي على حالته، كمن كلما دخل في الصلاة أحدث؟ وهو الظاهر، واقتضى تمادي المأموم أن وضوءه لا ينتقض وهو مذهب الأكثر، خلافا لأبي حنيفة متمسكا بأن أعمى وقع في حفرة في المسجد فقهقه بعض المصلين، (فأمره ﷺ بإعادة وضوئه وصلاته (١)). وأجيب بضعفه، وحجة المذهب خبر الدارقطني؛ وهو قوله ﵊: (القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء (٢)). قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ محمد بن الحسن: حاصل ما قرر به الزرقاني وغيره أن الصور ست؛ لأن الضحك ابتداء، إما عن عمد أو غلبة أو نسيان، وفي كل إما أن يقدر على تركه بعد وقوعه، أو لا ويتمادى المأموم في صورتين، وهما إن كان ضحكه عن غلبة أو نسيان ولم يقدر على الإمساك عنه، وفي الأربع الباقية يقطع. قلت: وفيه نظر، أما أولا فلأن هذا التقرير لا يلائم القيود التي ذكروها في التمادي، بل هي تناقض موضوعه، وأما ثانيا فلمخالفته للنقل، فإن الذي في التوضيح والحطاب والبيان لابن رشد أن: الصور ثلاث فقط؛ وهي إما عن عمد، أو غلبة، أو نسيان، فيتمادى في الأخيرتين دون الأولى، ولا يقيد تماديه بعدم القدرة على الإمساك في الأثناء، بل قالوا: إذا لم يقدر على الإمساك في الأثناء يقطع ليلا يخلط على من معه.
وحاصل ما في البيان أن العامد غير المغلوب تبطل صلاته، ويقطع ولو مأموما، ولا يستخلف الإمام لأنه أبطل عليه وعلى من خلفه، والمغلوب يستخلف إن كان إماما، وكذلك الناسي ويتمادى المأموم المغلوب والناسي. قال: وهذا يأتي على قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقال فضل: إن استخلف الإمام فإنه يقطع ويدخل معهم؛ لأن الصلاة قد فسدت عليه لضحكه وهذا لا يلزم إذ لا يقطع بفساد صلاته، ولذلك أمر المأموم بالتمادي. قال ابن رشد: والأظهر أن صلاة المستخلف
стр. 1079
عليهم لا يعيدونها، بخلافه فإنه يعيد على أصله في المدونة، والمغلوب هنا هو الذي يتعمد النظر في صلاته. أو الاستماع إلى من يضحكه فيغلبه الضحك فيها، وأما الذي يضحك اختيارا ولو شاء أن يمسك عنه أمسك فلا خلاف أنه أبطل صلاته، والغلبة والنسيان هنا لم يعذره ابن القاسم فيهما. خلافا لسحنون، فإنه جعل الضحك نسيانا كالكلام نسيانا. ومعنى النسيان هنا عنده أنه ينسى أنه في صلاة. هذا حاصله بعد التأمل غاية. قاله أبو علي. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن.
قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر ما قرره به الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وشبه في التمادي فقط لا بقيد البطلان: كما لابن غازي ومن وافقه. فقال: كتكبيره للركوع بلا نية إحرام؛ يعني أن المأموم يتمادى وجوبا فيما إذا كبر للركوع غير ناو الإحرام ناسيا له؛ وهو نية الصلاة المعينة لكن سبق منه بيسير وصلاته صحيحة، فالتشبيه في التمادي في هذه المسألة والتي بعدها، وشمل كلام المصنف الجمعة، وهذه هي قوله: أو لم ينوهما، لكن ما هنا في التمادي، وما يأتي في الإجزاءت والمسائل أربع؛ وجدت نية الصلاة المعينة، وتكبيرة الإحرام، وقيام لها، ثم تكبير ركوع؛ وهذه صحيحة قطعا. الثانية: وجدت نية الصلاة المعينة وتكبيرة الإحرام لكن بعضها من قيام، وبعضها حال انحطاطه، أو بعده من غير فصل، وفيها تأويلان في المسبوق. الثالثة: وجدت نية الصلاة المعينة، وترك تكبيرة الإحرام عمدا، واكتفى بتكبير الركوع، وهذي باطلة قطعا. الرابعة: هي الثالثة، إلا أنه ترك تكبيرة الإحرام ناسيا، وأتى بتكبيرة الركوع معتقدا أنه كبر للإحرام فصلاته صحيحة على المذهب. وكلام المصنف هنا فيها، وهذا إنما هو في المأموم في ركعة دخوله فقط؛ إذ هو الذي يركع عقب دخوله ليدرك الإمام دون الفذ والإمام، وكلام المصنف هنا فيها قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن حمل على ما شرح به عبد الباقي تبعا لابن غازي من صحة الصلاة لتقدم النية بيسير، تكون هذه هي قول المصنف الآتي: "أو لم ينوهما"، وإن حمل المصنف على ظاهره من التمادي مع البطلان، كان هو قوله الآتي: وإن لم ينوه ناسيا له تمادى المأموم، ويأتي أن التمادي في هذه مراعاة لقول سعيد بن المسيب وابن شهاب: إن الإمام يحمل عن المأموم الإحرام. والله أعلم. وحيث حمل كلام المصنف
стр. 1080
على ما لابن غازي ومن تبعه من أن التشبيه في التمادي فقط، فالتمادي في الجمعة واجب من غير خلاف لأنها صحيحة، وإن حمل على التقرير الثاني فقيل: يتمادى عليها، وقيل: يقطعها ويبتدئ. انتهى. وقد مر على تقرير ابن غازي ومن تبعه أن: محل الصحة حيث كان هذا في ركعة دخول المأموم فقط، وأما إن نسي تكبيرها، وكبر في الركعة الثانية ولم ينو به الإحرام، فقال مالك في الموطإ: يقطع أي لتباعد ما بين النية والتكبير في هذه دون الأولى. كما قال ابن رشد. قاله الشيخ عبد الباقي.
وذكر فانتة؛ يعني أن المأموم إذا ذكر فائتة فإنه يتمادى وجوبا -كما مر- وكذا إذا ذكر المشاركة، وتصح المذكور فيها في المسألتين على ما مر عن الشيخ محمد بن الحسن، وعلى ما للشيخ عبد الباقي وغيره يعيد ثانية المشتركتين الذكورَ فيها لبطلانها بعدم الترتيب. والله سبحانه أعلم. والمراد بقوله: "فائتة"، ما يجب ترتيبه من الفوائت مع الحاضرة كأربع أو خمس على ما مر.
ويحدث، يعني أن الصلاة تبطل بالحدث أي بحصوله فيها على أي وجه كان عمدا أو غلبة أو سهوا أو بذكره، ولا تبطل صلاة المأموم بحدث الإمام إلا إذا تعمد الإمام الحدث، أو علم مؤتمه -كما يأتي- والله سبحانه أعلم وبسجوده لفضيلة؛ يعني أن الصلاة تبطل بسجود المصلي قبل السلام لفضيلة؛ أي لتركها ولو تكررت أو كثرت عمدا أو جهلا إن لم يقتد بمن يسجد لها، ويجري مثل ذلك في قوله: أو لتكبيرة؛ يعني أنه كما تبطل الصلاة بالسجود القبلي لفضيلة، تبطل بالسجود القبلي لترك تكبيرة واحدة ونحوها من كل سنة خفيفة، وكذا تبطل بالسجود القبلي لترك سنة مؤكدة خارجة عن ماهية الصلاة، كإقامة لإدخاله في الصلاة ما ليس منها في الجميع. قال الشيخ محمد بن الحسن بعد جلب أنقال: لم نر من شهد للمصنف فيما ادعاه من البطلان في السجود لتكبيرة، وأما السجود لفضيلة ففي الحطاب عن ابن رشد أنه: صدر فيه بعدم البطلان. والله أعلم. وفي شرح الشيخ ميارة في القنوت أنه على المشهور من أنه فضيلة: من سجد له بطلت صلاته، وعلى الشاذ من أنه سنة لا تبطل، وقال بعضهم: من أراد الخروج من الخلاف
стр. 1081
فليسجد له بعد السلام، وقال الإمام الحطاب: وشمل كلام المصنف القنوت، وقد ذكر ابن رشد في سماع أصبغ من كتاب الصلاة: خلافا فيمن سجد للقنوت وصدر بأنها لا تبطل. انتهى. فانظره. وقال الفاكهاني: لو سجد لترك تكبيرة أو تحميدة لم نعلم من يقول ببطلان صلاته. انتهى. فانظر ذلك. وقال في الكافي: وأما زينة الصلاة وفضيلتها فرفع اليدين والتسبيح في الركوع والسجود، وقوله: آمين، والقنوت، والدعاء للمؤمنين، والمؤمنات، ولا سجود على أحد نسي شيئا من ذلك، ومن سجد في شيء من ذلك متأولا لم تفسد صلاته. انتهى. وفي التوضيح: قد نص أهل المذهب على أن من سجد قبل السلام لترك الفضيلة أعاد أبدا، وكذلك قالوا: المشهور إذا سجد لترك تكبيرة واحدة قبل السلام.
وبمشغل عن فرض؛ يعني أن المصلي إذا وقع له شيء يشغله عن فرض من فروضها، فإنه تبطل صلاته وذلك كحقن، أو قرقرة، أو غثيان، أو حقب، أو حزق، أو حقم، منع من الركوع أو السجود مثلا. فالحاقن: المحصور بالبول، والحاقب: المحصور بالغائط، والحازق: المحصور بالريح؛ وقيل: الحازق: الذي ضاق خفه فخرج قدمه، والحاقم: باليم المحصور بالبول والغائط، والغثيان: ثوران النفس واندفاع الأمعاء إلى خارج، فيصير مشرفا على التقايؤ ولا يتقيأ. وقوله: "بمشغل"، من أشغل رباعيا؛ وهي لغة جيدة، أو قليلة، أو ردية. وفي الشارح: يريد أن المصلي إذا حصل له شيء يشغله عن فرض في صلاته فإنها تبطل، وإن شغله عن سنة أعاد في الوقت. وهكذا قال ابن بشير فيمن صلى؛ وهو يدافع الأخبثين بقرقرة ونحوها، أو شيء يشغله أو يعجله، وعند العراقيين إن كان أمرا خفيفا فلا شيء عليه، وإن صلى وهو ضام وركيه، أمر بالقطع، وأعاد في الوقت إن تمادى، وإن كان مما يشغله عن استيفائها أعاد أبدا.
وعن سنة يعيد في الوقت؛ يعني أن المصلي إذا وقع له شيء يشغله عن سنة فإنه يعيد في الوقت؛ أي سنة من السنن الثماني، وإلا فلا إعادة كالفضائل. وقوله: في الوقت؛ أي الذي هو فيه فيما يظهر، وكلامه في الفرض، وكذا في نفل محدود له وقت معين فيما يظهر لا في ما لا وقت له معين. قاله الشيخ عبد الباقي. وبزيادة أربع؛ يعني أن الصلاة الرباعية تبطل بزيادة أربع ركعات متيقنات وقعن سهوا، وكذا الثلاثية؛ فإنها تبطل بزيادة أربع لا باثنتين على المشهور، وقيل:
стр. 1082
تبطل بزيادة اثنتين، وقال الشارح؛ أي وتبطل الصلاة بزيادة أربع ركعات فيما إذا كانت رباعية كالظهر والعصر والعشاء، أو ثلاثية كالغرب على أحد قولي ابن القاسم. ابن شأس: وهو المشهور، وقيل: لا تبطل وتَنْجَيرُ بسجود السهو بعد. انتهى. وقوله: "وبزيادة أربع"؛ أي متيقنة - كما مر - وإلا فلا تبطل، وتنجبر بسجود السهو. انتهى.
كركعتين في الثنائية؛ يعني أن الصلاة الثنائية أصالة تبطل بزيادة ركعتين سهوا متيقنتين، وذلك كالصبح والجمعة بناء على أنها فرض يومها؛ وهو قول مشهور. قال الشيخ عبد الباقي: وتبطل السفرية بأربع بناء على أن الرباعية هي الأصل، وكذا الجمعة على أنها بدل من الظهر وهو مشهور أيضا، ولا غرابة في تشهير بطلانها بناء على أحد المشهورين، وقول الشيخ عبد الباقي إن السفرية تبطل بزيادة أربع، قال عنده الشيخ محمد بن الحسن: قال بعض: ينبغي أن لا تبطل إلا بزيادة ست. انتهى؛ وهو ظاهر. انتهى. والظاهر أن عقد الركعة هنا، رفع الرأس، فإذا رفع رأسه في ثامنة في رباعية أو سابعة في ثلاثية، أو في رابعة في ثنائية بطلت. كما هو عند ابن القاسم. والنفل المحدود من فجر، وعيد، وكسوف، واستسقاء يبطل بزيادة ركعتين فيما يظهر، فيبطل الكسوف بزيادة ركعتين ولو كانتا على غير صفة الكسوف فيما يظهر أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي. والوتر إنما يبطل بزيادة مثليه، لا بزيادة مثله، فيسجد بعد السلام كما تفيده المدونة، ونحوه في المواق، والنفل غير المحدود لا يبطل بزيادة ركعتين. ففي الذخيرة: ولو قام لخامسة في نافلة رجع، ولا يكمله بسادسة، ويسجد بعد السلام؛ لأن الذي عليه الجادة من العلماء في النافلة عدم الزيادة على أربع، فإن لم يرجع من الخامسة بطلت صلاته، وخرج بقيد التيقن ما لو شك في الزيادة الكثيرة، فإنه يجبر بالسجود اتفاقا. قاله ابن رشد وقد مر هذا وقال الشارح: ابن رشد. والمشهور أن الصبح تبطل بذلك؛ يعني ركعتين، وقيل: لا تبطل وذهب ابن كنانة وابن نافع في ثمانية أبي زيد إلى أن الجمعة تبطل بزيادة ركعة وكذا الصبح.
وبتعمد كسجدة؛ يعني أن ما تقدم من أن الرباعية لا تبطل إلا بزيادة أربع ركعات، وأن الثلاثية كذلك، وأن الثنائية لا تبطل إلا بركعتين، إنما ذلك مع السهو، وأما مع العمد فلا يشترط في
стр. 1083
البطلان ذلك القدر، بل تبطل الصلاة بتعمد سجدة ونحوها من كل ركن فعلي في فرض أو نفل، ولا تبطل الصلاة بتكرير الفاتحة على الراجح من القولين، خلافا لمن قال من كرر الفاتحة عامدا، فالظاهر البطلان. واعلم أن الزيادة التي يبطل عمدها يسجد لسهوها احترازا من التطويل في القراءة والركوع والسجود.
أو نفخ؛ يعني أن الصلاة تبطل بتعمد نفخ فيها بفم وإن لم يظهر منه حرف، خلافا للشافعي وابن قداح الذي يقول: النفخ الذي هو كالكلام ما نطق فيه بألف وفاء. انتهى. ولا يبطل النفخ بأنف، وينبغي تقييده بما إذا لم يكثر، فإن كثر فهو من العبث فتبطل الصلاة به لأنه فعل من غير جنس الصلاة. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: ينبغي تقييد ما من الأنف بغير العبث: وإلا جرى على الأفعال الكثيرة، واغتفر النفخ بالأنف: لأن ما يخرج منه وإن اشتمل على ألف وفاء فليس بحرف، وإنما هو على صورته؛ لأن مخارج الحروف ليست من الأنف، ولا يشكل هذا بما يأتي من أن الصوت المجرد عن الحرف مبطل؛ لأنه في خارج من محل الكلام لا من أنف. وقال ابن الماجشون: النفخ والتنحنح والجشأ كالكلام، وفي النوادر عن الواضحة عن ابن الماجشون: ومن نفخ في موضع سجوده أو عند الجشأ فهو كالكلام. قاله مالك. فإن كان سهوا سجد، ولا يسجد المأموم إن نابه ذلك، وإن كان عمدا أو جهلا قطع، وابتدأ إن كان إماما، وإن كان مأموما تمادى وأعاد. وقيل: النفخ لا يبطل، واحتج من يقول إن النفخ لا يبطل بحديث ابن عمر (أنه ﷺ في صلاة الخوف نفخ في آخر سجوده، فقال: أف أف (١)). أخرجه أبو داوود. قاله الإمام الحطاب. وما ذكره من أن النفخ من مساجن الإمام، الظاهر أنه مقابل لأنه مخالف لإطلاق أهل المذهب. المدونة وغيرها: ولأن أهل المذهب تعرضوا لعد مساجن الإمام، ولم أر أحدا منهم عد هذه منها. قاله الرهوني. وفي الشارح عند قول المصنف: "أو نفخ"، ما نصه: ومذهب المدونة أن الجهل في الإبطال كالعمد بخلاف السهو، وعن مالك الإبطال في السهو أيضا.
стр. 1084
وقيل: بعدم الإبطال في العمد، واختاره الأبهري؛ لأن النفخ ليس فيه حرف هجاء كالكلام. انتهى. أو أكل، يعني أن الصلاة تبطل بتعمد الأكل وإن قل.
أو شرب؛ يعني أن الصلاة تبطل بتعمد الشرب وإن قل، وتبطل الصلاة بالشرب وإن كان من أنف. أو قيء؛ يعني أن الصلاة تبطل بتعمد القيء فيها ولو ماء، والقلس مثله، وهذا مفهوم قوله: "ومن ذرعه قيء لم تبطل صلاته". أو كلام؛ يعني أن من تعمد الكلام في صلاته، تبطل صلاته وإن قل بصوت اشتمل على حرف أم لا، فلو نهق كالحمار أو نعق كالغراب، بطلت. وقوله: "أو كلام"، عبارة الشبراخيتي: المراد به الصوت، ثم قال: قوله: "كلام"؛ أي من ناطق، وفي إلحاق إشارة الأخرس به: ثالثها إن قصد الكلام. وإن يكره؛ يعني أنه لا فرق في بطلان الصلاة بالكلام عمدا بين أن يكون المصلي تكلم اختيارا، وبين أن يكون تكلم مكرها، وعذر الناسي بخلاف المكره، فإنه ذاكر كما قيل فيمن صلى بالنجاسة: إذا كان ناسيا أعاد للاصفرار، وإن كان مضطرا أعاد للغروب. والله سبحانه أعلم. قاله الإمام الحطاب. وبما قررت علم أن قوله: "وإن بكره"، راجع "للكلام"، وقال بعضهم: يتعين رجوعه للجميع. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: قال غير واحد من أشياخ علي الأجهوري: ينبغي رجوعه للجميع.
أو وجب؛ يعني أن الصلاة تبطل بالكلام فيها، وإن وجب على المصلي. لأجل إنقاذ أي تخليص. أعمى، أو صغير مثلا أن يقع في نار أو بير مثلا، فتبطل ضاق الوقت أم لا على المشهور. وقال اللخمي: إن اتسع الوقت، وإلا أنقذه بالكلام؛ لأنه لإحياء نفس ولم تبطل كالمسايف وقال اللخمي أيضا: إن المكره على الكلام إذا ضاق الوقت يتكلم، ولا تبطل صلاته، ولو ناداه أحد أبويه وهو في نافلة فليخفف، ويسلم، ويكلمه. وظاهره أنه لا يجوز له القطع، وهو الظاهر لإمكان الجمع بينهما بالمبادرة بالتسبيح ورفع الصوت به، وتخفيف ما هو فيه، فإن لم يمكن الجمع ككون النادي بالكسر أعمى أصم فيتعارض واجبان، فيقدم أو كدهما، وهو إجابة الوالدين للإجماع على وجوبها، والخلاف في وجوب النافلة. قاله القرطبي. أي: وتبطل الصلاة بذلك ولو نادته كل من أمه وزوجته في طلب ما وجب لها عليه من الإنفاق، فتقدم إجابة الزوجة
стр. 1085
لأن نفقتها بعوض وهذا صادق بما إذا كان في غير صلاة أو فيها، ووجبت الإجابة. والظاهر أنه يقدم إجابة الأم على إجابة الأب. وتبطل الصلاة إذا وجب أكله أو شربه لإنقاذ نفسه، ووجب عليه القطع ولو خشي خروج الوقت، وإن وجب الكلام لإجابته ﷺ لم تبطل، وقيل: تبطل، ولعل المراد إجابته لمن يمكن اجتماعه به الآن يقظة كالمرسي، وأما في حياته ﷺ فلعل معناه اعتقاد كونه من خصائصه ﷺ : وعدم بطلان صلاة مجيبه: ومثل وجوب الكلام لإنقاذ أعمى، وجوبه لخوف ذهاب مال أو دابة: على ما مر فيها من الأقسام الثمانية. وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج (١)): وكان جريج رجلا عابدا فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: اللهم أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت بعد ثالث يوم في ثالث مدة: اللهم لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات، فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بها، فقالت: إن شئتم لأفتتنه فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت، فلما ولدت، قالت: هو من جريج: فأتوه فأنزلوه من صومعته فهدموها وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه، فقال: يا غلام من أبوك؟ فقال: فلان الراعي، فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال أعيدوها من لبن كما كانت ففعلوا وبينما صبي يرضع من أمه ورجل على دابة باهرة وشارة حسنة، فقالت المرأة: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل عليه ينظر إليه وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبك على ثديه وجعل يرضع، قال: فإني أنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فيه يمصها. ومروا بجارية يضربونها ويقولون: زنت سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها [فترك الرضاع ونظر
стр. 1086
إليها وقال: اللهم اجعلني مثلها] (١): فهنالك تراجعا الحديث، فقالت: مر رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، ومروا بهذه الأمة يضربونها، ويقولون: زنت سرقت فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقلت: اللهم اجعلني مثلها، قال: إن ذلك الرجل كان جبارا، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه الأمة يقولون: زنت سرقت، ولم تزن ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها. رواه في التيسير. القرطبي: قوله: يا رب أمي وصلاتي، يدل على أنه كان عابدا ولم يكن عالما؟ إذ بأدنى فكره يدرك أن صلاته كانت ندبا وإجابة أمه واجبة فلا تعارض يوجب الإشكال، فكان يجب عليه تخفيف صلاته أو قطعها وإجابة أمه لا سيما وقد تكرر مجيئها. القاضي عياض: لا شك عندنا أن بر أمه فرض، والعزلة والصلاة النافلة طول ليله ونهاره ليست بفرض، والفرض مقدم، ولعله غلط في إيثار صلاته وعزلته، فلذلك أجاب الله دعوتها. وقوله: المومسات، جمع مومسة، وهي الزانية، والمياميس مثله، والبغي الزانية. ويتمثل بها؛ أي يعجب بحسنها، فيقال لكل من يستحسن هذا مثل فلانة في الحسن، والشارة: الحسنة جمال الظاهر في الهيئة واللبس والركب ونحو ذلك، والجبار: العاتي المتكبر القاهر للناس، والله سبحانه أعلم. واستثنى من قوله أو كلام، قوله: إلا لإصلاحها؛ يعني أن محل بطلان الصلاة بتعمد الكلام فيها إنما هو إذا لم يكن الكلام لإصلاحها، وأما تعمد الكلام لإصلاحها بعد السلام أو قبله. فلا تبطل إلا بكثيرة أي الكلام الذي يتعلق بالإصلاح، ويتوقف عليه لإعراضه عن الصلاة حينئذ، وأولى بكثير لا يتعلق بإصلاحها، وكذا كثير الكلام سهوا، وكذا كثير فعل الجوارح عمدا أو سهوا، كفعل قلب حيث لا يدري معه ما صلى. قاله الشيخ عبد الباقي. وظاهر المصنف أن الكثير في نفسه وإن تعلق بالإصلاح مبطل، قال ابن ناجي. في شرح المدونة: إذا قلنا إن الكلام لإصلاحها لا يبطل فلا بد من تقييده بأمرين، أحدهما تعذر الإفهام بالتسبيح، والثاني عدم إطالة الكلام وكثرته. وقد صرح ابن الحاجب بأن
стр. 1087
الكلام إذا كان سهوا يبطل الصلاة إذا كثر. قاله الإمام الحطاب، وقال: إن غير المصنف يطلق القول بأن الكلام لإصلاحها لا يبطل، والمصنف قيده بغير الكثير. وفي الجواهر: فإن طال الأمر وكثر الفعل ووقع اللغط بينهم والمراء، وترددت المراجعة بينهم بعضهم مع بعض بطلت، وقيل: لا تبطل، بل يبني وإن طال. انتهى. وهذا هو ما يأتي للمصنف من قوله: وبنى إن قرب الخ، وقال ابن حبيب: إن طال التراجع بين الإمام والمأمومين بحيث يؤدي إلى المراء بطلت. انتهى.
وبسلام وأكل وشرب؛ يعني أن الصلاة تبطل باجتماع سلام وأكل وشرب كذا في المدونة في كتاب الصلاة الأول لكثرة النافي بحصول الثلاثة، ووقع في بعض الروايات بأو، فعلى المصنف الدرك في إسقاطها: فكان عليه أن يقول: وجاء أو شرب. وفيها أيضا في كتاب الصلاة الثاني: إن أكل -فقط- أو شرب. فقط، انجبر سهوه بسجود البعدي.
وهل اختلاف؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا، هل ما في كتابي المدونة اختلاف؛ أي تناقض؟ وعليه فالنظر لحصول المنافي بقطع النظر عن تعدده واتحاده فحكم بالبطلان في أحد الموضعين دون الآخر، فقال فيه: يجبر سهوه بسجود البعدي، أو لا، أي ومن الشيوخ من ذهب إلى أن الموضعين لا اختلاف بينهما، بل هما متفقان، لكن اختلف الموفقون في كيفية التوفيق، فمنهم من قال: إن البطلان للسلام في الأولى لشدة النافاة في السلام مع أكل وشرب، أو مع أحدهما لا بسلام وحدده، ولا بأكل مع شرب، ولم تبطل في الثانية لعدم وجود السلام. ومنهم من ذهب إلى أن البطلان في الأولى لجمع شيئين الأكل والشرب أو السلام مع أحدهما، وليس ذلك في الثانية، وإلى هذا أشار بقوله: أو للجمع؛ أي بطلت في الأولى لأجل جمع شيئين بخلاف الثانية، وتعبير المصنف باختلاف أولى من التعبير بخلاف، ليلا يوهم أنه خلاف في التشهير، وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره، أي في ذلك تأويلان، فإذا حصلت الثلاثة اتفق الموفقان على البطلان، وصاحب التأويل الأول يحكي الخلاف وكذا إذا حصل السلام مع أحدهما ولو حصل الأكل والشرب فقط اختلف الموفقان، وصاحب التأويل الأول يحكى الخلاف، وإذا حصل واحد فقط اتفق الموفقان على الصحة، وصاحب التأويل الأول يحكي الخلاف. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر بالنسبة للسلام. وقد حكى الطخيخي الاتفاق على أنه: لا يبطل، ومحل
стр. 1088
التأويلين في السهو، وإلا بطلت، ولا فرق بين الفذ والإمام والمأموم، لكن على الانجبار يحمله الإمام، وعلى البطلان لا يحمله. والتأويلان في الحقيقة ثلاث: واحد بالخلاف، واثنان بالاتفاق. قال الشيخ الأمير: ولعل تأويل الجمع هو الأقوى لكثرة المنافي. انتهى. ومن سلم من اثنتين، وقال: السلام، ولم يزد، ثم ذكر فراجع الصلاة، وسجد بعد السلام، كان شيخنا الإمام ابن عرفة يفتي بأنه: يرجع بإحرام. وسمعت في المذاكرات أنه لا سجود ولا إحرام عليه؛ لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى. وعن الباجي: إن وقع سهوا لم يقصد به الخروج من الصلاة، فلا إحرام عليه كالكلام، ويتحصل فيه ثلاثة أقوال: يحرم مطلقا وعكسه، والفرق بين القرب جدا فما فوقه. انتهى. قاله الإمام الحطاب ومن شرع في السلام بعد سلام الإمام، فكبر الإمام تكبير العيد بعد السالأم، فترك بقية السلام حتى كبر مع الإمام الثلاث تكبيرات؛ أي التكبيرات بعد فرائض يوم النحر، قال: يعيد الصلاة أبدا، قلت: يريد لأنه تكلم بلفظ السلام جاهلا قبل تمام الصلاة، فبطلت من هذه الجهة، ولو كبر قبل أن يلفظ بشيء من سلامه أجزأه، ولكن يكره من باب تأخير السلام عقب سلام الإمام. كما قال ابن عبد الحكم: إذا اشتغل بالتشهد بعد سلام الإمام فإنه يكره وتصح صلاته. انتهى. قاله الإمام الحطاب عن البرزلي -أيضًا - ونص المدونة في الكتاب الأول: وإن انصرف حين سلم فأكل أو شرب ابتدأ وإن لم يطل. انتهى. أبو الحسن: وفي بعض رواياتها بالواو، واختلف في السلام سهوا، هل يخرج المصلي عن حكم الصلاة أولا؟ قولان. وعلى الإخراج يرجع إليها بإحرام، والخلاف إنما هو إذا سلم قاصدا التحليل وهو يرى أنه قد أتمها، ثم شك في شيء منها، وأما إن سلم ساهيا قبل تمام صلاته، فقال في المقدمات: لا يخرج بذلك بإجماع. انتهى.
وبانصراف لحدث ثم تبين نفيه؛ يعني أن الصلاة تبطل بالانصراف أي الذهاب لأجل حدث تذكره؛ وهو في الصلاة أو أحس به وهو فيها، ثم بعد انصرافه تبين له نفي الحدث الذي انصرف لأجله، وإنما بطلت لتفريطه لأنه كمن ظن الرعاف فخرج لغسله فظهر نفيه، فتبطل. كما مر. وبما قررت علم أن الانصراف في كلام المصنف على حقيقته، وليس المراد بالانصراف الإعراض
стр. 1089
بالقلب؛ لأن ذلك رفض، والرفض قدمه المصنف بقوله: والرفض مبطل. كما يفيده الشيخ بناني. كمسلم شك في الإتمام ثم ظهر الكمال؛ يعني أن من سلم وهو شاك في الإتمام، ثم ظهر له أن صلاته قد كملت تبطل صلاته حيث سلم عمدا أو جهلا. والمراد بالشك عدم الجزم، وأشار له الشيخ عبد الباقي، قال الشيخ محمد بن الحسن: مقتضاه أن السلام مع ظن التمام مبطل مطلقا، وليس كذلك؛ إذ كل من رأيناه يحمل الشك هنا على ظاهره: وهو الذي يفيده نقل الحطاب عن ابن رشد عند قوله: ولا سهو على مؤتم. فانظره. انتهى. وهذا القول الذي مشى عليه المصنف، قال ابن رشد: إنه الأظهر: وإلى ذلك أشار بقوله: على الأظهر. وإنما بطلت لمخالفته ما وجب عليه من البناء على اليقين، خلافا لابن حبيب القائل: تصح كمتزوج بامرأة لا يدري أحي زوجها أو ميت؟ ثم ظهر موته، وانقضاء عدتها قبل العقد عليها، وكوقوع نكاح بقلة خمر، فإذا كحي خل فصحيح: وكمن شك في نجاسة جسمه في صلاة فتمادى ثم تبين نفيها فصحيحة، وكمن شك في صلاته ثم بأن الطهر، وفرق بثقل الغرم في النكاح وخفة إعادة الصلاة، وبخوف تعلق القلب في النكاح ولو قبل البناء فيؤدي ذلك للوقوع في الزنى معها، وفرق بين الصلاة والنجاسة بخفتها للاختلاف فيها وعدم الاختلاف في عدد الركعات، وفرق بين الإعادة هنا وبين مسألة من شك في صلاته ثم بان الطهر لم يعد؛ بأن القصد أقوى من الوسيلة، ولا يُقدح في هذا بمسألة: وبطلت إن خالفها، وإن صادف لحرمة مخالفة ما أداه إليه اجتهاده، فهو كمن دخل في الصلاة وهو شاك فتبطل ولو بان الطهر. وقوله: "ثم ظهر الكمال"، وأما إن لم يظهر الكمال فلا إشكال في البطلان، ونص على ذلك ردا لقول ابن حبيب، وأما لو شك في الكمال وسلم سهوا فإن تذكر عن قرب أصلح ما بقي له وأعاد السلام؛ لأنه بمنزلة من لم يأت به، وإن تذكر عن بعد بطلت صلاته. كما يأتي للمصنف.
وبسجود المسبوق مع الإمام بعديا؛ يعني أن صلاة المسبوق تبطل بسجوده البعدي عمدا أو جهلا مع الإمام، أو قبله أو بعده وقبل قضاء ما عليه، واقتصر المصنف على ما ذَكَر لتوهم الصحة باتباعه وسواء أدرك مع الإمام ركعة فأكثر أم لا.
стр. 1090
أو قبليا إن لم يلحق ركعة؛ يعني أن صلاة المسبوق تبطل بسجوده مع الإمام قبليا عمدا أو جهلا حيث لم يدرك مع الإمام ركعة فأكثر، وما مر من أن الجهل كالعمد هو قول عيسى، قال ابن رشد: وهو القياس على أصل المذهب من إلحاق الجاهل بالعامد، ولأنه أدخل في صلاته ما ليس منها، وقال ابن القاسم: الجهل كالسهو. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: هكذا ذكر ابن هارون الخلاف في المسألتين، واعترضه في التوضيح؛ بأن هذا الخلاف إنما هو في البعدي خاصة إذا قدمه. وبما قررت علم أن: الشرط، أعني قوله: "إن لم يلحق ركعة"، راجع لمسألة القبلي، وإنما لم تبطل الصلاة مع الجهل على القول بعدم البطلان مراعاة لقول سفيان بوجوب سجوده معه، وإذا كانت تبطل بذلك فلا سجود عليه بعد إتيانه بالصلاة، وقوله: "بسجود المسبوق" الخ، مكرر مع قوله: وبتعمد كسجدة، وأعاده إما لأن هذا التصوير لا يفهم مما سبق، وإما ليرتب عليه قوله: وإلا؛ أي وإن انتفى عدم لحوق المأموم المسبوق مع الإمام ركعة بأن لحق معه ركعة فأكثر، سجد القبلي معه قبل قضاء ما عليه عند ابن القاسم وبعده عند أشهب، ومبنى الخلاف هل ما أدرك آخر صلاته أو أولها؟ فإن أخره عمدا أو جهلا بطلت صلاته على ما لابن القاسم، لا سهوا قدمه قبل سلامه أو أخره، ولا على ما لأشهب مطلقا عمدا أو جهلا أو سهوا قدمه قبل سلام نفسه أو أخره، والأول هو الراجح فإن أخره الإمام حتى صار بعديا، فهل يفعله معه قبل قضاء ما عليه؟ قياسا على المستخلف المسبوق الذي ترتب على أصله سجود سهو قبل السلام، أو يفعله بعد قضاء ما عليه قبل سلام نفسه؟ وهو ما يفيده كلام البرزلي، أو إن كان عن ثلاث سنن فالأول وإلا فالثاني: وهو ما ارتضاه ابن ناجي، وبعض من لقيه، وأبو مهدي، واقتصر الشيخ إبراهيم على الأول؛ وهو الذي قاله الشيخ سالم، وذلك يفيد قوته. والله سبحانه أعلم. وإذا قدم الإمام البعدي، هل يسجده المسبوق معه لأن تقديمه صيره بمنزلة القبلي، أولا نظرا لأصله؟ وعلى كل حال فلا تبطل صلاته بسجوده معه مراعاة للخلاف في ذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. وبما قررت علم أن معنى قوله: سجد؛ أي مع الإمام، وكلامه فيما إذا سجد الإمام في محله قبل سلامه، ولو كان على رأي الإمام فقط، كشافعي يسجد قبل السلام لترك قنوت،