إليها وقال: اللهم اجعلني مثلها] (١): فهنالك تراجعا الحديث، فقالت: مر رجل حسن الهيئة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، ومروا بهذه الأمة يضربونها، ويقولون: زنت سرقت فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقلت: اللهم اجعلني مثلها، قال: إن ذلك الرجل كان جبارا، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه الأمة يقولون: زنت سرقت، ولم تزن ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها. رواه في التيسير. القرطبي: قوله: يا رب أمي وصلاتي، يدل على أنه كان عابدا ولم يكن عالما؟ إذ بأدنى فكره يدرك أن صلاته كانت ندبا وإجابة أمه واجبة فلا تعارض يوجب الإشكال، فكان يجب عليه تخفيف صلاته أو قطعها وإجابة أمه لا سيما وقد تكرر مجيئها. القاضي عياض: لا شك عندنا أن بر أمه فرض، والعزلة والصلاة النافلة طول ليله ونهاره ليست بفرض، والفرض مقدم، ولعله غلط في إيثار صلاته وعزلته، فلذلك أجاب الله دعوتها. وقوله: المومسات، جمع مومسة، وهي الزانية، والمياميس مثله، والبغي الزانية. ويتمثل بها؛ أي يعجب بحسنها، فيقال لكل من يستحسن هذا مثل فلانة في الحسن، والشارة: الحسنة جمال الظاهر في الهيئة واللبس والركب ونحو ذلك، والجبار: العاتي المتكبر القاهر للناس، والله سبحانه أعلم. واستثنى من قوله أو كلام، قوله: إلا لإصلاحها؛ يعني أن محل بطلان الصلاة بتعمد الكلام فيها إنما هو إذا لم يكن الكلام لإصلاحها، وأما تعمد الكلام لإصلاحها بعد السلام أو قبله. فلا تبطل إلا بكثيرة أي الكلام الذي يتعلق بالإصلاح، ويتوقف عليه لإعراضه عن الصلاة حينئذ، وأولى بكثير لا يتعلق بإصلاحها، وكذا كثير الكلام سهوا، وكذا كثير فعل الجوارح عمدا أو سهوا، كفعل قلب حيث لا يدري معه ما صلى. قاله الشيخ عبد الباقي. وظاهر المصنف أن الكثير في نفسه وإن تعلق بالإصلاح مبطل، قال ابن ناجي. في شرح المدونة: إذا قلنا إن الكلام لإصلاحها لا يبطل فلا بد من تقييده بأمرين، أحدهما تعذر الإفهام بالتسبيح، والثاني عدم إطالة الكلام وكثرته. وقد صرح ابن الحاجب بأن
стр. 1087
الكلام إذا كان سهوا يبطل الصلاة إذا كثر. قاله الإمام الحطاب، وقال: إن غير المصنف يطلق القول بأن الكلام لإصلاحها لا يبطل، والمصنف قيده بغير الكثير. وفي الجواهر: فإن طال الأمر وكثر الفعل ووقع اللغط بينهم والمراء، وترددت المراجعة بينهم بعضهم مع بعض بطلت، وقيل: لا تبطل، بل يبني وإن طال. انتهى. وهذا هو ما يأتي للمصنف من قوله: وبنى إن قرب الخ، وقال ابن حبيب: إن طال التراجع بين الإمام والمأمومين بحيث يؤدي إلى المراء بطلت. انتهى.
وبسلام وأكل وشرب؛ يعني أن الصلاة تبطل باجتماع سلام وأكل وشرب كذا في المدونة في كتاب الصلاة الأول لكثرة النافي بحصول الثلاثة، ووقع في بعض الروايات بأو، فعلى المصنف الدرك في إسقاطها: فكان عليه أن يقول: وجاء أو شرب. وفيها أيضا في كتاب الصلاة الثاني: إن أكل -فقط- أو شرب. فقط، انجبر سهوه بسجود البعدي.
وهل اختلاف؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا، هل ما في كتابي المدونة اختلاف؛ أي تناقض؟ وعليه فالنظر لحصول المنافي بقطع النظر عن تعدده واتحاده فحكم بالبطلان في أحد الموضعين دون الآخر، فقال فيه: يجبر سهوه بسجود البعدي، أو لا، أي ومن الشيوخ من ذهب إلى أن الموضعين لا اختلاف بينهما، بل هما متفقان، لكن اختلف الموفقون في كيفية التوفيق، فمنهم من قال: إن البطلان للسلام في الأولى لشدة النافاة في السلام مع أكل وشرب، أو مع أحدهما لا بسلام وحدده، ولا بأكل مع شرب، ولم تبطل في الثانية لعدم وجود السلام. ومنهم من ذهب إلى أن البطلان في الأولى لجمع شيئين الأكل والشرب أو السلام مع أحدهما، وليس ذلك في الثانية، وإلى هذا أشار بقوله: أو للجمع؛ أي بطلت في الأولى لأجل جمع شيئين بخلاف الثانية، وتعبير المصنف باختلاف أولى من التعبير بخلاف، ليلا يوهم أنه خلاف في التشهير، وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره، أي في ذلك تأويلان، فإذا حصلت الثلاثة اتفق الموفقان على البطلان، وصاحب التأويل الأول يحكي الخلاف وكذا إذا حصل السلام مع أحدهما ولو حصل الأكل والشرب فقط اختلف الموفقان، وصاحب التأويل الأول يحكى الخلاف، وإذا حصل واحد فقط اتفق الموفقان على الصحة، وصاحب التأويل الأول يحكي الخلاف. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر بالنسبة للسلام. وقد حكى الطخيخي الاتفاق على أنه: لا يبطل، ومحل
стр. 1088
التأويلين في السهو، وإلا بطلت، ولا فرق بين الفذ والإمام والمأموم، لكن على الانجبار يحمله الإمام، وعلى البطلان لا يحمله. والتأويلان في الحقيقة ثلاث: واحد بالخلاف، واثنان بالاتفاق. قال الشيخ الأمير: ولعل تأويل الجمع هو الأقوى لكثرة المنافي. انتهى. ومن سلم من اثنتين، وقال: السلام، ولم يزد، ثم ذكر فراجع الصلاة، وسجد بعد السلام، كان شيخنا الإمام ابن عرفة يفتي بأنه: يرجع بإحرام. وسمعت في المذاكرات أنه لا سجود ولا إحرام عليه؛ لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى. وعن الباجي: إن وقع سهوا لم يقصد به الخروج من الصلاة، فلا إحرام عليه كالكلام، ويتحصل فيه ثلاثة أقوال: يحرم مطلقا وعكسه، والفرق بين القرب جدا فما فوقه. انتهى. قاله الإمام الحطاب ومن شرع في السلام بعد سلام الإمام، فكبر الإمام تكبير العيد بعد السالأم، فترك بقية السلام حتى كبر مع الإمام الثلاث تكبيرات؛ أي التكبيرات بعد فرائض يوم النحر، قال: يعيد الصلاة أبدا، قلت: يريد لأنه تكلم بلفظ السلام جاهلا قبل تمام الصلاة، فبطلت من هذه الجهة، ولو كبر قبل أن يلفظ بشيء من سلامه أجزأه، ولكن يكره من باب تأخير السلام عقب سلام الإمام. كما قال ابن عبد الحكم: إذا اشتغل بالتشهد بعد سلام الإمام فإنه يكره وتصح صلاته. انتهى. قاله الإمام الحطاب عن البرزلي -أيضًا - ونص المدونة في الكتاب الأول: وإن انصرف حين سلم فأكل أو شرب ابتدأ وإن لم يطل. انتهى. أبو الحسن: وفي بعض رواياتها بالواو، واختلف في السلام سهوا، هل يخرج المصلي عن حكم الصلاة أولا؟ قولان. وعلى الإخراج يرجع إليها بإحرام، والخلاف إنما هو إذا سلم قاصدا التحليل وهو يرى أنه قد أتمها، ثم شك في شيء منها، وأما إن سلم ساهيا قبل تمام صلاته، فقال في المقدمات: لا يخرج بذلك بإجماع. انتهى.
وبانصراف لحدث ثم تبين نفيه؛ يعني أن الصلاة تبطل بالانصراف أي الذهاب لأجل حدث تذكره؛ وهو في الصلاة أو أحس به وهو فيها، ثم بعد انصرافه تبين له نفي الحدث الذي انصرف لأجله، وإنما بطلت لتفريطه لأنه كمن ظن الرعاف فخرج لغسله فظهر نفيه، فتبطل. كما مر. وبما قررت علم أن الانصراف في كلام المصنف على حقيقته، وليس المراد بالانصراف الإعراض
стр. 1089
بالقلب؛ لأن ذلك رفض، والرفض قدمه المصنف بقوله: والرفض مبطل. كما يفيده الشيخ بناني. كمسلم شك في الإتمام ثم ظهر الكمال؛ يعني أن من سلم وهو شاك في الإتمام، ثم ظهر له أن صلاته قد كملت تبطل صلاته حيث سلم عمدا أو جهلا. والمراد بالشك عدم الجزم، وأشار له الشيخ عبد الباقي، قال الشيخ محمد بن الحسن: مقتضاه أن السلام مع ظن التمام مبطل مطلقا، وليس كذلك؛ إذ كل من رأيناه يحمل الشك هنا على ظاهره: وهو الذي يفيده نقل الحطاب عن ابن رشد عند قوله: ولا سهو على مؤتم. فانظره. انتهى. وهذا القول الذي مشى عليه المصنف، قال ابن رشد: إنه الأظهر: وإلى ذلك أشار بقوله: على الأظهر. وإنما بطلت لمخالفته ما وجب عليه من البناء على اليقين، خلافا لابن حبيب القائل: تصح كمتزوج بامرأة لا يدري أحي زوجها أو ميت؟ ثم ظهر موته، وانقضاء عدتها قبل العقد عليها، وكوقوع نكاح بقلة خمر، فإذا كحي خل فصحيح: وكمن شك في نجاسة جسمه في صلاة فتمادى ثم تبين نفيها فصحيحة، وكمن شك في صلاته ثم بأن الطهر، وفرق بثقل الغرم في النكاح وخفة إعادة الصلاة، وبخوف تعلق القلب في النكاح ولو قبل البناء فيؤدي ذلك للوقوع في الزنى معها، وفرق بين الصلاة والنجاسة بخفتها للاختلاف فيها وعدم الاختلاف في عدد الركعات، وفرق بين الإعادة هنا وبين مسألة من شك في صلاته ثم بان الطهر لم يعد؛ بأن القصد أقوى من الوسيلة، ولا يُقدح في هذا بمسألة: وبطلت إن خالفها، وإن صادف لحرمة مخالفة ما أداه إليه اجتهاده، فهو كمن دخل في الصلاة وهو شاك فتبطل ولو بان الطهر. وقوله: "ثم ظهر الكمال"، وأما إن لم يظهر الكمال فلا إشكال في البطلان، ونص على ذلك ردا لقول ابن حبيب، وأما لو شك في الكمال وسلم سهوا فإن تذكر عن قرب أصلح ما بقي له وأعاد السلام؛ لأنه بمنزلة من لم يأت به، وإن تذكر عن بعد بطلت صلاته. كما يأتي للمصنف.
وبسجود المسبوق مع الإمام بعديا؛ يعني أن صلاة المسبوق تبطل بسجوده البعدي عمدا أو جهلا مع الإمام، أو قبله أو بعده وقبل قضاء ما عليه، واقتصر المصنف على ما ذَكَر لتوهم الصحة باتباعه وسواء أدرك مع الإمام ركعة فأكثر أم لا.
стр. 1090
أو قبليا إن لم يلحق ركعة؛ يعني أن صلاة المسبوق تبطل بسجوده مع الإمام قبليا عمدا أو جهلا حيث لم يدرك مع الإمام ركعة فأكثر، وما مر من أن الجهل كالعمد هو قول عيسى، قال ابن رشد: وهو القياس على أصل المذهب من إلحاق الجاهل بالعامد، ولأنه أدخل في صلاته ما ليس منها، وقال ابن القاسم: الجهل كالسهو. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: هكذا ذكر ابن هارون الخلاف في المسألتين، واعترضه في التوضيح؛ بأن هذا الخلاف إنما هو في البعدي خاصة إذا قدمه. وبما قررت علم أن: الشرط، أعني قوله: "إن لم يلحق ركعة"، راجع لمسألة القبلي، وإنما لم تبطل الصلاة مع الجهل على القول بعدم البطلان مراعاة لقول سفيان بوجوب سجوده معه، وإذا كانت تبطل بذلك فلا سجود عليه بعد إتيانه بالصلاة، وقوله: "بسجود المسبوق" الخ، مكرر مع قوله: وبتعمد كسجدة، وأعاده إما لأن هذا التصوير لا يفهم مما سبق، وإما ليرتب عليه قوله: وإلا؛ أي وإن انتفى عدم لحوق المأموم المسبوق مع الإمام ركعة بأن لحق معه ركعة فأكثر، سجد القبلي معه قبل قضاء ما عليه عند ابن القاسم وبعده عند أشهب، ومبنى الخلاف هل ما أدرك آخر صلاته أو أولها؟ فإن أخره عمدا أو جهلا بطلت صلاته على ما لابن القاسم، لا سهوا قدمه قبل سلامه أو أخره، ولا على ما لأشهب مطلقا عمدا أو جهلا أو سهوا قدمه قبل سلام نفسه أو أخره، والأول هو الراجح فإن أخره الإمام حتى صار بعديا، فهل يفعله معه قبل قضاء ما عليه؟ قياسا على المستخلف المسبوق الذي ترتب على أصله سجود سهو قبل السلام، أو يفعله بعد قضاء ما عليه قبل سلام نفسه؟ وهو ما يفيده كلام البرزلي، أو إن كان عن ثلاث سنن فالأول وإلا فالثاني: وهو ما ارتضاه ابن ناجي، وبعض من لقيه، وأبو مهدي، واقتصر الشيخ إبراهيم على الأول؛ وهو الذي قاله الشيخ سالم، وذلك يفيد قوته. والله سبحانه أعلم. وإذا قدم الإمام البعدي، هل يسجده المسبوق معه لأن تقديمه صيره بمنزلة القبلي، أولا نظرا لأصله؟ وعلى كل حال فلا تبطل صلاته بسجوده معه مراعاة للخلاف في ذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. وبما قررت علم أن معنى قوله: سجد؛ أي مع الإمام، وكلامه فيما إذا سجد الإمام في محله قبل سلامه، ولو كان على رأي الإمام فقط، كشافعي يسجد قبل السلام لترك قنوت،
стр. 1091
فتبعه مالكي في ذلك، وفي الكافي: وكذلك لو كان الإمام ممن يرى السجود كله قبل السلام، فإنه يسجد معه، ثم يقضي ما عليه. انتهى. وهذا يشمله كلام المصنف. وفي الحطاب عن البرزلي: إمام عليه سجود سهو بعد السلام فسجده في محله، وسجد المأمومون قبل سلامهم ثم سلموا، فعند اللخمي تصح صلاتهم، وإذا سجد المسبوق القبلي وسها بعد إمامه، فهل يغتني بالسجود الأول؟ وهو قول ابن الماجشون؛ أولا يغتني؟ وهو قول ابن القاسم: وهو المشهور، وسلامه كسلام المأموم، وحكمه في قول سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد: حكم الفذ لأنه يدعو ويؤمن على دعائه. انتهى. وتجب عليه قراءة الفاتحة، وإذا قدم الإمام البعدي وسجده المسبوق معه فلا تبطل صلاته. كما مر. وقال الشيخ الأمير: ولو قدم البعدي تبعه.
ولو ترك إمامه؛ يعني أن المأموم المسبوق المدرك لركعة فأكثر يسجد القبلي بعد إكمال صلاته؛ أي صلاة نفسه، وقبل سلامه إذا تركه الإمام، ولا يسجده قبل قيامه لقضاء ما عليه، قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما شرحه به الزرقاني من أنه إذا تركه الإمام يسجده المسبوق بعد إكمال صلاته، وقبل سلام نفسه خلافُ ما استظهره الحطاب من أنه يسجده قبل قيامه للقضاء وعبارة الشيخ إبراهيم ويسجد المأموم القبلي في محله مسبوقا ولو ترك إمامه السجود أصلا أو أخره عمدا أو سهوا حتى صار بعديا، وقوله: "ولو ترك إمامه"؛ أي السجود عمدا أو سهوا أو رأيا، وقوله: أو لم يدرك موجبه عطف على مدخول "لو"، فهو في حيز المبالغة؛ يعني أن المأموم المسبوق يترتب عليه سجود السهو، ولو لم يدرك مع الإمام الوجب الذي أوجب عليه سجود السهو، وقوله: "أو لم يدرك موجبه"؛ بأن سها الإمام قبل دخول هذا المسبوق معه، وإن سها بنقص وسهو إمامه بزيد، اجتزأ بالقبلي، ولبعضهم:
ومن له القبلي مع بعدي … إمامه اجتزأ بالقبلي
وإذا ترك الإمام القبلي، وكان عن ثلاث سنن وطال، بل ولو تركه عمدا أو جهلا وفعله المسبوق صحت صلاته. وبطلت صلاة إمامه، وتكون من المستثنيات؛
стр. 1092
واعلم أن كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على مأمومه إلا في مسائل: ولنذكرها ست عشرة مستثناة من القاعدة المذكورة، الأولى: سبق الحدث، الثانية: صلاته به ناسيا، الثالثة: ضحكه غلبة أو نسيانا، واستخلف في الثلاثة، الرابعة: علم المؤتم بنجاسة بثوب إمامه وأعلمه بها فورا، أو استخلف بناء على ما رجحه ابن رشد، فإن لم يستخلف بطلت عليه وعليهم، وشهر ابن ناجي القطع، وعليه فلا استثناء. الخامسة: إذا سقط ساتر عورته فقطع واستخلف فإن رده وتمادى بطلت عليه وعليهم هذا قول سحنون، ولابن القاسم: إن رده وتمادى صحت صلاتهم مطلقا ويعيد هو في الوقت إن رده بالبعد. السادسة: إذا رعف واستخلف عليهم بالكلام لغير ضرورة سهوا اتفاقا وعمدا أو جهلا. عند ابن القاسم. السابعة: مستخلف لم ينو الاستخلاف. الثامنة: مسألة: وإن سجد إمام الخ، كما يأتي. التاسعة: إذا ترك الإمام قبليا عن ثلاث سنن وطال وفعله مأمومه، بل ولو تركه الإمام عمدا أو جهلا، خلافا لقول ابن رشد في إحدى قاعدتيه: كل ما لا يحمله الإمام عن من خلفه لا يكون سهوه عنه سهوا لهم إذا هم فعلوه؛ أي إلاَّ في النية وتكبيرة الإحرام المفيدة بمفهومها إن تركه عمدا بطلت عليهم. العاشرة: إذا فارق الإمام الطائفة الأولى بصلاة الخوف في محل المفارقة، فحصل منه مبطل بعد مفارقتها. الحادية عشر: إذا انحرف كثيرا فللمأموم مفارقته بالنية، وهو فرع غريب. الثانية عشر: سقوط النجاسة. الثالثة عشر: إمام خشي تلف مال أو نفس. الرابعة عشر: مسافر نوى الإقامة في الصلاة ولكن المشهور فيها البطلان على المأمومين أيضا. الخامسة عشر: ظنه الرعاف فخرج فظهر نفيه، وفي الرهوني: المشهور فيها البطلان على المأمومين. السادسة عشر: ذكر الفوائت اليسيرة ولكن المشهور فيها البطلان عليهم، والمشهور في القهقهة صحتها لهم. وقال الشيخ ميارة: إن المشهور البطلان عليهم فلا يستخلف، وتعقبه الشيخ محمد بن الحسن، فقال: ما ذكر؛ يعني الشيخ ميارة في القهقهة أن المشهور فيها عدم الاستخلاف، فيه نظر وظاهر ما تقدم عن ابن رشد: وهو الذي اقتصر عليه التوضيح وغيره خلافه، وقاعدة ابن رشد الثانية كل ما يحمله الإمام عمن خلفه فسهوه عنه سهو
стр. 1093
لهم، وإن هم فعلوه؛ أي يترتب عليهم السجود، ولو فعلوا ما تركه الإمام. وللشيخ ميارة ناظما للمستثنيات:
ذكر النجاسة سقوطها وزد … نسيانه الحدث سبق قد يرد
وكشف عورة سجود أغفلا … إن عن ثلاثة وطال فاقبلا
وإن على نفس يخف أو مال … أو ظهره فاعدد ولا تبال
مسافر لدى الصلاة قد نوى … إقامة ظن الرعاف قل سوى
مقهقه غلب أو إذا نسي … أبطلها للكل عامد مسي
ذكر الفوائت اليسيرة اعلما … ترك الإمام سجدة لذا اضمما
وذيلها الشيخ محمد بن الحسن بقوله:
مستخلفا لم ينو قل وراعفا … كلم مطلقا وزد منحرفا
فارقه المأموم نيَّة وُعِي … إمام خوف بعد الأولى فاجمع
وللشيخ ابن سودة رحمه الله تعالى:
صحت صلاة المقتدي دون الذي … به اقتدى في حرف أي فاحتذ
في حدث وضحك ومن رعف … وبكلام اختيارا قد خلف
أوأري النجس فورا أو قطع … لعورة أو سجدة لم يتبع
وترك قبلي وذي استخلاف … مفارق الأولى وذي انحراف
وكلها فيما الجماعة له … ليست بشرط فاعرفن نقله
ذكر هذا الشيخ عبد الباقي … قدس سره الإله الواقي
وما ذكره عن الشيخ عبد الباقي في قوله وكلها فيما الخ، نحوه للشيخ إبراهيم، فإنه قال: والظاهر بل المتعين أن بطلان صلاة الإمام دون المأمومين في غير المسائل التي الجماعة شرط في صحتها، وأما فيها كالجمعة والخوف ونحوهما، فإن صلاة المأمومين تبطل أيضا. انتهى.
стр. 1094
وأخر البعدي؛ يعني أن المأموم المسبوق المدرك ركعة فأكثر لا يسجد البعدي مع الإمام، فإن سجده معه بطلت صلاته -كما مر- والحكم فيه أنه يؤخره حتى يقضي ما عليه، ويسجده بعد سلام نفسه، وقوله: "البعدي"؛ أي ولو في مذهب إمامه. وقد مر أنه إن قدمه جهلا اختلف فيه، هل يلحق بالعمد أو بالسهو؟ وإذا لم تبطل بالسهو فإنه يعيده، وكذا في الجهل على قول ابن القاسم. والأولى أن يقوم المسبوق لقضاء ما عليه حيث كان إمامه عليه بعدي بعد سلام إمامه من صلب صلاته، وهو مذهب المدونة، واختاره ابن الحاجب، وقيل: الأولى أن يقوم من بعد سلام إمامه من سجود سهوه، واختاره ابن القاسم في سماع أصبغ، وقيل بالتخيير. ويجري هذا فيمن أدرك مع الإمام ركعة، قال التتائي: أو أدرك معه التشهد فقط، وغير المسبوق يسجد مع الإمام بعديا أو قبليا، ولا يضره تقديم القبلي في محله مع تأخير الإمام له، وكذا إذا قدم المأموم البعدي كما للبرزلي، وشمل قوله: وبسجود المسبوق مع الإمام قبليا أو بعديا، من أدرك البعدي مع الإمام فأحرم معه ظانا أنه في الصلاة فتبطل. وعلم مما ذكر أن البعدي إنما يخاطب به من أدرك ركعة، فإن لم يدرك ركعة وسجده بطلت، ولو أخره حيث سجده قبل سلام نفسه، وإذا كان الإمام ممن يرى القبلي دائما فينبغي أن يفعله معه، ولا يجوز له تأخيره، كما إذا اقتدى بمن يسجد لفضيلة فيتبعه وليس له ترك السجود، ولو قام للقضاء فذكر الإمام بعديا فرجع له المسبوق بعد اعتداله بطلت صلاته.
ولا سهو على مؤتم حالة القدوة؛ يعني أنه لا سهو أي لا سجود سهو على المأموم بسبب نقص سنة مؤكدة، أو مع زيادة عرض ذلك حالة تبعيته للإمام، وظاهره: ولو سها عن سنن كثيرة لحمل الإمام ذلك ولو نوى عدم حمله، وكذا لا يضر المأموم عمد نقص السنن المؤكدة. وقوله: "ولا سهو على مؤتم حالة القدوة"، لقوله ﷺ : (ليس على من خلف الإمام سهو فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه (١)) أخرجه الدارقطني ولخبر (الإمام ضامن) (٢) أي للقراءة وسجود
стр. 1095
السهو انظر نوازل ابن هلال وأما في غير حالة التبعية فلا يحمل عنه الإمام، وقوله: "القدوة" بالفتح؛ وأما القدوة بتثليث القاف فبمعنى المقتدى به: قاله الشيخ محمد بن الحسن. ولو سلم المأموم لظن سلام إمامه، ثم رجع قبل سلام إمامه حمله عنه، وبعده سلم وسجد. ابن القاسم عن مالك: يسجد قبل؛ أي لأنه نقص السلام مع الإمام وزاد هو سلاما، فإن كان مسبوقا وفعل بعد ما ظن سلام إمامه فعلا وتبين له ذلك قبل سلام إمامه رجع إليه ولا سجود سهو عليه، وإن لم يتبين حتى سلم لم يرجع لأنه إنما كان يرجع للإمام وقد زال، ولا يعتد بما فعل قبل سلام الإمام، فإن فعل بعض الفعل قبله وبعضه بعده لم يعتد بما فعل قبل السلام، واعتد بما بعده إلا أن يكون ما بعدد يتوقف على ما قبل كفعل سجود ركعة ركع فيها قبل سلامه وسجد لها بعده إلا فيعيد الركعة بتمامها: ويسجد بعد السلام. نقله عبد الباقي، وغيره. وفي القلشاني: لو اعتقد المسبوق سلام الإمام فقام للقضاء فسلم الإمام عليه وهو قائم أو راكع، قال في المدونة: ابتدأ القراءة وسجد قبل سلامه؛ يعني لنقص النهضة، فإن كان جالسا، فقال عبد الملك: لا خلاف في سقوط السجود عنه. وما فعله قبل سلام إمامه يحمله عنه الإمام، وإن كان ساجدا قال بعضهم: إن رفع رأسلأ من السجود إلى الجلوس سجد بعد؛ لأنه زاد بعد سلام الإمام رفع الرأس من السجود إلى الجلوس، وإن رفع رأسه إلى القيام سجد قبل لنقصه جزءا من النهضة؛ لأنه كان حقه أن ينهض إلى القيام من جلوس، وهذا كله بناء على المشهور أنه لا يعتد بما فعل قبل سلام الإمام، وفي المبسوط عن ابن نافع قول باعتداده بذلك انتهى ولبعضهم:
إذا ظن مسبوق سلام إمامة … وقام ليقضي ثم من بعد سلما
إمام فذا المسبوق لم يخل أمره … من اربع حالات فخذها مسلما
قيام ركوع ذا القراءة يبتدي … ويسجد من قبل السلام ليختما
لنقص نهوض للقيام وإن يكن … جلوس يقم من غير نقص وتمما
وإن يك في حال السجود فرفعه … لحال جلوس بعد يسجد فاعلما
وإن يك من هذا السجود قيامه … لنقص نهوض قبل يسجد فافهما
وكل الذي صلى بصلب إمامه … فمغتفر للحمل خذه مسلما
стр. 1096
وقد قال في المبسوط يعتد بالذي … بصلب إمام قد قضاه وعمما
بفضلك يا مولاي للعبد فاغفرن … معَ أصل وفرع يا كريم ترحما
وصل على الهادي النبي وآله … لدى البدء والإتمام أيضا وسلما
وبما قررت علم أن قوله: "حالة"، متعلق بمقدر تقديره "عرض" لا بسهو؛ لأنه يقتضي أنه يسجد بعد مفارقة الإمام إن كان مسبوقا وليس كذلك.
تنبيهات: الأول: قيل لأصبغ: ما تقول في إمام صلى بقوم فسها في صلاته سهوا يكون سجوده بعد السلام، فلما كان في التشهد الآخر سمع أحدهم شيئا فظن أنه قد سلم الإمام، فسلم ثم سجد سجدتين، ثم سمع سلام الإمام، فسلم أيضا، وسجد الإمام فسجد معه؟ فقال: يعيد الصلاة إذا كان قد سلم قبل سلامه، وسجد. انتهى. وهذا صحيح على القول بأن السلام سهوا يخرج عن الصلاة، فلما كان يخرج أبطل سجوده قبل الرجوع إليها، ووجب عليه استينافها كما في المدونة فيمن سلم من ركعتين ساهيا، ثم أكل أو شرب، ولم يطل، فإنه يبتدئ ولا يبني. وأما على أن السلام سهوا لا يخرج عن الصلاة فيحمل عنه السجود الذي بعد أن سلم قبل أن يكمل الإمام صلاته، وإذا سلم الإمام من اثنتين ساهيا وسجد للسهو ثم تذكر أنه بقي عليه شيء من صلاته أتمها وأعاد سجود السهو، وكذا لو كان قبل السلام لأعادهما، وإذا ظن أنه سلم فسلم، ثم علم قبل أن يسلم الإمام، فعلى الأول يرجع بتكبير، وعلى الثاني يرجع بلا تكبير.
الثاني: ينبني على أن السلام سهوا لا يخرج عن الصلاة فيمن دخل مع الإمام في التشهد الأخير، فلما سلم الإمام وقام هو فقضى صلاته رجع الإمام فقال: إني كنت أسقطت سجدة، أنه ينظر فإن ركع الركعة الأولى من قضائه في حد لو رجع الإمام له لصح له الرجوع إلى إصلاح صلاته ألغى تلك الركعة؛ لأنه صلاها في حكم الإمام، وإن كان لم يركع في الركعة الأولى من قضائه إلا بعد أن فات الإمام الرجوع إلى إصلاح صلاته، صحت له تلك الركعة، وسجد قبل السلام؛ لأنه قرأ الحمد في حكم الإمام فكأنه أسقطها.
стр. 1097
الثالث: اعلم أن السلام من الصلاة إما أن يقع في محله؛ أي بعد تمام الصلاة، أولا فإن كان بعد تمام الصلاة وقصد به التحليل فالأمر واضح، وإن سلم غير قاصد به التحليل كما لو وقع سهوا أجزأ على أحد القولين المتقدمين، في قوله: وفي اشتراط نية الخروج به خلاف إلا أن ينوي به تسليمة الفضل، وإن سلم قبل تمام الصلاة قاصدا به التحليل وهو يعلم أن الصلاة لم تتم بطلت صلاته، وإن ظن، أي اعتقد تمامها فسلم لذلك فإذا هي لم تتم فذلك هو محل الاختلاف المتقدم، وهو كون السلام سهوا يخرج عن حكم الصلاة أولا، وأما إن سلم ساهيا قبل تمام صلاته غير قاصد التحليل فإنه لا يخرج عن حكم الصلاة بإجماع، بل ذلك سهو دخل عليه يسجد له بعد السلام فتأمل تلك الأقسام الأربعة الحسان. انظر الحطاب.
وبترك قبلي عن ثلاث سنن وطال؛ يعني أن المصلي إذا ترتب عليه قبلي وكان عن ثلاث سنن فأكثر، وتركه سهوا ولم يتذكره حتى حصل طول من انتهاء صلاته التي ترتب فيها، فإن صلاته تبطل، ومثل الطول ما إذا حصل مانع. وكذا إن تكلم، أو لابس نجاسة: أو استدبر عامدا قاله ابن هارون. قاله بناني. وقوله: "عن ثلاث سنن" سواء كانت قولية كثلاث تكبيرات أو تكبيرتين مع تسميعة، أو تسميعتين مع تكبيرة، أو قولية وفعلية كترك الجلوس الأول؛ إذ يلزم عليه ترك التشهد، والجلوس له، والتكبير للقيام بعده، كما في الرهوني عن التوضيح، ونصه؛ لأنه محتو على ثلاث سنن: الجلوس، والتكبير، والتشهد. وأما فعلية فلا يتأتى قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: وبترك قبلي عن ثلاث سنن؛ أي مراعاة للقول بوجوبه هذا أقرب ما يدفع به إشكال إبطاله مع أنه سنة. قاله الشيخ الأمير. وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن الجلوس الوسط فيه سنتان قوليتان: التشهد، ولفظه. والظاهر ما قدمته. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وطال"، محل ذلك حيث تركه سهوا، وأما عمدا فتبطل قطعا، وإن لم يطل. قاله الشيخ عبد الباقي. ولا يجري فيه الخلاف الآتي في ترك السنن عمدا؛ لأن هذا ترك السنن وما يترتب عليها بخلاف الآتي، فإنه ترك سنة عمدا قاله عبد الباقي.
стр. 1098
فعلم أن المصنف شامل لتركه عمدا أو سهوا، ولكن قيد الطول راجع للسهو، وأما السورة فمشتملة على سنتين: نفسها، والقيام لها. وأما صفتها من سر أو جهر فبعض سنة فلا يوجب قبليها بطلانا مع الطول -كما في الرسالة. والله سبحانه أعلم. وفي الحطاب عند قوله: "وبترك قبلي عن ثلاث سنن"، كما لو ترك السورة، ولم يقم لها، فإنه ترك السورة والقيام لها، وصفة القراءة من الجهر والإسرار فلو قام لها فلا شيء عليه. صرح به الشيخ زروق. وقال الرهوني: الذي يدل عليه كلام أهل المذهب أن الراجح في هذا؛ يعني ترك القبلي المرتب عن ترك السورة الصحة، وكلام الرسالة صريح في ذلك، وسلم كلامها القلشاني، والشيخ زروق. ونقل ابن يونس عن محمد مثله، وساقه كأنه المذهب، ولم يقيده بشيء ولم يحك خلافه، وقال ابن القاسم في العتبية: فإن نسيها حتى طال فلا شيء عليه، وقال أشهب ومالك في مختصر ما ليس في المختصر: لا شيء عليه، لا إعادة ولا سجود. وقال عيسى: إذا تركها عمدا أو جهلا أعاد أبدا، وجعلها واجبة، وعلى هذا إذا تركها سهوا ولم يسجد حتى طال الأمر، تبطل صلاته. انتهى. منه بلفظه على نقل ابن غازي. نقله اللخمي. قال الرهوني: فأنت ترى اللخمي لم يحك القول بالبطلان إلا تخريجا على قول عيسى، والخرج عليه خلاف مذهب المدونة. انتهى.
لا أقل؛ يعني أن السجود القبلي إذا ترتب عن أقل من ثلاث سنن، فإن الصلاة لا تبطل بتركه سهوا مع الطول، وإذا لم تبطل مع الطول. فلا سجود؛ يعني أن القبلي إنما يطلب مع القرب لأنه سنة مرتبطة بالصلاة وتابعة لها، ومن حكم التابع أن يعطى حكم التبوع بالقرب، فإذا بعد لم يلحق به فلذا لم يؤت به مع الطول. وينظر حينئذ، فإن كان مرتبا عن ثلاث سنن، أعاد الصلاة أبدا لبطلانها بفواته، وإن كان عن أقل من ثلاث سنن لم تبطل بفواته. والله سبحانه أعلم. ومن المدونة: فإن كانتا أي سجدتا السهو عن تكبيرتين، أو سمع الله لمن حمده مرتين عمدا أو قراءة السورة مع أم القرآن من ركعة أو ركعتين، أو ترك الجهر في القراءة فليسجدهما إن قرب، وإن تباعد، وطال الكلام، وانتقض وضوءه، فلا شيء عليه. نقله الرهوني. وفهم من قوله: "قبلي"، أنها لا تبطل بترك البعدي، وهو كذلك، ويسجده أبدا. كما مر. وقال الهواري: لو سها
стр. 1099
مدرك ركعة من الرباعية أو من المغرب عن الجلوس الأول من قضائه، لكان كمن نسي الجلوس من اثنتين، إلا أنه إن نسي سجود السهو حتى طال لم تكن عليه إعادة الصلاة فيما يقع بقلبي لدخول الخلاف فيه من كل وجه، وكذا لو تعمد تركه على مراعاة الخلاف فيه، ولم أر فيه نصا. انتهى. وهو الظاهر. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. واعلم أن كل سجود بعدي أو قبلي مرتب عن أقل من ثلاث سنن لا يقطع من ذكره في صلاة. كما مر. فيأتي به، وبالبعدي بعد الصلاة، وأما القبلي المرتب عن ثلاث سنن، فأشار إليه بقوله: وإن ذكره في صلاة؛ الضمير البارز عائد على القبلي المرتب عن ثلاث سنن يعني أن من ذكر القبلي المرتب عن ثلاث سنن؛ وهو في صلاة فلا يخلوا من أن يكون قد حصل من الطول بين الأولى المتروك هو منها، وبين الثانية المذكور فيها ما تبطل به الأولى أو لا، فإن ذكره في الثانية، والحال أن الأولى قد بطلت من أجل الطول الحاصل قبل الدخول في الثانية، فالحكم في ذلك كحكم ذكرها؛ أي صلاة في صلاة قطع فذ وشفع إن ركع، وإمام ومأمومه لا مؤتم فيعيد في الوقت. كما مر. في الفوائت، وقوله: "وبطلت" لم يبرز الضمير إما لعدم اللبس على رأي الكوفيين، وإما لا اختاره أبو حيان من أن الإبراز إنما يجب مع الوصف دون الفعل. وبما قررت علم أن قوله: "وبطلت" جملة حالية، وأن الطول فيها خارج عن الصلاة. والله سبحانه أعلم.
وإلا؛ أي وإلا يحكم ببطلان الأولى لعدم الطول المذكور، فالحكم في ذلك، كحكم ذاكر بعض بالتنوين؛ أي كمن ذكر بعض صلاة في صلاة، وذلك له أربعة أوجه؛ لأن المتروك إما من فرض أو نفل، وعلى كل ذكره في فرض أو نفل، فإن كان المتروك. من فرض ذكره في فرض أو نفل، فإنه إما أن يذكره بعد أن أطال القراءة، ومثل طول القراءة الركوع أولا، فإن ذكره بعد أن أطال القراءة من غير ركوع، بأن خرج من الفاتحة. قاله الشيخ عبد الباقي. أو ركع بالانحناء من غير قراءة فاتحة كأمي ومأموم، بطلت الصلاة المذكور منها إن سلم أو ظن السلام، وإلا فلا، ويرجع لإتمامها، ويعتد بما فعله في المذكور فيها فيجعله لإصلاح الأولى، والطول في هذه داخل الصلاة. وما قدمته في تفسير طول القراءة هو لعبد الباقي هنا كما عرفت. قال الشيخ محمد بن الحسن: قد
стр. 1100
مر له في الفرائض عن أبي الحسن أن المراد بطول القراءة الزيادة على الفاتحة، ونقله ابن عرفة عن ابن رشد، فيجب اعتماده. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وتحصل مما مر أن البطلان في ذكر البعض، وذكر القبلي المرتب عن ثلاث سنن مشروط بالسلام أو ظنه فيهما، ويفترقان إن لم يسلم ولم يظنه، ففي البعض يعتد بما فعل، وفي القبلي يرجع ولا يعتد بما فعل.
وحيث بطلت الأولى، أتم النفل. والمراد بالنفل ما قابل الفرض، فيشمل السنة والندب، وإنما أتمه لأنه لا ترتيب بين الفريضة والنافلة. ويتم النفل إن اتسع الوقت مطلقا عقد ركعة أم لا، وكذا إن ضاق الوقت وعقد ركعة أي أتمها بسجدتيها، وإلا تركه وأحرم بالأولى.
وقطع غيره؛ يعني أنه إذا ذكر القبلي المرتب عن ثلاث سنن أو بعض صلاة في الفريضة بعد أن أطال القراءة أو ركع، فإن الأولى تبطل -كما مر- ويقطع الفريضة المذكور فيها لوجوب الترتيب إماما أو فذا لا مأموما فيتمادى. ومحل قطعه للفريضة إن ضاق الوقت مطلقا عقد ركعة أم لا، وكذا إن اتسع ولم يعقد ركعة.
وندب الإشفاع إن عقد ركعة؛ أي أتمها بسجدتيها؛ يعني أنه إذا عقد ركعة من الفريضة ثم ذكر القبلي أو بعض فريضة فإنه يندب له أن يشفع تلك الركعة بأخرى، فينصرف عن شفع بشرط أن يكون الوقت قد اتسع، وهذا في غير المغرب. وأما هي فلا يشفعها -كما مر- في الفوائت، ويتم الصبح والجمعة بعد ركعة بنية على قول، والمذهب أنه يشفعهما. وانظر هل النفل المنذور كالفرض نظرا لطرو النذر، أو كالنفل نظرا لأصله؟ ولا تدخل الجنازة في كلام المصنف هنا؛ لأنه لا يتأتى فيها الإشفاع، بل إما القطع أو الإتمام. وقوله: "وأتم النفل وقطع غيره"، إنما أتم النفل في ضيق الوقت مع عقد ركعة منه، وقطع الفرض مع ضيقه؛ لأن النفل لا يقضى فلو لم يتمه لمذهب بالكلية، والفرض إذا لم يشفعه لضيق الوقت يأتي به، وإلا راجع لقوله: إن أطال القراءة أو ركع؛ أي وإن لم يحصل منه في الثانية طول قراءة ولا انحناء، وكان قد سلم أو ظن السلام رجع
стр. 1101
لإصلاح الأولى؛ ولو مأموما، بلا سلام من الثانية؛ أي يجب تركه، فإن سلم بطلت في غير القبلي المرتب عن ثلاث سنن، لقول المصنف: وصح إن قدم أو أخر.
ومن نفل في فرض تمادى؛ يعني أنه إذا كان المتروك بعضا أو قبليا مرتبا عن ثلاث سنن من نفل ولو مؤكدا، وذكره بعد دخوله في فرض، فإنه يتمادى مطلقا، عقد ركعة أم لا، أطال القراءة أم لا لقوة الفرض على النفل. كفي نفل تشبيه في التمادي؛ يعني أنه إذا كان المتروك بعضا أو قبليا عن ثلاث سنن من نفل، وذكره في نافلة، فإنه يتمادى في هذا النفل المذكور فيه ولو دون المذكور منه، وإنما محل تماديه. إن أطالها؛ يعني أن محل التمادي المذكور إنما هو حيث أطال القراءة في المذكور فيها. أو ركع؛ يعني أنه كما يتمادى حيث أطال القراءة يتمادى إذا ركع، ومفهوم كلام المصنف أنه إن لم يحصل منه طول قراءة ولا ركوع في الثانية، فإنه يرجع لإصلاح الأولى ولو دون المذكور فيها بلا سلام من الثانية، ويتشهد ويسلم ويسجد بعد في ذكر البعض، وأما في ذكر القبلي فإنه يسجد قبل السلام لا بعده؛ لأنه اجتمع له النقص والزيادة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقد علمت أن المراد بطول القراءة الزيادة على الفاتحة، وحينئذ فيتأتى الركوع من غير طول القراءة. وقد مر أن هذا هو المعتمد، ومنهم من جعل طول القراءة الخروج من الفاتحة، ويجعل قوله: "أو ركع"، في الأمي أو المسبوق. والله سبحانه أعلم.
وهل بتعمد ترك سنة؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في بطلان صلاة من تعمد ترك سنة، فمنهم من ذهب إلى البطلان بذلك، وهو لابن كنانة وشهره في البيان، وكذا شهره اللخمي، ومحل البطلان عند القائل به حيث كان التارك لها إماما أو فذا لا مأموما، فإن الإمام يحمل عنه ذلك. أو لا؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن الصلاة لا تبطل بتعمد ترك سنة، وليستغفر الله تعالى، وهو قول مالك وابن القاسم، وشهره ابن عطاء الله. وعليه فالمشهور أنه لا سجود عليه لأنه إنما يكون للسهو في ذلك. (خلاف) في التشهير كما عرفت، وقوله: وهل بتعمد ترك سنة؛ أي واحدة مؤكدة داخلة في الصلاة، فإن لم تكن السنة داخلة في الصلاة، ومثلها السنتان الخفيفتان الداخلتان في الصلاة، فإن لم تكن السنة داخلة في ماهية الصلاة كإقامة وأذان صحت كما تقدم عند قوله: وصحت ولو تركت عمدا، وكذا تصح إن لم تكن مؤكدة، ولا ما يقوم مقامها من السنتين
стр. 1102
الخفيفتين كتكبيرة واحدة. وقد مر أن المأموم لا تبطل صلاته بتعمد ترك سنة مؤكدة، بل لا تبطل ولو ترك السنن كلها فهو خارج عن الخلاف، كما علمت. ومفهوم واحدة أنه لو ترك الفذ أو الإمام أكثر من واحدة أو ما يقوم مقامها، بطلت باتفاقهما، كما عند ابن رشد، ولكن ذكر سند عن المدونة أن: من ترك السورة في الأوليين استغفر الله ولا شيء عليه، وإن ترك سنة مختلفا في وجوبها وسنيتها كالفاتحة فيما زاد على الجل، بناء على وجوبها في الجل، فتبطل بتركها عمدا في الزائد عليه مراعاة للقول بوجوبها في الكل. قال الشيخ بناني: تقدم عن اللخمي الخلاف في سجود السهو لتركها عمدا، وقال القلشاني: وعلى وجوب الفاتحة في الأكثر، قال اللخمي: هي في الأقل سنة فيسجد لتركها سهوا قبل، ويختلف إذا تركها عمدا، هل تبطل الصلاة أو تنجبر بالسجود على ترك السنن عمدا؟
وعلم مما قررت أن محل الخلاف خمسمة أشياء؛ أولها: أن تكون السنة داخلة في ماهية الصلاة لا خارجة عنها، كأذان وإقامة فلا تبطل بتعمد تركهما. ثانيها: أن تكون مؤكدة أو ما يقوم مقامها من السنتين الخفيفتين كتكبيرتين لا تكبيرة لغير عيد. ثالثها: كون المتعمد للترك إماما أو فذا رابعها: أن لا يترك أكثر من واحدة، وإلا بطلت قطعا على ما مر خامسها: أن يتفق على سنيتها لا فاتحة على ما مر. والله سبحانه أعلم.
واعلم أن الإمام يحمل عن المأموم كل شيء فلا يضره ما ترك عمدا أو سهوا؛ أي لا يبطل عليه إلا تكبيرة الإحرام، والسلام، والركوع، والسجود، والرفع منه، وجلوس السلام ونحو ذلك، ولكنه أساء في تعمد الترك مع صحة صلاته. وعلم مما مر أيضا أن محل الخلاف إنما هو في السنن الثمانية التي تقدم ذكرها، وهي السنن الموجبة للسجود، والمشار إليها بقوله:
سينان شينان كذا جيمان … تاءان عد السنن الثمان
وقال الرهوني بعد جلب كثير من النقول: فإذا تأملت ما سبق كله ظهر لك أن الراجح القول بالصحة؛ لأنه نص قول ابن القاسم، وروايته: عن مالك في المدونة وغيرها، وشهره ابن عطاء
стр. 1103
الله، وابن بشير، وابن ناجي، وصححه ابن رشد ورجحه في الشامل برد مقابله، واعتمده أبو عمر قائلا: إن القول بالبطلان ضعيف عند الفقهاء، وليس لقائله سلف ولا حظ من النظر، ولو كان كذلك لم يعرف الفرض من غيره. وقال: إن طريقة الأكثر أن الخلاف غير مقيد بترك سنة واحدة، بل جار في ترك أكثر منها، وقال: إن التوضيح صرح بجريان الخلاف في الجلوس الوسط. وحكى ابن بطال الاتفاق على بطلان صلاة من تركه عمدا: وأبو عمر الإجماع عليه.
وبترك ركن؛ يعني أن المصلي إذا ترك ركنا من صلاته فإن كان متعمدا لذلك تبطل صلاته، وأما إن كان ساهيا فإنما تبطل إذا طال ما بين انتهاء صلاته وتذكره، وقوله: "وطال" جملة حالية من ترك؛ أي حال كون الترك طال زمنه. كشرط تشبيه في البطلان؛ يعني أن الصلاة تبطل بترك شرط من شروطها الأربعة من: طهارة حدث، وخبث، وستر عورة، واستقبال قبلة. وقد مر ذلك مبينا في محله.
وتداركه؛ يعني أنه لا تبطل صلاته في ما إذا ترك الركن سهوا وتذكره قبل الطول، والحكم في ذلك أن يتدارك الركن المتروك إن أمكن تداركه، لا إن لم يمكن: كنية ولا شرطا فالبطلان ليس إلا، والتدارك أن يأتي بالركن فقط من غير استيناف. ركعة قال الشيخ إبراهيم: هو بيان لمفهوم طال. إن لم يسلم؛ يعني أن الركن المتروك سهوا إما أن يكون من الركعة الأخيرة، أو من غيرها، فإن كان من الأخيرة فإنما يتداركه حيث لم يسلم أصلا، أو سلم ساهيا عن كونه في الصلاة، أو ساهيا عن تلفظه به، أو غلطا فيأتي به وبما بعده. ومفهوم قوله: "إن لم يسلم"، أنه إن سلم معتقدا الكمال قصد التحليل أم لا، فاته التدارك -كما يأتي- لأن السلام ركن حصل بعد ركعة بها خلل فأشبه عقد ما بعدها، فيأتي بركعة كاملة إن قرب سلامه، ولم يخرج من المسجد كما يأتي للمصنف، حيث قال: "وبنى إن قرب" والمعتبر سلام التارك نفسه، فسلام الإمام لا يفيت التدارك على المأموم فيأتي بما نسيه من السجود مثلا عند ابن القاسم، وأشهب، ومطرف، وابن الماجشون. وقيل: يفيته؛ وهو لابن هارون، وعليه يلغيها ويأتي بركعة. وقوله: "إن لم يسلم" شامل للأخيرة، ولما إذا سلم من غيرها معتقدا الكمال ثم تبين أنه نسي سجدة من الركعة الثانية من رباعية أو ثلاثية، فيأتي بركعتها وبما بقي من الصلاة إن قرب بإحرام. قاله الشيخ إبراهيم.
стр. 1104
ويستثنى من المصنف الجلوس بقدر السلام فلا يفيته السلام كما في المدونة، فيجلس بعد التذكر، ويتشهد، ويسلم، ويسجد بعد لسهوه إن قرب، فإن طال بطلت. وقوله: "وتداركه إن لم يسلم"، ما مشى عليه المصنف هو المذهب، وقيل: لا يفيت السلام التدارك.
ولم يعقد ركوعا؛ يعني أنه إذا كان الركن المتروك سهوا من غير الركعة الأخيرة، فإنه يتداركه إن لم يعقد ركوعا أصليا، فإن عقده فات التدارك ورجعت الثانية أولى. وأما الركوع الزائد فلا يفيت التدارك، وقيل: يفيته، وعليه فهل تنوب عن ركعة الخلل أم لا؟ قولان، والكلام هنا في الفذ، والإمام. وحكم المأموم هو ما يأتي في قوله: "وإن زوحم". قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني.
واعلم أن الركن هو ما تنعدم الماهية بانعدامه، وهو من أجزائها كالركوع والسجود ونحوهما من أجزاء الصلاة، والشرط ما تنعدم الماهية بانعدامه، ولكنه خارج عن الصلاة كالطهارة بقسميها، وستر العورة، واستقبال القبلة، وهي شروط الصلاة الأربعة. والله سبحانه أعلم. وسيأتي كيفية التدارك في قوله: "وتارك ركوع يرجع قائما".
ولما كان العقد يختلف ففي بعض المسائل يعتبر بالسجدتين -كما تقدم- وفي بعضها برفع الرأس، وهو الأعم الأغلب عند ابن القاسم، وفي بعضها بالانحناء، وهو الأعم الأغلب عند أشهب، أشار إلى مذهب ابن القاسم بقوله: وهو رفع رأس؛ يعني أن عقد الركوع المفيت للتدارك أي الوجب لبطلان الركعة، هو رفع رأس من الركعة التالية لركعة النقص عند ابن القاسم مطمئنا معتدلا، فإن رفع دونهما فكمن لم يرفع، فيرجع ويتدارك لا مجرد انحناء، خلافا لأشهب. إلا لترك ركوع؛ يعني أن هذه المسائل المستثناة عقد الركوع فيها المفيت للتدارك ليس هو رفع الرأس المذكور. قال الشيخ إبراهيم: ولا مفهوم لركوع أي إلا لترك ركوع أو رفع منه أو سجود أو قراءة، فلو قال: إلا لترك ركن كركوع لكان أشمل. انتهى. وسيأتي قريبا عن الشيخ عبد الباقي ما يخالفه، والظاهر ما للشيخ عبد الباقي لا ما للشيخ إبراهيم؛ لأنه مخالف لظاهر المصنف، ولأنه يناقض قول المصنف: وبترك ركن الخ. قاله جامعه عفا الله عنه. والله سبحانه أعلم. والظاهر أن اللام في قوله: "لترك"، بمعنى في على حد قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولا
стр. 1105
مانع من كونها للتعليل. والله سبحانه أعلم. والمعتبر في هذه المستثنيات الانحناء لما يلي الركعة التي ترك ركوعها، كما أشار إلى ذلك بقوله: فبالانحناء، يعني أن الركوع المتروك سهوا يفوت تداركه بالانحناء، وهو وضع اليدين على الركبتين، وظاهره وإن لم يطمئن في انحنائه. قاله الشيخ إبراهيم. فتبطل ركعة النقص، وتقوم هذه مقامها عند ابن القاسم كقول أشهب؛ إذ لا بد من إبطال أحد الركوعين، وإبقاءُ ما تلبس به أولى، قال الشيخ عبد الباقي: وأما لو ترك الرفع من الركوع فقط فيدخل فيما قبل الاستثناء، فلا يفيته الانحناء وإنما يفيته رفع رأسه من التي تلي ما تركه منه فإن ذكره منحنيا رفع بنية رفع الركوع السابق، ثم يسجد لوجوب ترتيب الأداء. ولو تذكره في قيام الركعة الثانية فلا يتأتى له الإتيان بما فاته إلا إذا ركع، فيركع. انتهى كلام عبد الباقي، وهو صريح في خلاف قول الشبراخيتي، فيفيد إبقاء المصنف على عمومه، ولم يتعقبه بناني. وقوله: "فبالانحناء"، قال الشيخ إبراهيم: أي فينعقد بالانحناء إن قلنا إن ابن القاسم رجع لأشهب، أو يفوت تداركه بالانحناء إن قلنا إنه لم يرجع له، والأول هو ظاهر كلام المصنف خصوصا، والأصل في الاستثناء الاتصال.
والحاصل أن ابن القاسم وافق أشهب في هذه المستثنيات، وقوله: كسر، الكاف للتشبيه وهي لا تدخل شيئا، لا تمثيلية؛ يعني أن من جهر في محل السر يطالب بأن يعيد القراءة سرا، ويفوت تلافي ذلك بالانحناء، ومثل السر الجهر والسورة والتنكيس؛ بأن يقدم السورة على الفاتحة، فيفوت تدارك ذلك بالانحناء.
وتكبير عيد؛ يعني أن من ترك تكبير العيد كلا أو بعضا، عمدا أو سهوا يفوته تلافي ما ترك من ذلك بالانحناء. كما سيأتي. وسجدة تلاوة؛ يعني أن من قرأ ما فيه سجود في صلاته، وجاوز محل السجدة ولم يسجد، يطالب بسجود التلاوة ما لم يركع؛ أي ينحن، فإذا انحنى للركوع بوضع اليدين على الركبتين، فإن سجدة التلاوة تفوته، فإن كانت الصلاة فرضا فإنه لا يأتي بها فيما يأتي به من صلاته، وإن كانت نافلة فعلها في ثانيته، كما يأتي. وإنما لم تفت بالركوع الآتي في قوله: "فإن قصدها فركع سهوا" الخ، على مذهب ابن القاسم؛ لأن ما يأتي انحط بنية
стр. 1106
السجدة سهوا، وركع سهوا فلم يعتد بالركوع؛ لأن ابن القاسم يشترط قصد الحركة للركوع وما هنا انحنى بنية الركوع فيعتد به، ويفوت تلافيها اتفاقا.
وذكر بعض؛ يعني أن من ترك بعض صلاة سهوا وذكره في صلاة أخرى، يفوته تلافي ما ذكره من الأولى بالانحناء في الثانية على ما مر تفصيله، ومثله القبلي المرتب عن ثلاث سنن وشمل كلام المصنف ست صور وهي: ما إذا كان البعض، والقبلي من فرض، وذكرهما في فرض أو نفل، أو من نفل، وذكرهما في نفل، ولا يشمل ما إذا كانا من نفل وذكرهما في فرض؛ إذ لا يعتبر هنا في فواتهعا طول قراءة ولا ركوع. كما نص عليه غير واحد.
وإقامة مغرب عليه وهو بها؛ يعني أن من أقام عليه الإمام الراتب صلاة المغرب؛ وهو بها أي في صلاة المغرب في المسجد يفوته القطع بوضع يديه على ركبتيه في ركوع الثالثة، والمشهور في المذهب أن من أقيمت عليه المغرب وقد أتم منها ركعتين بسجودهما يتمها وقبل ذلك يقطعها. ولعل المصنف قصد جمع النظائر، وإلا فهذا ضعيف -كما علمت- وسيذكر المصنف حكم غير المغرب بقوله: "وببيته يتمها"، وقوله: "وإقامة"، عطف على قوله: "سر"، وفي قول المصنف: "وهو بها"، إجمال؛ لأنه يحتمل أنه في الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة، ولا يمكن حمل المصنف على المشهور؛ لأن كلامه فيما يفيته الانحناء. انتهى.
ولما قدم المصنف أن تارك الركن من الركعة يتداركه إن لم يسلم، ووراء ذلك أحد أمرين: إما بطلان الصلاة جملة، وهو المنبه عليه بقوله: "وبترك ركن وطال"، وإما بطلان ركعة النقص فقط، والبناء على ما بقي، وهو المنبه عليه بقوله: وبنى؛ يعني أن المصلي إذا سها عن ركن من صلاته وسلم، فإنه يفوته التدارك، ويبني على ما معه من صلاته ويأتي بدل ركعة الخلل بركعة كاملة. إن قرب؛ يعني أن هذا الذي سلم وفاته التدارك فإنه يبني -كما مر- وإنما يكون له البناء بشرطين؛ فإن انتفيا أو أحدهما بطلت صلاته؛ أحدهما أن يقرب سلامه عرفا من ذكر ما عليه، فإن بعد بطلت صلاته -كما عرفت- وأشار لثانيهما بقوله: ولم يخرج من المسجد؛ يعني أنه كما يشترط في بنائه القرب، يشترط فيه أيضا أن لا يخرج من المسجد الذي صلى فيه صلاته التي
стр. 1107
سها عن بعض أركانها باتفاق ابن القاسم وأشهب، فلو بعد ابتدأ صلاته -كما مر- لبطلانها، ولو خرج من المسجد ولو صغيرا وصلى بإزائه بما يعد خروجا عرفا لم يَبْنِ وتبطل صلاته، وابتدأها، ولو قرب جدا فالخروج بإحدى رجليه لا يعد خروجا عرفا، وإن كان لا يخرج من المسجد فالظاهر أن الطول بالعرف ولو صلى بغير المسجد، فقيل: حد القرب الصفان والثلاثة، وقيل: بالعرف من غير تحديد، وقال أشهب: حيث يصلي بصلاة الإمام، واقتصر على هذا الأخير. قاله الشيخ إبراهيم. وبما قررت علم أن الواو في قوله: "ولم يخرج من المسجد" على بابها. وقوله: حيث يصلي بصلاة الإمام، يفيد أن البعد المجاوزة التي تمنعه أن يصلي بصلاتهم بأن لا يرى أفعال الإمام ولا المأمومين، ولا قوله: "ولا قولهم"؛ لأن الاقتداء يحصل برؤية فعل الإمام أو سماع قوله أو برؤية فعل المأموم أو سماع قوله وما قدمته من أن ابن القاسم يقول بأن: الخروج من المسجد مبطل هو للشادلي على الرسالة، ونحوه للشيخ محمد بن الحسن والتاودي، فإنه، أي التاودي، قال في قول الشيخ عبد الباقي: الأول لابن القاسم؛ يعني بالأول القرب بالعرف، والثاني لأشهب؛ يعني بالثاني الخروج من المسجد نحوه في التوضيح وهو مشكل؛ إذ ابن القاسم عنده الخروج من المسجد طول أيضا، كما صرح به أبو الحسن، فقال في قول المدونة: من سها عن سجدة أو ركعة أو عن سجدتي السهو قبل السلام بنى فيما قرب، وإن تباعد ابتدأ صلاته، ما نصه: البعد الصفان أو الثلاثة أو الخروج من المسجد. انتهى. نقله الرماصي. ونقل أبو الحسن عن ابن المواز أنه قال: لا خلاف أن المسجد طول؛ أي الخروج من المسجد طول باتفاق. وحينئذ فيتعين أن "الواو" في كلام المصنف للجمع، لا بمعنى "أو". وفي المواق عن المدونة أنهما: معا طول عند الإمام. انتهى. وبين المصنف كيفية البناء بقوله: "بإحرام" متعلق بقوله: "وبنى" يعني أن البناء إنما يكون بإحرام؛ أي تكبير ونية، ولو قرب جدا. والظاهر ندب رفع اليدين حين شروعه. ولم تبطل بتركه؛ يعني أن الإحرام بمعنى التكبير إنما هو على وجه السنية أو الندب، فلذا لم تبطل الصلاة بتركه؛ أي الإحرام بمعنى التكبير عند ابن أبي زيد ومشايخ عصره. وأما النية؛ أي نية إتمام ما بقي من الصلاة فلا بد منها، ولو قرب جدا اتفاقا، فالقائل بأنه إذا قرب جدا لا يحتاج إلى إحرام اتفاقا أراد به التكبير، فالخلاف إنما هو في التكبير حيث قرب
стр. 1108
جدا مع أنه طريق، والأخرى لا بد منه لا في النية، خلاف ما يوهمه التتائي من أن اختلاف الطريقتين في الإحرام بمعنى النية والتكبير معا، فلا يعول عليه لاتفاقهما على النية مع القرب جدا. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: في الاتفاق نظر، بل النية إنما يحتاج إليها عند من يرى أن السلام مع اعتقاد الكمال يخرج من الصلاة، وهو قول مالك وابن القاسم، لا عند غيره. انظر المواق، والتوضيح، والحطاب، فالرد على التتائي غير صحيح. والحاصل أنهما طريقان، الأولى للباجي عن ابن القاسم عن مالك: وجوب الإحرام ولو قرب جدا، والثانية لابن بشير: الاتفاق على عدم الإحرام إن قرب جدا، والظاهر مما ذكرناه أن اختلافهما في الإحرام بمعنى النية والتكبير، كما يقول التتائي، لا في التكبير فقط كما يقوله غيره. والله أعلم. انتهى. ونقض الرهوني ما للبناني، وأقر ما لعبد الباقي والله سبحانه أعلم.
وجلس له؛ يعني أن من سلم من اثنتين، وتذكر ما بقي من صلاته قائما، يجلس ثم بعد أن يجلس يكبر؛ لأنها الحالة التي فارق منها الصلاة. قاله ابن شبلون. وقال ابن القاسم: يكبر قائما ثم يجلس، وأنكره ابن رشد واستظهر قول ابن شبلون، ولذا قال: على الأظهر؛ وقيل: يكبر قائما أي ويستمر قائما. والله سبحانه أعلم. وأما إن سلم قبل عقد ركعة، أو بعد عقدها، أو عقد ثلاث فإنه يرجع إلى حال رفعه من السجود، ويحرم حينئذ. وظاهره: ولو كان جلس قبل المفارقة، وهو الظاهر لأنه جلوس في غير محله، وكذا لو لم يسلم حتى استقل قائما، فإنه يرجع لحال رفعه من السجود، ويحرم منه فيما يظهر، وتكون حركته كلها مقصودة للركن المكمل. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب عن الهواري: إنه إذا سلم من الاثنتين يكبر وهو جالس، ثم يكبر تكبيرة أخرى للقيام يريد بعد أن يستوي قائما. انتهى. ثم قال: وإن سلم على ركعة أو ثلاث ولم يحدث ولم يطل فهو بمنزلة من سلم على ركعتين في كل ما قررناه. انتهى. وقوله: وجلس له؛ أي للإحرام. وقد علمت أنه يجلس بغير تكبير، فإذا جلس كبر، وقوله: "وجلس له"، الظاهر أن حكم الجلوس الوجوب، ولكن لا تبطل بتركه فيما يظهر، مراعاة لقول من يقول: يحرم قائما.
стр. 1109
ولما قدم أنه يتدارك الركن من الأخيرة إن لم يسلم وإلا فات، كان مظنة سؤال، وهو ما الذي يفيت تدارك السلام الذي لا ركن بعده، فأجاب مشيرا إلى أن ذلك خمسة أقسام، بقوله: وأعاد تارك السلام التشهد؛ يعني أن المصلي إذا ترك السلام سهوا، فإنه يعيد التشهد بعد أن يحرم جالسا، ويسجد بعد السلام إذا طال طولا متوسطا أو فارق موضعه. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: قوله: "ويسجد بعد" الخ، هذا صحيح فيما إذا فارق موضعه، وأما في الطول المتوسط فجزم صاحب شرح المرشد بأنه لا يسجد؛ وهو ظاهر؛ لأنه طول بمحل شرع به. وسجد إن انحرف عن القبلة؛ يعني أن من ترك السلام سهوا يسجد بعد السلام؛ أي من بعد أن يعتدل ويتوجه إلى القبلة، ويسلم فيما إذا انحرف عن القبلة من غير طول، ولا مفارقة موضع، ولا يحتاج هذا إلى تكبير ولا إلى إعادة تشهد، ولو لم ينحرف في هذا القسم أو انحرف يسيرا سلم فقط، ولا سجود عليه، فما لا يبطل عمده لا سجود في سهوه، وإن طال كثيرا بطلت لقوله: "وبترك ركن وطال". وهذا في غير مكة والمدينة. كما مر. فتأمل تلك الصور الخمس الحسان. وقوله: "وأعاد تارك السلام التشهد"، الظاهر أنه على سبيل السنة لا الندب؛ لأن ما حصل منه قبل السلام من التشهد كالعدم. والله سبحانه أعلم. قاله الشيخ عبد الباقي. وسكت المصنف عن الإحرام في القسمين الأولين اتكالا على قوله: "بإحرام"، وسكت عن كون السجود بعد لوضوح الزيادة.
ورجع تارك الجلوس الأول؛ يعني أن المصلي إذا ترك الجلوس الأول سهوا -والمراد به ما عدا جلوس السلام- فإنه يرجع ليأتي به، ومحل رجوعه ليأتي بالجلوس الأول إنما هو، إن لم يفارق الأرض بيده وركبتيه: منطوق هذا الكلام صادق بسبع صور؛ بأن لم يفارق الأرض أصلا، أو فارقها باليدين دون الركبتين، أو العكس، أو فارق بإحدى يديه مع ركبتيه، أو بإحدى ركبتيه مع يديه، أو بإحدى يديه فقط، أو بإحدى ركبتيه فقط. فيرجع في هذه الصور السبع، وهل رجوعه واجب أو لا؟ قولان مستفادان من قوله: "وهل بتعمد ترك سنة أو". والمشهور إلحاق الجاهل بالعامد، وعلى أن رجوعه ليس بواجب فالظاهر أنه سنة. قاله الشيخ إبراهيم. وقال عقب هذا: وذكر في الحاشية أن قوله: "ورجع استحبابا" وإذا رجع، فلا سجود عليه في
стр. 1110
تزحزحه؛ لأن ما لا يبطل عمده لا يسجد لسهوه. قاله في التوضيح. وفيه فائدتان: إحداهما أن من تزحزح للقيام في محل الجلوس عامدا صحت صلاته، ثانيتهما: أن كل ما لا يبطل عمده لا يسجد لسهوه. قاله الحطاب. وقوله: "ورجع تارك" الخ. فإن لم يرجع سهوا سجد قبل السلام، وعمدا جرى على حكم تارك السنن عمدا. وقوله: "ولا سجود؛ أي في جميع الصور السبع. وإلا بأن فارق الأرض بيديه وركبتيه بالكلية، فلا يرجع لأنه تلبس بركن، وهل يحرم؟ وربما يقتضيه نقل المواق، أو يكره؟ ويؤخذ من هذا ومما مر في السورة، وما ذكر معها أن من نسي المضمضة والاستنشاق لا يرجع لهما بعد شروعه في غسل وجهه، ويفعلهما بعد تمام فرائضه، وأن الإمام إذا شرع في الخطبة بعد فراغ مؤذن ثان ظنا منه أنه ثالث فيتمادى ولا يقطعها، وبه أفتى بعضهم، وأفتى غيره بخلافه، والصواب الأول، والظاهر أنه يجب عليه قطع أذانه حيث علم بشروع الخطيب. وقوله: وإلا فلا؛ يعني في غير المأموم، وأما هو إذا قام وحده من اثنتين واستقل، فإنه يرجع لمتابعة الإمام. كما نص عليه الشيخ محمد بن الحسن. وإنما لم يرجع للسورة ونحوها من الركوع للاتفاق على فرضيته بخلاف قيامه قبل التشهد للفاتحة، فإنه غير متفق على فرضيتها بكل ركعة، بل فيه خلاف. قاله الشيخ عبد الباقي؛ أي فلذلك رجع قبل أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإلا فلا"، أما قبل الاستقلال فلا يرجع على المشهور، وقيل: يرجع، ومنشأ الخلاف، هل النهوض إلى القيام في حكم القيام، أو لا يفارق حكم الجلوس إلا مع الانتصاب؟ وأما إذا استقل قائما فإنه لا يرجع بلا خلاف. كما في الحطاب. ومن نذر أن يصلي ركتتين، وأن يقرأ في كل ركعة حزبا مثلا، فقرأ نصف حزب مثلا ونسي وركع، ثم تذكر وهو راكع، فهل يرجع ويكمل أم لا؟ والظاهر أنه يرجع؛ لأن هذه القراءة واجبة، فلم يرجع من فرض لسنة خصوصا إذا عين الركعتين. قاله الإمام الحطاب.
ولا تبطل إن رجع؛ يعني أنه إذا فارق الأرض بيديه وركبتيه، فإنه لا يرجع، وإذا خالف ما أمر به ورجع فإن صلاته لا تبطل بلا خلاف حيث كان رجوعه سهوا، وكذا لو رجع عمدا أو جهلا بعد الاستقلال على المشهور، كما أشار إلى ذلك بقوله: ولو استقل، واقتصر الفاكهاني في شرح
стр. 1111
الرسالة على القول بالبطلان في العمد بعد الاستقلال، والجاهل مساو للعامد. قاله الحطاب. وإنما صحت على المشهور فيما إذا رجع بعد الاستقلال عمدا أو جهلا، مراعاة لمن يقول إنه مأمور بالرجوع: ومقتضى ما للحطاب أن الرجوع قبل الاستقلال عمدا أو جهلا غير مبطل بلا خلاف، ومَن صلاتُه جلوسٌ ونسي الجلوس الأول ورجع بالنية عمدا: هل هي كمسألة من رجع للجلوس بعد القيام أولا؟ المشدالي: نعم، وصوبه جماعة من المذاكرين؛ لأن العلة في الأصل التلبس بالركن، وموجب السجود هو زيادة اللبث إذا قلنا بالصحة، وهذا موجود في الفرع. قاله الإمام الحطاب. وإذا رجع للتشهد بعد ما نهض وقد كان جلس، لم تبطل صلاته، كما لا تبطل إذا رجع للجلوس. انتهى من شرح الرسالة للفاكهاني، ونقله في التوضيح عن ابن رشد. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "ولا تبطل إن رجع ولو استقل"، بل ولو قرأ إلا أن يتمها. وانظر ما المراد بإتمام القراءة؟ هل الفاتحة أو السورة؟ ويتصور ذلك في مسائل البناء والقضاء. وقوله: "ولا تبطل إن رجع ولو استقل": وإذا رجع فلا ينهض حتى يتشهد، فإن قام عمدا قبل أن يتشهد بطلت. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي نوازل ابن الحاج: إذا قام من اثنتين ولم يجلس: فسبح به فجلس، ثم سبح به فقام؛ فإنه يعيد الصلاة؛ لأنه زاد فيها جاهلا وهو كالعامد، والمشهور عدم البطلان بكثرة السهو إن لم يزد مثلها، فلا يضر تكرره. وفي كلام الشيخ عبد الباقي هنا نظر، كما قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وتبعه مأمومه؛ يعني أن المأموم يتبع الإمام فيما مر فيتبعه في قيامه ورجوعه، كان رجوعه مشروعا أم لا، انتصب المأموم دون الإمام أو العكس. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي الحطاب فلو قام الإمام والمأموم، ثم رجع الإمام بعد استوائه تبعه المأموم أيضا. انتهى. وفيه أيضا: فلو انتصب المأموم قبل الإمام، وذكر الإمام قبل أن ينتصب فرجع، فهاهنا يرجع المأموم؛ وهو المعروف. وقوله: وتبعه مأمومه؛ أي وجوبا، واستحب ابن حبيب تسبيحهم له قبل اتباعهم له، فإن لم يتبعه مأمومه سهوا أو تأويلا صحت، لا عمدا أو جهلا. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وسجد بعده؛ يعني أن تارك الجلوس الأول إذا فارق الأرض بيديه وركبتيه، فإنه لا يرجع -كما مر- فإن رجع صحت صلاته، وسجد بعد السلام لتمحض الزيادة. وسواء رجع بعد الاستقلال أو
стр. 1112
قبله. أما إذا استقل فمذهب ابن القاسم، وروايته أنه يسجد بعد السلام، وخالف أشهب في ذلك، وقال إنه يسجد قبل السلام؛ لأن رجوعه عنده غير معتد به، فمعه نقص التشهد وزيادة القيام. وأما إن رجع قبل الاستقلال، فقيل: يسجد بعد السلام. رواه ابن القاسم، عن مالك في المجموعة. وقال في التوضيح: إنه الأظهر: وقيل: لا سجود عليه لخفة الزيادة وقلتها. قاله الإمام الحطاب. وعلم مما قررت أن محل السجود البعدي حيث رجع، فإن لم يرجع فإنه يسجد قبل السلام. والله سبحانه أعلم.
كنفل لم يعقد ثالثته؛ تشبيه في الرجوع وسجود البعدي؛ يعني أن المصلي للنافلة إذا قام من اثنتين ساهيا، فإنه يرجع متى ما ذكر حيث لم يعقد الركعة الثالثة برفع رأسه من ركوعها، ولا يفوته الرجوع بالانحناء، ويسجد بعد السلام، وإن رجع قبل أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه، فلا سجود. وإلا بأن عقد الثالثة، بأن ذكر بعد رفع رأسه من ركوعها، كهل أربعا لقول بعض العلماء بجواز النفل بأربع في ليل أو نهار ما عدا ركعتي الفجر لأنها محدودة باتفاق قاله الشيخ إبراهيم وعبارة الشيخ عبد الباقي كمل أربعا لقول بعض العلماء بجواز النفل بأربع في ليل أو نهار إلا الفجر؛ ثم قال والعيد والكسوف والاستسقاء كالفجر. انتهى. وقوله: "كنفل لم يعقد ثالثته"، قال الشيخ عبد الباقي: فإن لم يرجع في مسألة المصنف بطلت، ثم قال:
تنبيه: إن قام سهوا لثالثة في نفل بتراويح رمضان أو بغيرها سبح له، فإن لم يرجع، فإذا خيف عقده الثالثة قاموا، فإن تبعوه بغير تسبيح أو قبل خوف عقدها، صحت صلاتهم؛ لأنها زيادة مشروعة مأمور بها على قول، كما في الوانشريسي. وأما إن قام لثالثة في النفل عمدا، فانظر هل لا تبطل أو تبطل عليه وعليهم؟ ويدخل حينئذ تحت قوله: "وبتعمد كسجدة" انتهى. وانظر كيف جزم بالبطلان فيما إذا لم يرجع حيث قال: فإن لم يرجع في مسألة المصنف بطلت؛ يعني قوله: "كنفل لم يعقد ثالثته"، وتردد هنا في البطلان، قال الشيخ محمد بن الحسن: والظاهر عدم البطلان رعيا للقول بجواز النفل أربعا.
стр. 1113
وفي الخامسة مطلقا؛ يعني أن الخامسة في النفل ليست كالثالثة فيه فإنه يرجع في قيامه في النفل إلى الخامسة مطلقا عقد الخامسة برفع رأسه من ركوعها أم لا: بناء على أنه لا يراعى من الخلاف إلا ما قوي: واشتهر عند الجمهور والخلاف في الأربع قوي بخلاف غيره. فإن لم يرجع بطلت. قاله الشيخ عبد الباقي.
وسجد قبله فيهما؛ أي في مسألتي النفل؛ يعني أنه إذا لم يذكر في النفل حتى عقد الثالثة فإنه يكمل النفل أربعا، ويسجد قبل السلام، وكذا إذا لم يذكر حتى قام لخامسة، فإنه يرجع مطلقا عقدها أم لا، ويسجد قبل السلام. فقوله: "فيهما"؛ أي في تكميل النفل أربعا: وفي قيامه لخامسة رجع قبل إتمامها أو بعده. كما علمت. وأما إذا قام لخامسة الفرض فإنه يسجد بعد السلام إن لم يكن هنا نقص، أما وجه السجود القبلي في الأولى من مسألتي النفل فلنقصه السلام بعد ركعتين. ولا يقال: السلام فرض فلا ينجبر بالسجود؛ لأن رعي النفل أربعا يصير سلام الركعتين كسنة، وأورد على هذا القول وهو لابن القاسم: من صلى الظهر خمسا فقد نقص السلام عن محله مع أنه يسجد بعد، وَرُدَّ بأن الثالثة والرابعة في النفل مشروعتان على قول، والنفل عندنا اثنتان، وقد نقص السلام، والخامسة في الفرض محض زيادة؛ إذ لا قائل بها.
وما تقدم من توجيه القبلي في مسألة النفل الأولى من أنه لنقص السلام بعد الركعتين هو لابن القاسم كما عرفت. وقال القاضي إسماعيل، وابن مسلمة: يسجد قبل لأنه نقص الجلوس، واختاره اللخمي، وابن الكاتب، والقابسي، وعليه فقال اللخمي: لو كان جلس بعد الثانية فلا سجود عليه لا قبل ولا بعد، وقال الشيخ عبد الباقي وهذا يفيد أن الجلوس بعد النفل لمن صلى أربعا سنة مؤكدة، وأما الثانية فوجه السجود فيها قبل السلام أنه أتى بنقص وزيادة، فالنقص قد تقدم بيانه، والزيادة واضحة، وفي رواية الأكثر في الخامسة سجوده بعد، ولم يعتمدها المصنف. والله سبحانه أعلم.
وتارك ركوع يرجع قائما؛ يعني أن من سها عن الركوع وانحط للسجود، فذكر قبل أن يسجد، أو هو ساجد، أو بعد السجود ولم ينتصب قائما، فإنه يرجع قائما ثم ينحط للركوع من القيام على المشهور. وقيل: يرجع محدودبا إلى الركوع، فإن رجع محدودبا لم تبطل صلاته على الأول،
стр. 1114
وعلى المشهور الذي هو الأول، ندب له ان يقرأ قبل انحطاطه للركوع شيئا من القرآن فاتحة أو غيرها؛ لأن شأن الركوع أن يقع عقب قراءة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: وعلى المشهور فإنه إذا رجع قائما يستحب له أن يقرأ شيئا من القرآن ليكون ركوعه عقب قراءة. هكذا قال في التوضيح. وأصل المسألة في سماع أشهب، قال: ولوأنه قرأ قبل أن يركع كان أحب إلي. انتهى. وعلم منه أن المطلوب قراءة شيء من القرآن، ولا يندب له إعادة الفاتحة، وهو ظاهر. والله أعلم. انتهى. كلام الحطاب
وأما تارك الرفع من الركوع، فقال محمد: يرجع محدودبا حتى يصل إلى الركوع، ثم يرفع، فإن رجع قائما بطلت، وظاهر كلام ابن حبيب أنه لا يرجع محدودبا بل قائما كالرفع من الركوع، وكأنه رأى القصد بالرفع من الركوع أن ينحط إلى السجود من قيام، فإذا رجع إلى القيام وانحط منه إلى السجود فقد حصل المقصود، نقله المواق عن المازري. وعلم منه أن معنى قول ابن حبيب يرجع قائما كالرفع من الركوع ثم يسجد لا أنه يرجع قائما ثم يركع ثم يرفع كما صرح به الشيخ محمد بن الحسن وعلى ما لابن حبيب لا يقرأ لأنه يهوي بعد قيامه ساجدا والسجود لا يطلب فيه أن يقع عقب القراءة. وأما على قول محمد: إنه يرجع محدودبا فلا يتوهم أنه يقرأ حتى تنفى قراءته، انظر حاشية الشيخ بناني.
وعبارة الشيخ الأمير: وإن ترك الركوع رجع قائما، وندب قراءته من الفاتحة أو غيرها مع الأول فيه تكرار الركن القولي، والثاني لا يظهر في الأخيرتين، فكأنهم اغتفروا ذلك لضرورة؛ لأن شأن الركوع أن يعقب قراءة.
وسجدة يجلس؛ يعني أن من ترك السجدة الثانية، وتذكرها في حال قيامه، فإنه لا ينحط لها من قيام، بل يجلس قبل إتيانه بها، ثم يأتي بها. وظاهر المصنف كغيره أنه يجلس ليأتي بها من جلوس جلس قبل نهضته أم لا، وقيده في التوضيح بما إذا لم يكن جلس قبل نهضته، وإلاَّ خَرَّ ساجدا بغير جلوس اتفاقا. قاله الشيخ عبد الباقي. وما حكاه من الاتفاق يرد بحكاية ابن ناجي ثلاثة أقوال: يجلس مطلقا لمالك في سماع أشهب يسجد من قيام مطلقا رواه أشهب عن مالك،
стр. 1115
ثالثها إن كانت السجدة من الركعة الثانية فالثاني لحصول الجلوس أولا، وإلا فالأول ذكره عبد الحق. وفي أبي الحسن أن: عبد الحق لما ذكر التفصيل المذكور: قال عرضت هذا على بعض شيوخنا القرويين فاعترضه، وقال: إنه وإن أتى بالجلوس في تشهده فقد بقي عليه أن ينحط للسجدة من جلوس، فإذا خر ولم يجلس كما وصفت فقد أسقط الجلوس الذي يجب أن يفعل السجدة منه، وهذا الذي قاله له عندي وجه، ونقله الحطاب عن ابن ناجي، ثم قال: وهذا يُرَجَّحُ القول الأول. والله أعلم انتهى. فتبين ضعف التقييد من أصله. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. والله سبحانه أعلم. وإذا تذكر السجدة وهو راكع، فإنه يخر لها؛ ولا يرفع وهو ظاهر المدونة. قاله الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم. وهو يؤيد ما تقدم من أن غير الركوع من الأركان ليس كالركوع، فلا تفوت السجدة إلا برفع الرأس من الركوع. والله سبحانه أعلم. وقولي: السجدة الثانية، قال الشيخ عبد الباقي: لو كان المتروك السجدة الأولى، فلا يجلس بل ينحط من قيام، ثم يأتي بالثانية، ولو فعلها أولا لوجوب ترتيب الأداء. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر بل لا يتصور ترك الأولى وفعل الثانية؛ لأن الفرض أنه أتى بسجدة واحدة؛ وهي الأولى قطعا، ولو جلس قبلها فجلوسه ملغى لوقوعه بغير محله، ولا يصيرها الجلوس قبلها ثانية، كما هو واضح. انتهى.
لا سجدتين؛ يعني أن من نسي السجدتين معا لا يجلس قبل إتيانه بهما، بل ينحط لهما من قيام حيث تذكرهما بعد قيامه اتفاقا، كمن لم ينسهما، ولو ذكر سجود الأولى وهو منحط في ركوع الثانية. ففي رفعه ليخر له من قيام ورجح، وانحطاطه منه وهو سماع القرينين (١))، فلو رفع بنية الرفع من ركوع الثانية أو بلا نية أصلا، فهل تبطل أو لا تبطل عبد الحق فلو ذكر السجدتين وهو جالس أو كان ترك الركوع من الثانية وانحط لسجودها فذكر سجدتي الأولى وهو ساجد فإنه يرجع للقيام ليأتي بالسجدتين منحطا لهما منه فإن لم يفعل وسجدهما من جلوس أو سجود سهوا سجد قبل السلام لنقص الانحطاط لهما فالانحطاط لهما غير واجب وإلا لم يجبر بالسجود
стр. 1116
ويكره تعمد ذلك كما للشيخ زروق قاله الشيخ عبد الباقي وقوله والانحطاط لهما غير واجب الخ. قال الشيخ محمد بن الحسن: مثله في التوضيح، والحطاب عن عبد الحق، واعترضه اللقاني بأنه على المشهور من أن الحركة للركن مقصودة هي واجبة فرض، فكيف تنجبر بالسجود، وعلى أنها غير مقصودة فليست بواجبة ولا سنة. وأجاب بعض شيوخنا بمثل ما مر في سلام النفل من أن مراعاة القول بأنها غير مقصودة صيرتها كالسنة، فلذا جبرت بالسجود. انتهى كلام الشيخ بناني. قال الشيخ عبد الباقي: وكثيرا ما يقع انحطاط المأمومين للسجود قبل الإمام لاسيما في قنوته بعد رفعه من ثانية الصبح، وتختلف أحوالهم، فمنهم من يرجع ويقف معه، حتى يخر للسجود معه فهذا هو المطلوب على المعتمد من المذهب خلافا لقول المصنف الآتي: "لا إن خفض". ومنهم من يستمر ساجدا حتى يأتيه الإمام، فيسجد معه ويرفع برفعه. ومنهم من يرفع من سجوده قبل الإمام ويستمر جالسا إلى أن يسجد الإمام فيعيد السجود معه من جلوس، فهذان صلاتهما صحيحة حيث كان (١) أخذا فرضهما من رفع الركوع مع الإمام، وقد أخطآ في عدم العود له، ونقص الانحطاط يحمله عنهما الإمام، فإن لم يأخذا فرضهما معه أو فعلا ذلك عمدا بطلت صلاتهما، ومنهم من يكتفي بسجوده قبل الإمام فلا يجزئه؛ لأن المأموم لا يعتد بركن عقده قبل الإمام، فإن تنبه هذا من سهوه قبل السلام أو بعده، ولم يطل، وأعاد السجدتين ثم سلم صحت صلاته، وإن لم ينتبه حتى سلم وطال، أو تنبه قبل سلامه وتركهما عمدا وسلم وإن لم يطل، بطلت صلاته، والجاهل كالعامد. انتهى.
ولا يجبر ركوع أولاه بسجود ثانيته؛ يعني أن من ترك سجودا سهوا من ركعة أولى، وأتى بركوعها، ونسي ركوع التي تليها وأتى بسجودها؛ أي التالية لها، فإنه لا يجبر ركوع أولاه المنسيّ سجودها بسجود ثانيته المنسي ركوعها لأنه نواه للثانية، فيسجد للأولى سجودا آخر ويسجد بعد السلام، فإن ذكر وهو جالس أو ساجد، فقال عبد الحق: ينبغي أن يرجع للقيام
стр. 1117
ليأتي بالسجدتين وهو منحط لهما من قيام، فإن لم يفعل وسجدهما فقد نقص الانحطاط فيسجد قبل، ولا خصوصية لقوله: "أولاه"، وعكس المصنف لا يجبر لوجوب ترتيب الأداء إجماعا، ونص المصنف على الصورة المذكورة لأنها هي محل الخلاف بيننا وبين الشافعي، وذكر الشيخ الجزولي، والشيخ يوسف بن عمر، والأقفهسي، وغيرهم في شرح قول الرسالة ثم تهوي ساجدا لا تجلس ثم تسجد، أنه: إذا جلس ثم سجد فإن كان عامدا فلا شيء عليه؛ لأنه يسير، وإن كان سهوا، فقيل: يسجد للسهو، وقيل: لا يسجد.
وبطل بأربع سجدات من أربع ركعات الأُول؛ يعني أنه يبطل بترك أربع سجدات بفتح الجيم من أربع ركعات الركعات الثلاث الأول لفوات التدارك بعقد الركوع، ويتدارك الرابعة بأن يسجد، وكذا لو ترك ثماني سجدات فإنه يتدارك الرابعة بالإتيان بسجدتيها إن لم يسلم، فإن سلم بطلت في المسألتين، وتصير الرابعة حيث أصلحها قبل السلام أولى لفذ وإمام، ثم يأتي الفذ أو الإمام بركعة بأم القرآن وسورة، ثم يجلس ويتشهد، ثم يأتي بركعتين بأم القرآن فقط، ويسجد قبل السلام. وقوله: "وبطل بأربع سجدات" الخ، تقدم أن هذا حيث لم يسلم، فإن سلم بطلت: وفات التدارك. قال الحطاب على أحد القولين: فيصير بمنزلة من زاد أربعا سهوا، ونظر فيه الرماصي بأن المبطل زيادة أربع بسجداتها لكثرة السهو، وهنا ليس كذلك فيبني على الإحرام؛ ويأتي بأربع ركعات فيما يظهر. انتهى. قال الشيخ بناني: وما قاله الحطاب وتبعوه هو الظاهر؛ لأن الركعات بطلت كلها، والبناء إنما يكون بتجديد الإحرام كما مر في قوله: "وبنى إن قرب ولم يخرج من المسجد بإحرام" انتهى. وفي الحطاب: وهل تبطل الصلاة بكثرة السهو أم لا؟ المشهور عدم البطلان إن لم يزد مثلها، ثم ذكر ما هو راجع لمفهوم قوله: "ولم يعقد ركوعا"، فقال: ورجعت الثانية أولى ببطلانها؛ يعني أنه إذا بطلت الركعة الأولى بترك ركن منها، وفات تداركه بعقد الثانية، فإن الركعة الثانية تصير أولى بسبب بطلان الأولى، "فالباء" للسببية، والضمير المؤنث عائد على الأولى، وهو من باب: عندي درهم ونصفه، وهذا الانقلاب المذكور؛ أعني رجوع الثانية أولى إنما هو بالنسبة لفذ وإمام. وإذا انقلبت ركعات الإمام انقلبت ركعات مأمومه، وهكذا ترجع الثالثة ثانية ببطلان الثالثة، والرابعة ثالثة ببطلان الثالثة، وعلى هذا فقس
стр. 1118
حتى ترجع الرابعة أولى كما في المسألة السابقة، فقوله: "ورجعت الثانية"؛ أي مثلا، وإذا انقلبت ركعات الإمام والفذ، سجدا قبل إن حصل نقص، أو مع زيادة، وإلا يكن مع الزيادة نقص، بل تمحضت الزيادة فبعد السلام. ومفهوم قوله: "لفذ وإمام"، أن ركعات المأموم لا تنقلب حيث لم تنقلب ركعات إمامه، فيأتي ببدل ما بطل على صفته، فإن حصل الخلل في الأولى أو في الثانية مثلا أتى بعد سلام إمامه بركعة بأم القرآن وسورة جهرا في الجهرية وسرا في السرية في كل من المسألتين، وقوله: "ورجعت الثانية أولى" الخ، هذا هو المشهور، وقيل: لا ترجع الثانية أولى ولا غيرها، بل تبقى ركعات الصلاة على حالها وهذا الخلاف إنما هو في صلاة الفذ والإمام، وأما المأموم فلا خلاف أن الثانية وغيرها باقية على حالها في حقه؛ لأن صلاته مبنية على صلاة إمامه.
تنبيه: قال ابن رشد: إن الإمام إذا شاركه القوم أو بعضهم في إسقاط السجدة فهو كالفذ في البناء وإلا فكالمأموم في القضاء. انتهى. وإذا سها عن ركن فعند ابن القاسم: يأتون به فيكون قاضيا لذلك الركن إن لم يشاركه في الترك أحد منهم، وعند سحنون: لا يأتون به بل يتبعون الإمام، ومذهب ابن القاسم خلاف ما مشى عليه المصنف، فيما يأتي من قوله: وإن سجد إمام سجدة" الخ. وهو لسحنون كما عرفت.
ولما كانت القاعدة أن الشك في النقص كتحققه، فرع عليها بقوله: وإن شك في سجدة لم يدر محلها سجدها؛ يعني أنه لو شك مصل إماما أو مأموما أو فذا في سجدة، فلم يدرهل أتى بها أو تركها، وعلى تقدير تركها لم يدر محلها هل الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة؟ فإنه يسجدها لاحتمال كونها من الركعة التي لم يفت تداركها، فإن لم يسجدها بطلت صلاته؛ لأنه أبطل ركعة أمكن تلافيها، وقوله: "سجدها"؛ أي إلا أن يتحقق أن السجدة ليست من التي تليه، فلا يسجدها. وقوله: "وإن شك في سجدة" الخ، قررته بأنه شك في الإتيان بها، فلم يدر هل أتى بها أو تركها؟ -كما علمت- وكذا الحكم لو تيقن تركها، ولم يدر محلها فالحكم فيهما واحد، ويمكن حمل المصنف على هذه الثانية. والله سبحانه أعلم. وقوله: "لم يدر محلها"، يحتمل أنه صفة لسجدة؛ أي شك في سجدة مجهولة المحل، فهو شاك في السجدة وفي محلها معا، ويحتمل
стр. 1119
أن يكون بدلا من قوله: "شك"؛ أي فالشك في محلها، وأما تركها فمحقق، وقد علمت أن الحكم في المسألتين واحد. والله سبحانه أعلم. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
وفي الأخيرة يأتي بركعة؛ يعني أنه إذا تذكر سجدة تركها، ولم يدر محلها في التشهد الأخير؛ بأن تذكرها في جلوسه للتشهد بعد إتيانه بالركعة الأخيرة، فإنه يسجدها لعل محلها لم يفت، ويأتي بركعة بالفاتحة فقط لعل محلها فات إن كان إماما أو فذا، ولا يتشهد؛ لأن المحقق له ثلاث وليس محلا للتشهد، ويسجد قبل السلام؛ لأن الثالثة صارت ثانية بتقدير بطلان الأولى أو الثانية. وإن كان مأموما سجدها لعل محلها لم يفت، وأتى بها بالفاتحة وسورة لاحتمال كونها من الأولى، أو الثانية مع كون الركعات لا تنقلب في حقه، ويسجد بعد السلام لاحتمال أن المأتي بها زائدة.
وقيام ثالثة بثلاث؛ يعني أنه إذا تذكر هذه السجدة التي لم يدر محلها؛ وهو في قيام الركعة الثالثة، فإنه يسجدها لعل محلها لم يفت، ويأتي بثلاث ركعات لعل محلها فات، واحدة منهن بالفاتحة وسورة، ويجلس ويتشهد، ثم يأتي بركعتين إن كان فذا أو إماما، وإن كان مأموما أتى بركعتين مع الإمام بعد أن سجدها، ثم بعد سلام الإمام يأتي بركعة بالفاتحة وسورة، ويسجد بعد السلام إماما أو مأموما أو فذا. وقوله: "وإن شك في سجدة لم يدر محلها سجدها"، هذا قول ابن القاسم، وقال أشهب وأصبغ: يأتي بركعة فقط، ولا يسجد لأن المطلوب رفع الشك بأقل ممكن. انتهى. ولو شك المصلي بعد رفع رأسه من ركوع الثالثة في سجدة فلا يسجد لفوات التدارك، بل يأتي بركعتين بعد أن يجلس ويتشهد ويسجد قبل السلام؛ لأن الثالثة صارت ثانية. وفي كلام الشيخ عبد الباقي نظر حيث قال. عن الشيخ أحمد: يسجد قبل لنقص السورة، والجلوس في محله مع الزيادة. انتهى.
ورابعة بركعتين؛ يعني أنه إذا ذكر سجدة لم يدر محلها، وهو في قيام الركعة الرابعة؛ فإنه يجلس ليأتي بالسجدة من جلوس فيسجد لعل محلها لم يفت، ثم يأتي بركعتين بالفاتحة فقط، وقبل أن يأتي بهاتين الركعتين يتشهد عقب إتيانه بالسجدة وإنما أتى بركعتين لأنه لم يتحقق إلا ركعتين، ويسجد قبل السلام لرجوع الثالثة ثانية ببطلانها أو الأولى، وهذا في الفذ والإمام.
стр. 1120
وأما المأموم فإنه بعد أن يسجدها يأتي بركعة مع الإمام، ثم بعد سلامه يأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ويسجد بعد السلام ولا يتشهد عقب الإتيان بالسجدة كها هو ظاهر؛ لأنه ليس بمحل تشهد للإمام، وإن شك في محل سجدتين من ركعتين، أو شك فيهما وفي محلهما منهما فإنه يسجد سجدة لتمام الركعة التي لم يفت تلافيها، ثم إن حصل شكه في الجلسة الأخيرة فإنه يتشهد ثم يأتي بركعتين بأم القرآن فقط؛ لأن المحقق له ركعتان. قاله الشيخ عبد الباقي، وإن سجد إمام سجدة وقام لم يتبع؛ يعني أنه إذا سجد الإمام سجدة من الركعة الأولى مثلا وترك الثانية فقام سهوا؛ فإنه لا يتبعه في قيامه من علم بسهوه من مأموميه، بل يستمرون جالسين. وسبح به؛ يعني أنه يجب على المأمومين أن يسبحوا له لعله يرجع للسجدة فيأتى بها، فإن تركوا التسبيح بطلت صلاتهم، فإن لم يفقه به لم يكلموه عند سحنون؛ لأن المسألة على هذا الوجه الذي ذكره المصنف لسحنون؛ وهو يرى أن الكلام لإصلاحها مفسد. وظاهر المصنف أنهم لا يعيدون التسبيح مرة أخرى، وهو ظاهر المنقول عن سحنون، ولعله أنه إذا لم ينتبه بالتسبيح الحاصل عقب الترك لا ينتبه بالواقع بعد طول، أوأن ما يحصل من مخالفتهم له في الجلوس الأول والثاني فيه تنبيه كالتنبيه بالتسبيح. والظاهر أن العتبر تسبيح (١) شأنه أن يحصل به تنبيه؛ أي شأنه ذلك ولو من بعضهم؛ لأن خطابهم به فرض كفاية. وقوله: "به"، الظاهر أنه أتى به لتلمح صيح من سُبِّح، وقال الشبراخيتي: إن الباء بمعنى اللام. وعلم من قولي: مثلا، أنه لا فرق بين الرباعية وغيرها، وأنه لا فرق بين كون السجدة من الركعة الأولى وغيرها، فسواء كانت من الأولى وقام للثانية، أو من الثانية وقام للثالثة، أو من الثالثة وقام للرابعة.
فإذا خيف عقده قاموا؛ يعني أن هذا الإمام الذي سجد سجدة واحدة إذا سبح به ولم يرجع، فإنه إذا خيف عقده للثالثة يقوم مأموموه الذين أمروا بالجلوس قبل ذلك ويتبعونه مخافة أن تفوتهم الركعة الثانية، فإذا قاموا وتبعوه تصير هذه الثانية أولى للجميع، ولا يسجد المأمومون
стр. 1121
السجدة التي تركها إمامهم، فإن سجدوها لم تجزهم عند سحنون: ولكن لا تبطل صلاتهم ولعله لأجل الاختلاف، فإن رجع إليها الإمام وجب عليهم عنده سجودها معه وإن كانوا قد سجدوها، وعند غيره يعتدون بها ولا يعيدونها. كما يأتي إن شاء الله. وإنما لم تجزهم عند سحنون وإن سجدوها حيث تركها الإمام؛ لأنه يقول: كل ما لا يحمله الإمام عمن خلفه يكون سهوه عنه سهوا لهم وإن هم فعلوه.
فإذا جلس قاموا؛ يعني أن المأمومين إذا أتوا بتلك الركعة التي صارت أولى لهم ولإمامهم، ثم جلس عقب هذه التي ظنها ثانية وهي أولى في نفس الأمر، فإنهم لا يتبعونه في الجلوس بل يقومون؛ لأن ذلك ليس بموضع جلوس، فينتظرونه قياما حتى يأتيهم. كقعوده بثالتة التشبيه في أنهم يقومون؛ يعني أن الإمام إذا جلس بعد إتيانه بثلاث ركعات في مسألتنا هذه، فإن المأمومين يقولون ولا يجلسون معه، وقوله: "بثالثة"؛ أي في نفس الأمر لبطلان الأولى بترك سجدة من سجدتيها. وأما الإمام فيظنها رابعة، وإذا لم يجلس الإمام في الثانية في نفس الأمر لظنه أنها ثالثة، فإنهم يقومون لأجل متابعة الإمام؛ ولا يجلسون كما يعلم مما تقدم في قوله: "وتبعه مأمومه". فإذا تذكر الإمام قبل سلامه، أتى بركعة بناء؛ أي بالفاتحة فقط يتابعه فيها القوم، فإن لم يتذكرت وسلم بطلت صلاته، وأتوا هم بعد سلامه بركعة بناء لا قضاء، ولا ينتظر قدر بنائه لبطلان صلاته؛ لأن سلامه عند سحنون بمنزلة الحدث. وأمهم أحدهم؛ يعني أنه يجوز أن يؤمهم أحدهم في الركعة التي يأتون بها بعد سلامه، وإن شاءوا أتوا بها أفذاذا، وعلى كل فتصح لهم دونه. كما مر. وسجدوا قبله؛ يعني أنهم إذا أتوا بالركعة فإنهم يسجدون قبل أن يسلموا لنقصر السورة والجلسة الوسطى. وقوله: وأمهم أحدهم هو الجاري على المشهور من رجوع الثانية أولى، وقيل: لا يؤمهم؛ وهو الجاري على مقابله، ومبنى القولين أن الركعة التي يأتون بها، هل هي بناء أو قضاء؟ فعلى أنها قضاء لا يؤمهم فيها أحدهم؛ لأن المأموم إذا قام لقضاء ما عليه لا يأتم به غيرد فيه، وعلى أنه بناء يؤمهم أحدهم ويتنزل سلامه منزلة حدثه. كما قال الإمام المازري. والإمام إذا أحدث فللمأموم أن يستخلف، وجوز ابن عرفة الائتمام على القول بأنها قضاء أيضا، وعليه فالقضاء المانع من الجماعة هو ما فات المأمومين دون إمامهم. والله سبحانه أعلم.
стр. 1122
انظر الشبراخيتي. وقوله: "وسجدوا قبله"، هذا على أنهم بانون، وعلى مقابله يسجدون بعد السلام. كما في الشارح. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وسجدوا قبله"، هو المشهور كما علمت، وعليه فإن ترك هذا القبلي بطلت الصلاة.
ابن رشد: المسألة على قسمين، أحدهما أن يسْهُوَ الإمام عن السجدة وحده، فلا يخلو من خلفه، إما أن يسجدوا لأنفسهم أو يتبعوه عالمين بسهوه، فإن سجدوا لأنفسهم ولم يرجع الإمام إلى السجدة حتى فاته الرجوع إليها بعقد الركعة التي بعدها، فركعة القوم صحيحة باتفاق، ويقضي الإمام تلك الركعة التي أسقط منها السجدة في آخر صلاته وهم جلوس، ثم يسلم بهم ويسجد بعد السلام. واختلف إذا تذكر قبل أن يركع فرجع إلى السجود، هل يسجدون معه ثانية؟ على قولين وأما إن اتبعوه على ترك السجدة عالين بسهوه فصلاتهم فاسدة باتفاق، والوجه الثاني أن يسهُوَ الإمام هو وبعض من خلفه، وهي مسألة السماع، فلا يخلو من لم يَسْهُ من أن يسجدوا لأنفسهم، ولم يرجع الإمام إلى السجود حتى فاته الرجوع إليه بعقد الركعة التي بعدها، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: قول ابن القاسم في هذه الرواية أن السجدة تجزئهم وتصح لهم الركعة ويلغيها الإمام، ومن سها معه فإذا كمل الإمام ثلاث ركعات قام هو ومن سها معه إلى الرابعة، وقعدوا حتى يسلم فيسلموا بسلامه، ويسجد بهم جميعا سجدتي السهو بعد السلام، وهوأضعف الأقوال لاعتدادهم بالسجدة، وهم إنما فعلوها في حكم الإمام ومخالفتهم إياه في أعيان الركعات؛ لأن صلاتهم تبقى على سنتها وتصيرُ للإمام، ومن سها معه الثانية أولى وهكذا. ولهذا قال ابن القاسم في الرواية: أحب إلي أن لو أعادوا الصلاة وإنما يسجد الإمام بهم بعد السلام إن ذكر بعد أن ركع في الثانية؛ لأنه يجعلها أولى، ويأتي بالثانية بالحمدُ وسورة، ويجلس فيها فيكون سهوه كله زيادة. وأما إن لم يتذكر حتى صلى الثالثة أو رفع من ركوعها، فإنه يسجد قبل السلام على ما اختاره من قول مالك في اجتماع الزيادة والنقص؛ لأنه جعلها ثانية، وقد قرأ فيها بأم القرآن فقط، وقام ولم يجلس، واختلف في هذا الوجه إن ذكر الإمام قبل أن يركع فرجع إلى السجدة هل يسجدون معه ثانية أم لا؟ على القولين، والقول الثاني أن صلاتهم فاسدة للمعنى الذي ذكرناه من
стр. 1123
مخالفة نيتهم نيته في أعيان عدد الركعات، وهو قول أصبغ، والثالث أن السجود لا يجزئهم وتبطل عليهم الركعة كما بطلت على الإمام ومن معه، ويتبعونه في صلاتهم كلها وتجزئهم. حكى هذا القول محمد بن المواز. وأما إن اتبعوه على ترك السجدة عالين بسهوه، فقال في الرواية: إن صلاتهم منتقضة، ويخرج على ما في كتاب محمد أن تبطل عليهم الركعة ولا تنتقض عليهم الصلاة؛ لأن السجدة على مذهبه لا يجزئهم فعلها فلا يضرهم تركها. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقال بعد جلب نقول: تحصيل المسألة أنه إذا سها الإمام عن السجدة الثانية وقام، وسبحوا به فلم يرجع، يسجدون لأنفسهم وتجزئهم تلك الركعة، ولا يتبعون الإمام فيها إذا رجع يسجدها، وهو قول ابن المواز على ما نقل اللخمي، والمازري. وقول ابن القاسم أيضا: إلا أنه يستحب الإعادة. ومذهب سحنون أنهم لا يسجدونها، ولو سجدوها لا يضرهم وكأنه لأجل الاختلاف في ذلك: ثم اختلف هل الخلاف مطلق سواء سها الإمام عنها وحده، أو هو وبعض من خلفه؟ وهو ظاهر كلام اللخمي والمازري. وعليه فهمه المصنف، أو إنما الخلاف إذا سها عنها الإمام وبعض من خلفه، وأما إذا سها وحده فلا يتبعونه فيها، وتجزئهم باتفاق وإن اتبعوا الإمام في تركها بطلت صلاتهم باتفاق؛ وهذه طريقة ابن رشد. وظاهر كلام المصنف أنه مشى على قول سحنون، وأنه فهم أن الخلاف جار في الصورتين. فتأمله. والله أعلم. انتهى.
وفيه عن الهواري: الحاصل أن الإمام إذا سها عن فرض من فروض الصلاة لم يلزم المأموم سهوه إذا فعل ذلك دون الإمام في قول ابن المواز، وابن القاسم في العتبية: ويلزمه في قول سحنون، وهذا كله فيما عدا النية وتكبيرة الإحرام. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ومشى المصنف في هذه المسألة: يعني قوله: "وإن سجد إمام سجدة" الخ. على قول سحنون؛ وهو ضعيف، والذي حكى عليه ابن رشد الاتفاق أنه إذا لم يَسْهُ أحد معه منهم، فإنه إذا لم يفهم يسجدون السجدة لأنفسهم وتجزئهم ولا يتبعونه في تركها، وكذا إذا سها البعض على الراجح عند ابن عرفة وعلى هذا الذي لم يمش عليه المصنف، فإذا تذكر الإمام في قيام التي تليها ورجع لسجودها فلا يعيدونها معه عند ابن المواز؛ وهو الصحيح على نقل اللخمي والمازري؛ وهو قول ابن القاسم أيضا، إلا أنه قال: يستحب إعادة الصلاة: خلافا لقول سحنون بإعادتهم لها معه -كما مر- وهذه المسألة مستثناة
стр. 1124
من قاعدة كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأمومين على كل من قول سحنون؛ لأن السلام عنده بمنزلة الحدث. ومن قول ابن القاسم حيث طال تركه للركن بعد سلامه؛ لقوله: "وبترك ركن وطال". انتهى. وقوله: لأن السلام عنده بمنزلة الحدث، معناه أنه تبطل صلاته طال أم لا، وأنه بمنزلة طرو الحدث على الإمام فيستخلف المأمومون من يتم بهم، أو يتمون أفذاذا. وقال الشيخ الأمير: وإن ترك إمام سجدة فالراجح مذهب ابن القاسم: يسبحون له، فإن لم يرجع سجدوها وحدهم وإن وافقه بعضهم، وقيد بما إذا خيف عقده وتابعوه وصحت لهم، وبطلت عليه إن طال فلا يحمل عنهم سهوا ولا يحصل لهم فضل الجماعة فيعيدون له، وكذا كل ما بطل على الإمام فقط. انتهى.
ولما فرغ من بيان حكم ما إذا أخل الإمام بركن، أخذ يبين إخلال المأموم به، فقال: وإن زوحم مؤتم عن ركوع؛ يعني أن المأموم إذا منعه الزحام أي تضايق المأمومين عليه من أن يأتي بالركوع مع الإمام، فإنه يتبع الإمام، بأن يأتي بالركوع الذي سبقه به، ويدركه في الرفع من الركوع، أو يأتي بالركوع والرفع منه، ويدرك الإمام في السجود حيث سبقه بهما، وضمن المصنف زوحم معنى بوعد؛ لأنه عداه بعن، والزحام إِنما يتعدى بعلى كقوله:
يَزْدَحِمُ النَّاسُ عَلَى بَابهِ … والمَنْهَل العَذْبُ كَثِيرُ الزِّحَامْ
ونص على الزحام ردا على ابن القاسم القائل؛ بأن الزحام ليس بعذر ولا يباح به قضاء ما فات من الركوع؛ لأنه فعل آدمي يمكن التحرز منه، فصاحبه مقصر، والنعاس، والغفلة فعل الله . قاله الشيخ إبراهيم. أو نعس؛ يعني أن المأموم إذا لم يأت بالركوع مع الإمام لأجل نعاس حصل له، فإنه يتبع الإمام بأن يأتي بالركوع الذي سبقه به، ويدركه في الرفع من الركوع، أو يأتي بالركوع والرفع منه، ويدرك الإمام في السجود حيث سبقه بهما. وإنما اتبعه في النعاس؛ لأن نوم القائم لا ينقض الوضوء؛ إذ لا يكون ثقيلا إلا إذا أسقطه للأرض. قاله الشبراخيتي. وغيره. أو نحوه؛ يعني أن المأموم يمبع الإمام أيضا إذا لم يأت بالركوع معه لأجل
стр. 1125
حصول نحو ما ذكر كغفلة أو اشتغال بحل إزار، أو ربطه بأن يأتي بالركوع، الذي سبقه به ويدركه في الرفع من الركوع أو يأتي بالركوع والرفع منه ويدركه في السجود حيث سبقه بهما. وعلم مما قررت أن قوله: "نحوه"، فاعل فعل محذوف تقديره: حصل، وإنما كان كذلك ليكون من عطف الجمل، إذ لا يعطف اسم على فعل إلا إذا أشبه الاسم الفعل، وهذا ليس كذلك، وفي الألفية.
واعطِف عَلَى اسْمٍ شِبْهِ فِعْلٍ فِعْلا … وَعَكْسًا اسْتَعْمِلْ تَجِدْهُ سَهْلا
وبعا قررت علم أن قوله: اتبعه. أي فعل ما فاته وسبقه به جواب الشرط، أعمي قوله: "وإن زوحم"، فهو راجع للمسائل الثلاث أي الزحام والنعاس ونحوهما، وليس المراد باتباعه أن يترك ما فاته " ويلحقه فيما هو فيه - كما علمت - في غير الأولى متعلق باتبعه؛ يعني أن محل إتيان المأموم بما سبقه به الإمام في المسائل الثلاث إنما هو في غير الركعة الأولى بالنسبة للمأموم، وهي للإمام ثانية أو ثالثة أو رابعة، وأما إن حصل للمأموم ما ذكر في أولاه فإنه لا يتبع الإمام؛ أي لا يأتي بما سبقه به، بل يخر ساجدا معه حيث كان في السجود، ويصير كمسبوق أدرك الإمام في السجود. فإن اتبعه عمدا أو جهلا بطلت صلاته كما يقع كثيرا لبعض العوام، أنه يحرم مع الإمام حال رفعه من ركوع أو بعده، فيركع فتبطل لزيادته في الصلاة ركوعا، ومحل اتباعه في غير الأولى. ما لم يرفع الإمام من سجودها؛ أي سجود غير الأولى كله كما هو ظاهره - ويفيده النقل - فإذا كان يدرك الإمام في ثانية سجدتيه، ويفعل الثانية بعد رفع الإمام من ثانيته، فإنه يفعل ما فاته ويسجدها، ويتبعه خلافا لقول الشيخ سالم: لا يفعل ما فاته حينئذ، ولا يفعل ما زوحم فيه إلا إذا كان يدرك السجدتين معا، أو يسجد الأولى حال رفع الإمام منها، ويسجد الثانية معه. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: معنى قول المصنف: "ما لم يرفع من سجودها"، أنه يركع إذا ظن أن يدرك الإمام قبل رفعه من السجود الثاني؛ بأن يقتدي به في السجدتين معا أو في الثانية. ففي المواق ما نصه: ومن أدرك الصلاة قضى ما فاته مع الإمام، وهو في الصلاة لكن بشرط أن لا يفوته أن يفعل مع الإمام ما هو آكد من تشاغله بالقضاء، والمشهور أن الذي هو آكد سجود