← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

السجدة التي تركها إمامهم، فإن سجدوها لم تجزهم عند سحنون: ولكن لا تبطل صلاتهم ولعله لأجل الاختلاف، فإن رجع إليها الإمام وجب عليهم عنده سجودها معه وإن كانوا قد سجدوها، وعند غيره يعتدون بها ولا يعيدونها. كما يأتي إن شاء الله. وإنما لم تجزهم عند سحنون وإن سجدوها حيث تركها الإمام؛ لأنه يقول: كل ما لا يحمله الإمام عمن خلفه يكون سهوه عنه سهوا لهم وإن هم فعلوه. فإذا جلس قاموا؛ يعني أن المأمومين إذا أتوا بتلك الركعة التي صارت أولى لهم ولإمامهم، ثم جلس عقب هذه التي ظنها ثانية وهي أولى في نفس الأمر، فإنهم لا يتبعونه في الجلوس بل يقومون؛ لأن ذلك ليس بموضع جلوس، فينتظرونه قياما حتى يأتيهم. كقعوده بثالتة التشبيه في أنهم يقومون؛ يعني أن الإمام إذا جلس بعد إتيانه بثلاث ركعات في مسألتنا هذه، فإن المأمومين يقولون ولا يجلسون معه، وقوله: "بثالثة"؛ أي في نفس الأمر لبطلان الأولى بترك سجدة من سجدتيها. وأما الإمام فيظنها رابعة، وإذا لم يجلس الإمام في الثانية في نفس الأمر لظنه أنها ثالثة، فإنهم يقومون لأجل متابعة الإمام؛ ولا يجلسون كما يعلم مما تقدم في قوله: "وتبعه مأمومه". فإذا تذكر الإمام قبل سلامه، أتى بركعة بناء؛ أي بالفاتحة فقط يتابعه فيها القوم، فإن لم يتذكرت وسلم بطلت صلاته، وأتوا هم بعد سلامه بركعة بناء لا قضاء، ولا ينتظر قدر بنائه لبطلان صلاته؛ لأن سلامه عند سحنون بمنزلة الحدث. وأمهم أحدهم؛ يعني أنه يجوز أن يؤمهم أحدهم في الركعة التي يأتون بها بعد سلامه، وإن شاءوا أتوا بها أفذاذا، وعلى كل فتصح لهم دونه. كما مر. وسجدوا قبله؛ يعني أنهم إذا أتوا بالركعة فإنهم يسجدون قبل أن يسلموا لنقصر السورة والجلسة الوسطى. وقوله: وأمهم أحدهم هو الجاري على المشهور من رجوع الثانية أولى، وقيل: لا يؤمهم؛ وهو الجاري على مقابله، ومبنى القولين أن الركعة التي يأتون بها، هل هي بناء أو قضاء؟ فعلى أنها قضاء لا يؤمهم فيها أحدهم؛ لأن المأموم إذا قام لقضاء ما عليه لا يأتم به غيرد فيه، وعلى أنه بناء يؤمهم أحدهم ويتنزل سلامه منزلة حدثه. كما قال الإمام المازري. والإمام إذا أحدث فللمأموم أن يستخلف، وجوز ابن عرفة الائتمام على القول بأنها قضاء أيضا، وعليه فالقضاء المانع من الجماعة هو ما فات المأمومين دون إمامهم. والله سبحانه أعلم.

стр. 1122

انظر الشبراخيتي. وقوله: "وسجدوا قبله"، هذا على أنهم بانون، وعلى مقابله يسجدون بعد السلام. كما في الشارح. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وسجدوا قبله"، هو المشهور كما علمت، وعليه فإن ترك هذا القبلي بطلت الصلاة. ابن رشد: المسألة على قسمين، أحدهما أن يسْهُوَ الإمام عن السجدة وحده، فلا يخلو من خلفه، إما أن يسجدوا لأنفسهم أو يتبعوه عالمين بسهوه، فإن سجدوا لأنفسهم ولم يرجع الإمام إلى السجدة حتى فاته الرجوع إليها بعقد الركعة التي بعدها، فركعة القوم صحيحة باتفاق، ويقضي الإمام تلك الركعة التي أسقط منها السجدة في آخر صلاته وهم جلوس، ثم يسلم بهم ويسجد بعد السلام. واختلف إذا تذكر قبل أن يركع فرجع إلى السجود، هل يسجدون معه ثانية؟ على قولين وأما إن اتبعوه على ترك السجدة عالين بسهوه فصلاتهم فاسدة باتفاق، والوجه الثاني أن يسهُوَ الإمام هو وبعض من خلفه، وهي مسألة السماع، فلا يخلو من لم يَسْهُ من أن يسجدوا لأنفسهم، ولم يرجع الإمام إلى السجود حتى فاته الرجوع إليه بعقد الركعة التي بعدها، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: قول ابن القاسم في هذه الرواية أن السجدة تجزئهم وتصح لهم الركعة ويلغيها الإمام، ومن سها معه فإذا كمل الإمام ثلاث ركعات قام هو ومن سها معه إلى الرابعة، وقعدوا حتى يسلم فيسلموا بسلامه، ويسجد بهم جميعا سجدتي السهو بعد السلام، وهوأضعف الأقوال لاعتدادهم بالسجدة، وهم إنما فعلوها في حكم الإمام ومخالفتهم إياه في أعيان الركعات؛ لأن صلاتهم تبقى على سنتها وتصيرُ للإمام، ومن سها معه الثانية أولى وهكذا. ولهذا قال ابن القاسم في الرواية: أحب إلي أن لو أعادوا الصلاة وإنما يسجد الإمام بهم بعد السلام إن ذكر بعد أن ركع في الثانية؛ لأنه يجعلها أولى، ويأتي بالثانية بالحمدُ وسورة، ويجلس فيها فيكون سهوه كله زيادة. وأما إن لم يتذكر حتى صلى الثالثة أو رفع من ركوعها، فإنه يسجد قبل السلام على ما اختاره من قول مالك في اجتماع الزيادة والنقص؛ لأنه جعلها ثانية، وقد قرأ فيها بأم القرآن فقط، وقام ولم يجلس، واختلف في هذا الوجه إن ذكر الإمام قبل أن يركع فرجع إلى السجدة هل يسجدون معه ثانية أم لا؟ على القولين، والقول الثاني أن صلاتهم فاسدة للمعنى الذي ذكرناه من

стр. 1123

مخالفة نيتهم نيته في أعيان عدد الركعات، وهو قول أصبغ، والثالث أن السجود لا يجزئهم وتبطل عليهم الركعة كما بطلت على الإمام ومن معه، ويتبعونه في صلاتهم كلها وتجزئهم. حكى هذا القول محمد بن المواز. وأما إن اتبعوه على ترك السجدة عالين بسهوه، فقال في الرواية: إن صلاتهم منتقضة، ويخرج على ما في كتاب محمد أن تبطل عليهم الركعة ولا تنتقض عليهم الصلاة؛ لأن السجدة على مذهبه لا يجزئهم فعلها فلا يضرهم تركها. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقال بعد جلب نقول: تحصيل المسألة أنه إذا سها الإمام عن السجدة الثانية وقام، وسبحوا به فلم يرجع، يسجدون لأنفسهم وتجزئهم تلك الركعة، ولا يتبعون الإمام فيها إذا رجع يسجدها، وهو قول ابن المواز على ما نقل اللخمي، والمازري. وقول ابن القاسم أيضا: إلا أنه يستحب الإعادة. ومذهب سحنون أنهم لا يسجدونها، ولو سجدوها لا يضرهم وكأنه لأجل الاختلاف في ذلك: ثم اختلف هل الخلاف مطلق سواء سها الإمام عنها وحده، أو هو وبعض من خلفه؟ وهو ظاهر كلام اللخمي والمازري. وعليه فهمه المصنف، أو إنما الخلاف إذا سها عنها الإمام وبعض من خلفه، وأما إذا سها وحده فلا يتبعونه فيها، وتجزئهم باتفاق وإن اتبعوا الإمام في تركها بطلت صلاتهم باتفاق؛ وهذه طريقة ابن رشد. وظاهر كلام المصنف أنه مشى على قول سحنون، وأنه فهم أن الخلاف جار في الصورتين. فتأمله. والله أعلم. انتهى. وفيه عن الهواري: الحاصل أن الإمام إذا سها عن فرض من فروض الصلاة لم يلزم المأموم سهوه إذا فعل ذلك دون الإمام في قول ابن المواز، وابن القاسم في العتبية: ويلزمه في قول سحنون، وهذا كله فيما عدا النية وتكبيرة الإحرام. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ومشى المصنف في هذه المسألة: يعني قوله: "وإن سجد إمام سجدة" الخ. على قول سحنون؛ وهو ضعيف، والذي حكى عليه ابن رشد الاتفاق أنه إذا لم يَسْهُ أحد معه منهم، فإنه إذا لم يفهم يسجدون السجدة لأنفسهم وتجزئهم ولا يتبعونه في تركها، وكذا إذا سها البعض على الراجح عند ابن عرفة وعلى هذا الذي لم يمش عليه المصنف، فإذا تذكر الإمام في قيام التي تليها ورجع لسجودها فلا يعيدونها معه عند ابن المواز؛ وهو الصحيح على نقل اللخمي والمازري؛ وهو قول ابن القاسم أيضا، إلا أنه قال: يستحب إعادة الصلاة: خلافا لقول سحنون بإعادتهم لها معه -كما مر- وهذه المسألة مستثناة

стр. 1124

من قاعدة كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأمومين على كل من قول سحنون؛ لأن السلام عنده بمنزلة الحدث. ومن قول ابن القاسم حيث طال تركه للركن بعد سلامه؛ لقوله: "وبترك ركن وطال". انتهى. وقوله: لأن السلام عنده بمنزلة الحدث، معناه أنه تبطل صلاته طال أم لا، وأنه بمنزلة طرو الحدث على الإمام فيستخلف المأمومون من يتم بهم، أو يتمون أفذاذا. وقال الشيخ الأمير: وإن ترك إمام سجدة فالراجح مذهب ابن القاسم: يسبحون له، فإن لم يرجع سجدوها وحدهم وإن وافقه بعضهم، وقيد بما إذا خيف عقده وتابعوه وصحت لهم، وبطلت عليه إن طال فلا يحمل عنهم سهوا ولا يحصل لهم فضل الجماعة فيعيدون له، وكذا كل ما بطل على الإمام فقط. انتهى. ولما فرغ من بيان حكم ما إذا أخل الإمام بركن، أخذ يبين إخلال المأموم به، فقال: وإن زوحم مؤتم عن ركوع؛ يعني أن المأموم إذا منعه الزحام أي تضايق المأمومين عليه من أن يأتي بالركوع مع الإمام، فإنه يتبع الإمام، بأن يأتي بالركوع الذي سبقه به، ويدركه في الرفع من الركوع، أو يأتي بالركوع والرفع منه، ويدرك الإمام في السجود حيث سبقه بهما، وضمن المصنف زوحم معنى بوعد؛ لأنه عداه بعن، والزحام إِنما يتعدى بعلى كقوله: يَزْدَحِمُ النَّاسُ عَلَى بَابهِ … والمَنْهَل العَذْبُ كَثِيرُ الزِّحَامْ ونص على الزحام ردا على ابن القاسم القائل؛ بأن الزحام ليس بعذر ولا يباح به قضاء ما فات من الركوع؛ لأنه فعل آدمي يمكن التحرز منه، فصاحبه مقصر، والنعاس، والغفلة فعل الله . قاله الشيخ إبراهيم. أو نعس؛ يعني أن المأموم إذا لم يأت بالركوع مع الإمام لأجل نعاس حصل له، فإنه يتبع الإمام بأن يأتي بالركوع الذي سبقه به، ويدركه في الرفع من الركوع، أو يأتي بالركوع والرفع منه، ويدرك الإمام في السجود حيث سبقه بهما. وإنما اتبعه في النعاس؛ لأن نوم القائم لا ينقض الوضوء؛ إذ لا يكون ثقيلا إلا إذا أسقطه للأرض. قاله الشبراخيتي. وغيره. أو نحوه؛ يعني أن المأموم يمبع الإمام أيضا إذا لم يأت بالركوع معه لأجل

стр. 1125

حصول نحو ما ذكر كغفلة أو اشتغال بحل إزار، أو ربطه بأن يأتي بالركوع، الذي سبقه به ويدركه في الرفع من الركوع أو يأتي بالركوع والرفع منه ويدركه في السجود حيث سبقه بهما. وعلم مما قررت أن قوله: "نحوه"، فاعل فعل محذوف تقديره: حصل، وإنما كان كذلك ليكون من عطف الجمل، إذ لا يعطف اسم على فعل إلا إذا أشبه الاسم الفعل، وهذا ليس كذلك، وفي الألفية. واعطِف عَلَى اسْمٍ شِبْهِ فِعْلٍ فِعْلا … وَعَكْسًا اسْتَعْمِلْ تَجِدْهُ سَهْلا وبعا قررت علم أن قوله: اتبعه. أي فعل ما فاته وسبقه به جواب الشرط، أعمي قوله: "وإن زوحم"، فهو راجع للمسائل الثلاث أي الزحام والنعاس ونحوهما، وليس المراد باتباعه أن يترك ما فاته " ويلحقه فيما هو فيه - كما علمت - في غير الأولى متعلق باتبعه؛ يعني أن محل إتيان المأموم بما سبقه به الإمام في المسائل الثلاث إنما هو في غير الركعة الأولى بالنسبة للمأموم، وهي للإمام ثانية أو ثالثة أو رابعة، وأما إن حصل للمأموم ما ذكر في أولاه فإنه لا يتبع الإمام؛ أي لا يأتي بما سبقه به، بل يخر ساجدا معه حيث كان في السجود، ويصير كمسبوق أدرك الإمام في السجود. فإن اتبعه عمدا أو جهلا بطلت صلاته كما يقع كثيرا لبعض العوام، أنه يحرم مع الإمام حال رفعه من ركوع أو بعده، فيركع فتبطل لزيادته في الصلاة ركوعا، ومحل اتباعه في غير الأولى. ما لم يرفع الإمام من سجودها؛ أي سجود غير الأولى كله كما هو ظاهره - ويفيده النقل - فإذا كان يدرك الإمام في ثانية سجدتيه، ويفعل الثانية بعد رفع الإمام من ثانيته، فإنه يفعل ما فاته ويسجدها، ويتبعه خلافا لقول الشيخ سالم: لا يفعل ما فاته حينئذ، ولا يفعل ما زوحم فيه إلا إذا كان يدرك السجدتين معا، أو يسجد الأولى حال رفع الإمام منها، ويسجد الثانية معه. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: معنى قول المصنف: "ما لم يرفع من سجودها"، أنه يركع إذا ظن أن يدرك الإمام قبل رفعه من السجود الثاني؛ بأن يقتدي به في السجدتين معا أو في الثانية. ففي المواق ما نصه: ومن أدرك الصلاة قضى ما فاته مع الإمام، وهو في الصلاة لكن بشرط أن لا يفوته أن يفعل مع الإمام ما هو آكد من تشاغله بالقضاء، والمشهور أن الذي هو آكد سجود

стр. 1126

الركعة التي غلب على ظنه إدراكها، وهل تعتبر السجدتان معا أو الأولى منهما؟ المشهور منهما اعتبار السجدتين معا، فيتبع الإمام ما لم يرفع من السجدة الثانية. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فقوله: بشرط أن لا يفوته مع الإمام الخ؛ صريح فيما للسنهوري؛ لأنه إذا فعل الأولى حال فعل الإمام الثانية، وفعل الثانية بعد قيام الإمام - كما يقوله الشيخ علي الأجهوري - فقد فاته مع الإمام السجدتان معا؛ لأنه لم يقتد به في واحدة منهما. انتهى. وقال الإمام الحطاب تحصيل المسألة أن المأموم إذا سها عن الركوع مع الإمام حتى فاته، أو غفل عنه، أو نعس، أو زوحم، أو اشتغل بحل إزاره، أو ربطه، ففي المسألة أربعة أقوال: الأول: أن تلك الركعة فاتته مطلقا، سواء كانت أولى أو غير أولى، سواء كانت الصلاة جمعة، أو لا. الثاني: لا تفوته مطلقا. الثالث: تفوته إن كانت أولى، ولا تفوته في غير الأولى؛ وهو المشهور. الرابع: تفوته إن كانت جمعة، ولا تفوته في غير الجمعة، ولا تفريع على القول الأول. وأما على الثاني والثالث فيما إذا كانت غير الأولى، وعلى الرابع في غير الجمعة إذا قلنا: يتبع الإمام، فاختلف إلى أي حد يتبعه، فقيل: ما لم يرفع من سجود الركعة، وقيل: ما لم يعقد الثانية والأول هو المشهور، وعليه فهل المعتبر السجدتان، أو الأولى فقط؛ قولان، المشهور الأول، وإذا قلنا ما لم يعقد الثانية، فهل العقد بوضع اليدين على الركبتين، أو بالرفع من الركوع؟ قولان على الخلاف في عقد الركعة. ابن رشد: وسواء على مذهب الإمام مالك، أحرم قبل أن يركع الإمام، أو بعد أن ركع إذا كان لولا ما اعتراه من الغفلة وما أشبهها لأدرك معه الركوع. وأما لو كبر بعد أن ركع الإمام فلم يدرك معه حتى رفع الإمام رأسه، فقد فاتته الركعة، ولا يجزئه أن يركع ويتبعه قولا واحدا. انتهى. من التوضيح مختصرا. وعلم من هذا أنه لو تعمد المأموم ترك الركوع مع الإمام لم يجزه قولا واحدا. انتهى. كلام الحطاب. وعلم مما قررت أن المراد بالأولى بالنسبة إلى المأموم لا إلى الإمام، وقال الإمام الحطاب: واختلف في المسألة من حيثية أخرى، فمذهب مالك أنه لا فرق بين المزحوم والناسي، والغافل وما أشبه ذلك. وأخذ ابن القاسم في الزحام بالقول الأول، وفيما سواه بالقول الثالث، وأخذ ابن وهب وأشهب بالقول الأول فيما إذا أحرم قبل أن يركع الإمام،

стр. 1127

وبالثاني فيما إذا أحرم بعد أن ركع الإمام، وفي ابن عرفة ما نصه: ومن نعس عن ركوع إمامه حتى رفع أو سها أو زوحم أو شغل بحل إزاره أو ربطه، ففي تلافي ركوعه وإلغائه لاتباع إمامه ثالث الروايات: إن كان عقد ركعة وعلى تلافيه ففي كونه ما لم تفته سجدتاها أو أولاهما: أو رفع ركوع ثانيتها، أو خفضه أربعة أقوال، الأول: للؤلؤي مع المازري، وقوله: "ما لم يرفع من سجودها": أي فإن ظن أنه لا يدركه في شيء منها لم يفعل ما زوحم عنه وقضى ركعة، فإن خالف وأدركه صحت، فإن لم يدركه بطلت: كما لو اتبعه في غير الأولى بعد رفعه من سجودها، فإن فعل مع ظن الإدراك وتخلف ظنه بأن رفع الإمام من سجودها بعد أن أتى بالركوع لم يعتد بذلك الركوع. واعْلَم أن من شروط الركعة الحائلة بينه وبين قضاء ما فاته حين رفع إمامه من السجود إمكان فعلها مع الإمام. فلو تمادى نعاسه إلى أن عقد الإمام ركعة أخرى، فليصلح أول ما نعس فيه من الركعات لا ما بعده، فإنما يقضيه بعد سلام الإمام ليلا يكون قاضيا في صلب الإمام. ويمكن اجتماع البناء والقضاء حينئذ كما لو كان مسبوقا بركعة، وحصل له العذر في الثالثة؛ لأنها غير أولاد. وتمادى به إلى أن عقد الرابعة. فإنه يتلافى ركعة العذر: وتفوته الرابعة، وهي بناء، والأولى قضاء. واعلم أن محل تلافيه لركعة العذر حيث فاتته التي بعدها ما لم يخش فوات ركوع الرابعة مع الإمام، وإلا ترك الركعتين، وتبع الإمام في الرابعة. وتصوير المسألة بذي العذر يدل على أن المأموم لو تعمد ترك الركوع مع الإمام لم يجزه قولا واحدا؛ أي وتبطل صلاته. قاله الشبراخيتي. وببطلان الصلاة جزم علي الأجهوري: قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما قاله الإمام الأجهوري من أن مراده بطلان صلاة غير ذي العذر هو الظاهر. والله سبحانه أعلم. انتهى. ولو زوحم أو حصل له نعاس أو نحوه عن الرفع من الركوع، فهل هو كمن زوحم عن الركوع؟ وهو البين كما قال ابن يونس، وهو مبني على الراجح من أن عقد الركوع برفع الرأس، أو كمن زوحم عن سجدة؟ فيجري فيه تفصيل من زوحم عنها، خلاف قاله الشيخ إبراهيم. وسئل مالك عن الرجل ينعس في قعوده مع الإمام للتشهد الأول، فلا ينتبه إلا بقيام الناس؛ أيقوم أم

стр. 1128

يتشهد ثم يقوم؟ قال: بل يقوم، ولا يتشهد. ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأن التشهد قد فات بنعاسه، وذهب موضعه، ووجب عليه أن يقوم إذا قام الإمام لقول النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا (١))، ولا شيء عليه في التشهد؛ لأنه يسير، ومن نسي التشهد حتى سلم الإمام، قال مالك: يتشهد ويسلم ولا يدعو بعد التشهد: ابن رشد: يريد ولا سهو عليه؛ لأنه قد تشهد قبل سلامه، وإن كان بعد سلام الإمام؛ لأنه لا يخرج من الصلاة بسلام الإمام حتى يسلم هو. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر أنه لا سجود عليه لو لم يذكره إلا بعد سلامه؛ وهو لحمل الإمام ذلك، وحينئذ فلا يجري تركه له عمدا على ترك السنن عمدا لأن ذلك في الفذ والإمام، ويدل لهذا ما في الحطاب عن ابن رشد، وأما المأموم فإذا لم يتشهد حتى سلم الإمام، فمقتضى أصل المذهب أنه يسلم، ويجزئه تشهد الإمام. وفي العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك أنه: يتشهد بعد سلام الإمام، وإذا وجد الخلاف في منع السلام من تدارك الفروض فأحرى أن يمنع تدارك التشهد. انتهى. كلام الحطاب. أو سجدة؛ يعني أن المأموم إذا زوحم أو نعس أو حصل له نحوه عن سجدة أو سجدتين تحقيقا، أو شكا من أولاه أو غيرها فلا يخلو ذلك من أمرين: إما أن يطمع في أنه يأتي بها ويدرك الإمام قبل أن يرفع رأسه من ركوع التالية لها، أو لا يطمع في ذلك. فإن لم يطمع فيها. أي في الإتيان بها قبل عقد إمامه، برفع رأسه من تالية التي زوحم عن سجدتها؛ بأن تيقن أو ظن عقده قبل أن يدركه، تمادى؛ أي لا يأتي بها، وقضى بعد سلام الإمام بدل ركعة النقص ركعة على نحو ما فاتته؛ لأن المأموم لا تنقلب الركعات في حقه. كما مر. وإلا بأن طمع فيها قبل رفع إمامه رأسه من الركوع سجدها، وتبع الإمام في عقد ما بعدها، وحمل الإمام القراءة عنه، فإن أدركه فواضح، وإلا بطلت الركعة الأولى لعدم الإتيان بسجودها على الوجه المطلوب. والثانية: لفوات ركوعها مع

стр. 1129

الإمام، وحيث ترك السجدة لعدم طمعه بها وقضى ركعة، فلا سجود عليه لزيادة ركعة النقص إن تيقن ترك السجدة منها؛ لأنه لا سهو على مؤتم حالة القدوة، وأما إن شك وترك السجدة وقضى ركعة؛ فإنه يسجد بعد السلام لاحتمال أن المأتي بها زيادة؛ أي فلا يحملها الإمام لاحتمال أنها زيادة بعد مفارقة الإمام. وبما قررت علم أن قوله: "ولا سجود عليه إن تيقن"، راجع لقوله: "فإن لم يطمع فيها"، فقط هذا هو الصواب، ولا يرجع للمسألتين ما إذا لم يطمع، وما إذا طمع: ولا يصح ذلك لأنه في الصورة الأخيرة لم يات بشيء بعد مفارقة الإمام، بل إنما أتى بالسجدة وهو في حكم الإمام، فإن كانت واجبة فواضح: وإن كانت زائدة فهي زيادة في حكم الإمام والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. قال: ويمكن رجوع ذلك أيضا إلى مسألة الركوع، ويفصل فيها. انتهى. ولما أنهى الكلام على إخلال الإمام والمأموم ببعض الأركان، وكان حكم زيادة المأموم واضحا من أنه إن كانت سهوا حملها الإمام، وعمدا لإصلاحها وكثرت أبطلت، وقلت اغتفرت. شرع في بيان حكم ما إذا زاد الإمام ركعة سهوا، هل يتبعه المأموم أم لا؟ وحكم ما إذا فعل ما أمر به، أو خالف ما أمر به فقال: وإن قام إمام الخامسة؛ يعني أن الإمام إذا قام لزائدة، فإنه يرجع وجوبا متى علم. وإلا بطل عليه وعلى من خلفه، فقوله: لخامسة؛ أي مثلا، ولو قال: لزائدة، ليشمل الرابعة في الثلاثية، والثالثة في الثنائية لكان أحسن، فإن لم يعلم الإمام أنه قام لخامسة، فمأمومه على خمسة أقسام: متيقن انتفاء ما يوجب الركعة، ومتيقن الوجوب وظانه وظان عدمه، وشاك فيهما. فمتيقن انتفاء موجبها يجلس: المراد بالتيقن هنا الاعتقاد، طابق ما في نفس الأمر أم لا؛ يعني أن من تيقن انتفاء الموجب؛ أي ما يوجب الركعة التي قام لها الإمام، بأن اعتقد أن الصلاة قد تمت، وأن الإمام إنما قام ساهيا يجلس وجوبا ولا يتبع الإمام في قيامه، ويسبح في جلوسه للإمام وجوبا لعله يتذكر فيرجع، وإلا يتيقن انتفاء الموجب، بل تيقن الموجب، أو ظنه، أو شك فيه، أو توهمه. يتبعه؛ أي يجب عليه أن يتبع الإمام في قيامه، ولا يعمل على ظنه خلافا لأبي حنيفة وابن الحاجب، ثم إن ظهر له قيام إمامه لموجب فواضح، وإن ظهر له بعد فراغه من الخامسة سواء كان قبل سلامه أو بعده أنه لم يقم لموجب وإنما قام ساهيا، سجد بعد السلام،

стр. 1130

وسجد معه المتبع. فإن خالف عمدا بطلت فيهما؛ يعني أنه إذا خالف كل من المتيقن لانتفاء الموجب وغيره ما أمر به من قيام أو جلوس عمدا أو جهلا، فإن صلاته تبطل، فقوله: فيهما؛ أي في مسألتي جلوسه واتباعه؛ أي تبطل في المسألتين إلا أن يتبين أن المخالفة موافقة لما في نفس الأمر، ومن وجب عليه الجلوس وقام عمدا ثم تبين أن ذلك موافق لما في نفس الأمر، فالصلاة صحيحة -كما علمت- وهل تنوب تلك الركعة التي قام لها عمدا عن ركعة الخلل أم لا؟ قولان ثانيهما: يوافق قوله: "وتارك سجدة من كأولاه لا تجزئه الخامسة إن تعمدها". تنبيه: قد مر أن من تيقن انتفاء الموجب يجلس وجوبا، ويسبح وجوبا فإن لم يسبح بطلت صلاته لأنه لو سبح لربما رجع الإمام فصار المأموم متعمدا الزيادة في الصلاة، فإن لم يفهم بالتسبيح كلموه، فيرجع لقولهم إن تيقن صحته أو شك فيه، فإن لم يرجع بطلت صلاته على ما مر في قوله: "ورجع إمام فقط لعدلين" فأجْرِهِ عليه في الرجوع والبطلان يا فتى، وكونها تبطل عليه في الشك إن لم يرجع هو ما للشيخ إبراهيم؛ وهو الموافق لما مر. لكن في الحطاب أنه يجب عليه الرجوع إليهم في حالة الشك، فإن لم يرجع، فقال ابن عرفة عن ابن المواز: لا تبطل صلاته إن لم يجتمع كلهم على خلافه، ولو أجمعوا فخالفهم بشك، بطلت عليه وعليهم لوجوب رجوعه عن شكه ليقينهم. انتهى. وإذا لم يجب رجوع الإمام عند تيقنه خلاف ما عندهم، ولم يكثروا جدا بحيث يفيد خبرهم العلم الضروري، فهل يسلمون قبله، أو ينتظرونه حتى يسلم ويسجد لسهوه؟ قولان. لا سهوا هذا مفهوم قوله: "فإن خالف عمدا بطلت فيهما؛ " يعني أن محل البطلان في المسألتين حيث كانت المخالفة عمدا، وأما إن كانت المخالفة سهوا فإن الصلاة تصح في المسألتين، فتصح للجالس، والمتبع اتفاقا، لكن من حكمه وجوب القيام وجلس يأتي بركعة، وإليه أشار بقوله: فيأتي الجالس بركعة، وهذا إذا استمر على تيقن الموجب، أو ظنه، أو شكه، أو توهمه. وأما إن حدث له يقين على انتفاء الموجب فإنه لا يأتي بركعة. ولما فرغ من بيان ما يلزم المأمومين قبل سلام إمامهم من جلوس واتباع، وما يترتب على من خالف ما أمر به سهوا أو عمدا، شرع في بيان أحكامهم بعد سلام الإمام، فقال: ويعيدها المتبع؛

стр. 1131

يعني أن من تيقن انتفاء الموجب إذا اتبع الإمام الذي قام لزائدة؛ وكان اتباعه له سهوا ثم إنه تغير يقينه، فإنه لا يكتفي بتلك الركعة التي أتى بها مع الإمام، بل يعيدها، وقيل: يكتفي بها عن ركعة الخلل فلا يعيدها، قال الشيخ محمد بن الحسن ملخص هذه المسألة أن المأموم له حالان، إما أن يتيقن انتفاء الموجب، أم لا، وفي كل إما أن يفعل ما أمر به، أو يخالف عمدا، أو سهوا، أو تأويلا، فهذه ثمان، فأما متيقن انتفاء الموجب، فإن فعل ما أمر به من الجلوس صحت صلاته بقيدين إن سبح ولم يتبين له وجود الموجب، وإلا بطلت لقوله: ولمقابله إن سبح، ولقوله: لا لمن لزمه اتباعه، وإن خالف عمدا؛ بأن قام بطلت إن لم يتبين له الموجب، وإلا صحت على قول ابن المواز، وعليه فهل تنوب عن ركعة الخلل؛ وهو ظاهر كلام ابن المواز، أو يقضيها؟ قولان. واختار اللخمي البطلان مطلقا: وإن خالف سهوا فقام لم تبطل اتفاقا، وكذا تأويلا على ما اختاره اللخمي، فإن زال يقين الساهي والمتأول، فهل يكتفيان بتلك الركعة أو لابد من ركعة بدل ركعة الخلل، وقد جزم المصنف بالثاني في الساهي فأحرى المتأول، لكن مفهوم قوله: لا تجزئه الخامسة إن تعمدها، أن الساهي يجتزئ بها. وأما من لم يتيقن انتفاء الموجب فإنه يقوم، فإن فعك فواضح: وإن خالف فجلس عمدا بطلت صلاته إلا أن يوافق نفس الأمر، وإن جلس سهوا لم تبطل، ويأتي بركعة وتأويلا فكالعامد على المعتمد، وهذا التحصيل نحوه في الأجهوري. انتهى. وقوله: "ويعيدها المتبع"؛ أي إن قال الإمام بعد سلامه: قمت لموجب؛ قاله الشيخ عبد الباقي. وإن قال قمت لموجب يعني أن الإمام إذا قال بعد سلامه: قمت لموجب؛ أي أتى بما يؤثر وجود الموجب ولو وهما كان بهذا اللفظ أو بغيره؛ فإن المتبع له سهوا يعيد تلك الركعة التي حدث له وجود موجبها بقول الإمام: قمت لموجب، فهو قيد في قوله: "ويعيدها المتبع". وقد علمت أن المراد بقول الإمام قمت لموجب، إتيانه بما يؤثر وجود الموجب، كان بهذا اللفظ أو غيره، وإن لم يؤثر عند المأموم لم يعتبر. وعلى ما قررت به كلام المصنف فالواو في قوله: "وإن قال قمت لموجب" للحال؛ أي ويعيدها المتبع، والحال أن الإمام قال: قمت لموجب، وقوله: صحت لمن لزمه اتباعه وتبعه. الصواب إدخال الواو على قوله: صحت؛ بأن يقول، وصحت لمن لزمه اتباعه وتبعه، ومعنى الكلام على هذا أن من لم يتيقن انتفاء الموجب وتبع الإمام الذي قام لزائدة بحسب

стр. 1132

اعتقاد المأموم تصح صلاته مطلقا، سواء قال الإمام قمت لموجب أم لا؛ وحملت المصنف على غير ظاهره ليوافق الصواب. وقال الشيخ عبد الباقي: فلو أخر الواو الداخلة على قوله: "وإن قال قمت لموجب"، لكوني أسقطت ركنا من إحدى الركعات وأدخلها على قوله: "صحت لمن لزمه اتباعه"، وتبعه لأفاد ذلك؛ يعني ما قدمته -وأما إدخالها على قوله: "إن قال قمت" الخ؛ ففيه خلل من وجهين، أحدهما أنه يقتضي أنه إنما تصح صلاة من لزمه اتباعه، وتبعه، إن قال قمت لموجب مع أنه مطلق كما لابن هارون؛ وهو المرتضى خلاف ما لابن عبد السلام، فإنه غير مرتضى. ثانيهما أنه يوهم أن قوله: "ولمقابله إن سبح"، فيما إذا قال: قمت لموجب"، وليس كذلك فإنه مطلق، ولولا خلو قوله: صحت عن حرف العطف لأمكن أن يجاب عنه بجعل إن للحال. انتهى. ولمقابله إن سبح؛ يعني أن من تيقن انتفاء الموجب وهو المراد بالمقابل تصح صلاته بقيدين -كما مر- أحدهما أن يسبح للإمام، فإن لم يسبح له بطلت، وقول المصنف: "وتبعه"، تقدم مفهومه في قوله: "فإن خالف عمدا بطلت فيهما" الخ، وقوله: "إن سبح"، هو لسحنون، قال في التوضيح، شرط سحنون في صحة صلاة الجالس التسبيح، واستبعده أبو عمران، ورأى ابن رشد أنه تفسير للمذهب، واعتمد المصنف كلام ابن راشد. (١) وقوله: "ويعيدها المتبع"، قد تقدم الخلاف في ذلك، وهو على الخلاف فيمن ظن كمال صلاته فأتى بركعتين نافلة، ثم تذكر أنه بقي عليه من صلاته ركعتان، وقد أنكر ابن عرفة وجود القول بالإعادة الذي اقتصر عليه المصنف، ونصه وأجزأ من تبعه سهوا فيهما، ونَقْلُ ابن بشير: يقضي ركعة في قوله: "وأسقطت سجدة"، لا أعرفه، وقوله: كالخلاف فيمن صلى نفلا إثر فرض واعتقد تمامه فتبين نقصه واضح فرقه. انتهى. والله أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي الحطاب: قال ابن عبد السلام، وابن هارون: وأصل المشهور الإعادة. انتهى.

стр. 1133

كمتبع تأول وجوبه؛ يعني أن من تيقن انتفاء الموجب، وتبع الإمام متأولا لجهله وجوب الاتباع، تصح صلاته لعذره بالتأويل، مع أنه لا يجوز له الاتباع لأنه متيقن انتفاء الموجب على المختار؛ أي تصح صلاة المتبع المتأول لوجوب الاتباع على ما اختاره؛ اللخمي وهو لسحنون، وابن المواز؛ فلذا عبر بالاسم. وبما قررت علم أن قوله: -كمتبع"، تشبيه في الصحة، وهل ذلك خاص بما إذا قال الإمام: قمت لموجب؟ وإلا بطلت، وعليه الشيخ علي الأجهوري، وهو الظاهر من كلام اللخمي أولا، وعليه الحطاب. وعلى كل فإن قال الإمام: قمت لموجب، فهل تنوب عن ركعة الخلل؟ وهو ظاهر عبارة ابن المواز، أو يقضيها؟ قولان ثانيهما هو الوافق لقول المصنف: "لا تجزئه الخامسة إن تعمدها، وهذا متعمد بتأويله جهلا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال ابن غازي معرضا بقول الشارح: لم أر للخمي في هذه اختيارا. انتهى. صدق المصنف رحمه الله تعالى فيما نسبه للخمي، وذكر نص تبصرته. لا لمن لزمه اتباعه في نفس الأمر ولم يتبع؛ يعني أنه لا تصح صلاة من لزمه اتباع الإمام باعتبار ما في نفس الأمر، ولم يتبعه وهو متيقن انتفاء الموجب، وجلس كما هو شرعه، فتغير يقينه فصار مؤاخذا بالظاهر تارة، وبالباطن أخرى؛ أي لأنا أوْجَبْنَا عليه الجلوس عملا باعتقاده أن الإمام قام لزائدة وأبطلناها عليه باعتبار ما في نفس الأمر، ومحل البطلان حيث تغير يقينه في أثناء الصلاة، ولم يلحق الإمام في قيامه. وأما إن تغير بعدها فيأتي بركعة حيث لم يطل، كما في حاشية الشيخ الأمير. وقوله: "لا لمن لزمه اتباعه" الخ، خلافا للخمي، قال ابن غازي: وإنما لم يتبع المصنف اختيار اللخمي في هذه كما تبعه في التي قبلها؛ لأن اختياره في الأولى وافق فيه منصوصا، ولما كان في هذه رأيًا له مخالفا للمنصوص عدل عنه، ولا تصح أيضا لمن توهم الموجب، وجلس متأولا أن الظن يقدم على الوهم عند اللخمي ولا غيره. وبما قررت علم أن هذا مرتب على قوله: فمتيقن انتفاء موجبها يجلس كالذي قبله، فتصح صلاته بشرطين أن يسبح، وأن لا يقول الإمام قمت لموجب ولم تُجْز مسبوقا علم بخامسيتُها؛ يعني أن الإمام إذا قام لخامسة، وتبعه مأموم مسبوق بركعة فأكثر عمدا في تلك الركعة الخامسة، والحال أنه أي المسبوق علم بكون الركعة التي قام لها الإمام خامسة، فإنه لا تجزئه تلك الركعة الخامسة عن ما فاته مع الإمام، وصلاته صحيحة إن

стр. 1134

قال الإمام: قمت لموجب، ولم يجمع مأمومه على نفي الموجب، فإن لم يقل قمت لموجب، أو أجمع مأمومه على نفي الموجب بطلت صلاته. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ بناني: قوله: "أو أجمع مأمومه على نفي الموجب، زاده الهواري هنا، والظاهر جريانه فيما سبق في قوله: فإن خالف؛ إذ لا فرق بين الموضعين، وحينئذ فالصحة، هنا على قول ابن المواز؛ لأنه قام عمدا وتبينت الموافقة، والبطلان فيما سبق مقيد بما إذا لم تتبين الموافقة، فالخلاف السابق وهو الصحة لابن المواز، والبطلان عند اللخمي حيث تبينت الموافقة جارٍ هنا أيضا، وحينئذ فجميع ما تقدم من قوله: "وإن قام إمام لخامسة"، إلى هنا، كله يجري في المسبوق وغيره انتهى. وبهذا يتبين لك ما في كلام الشيخ عبد الباقي، والمصنف هنا تكلم على ما بعد الوقوع، وأما ابتداء فينبغي أن يكون حراما. وهل كذا إن لم يعلم؟ هذا مفهوم قوله علم بخامسيتها؟ يعني أنه إذا لم يعلم المسبوق الذي تبع الإمام في الخامسة بكون الركعة التي قام لها الإمام خامسة، فإن الشيوخ اختلفوا في إجزاء تلك الركعة وعدمه، والحال أن الإمام قال: قمت لموجب، فمنهم من قال: لا تجزئه عن مثلها في ذمته مطلقا، سواء أجمع المأمومون على نفي الموجب عن أنفسهم فقط أولا. أو تجزئ؛ يعني أن من الشيوخ من قال تجزئ المسبوق تلك الركعة حيث لم يجمع المأمومون على نفي الموجب عن أنفسهم، والحال أن الإمام قال: قمت لموجب، وأما إن أجمعوا على نفي الموجب عن أنفسهم فقط فلا تجزئه، وإلى ذلك أشار بقوله: إلا أن يجمع مأمومه على نفي الموجب، وقررت المصنف على أن المراد نفي الموجب عن أنفسهم فقط؛ إذ لو أجمعوا على نفي الموجب عنهم وعن إمامهم لموجب رجوعه عن شكه ليقينهم، فإن خالفهم لشكه بطلت قاله بناني في ذلك. قولان. وقررت المصنف على ظاهره وهو منتقد، وذلك لأن مبنى القولين، هل ما أتى به الإمام بناء فتجزئ الركعة المسبوق، أو قضاءٌ فلا تجزئه؟ فابن المواز يقول: إذا قال الإمام: قمت لموجب، وأجمع مأمومه على نفي الموجب عن أنفسهم، إن الركعة التي أتى بها قضاء؛ لأنهم يعتدون بالركن الذي فعلوه مع ترك الإمام له، والإمام إنما تنقلب الركعات في حقه إذا شاركه

стр. 1135

مأموموه أو بعضهم في ترك السجدة مثلا، وإلا فكالمأموم. وسحنون قائل: إن ما يأتي به الإمام بناء فتجزئ الركعة المأموم لأنهم لا يعتدون بما فعلوا مع ترك الإمام له، فتركه للركن ترك لهم، وإن هم فعلوه فلو لم يجمع المأمومون على نفي الموجب لاتفق القولان على أن ما أتى به الإمام بناء فتجزئ الركعة اتفاقا، فالصور أربع: أن يقول الإمام قمت لموجب ولم يجمع مأمومه على نفي الموجب أجزأت الركعة المسبوق اتفاقا، وإذا لم يقل قمت لموجب أجمعوا على نفي الموجب، أم لا لم تجز فيهما، والرابعة هي محل الخلاف الذي ذكره. وكذا إذا قال الإمام: قمت لموجب، وأجمع مأمومه على نفي الموجب وحينئذ فالاعتراض يتوجه على المصنف بأنه ليس ثم قول بعدم الإجزاء إن لم يعلم، أجمع مأمومه على نفي الموجب أم لا لاتفاق القولين على الإجزاء، إن لم يجمعوا على نفي الموجب؛ لأنها حينئذ بناء باتفاقهما. وحكى الشيخ بناني عن ابن عرفة ما نصه: وفي إتيان الإمام بركعة بدل ركعة ترك سجدتها وسجدها بعض مأموميه قضاء أو بناء، ثالثها: إن سجدها كل من معه لثاني نقل الشيخ عن محمد وله ولأول نقله، ولم ينقل الصقلي وابن رشد وغيرهما. غيره. وما يأتي به إن كان بناء تبعه فيه كل مأموميه، ولو كان فعله، وإن كان قضاء فلا يتبعه فيه أحد ولا مسبوق. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: ومقتضى البناء على هذا الخلاف أن يكون الخلاف السابق مطلقا، أجمع المأمومون على نفي الموجب أم لا لا كما قاله الزرقاني (١) من تقييده بما إذا أجمعوا ولا كما يقوله المصنف من تقييده بما إذا لم يجمعوا. فتأمل والله أعلم انتهى. وقوله: "ولم تجز مسبوقا علم بخامسيتها" الخ، تعقبه الرماصي بأن ابن الحاجب، وابن بشير، وابن شاس، وابن عرفة أطلقوا القولين بإجزاء الخامسة؛ إذا قال الإمام: قمت لموجب، ولم يقيدوهما بالعالم ولا غيره، والبناء المذكور ظاهر في ذلك، والمؤلف جزم في العالم بعدم الإجزاء: وذكر الخلاف في غيره، وقيده بعدم إجماع من خلفه على نفي الموجب، والقائل بهذا القيد هو ابن المواز، وهو قائل به في العلم وعدمه، وفي المسبوق وغيره: ونصه ولو قال الإمام: أسقطت سجدة من الأولى، أجزأت من اتبعه ممن فاتته ركعة، وأجزأت غيره ممن خلفه ممن

стр. 1136

اتبعه، إلا أن يجمع كل من خلفه على أنهم لم يسقطوا شيئا إنما أسقطه الإمام وحده، فلا تجزئ من اتبعه عمدا، ولا من فاتته ركعة وهو لا يعلم، وليأت بها بعد سلامه وتجزئه. انتهى. تم قال: فلعل المؤلف ترجح عنده عدم الإجزاء في العالم فاقتصر عليه، وحكى الخلاف في غيره. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وعلم مما مر أنه إذا علم المسبوق الزيادة يجب عليه أن لا يتبع الإمام ويجلس، فإن اتبعه عامدا وتبين أن الإمام لم يسقط شيئا بطلت صلاته؛ أي المسبوق، وإن تبين أنه أسقط شيئا فهو قوله: "ولم تجز مسبوقا علم بخامسيتها". وقال الإمام الحطاب: وإذا علم المسبوق بموجب قيام الإمام، وأنه قام إليها عوضا عن ركعة فاتته، فهل يتبعه فيها؟ ذكر ابن رشد في ذلك قولين بناهما على الخلاف في الركعة التي يأتي بها الإمام، هل هي بناء أو قضاء؟ والمشهور أنها بناء، فيتبعه فيها. انتهى. وللشيخ عبد الباقي هنا كلام فيه نظر. وتارك سجدة من كأولاه لا تجزئه الخامسة إن تعمدها: قال الإمام الحطاب: أجاد رحمه الله تعالى فيما، قال ويعني أن من ترك سجدة من الأولى ساهيا، وفات التدارك بعقد الثانية أو من الثانية، وفات التدارك بعقد الثالثة أو من الثالثة وفات التدارك بعقد الرابعة وقام إلى خامسة عمدا ثم بعد الإتيان بها تذكر أنه كان أسقط سجدة من الأولى أو من الثانية، أو من الثالثة فلا تجزئه هذه الخامسة عن الركعة المتروك منها السجدة. انتهى. المراد منه. ولم تجزه الركعة؛ لأنه متلاعب، ولابد من إتيانه بركعة، وما ذكره المصنف من الصحة هو المشهور عند ابن غلاب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: وإذا لم تجزه فالمشهور تبطل صلاته بزيادة تلك الركعة، وقيل: تصح. نقله الهواري. واستغنى المصنف عن ذكره؛ لأنه قدم أن تعمد كسجدة مبطل فأحرى الركعة. انتهى. ويجاب عن ذلك بأنها صحت نظرا لما في ذمته. وقوله: "لا تجزته الخامسة" أي -مثلا- فالمراد الزائدة كانت خامسة أو رابعة أو ثالثة، وقوله: "وتارك سجدة"؛ يعني إماما أو مأموما أو فذا. وقد علمت أن الموضوع أنه اعتقد كمال صلاته، ولم ينتبه لما في ذمته حتى عقد خامسة في اعتقاده، ثم تبين أن عليه مثلها فلو تذكر ما نسيه قبل عقد الخامسة لكان ما

стр. 1137

أتى به عوضا عن ركعة الخلل، ولو نوى أنها خامسة فلا تضر هذه النية كنية الإمام أن لا يحمل عن المأموم ما يحمله عنه، ومفهوم إن تعمدها إجزاء الركعة مع السهو وهو المشهور. وقال ابن القاسم: لا تجزئ الساهي، وعليه جرى المصنف في قوله: "ويعيدها المتبع"، لكن أنكره ابن عرفة. ولما فرغ من الكلام على ما قصده من الفروع المتعلقة بسجود السهو، وكان لسجود التلاوة شبه به لاشتراكهما في الزيادة على أركان الصلاة المحدودة وإن تفرقا في بعض الأحكام، أتبعه به معبرا بجملة لفظها الخبر، ومعناها الأمر، فقال:

стр. 1138

فصل: يذكر فيه سجود التلاوة، وحكمه، وشروطه، وأمكنته، ولم يعبروا بالقراءة؛ لأن التلاوة أخص فإنها مأخوذة من تلا إذا تبع، والقراءة تكون في كلمة واحدة، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، وغيرهما من الآي. تنبيه: لو ازدحموا عند سجود التلاوة حتى ما يجد بعضهم موضعا لجبهته، روى البيهقي بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: (إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه (١))؛ أي ولو بغير إذنه، ولابد من إمكانه مع القدرة على هيئة الساجد؛ بأن يكون على مرتفع، والمسجود عليه في منخفض، وبه قال أحمد والكوفيون. وقال مالك: يمسك، فإذا رفعوا سجد. وإذا قلنا بجواز السجود في الفرض فهو أجوز في سجود القرآن؛ لأنه سنة، وذلك فرض. قاله القسطلاني. سجد بشرط الصلاة؛ يعني أنه لا يسجد سجود التلاوة قارئ ولا مستمع إلا من كان منهما ملابسا للشرط الذي لا تصح الصلاة النافلة إلا به من طهارة حدث، وخبث، وستر عورة، واستقبال قبلة. ويجري هنا: "وصوب سفر قصر لراكب دابة" الخ، ولا يجزئ عنها الركوع عندنا ولا الإيماء إلا المتنفل على الدابة بسفر قصر. كما قاله الفاكهاني، وغيره. ويجوز سجودها بسفينة لغير قبلة إن لم يمكن الدوران، والباء في قوله: "بشرط" للمصاحبة. ولما كانت السجدة من توابع القراءة، كان لها أيضا بها شبه وهو عدم الإحرام والسلام، ولذا قال: بلا إحرام؛ يعني أن سجود التلاوة يكون بغير إحرام؛ أي لا يكبر له تكبيرا زائدا على تكبير الهوي اتفاقا، بل إنما يكبر للهوي والرفع -كما يأتي- وفهم من قوله: "بلا إحرام"، أنه لا يرفع يديه وهو كذلك، قال الإمام الحطاب ولا يرفع يديه بالتكبير عندنا، قاله الفاكهاني. انتهى. والباء في قوله: "بلا إحرام"، للتعدية. قاله الشيخ عبد الباقي.

стр. 1139

وسلام؛ يعني أنه كما لا إحرام في سجود التلاوة، لا سلام منه على المشهور، بخلاف سجود السهو الذي هو من توابع الصلاة، وفي الأبي في شرح مسلم: لا خلاف أن سجود التلاوة يفتقر إلى طهارة الحدث والدنس والنية والاستقبال، ومعنى النية فيه أن ينوي أداء هذه السنة التي هي السجدة، فما في كلام بعضهم من أنها لا تفتقر للنية مشكل. والظاهر أن إحرامه وسلامه مكروه، إلا أن يفعله خروجا من الخلاف. قاله الشيخ إبراهيم. قارئ: فاعل سجد، وهو مهموز، وفي بعض النسخ منقوصا عومل معاملة قاض، وقوله: "قارئ"، أي يسجد القارئ ولو غير بالغ، فقول الشيخ عبد الباقي: ولابد من كونه بالغا، غير صحيح. وقد وقع في كلام المازري ما يوهم التقييد بالبلوغ، وليس ذلك بمراد، بل إنما ذكر هناك البلوغ في المتعلم ليجلب به سجود المستمع، المعلم فلا تغتر به. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقال الشيخ الأمير: سن لبالغ على الراجح مما في الأصل، وندب لصبي سجود بشرط الصلاة النافلة. انتهى. ويطلب بها ولو ماشيا، وينحط لها من قيام، ولا يجلس لياتي بها منه، وينزل الراكب، ولا يكفي عنها إيماء إلا في سفر قصر -كما مر- ومستمع؛ يعني أنه كما يسجد القارئ يسجد المستمع ولو غير بالغ، فاشتراط البلوغ في المستمع غير صحيح أيضا. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. والمستمع هو: المصغي بسمعه. واعلم أن الاستماع قد يكون ممدوحا، كالاستماع لما يرشد إلى معرفة الله تعالى ونحو ذلك، وقد يكون مذموما، وفي الحديث: (من تسمع حديث قوم بغير إذنهم صب في أذنيه الآنك يوم القيامة (١))، والآنك بفتح الهمزة المدودة، وضم النون: الرصاص المذاب، وموضعه فيمن يستمع مفسدة كنميمة، وأما مستمع حديث قوم لقصد منعهم من الفساد؛ أي ليتحرز من شرهم فلا يدخل تحته، بل قد يندب، بل قد يجب بحسب المواطن.

стр. 1140

واعلم أن كل ما لا يجوز النطق به لا يجوز سماعه، فقد قال صلى الله علية وسلم: (المستمع شريك القائل (١))، وقال ﷺ : (مستمع الغيبة أحد المغتابَيْنِ (٢))، وفي الحديث الصحيح: (ولا يتناجى اثنان دون واحد (٣))، قال النووي: النهي للتحريم، فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم، ومذهب ابن عمر ومالك وأصحابه وجمهور العلماء: أن النهي عام في كل الأزمان، وفي الحضر والسفر، وقال عياض: في السفر دون الحضر، وتعقبه القرطبي: بأن هذا تخصيص لا دليل عليه، قال ابن عبد البر: ولا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما. انتهى. ولا ينبغي للداخل القعود عندهما ولو تباعد عنهما إلا بإذنهما، وصرح في الجلاب بأن النهي عن التناجي المذكور للكراهة، وقوله: ولا يتناجى اثنان، قال العلماء: وكذلك الجماعة إذا أفردوا واحدا منهم، ولا بأس باثنين دون اثنين، وجماعة دون جماعة إن أمنت الفتنة. وفي الحديث: (من ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى الجنة، ومن ترك المراء وهو مبطل بنى الله له بيتا في ربض الجنة (٤)). انتهى. المراء كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ من جهة النحو، أو من جهة اللغة أو النظم، أو التقديم والتأخير، وإما في المعنى، وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض بكلام سمعته، فإن كان حقا فصدق به، وإن كان باطلا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه. والمجادلة عبارة عن قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه، ونسبته إلى القصور بالقدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل فيه والربض بفتح المراء والموحدة بعدها ضاد معجمةٌ: الأسفلُ. قاله ابن زكري. وفي الشادلي على الرسالة: أن المراء التحيل على دفع الحق بالباطل وجحود الحق بعد ظهوره، وأن الجدال مناظرة أهل البدع. انتهى. وقوله: فقط، راجع لمستمع لا لقارئ؛ إذ لا محترز له، قاله الشيخ إبراهيم.

стр. 1141

واحترز بقوله: "فقط"، عن السامع من غير إصغاء، ويسجد المستمع بثلاثة شروط: أولها قوله: "إن جلس". المستمع، ليتعلم؛ يعني أن المستمع إنما يسجد إذا كان قد قصد باستماعه التعلم للقرءان ليحفظه، أو ليتعلم أحكامه من مخارج وإدغام وإظهار وإخفاء وغير ذلك، ويشمل كلامه ما إذا جلس ليتعلم ما يجوز من الأحكام كمد عارض: وهو ما يكون بعرض السكون لأجل الوقف كمد ﴿نَسْتَعِينُ﴾، فإنه جائز كما أن قصره كذلك، وقوله: "ليتعلم"، وكذا الحكم لو جلس ليعلم، كما في الأمير، ولو جلس لسماع أو ثواب أو سجود فقط لم يسجد، وعبارة الشارح: فلا يسجد السامع غير القاصد للاستماع، ولا من جلس ليسمع القرآن لا لتعليم، وقاله في العتبية، وقال ابن حبيب: يسجد إلا أن يكون القارئ غير صالح للإمامة كالصبي والمرأة. وعلم مما قررت أن المقصود بالجلوس الانحياز للقارئ بجلوس أو غيره من قيام أو اضطجاع، ولكن عبر بالغالب. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ إبراهيم ولو قال المصنف، إن كان ليتعلم ليشمل من جلس ومن كان غير جالس لكان أشمل. انتهى. ولو ترك القارئ؛ يعني أن المستمع يسجد ولو ترك القارئ السجدة؛ لأن كلا منهما مأمور بالسجود، فترك أحدهما له لا يسقطه عن الآخر إلا أن يكون القارئ إماما فيتركها المأموم أيضا بلا خلاف، فإن تركها الإمام القارئ وسجدها المأموم بطلت صلاته، فيما يظهر. قاله الشيخ إبراهيم. أي لقوله: وبتعمد كسجدة بخلاف سجود السهو -كما مر- لأنه جابر، ولو تركها المستمع وإن عمدا، وفعلها الإمام صحت صلاة المأموم كما ذكره ابن عرفة، وغيره ورد المصنف "بلو" قول مطرف، وابن حبيب، وأصبغ، وعبد الملك، وابن عبد الحكم القائلين بعدم السجود، والحجة لهم قوله ﷺ للذي قرأ ولم يسجد: (كنت إماما فلو سجدت لسجدنا معك (١))، وصوبه ابن يونس. وثانيها: قوله: (إن صلح) القارئ (ليؤم) يعني أن المستمع إنما يسجد إذا كان القارئ صالحا للإمامة، وصلح بفتح اللام وضمها ولم يعطفه بالواو لتخالف فاعلي الفعلين، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ

стр. 1142

يُغْوِيَكُمْ﴾، وقوله: "يؤم"؛ أي في الفريضة في الجملة؛ بأن يكون ذكرا محققا بالغا عاقلا متوضئا، فلا يسجد مستمع امرأة، وصبي، وخنثى مشكل، ومجنون، ولا محدث أصغر على المعتمد، خلافا لمن قال: يسجد المستمع، وإن كان القارئ على غير وضوء، وعلى القول بإمامة الصبي في النافلة ينبغي أن يسجد مستمعه. قاله الحطاب. وأدخل بقوله في الجملة سجود مستمع غير عاجز من متوضئ عاجز عن ركن، ومستمع من مكروه الإمامة، وكذا من فاسق بجارحة على المعتمد. وثالثها: قوله: ولم يجلس القارئ ليُسْمَعَ بضم أوله مضارع الرباعي؛ يعني أنه إنما يسجد المستمع إن لم يجلس القارئ ليسمع الناس حسن قراءته. وقوله: "ليسمع" بالبناء للفاعل والمفعول، فإن جلس القارئ ليسمع فلا يسجد المستمع له لأن شأن ذلك الرياء، وإن كان إسماعه لهم حسن قراءته قد يكون لقصد إدخال الخشوع عليهم، وزيادة إيمانهم. وقد مر أن المستمع من فاسق بجارحة يسجد، ولعل المانع من سجود مستمع هذا أن فسقه متعلق بذات القراءة فأشبه الفسق المتعلق بذات الصلاة، وأما القارئ الذي جلس ليسمع فإنه يسجد، كما قاله غير واحد، وجعله السنهوري شرطا في سجود القارئ أيضا، ونحوه لأبي الحسن في شرح الرسالة، والظاهر من العبارة الأول، وزاد اللخمي في شروط المستمع أن يسجد القارئ وأن يقرأ جهرا انتهى. أما الأول فهو ضعيف؛ لأن المصنف رد عليه بقوله: ولو ترك القارئ، وأما الثاني فيؤخذ من قول المصنف ليتعلم؛ إذ لا يمكن التعلم إلا مع القراءة جهرا، قاله الشيخ إبراهيم، ويسبح الساجد في السجدة أو يدعو، وفي الحديث: (اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داوود (١)). وقوله: كما قبلتها؛ أي السجدة لا بقيد كونها للتلاوة، وفي الحديث أيضا: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته (٢))

стр. 1143

ولما بين من يسجد ومن لا يسجد وشروط السجود بَيَّنَ عَدَدَ السجدات، فقال: في إحدى عشرة. متعلق بقوله: سجد أول الفصل؛ يعني أن القارئ والستمع يسجدان بما تقدم من الشروط في إحدى عشرة سجدة من القرآن دون غيرها على المشهور، وليس في الفصل منها شيء آخر الأعراف عند قوله ﴿يَسْجُدُونَ﴾، من قوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾، ﴿وَالْآصَالِ﴾ في الرعد، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ في النحل، و ﴿خُشُوعًا﴾، في ﴿سُبْحَانَ﴾ و ﴿بُكِيًّا﴾ في مريم، و ﴿مَا يَشَاءُ﴾ في الحج، و ﴿نُفُورًا﴾ في الفرقان: و ﴿الْعَظِيمِ﴾ في النمل: ونقل ابن عبد السلام محلها منها: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ في ﴿الم﴾ السجدة، و ﴿أَنَابَ﴾ في ﴿ص﴾، وقيل: ﴿حُسْنُ مَآبٍ﴾ و ﴿تَعْبُدُونَ﴾ في فصلت، وقيل: ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾. انتهى. وما يروى من خلاف هذا فمحمول على النسخ عند الإمام، والذي استقر من أمره ﷺ إحدى عشرة. زاد ابن وهب وابن حبيب أربعا ردها المصنف بقوله لا ثانية الحج يعني أنه إنما يسجد في أحد عشر موضعا من القرآن وقد مر التنبيه على ذلك ولا يسجد في ثانية الحج زيادة على الإحدى عشرة وإنما يسجد في أولى الحج عند قوله تعالى: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ -كما مر- ورد المص بذلك على ابن وهب وابن حبيب -كما مر- وإنما لم يسجد في ثانية الحج؛ أي عند قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾؛ لأنها في مقابلة الركوع الذي هو أحد أركان الصلاة. ﴿وَالنَّجْمِ﴾؛ يعني أنه لا يسجد في النجم عند قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، وإن صح أنه ﷺ سجد عندها، لكنه ﷺ ما سجد في المفصل منذ تحول إلى المدينة، كما رواه أبو داوود عن ابن عباس ﵄ (١)؛ وهي أول سورة أعلن رسول الله ﷺ بقراءتها في الحرم، وسجد معه المؤمنون والجن والإنس والمشركون غير أبى لهب، فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال: يكفي هذا. وفي رواية الشيخين أن الفاعل لذلك أمية بن خلف، والقول بأنه أبو لهب رواية ابن حبان، وفي رواية ابن أبي شيبة إلا رجلين، بين أحدهما بأنه أمية، وذكر ابن سعد أن الثاني الوليد بن المغيرة، وقوله وسجد المشركون، قال الشيخ عبد

стр. 1144

الباقي: لزعمهم أنه مدح لهم آلهتهم. بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، وإلقاء الشيطان صوتا مثل صوته سمعوه وهو تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى. انتهى. وقوله: وإلقاء الشيطان صوتا الخ، هذا يروى حديثا كما في الشفا، وذلك ما روي أنه ﷺ لما قرأ سورة النجم، قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، قال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، ويروى ترضى، فلما ختم سجد وسجد معه المسلمون والكفار لما سمعوه أثنى على آلهتهم. ويروى أن الشيطان ألقاها على لسانه ﷺ ، وأن جبريل جاءه فعَرَضَ عليه السورتين، فلما بلغ الكلمتين قال جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فحزن النبي ﷺ ، فأنزل الله تسلية له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. الآية أي إلا إذا تلا وقرأ ألقى الشيطان الخ، فتمنى بمعنى تلا مجازا، وقد جمع ابن حجر طرقا ضعيفة، قال لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا، وذكر السيوطي في الدر المنثور أنها أخرجها البزار، والطبراني، وابن مردويه، والضياء في المختار، وألف فيها الشيخ حسن بن إبراهيم المدني رسالة مقويا ثبوتها، وأنها لا تنافي العصمة، ورد عليه الشيخ العلامة أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد القادر الفاسي في رسالة بموافقة والده سيدي عبد القادر، قال فيها بعد جلب أنقال. فتحصل أن القضية ليس لها سند صحيح، وطرقها دائرة بين الشذوذ والانقطاع والإرسال، وما ذكره الحافط ابن حجر من أن لها طرقا تدل على أن لها أصلا، يقال عليه هذه الدلالة غير قطعية؛ وهي مردودة بظواهر الآيات، والظواهر المتكاثرة ربما أفادت القطع سَلَّمْنا الدلالة على أن لها أصلا لكن يكفي في ذلك المقدار الذي يوافق ما ثبت في الصحيح (وإنما الوارد في الصحيح سجوده ﷺ عند ختم السورة، وسجود المسلمين معه والكفار (١))، ولو فرضنا صحة السند واتصاله فهو خبر آحاد غايته إفادة الظن، فلا يهدم ما علم يقينا من العصمة؛ إذ الظن لا

стр. 1145

يعارض اليقين. وقد قال ابن العربي: أجمعت الأمة على أن النبي ﷺ معصوم من الشيطان ممنوع منه، قد حرم حظه فيه، وقطعت العلائق بينه وبينه، وقال القاضي عياض: هو حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند يسلم، وقد أنكره أبو بكر بن العلاء وأبو بكر البزار. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقال: فتحصل أن صدور الكلمات المذكورة من النبي صلى الله عيه وسلم، أو من الشيطان عند تلاوة نبينا كله غير ثابت، بل منكر لوجوب عصمته ﷺ ، (وإنما الوارد في الصحيح سجوده ﷺ عند ختم السورة وسجود المسلمين معه والكفار (١))، ولا في الانشقاق؛ يعني أنه لا سجود في سورة الانشقاق، وهي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، خلافا لابن وهب وابن حبيب القائلين: يسجد في الانشقاق عند قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، ولا في القلم؛ يعني أنه لا سجود في سورة القلم، خلافا لابن وهب وابن حبيب القائلين: يسجد في القلم عند قول الله : ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، فلو سجد في ثانية الحج وما بعدها بطلت صلاته. قاله الشيخ إبراهيم. وفي الحطاب ما معناه، ولو كان الإمام يرى السجود في النجم فسجد، وجب على المأموم أن يتبعه وإلا أساء وصحت صلاته قاله في مختصر البرزلي، قلت: فيها نظر على أصل المذهب. انتهى. وقال عبد الباقي: وهل خلاف ابن وهب وابن حبيب في الأربع حقيقي؛ وهو الذي عليه جمهور المتأخرين، وهو ظاهر المصنف، وعليه فيمنع أن يسجد لها في الصلاة قال سند: لأنه يزيد فيها فعلا تبطل بمثله، فيتعيَّنُ حمل الحديث على النسخ لإجماع أهل المدينة. وقيل: غير حقيقي، والسجود في جميعها إلا أنه في الإحدى عشرة آكد، ويشهد له قول الموطإ: عزائم السجود إحدى عشرة؛ أي المتأكد منها. انتهى. وقال الإمام الحطاب: قال ابن فرحون: طريقة حماد حمل الرواية على الوفاق، وجمهور الأصحاب على حملها على الخلاف. وفائدة هذا الخلاف تظهر في الصلاة، فإن قلنا إنه ليس من العزائم فلا يسجد به في الصلاة. قال سند: ويمتنع عند مالك أن يسجد المصلي بذلك لأنه يزيد في صلاته فعلا مثله يبطل الصلاة. انتهى. وما مر من تفسير العزائم

стр. 1146

بالمتأكد خلاف ما فسره به أبو سعيد بن سليمان فإنه قال في تفسير العزائم؛ أي المقطوع بها المتفق عليها. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وليس منها ثانية الحج: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، ولا النجم؛ لعدم استمرار العمل عليها، والانشقاق، والقلم فيكره، ولا تبطل الصلاة للخلاف، وليس منها أيضا: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾، آخر الحجر. انتهى. وهل سنة؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في حكم سجود التلاوة، هل هو سنة غير مؤكدة؟ وعليه الأكثر، وشهره ابن عطاء الله والفاكهاني، ومقتضى كلام ابن عرفة أنه: الراجح. أو هو فضيلة؛ أي مندوب. واعلم أن السنة تقابل بالفضيلة؛ ففي كلام الشيخ عبد الباقي نظر -والله تعالى أعلم- وكون سجود التلاوة فضيلة هو قول الباجي، وابن الكاتب، وصدر به ابن الحاجب، وقوله: خلاف، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك خلاف، قال الشيخ إبراهيم: وكان ينبغي للمصنف الاقتصار على القول الأول، فإن القول بالفضيلة لم يشهر، وتصدير ابن الحاجب به لا يكفي في تشهيره. انتهى. وقال الشيخ الأمير: سن لبالغ على الراجح مما في الأصل، وندب لصبي سجود بشرط الصلاة. انتهى. وقوله وهل سنة الخ؛ اعلم أن محل الخلاف في المكلف، وأما الصبي فيندب له، وفائدة الخلاف كثرة الثواب وقلته، وعلى كلا القولين يطلب المصلي ولو مفترضا بسجودها، خلافا لقصر بعضهم على السنة في صلاة الفرض. قاله الشيخ عبد الباقي. وكبر؛ يعني أن الساجد سجود التلاوة يكبر استنانا على الظاهر؛ لأنه من جملة الصلاة، خلافا لقول أحمد الزرقاني إنه مستحب. لخفض؛ يعني أنه يكبر عند هُوِيِّه للسجود. ورفع؛ يعني أنه كما يكبر للخفض في سجود التلاوة يكبر عند الرفع منه. وقد علمت أن حكم التكبير السنة، وما ذكره المصنف من أنه يكبر للخفض والرفع متفق عليه إذا كان في صلاة، وكذلك يكبر لخفض ورفع أيضا إذا كان بغير صلاة على المشهور، وإلى ذلك أشار بقوله: ولو بغير صلاة؛ يعني أنه إذا كان في الصلاة فإنه يكبر في سجود التلاوة لخفضه ورفع كما في المدونة. وقد مر أنه متفق عليه، وأما إن كان بغير صلاة فقد اختلف قول مالك في ذلك فضعف التكبير مرة، وأجازه مرة. ابن القاسم: وذلك كله واسع. وفي الرسالة: يكبر في خفضها، وفي التكبير في الرفع منها سعة، والذي

стр. 1147

رجع إليه مالك التكبير واختاره ابن يونس، ولهذا قال المصنف: ولو بغير صلاة. قاله الشارح وترك المصنف المتفق عليه من مواضع السجود لوضوحه، وبين المختلف فيه بقوله: وص أناب؛ يعني أن موضع السجود في سورة ﴿ص﴾ عند قول الله : ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، وعند ابن وهب: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾، وأسقطها الشافعي من عدد السجدات وفصلت تعبدون؛ يعني أن موضع السجود في سورة فصلت عند قول الله : ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وعند ابن وهب ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾، ولم ينبه على ﴿الْعَظِيمِ﴾ في النمل، وإن نقل ابن عبد السلام أن محلها منها: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ولعله لتوهيمه، فقد قال ابن عرفة: وَنَقْلُ ابن عبد السلام محلها منها وما يعلنون وَهَم، ثم ذكر مكروهات لها تعلق بالباب وليست منه، فقال: وكره سجود شكر؛ يعني أنه يكره سجود شكر؛ أي لمسرة أو دفع مضرة هذا هو المشهور. وقال اللخمي: اختلف في سجود الشكر، فكرهه مالك مرة، وذكر ابن القصار رواية أنه: لا بأس به، وأخذ ابن حبيب به؛ وهو الصواب لحديث ابن عباس (أن النبي ﷺ قال: في سجدة سورة ﴿ص﴾ سجدها داوود توبة وأسجدها شكرا (١))، وحديث أبي بكرة قال (أتى النبيَّ ﷺ أمرٌ فسر به فخر ساجدا (٢)) ذكره الترمذي وحديث كعب بن مالك (لما بشر بتوبة الله سبحانه عليه، خر ساجدا (٣))، أخرجه البخاري. ووجه المشهور العمل، ولذا أنكر مالك قولهم: سجد أبو بكر يوم اليمامة حين بشر بقتل مسيلمة بكسر اللام، قائلا: ما سمعته قط وأراهم كذبوا عليه، وقد فتح الله على نبيه وعلى المسلمين، فما سمعت أن أحدا منهم سجد، ولو شرع لكان لأعظم نعمة؛ وهو الهداية للإيمان. وكما يكره السجود للشكر، تكره الصلاة له، وخبر: (يصبح على كل سلامى من الناس صدقة، إلى أن قال في آخره: ويجزئ عن ذلك كله ركعتا الضحى (٤)) لا يَرِدُ؛ لأنهما ضحى، وإجزاؤهما عن الصدقة فضل منه تعالى، وكونهما للشكر

стр. 1148

بعيد من إضافتهما للضحى. قاله عبد الباقي. ونازع الرهوني في كراهة الصلاة للشكر، فقال: انظر من ذكر أن الصلاة للشكر مكروهة. ابن ناجي: يؤخذ من قول الرسالة: ولا يسجد سجدة التلاوة إلا على وضوء، افتقارُ سجود الشكر على القول به إلى طهارة؛ وهو كذلك على ظاهر المذهب، واختار بعضهم عدم افتقاره إليها لزوال سر المعنى الذي أتي بالسجود لأجله لو تراخى حتى يتطهر. قاله الحطاب. وفي دعوى الأخذ نظر. قاله علي الأجهوري. لأن سجدة التلاوة مطلوبة، وسجدة الشكر لم يقل الضعيف بطلبها، بل بجوازها فقط. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: واختار بعضهم الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن هذا الخلاف مشكل مع ما نقله الحطاب أول فرائض الوضوء عن النووي، ونصه: اجتمعت الأمة على حرمة الصلاة وسجود التلاوة والشكر بغير طهارة. انتهى. أو زلزلة؛ يعني أنه يكره السجود لأجل زلزلة أو لظلمة أو لريح شديدة، وأما الصلاة لذلك فلا تكره بل تطلب؛ أي تندب. كما قاله الشيخ الأمير، لقول المدونة: وأرى أن يفزع إلى الصلاة عند الأمر يحدث مما يخاف أن يكون عقوبة من الله تعالى، كالزلزلة، والظلمة، والريح الشديدة. وقال: يصلون أفذاذا أو جماعة إذا لم يجمعهم الإمام، أو يحملهم على ذلك، وهل يصلون ركعتين أو أكثر. وذكر بعضهم عن اللخمي أنه: يستحب ركعتين، ولم أره. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: لقول المدونة، صوابه: لقول اللخمي؛ لأنه ليس في المدونة. قاله الرهوني. وقال الشبراخيتي: إن سبب الزلزلة أن بعوضا خلقها الله تعالى وسلطها على الثور الذي عليه الأرض، فهي تطيف أبدا بين عينيه، فإذا دخلت أنفه حرك الثور رأسه فيتحرك جانب من جوانب الأرض، ويقال: إن عروق جبل قاف ذاهبة في أصول بلاد الأرض، فإذا أراد الله أن يعذب أهل بلدة أمر الله ملكا بتحريك ذلك العرق الذي هو راسخ تحتها، فتزلزل تلك البلدة، وجبل قاف، هو المحيط بالدنيا، وعن وهب: لما بلغ ذو القرنين جبل قاف صعد عليه، وقال: أخبرني عن عظمة الله تعالى، فقال الجبل: إن شأن ربنا لعظيم تقصر عنه الأوهام، إن وراءى لأرضا مسيرة خمسمائة عام، وأرضا من جبال الثلج يحطم بعضها على بعض، ولولا الثلج لاحترقت الدنيا بما

стр. 1149

فيها من حر جهنم، فقال: ما هذه الجبال الصغار حولك، قال: هي عروقي، فإذا أراد الله أن يزلزل أرضا أمرني فحركت عرقا من عروقي فتتزلزل تلك الأرض. والله أعلم. وذكر محمد بن علي الترمذي عن عكرمة: أن الزلزلة من تجلي الرب، وكذلك كسوف الشمس وعن ابن عباس ﵄: أرجفت المدينة أيام عمر، فخطب الناس ثم قال: إن هذا لا يكون في بلد حتى يكثر فيه الزنى والربا، فإن أرجفت ثانية لم أقم بين ظهرانيكم، قال ابن عباس: فما زلزلت حتى قبض عمر. ذكره القزويني. انتهى. وجهز بها بمسجد؛ يعني أنه يكره الجهر؛ أي رفع الصوت بها؛ أي بالقراءة المفهومة من السياق في المسجد: قال ابن غازي: وليس الضمير عائدا على السجدة؛ إذ لم أر من نص على كراهة الجهر بالسجدة في المسجد. انتهى. وليس المراد بالجهر بالقراءة فيه مطلقا، وإنما المراد رفع الصوت بها فيه. ونص أهل العلم على جواز أخذ العلم بالمسجد، وهو مقيد بعدم رفع الصوت، قال إمامنا مالك ﵁ منكرا رفع الصوت بالعلم: علم ورفع صوت، وكانوا يجلسون في مجالس العلم كأخي السرار، فإذا كان مجلس العلم على سبيل الاتباع فليس فيه رفع صوت، فإن وجد فيه رفع صوت منع وأخرج من فعل ذلك. قاله في المدخل. وهذا الحمل؛ أعني كون الضمير المؤنث المجرور بالباء عائدا على القراءة هو الظاهر، واستبعده بعضهم بأن فيه التكرار مع قوله وأقيم القارئ، وهو غير صحيح؛ لأن الجهر بالقراءة مكروه في المسجد وإن لم يتخذ عادة، وإقامة القارئ مشروطة باتخاذ ذلك عادة. انتهى. وفي المدخل: المسجد إنما بني للصلاة، وقراءة القرآن تبع للصلاة، ما لم تضر بالصلاة، فإذا أضرت منعت، وهذا لا يعلم فيه خلاف بين أحد ممن يقتدى به من أهل العلم، ومثل القراءة الذكر في المسجد مع وجود مصل يقع له التشويش بسببه انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقال الشيخ إبراهيم: وجهر بها؛ أي بالسجدة؛ أي إشهارها والمداومة عليها خوف اعتقاد الجاهل وجوبها إلى أن قال: وأخبرني بعض الفضلاء أن إمام مسجد مكة تركها يوم جمعة، فقام عليه جماعة من العوام، وادعوا بطلان صلاته، ثم قال: انظر التتائي، والنقل في الأبي على مسلم، كما قال خلافا لقول بعضهم: لم أره منصوصا لغيره. انتهى. المراد منه.

стр. 1150

وقراءة بتلحين؛ يعني أنه تكره قراءة القرآن العظيم بتلحين؛ أي تطريب لا يخرجه عن كونه قرءانا، فإن أخرجه عنه إلى كونه كغناء بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات عنه كقصر ممدود ومد مقصورت أو تمطيط يخفى به اللفظ أو يلتبس به المعنى، فإنه يحرم ويُفَسَّقُ به القارئ، ويأثم به المستمع؛ لأنه أي القرآن عدل به عن منهجه القويم إلى الاعوجاج، قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾. قاله الماوردي. ونحوه في المدخل، وزاد: وإذا كثر الترجيعات وزاد الأمر حتى صار لا يفهم معناه فهو حرام اتفاقا، كما يفعله القراء بالديار المصرية، يقرؤون أمام الجنائز والملوك، وقوله: "وقراءة بتلحين"، هو المشهور من مذهب مالك، وهو مذهب الجمهور، وذهب الشافعي إلى جواز القراءة بالتلحين، واختاره ابن العربي، وقال: إنه سنة، وقال: إن كثيرا من فقهاء الأمصار استحسنه، وسماعه يزيد عظة بالقراءة وإيمانا، ويكسب القلوب خشية وقد ثبت أن أبا موسى قال للنبي ﷺ : (لو علمت أنك تسمعني لحَبَّرْته تحبيرا (١))، وقال الإمام النووي: الذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع. انتهى. الأبي: تحسين الصوت بالقرآن غير قراءة الألحان فتحسين الصوت به تزيينه بالترتيل والجهر، والتحزين والترقيق والترتيل في القراءة هو التأني فيها والتمهيل وتبيين الحروف والحركات، والتحزين ترقيق الصوت والخشوع والتباكي، وذلك إنما ينشأ عن تأمل وعيده ووعده، يقال: قرأ فلان تحزينا إذا رقق صوته وصيره كصوت الحزين، وأورد على المشهور خبر: (زينوا القرآن بأصواتكم (٢))، وأجيب بأنه مقلوب، وأصله: (زينوا أصواتكم بالقرآن)، كما ورد ذلك في بعض طرقه (٣). وخبر: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن (٤))، معناه لم يتلذذ بسماعه كتلذذ أهل القينات بسماعهن. ابن ناجي: هذا أحسن ما قيل فيه. انتهى. وقيل معنى الحديث: ليس منا من لم يستغن بالقرآن؛ أي من لم ير نفسه أفضل حالا من الغير لغناه

стр. 1151

به، وقيل: معناه من لم يحسن صوته بالقرآن استدعاء لرقة قلبه بذلك. قاله القلشاني. نقله الشيخ محمد بن الحسن. ولا خلاف أن الهذَّ المفضي إلى لف كلمات القرآن وعدم إقامة حروفه لا يجوز، وبعد إقامتها اختلف، فقال الأكثر: الأفضل الترتيل، ورجح بعضهم الهذَّ تكثيرا للأجر بعدد الكلمات، وقال مالك: من الناس من إذا هذ خف عليه وإذا رتل أبطأ، ومنهم من لا يحسن الهذ وكل واسع بحسب ما يخف عليه، ومن أجاز الهذ فإنما ذلك لمن لا حظ له إلا التلاوة، وأما من منحه الله تلاوة بتدبر معانيه واستنباط لأحكامه فلا مرية أن تلاوته وإن قل ما يتلوه أفضل من قراءة ختمات. قاله الشيخ محمد بن الحسن. عن ابن الشاط. تنبيه: قال الإمام الساحلي ﵁: السماع ثلاثة أقسام: ممنوع اتفاقا، وجائز اتفاقا، ومختلف فيه. فأما الممنوع باتفاق؛ فهو ما أضيف إليه اللاهي كالمزامير ونحوها، والمتفق على جوازه ما كان من إيراد الأشعار ذوات المعاني الشرعية من غير آلة مطربة لا كف ولا غيره ولا تأنق نغمات، والمختلف فيه من الغناء ما عري عن الآلات الملهية غير التصفيق بالأكف ونحوه مبنيا على الثاني في النغمات بالدندنة ونحوها. انتهى. وقال في المدخل: قال العلماء: يحرم الغناء؛ وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل والمجون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن وذكر الخمور والمحرمات لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم باتفاق، فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة كما كان في حفر الخندق ونحوه في عدة الريد، وأما القصائد الصريحة في الشعر كذكر القدود، والخدود، والخمور، والشعور فتجنبها واجب، وقيل: بالجواز إذا لم يكن فيه محذور. ففي الإحياء: وأما النسيب، وهو التشبب الذي فيه وصف الخدود، والأصداغ، وحسن القد، والقامة، وسائر أوصاف النساء فهذا فيه نظر، والصحيح لا يحرم نطقه ولا إنشاده بصوت، وعلى السامع أن لا ينزله على امرأة معينة، وإن أنزله أنزله على من تحل له من زوجته أو جاريته، فإن أنزله على أجنبية، فهو العاصي بتنزيله وإجالته الفكر فيه، ومن هذا وصفه فينبغي أن يتجنب السماع رأسا، وفي المعيار أنه: سئل الشيخ

стр. 1152

الخطيب الرحال الحافظ الضابط أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي عن الشاعر: هل له رخصة في وصف الخدود، والقدود، والنهود؟ فأجاب: اختلف العلماء في وصف الخدود والقدود، فمن مبيح، ومن محرم، قال أبو الفرج بن الجوزي: إن الإمام أبا حامد الطوسي قال: إن النسيب بوصف الخدود والأصداغ، وحسن الخد، والقامة، وسائر أوصاف النساء الصحيح لا يحرم، وما قاله صحيح إذا كان فيمن يملكه الإنسان، وفي وصف النساء. وأما المذكور، ففي المعين: الظاهر التحريم، وفي غير المعين إن نوى به التفنن في الكلام، أو الشخص الجميل من حيث هو شخص لا ذكر ولا أنثى، وإن كان بلفظ الذكر، فالظاهر الجواز، ولا يخلوا من الكراهة، وقد سلكه الأفاضل والأماثل، وعفو الله وراء ذلك كله، والأعمال بالنيات، والله ولي التوفيق بفضله وهو الهادي. انتهى. وقال الأبي. في شرح مسلم على قوله: (هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء (١)) الخ فيه: أن الشعر بنفسه ليس بمذموم وإنما المنكر الإكثار منه، أو ما فيه هجاء أو قذف أو تشبب بالحرام، أو وصف الخمر وأنواع الباطل بما يهيج النفوس على ذلك، وقد جاء في شعر حسان وكعب مما مدح به النبي ﷺ ، وفيه وصف الخمر والتشبب لكن لغير معين، وسمعه ﷺ جريا على عادة العرب في ذلك، فيغتفر منه ما قل ولم ير أصحابنا رد الشهادة بمثل هذا، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أنه الغناء، وسئل مالك عنه قال: أمن الحق هو؟ قالوا: لا، قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ انتهى. ولا يمكن أن يكون كل غناء خارجا عن الحق، وقد تقدم ما في المدخل والإحياء من التفصيل، فيتنزل كلام الإمام على بعض أنواع الغناء وهو الذي يحرك من القلب ما هو مراد الشيطان، ولا يصح حمله على الإطلاق. وذكر المقدسي أن أبا مصعب سأل مالكا ﵁ عن السماع، فقال: لا أدري إلا أن أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك ولا يقعدون عنه، ولا ينكره إلا ناسك غبي أو جاهل غليظ الطبع، وقال صالح بن أحمد بن حنبل

стр. 1153

رحمهما الله: رأيت والدي يستمع من وراء حائط لسماع كان عند جيراننا. وسمع من الصحابة عبد الله بن جعفر، وابن الزبير، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية وغيرهم، وقد فعل ذلك كثير من السلف الصالح صحابي وتابعي وغيرهم. وقال ابن المبارك: السماع ينبت النفاق في القلب، وقال بعض السلف: السماع مرقاة الزنى، وقاك أبو الحسن ﵁: سألت أستاذي عن السماع، فأجابني بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ وقال ابن العربي: السماع في هذا الزمان لا يحل أن يقول به مسلم. وقال ابن العربي: السماع كله بطر، وقال الشيخ زروق بعد كلام: مع أنه لا نص من الشارع بجواز ولا منع عند توفر الشروط. ابن الفاكهاني: ليس في السماع نص بمنع ولا إباحة؛ يعني على الوجه الخاص، وإلا فقد صح في الولائم والأعياد ونحوها من الأفراح المشهورة، والاستعانة على الأشغال، فإذا المسألة جارية على حكم الأشياء قبل ورود الشرع فيها، قيل على الوقف فالسماع لا يقدم عليه، وقيل على الإباحة فالسماع مباح، وقيل على المنع فالسماع ممنوع. وقد اختلف الصوفية في الثلاثة الأقوال كاختلاف الفقهاء، وقال الشيخ زروق في شرح المباحث عند قول المتن. وللأنام في السماع خوض … لكن لهذا الحزب فيه روض قال العراقيون بالتحريم … قال الحجازيون بالتسليم اختلف الناس فيه، فمن قائل بالإباحة بناء على أن الأصل الإباحة حتى يأتي المحرمُ، ومن قائل بالتحريم بناء على أن الأصل المنع حتى يأتي المبيح، ومن قائل بالوقف لتعارض الأدلة. والمراد بالعراقيين أصحاب الرأي من الحنفية وغيرهم، وبالحجازيين الشافعي ومالك، ويحتمل أن يريد بالتسليم الوقف، ويحتمل الإباحة، والظاهر أنهم لا يوجد لهم نص بمطلق الإباحة، ولكنها ظواهر بعضها من طريق القول وبعضها من طريق الفعل. وعند القرطبي: أن أصل مذهب مالك فيه المنع، وهو الأشبه بقواعد مذهبه إذ كان مبنيا على سد الذرائع. واعلم أن ما ينسبونه للنبي ﷺ من التواجد عند إنشاد:

стр. 1154

في كل صبح وكل إشراق … تبكي جفوني بدمع مشتاق قد لسعت حية الهوى كبدي … فلا طبيب له ولا راق إلا الحبيب الذي شغفت به … فعنده رقيتي ودر ياق كذبٌ وموضوعٌ باتفاق العلماء، وكل ما يستشهدون به في هذا النوع باطل. وأول من أوجد الرقص والتواجد أصحاب السامري لما اتخذ لهم العجل قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، ومن قال بجواز السماع فإنما ذلك بثلاثة شروط: وجود الزيادة به في الإيمان مع النشاط في العبادة، الثَّانِي السلامة مما ينكره ظاهر الشرع كالاجتماع مع النساء وسماعهن مما يوجب تحريك الشهوة عندهن وكذا الأحداث، الثالث أن يراعى فيه خلو الوقت، فالاشتغال به في وقت حضور طعام أو صلاة أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه فيراعى فراغ القلب. فالحاصل أنه يشترط فيه أن لا يقصد معه غيره من الأشغال الدنيوية الصارفة عنه، وأن لا يكون الوقت وقت مقصد شرعي واجب أو مندوب أهم منه، ويجتنب الرقص إلا مع الغلبة، كما قال أبو العباس: والرقص فية دون هجم الحال … ليس على طريقة الرجال واعلم أن ما يعطى لأهل الملاهي والمزامير في الأعراس، وما يعطى للزوجة تدفعه لهم ثمن يجري على حكم الإجارة عليه. وادعى ابن عبد البر الإجماع على تحريم الإجارة على ذلك، وظاهره الإطلاق. وفي المختصر: كراهة الدف والمعزف للعرس؛ وهو مذهب المدونة. عياض: وإن كان ضرب الدف مباحا في العرس فليست الإجارة مثله؛ إذ ليس كل مباح تجوز الإجارة عليه. وقال ابن يونس: وأما الدف الذي أبيح ضربه في العرس فينبغي أن تجوز إجارته، وأفتى الفقيه راشد بجواز الإجارة على ما أبيح منه كالولائم والأفراح، ونقل في سنن المهتدين عن عكرمة، قال:

стр. 1155

[لما ختن (١)] ابن عباس ﵄، [بنيه (٢)] أرسلني فدعوت اللعابين فلعبوا، فأعطاهم أربعة دراهم. نقله العميري. كجماعة؛ يعني أنه يكره اجتماع جماعة على القراءة أي يجتمعون للقراءة بمسجد أو غيره، وقوله: "كجماعة"، قاله في العتبية، ونصها: وكره مالك اجتماع القراء يقرؤون في سورة واحدة، وقال: لم يكن من عمل الناس وأرى أنه بدعة. انتهى. قال أبو الحسن: ابن رشد: وهذا إنما كرهه مالك لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف، ولأنهم يبتغون به الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضا، وزيادة بعضهم في صوت بعض. انتهى. ويأتي الحديث: ما اجتمع قوم في بيت الخ، قال فيه القاضي عياض: قد يكون هذا الاجتماع لتعلم بعضهم من بعض، بدليل قوله: يتدارسونه بينهم، ومثل هذا لم ينه عنه مالك ولا غيره انظر الإكمال. وقوله: "كجماعة"، تحته صورتان: إحداهما؛ قراءة السبع بضم أوله، وهي أن يبتدئ أحدهم حيث يجد الآخر ولو في نصف آية أو في نصف كلمة ولا ينتهي الآخر، فإنها مكروهة عند مالك؛ لأنها خلاف ما عليه العمل، وللزوم التخليط وتقطيع القرآن وعدم إصغاء بعضهم لبعض، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية، وأنكر عليه النووي بأنه خلاف خبر: (ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده (٣))، وخلاف خبر: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده (٤))، وخلاف ما عليه السلف والخلف، وَيُجَابُ بأن مالكا أدرى بما عليه السلف والخلف. وقال ابن رشد: هذا إنما كرهه مالك لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف، وما ذكر من الخبرين وارد لا صريحا على العموم، فقد يكون خصها الإمام بما

стр. 1156

يخشى منه تقطيع كلماته لتقديم المكروه على المندوب، وإن سلم فقد تقرر من مذهبه تقديم العمل على خبر الآحاد، وإن كانت من أصح الصحيح. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أن يقرأ واحد ربع حزب مثلا وآخر ما يليه، وهكذا؛ وهي المسماة بالدارسة. قال الشيخ عبد الباقي: وهي مكروهة على نقل المواق، ومحل كراهتها ما لم يقرأ كل واحد سورة مستقلة، وإلا فلا كراهة. اهـ. وقال المُسناوي: والكراهة في هذه لم يظهر لها وجه. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: لم ينقل المواق في هذه الصورة شيئا، والظاهر الجواز. ونقل النووي أنها جائزة عند مالك، (وكان جبريل يدارس النبي ﷺ بالقرآن في رمضان (١)). ومعنى ذلك أن يقرأ جبريل، ويعيد النبي ﷺ عين ما قرأه جبريل؛ فهي غير المدارسة المتقدمة. وفي المدخل: لم يختلف قول مالك أن القراءة جماعة والذكر جماعة من البدع المكروهة. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وجلوس لها لا لتعليم؛ يعني أنه يكره الجلوس لأجل السجدة خاصة لا مع تعليم أو تعلم. وبما قررت علم أن قوله: لا "لتعليم"، حال يعني أنه إنما يكره الجلوس لأجل أن يسجد السجدة خاصة؛ أي غير قاصد مع ذلك الجلوس للتعليم، ومفهومه أنه لو جلس لها وللتعليم فلا كراهة، ومثل التعليم. التعلم وقال الشيخ الأمير: وكره جلوس لأجل السجود، وكره أي السجود حيث جلس له، كإن قصد الثواب بلا تعلم تشبيه في كراهة السجود ينبغي إلا لمراعاة خلاف. انتهى. وقال الشبراخيتي: وذكر أبو الحسن أن الجلوس لقصد الثواب كالجلوس للتعلم. انتهى. والله سبحانه أعلم. وأقيم القارئ في المسجد؛ يعني أنه يقام القارئ للقرءان في المسجد رافعا صوته به، وقوله: "وأقيم"؛ أي على جهة الندب، وقوله: "في المسجد"، متعلق بقوله: "القارئ"، وقوله: يوم خميس أو غيره، متعلق بالقارئ؛ يعني أن من اعتاد القراءة في المسجد رافعا صوته بها يقام ندبا اعتاد تلك القراءة يوم الخميس أو غيره، وفعله ذلك بالشروط المذكورة مكروه. وقوله: "يوم

стр. 1157

خميس"؛ أي اعتاد ذلك كل يوم خميس؛ أي قصد دوام ذلك. وعلم بقوله: "أو بقرينة"، وقوله: "أو غيره" ككل جمعة، أو ككل شهر مرة؛ لأن الغالب قصد الدنيا، وإن فعله لا على الدوام فلا يقام وإن كره، ويؤمر بالسكوت أو القراءة سرا، أو بلا رفع صوت. ومحل الكراهة في كلام المصنف حيث رفع صوته بالقراءة، وإلا فلا كراهة. وقوله: "وأقيم القارئ"، هذا إن لم يشترط الواقف ذلك، فإن شرط قراءته بتلك الصفة وجب اتباعه، وفي نوازل ابن هلال: أما رفع الصوت في المسجد بقراءة القرآن: فالظاهر الجواز إذا لم يكن في المسجد أحد؛ لأن العلة في ذلك التخليط على غيره من مصل أو قارئ أو ذاكر. انتهى. وفي كره قراءة الجماعة على الواحد روايتان؛ يعني أنه نقل عن مالك في قراءة الجماعة دفعة على الشيخ الواحد روايتان، إحداهما: أنه يكره ذلك لما فيه من التخليط وعدم الإصغاء، فيحمل عنه الخطأ لظن القارئ أن ذلك قراءة له. الثانية: أنه يجوز قراءة الجماعة على الشيخ الواحد من غير كراهة للمشقة بانفراد كل واحد بالقراءة عليه: وقوله: "الجماعة"، المراد بالجماعة هنا ما زاد على الواحد، كما قاله الشيخ عبد الباقي. ولكونهما روايتين عن مالك لم يقل خلاف أو قولان أو تأويلان قاله الشيخ عبد الباقي، ومحل الروايتين حيث كان يحصل للشيخ السامع بقراءة كل واحد بانفراده مشقة، وإلا فالكراهة اتفاقا. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وفي كره قراءة الجماعة على الواحد روايتان"، قال الشارح فيه: يريد أنه اختلف في كراهة قراءة الجماعة دفعة واحدة على شيخ واحد، فقيل: يكره؛ لأن بعضهم يخلط على بعض، وقيل: بالجواز؛ لأن كل واحد يقرأ لنفسه فلا تخليط، وقد كانت الصحابة والسلف يتدارسون القرآن، ويسمع لهم في الليل جلبة عظيمة. انتهى. وقوله: "روايتان"، مبتدأ، والخبر: قوله: "في كره قراءة" الخ. تنبيه: في نوازل ابن هلال سؤال فيمن يقرأ القرآن ويجمع بين قراءة ورش وقالون، هل يجوز أم لا، جوابه -الحمد لله- إن الأمر في ذلك واسع. قال ابن عرفة ﵀: يصح أن تبتدئ السورة لنافع وتختمها لأبي عمرو، بل ذلك سائغ في الآية الواحدة. واجتماع الدعاء يوم عرفة؛ يعني أنه يكره الاجتماع للدعاء يوم عرفة والأولى تنوين. قوله: "دعاء"؛ لأن الاجتماع للدعاء في يوم عرفة مكروه مطلقا بأي دعاء كان، وقوله: "واجتماع لدعاء

стр. 1158

يوم عرفة"، قال الشيخ عبد الباقي: بمسجد يقصد أنه سنة ذلك اليوم، والتشبيه بأهل الموقف لا بزوايا القرافة بناء على أنها ليست مساجد، ولا إن قصد اغتنام فضلية الوقت ودعاء المجتمعين، فلا كراهة. وقوله: "واجتماع لدعاء يوم عرفة"، ويقاس الذكر أيضا على مطلق الدعاء، وأجازه أشهب. وكان يفعله بجامع عمرو بمصر. قال سحنون: فحضرته، وكان يصلي جالسا؛ يعني النافلة، وفي جانبه صرة يعطي منها السؤال، فإذا بيد سائل دينار مما أعطاه، فذكرته له، فقال: أوما كنا نعطي من أول النهار؟ وأجازه ابن عباس، وكان يفعله. وقيل: هو أول من فعله تشبيها بأهل عرفة، وسئل عنه أحمد بن حنبل، فقال: أرجو أن يكون خفيفا، وفعله جماعة من السلف، وكرهه منهم جماعة منهم نافع مولى ابن عمر، وإبراهيم النخعي، وحماد، ومالك بن أنس. وفي عمل اليوم والليلة: (من حفظ لسانه وسمعه وبصره يوم عرفة حفظه الله من عرفة إلى عرفة (١)). وفي منسك الخطيب: من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يوم عرفة ألف مرة، أعطاه الله ما سأل، وكان من دعائه ﷺ عشية عرفة: (اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وذل لك جسمه، وفاضت لك عيناه، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيا، وكن بي رءوفا رحيما يا خير المسؤولين ويا خير المعطين (٢)). وقوله: "واجتماع لدعاء" الخ، قال الإمام مالك ﵀: لأنه من البدع المحدثة، وفهم من قوله: "اجتماع"، عدم كراهة الانفراد لذلك، وهو كذلك. قال ابن القاسم عن الإمام مالك في العتبية: وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة للدعاء في المساجد، ومقام الرجل في منزلة أحب إلي، قال الشبراخيتي: وذكر الشيخ في شرحه أنه ينبغي أن يخص كراهة ذلك بمن يفعله على أنه من سنة ذلك اليوم، فأما من فعله لا على هذا الوجه فلا يكره، كما ذكره ابن رشد

стр. 1159

في قول المضحي: اللهم منك وإليك، وكان ابن عمر يرفع صوته عشية عرفة، يقول: اللهم اهدنا بالهدى، وزينا بالتقوى. واغفر لنا في الآخرة والأولى، ثم يخفض صوته يقول: اللهم إني أسألك من فضلك رزقا طيبا مباركا، اللهم إنك أمرت بالدعاء وقضيت على نفسك بالإجابة، وإنك لا تخلف الميعاد، ولا تنكث في يدك، اللهم ما أحببت من خير فحببه إلينا ويسر لنا، وما كرهت من شر فكرهه إلينا وجنبناه، ولا تنزع منا الإيمان بعد إذ أعطيتناه. ومجاوزتها؛ يعني أنه يكره للشخص مجاوزة السجدة أي تركها مع قراءة محلها. لمتطهر؛ يعني أن كراهة ترك السجدة مع قراءة محلها إنما هي لمتطهر، وقوله: لمتطهر متعلق بكره، وقوله: وقت جواز متعلق بمجاوزتها، ومعنى ذلك أنه إذا قرأ محل السجدة؛ وهو متطهر، فإنه يكره له أن يترك السجدة؛ بأن لا يسجدها حيث كان الوقت يجوز فيه السجود للتلاوة. وقد مر بيان ذلك عند قوله: "وسجود تلاوة قبل إسفار واصفرار"، وكذا يكره للمتطهر ترك قراءة محلها والوقت وقت جواز لها. وإلا؛ بأن انتفى الأمران أو أحدهما بأن لم يكن متطهرا، كان الوقت وقت جواز لها أم لا، أو كان متطهرا ولم يكن الوقت وقت جواز لها ففي المدونة: لا يقرؤها وليتعدها، واختلف الشيوخ في قول المدونة المذكور، هل معناه يجاوز محلها؛ أي السجدة أي اللفظ الذي يفعلها عنده، فيجاوز ﴿الْآصَالِ﴾ في الرعد، و ﴿يُؤْمَرُونَ﴾ في النحل، و ﴿خُشُوعًا﴾ في ﴿سُبْحَانَ﴾، و ﴿أَنَابَ﴾ في ﴿ص﴾ ونحو ذلك، فيتركه ويقرأ ما بعده، أو معناه يجاوز الآية كلهابخ وهي في فصلت: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وقوله: تأويلان؛ مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان ومحلهما ما لم يقرأها بصلاة فرض بوقت نهي وإلا سجدها، وقوله: وإلا فهل يجاوز الخ، هو المذهب. وقال ابن الجلاب: يقرؤها إن تطهر أو خرج وقت النهي ويسجدها، والمذهب أبين لأن القضاء من شعار الفرائض، والسجدة ليست بواجبة حتى تقضى. وقال الشيخ عبد الباقي: وقول بعضهم في بيان التأويل في المصنف: حذف مضاف؛ أي محل ذكرها فيه نظر وقصور، أما الأول فلأن ظاهره ولو كان حذف محل ذكرها يغير المعنى وليس كذلك فقد قيده سند بأن لا يغير المعنى، وإلا لم يجز كأن يقرأ في الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾، ويصله بقوله: ﴿مَنْ فِي

стр. 1160

السَّمَاوَاتِ﴾، ويحذف: ﴿يَسْجُدُ لَهُ﴾، وكأن يقرأ في فصلت: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾، ويحذف بقية الآية. وأما الثاني فلأنه قد يكون محل ذكرها ليس في محل السجود، كقوله في الرعد: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾، فإن محل سجودها عند ﴿وَالْآصَالِ﴾ وكما في فصلت، وتارة يتفقان كما في آخر الأعراف. انتهى. قوله: وقول بعضهم، إلى قوله فيه نظر وقصور الخ؛ غير صحيح، بل القصور ممن ادعاه، وذلك لأن ما ذكره البعض هو تأويل عبد الحق، ففي أبي الحسن على قولها: وليتعدها إذا قرأها ما نصه: قال عبد الحق في النكت؛ يعني موضع ذكر السجود خاصة: كان ذكر السجود في أول الآية أو في آخرها، وليس عليه أن يتعدى جملة الآية. وقال الباجي: إنما يتعدى موضع السجود، وقيل: جميع الآية. الشيخ أبو الحسن: ويحكى عن أبي عمران أنه قال: لا يتعداها لأنه إن حرم أجر السجود؛ فلا يحرم القراءة. انتهى. وعلى كلا التأويلين لا يرجع لقراءتها إذا تطهر أو زال وقت الكراهة؛ لأن القضاء من شعار الفرائض، وهذا هو المذهب -كما مر- خلافا للجلاب، وكذا القولان فيما إذا لم يتجاوزها بوقت نهي وفعلها فيه، والظاهر أن المتطهر وقت جواز؛ إذا قرأها ولم يسجدها يطلب بسجودها ما دام على طهارته ووقت الجواز باق، وإلا لم يطلب بقضائها؛ لأنه من شعار الفرائض، وقوله: "أو الآية"، قال ابن رشد: هو الصواب ليلا يغير المعنى. وعلم مما مر أن المراد بوقت النهي ما يشمل وقت المنع والكراهة. والله سبحانه أعلم. وفي الإرشاد: ويتجاوزها وقت الكراهة والحدث ويتلو بعد ويسجد، قال الشارح ولم يذكروا ما ذكره من قضائها فانظره. واقتصر عليها؛ يعني أنه يكره للقارئ الاقتصار عليها؛ أي على السجدة بمعنى موضع السجود لأجل السجود فقط، فإن قصد ثواب القراءة لم يكره. وأول بالكلمة؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الاقتصار على السجدة الواقع في المدونة أنه مكروه، ونصها: وتكره قراءتها خاصة لا قبلها شيء ولا بعدها ثم يسجدها في صلاة أو غيرها، فذكر صاحب النكت أن ذلك مخصوص بما إذا قرأ موضع السجدة فقط، وعليه فلا يكره الاقتصار على الآية. والآية عطف على الكلمة؛ يعني أن بعض الشيوخ تأول قول المدونة المذكور على أن المراد به الاقتصار على جملة الآية كما في
следующие страницы →