العينان من الكلمتين الأوليين للعثرة والعطاس، والحاء في الثالثة لحاجة الإنسان، والذال للذبح، والجيم في جوارحي للجماع، والتاء للتعجب، والباء للبيع وباقي البيت تكميل. والظاهر أن السلام فيها كالصلاة ويقاس عليها كل موطن ينافي التعظيم كاللعب في الأعراس وغيرها والبدعة التي يسمونها الحضرة بالآلات والمقاصد الفاسدة انتهى. ومن المواطن التي نهي عن الصلاة على النبي ﷺ فيها الأماكن القذرة والأماكن النجسة قاله الحطاب على سيدنا خبر المبتدإ وهو الصلاة والمعطوف وعلى للاستعلاء المعنوي فإن أريد بالصلاة والسلام صلاة الله تعالى وسلامه فهي لإنشاء طلب مضمونهما، وإن أريد بهما صلاتنا وسلامنا فهي لإنشاء مضمونهما فافهم قاله الشيخ الهلالي.
وقد مر له أنه قال: الصلاة من الله الإنعام ومن العبد طلبه من الله كانت على نبي أو غيره وحينئذ فمعنى هذا أنه إنشاء طلب صلاة الله وسلامه في كلا التوجيهين لكن مضمون الجملة في التوجيه الأول نفس الصلاة والسلام والمصلي لم ينشئهما بكلامه وإنما أنشأ طلبهما من الله، ومضمونهما في التوجيه الثاني إنما هو طلب المصلي الصلاة والسلام من الله لما عرفت أن الصلاة والسلام من العبد طلبهما من الله فبان أنه في كلا التوجيهين إنشاء طلب الصلاة والسلام من الله والله سبحانه أعلم. والسيد من ساد القوم يسودهم سيادة وسؤددا فهو سيد أي فاقهم في المجد والشرف؛ ولذا فسره بعضهم بالكامل الذي يلجأ إليه في الشدائد ومهمات الأمور ويطلق أيضا على المالك وبهذين المعنيين يصح إطلاقه على الله وعلى غيره مضافا ومحلى بأل ومجردا، ويقال للأنثى سيدة ويطلق أيضا على الزوج ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ويستعمل بمعنى الأفضل نحو سيد الاستغفار وسيد الطعام وكل ما جاء من نظائره معتل المعين فهو بكسرها، وكل ما جاء منها صحيح العين فهو بفتحها كصيرف وعيلم وعيثر وشيظم وديلم وبيهق إلا ما شذ كضيون.
واعلم أن الذي يتحصل من كلامهم هنا أنه يؤتى بلفظ السيد في الصلاة وإن لم يرد في الحديث هذا هو المعول عليه وغيره مقول فيه محمد علم مشعر بالمدح منقول من اسم مفعول التحميد لتكثير الحمد فهو ﷺ المحمود في الدنيا والآخرة وعند الأولين والآخرين سماه بهذا الاسم جده عبد المطلب ليكون على وفق تسمية الله له تعالى قبل الخلق بألفي عام، وقد طابق
стр. 107
اسمه صفته، قيل لجده: لم سميت ابنك محمدا وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ قال: رجوت أن يحمد في السماء والأرض وقد حقق الله رجاءه، ولله در القائل حسان حيث يقول:
فشق له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
ولا ينافي نسبة البيت الأول لحسان ما أخرجه البخاري في تاريخه أنه لأبي طالب لأن حسان ضمن شعره بيت أبي طالب والله سبحانه أعلم، وقد رأى جده أن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف بالمشرق وطرف بالمغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وأهل المشرق والمغرب يتعلقون بها: فعبرت بمولود يتبعه أهله ويحمده أهل السماء وأهل الأرض واعلم أنه ﷺ هو الواسطة بين الله وبين عباده فلا نعمة لله تعالى على أحد إلا وهو الواسطة فيها والأصل لها، وسواء في ذلك الأنبياء والملائكة وغيرهم ولله در القائل:
أصح وأقوى ما سمعناه في الندى … من الخبر المأثور دون تردد
أحاديث ترويها السيول عن الحيا … عن البحر عن كف النبي محمد
سيد العرب والعجم أفاد بهذه الإضافة أنه سيد الخلائق أجمعين لأن الثقلين والملائكة لا يخرجون عنهما، فالعرب من يتكلم باللغة القرءانية سجية والعجم من سواهم وهما في المتن بالتحريك، ويجوز في غيره ضم أول كل منهما وسكون ثانية قاله الشيخ الهلالي. المبعوث أي المرسل، واعلم أن الرسالة والنبوءة ليستا بصفتين ذاتيتين بل هما عبارة عن إيصال خطاب الله تعالى للنبي والرسول خلافا للمعتزلة حيث قالوا إنهما معنيان قائمان بالنبي والرسول لسائر أي جميع قال الأحوص:
فجلتها لنا لبابة لما … وقذ النوم سائر الحراس
ومنه قول القائل:
ألزم العالمون حبك طرا … فهو فرض في سائر الأديان
стр. 108
وهو المعتمد عند النووي مأخوذ من سور المدينة والأكثر على أن السائر بمعنى الباقي ويصح هنا الأمم أي الجماعات جمع أمة قال تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ثم المص يحتمل أن يريد بسائر الأمم جماعات الثقلين من حضر وبدو وعرب وعجم في شرق وغرب وبر وبحر للاجتماع على عموم بعثته ﷺ لجميعهم، ويحتمل أن يريدهم والملائكة على قول بعضهم إنه بعث إليهم، وفي الشبراخيتي أنه الصحيح.
وصحح جمع من المحققين القول بأنه مرسل إلى الملائكة أيضا لقوله تعالى ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ولقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ولخبر مسلم (أرسلت إلى الخلق كافة (١)) وعلى هذا ففائدة إرساله لهم وهم معصومون أنهم كلفوا بتعظيمه والإيمان به ودخولهم تحت دعوته تشريفا له على جميع المرسلين قاله الشيخ عبد الباقي. وقال صاحب التنبيه إنه بعث إلى الملائكة ليعلمهم أدب العبودية في حضرة الربوبية، ويحتمل أن يريد جميع المخلوقات حتى ما لا يعقل من حي وجماد بناء على ما ادعاه بعضهم، بأن خلق الله فيها إدراكا حتى فهمت دعوته ﷺ وأمرت بطاعته صلى الله تعالى عليه وسلم فيما يأمرها به لا بالشرائع التي كلف بها الثقلان فإن كان السائر بمعنى الجميع فالعموم باعتبار من أدرك بعثته ﷺ ومن بعدهم إلى يوم القيامة، وإن كان بمعنى الباقي فمن أدركه ﵊ ومن بعدهم كلهم باقي الأمم باعتبار من تقدم من أول الدنيا وفي الشبراخيتي ويصح أن يراد بسائر الأمم الماضية والباقية لأن من تقدم من الرسل كان نائبا عنه في تبليغ الشرائع اهـ.
وقد بعثت روحه ﷺ للأرواح وقد (كان ﷺ نبيا وآدم منجدل في طينته (٢))، والأمة تطلق على ثمان معان الجماعة كما مر من العقلاء وغيرهم، وأتباع الرسل، والرجل الجامع للخير ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ والملة ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ والزمان ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ والقامة يقال فلان حسن الأمة أي القامة، والرجل المنفرد بدينه كقوله
стр. 109
صلى الله عليه وسلم (يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة (١)) والأم أي الوالدة يقال هذه أمة زيد أي أمه وإذا أضيفت الأمة إلى النبي فتارة يراد بها أتباعه وتارة يراد بها عموم أهل دعوته كحديث (لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار (٢)) قاله الحطاب.
واعلم أن من صلى عليه ﷺ في نفسه، أنسه الله ليلة حلول رمسه، ومن صلى عليه صلاة كاملة غفرت له ذنوبه العاجلة والآجلة، ومن أكثر الصلاة عليه ﷺ يكون ملك الموت أرفق به من والديه. ومن أكثر الصلاة عليه والسلام رفع الله عنه الهموم والأسقام، ومن صلى عليه سبع مرات صلت عليه ملائكة سبع سموات، ومن كتب الصلاة عليه في الطروس زف إلى الجنة كما تزف العروس، ومن كتب الصلاة عليه في مكتوبه غفر الله له جميع ذنوبه، ومن كتب الصلاة عليه في مكتوب لم تزل الملائكة تكتب له الحسنات وتمحو عنه الذنوب: ومن أكثر الصلاة عليه عند تبليغ العلم للناس أذهب الله عنه الباس وحفظه من الوسواس، ومن أكثر الصلاة عليه ألبسه الله يوم القيامة حلة خضراء، ومن أكثر في ظلام الليل الصلاة عليه ضحك الله إليه، ومن أكثر الصلاة عليه في قيامه وقعوده عصمه الله من إبليس وجنوده، ومن أكثر الصلاة عليه في حياته أمر الله جميع المخلوقات أن يستغفروا له بعد مماته، ومن أكثر الصلاة عليه والتسليم لقي الله بقلب سليم، ومن اتخذ الصلاة عليه ديدنا بلغ القصد والمنا، ومن صلى عليه في كل يوم من الأيام ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، ومن أكثر الصلاة عليه وهو راحل قربت له المنازل، ومن كرر الصلاة عليه وأكثر غرس الله له عشرين ألف شجرة على شاطئ الفرات والكوثر، ومن رفع صوته بالصلاة عليه غفر له ولوالديه، ومن كانت له بالصلاة عليه علاقه لم تصبه فاقه، ومن صلى عليه عند دخول المقبرة أوجب الله لأهلها الرحمة والمغفرة، وقد خلق الله ملكا مكرما لديه لرد السلام على من سلم عليه، ﷺ ،
стр. 110
ومن صلى عليه وسلم على الدوام رد الله عليه روحه حتى يرد عليه بنفسه السلام، ومن صلى عليه عند دخول بيته وسلم وسع الله عليه رزقه وأنعم، وما خرجت صلاة عبد عليه من فيه إلا مرت بجميع المخلوقات فردت عليه، وبركة الصلاة عليه تدرك الرجل وولده وأولاده وأولاد أولاده وقد أوصى آدم ابنه شئث لا تدع ذكره ولا الصلاة عليه ما حييت، ومن لم يصل عليه من العباد لم ير وجهه يوم المعاد، وجعل الله ملكا للعبد على شفتيه لا يكتب مما يخرج من فيه إلا الصلاة عليه، ومن رفع بالصلاة عليه الصوت هانت عليه سكرات الموت، ومن أكثر ذكره بما هو أهله أظله الله يوم لا ظل إلا ظله، ومن أكثر ذكره بلغ قصده ومناه وأمن مما يخاف ويحذر من الزبانية وكان في حرز وأمان، ومن أكثر نعته وأوصافه لم تصبه آفة، ومن كتب الصلاة عليه ببنانه كان في ذمة الله وأمانه، ومن كتب اسمه في مسطور تَوَّجه الله يوم القيامة بتاج من نور، وما ذكره أحد من المخلوقات إلا ذكرته ملائكة سبع سماوات، ومن أكثر الصلاة عليه في دار الدنيا رافقه في الجنة العليا، ومن أكثر الصلاة عليه والتسليم أقبل الله عليه بوجهه الكريم، ومن صلى عليه عشر مرات وسلم غفر الله له من الذنوب ما علم العبد منها وما لم يعلم، ومن أكثر الصلاة عليه من العباد قبَّله ﵇ في فمه يوم المعاد، والصلاة عليه نصرة للمظلوم على الظالم الغشوم وتذهب الوساوس والردة والأبالس، ومن صلى عليه عشر صلوات استوجب الأمان من سخط الله في الحياة والممات، ومن أكثر الصلاة عليه مساء وصباحا صلت عليه الملائكة غدوة ورواحا، ولله ملائكة أقلامهم من الذهب النفيس يكتبون الصلاة عليه يوم الخميس، ومن أكثر الصلاة عليه والسلام كان الله أقرب إليه من اللسان للكلام، ومن أكثر صلاته عليه وسلامه شكره بين يدي الله يوم القيامة، ومن أكثر الصلاة عليه في سره وجهره أمن من مكر الحاسد وغدره، ومن أكثر الصلاة عليه قبل يوم القيامة أعطاه الله قبة في الجنة عرضها مسيرة ثلاثمائة عام محفوفة بأرياح الكرامة قاله ابن عظوم.
صلى الله وسلم عليه جمع بين الاسمية الدالة على الثبوت والفعلية الماضوية المشعرة بكمال العناية بوقوع مضمونها لما فيها من إبراز غير الحاصل في معرض الحاصل وفي بعض النسخ بسقوط الفعليتين وعلى قال الشيخ الهلالي إعادة الجار واجبة عند جمهور النحاة إن كان العطف على
стр. 111
الضمير، وجائزة اتفاقا إن كان العطف على الظاهر وقد علمنا صحة العطفين باعتبار النسختين ءاله أي المومنين من بني هاشم على مشهور الذهب قيل وبني أخيه المطلب وعليه درج المص في الزكاة، وتخصيصهم به أمر شرعي ليتميزوا عن غيرهم لما لهم من الحرمة وحرمة الزكاة عليهم وغير ذلك وهو في الأصل أعم من ذلك يقال ءال الرجل لذوي قرابته وأهله وأتباعه وبهذا المعنى يندرج فيه جميع أمة الإجابة قاله الهلالي. وقال عبد الحق وأعرف لمالك ﵀ أن ءال محمد كل من تبع دينه كما أن ءال فرعون كل من تبعه وقيل أتقياء المؤمنين قاله الحطاب. وسمع تصغيره على أهيل وأويل ولا يقرن بأل عند بعضهم وظاهر القاموس الجواز وأصحابه جمع صاحب كشاهد وأشهاد لا جمع صحب قال:
ثلاثة أصحاب فؤاد مشيع … وأبيض إصليت وصفراء عيطل
ويجمع أيضا على صحاب كجائع وجياع وعلى صحبان كشاب وشبان والصحب والصحابة بالفتح والكسر كل منهما اسم جمع وأصلهما المصدر يقال صحبه كعلمه صحبة بالضم وصحابة بالفتح وهو أفصح وبالكسر أي لازمه في طريق أو غيره.
وعبر المص بجمع القلة مع أن الصحابة كثيرون لأنه سمعت نيابته عن جمع الكثرة في أفصح الكلام نحو ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ فمعنى الصاحب في الأصل الملازم للشيء ومعناه في العرف إذا أضيف له ﷺ كل من لقيه صلى الله تعالى عليه وسلم مؤمنا به وإن لم يلازمه ولا غزا معه ولا روى عنه ولا رآه لعمى أو غيره مميزا أو غير مميز كالرضيع حيث يحكم بإسلامه لإسلام أبيه ومن ارتد بعد الصحبة والعياذ بالله تعالى انسلب عنه وصف الصحبة فإن عاد للإسلام عاد له اسم الصحابي على الرجح، ولابد من كون اللقي قبل الوفاة فيخرج من لقيه بعدها كأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي فإنه أخبر بمرض النبي ﷺ فسافر نحوه فقبض النبي ﷺ قبل وصوله المدينة بيسير، وحضر الصلاة عليه وشهد دفنه ولا يدخل الأنبياء الذين اجتمع بهم ليلة الإسراء والملائكة لأن المراد الاجتماع على الوجه المتعارف، وتحصل الصحبة باللقي ولو لم يطل الاجتماع بخلاف
стр. 112
التابعي فإنه فسر بما فيه الإطالة على قول لأنه ﷺ ينطق الأعرابي الجلف بالحكمة بمجرد ما يجتمع به ﷺ فليس كغيره.
وقدم الآل على الأصحاب للأمر بالصلاة على الآل ولهذا وجبت في التشهد على قول، وهم أشرف نسبا وإن كان في الصحابة من هو أفضل من الآل كأبي بكر وعمر ﵄ قاله الشيخ عبد الباقي عن اللقاني، وأزواجه ذكرهن بعد الأصحاب لمزيد الاعتناء بشأنهن لشدة الاتصال به وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن ذلك للتنصيص على دخولهن لا للتنبيه على فضلهن لأنهن لسن أفضل من الأصحاب، ويقال لامرأة الرجل زوج وزوجة وأزواجه ﷺ الَّتي بنى بهن المتفق عليهن إحدى عشرة ورمز بعضهم لأسمائهن على الترتيب بأوائل كلمات بيت وهو:
خليلي سبت عقلي حلى زين هالة … زهى جفنها رمزا صحيحا مهذبا
فالخاء لخديجة، والسين لسودة بنت زمعة، والعين لعائشة، والحاء لحفصة، والزاي الأولى لزينب بنت خزيمة، والثانية لزينب بنت جحش، والهاء لهند، والجيم لجويرية بنت الحارث، والراء لرملة وهي أم حبيبة بنت أبي سفيان، والصاد لصفية بنت حيي، والميم لميمونة بنت الحارث ﵅ وكلهن من العرب إلا صفية فمن سبط هارون أخي موسى على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، والعربيات قرشيات إلا أربعا زينب أم المساكين بنت خزيمة وميمونة بنت الحارث هلاليتان، وزينب بنت جحش أسدية من أسد خزيمة، وجويرية مصطلقية توفيت خديجة قبل الهجرة ولم يتزوج ﷺ غيرها حتى توفيت، وتوفيت زينب بنت خزيمة بالمدينة بقرب تزوجه إياها ﷺ فلم تمكث عنده إلا أشهرا، وتوفي ﷺ عن البواقي رضي الله عن جميعهن.
وذريته أي نسله وهم أولاد الصلب وأولادهم ما تناسلوا آخر الدهر، وأولاد صلبه ﷺ سبعة ثلاثة ذكور أولهم القاسم وبه كني، والثاني عبد الله ويلقب بالطيب وبالطاهر، والثالث إبراهيم، والإناث أربع زينب، ورقية بضم الراء وفتح القاف، وأم كلثوم، وفاطمة وكلهم
стр. 113
من خديجة إلا إبراهيم فأمه مارية القبطية سُرِّيته ﷺ ونظمهم بعضهم على ترتيب الولادة فقال:
فأول ولد المصطفى قاسم الرضى … به كنية المختار فافهم وحصلا
وزينب تتلوه رقية بعدها … كذا أم كلثوم تعد على الولا
وفاطمة الزهراء ختم بناته … في الإسلام عبد الله جاء مكملا
وكلهم كانوا له من خديجة … وقد جاء إبراهيم في طيبة تلا
من المرأة الحسناء مارية فقل … عليهم سلام الله مسكا ومندلا
مات الذكور صغارا وتزوجت الإناث ولم يبق لهن عقب إلا لسيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عن الجميع، وعقبها من الحسنين أشهر من أن يبين ولها عقب أيضا من بنتها زينب من عبد الله بن جعفر ولدت له ذكرا اسمه علي وأنثى اسمها أم كلثوم وعقبها موجود بكثرة رضي الله عن الجميع وأماتنا على محبته ﷺ ومحبتهم أجمعين.
وأمته المراد بهم المجيبون لا أمة الدعوة بقرينة الصلاة عليهم وأمة الدعوة كل من بعث إليهم، وتجوز الصلاة على غير الأنبياء تبعا لهم وأما بالاستقلال فالمشهور الكراهة قاله الشيخ الهلالي وفي الحطاب عن القاضي عياض والذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك وسفيان واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه يجب تخصيص النبي ﷺ وسائر الأنبياء بالصلاة والسلام كما يختص الله سبحانه عند ذكره بالتقديس والتنزيه، ويذكر من سواهم بالغفران والرضى، وذكر الصلاة على الآل والأزواج مع النبي ﷺ بحكم التبع والإضافة إليه لا على التخصيص، وكما يجب أن يكون دعاء الرسول ليس كدعاء بعضنا بعضا يجب أن يكون الدعاء له مخالفا لدعاء الناس بعضهم لبعض انتهى.
وفي الزرقاني على الموطإ وتجوز الصلاة على غير النبي ﷺ تبعا واختلف فيها استقلالا هل تحرم أو تكره أو تجوز حكاه في الشفا قال الأبي والأصح الكراهة اهـ. ولم يذكر
стр. 114
المصنف في خطبته الشهادة مع أنه ورد (كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء (١)) أخرجه أبو داود مرفوعا في كتاب الأدب من سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قاله الحطاب ويمكن أن يجاب بأن المراد بالشهادة معناها وهو حاصل مما تقدم أو أن المراد لم يذكر فيها شهادة وليس المراد كتابتها أفضل الأمم أي الأتباع وما قبله الجماعات فليس فيه إيطاء ومعنى أفضل الأمم أكثرهم فضلا لقوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وحق ذلك لأمته:
لما دعا الله داعينا لطاعته … بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
اللهم اختم لنا بما توجب لنا به مرافقته الخاصة في دار السلام وبعد الواو للاستئناف لتعذر عطف الخبر على الإنشاء وبعد ظرف زمان بني لشبهه بحرف الجواب كنعم في الاستغناء به عما بعده وهو المضاف إليه المحذوف للعلم به، والعامل فيه فعل قول محذوف أي وأقول بعد حمد الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ والواقع في كلام العرب في مثل هذا المقام أما بعد للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر واختلف في أول من نطق بأما بعد على سبعة أقوال جمعها بعضهم بقوله:
جرى الخلف أما بعد من كان بادئا … بها سبع أقوال وداود أقرب
لفصل خطاب ثم يعقوب قسهم … فأيوب سحبان فكعب فيعرب
والقول بسحبان لا يصح لصحة الأحاديث بها عنه ﷺ ، وتأخر سحبان لأنه كان في الدولة الأموية والقول بأنه داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام يصح أن يريد به مرادفها وإلا فلا لأنه أعجمي، وتفسير فصل الخطاب بها في الآية ضعيف عند المحققين من المفسرين، والظرف يتعلق بفعل الشرط الذي نابت عنه أما أو بها على قول الفارسي يتعلق الظرف بالحرف إذا ناب عن الفعل، ويستحب الإتيان بأما بعد أوائل الخطب والكتب اقتداء برسول الله ﷺ .
стр. 115
فقد الفاء زائدة إن كان ما بعدها صدر المقول أي أقول بعدما ذكر قد سألني وللسببية إن قدر صدر القول محذوفا أي وأقول بعد ما ذكر تنبَّه فقد سألني وقد للتحقيق والتقريب إشارة إلى قرب وقت السؤال من وقت التأليف للمبادرة إلى إسعاف السائلين سألني أي طلب منى جماعة هي ما زاد على اثنين من كل شيء كالجمع ويجمعان والجميع يأتي بمعنى الجمع ولم يسمع له جمع أشار المص إلى أنه إنما ألفَّ بعدما علم حاجة الناس إليه وأنهم رأوه أهلا لذلك، والمراد بالجماعة جماعة من أهل العلم قاله الشيخ الهلالي، وقال الشيخ الحطاب ودخول الفاء مع أما واضح لا تضمنته أما من معنى الشرط، وأما مع عدمها فتدخل على توهم وجود أما وتكون الواو استئنافية أو على تقدير أما محذوفة والواو عوض عنها أو دون تعويض والعامل حينئذ أما المحذوفة لنيابتها عن فعل الشرط إذ التقدير مهما يكن من شيء بعد حمد الله والصلاة على رسوله ﷺ فقد سألني، أو العامل المقدر وأما على توهم أما فالعامل فعل قول. أبان أي أظهر وأطلع. الله يقال أبان وبان وبين وتبين واستبان خمسة أفعال كلها متعد لازم قاله الشيخ الهلالي. لي بسكون الياء وفتحها بدأ بنفسه تأدبا بآداب الكتاب والسنة ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (وكان ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه (١)).
واعلم أن من كتب كتابا لغيره وأراد أن يدعو فيه لنفسه وللمكتوب له يبدأ بالمكتوب إليه وقيل بنفسه وقيل يخير وعن مالك إن كان المكتوب إليه أكبر من الكاتب بدأ به وإن كان الكاتب أكبر بدأ بنفسه، وهي فائدة حسنة والظاهر أن المراد بكونه أكبر في السن أو النسب أو العلم كما يشعر به خبر (لا توسع المجالس إلا لثلاثة لذي علم أو لذي سن أو ذي نسب (٢)) ويظهر توسيعها له وإن لم يقل تفسحوا في المجلس، وتوسع مجالس الخير لمن قال ذلك وإن لم يكن من أحد الثلاثة كما تدل له الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ الآية قاله الشيخ عبد الباقي ولهم أي للجماعة دعا لهم مكافأة لتسببهم له في الثواب الباقي معاله جمع معلم كمقعد
стр. 116
وهو مظنة الشيء وما يستدل به عليه التحقيق مصدر حقق الشيء يحققه أي تيقنه ويقال أيضا حقه يحقه بالضم حقا بمعناه وأطلقه المؤلف على ما يعم اليقين والظن المنزل منزلته فالمراد بمعالم التحقيق أدلة اليقين في الاعتقادات وما تنزل منزلته في العمليات أي الأدلة التي يهتدى بها إلى التحقيق قاله الشيخ الهلالي، وقال الحطاب والعالم جمع معلم بفتح أوله وثالثه وسكون ثانية وأصله الأثر يستدل به على الطريق واستعاره المص لما يستدل به على التحقيق، والتحقيق معرفة الشيء بدليله من غير تقليد فيه والمراد بمعالمه الأدلة التي يهتدى بها إليه انتهى.
وقال الناصر اللقاني والتحقيق إثبات الأحكام بأدلتها انتهى والمراد أن ليحصل له مسائل الفقه على الوجه المحرر، وقال الشيخ عبد الباقي والمراد بالعالم الأدلة المستدل بها على الأحكام. وسلك يتعدى بنفسه وقد يتعدى بالهمزة وعداه المص بالباء فقال بنا وبهم أي ذهب وليس هنا سلك التي معناها أدخل، والباء للمصاحبة ومعناها هنا مصاحبة معونته تعالى وإمداده. أنفع طريق المضاف اسم تفضيل من النفع ضد الضر نصب على الظرفية والطريق والسبيل والصراط ألفاظ مترادفة والطريق يذكر ويؤنث فجمعه على التذكير أطرقة كرغيف وأرغفة وعلى التأنيث أطرق كأيمن ويمين، وقال بعضهم الطريق يذكر ويؤنث والجمع أطرق وطرق وقال الشيخ الهلالي: الطريق والسبيل والصراط ألفاظ مترادفة كلها تذكر وتؤنث. ويجمع الطرق جمع طريق على الطرقات، وقوله أنفع طريق أي أنفع الطرق كما يقال هو أفضل رجل أي أفضل الرجال وأنفع الطرق أقربها إيصالا إلي رضى الله والجملتان دعائيتان معترضتان بين سأل ومفعوله الثاني وهو قوله مختصرا على حذف مضاف وموصوف أي تأليف كتاب مختصر وهو اسم مفعول من الاختصار وهو الإتيان بالمعنى الكثير في اللفظ القليل ومثله الإيجاز وهو ممدوح في المقام الذي يناسبه، وضده الإطناب ويقال له الإسهاب وهو ممدوح أيضا في محل يقتضيه قالى:
يرمون بالخطب الطوال وتارة … وحي الملاحظ خيفة الرقباء
وإنما طلبوا المختصر لقصور هممهم عن تحصيل المبسوطات. على للاستعلاء المجازي متعلقة بمحذوف وجوبا لأنها هي ومجرورها في محل الصفة. مذهب أصله من الذهاب صالح للمكان
стр. 117
والزمان واستعير للعلم لأنه أفضل ما يذهب إليه قاله المنجور قال الهلالي: والمراد به هنا المسائل التي يقولها المجتهد والتي يستخرجها أتباعه من قواعده وهي تشبه بالطريق، ولذا يقال طريق مالك وطريقته كما يقال مذهبه، والطريق محل الذهاب فهو منقول من اسم المكان قال إمام الحرمين: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا لأن الصحابة لم يعتنوا بتهذيب مسائل الاجتهاد وإيضاح طريق النظر بخلاف من بعدهم قاله القرافي. قال ورأيت للشيخ تقي الدين بن الصلاح ما معناه أن التقليد يتعين لهذه الأربعة دون غيرهم لضبط مذاهب الأربعة على الوجه الأتم دون غيرهم انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي.
الإمام اسم للعالم المقتدى به وجمعه أئمة وقوله تعالى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قيل هو من هذا المعنى وقع المفرد موقع الجمع؛ أي اجعل كل واحد منا إماما لهم، وقيل جمع آمٍّ كصائم وصيام من أمه بمعنى قصده أي اجعلنا قاصدين لهم مقتدين بهم. مالك بن أنس رحمه الله تعالى جملة الدعاء اعتراضية لما له على الأمة عموما وعلينا معشر المالكية خصوصا من اليد البيضاء جزاه الله بالرضى، وجملة رحمه الله تعالى اعتراضية أيضا لإنشاء الثناء على الله تعالى بكمال التعالي وهو التقدس والتنزه عما ليس بكمال له.
والإمام مالك هو إمام الأئمة وفخر علماء الأمة ابن أنس بن مالك تابعي ابن أنس ويكنى أبا عامر ابن عمرو بفتح المهملة ابن الحارث بن غيمان بمعجمة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة ابن خُثَيْل بخاء معجمة فمثلثة مصغرا ابن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح فهو من الأذواء وهم ملوك اليمن لأنهم يزيدون للملك في علمه ذو تعظيما لصاحب هذا الاسم وقد يجمعون ذو تصحيحا قال:
ولا أعني بذلك أسفليكم … ولكني أريد بها الذوينا
فالإمام مالك ﵁ عربي حميري أصبحي بلا اختلاف بين أهل العلم بالأنساب، وكان أسلافه حلفاء لبني تيم من قريش فكانوا ينتسبون إلى التيميين بولاء الحلف على عادة العرب فظن من لا تحقيق عنده بنسبهم أنهم موالي العتق وإنما ولاؤهم بالحلف، وكان جدهم تزوج من
стр. 118
التيميين فتأكدت النسبة، وحمير هو ابن سبأ بن يشجب بن يعرب كينصر فيهما ابن قحطان وهو جماع العرب اليمانية، كما أن عدنان جماع العرب العدنانية فالعرب المعروفة الآن كلها منهما وقحطان قيل من ولد إسماعيل وعليه فتكون العرب كلها من ولد إسماعيل والأكثر على خلافه، والإمام مالك تابع التابعين وقيل تابعي لأنه أدرك عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، وقيل بصحبتها لكن الصحيح أنها ليست صحابية وأبو عامر جد الإمام صحابي كبير شهد الغازي كلها مع النبي ﷺ إلا بدرا، وعن الذهبي أنه لم ير من ذكره في الصحابة وأنه كان في زمنه ﷺ .
قال الشيخ الهلالي ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ومالك بن أبي عامر من كبار التابعين روى عن عمر وطلحة وعائشة وحسان بن ثابت وعثمان ﵃: وهو أحد الأربعة الذين حملوا عثمان ﵁ ليلا إلى قبره وغسلوه ودفنوه، روى عنه بنوه الثلاثة أنس والد الإمام وأبو سهيل نافع والربيع ووالد الإمام أنس من التابعين وكان فقيها: وأولاد الإمام ثلاثة يحيى ومحمد وفاطمة زوج إسماعيل بن أبي أويس بن أخت الإمام وكانت بنته تحفظ الموطأ وتقف خلف الباب فإذا غلط القارئ نقرت الباب فيفطن مالك فيرد عليه، ومعنى الموطإ الممهد المنقح ولم يسبق مالك إلى هذه التسمية، قيل لأبي صالح لم سمى مالك الموطأ قال شيء صنعه ووطأه للناس حتى قيل موطأ مالك وعن بعض المشايخ قال مالك عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ انظر شرح الموطإ لسيدي محمد الزرقاني، وروى عنه ابنه يحيى الموطأ، وقدم محمد مصر وكتب عنه وحدث عنه الحارث بن مسكين وكان لمحمد ولد اسمه أحمد روى عن جده مالك لكنه معدود في الضعفاء. ولد الإمام على الصحيح عام مات أنس بن مالك الأنصاري خديم رسول الله ﷺ وهو عام ثلاث وتسعين بتقديم المثناة على السين، وحملت به أمه ثلاث سنين وقيل سنتين، وهي العالية بنت شريك الأزدية، وقال ابن عامر أمه طليحة مولاة عامر بنت معمر قاله الأمير وتوفي ﵁ عام تسع بتقديم المثناة وسبعين بتقديم المهملة ومائة وعمره باعتبار عام الولادة والوفاة سبعة بتقديم المهملة وثمانون عاما ورمز بعضهم لوفاة الأئمة الأربعة بقوله:
стр. 119
فنعمانهم عف وقطع لمالك … وللشافعي در ورم لابن حنبل
النعمان هو الإمام أبو حنيفة توفي عام خمسين ومائة ورمزه عف، ومالك ما تقدم ورمزه قطع، والشافعي عام أربع وماتتين ورمزه در: وأحمد عام أربعين ومائتين ورمزه رم ولد الإمام أبو حنيفة عام ثمانين، والإمام مالك فيما ذكر والإمام الشافعي عام وفاة أبي حنيفة، والإمام أحمد عام أربع وستين ومائة ونظم الشيخ الهلالي ميلادهم فقال:
وميلادهم ليم ونجم وصيف … وقصد على الترتيب فضلهم جلي
الليم بالكسر الصلح، والصيف بكسر الياء المشددة مطر الصيف ولا يخفى حسن الإشارة بهذه الرموز لدلالتها على صلاح الدين وإحيائه بالمطر وطلوع نجم الاهتداء وظهور قصد السبيل الذي هو الصراط السالم من التفريط والإفراط بميلادهم ﵃، وكان الإمام مالك ﵁ طويلا جسيما عظيم الهامة. أبيض الرأس واللحية يعني شيبة غير مخضوب وكان شديد البياض إلى الصفرة أعين حسن الصورة أصلع أشم عظيم اللحية تامها تبلغ صدره ذات سعة وطول، وكان من أحسن الناس وجها وأجلاهم عينا وأنقاهم بياضا وأتمهم طولا في جودة بدن، وكان يلبس ثياب الكتان الجيدة الرقيقة المعدنية والخراسانية والمصرية البيض ويتطيب بطيب جيد ويقول ما أحب لعبد أنعم الله عليه إلا أن يرى أثر نعمته عليه. قال بعضهم رأيت على مالك طيلسانا طرازيا وقلنسوة متركة وثيابا مروية جيادا وفي بيته وسائد وأصحابه عليها قعود فقلت له: أبا عبد الله شيء أحدثته أم رأيت الناس عليه. قال: رأيت الناس عليه، والناس هنا العلماء العاملون لأنهم المقتدى بهم، وكان لا يلبس الخز ولا يرى لبسه: وقال بشر بن الحارث رأيت على مالك طيلسانا يساوي خمسمائة أشبه شيء بالملوك، وفص خاتمه الذي مات وهو في يده حجر أسود نقشه سطران فيهما حسبي الله ونعم الوكيل فسئل عن ذلك فقال سمعت الله يقول ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا﴾ الآية وكان في أول أمره قليل الشيء صابرا متجملا حتى انثالت عليه الدنيا بعد ولم يكن له منزل إنما سكن بالكراء إلى أن مات، وكان سكناه في دار عبد الله بن
стр. 120
مسعود ﵁، وكان مكتوبا على بابه ما شاء الله ولعل مراده أن الدار مثل الجنة في استحباب قول ذلك عند دخولها فكتبه ليذكره فيقوله عند الدخول.
قال وكان لي أخ فألقى أبي يوما علينا مسألة فأجاب أخي وأخطأت. فقال أبي ألهتك الحمام عن طلب العلم فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين وفي رواية ثمان سنين لم أخلطه بغيره وكنت أحمل في كمي تمرا أناوله صبيانه وأقول لهم إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا له مشغول وكان ءاية في الحفظ قال لقد ذهب حفظ الناس وكنت آتي ابن المسيب وعروة والقاسم وأبا سلمة وحميدا وسالما وجماعة فأدور عليهم أسمع من كل واحد من الخمسين حديثا إلى المائة ثم أنصرف وقد حفظته كله من غير أن أخلط حديث هذا بحديث هذا، وقال ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته وقال إن هذا العلم دين فَانْظُرُوا عَمَّنْ تأخذونه، وقال أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين وأشار إلى المسجد ما أخذت عنهم شيئا وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينا إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
قال ابن عيينة ما رأيت أحدا أجود أخذا للعلم من مالك وما كان أشد انتقاده للرجال والعلماء. وجلس لتعليم الناس وهو ابن سبع عشرة سنة وكان موضعه في المسجد موضع عمر بن الخطاب ﵁ وهو موضع فراش رسول الله ﷺ إذا اعتكف قال وليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للفتيا والحديث جلس بل حتى يشاور أهل الصلاح والفضل فإن رأوه أهلا لذلك جلس.
قال وما جلست حتى شهد سبعون شيخا من أهل العلم أني موضع لذلك. قال الإمام أحمد قال مالك: ما جالست سفيها قط وهذا أمر لم يسلم منه غيره وما في فضائل العلماء أجل من هذا، وكان من أعظم الناس مروءة وأكثرهم صمتا وأقلهم كلاما متحفظا بلسانه من أشد الناس مداراة للناس واستعمالا للإنصاف، وكان يقول في الإنصاف لم أجد في الناس أقل منه فأردت المداومة عليه، وكان من أحسن الناس خلقا مع أهله وولده ويقول: في ذلك مرضاة لربك ومثراة في مالك ومنساة في أجلك وقد بلغني ذلك عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، وكان يبر طلبة العلم وقد استدعاهم يوما لداره لطعام فلما دخلوا قال لهم هذا المستراح وهذا الماء ثم أدخلهم البيت
стр. 121
ولم يدخل معهم فلما أخذوا مجالسهم دخل وجيء بالطعام ولم يؤت بالماء فلما أكلوا جيء بالماء فلما خرجوا سأله عبد الله بن عبد الحكم فقال: أما إعلامي بالمستراح والماء فإنما دعوتكم لأبركم ولعل بعضكم يحتاج لقضاء الحاجة فلا يدري أين يذهب، وأما تركي الدخول معكم للبيت فليلا أقول اجلس هنا يا أبا فلان وهنا يا أبا فلان وقد أنسى بعضكم فيظن أني تركته بغضا فيه، وأما ترك الماء قبل الطعام فلأن غسل الأيدي قبل الطعام من سنة الأعاجم وأما بعده فقد جاء فيه حديث (١) وأول ما جلس لنشر العلم بعد صلاة الظهر وجلس إليه قوم فلما صلى المغرب اجتمع إليه خمسون أو أكثر فلما كان من الغد اجتمع إليه خلق كثير، وكانت له حلقة في حياة نافع وكان شديد التحري في الجواب والتوقير للعلم وخصوصا حديث رسول الله ﷺ وليس في مجلسه شيء من المراء واللغط، وكان رجلا مهيبا إذا أجاب سائله لم يقل له من أين رأيت هذا، وإذا أتى الناس خرجت إليهم الجارية وتقول لهم يقول لكم الشيخ تريدون المسائل أو الحديث؟ فإن قالوا المسائل خرج إليهم فأفتاهم وإن قالوا الحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا وتعمم وتلقى له المنصبة فخرج بخشوع وجلس عليها ولا يزال يتبخر بالعود حتى يفرغ من الحديث ويقول: ليلني منكم ذوو الأحلام والنهى. ولدغته عقرب يوما في مجلس الحديث ست عشرة مرة فكان يتغير لونه ويصفر ولم يقطع الحديث فلما فرغ المجلس وتفرقوا ذكر له ذلك فقال نعم إنما صبرت إجلالا لحديث رسول الله ﷺ . ومن تحريه تقليل المقروء عليه فيقرأ القارئ ورقتين أو ونصفا ولا يبلغ ثلاثا، وقرئ عليه الموطأ مرة في أربعين يوما فقال لهم كتاب ألفته في أربعين سنة قرأتموه في أربعين يوما قلما تفقهون، وكان يقول: ربما وردت علي المسألة فأسهر فيها عامة ليلتي وإذا سئل قال للسائل انصرف حتى أنظر فقيل له في ذلك فبكى فقال: أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم ت وإذا أكثروا عليه من المسائل قال حسبكم من أكثر أخطأ.
стр. 122
وقال من أراد أن يجيب عن كل مسألة فليعرض نفسه على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه ثم يجيب، وقال ما شيء أشد علي من مسألة من الحلال والحرام لأن هذا هو القطع في دين الله، ولقد أدركنا أهل العلم ببلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن المسألة كأن الموت أشرفت عليه. وسئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري، وقال ينبغي أن يورث العالم جلساءه لا أدري حتى يكون أصلا في أيديهم يفزعون إليه إذا سئل أحدهم عما لا يدري قال لا أدري. وقال أشهب رأيت في النوم قائلا يقول لقد لزم مالك كلمة عند فتواه لو وردت على الجبال لقلعتها وهي ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وإذا سمع أحدا يقول قال رسول الله ﷺ يحبسه في الحبس حتى يصحح ما قال. ولبعضهم لما رأى هيبة الناس له وإجلالهم:
يدع الجواب فما يراجع هيبة … والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى … فهو المطاع وليس ذا سلطان
وكان يقام الرجل بين يديه كما يقام بين يدي الأمير وكان كثيرا ما يتمثل بقول القائل:
وخير أمور الدين ما كان سنة … وشر الأمور المحدثات البدائع
وكان يكره المراء والجدال في العلم ويقول إنه يذهب نور العلم من القلب، وإذا جاء أحد من أهل الأهواء يجادله يقول: يا هذا أما أنا فعلى بصيرة من ربي وأما أنت فشاك فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه ثم يقرأ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ الآية، وكفاه ﵁ فخرا قوله ﷺ ، (يخرج ناس من المشرق إلى المغرب في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة (١))، ولفظ الترمذي: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة (٢))، وقد فسره الأئمة بمالك، قال سفيان: كانوا يرونه مالكا، قال ابن مهدي: وعنى سفيان بقوله كانوا يرونه التابعين اهـ لأنه الذي انفرد بهذا الوصف عند الإطلاق، ولم يشتهر به غيره، فإذا قيل: هذا قول عالم المدينة، علم أنه مالك. وكفاه فضلا أنه إمام الأئمة
стр. 123
فأبو حنيفة روى عنه وألَّف الدارقطني جزءا في الأحاديث التي رواها أبو حنيفة عن مالك وقد قالت الحنفية أجل من روى عن مالك أبو حنيفة، والشافعي تلميذ مالك، وقد قال بعضهم: كفى الشافعي فخرا أن مالكا شيخه، وكفى مالكا فخرا أن الشافعي تلميذه، وأحمد تلميذ الشافعي، فكان مالك شيخا للجميع ﵃، وقال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وقال: إذا جاء الأثر فمالك النجم وما أحد أمَنُّ علي من مالك جعلت مالكا حجة بيني وبين ربي.
وحكي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكره قال: عالم العلماء، وعالم أهل المدينة، ومفتي الحرمين، وقال بقية بن الوليد: ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنة ماضية ولا باقية منك يا مالك. وقال ابن مهدي: ما بقي على وجه الأرض أحد آمن على حديث رسول الله ﷺ من مالك. وقال يحيى بن سعيد ويحيى بن معين: مالك أمير المؤمنين في الحديث. وقال البخاري وغيره: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي من أثبت أصحاب الزهري، قال: مالك أثبت في كل شيء. وقال ابن معين: مالك من حجج الله على خلقه، وقال ابن حنبل: مالك أتبع من سفيان: وسئل عنه وعن الثوري أيهما أعلم؟ فقال: مالك أكبر في قلبي، وعنه وعن الأوزاعي؟ فقال: مالك أحب إلي وإن كان الأوزاعي من الأئمة. وعنه وعن الليث؟ فقال: مالك، وهكذا فضله على حماد والنخعي، ثم قال: مالك سيد من سادات أهل العلم وهو إمام في الفقه والحديث، ومن مثل مالك؟ فقيل له الرجل يريد حفظ الحديث حديث من يحفظ؟ ويريد أن ينظر في الفقه في رأي من ينظر؟ فقال حديث مالك، ورأي مالك وقال يحيى بن سعيد القطاني ما أقدم أحدا على مالك في زمانه، وقال الشافعي سألني محمد بن الحسن يعني صاحب أبي حنيفة أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ فقلت على الإنصاف قال نعم فقلت ناشدتك الله تعالى أيهما أعلم بالقرآن قال اللهم صاحبكم فقلت ناشدتك الله أيهما أعلم بالسنة قال اللهم صاحبكم فقلت ناشدتك الله أيهما أعلم بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ المتقدمين قال اللهم صاحبكم، قال الشافعي فقلت له لم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء. وقال الدارقطني لا نعلم أن أحدا تقدم أو تأخر اجتمع له ما اجتمع لمالك: وذلك أنه روى عنه رجلان حديثا واحدا بين وفاتيهما نحو مائة وثلاثين سنة محمد بن
стр. 124
شهاب الزهري شيخه توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وأبو حذافة السهمي توفي بعد الخمسين والمائتين رويا عنه حديث الفريعة في سكنى المعتدة، وكتب إليه عبد الله العمري يحضه على العزلة وترك الناس فكتب إليه مالك قائلا: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق فرب رجل فتح له في الصلاة دون الصوم وآخر في الصدقة ولم يفتح له في الصوم وآخر في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر وقد رضيت بما فتح الله لي من ذلك وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه وأرجو أن يكون كلنا على خير ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم الله له والسلام. وقال ﵁: ينبغي لمن خوله الله علما - وكان يشار إليه بالأصابع - أن يضع التراب على رأسه ويعاتب نفسه إذا خلا بها ولا يفرح بالرياسة فإنه إذا اضطجع في قبره وتوسد التراب ساءه ذلك كله، وقال إذا سئل الرجل عن مسألة ولم يجب واندفعت عنه فإنما هي بلية صرفها الله عنه، وقال عليك بمجالسة من يزيد علمك قوله ويدعوك إلى الآخرة فعله، وقال من إذالة العلم أن تنطق به قبل أن تسأل عنه ومن إذالته أن تجيب كل من سألك ولا يكون إماما من حدث بكل ما سمع، وقال إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله ونظمه بعضهم فقال:
ومن كان يهوى أن يرى متصدرا … ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
وقال أستحيي من الله أن أطأ تربة فيها قبر رسول الله ﷺ بحافر دابة فكان لا يركب في المدينة، وقال له رجل أوصني فقال إذا هممت بأمر من طاعة الله فلا تحبسه فواقا حتى تمضيه فإنك لا تأمن الأحداث. وإن هممت بغير ذلك فإن استطعت أن لا تمضيه ولو فواقا فافعل لعل الله يحدث لك تركه، ولا تستحي إذا دعيت لأمر غير حق أن تعمل الحق واقرأ ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ وطهر ثيابك ونقها من معاصي الله وعليك بمعالي الأمور وكبرائها واتق رذائلها وسفسافها فإن الله يحب معالي الأمور، وأكثر تلاوة القرءان واجتهد في الخير واذهب حيث شئت.
стр. 125
وكان ﵀ يأتي المسجد ويشهد الصلاة والجنائز ويعود المرضى ويقضي الحقوق ويجيب الدعوة، ثم ترك الجلوس بالمسجد فكان يصلي وينصرف ثم ترك إتيان المسجد وترك عيادة المرضى وشهود الجنائز فكان أصحابه يأتونه فيعزيهم فسئل عن عذره في التخلف عن المسجد فقال ليس كل أحد يقدر أن يذكر عذره. وحكي أنه سئل حين احتضر، فقال: لولا أنه في آخر يوم من أيام الدنيا ما أخبرتكم كان بي سلس بول فكرهت أن آتي مسجد النبي ﷺ بتلك الحالة، وكرهت أن أذكر علتي فأشكو ربي، وقيل: إن ذلك بسبب فتق اعتراه في ذات الله في أيام أبي جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس، ضربه جعفر بن سليمان العباسي وكان أميرا على المدينة لأبي جعفر المنصور بسبب أنه نهاه أن يحدث بحديث: (ليس على مكره طلاق (١))، ثم سأله عنه سائل فحدث به على رؤوس الأشهاد، وقيل: بسبب أنه أفتى بأن أيمان البيعة لا تلزم لأن الحالف مكره وذلك حين قام على المنصور سيدي محمد بن عبد الله الكامل، وقيل بسبب تقديم عثمان على علي. وقد مدت يداه عند ضربه حتى انخلعت كتفاه فلم يكن يقدر أن يرفع يديه ولا أن يصلح رداءه ولما ضرب حمل مغشيا عليه إلى منزلة فلما أفاق قال أشهدكم أني جعلت ضاربي في حل. ولما حج المنصور أرسل إليه جعفرا ليقتص منه فقال أعوذ بالله والله ما ارتفع سوط منها عن جسمي إلا وأنا أجعله في حل في ذلك الوقت لقرابته من رسول الله ﷺ ، وسمع حين الضرب وهو يقول اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون، واختلف في مقدار ضربه من ثلاثين إلى مائة وما زاده الله بذلك الضرب إلا عزا حتى كان تلك الضربات حليا حلي به ﵀ ولما احتضر قال ليعاينن الناس غدا من رحمة الله ما لم يكن لهم على بال، قال عبد الحق عاين من سعة رحمة الله ما أوجب له أن قال هذا القول، وقال يحيى بن يحيى الليثي دخلنا على مالك ونحن مائة وثلاثون فسلمنا عليه فلما فرغنا أقبل علينا بوجهه وقال الحمد لله الذي أضحك وأبكى والحمد لله الذي أمات وأحيا ثم قال أما إنه قد جاء أمر الله ولابد من لقائه تعالى فقلنا له كيف تجدك يا أبا عبد الله فقال أجدني مستبشرا يصحبني أولياء الله وهم أهل
стр. 126
العلم وليس شيء أعز على الله بعد الأنبياء منهم ومستبشرا بطلبي هذا الأمر، ثم حدثهم عن ربيعة بشيء من فضائل العلم قال يحيى هذا آخر حديث سمعته من مالك رحمة الله عليه. ودفن بالبقيع وقبره مشهور يزار وبقربه قبر نافع، قال السخاوي لا أدري نافع المقرئ أو مولى ابن عمر وكلاهما شيخ لمالك فقد قرأ القرآن على نافع القارئ وروى هو عن مالك. ورأت عمة الشافعي وهي بمكة في المنام قائلا يقول مات الليلة أعلم أهل الأرض قال الشافعي فحسبناها فوجدناها ليلة وفاة مالك، ورأى محمد بن رمح في النوم رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله قد اختلف علينا مالك والليث فأيهما أعلم قال مالك وارث وجدي، قال أبو نعيم معناه وارث علمي، ورآه ﷺ أبو بكر بن سعدون فسأله عن مسألة اختلف فيها مالك والليث فقال رأي مالك هو الصواب، ورآه بعضهم فسأله عمن يقتدى به في الحديث وفي الفقه وذكر له اختلاف العلماء فأمره ﷺ بالاقتداء بمالك، وكان الحسن بن حمزة المغفري يشتمه، قال فرأيت في النوم الجنة فتحت وقلت ما هذا قالوا الجنة قلت وما هذه الغرف قالوا لمالك بما ضبط على الناس دينهم فلم أنتقصه بعد، وصرت أكتب عنه.
واعلم أنه لم يعتزل مالكي قط نص عليه غير واحد ومذهبه عمري سد الحيل واتقاء الشبهات وعليه أحل المغرب (الوارد بقاؤهم على الحق (١))، وقال عبد الوهاب الشعراني ورد عليَّ شخص من الفقراء وقال لي مررت البارحة على شخص من علماء المالكية زائرا له فقلت له عند الانصراف اقرأ الفاتحة فأبى وقال ما ثبت عن النبي ﷺ الأمر بقراءتها عند الانصراف فقلت لهذا الزائر الأمر سهل ليس علينا وزر إذا قرأنا الفاتحة عند الانصراف ولا إذا لم نقرأها، فنمت فرأيت تلك الليلة رسول الله ﷺ وعاتبني على قولي الأمر سهل ثم أمرني بمطالعة مذهب الإمام مالك فطالعت الموطأ والمدونة الكبرى ثم اختصرتها، ولفظه ﵊ يا عبد الوهاب عليك بالاطلاع على أقوال إمام دار هجرتي والوقوف عندها فإنه شهد
стр. 127
الآثار أي شهد آثاري انتهى. وفي الحلية عن المثنى بن سعيد أنه سمع مالكا ﵁ يقول ما بت ليلة إلا رأيت النبي ﷺ ، وعنه ﵁ أنه قال جالست ابن هرمز ثلاث عشرة وروي ست عشرة سنة في علم لم أبثه لأحد من الناس اهـ وذلك لمحافظته على كتم الأسرار، وقد قيل صدور الأحرار قبور الأسرار، وقد كان الجنيد ﵁ إذا أراد أن يتكلم في توحيد الخواص أغلق الباب ليلا يدخل من لا ذوق له في العلوم الوهبية فيسمع ما لا يفهمه ويحمله على غير المراد فيضل، وقد قال ﷺ (حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله (١)) وقد قال الحسن ﵁:
يا رب جوهر علم لو أبوح به … لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستباح رجال مسلمون دمي … يرون أقبح ما يأتونه حسنا
ومآثر الإمام لا تحصى ولا تعد فتستقصى، وقول المصنف ﵀: صفة لمختصر لا حال اسم فاعل من الإبانة أو التبيين بمعنى الإظهار فيهما. اللام لتقوية العمل لضعف العامل لفرعيته عن الفعل في العمل نحو ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وما موصول اسمي واقع على ما ليس بشاذ ولا ضعيف من أقوال المذهب فيصدق بالمتفق عليه والمشهور والراجح والمساوي. الضمير للموصول والباء للآلة مرفوع بما قبله أو بالفعل المتعلق هو به أو بالابتداء، والمجرور خبره، وواوه عن ياء كتقوى وإن ضم أوله صحح كفتيا، ويجمع على فتاوى منقوصا ومقصورا قياسا فيهما والأصل النقص والقصر تخفيف وهو اسم مصدر بمعنى الإفتاء وهو الإخبار بالحكم لا على وجه الإلزام، وتطلق الفتوى أيضا على الحكم الذي وقع الإفتاء به فيقال فتوى مشهورة أو ضعيفة ويقال استفتيت فلانا في هذه المسألة فأفتاني فيها بكذا أي سألته عن حكم الشرع في المسألة فبينه لي ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وتخصيص الفتوى بحكم الشرع عرفي وهو في اللغة
стр. 128
أعم ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾، وفاتيت فلانا فيما تنازعنا فيه رافعته إلى المفتي قال:
ففاتيني إلى حكَم من اهلي … وأهلك لا يحيف ولا يميل
وتفاتينا ترافعنا قال:
أنخ بفناء أشرف من عدي … ومن جرم وهم أهل التفاتي
ويشترط في المفتي أن يكون عدلا ليلا يقصد ما لا يجوز كضرر أحد الخصمين أو نفع أحدهما لعداوة أو صداقة وتحصيل ثفع من أجرة فيدخل في قوله ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية. أو جاه كأن يرخص لذي جاه مثلا وليلا يتساهل فيفتي بلا إمعانِ نظرٍ لاعتقاده أن السرعة براعة وفضيلة لدلالتها على الاستحضار وأن البطء عجز ونقص والفضيلة هي التثبت في دين الله والتأني ليلا يضل ويضل، ويشترط فيه أيضا أن يكون عارفا لأن الجاهل ضال عن الطريق أعمى فكيف يطلب منه أن يهدي إليها وفي الحديث (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا (١)) رواه الشيخان والترمذي. وقد أفتى أئمة الذهب كالقابسي واللخمي وابن رشد بأنه لا تجوز الفتوى من الكتب المشهورة لمن لم يقرأها على الشيوخ فضلا عن الغريبة ولله در القائل:
إذا لم يذاكر ذو العلوم بعلمه … ولم يستفد علما نسى ما تقدما
وكم جامع للكتب في كل مذهب … يزيد على الأيام في جمعه عمى
وقال آخر:
لا تحسببنْ أنَّ بالكتْـ … ـب مثلنا ستصير
стр. 129
فللدجاجة ريش … لكنها لا تطير
وقال أبو حيان:
أمدعيا علما وليس بقارئ … كتابا على شيخ به يسهل الحزن
أتزعم أن الذهن يوضح مشكلا … بلا موضح كلا لقد كذب الذهن
وإن الذي تبغيه دون معلم … كموقد مصباح وليس له دهن
وقال ابن العريف:
من لم يشافه عالما بأصوله … فيقينه في الشكلات ظنون
الكتب تذكرة لمن هو عالم … وصوابها بمحالها معجون
والفكر غواص عليها مخرج … والحق فيها لؤلؤ مكنون
واعلم أن العارف إما مجتهد مطلق بأن اجتمعت فيه صفات المجتهد وتوفرت فيه شروطه المقررة في أصول الفقه ومن هذا وصفه يجب عليه الفتوى بما أداه إليه اجتهاده واقتضته أدلته ولا يقلد غيره، وإن تعارضت الأدلة أفتى بالراجح عنده فإن لم يترجح شيء فقيل يتساقطان وقيل يخير، وبالغ الشاطبي في إبطاله. وإما مجتهد مقيد بأن يتخلف فيه بعض شروط الاجتهاد المطلق ولكن عنده آلات الاجتهاد المقيد بالمذهب بأن يكون متبحرا في الاطلاع على نقول المذهب متفقها فيها عارفا بمطلقها ومقيدها وعامها وخاصها مستحضرا لكلام الشيوخ الراسخين في العلم المعتنين بالكلام عليها الشارحين لها متقنا لمعرفة قواعد إمامه ومداركه وهي أدلته التي بنى عليها مذهبه ومستنداته في استنباط الأحكام الشرعية. وعنده من علم أصول الفقه وعلوم العربية من لغة ونحو وبيان ومن ثقوب الفهم ما قدر به على التصرف في المذهب فهذا هو مجتهد المذهب تجب عليه الفتوى بنصوص المذهب بالمتفق عليه منها وبالراجح من المختلف فيه، وإليه النظر في الترجيح بحصول آلاته عنده فإن استوى القولان أو الأقوال فهل يحمل المفتي مستفتيه على معين من المتساويين فأكثر، أو يحكي له ما في المسألة ويخبره بالقائلين فيختار هو لنفسه، وينبغي أن
стр. 130
يختلف ذلك بأحوال المستفتين ومن لديه منهم معرفة ومن ليس كذلك، فمن له معرفة يمكنه الترجيح معها ولو بصفات القائلين أخبره وإلا حمله على معين وهذا توفيق حسن ظاهر، وما ذكره من العمل بأحد المتساويين ذكره القرافي وذكر أن الحاكم يحكم بأيهما شاء وقد حكى غيره الإجماع على منعه، وكيف يكون جواب الحاكم للمحكوم عليه إذا قال له رجحت علي خصمي بلا مرجح إلا بشهوتك، وقد أنكر الشاطبي القول بالتخيير غاية وبالغ في إبطاله وقال إن القولين عند المقلد كالدليلين عند المجتهد، فكما أن المجتهد لا يجوز له العمل بأحد الدليلين من غير نظر بل لا بد له من الترجيح أو الوقف، فكذلك المقلد إن تعذر الترجيح توقف ولا يختار بهواه لأن الشريعة وضعت لإخراج المكلف عن دائرة هواه، وقول المفتي للمقلد أنت مخير بين القولين إحداث قول ثالث بلا دليل وإن لم يوجد في المذهب نص فهل يقيس على المنصوص بشروط القياس ولا يخرج عن قواعد المذهب وهو المشهور والراجح، وقيل له الخروج عنه وقيل لا يقيس أصلا، وبقي من أقسام العارف ثالث وهو من تخلف فيه إتقان صرفة القواعد، وما ذكر بَعْدَهَا مَعَ اتصافه بما اتصف به الذي قبله من التفقه والتبحر والاستحضار فهذا له الفتوى بما حفظه من نصوص المذهب بما هو مطابق لعين النازلة، ولا بد أن يكون عنده من علم العربية ما يفهم به معاني الكلام إفرادا وتركيبا، ومن الفهم ما يحسن به التطبيق ولا يقيس ما لا نص فيه على المنصوص، ولا يخرج حكم مسألة على نظيرتها لفقده آلات القياس فقد يفرق بين المتساويين أو يعكس، وأما من حصل بعض المختصرات من كتب المذهب فيها مسائل عامة مخصوصة في غيرها ومطلقة مقيدة في غيرها أو فيها ضعيف وغيره ولا تحقيق عنده ولا علم بالمخصصات والقيود ولا تمييز للمشهور من الضعيف فهذا تحرم عليه الفتوى بما حصله لأنه هو والعامي المحض سواء في الجهل بما تجب به الفتوى، وقد كان بعضهم يفتي وهو لا يعرف إعراب بسم الله الرحمن الرحيم استنادا منه لحفظ أقوال مالك وأصحابه وظاهر قول المازري في كتاب الأقضية أن فعل هذا لا يجوز.
واعلم أن المفتي مخبر عن الله تعالى ومن أخبر عنه تعلى مع عدم ضبطه ذلك الخبر فهو عند الله تعلى بمنزلة الكاذب عليه، والمقلد الذي يريد القياس على مسائل إمامه نسبته إلى مذهب إمامه
стр. 131
كنسبة إمامه إلى صاحب الشريعة في اتباع نصوصه والتخريج على مقاصده فلهذا لا يجوز التخريج إلا لمن هو عالم بتفاصيل الأقيسة والعلل ورتب الصالح وشروط القواعد وما يصلح أن يكون معارضا وما لا يصلح وهذا لا يعرفه إلا من عرف أصول الفقه معرفة حسنة.
واعلم أن من لا حفظ له ولا فهم أو له مجرد الحفظ بلا فهم لا يجوز له التصدي للفتيا لغيره ولا الاقتداء في نفسه بما يظهر له من غير دليل، وقد ذكر بعض شراح الرسالة أن من البدع المجمع على تحريمها تقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشرعية بالتوارث لمن لا يصلح لها، ومن له فهم ثاقب وليس بحافظ لكن له كتب معتمدة وممارسة لها ومعرفة بمظان المسائل فهو ملحق بالحافظ لأن الحفظ حفظ صدر وحفظ كتاب لكن لا بد له من دوام المارسة، كما يتأكد ذلك أيضا على الحافظ قال ابن عبد السلام من لا يختم التهذيب مرة في العام لا يفتي به قلت ومثل التهذيب مختصر الشيخ خليل في زمننا بل قال لنا شيخنا الحبيب قدس سره ينبغي أن يختم مرتين في العام قال جميعه الهلالي، وقد تقدم أن ما به الفتوى المتفق عليه والراجح والمشهور، والراجح ما قوي دليله، والمشهور ما كثر قائله كما يناسب معناه لغة فإن تعارضا فمقتضى نصوص الفقهاء والأصوليين أن العمل بالراجح واجب، وقيل المشهور ما قوي دليله فيترادف مع الراجح.
واعلم أن قول مالك في المدونة مقدم على قول ابن القاسم فيها، وقول ابن القاسم فيها مقدم على قول غيره فيها: وقول غيره فيها مقدم على قوله أي ابن القاسم في غيرها، ويؤخذ مما مر تقديم قول ابن القاسم إذا كانا معا في غيرها ولم يكن للمسألة ذكر فيها، وبذلك جرت أحكام قرطبة وهذا لمن قصر عن الاجتهاد وإلا وجب عليه بذل وسعه في الترجيح كما قاله غير واحد قاله الشيخ الهلالي، ومقابل المشهور يسمى الشاذ والضعيف ومقابل الراجح.
واعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقا لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وفارق الإجماع، وحكى الباجي عمن يوثق به أنه وقعت نازلة فأفتى فيها جماعة وهو غائب بما يضره فلما عاد سألهم فقالوا ما علمنا أنها لك وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه، وهذا حرام بالإجماع وإذا حرم هذا بالإجماع مع صحة نسبة القول إلى قائله فكيف حال من يكتفي بكل ما يجده غير منسوب أو منسوبا لمن لا يعرفه أو لمن لا
стр. 132
يعرف صحة نسبته إليه؟ كالفتوى بأن طلاق الغضب لا يلزم وأنه لا بد في اللزوم من تراضي الزوجين، وبأن الحلف بالطلاق على قطع رحم أو غيره من المعاصي لا يلزم، والمفتون بذلك يعتمدون على تقاييد مشتملة على أحاديث وآثار عن السلف وعلى نسبة ما فيها لكتاب معزو لابن أبي زيد وغيره فيستبيحون بها الفروج المحرمة بالإجماع وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا نسأل الله العافية، وأجوبة ابن سحنون والتقريب والتبيين الموضوع لابن أبي زيد وأجوبة القرويين وأحكام ابن الزيات بالزاي والياء والتاء والدلائل والأضداد جميع ذلك باطل وبهتان، والجزولي وابن عمر ومن في معناهما ما ينسب لهم يهدي ولا يعتمد عليه قاله الشيخ الهلالي. قال ومن الكتب التي لا يعتمد على ما انفردت به شرح العلامة الشيخ علي الأجهوري على المختصر والمراد الوسط وأما الصغير فقد ذكره أبو سالم وسألت عنه بمصر فما وجدت من سمع به، وأما الكبير فذكروا لي أنه لم يزل في مُبَيضَتِهِ لم يخرج وما قيل فيه يقال في شروح تلامذته وأتباعه كالشيخ عبد الباقي والشيخ إبراهيم الشبراخيتي والشيخ الخرشي لأنهم يقلدونه غالبا هذا مع أن الشيخ عليا الأجهوري ﵀ حرر كثيرا من المسائل أتم تحرير وقرره أوضح تقرير وحصل كثيرا من النقول أحسن تحصيل وفصل مجملات أبين تفصيل جزاه الله خيرا، ولله در ابن دريد إذ يقول:
إذا بلوت السيف محمودا فلا … تذممه يوما أن تراه قد نبا
فالطرف يجتاز المدى وربما … عَنَّ لمعداه عثار فكبا
انتهى قال الشيخ الهلالي وقد سئلت عن شرح تلميذه الشيخ عبد الباقي بالجامع الأزهر فقلت لا ينبغي للطالب أن يترك مطالعته لكثرة فوائده، ولا أن يقلده في كل ما يقول أو ينقل لكثرة الغلط في مقاصده، ومنها شرح التتائي الصغير.
ومن الكتب المعتمدة الكتب التي أشار المؤلف إليها للشيوخ الأربعة سوى ما قيل في تبصرة اللخمي وسيأتي إن شاء الله ومنها: أحكام ابن سهل، والمتيطية، ومختصراتهما، وتبصرة ابن فرحون، وشروح ابن الحاجب، وديوان ابن عرفة، وشرح القلشاني للرسالة، وما وجد من شرح ابن مرزوق على المختصر، وشرح تلميذه ابن فائد، وشرح الحطاب على المختصر، وشرح الشيخ سالم غير أنه
стр. 133
قد يقع له خلل عند اختصاره كلام الحطاب، وشرح المواق الكبير والصغير سوى أنه وقع له في مواضع قليلة خلل عند نقله بالمعنى، وشرح الشيخ حلولو الكبير والصغير، وشرح بهرام الكبير وشرحه الصغير قال أبو البركات: هما من الكتب المعتمدة في الفتوى مع أنه لم يصححهما لسبب ذكره، وحاشية ابن غازي، والشيخ أحمد بابا، والشيخ مصطفى، والطخيخي، والدر النثير لابن هلال على أجوبة أبي الحسن الصغير، ونوازل ابن هلال والدرر المكنونة في نوازل مازونه، والمعيار وهو أجمع ما رأينا لكن فيه بعض الفتاوي الضعيفة: ونوازل سيدي عيسى السجستاني لكن فيه فتاوي مجملة تحتاج إلى تفصيل: والأجوبة الناصرية كثيرا ما يكون فيها إجمال وإطلاق في محل التقييد وخروج عن المشهور، ومن النوازل المحتاجة إلى التحرير لإجمالها واشتمالها على غير المشهور: نوازل الورزازي سيدي محمد المتوفى بمكة.
واعلم أنه لا يجوز بالإجماع الفتوى ولا الحكم بالمرجوح حكاه القرافي في غير موضع، وقال ابن عرفة لا يعتبر من أحكام قضاة العصر إلا ما لا يخالف المشهور ومذهب المدونة، وقد قالوا إن ما جرى به العمل مقدم على المشهور فكيف يصح هذا والجواب أن المفتي القادر على الترجيح له الفتوى بغير المشهور إذا ظهر له رجحانه لا مطلقا: فكل فتوى خالفت المشهور تطرح ويحكم بالمشهور إلا أن تكون خالفته لوجه، فإذا رجح بعض المتأخرين المتأهلين للترجيح قولا مقابلا للمشهور بموجب رجحانه عندهم وأجروا به العمل في الحكم والفتيا تعين على المقلد اتباعهم فيقدم مقابل المشهور بموجبه لا بمجرد الهوى وقد تقدم وجوب العمل بالراجح فلا تناقض والمجمع على تحريم العمل به هو المرجوح عند العامل به أو عند مقلده فتقديم ما جرى به العمل لا ينافي ما انعقد عليه الإجماع من مطلوبية العمل بالراجح بل هو جزء من جزئياته، ويشترط لتقديم ما جرى به العمل خمسة أمور أحدها ثبوت جريان العمل به، ثانيها معرفة محل جريانه عاما أو خاصا بناحية ثالثها معرفة زمانه لأنه إذا جهل المحل أو الزمن الذي جرى به العمل لم تتأت تعديته إلى المحل الذي يراد تعديته إليه، إذ للأمكنة خصوصيات كما للأزمنة خصوصيات مثلا إذا ثبت عندنا أن أهل الأندلس جرى عملهم في القرن الخامس أو السادس بالإذن للنصارى الذين تحت الذمة في إحداث الكنائس في أرض العنوة أو في أرض اختطها المسلمون ونقلوهم إليها
стр. 134
فلا يجوز لنا الاقتداء بهم بأن نأذن لليهود في سجلماسة في إحداثها لأن أهل الأندلس إذ ذاك مجاورون لأهل الحرب فأذنوا لهم خوف حصول الضرر بتقوية العدو وفوات النفع الحاصل من أهل الذمة من الجزية وغيرها وذلك مأمون عندنا بحمد الله، رابعها معرفة كون من أجرى ذلك العمل من الأئمة المقتدى بهم في الترجيح فإذا لم تثبت أهليته ربما عمل بالمرجوح لجهله أو جوره، خامسها معرفة السبب الذي لأجله عدلوا عن المشهور فإذا جهل موجب جري العمل امتنعت تعديته لجواز كونه معدوما في البلد الذي يراد تعديته إليه، ويثبت جري العمل بشهادة العدول وبنص عالم يوثق به، ومما يرجح مقابل المشهور العرف وهو أقوى المرجحات ولا يقتصر به على الترجيح من الخلاف بل يعتمد عليه في إنشاء حكم مقابل للحكم المتفق عليه وذلك في الأحكام التي مستندها العرف فإذا تبدل تبدل الحكم عموما أو خصوصا كاختلاف الزوجين مثلا فرب متاع يشهد العرف في بلد وزمان أنه للرجال وفي بلد آخر وزمن آخر أنه للنساء، ويشهد في الزمن الواحد والمكان الواحد أنه من متاع النساء بالنسبة لقوم ومن متاع الرجال بالنسبة إلى آخرين، والترجيح بالعرف لا يختص بالمجتهد بل المقلد الصرف يدركه لأن العرف سبب ظاهر يشترك في إدراكه الخاص والعام، وإجراء الأحكام البنية على العوائد مع تغيرها على ما كانت عليه خلاف الإجماع وجهالة في الدين وليس في هذا تجويز للاجتهاد من المقلد حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، ومن هذا ما روي عن مالك أن القول قول الزوج إذا تنازع مع الزوجة في قبض الصداق بعد الدخول مع أن الأصل عدم القبض لأن عادتهم بالمدينة أن لا يدخل الزوج بالمرأة إلا بعد قبض جميع الصداق. قال القاضي إسماعيل واليوم عادتنا على خلاف ذلك فالقول قول المرأة مع يمينها لاختلاف العوائد فالأحكام المبنية على العرف تعتبر به بلا خلاف بين العلماء لكن قد يقع الخلاف في تحقيقه هل وجد أم لا. فإذا استفتاك رجل من غير إقليمك فاسأله عن عرف بلده وأفته به دون عرف بلدك وهذا هو الحق الواضح.
ومن هذا الباب اختلاف المتبايعين في قبض العوضين وفي الصحة وضدها وغير ذلك، ومسائل التناول في البيعات، ومسائل التهمة في بيوع الآجال، ومسائل المرابحة، ومدلولات الألفاظ في الأيمان وغيرها ألا ترى أن المنصوص عليه في المدونة وغيرها في لفظ اليمين عند عدم النية أن
стр. 135
اللازم فيها كفارة اليمين بالله فقط. والذي به الفتوى الآن لزوم الطلاق لأن السلف حملوها على اليمين الشرعية؛ إذ لم يكن في عرفهم إرادة الطلاق بلفظ اليمين والعرف الآن إرادة الطلاق ولهذا يلزم فيها ما يحلف به عادة، ومما يوجب ترجيع مقابل المشهور كونه طريقا لدرء مفسدة ومنه أيضا كونه طريقا لجلب مصلحة إن لم يمكن ذلك فيهما إلا بمقابل المشهور فيغلب على الظن أن قائل المشهور لو أدرك هذا الزمان لم يقل إلا بمقابله لأن الشريعة جاءت بجلب الصالح ودرء المفاسد فضلا من الله ونعمة، ولا بد في الترجيح بهذين الأمرين من أهل الترجيح بإتقان الآلات والقواعد؛ إذ ليست كل مصلحة ومفسدة تعتبر في نظر الشرع بل لا بد من نظر في ذلك بملكة يميز بها بين المعتبر شرعا وغيره. ومن ذلك مسألة بيع المضغوط شيئا لفكاك نفسه بثمنه فالمشهور فيها أنه يرد إليه ما باعه بلا ثمن، ولما كثر الجور وشاع الضغط مال كثير من المحققين من المتأخرين إلى لزومه وهو قول ابن كنانة لأن المضغوطين لا يخلصهم استغاثة ولا شكوى ولا غيرهما إلا إعطاء المال الذي ضغطوا فيه غالبا فالجري على المشهور يؤدي إلى بقائهم في العذاب الأليم أو إلى الهلاك، وإذا كان كذلك فالمحافظة على النفس والعرض مقدمة على المحافظة على المال، ومن ذلك مسألة توجه اليمين في الدعاوي المشهور أنها لا تتوجه إلا بعد ثبوت الخلطة ليلا يتسلط أهل الفجور إلى إلجاء أهل المروءات بالدعاوي الباطلة إلى الأيمان لكي يصالحوهم بمال لأن كثيرا من الناس يستصعبون اليمين إما صونا لرضه أو غير ذلك سوى مسائل تتوجه فيها دون ذلك، ولما كثر إنكار الحقوق وقل الأمان وعزت المروءة حكم الأندلسيون ومن وافقهم بتوجه اليمين وإن لم تثبت خلطة لتنزل فساد أحوال الناس منزلة ثبوت الخلطة، وتوسط بعض المحققين فرأى أنها لا تتوجه بمجرد الدعوى فيما يستبعد كالدعوى على المعروف بالصلاح وعلى المخدرة وذلك حسن، ومن ذلك مسألة البالغ المولى عليه إذا أحسن التصرف في المال فمشهور قولي مالك أنه لا يخرج إلا بالفك عنه. وكان العمل على هذا القول المشهور حتى رأى المتأخرون كثيرا من الناس يتحيلون على تضييع أموال الناس فيكتمون الحجر ويتصرفون بمرأى من أوليائهم بلا نكر حتى إذا بدا لهم أظهروا رسوم التحجير ويقولون نحن محجورون فلا يلزمنا ما عقدناه ولا نغرم ما أتلفناه من المبيعات والأثمان فعدل المتأخرون إلى قول ابن القاسم بلزوم تصرفاتهم، وقد علم أن من قواعد
стр. 136
مالك سد الذرائع فيما يكثر التحيل به على الفساد، ومن ذلك مسألة الأرض تزرع غصبا أو تعديا ولم تقع فيها مفاصلة حتى فات الإبان المشهور أن الزرع لزارعه وعليه كراء المثل للأرض، والشاذ أن الزرع لصاحب الأرض وأفتى به المازري وجماعة من الفقهاء لا رأوا كثرة المتعدي والغصب فيتوصل المتعدي إلى مراده إذا لم يرد رب الأرض أن يكريها فيحرثها بلا إذن ثم يماطل بالمفاصلة حتى يفوت الإبان فيصير رب الأرض مجبورا على كراء المثل فإذا كثر هذا المتعدي في ناحية من البلاد ترجح الشاذ على المشهور حفظا لأموال الناس عن أخذها بغير طيب نفس.
وليحذر المفتي من أمور جرى بها العمل في بعض البلدان ولم يظهر لها مستند الآن منها الفتوى بأن طلاق العوام كله بائن ولو في مدخول بها دون عوض ولا لفظ خلع ولا حكم حاكم، وقصد بعض الطلبة بهذه الفتوى إباحة المطلقة ثلاثا فمن طلق طلقة رجعية ثم أردف الثلاث في العدة يفتونه بعدم لزوم الثلاث وفتواهم باطلة، ومنها الفتوى بثلاث كفارات اليمين بالله في الحلف بالأيمان اللازمة أو جميع الأيمان اعتمادا على من أفتى به من الأئمة المتقدمين وهذا لا يصح لأن السلف لم يكن متعارفا عندهم قصد معنى الطلاق بلفظ اليمين، واليمين المتعارفة عندهم هي الشرعية وهي اليمين بالله فلذا حملوا لفظ الأيمان اللازمة عليها وإن تبدل العرف حملت على المتعارف، ومنها اعتداد المطلقة ذات القروء بثلاثة أشهر ذكر الزقاق وناظم العمليات أنه جرى العمل بذلك بفاس وهي فتوى باطلة لخالفتها لصريح الكتاب والسنة، ومنها قولهم جرى العمل بترك اللعان مطلقا أو للفاسق فكيف لا يمكن الزوج من اللعان لنفي نسب ولد أجنبي مع وجوب نفيه باللعان عليه، وقول ابن عرفة لم ير نصا في حكمه واختار من عند نفسه الوجوب إذا كان لنفي الولد لعل مراده النص على الخصوص، وأما على العموم فلا تخفى مآخذه وقد صرح المفسرون بوجوبه في قوله تعالى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية وقدره المعربون فالواجب شهادة أحدهم أو فعليهم شهادة فإذا قال الزوج للحاكم أردت أداء هذا الواجب فكيف يكون جواب الحاكم؟ ومنها جري العمل بترك العهدتين إن أرادوا مع وجود الشرط أو العادة فهو خلاف المنصوص وإلا فليس مما نحن فيه، ومنها ما جرى به عمل فاس من عدم رد الدابة بالعيب إذا قام به المشتري بعد شهر ولا نعرف لذلك مستندا إلا فتوى صدرت من سيدي عبد الله العبدوسي فجعلوها قاعدة
стр. 137
مطردة واستثنى منها معاصر شيوخنا سيدي الحسن بن رحال الذباب فإنه ترد به الدابة ولو بعد أكثر من شهر لأنه لا يظهر إلا بعد طول وفي العمليات:
وبعد شهر الدواب بالخصوص … بالعيب لا ترد فافهم النصوص
والصواب ركوب جادة المذهب وترك تلك الفتوى خاصة بالنازلة التي وقعت فيها، وأمانة السيد أبي محمد العبدوسي لا تنكر وليست تقتضي أن يترك الذعب كله وتلغى نصوص جميع أئمة المذهب لفتواه التي لا يظهر لها مستند، ولعله راعى شيئا لا يوجد عند من يريد تعدية فتواه والله تعالى أعلم.
واعلم أن أول ما يجب على المفتي إخلاص القصد لوجه الله تعالى وإرادة امتثال أمره فلا يقصد رياء ولا سمعة ليلا يهلك مع الهالكين، وأن يستشعر أنه مخبر عن الله تعالى ونائب عن رسول الله ﷺ في تبليغ أحكام الله للأمة فيحمد الله على أهليته لهذه المنزلة العظيمة ويراعي حقوقها فلا يدنسها بشيء من المنهيات أو ترك المأمورات، ويعتقد أنه مسؤول عن جوابه هل كان عن علم أو جهل وهل أراد به وجه الله تعالى أو غيره، ويقدر نفسه واقفا بين يدي الله تعالى.
واعلم أن من كان يتلقى بالقبول كل ما له هو قائل، فلا أحد أحق منه بالتحري والخوف من الموقف الهائل، قال بعضهم كأنما مالك والله إذا سئل عن مسألة واقف بين الجنة والنار، وقال مالك ﵁ ما شيء أشد علي من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه في بلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدا لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب وعليا وعامة خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل وهم خير القرون الذين بعث فيهم النبي ﷺ وكانوا يجمعون أصحاب النبي ﷺ ويسألون ثم حينئذ يفتون فيها، ويتعين على المفتي المجيز للانتقال من مذهب لآخر أن ينظر فيما يفتي به المنتقل هل في المذهب المنتقل عنه ما يأباه أم لا؟ مثلا إذا
стр. 138
سأل مالكي شافعيا عن ترك الدلك فلا يبيحه له لأنها تبطل باتفاق الإمامين: مالك لعدم الدلك، والشافعي لعدم البسملة، وينبغي للمفتي أن لا يأخذ بظاهر لفظ المسائل العامي حتى يتبين قصده فإن العامة ربما عبروا باللفظ الصريح في معنى عن معنى آخر، وإذا وجد المفتي في آخر السطر من السؤال أومن فتوى من سبقه بياضا فليسده بما يليق به ولا يتركه ليلا يتخذ ذريعة إلى الباطل بزيادة قيد في البياض يتغير الحكم بسببه، وحكي أن بعض الفقهاء المشهورين كتب له من أراد تنقيصه سؤالا عمن مات عن أم وأخ لأم وترك بياضا آخر السطر ثم قال وابن عم فكتب الفقيه للأم الثلث وللأخ للأم السدس وما بقي لابن العم، فلما قبض المسائل الفتوى كتب في البياض وأب ثم دوَّر الفتوى على الناس بالكوفة وقال انظروا إلى فلان حجب الأب بابن العم، فقال أصحابه مثله ما يجهل هذا فقال هذا خطه شاهدا عليه فوقعت فيه فتنة عظيمة بين فئتين عظميتين من الفقهاء، ولا يفتي السائل إن اتهمه أنه أراد بالفتوى توصلا إلى باطل فإن كان ولابد فلينبه فيها على وجوب اجتناب ذلك الباطل كمن قتل له قتيل وأراد إثارة الفتنة فيسأل هل لولي المقتول المطالبة بدمه، فإذا أفتي بذلك يذهب لقبيلة يستنصر بها ويقول أفتاني العلماء بأن الطلب يجوز لي فيزحف إلى قبيلة القاتل فتقع فتنة عظيمة فهذا ترك الفتوى له أولى، وإن أفتى زاد في الجواب إن كانت المطالبة تؤدي إلى الفتنة فليس للولي المطالبة. ومثل هذا كثير فليتحرز منه الفقيه فإن الفقهاء أمناء الله على خلقه فمتى علم الفقيه قصدهم اتخاذه سلما للخيانة فلا يساعدهم بل يحتاط على أداء الأمانة على وجه يرضي الرب وإلا كان خائنا ممقوتا والعياذ بالله تعالى.
وليبذل المفتي جهده في تحري الصواب فإذا أراد أن يخرِّج فليبحث وليجتهد في مطالعة النصوص ليلا يكون فيها ما ينافي مقتضى التخريج، إذ لا يعمل بالمخرج مع وجود النص، ثم يبحث في قواعد الإجماع وقواعد مذهبه هل فيها ما يقتضي فرقا بين الفرع والأصل فمتى وجد فرقا أو شك فيه حرم القياس، ثم ينظر في قواعد القياس وأركانه وما يتعلق بكل منها وفي القواعد المخلة بالدليل. ولهذا لا يجوز التخريج إلا لمن هو شديد الاستحضار لقواعد مذهبه وقواعد الإجماع، وكان واسع الاطلاع على نصوص مذهبه وكانت له معرفة بعلم الأصول وعلوم العربية وفهم حسن وإلا امتنع التخريج، وإذا أراد الفتوى بالمنصوص فلا بد أن يكون له من الاطلاع على المنقول ما لا
стр. 139
يخفى معه تقييد أو تخصيص وإلا منع أن يفتي، وإن حفظ نص المسألة إلا إذا كان النص قد نقله وأبقاه على ظاهره من عرف من الأئمة بالتخصيص والتقييد فله الفتوى به تقليدا لناقله لأن الغالب أنه لو كان هناك مقيد أو مخصص لنقله على حسب ما عرف من عادته، وينبغي له أن يلتزم خطا واحدا وعلامة واحدة لأن التنويع قد يكون سببا للتزوير عليه وأن لا يكون قلمه في غاية الغلظ فيضيع ورق السائل، ولا في غاية الرقة فتعسر قراءته، وأن لا يبالغ في التعريف أو يختصر بعض الحروف، وأن يتأدب مع من هو أعلى منه إن كان كتب قبله، فيكتب الموافقة تحته لا فوقه أو عن جانبه إلا إذا ضاق المحل، ولكل قوم عرف في الأدب فليعتبر ذلك وإذا جاءته فتوى من لا يصلح للإفتاء لقلة علمه فلا يكتب معه وإن كان الجواب صحيحا ليلا يظن أنه أهل للفتوى، ولا ينبغي أن يكتب في الفتوى ما لا تدعو الحاجة إليه لأن الورق ملك للسائل ولم يأذن له في الزيادة إلا ما تعلق به مصلحة للسائل، أو ما جرت به العادة من الزيادة اليسيرة كقوله آخر الجواب والله تعالى أعلم، ولا ينبغي أن يضع هذا اللفظ ونحوه إلا ناويا به الذكر لأن استعمال ألفاظ الذكر لا على وجه الذكر والتعظيم لله قلة أدب مع الله تعالى، ومما يحسن تركه قول المفتي إن ثبت ما في السؤال فالجواب كذا وينوي الاقتداء بالنبي ﷺ . فقد قال لهند بنت عتبة (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (١)) ولم يقل لها إن ثبت ما قلت. فينبغي للمفتي حذفه للعلم به وقد تتأكد زيادته كما إذا كان المسائل يعتقد أن الفتوى تكفيه عن الإثبات أو أنها تحل الحرام نعوذ بالله من الضلال، وإذا سبق بفتوى تحقق أنها خطأ فلا يسكت عليها لأنها منكر تجب إزالته فيزيله وإن كره السائل لكن بتلطف فإن علم أن المفتي الأول يرضى بالتنبيه عليها ويزيلها فليبعثها إليه سرا يغيرها وإن خشي أن يأنف ويصر فليبادر بتغييرها ولا يخاف في الله لومة لائم فإن الحق أحق أن يتبع، ولكن يقتصر في ردها على الحاجة، ويقصد امتثال أمر الله تعالى في الهداية إلى سبيله وإن وجد خللا يعلم أنه من سبق القلم كلحن أو إسقاط حرف فليصلحه هو بيده ولا يبعثه إليه، وإذا كان السائل عاميا مسترشدا فليقتصر في الجواب
стр. 140
على ما تجب به الفتوى فإن طلب في السؤال جلب نص المسألة أو توقع نزاع منازع فيها فليأت بالنص معزوا لناقله بلفظه وهو أحوط أو بمعناه لغرض إيضاح أو اختصار بشرط أن لا يغير من المعنى شيئا ولا ينقص ولا يزيد، وإن كان السؤال في مهمات الدين ومصالح المسلمين وله تعلق بولاة الأمور فيحسن من المفتي الإسهاب والإطناب في الجواب والمبالغة في إظهار الحق بالعبارة السريعة للفهم والتهديد على الجناة والحض على المبادرة لتحصيل المصالح ودرء المفاسد وبسط الأدلة على ذلك، وإذا كان في المسألة قول فيه تخفيف وآخر فيه تشديد فلا ينبغي أن يفتي العامة بالتشديد وولاة الأمر بالتخفيف فإن ذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين، وإذا كانت المسألة من دقائق العلوم والسائل ممن لا يعنيه الخوض في ذلك فلا يجيبة بل يرشده إلى الاشتغال بما يعنيه من أمور عبادته ومعاملاته وإن فهم منه أنه عرضت له شبهة في عقائده فليقبل عليه وليتلطف في إزالتها ولو بالأدلة الإقناعية دون البراهين ويضرب له الأمثال بلغته والأحسن أن يكون باللسان لأن اللسان كما قيل حي والقلم ميت والخلق عيال الله وأقربهم إليه أنفعهم لعياله، وينبغي له تحسين الزي والهيئة على القانون الشرعي فإن الخلق مجبولون على تعظيم الصور الجميلة فيكثر الاهتداء به، وأن يكون حسن السيرة والسريرة فمن أسر سريرة كساه الله رداءها، ويقصد بذلك التوسل إلى إيصال الحق. وقد ذكر بعض الأئمة أنه نهى قوما عن منكر أو أمرهم بمعروف فلم يبالوا به وكان لابسا ثيابا غير الفاخرة المعروفة للعلماء فذهب ولبس ثياب العلماء ورجع إليهم فنهاهم أو أمرهم فامتثلوا، وقال تعالى حكاية عن الخليل صلاة الله وسلامه على نبينا وعليه ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال العلماء أي ذكرا حسنا وثناء جميلا ليقتدي الناس بي وقد استنبط بعض العلماء من قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية أنه يستحب للعلماء تحسين اللباس وتكبير العمائم ليعظموا في نفوس العامة فيمتثلوا ما بلغوا لهم من أمر ونهي، وينبغي له أن يكون كثير الورع قليل الطمع وليبدأ بنفسه في كل خير يفتي به فهو أصل استقامة الخلق لفعله، وأن يكون جلدا في دين الله صدوعا بالحق لا تأخذه في الله لومة
стр. 141
لائم، وأن يجتهد في إيصال الحق بالتلطف إن أمكن فهو أولى لخبر (من أمر منكم بالمعروف فليكن أمره ذلك بالمعروف (١)) وقال تعالى ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ الآية. هذا هو الأصل وفي بعض الأحوال يتعين الإغلاظ والمبالغة في النكير إذا كان اللين يوهن الحق ويدحضه فليفعل ما يتجه له في تلك الحالة مما هو أنفع الطرق وأقربها لرواج الصواب.
واعلم أن أخذ الأجرة على نفس الفتوى وكذا القضاء ممنوع إجماعا إلا إن كان من حبس عليه أو بيت مال مستقيم، وأنَّ أخذها على كتب الفتوى ممنوع أيضا إن أخذ أكثر من معتاد عمله، وكاغده إن كان الكاغد من عنده وأن أخذها على الكتب إن أخذ قدر عمله فقط غير ممنوع لكنه مرجوح صيانة للدين والعرض، ويتأكد اجتنابه على الورع لأن الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه وبالله التوفيق. قال البرزلي وأما الإجارة على الفتيا فنقل المازري الإجماع على منعها وكذلك القضاء، وأما قول عبد الحميد لو أتى خصمان إلى قاض فأعطياه أجرا على الحكم بينهما أو أتى رجل إلى المفتي فأعطاه أجرا على فتوى لم تتعلق بها خصومة ولم يتعين ذلك عليهما لوجود من يقوم به غيرهما فأي شيء يمنع من أخذ الأجرة في ذلك ولا يجسر على التصريح به فهو بحث لم يصرح صاحبه بالجواز على أنه لو صرح به لم يصح الاعتداد به لمصادمته الإجماع، والمستدل بالإجماع لا يطالب بدليل ولعل عبد الحميد لم يثبت عنده الإجماع؛ وإذ قد ثبت عند غيره فلا عبرة ببحثه ومما لا يحل ولا يجوز بإجماع أخذ الجعائل على الفتوى في رد المطلقة ثلاثا ونحوها من الرخص كما يفعله كثير من جهلة فقهاء البادية، وكذا لو تنازع عندد اثنان فأهديا إليد جميعا أو أحدهما يرجو كل أن يعينه في حجة أو في خصومة إذا كان ممن يسمع ويوقف عند قوله فلا يحل له أن يأخذ منهما ولا من أحدهما شيئا على ذلك، وأما ما أهي للفقيه من غير حاجة فجائز له قبوله قال جميعه الشيخ الهلالي، وساق من المنقول ما فيه كفاية. وسئل اليزناسني عن طالب أجاب في مسألة بجواب غير صحيح هل يترك هو وأمثاله للفتوى للناس والتقول على العلم وتعاطي ما لا يعلم وهل يؤدب درءا للمفسدة أم لا فأجاب؟ بأنه
стр. 142
إن خالف ما أجمع عليه فعقوبته واجبة ويبعد درءها عنه بالجهل لتكذيبه ذلك لانتصابه للفتيا؟ وإن خالف المشهور فكذلك بعد التقدم إليه في العودة لتعلق كل من الخصمين في العمل له بالمشهور: وإن حمل السائل على الشاذ في العبادة ونحوها مما لم تتعلق به خصومة فكذلك لأنه غش في أمر ديني فعقوبته أكثر وأوجب من عقوبة الغاش في الأمور المالية انتهى. ثم قال اليزناسني بعد كلام وقد قدمنا عن المازري عقوبة من ليس بأهل للفتيا ولعله جار في فتياه على الطريق والمنهج الشرعي فكيف بمن ذكر في السؤال في خطإه وجرءته انتهى والنصوص على تأديب المفتي دون أهلية كثيرة ومن أتلف بفتواه فإن كان مجتهدا فلا شيء عليه بشرط أن يبذل جهده ويستفرغ وسعه في طلب الحق، وأما إن قصر فهو متعد. والظاهر أن المراد بالمجتهد هنا من هو أعلم من المطلق والمقيد وإلا فقال المازري يضمن ما أتلف، ويجب على الحاكم التغليظ عليه وإن أدبه فأهل إلا أن يكون تقدم له اشتغال بالعلم فيسقط عنه الأدب وينهى عن الفتوى إذا لم يكن أهلا، ونقل البرزلي عن الشعبي أنه يضمن وهذا عندي في المفتي الذي يجب تقليده المنتصب، وأما غيره فكالغرور بالقول ويجري على أحكامه.
فتحصل أن المفتي المنتصب لذلك يضمن وأما غير المنتصب ففيه قولان انتهى. وتنقض أحكام القاضي إن كان بهذه المنزلة لكونه غير متأهل للقضاء ولو عوقب لكان أهلا لأن ذلك قادح في عدالته ومشعر بتساهله وقلة مبالاته وتحفظه وفي العميري على العمليات الفاسية أن الإنسان يجتهد لنفسه فيعمل بالمتفق عليه في المذهب فإن لم يجد فالقوي من الخلاف، ويقدم الراجح في مذهبه على غيره ويقدم الراجح الخارج عن المذهب على الشاذ في المذهب ثم يعمل بالشاذ ولا يخرج عن أقاويل العلماء، فإن قيل كيف يتصور وجود شاذ بدون قوي يقابله فالجواب أن معنى كونه لم يوجد أنه لم يجد سبيلا إلى العمل بالقوي لتعذره أو تعسره عليه لا أنه لم يجده أصلا انتهى. وقال الشيخ الأمير حاصل ما في الحطاب أن من أتلف بفتواه مجتهدا لا يضمن ومقلدا يضمن إن انتصب أو تولى فعل ما أفتى فيه وإلا فغرور قول لا ضمان فيه ويزجر وإن لم يتقدم له اشتغال بالعلم أدب. فأجبت الفاء عاطفة سببية تفيد عدم التراخي المضر بالسائل لأن خير الخير أعجله يقال سألت فلانا كذا متعديا إلى اثنين أي طلبته فأجابني أو أجاب سؤالي، وفي الحديث
стр. 143
(أجيبوا الداعي وفكوا العاني (١)) فتتعدى الإجابة إلى الداعي نفسه وإلى دعوته وسؤاله، وإذا كان السؤال بمعنى الاستفهام تعدت الإجابة إلى السؤال بعن، تقول سألته عن كذا وكذا فأجاب عن سؤالي فالإجابة بالمعنى الأول إعطاء المسؤول، وفي الثاني الإخبار على وفق المأمول ومصدر أجاب إجابة وجابة والجابة اسم مصدر، ومنه المثل أساء سمعا فأساء جابة كطاعة وطاقة من أطاع وأطاق والجواب اسم لما يجاب به. سؤالهم مصدر سأل يجمع على اسألة وأسولة ويقال هما يتساولان، ويقال سال كخاف يَسَال كيخاف كما يقال سأك يسأل كمنع يمنع والسول والسولة بالضم ما سألته. ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ وإجابة المؤلف تحتمل بالشروع في المسئول إن قدم الخطبة أو بإكماله إن أخرها. بعد متعلق بأجبت. استخارة هي طلبك من الله أن يختار لك خير الأمرين من الفعل أو الترك يقال خار الله الأمر كباع اختاره قال الشاعر:
نعم الكرام على ما كان من خلق … رهط امرئ خاره للدين مختار
وبمصدره سمي الخير لكل ما يرغب فيه ضد الشر، والخيرة كعنبة والخيار الاختيار ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي لم يكن لهم الاختيار وأخار الله لك اختار لك، وحكم الاستخارة الاستحباب ويستحب تقديم المشاورة قبلها ويشاور من هو أعلم منه أو مساوٍ له أو دونه فإن لم يجد من يصلح للمشاورة اقتصر على الاستخارة قال تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وقال الشاعر:
شاور أخاك إذا نابتك نائبة … يوما وإن كنت وإن أهل المشورات
فالعين تبصر ما منها نأى ودنا … ولا ترى نفسها إلا بمرءاة
وكيفية الاستخارة السنية ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن. إذا هم أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي
стр. 144
ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنة وقدر لِيَ الخير حيث كان ثم رضني به، قال ويسمي حاجته (١)).
واعلم أنه تنبغي المحافظة على ألفاظ الاستخارة لاغتنام السر الذي في ألفاظه ﷺ حتى عند مجيزي الرواية بالمعنى، فلا تبدل بغيرها ولا يزاد عليها ولا ينقص منها ويحتمل أن يكون هذا كله هو مراد الراوي حيث شبه بالسورة من القرآن، ويفهم ذلك من قوله أو قال عاجل أمري وآجله إذ هو شك من الراوي يحتمل أن يكون مراده أنه ﷺ قاله بدلا عن الثلاثة قبله أو عن الثاني والثالث، ولهذا قال الكرماني لا يكون الداعي جازما بما قاله ﷺ إلا إذا دعا ثلاث مرات يقول مرة خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لخ وكذا في مقابل الخير ويقول مرة أخرى خير لي في عاجل أمري وآجله ويقول مرة أخرى خير لي في ديني وعاجل أمري وآجله، ونظر فيه ابن حجر بما لم يظهر لي وجهه قاله الشيخ الهلالي: قول الراوي كان رسول الله ﷺ لخ يدل على تأكيد الاستخارة وتعلمها وتعليمها وفي هذا التشبيه من الدلالة على كمال العناية ما لا يخفى وهي من أفضل الفوائد وأسنى المواهب فلا ينبغي لعاقل أن يهملها ليقدم على كل أموره بربه وما يفعله بعض الناس من الحلومات والنظر للمنامات ربما كان مضرا بصاحبه ويستخير على ما ورد في الصحيح وينظر للتيسير قاله الشيخ زروق، وقوله في الأمور كلها متعلق بالاستخارة لا بيعلمنا كما هو واضح فيستفاد منه أنها تكون في أمور الدين والدنيا لكن فيما للمرء مندوحة عن فعله وتركه ولم يعلم ترجيحه فلا تكون في الواجب العيني ولا في المحرم ولا في المكروه، وتكون في المباح وفي المندوب إذا تعارض خاطر فعله وخاطر مندوب آخر ولم يرجح أحدهما بدليل شرعي، وإلا فعل ما رجحه الشرع ولا تكون بين مندوب ومباح، وفرض الكفاية كالمندوب في ذلك كله ومنه استخارة المؤلف لأن تأليف العلم النافع فرض كفاية ومحلها كما يؤخذ من قوله ﷺ (إذا هم (٢)) قبل تمام العزم والتصميم
стр. 145
فإن صمم قبلها فات فعلها إلا إن قدر على رفض التصميم حتى يرجع إلى حالة مطلق الهم، ولا تطلب بأول الخطور ولا تنفع بعد التصميم وقوله (ركعتين من غير الفريضة (١)) شامل للسنن والرغائب وغيرهما فلا يشترط أن تكونا لخصوص الاستخارة لكن لابد من نيتها عند الشروع في الصلاة كما دلت عليه فاء السببية: فلو طرأت بعد أن صلى فلا تجزئه تلك الصلاة عن ركعتي الاستخارة، ويحتمل أن المراد من غير الفريضة وما تعلق بها فلا تدخل الرواتب كركعتي الفجر مثلا وينبغي أن ينوي عند الشروع في الصلاة أنه يقرع بهما باب المولى الكريم ليختار له خير الأمرين مستحضرا ذلة العبودية وعظمة الربوبية راجيا فضله تعالى راضيا بما يقضيه له معتقدا فيه الخير وإن لم يظهر له في الحال فسيحمد عاقبته متبرئًا من حوله وقوته مفوضا إليه تعالى أمر، وتكفيه الفاتحة وحدها أو مع سورة ما لكن قال النووي يستحب أن يقرأ بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الأولى و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثانية، واستحب بعضهم أن يزيد في الأولى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ الآية، وفي الثانية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ومن تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء ولا بأس أن يستخير الإنسان لغيره فيرجى له الانتفاع بدعاء المستخير فيختار الله له.
ويستحب ابتداء الدعاء وختمه بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وقوله أستخيرك فيه حذف أي أستخيرك فيما هممت به، وقوله وأستقدرك معناه أسألك أن تقدر لي الخير أي تيسره لي، وقيل أن تجعله في قدرتي: والباء في بعلمك وبقدرتك إما للتعليل أو للاستعانة أو للاستعطاف، ومن في قوله من فضلك إما للتعليل والمفعول الثاني محذوف أي أسألك أن تختار لي من أجل فضلك المحض إذ لا يستحق أحد عليك شيئا وإما للتبعيض ومدخولها هو المفعول الثاني أي أسألك بعض فضلك ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقوله فإنك الفاء سببية ومسبب مدخولها مضمن الأفعال قبلها ولعل التأكيد بإنَّ لا يختص برفع الشك والإنكار من المخاطب ولا من المتكلم بل قد يكون أيضا لرفعهما من غيرهما نحو قول الموحد إنك على كل شيء قدير، وقوله