← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

لائم، وأن يجتهد في إيصال الحق بالتلطف إن أمكن فهو أولى لخبر (من أمر منكم بالمعروف فليكن أمره ذلك بالمعروف (١)) وقال تعالى ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ الآية. هذا هو الأصل وفي بعض الأحوال يتعين الإغلاظ والمبالغة في النكير إذا كان اللين يوهن الحق ويدحضه فليفعل ما يتجه له في تلك الحالة مما هو أنفع الطرق وأقربها لرواج الصواب. واعلم أن أخذ الأجرة على نفس الفتوى وكذا القضاء ممنوع إجماعا إلا إن كان من حبس عليه أو بيت مال مستقيم، وأنَّ أخذها على كتب الفتوى ممنوع أيضا إن أخذ أكثر من معتاد عمله، وكاغده إن كان الكاغد من عنده وأن أخذها على الكتب إن أخذ قدر عمله فقط غير ممنوع لكنه مرجوح صيانة للدين والعرض، ويتأكد اجتنابه على الورع لأن الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه وبالله التوفيق. قال البرزلي وأما الإجارة على الفتيا فنقل المازري الإجماع على منعها وكذلك القضاء، وأما قول عبد الحميد لو أتى خصمان إلى قاض فأعطياه أجرا على الحكم بينهما أو أتى رجل إلى المفتي فأعطاه أجرا على فتوى لم تتعلق بها خصومة ولم يتعين ذلك عليهما لوجود من يقوم به غيرهما فأي شيء يمنع من أخذ الأجرة في ذلك ولا يجسر على التصريح به فهو بحث لم يصرح صاحبه بالجواز على أنه لو صرح به لم يصح الاعتداد به لمصادمته الإجماع، والمستدل بالإجماع لا يطالب بدليل ولعل عبد الحميد لم يثبت عنده الإجماع؛ وإذ قد ثبت عند غيره فلا عبرة ببحثه ومما لا يحل ولا يجوز بإجماع أخذ الجعائل على الفتوى في رد المطلقة ثلاثا ونحوها من الرخص كما يفعله كثير من جهلة فقهاء البادية، وكذا لو تنازع عندد اثنان فأهديا إليد جميعا أو أحدهما يرجو كل أن يعينه في حجة أو في خصومة إذا كان ممن يسمع ويوقف عند قوله فلا يحل له أن يأخذ منهما ولا من أحدهما شيئا على ذلك، وأما ما أهي للفقيه من غير حاجة فجائز له قبوله قال جميعه الشيخ الهلالي، وساق من المنقول ما فيه كفاية. وسئل اليزناسني عن طالب أجاب في مسألة بجواب غير صحيح هل يترك هو وأمثاله للفتوى للناس والتقول على العلم وتعاطي ما لا يعلم وهل يؤدب درءا للمفسدة أم لا فأجاب؟ بأنه

стр. 142

إن خالف ما أجمع عليه فعقوبته واجبة ويبعد درءها عنه بالجهل لتكذيبه ذلك لانتصابه للفتيا؟ وإن خالف المشهور فكذلك بعد التقدم إليه في العودة لتعلق كل من الخصمين في العمل له بالمشهور: وإن حمل السائل على الشاذ في العبادة ونحوها مما لم تتعلق به خصومة فكذلك لأنه غش في أمر ديني فعقوبته أكثر وأوجب من عقوبة الغاش في الأمور المالية انتهى. ثم قال اليزناسني بعد كلام وقد قدمنا عن المازري عقوبة من ليس بأهل للفتيا ولعله جار في فتياه على الطريق والمنهج الشرعي فكيف بمن ذكر في السؤال في خطإه وجرءته انتهى والنصوص على تأديب المفتي دون أهلية كثيرة ومن أتلف بفتواه فإن كان مجتهدا فلا شيء عليه بشرط أن يبذل جهده ويستفرغ وسعه في طلب الحق، وأما إن قصر فهو متعد. والظاهر أن المراد بالمجتهد هنا من هو أعلم من المطلق والمقيد وإلا فقال المازري يضمن ما أتلف، ويجب على الحاكم التغليظ عليه وإن أدبه فأهل إلا أن يكون تقدم له اشتغال بالعلم فيسقط عنه الأدب وينهى عن الفتوى إذا لم يكن أهلا، ونقل البرزلي عن الشعبي أنه يضمن وهذا عندي في المفتي الذي يجب تقليده المنتصب، وأما غيره فكالغرور بالقول ويجري على أحكامه. فتحصل أن المفتي المنتصب لذلك يضمن وأما غير المنتصب ففيه قولان انتهى. وتنقض أحكام القاضي إن كان بهذه المنزلة لكونه غير متأهل للقضاء ولو عوقب لكان أهلا لأن ذلك قادح في عدالته ومشعر بتساهله وقلة مبالاته وتحفظه وفي العميري على العمليات الفاسية أن الإنسان يجتهد لنفسه فيعمل بالمتفق عليه في المذهب فإن لم يجد فالقوي من الخلاف، ويقدم الراجح في مذهبه على غيره ويقدم الراجح الخارج عن المذهب على الشاذ في المذهب ثم يعمل بالشاذ ولا يخرج عن أقاويل العلماء، فإن قيل كيف يتصور وجود شاذ بدون قوي يقابله فالجواب أن معنى كونه لم يوجد أنه لم يجد سبيلا إلى العمل بالقوي لتعذره أو تعسره عليه لا أنه لم يجده أصلا انتهى. وقال الشيخ الأمير حاصل ما في الحطاب أن من أتلف بفتواه مجتهدا لا يضمن ومقلدا يضمن إن انتصب أو تولى فعل ما أفتى فيه وإلا فغرور قول لا ضمان فيه ويزجر وإن لم يتقدم له اشتغال بالعلم أدب. فأجبت الفاء عاطفة سببية تفيد عدم التراخي المضر بالسائل لأن خير الخير أعجله يقال سألت فلانا كذا متعديا إلى اثنين أي طلبته فأجابني أو أجاب سؤالي، وفي الحديث

стр. 143

(أجيبوا الداعي وفكوا العاني (١)) فتتعدى الإجابة إلى الداعي نفسه وإلى دعوته وسؤاله، وإذا كان السؤال بمعنى الاستفهام تعدت الإجابة إلى السؤال بعن، تقول سألته عن كذا وكذا فأجاب عن سؤالي فالإجابة بالمعنى الأول إعطاء المسؤول، وفي الثاني الإخبار على وفق المأمول ومصدر أجاب إجابة وجابة والجابة اسم مصدر، ومنه المثل أساء سمعا فأساء جابة كطاعة وطاقة من أطاع وأطاق والجواب اسم لما يجاب به. سؤالهم مصدر سأل يجمع على اسألة وأسولة ويقال هما يتساولان، ويقال سال كخاف يَسَال كيخاف كما يقال سأك يسأل كمنع يمنع والسول والسولة بالضم ما سألته. ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ وإجابة المؤلف تحتمل بالشروع في المسئول إن قدم الخطبة أو بإكماله إن أخرها. بعد متعلق بأجبت. استخارة هي طلبك من الله أن يختار لك خير الأمرين من الفعل أو الترك يقال خار الله الأمر كباع اختاره قال الشاعر: نعم الكرام على ما كان من خلق … رهط امرئ خاره للدين مختار وبمصدره سمي الخير لكل ما يرغب فيه ضد الشر، والخيرة كعنبة والخيار الاختيار ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي لم يكن لهم الاختيار وأخار الله لك اختار لك، وحكم الاستخارة الاستحباب ويستحب تقديم المشاورة قبلها ويشاور من هو أعلم منه أو مساوٍ له أو دونه فإن لم يجد من يصلح للمشاورة اقتصر على الاستخارة قال تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وقال الشاعر: شاور أخاك إذا نابتك نائبة … يوما وإن كنت وإن أهل المشورات فالعين تبصر ما منها نأى ودنا … ولا ترى نفسها إلا بمرءاة وكيفية الاستخارة السنية ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال (كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن. إذا هم أحدكم بأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي

стр. 144

ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنة وقدر لِيَ الخير حيث كان ثم رضني به، قال ويسمي حاجته (١)). واعلم أنه تنبغي المحافظة على ألفاظ الاستخارة لاغتنام السر الذي في ألفاظه ﷺ حتى عند مجيزي الرواية بالمعنى، فلا تبدل بغيرها ولا يزاد عليها ولا ينقص منها ويحتمل أن يكون هذا كله هو مراد الراوي حيث شبه بالسورة من القرآن، ويفهم ذلك من قوله أو قال عاجل أمري وآجله إذ هو شك من الراوي يحتمل أن يكون مراده أنه ﷺ قاله بدلا عن الثلاثة قبله أو عن الثاني والثالث، ولهذا قال الكرماني لا يكون الداعي جازما بما قاله ﷺ إلا إذا دعا ثلاث مرات يقول مرة خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لخ وكذا في مقابل الخير ويقول مرة أخرى خير لي في عاجل أمري وآجله ويقول مرة أخرى خير لي في ديني وعاجل أمري وآجله، ونظر فيه ابن حجر بما لم يظهر لي وجهه قاله الشيخ الهلالي: قول الراوي كان رسول الله ﷺ لخ يدل على تأكيد الاستخارة وتعلمها وتعليمها وفي هذا التشبيه من الدلالة على كمال العناية ما لا يخفى وهي من أفضل الفوائد وأسنى المواهب فلا ينبغي لعاقل أن يهملها ليقدم على كل أموره بربه وما يفعله بعض الناس من الحلومات والنظر للمنامات ربما كان مضرا بصاحبه ويستخير على ما ورد في الصحيح وينظر للتيسير قاله الشيخ زروق، وقوله في الأمور كلها متعلق بالاستخارة لا بيعلمنا كما هو واضح فيستفاد منه أنها تكون في أمور الدين والدنيا لكن فيما للمرء مندوحة عن فعله وتركه ولم يعلم ترجيحه فلا تكون في الواجب العيني ولا في المحرم ولا في المكروه، وتكون في المباح وفي المندوب إذا تعارض خاطر فعله وخاطر مندوب آخر ولم يرجح أحدهما بدليل شرعي، وإلا فعل ما رجحه الشرع ولا تكون بين مندوب ومباح، وفرض الكفاية كالمندوب في ذلك كله ومنه استخارة المؤلف لأن تأليف العلم النافع فرض كفاية ومحلها كما يؤخذ من قوله ﷺ (إذا هم (٢)) قبل تمام العزم والتصميم

стр. 145

فإن صمم قبلها فات فعلها إلا إن قدر على رفض التصميم حتى يرجع إلى حالة مطلق الهم، ولا تطلب بأول الخطور ولا تنفع بعد التصميم وقوله (ركعتين من غير الفريضة (١)) شامل للسنن والرغائب وغيرهما فلا يشترط أن تكونا لخصوص الاستخارة لكن لابد من نيتها عند الشروع في الصلاة كما دلت عليه فاء السببية: فلو طرأت بعد أن صلى فلا تجزئه تلك الصلاة عن ركعتي الاستخارة، ويحتمل أن المراد من غير الفريضة وما تعلق بها فلا تدخل الرواتب كركعتي الفجر مثلا وينبغي أن ينوي عند الشروع في الصلاة أنه يقرع بهما باب المولى الكريم ليختار له خير الأمرين مستحضرا ذلة العبودية وعظمة الربوبية راجيا فضله تعالى راضيا بما يقضيه له معتقدا فيه الخير وإن لم يظهر له في الحال فسيحمد عاقبته متبرئًا من حوله وقوته مفوضا إليه تعالى أمر، وتكفيه الفاتحة وحدها أو مع سورة ما لكن قال النووي يستحب أن يقرأ بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الأولى و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثانية، واستحب بعضهم أن يزيد في الأولى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ الآية، وفي الثانية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ومن تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء ولا بأس أن يستخير الإنسان لغيره فيرجى له الانتفاع بدعاء المستخير فيختار الله له. ويستحب ابتداء الدعاء وختمه بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وقوله أستخيرك فيه حذف أي أستخيرك فيما هممت به، وقوله وأستقدرك معناه أسألك أن تقدر لي الخير أي تيسره لي، وقيل أن تجعله في قدرتي: والباء في بعلمك وبقدرتك إما للتعليل أو للاستعانة أو للاستعطاف، ومن في قوله من فضلك إما للتعليل والمفعول الثاني محذوف أي أسألك أن تختار لي من أجل فضلك المحض إذ لا يستحق أحد عليك شيئا وإما للتبعيض ومدخولها هو المفعول الثاني أي أسألك بعض فضلك ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقوله فإنك الفاء سببية ومسبب مدخولها مضمن الأفعال قبلها ولعل التأكيد بإنَّ لا يختص برفع الشك والإنكار من المخاطب ولا من المتكلم بل قد يكون أيضا لرفعهما من غيرهما نحو قول الموحد إنك على كل شيء قدير، وقوله

стр. 146

ولا أقدر معطوف على الكبرى لا الصغرى وَلا إشكال في الإتيان بإن الشكية لأن متعلق الشك خيرية الأمر وشريته لا نفس العلم وقوله هذا الأمر زاد بعده في رواية أبي داود (ويسميه بعينه (١)) والظاهر أنه يسميه في هذا المحل نفسه بدليل ذكره هنا في رواية أبي داود وبدليل التصريح به في استخارة الزواج فيقول مثلا إن كنت تعلم أن هذا الأمر، وهو سفري لبلد كذا أو اشتغالي بتأليف كذا، أو يختصر فيقول إن كنت تعلم أن سفري لبلد كذا أو اشتغالي بكذا كما جاء في استخارة أن فلانة، وقوله خيرٌ لي بالرفع خبر أن وبالنصب على رواية إسقاط أن مفعول ثان لتعلم، وقوله في ديني في تقديمه على المعاش تنبيه على أن العاقل يكون أهم شؤونه عليه دينه الذي من الله به عليه فيقدمه على جميع مهماته، وتقديم المعاش وهو الحياة الدنيا على العاقبة التي هي الأخرى فلمراعاة الوجود الخارجي مع أن تقديم الدين أغنى عن تقديم الآخرة لمئاله إليها، وقوله فاقدره لي بضم الدال وكسرها يقال قدر الله الأمر كنصر وضرب وقدره تقديرا بمعنى وقرئ بهما ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ والتقدير يأتي بمعنى التهيئة وبمعنى التيسير وبمعنى خلق القدرة على الشيء وبمعنى إيجاد الشيء على مقدار مخصوص حسب ما اقتضته الإرادة وبمعنى التخصيص الأزلي، ولا تصح هنا إرادة المعنى القديم وتصح إرادة ما سواه وإن أريد المعنى الثاني كان عطف التيسير من عطف التفسير، والواو في قوله ومعاشي وعاقبة أمري وفي قوله وآجله بمعنى أو في جانب الشر وعلى بابها في جانب الخير قاله ابن حجر الهيثمي وهو ظاهر متعين قاله الشيخ الهلالي، وقوله اصرفه عني معناه نفي الأمر بأن لا يُفعَل، وقوله واصرفني عنه معناه صرف القلب عن الأمر بأن لا يبقى متعلقا به فلا تكرار؛ أي اجعلني راضيا بما قدرت لي بأن تسكن إليه نفسي ويطمئن إليه قلبي ثقة باختيارك، قال الشيخ ابن أبي جمرة قال الصوفية من استخار في شيء وقضي له فيه قضاء ولم يرض فإنه عندهم من الكبائر التي تجب التوبة منها والإقلاع لأنه من سوء الأدب، واختلف فيما يفعله بعد الاستخارة فقال ابن عبد السلام والسبكي وغيرهما: إذا استخار يقدم على ما يريد ولا ينتظر شيئا آخر وقال النووي يمضي لما ينشرح له صدره وعلى هذا إذا لم ينشرح

стр. 147

لشيء يتوقف ويكرر الاستخارة فإن لم يمكن التأخير نظر للتيسير فهو من علامات الإذن فيفعل ما تيسر له، وظاهر كلام الشيخ زروق المتقدم أنه لا ينظر إلا إلى التيسير، وقيل لما يسبق بعد الاستخارة إلى قلبه فإن الخير فيه وورد بذلك حديث وفيه (أنه يستخير سبعا (١)) قال ابن حجر وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد ولكن سنده واه جدا، وقوله ﷺ (إذا هم (٢)) وفي رواية (إذا أراد (٣)) يقتضي أنه لا يستخير بعد الخطور وقبل الهم فأحرى قبل الخطور ولهذا أنكر ابن حجر الاستخارة الشائعة عند كثير من الصوفية المستعملة في كل صباح لجميع ما يفعله الإنسان من الصباح إلى الصباح الذي يليه، ولكن ألف العلامة الشيخ إبراهيم الكوراني في استحسانها والرد على منكرها. قول المصنف رحمه الله تعالى. مشيرا حال من فاعل أجبت قال الشيخ الهلالي وأصل الإشارة ونحوها أن يفعل ما يدل على معنى القول، ثم توسعوا فيها فيما هو أعم كإفادة المعنى بلفظ غير صريح فيه ومنه كلام المص بفيها أي بنحو ضمير فيها ففيه حذف مضافين من كل ضمير غائب مؤنث متصل بارز مجرور بفي، أو بمن أو بمضاف نحو وفيها كراهة العاج والمأخوذ منها الجبر وظاهرها العفو، أو مستتر نحو رويت وحملت وقيدت. للمدونة اللام للانتهاء وإشارته تارة للأم وتارة للتهذيب إما للاستشهاد أو الاستشكال نحو وفيها كراهة العاج، وفيها أكل ما دق عنقه أو لإفادة الحكم نحو وفيها ندب تأخير العشاء قليلا قاله الشيخ الهلالي، وليس عود الضمير عليها فيما يأتي من إعادة الضمير على غير مذكور لتقدم ذكرها هنا والمدونة علم للكتاب أصله من دونت الكتب تدوينا أي جمعتها سميت بذلك لأنها مسائل مجموعة قال الحطاب: اعلم أن أصل المدونة سماع قاضي القيروان أسد بن الفرات عن عبد الرحمن بن القاسم وهما من أصحاب مالك، وهو أول من عملها ورواها وسأله عنها على اسألة أهل العراق وأجابه ابن القاسم بنص قول مالك معا سمعه منه أو بلغة أو قاسه على قوله وأصله، فحملت عنه بالقيروان وكانت تسمى بالأسدية وكتاب أسد ومسائل ابن القاسم، وكتبها عنه سحنون كذا قال

стр. 148

في التنبيهات، وقال في المدارك منعها أسد من سحنون فتلطف به سحنون حتى وصلت إليه ورحل سحنون بالأسدية إلى ابن القاسم فسمعها منه وأصلح فيها أشياء كثيرة رجع ابن القاسم عنها. وجاء بها إلى القيروان وهي في التأليف على ما كان عليه كتاب أسد مختلطة الأبواب غير مرتبة المسائل ولا مرسومة التراجم، وكتب ابن القاسم إلى أسد أن يعرض كتابه عليها ويصلحه منها فأنف من ذلك فيقال إن ابن القاسم دعا أن لا يبارك فيها فهي مرفوضة إلى اليوم، ثم إن سحنونا نظر فيها نظرا آخر وبوبها وطرح منها مسائل وأضاف الشكل إلى شكله وهذبها ورتبها ترتيب التصانيف واحتج لسائلها بالآثار من روايته لموطإ ابن وهب وألحق فيها من أقوال أكابر أصحاب مالك ما اختاره فعل ذلك بكتاب منها وبقيت منها كتب على حالها مختلطة مات قبل أن ينظر فيها فلأجل ذلك تسمى المدونة والمختلطة وهي التي تسمى بالأم، ثم إن الناس اختصروها فاختصرها ابن أبي زيد وابن أبي زمنين وغيرهما، ثم أبو سعيد البرادعي ويسمى اختصاره بالتهذيب واشتغل الناس به حتى صار كثير من الناس يطلقون المدونة عليه واختصر ابن عطاء الله تهذيب البرادعي، والمدونة أشرف ما ألف في الفقه من الدواوين وهي أصل المذهب وعمدته وذكر القاضي عياض في المدارك عن سحنون أنه كان يقول عليكم بالمدونة فإنها كلام رجل صالح، وروايته أفرغ الرجال فيها عقولهم وشرحوها وبينوها وكان يقول ما اعتكف أحد على المدونة ودراستها إلا عرف ذلك في ورعه وزهده وما عداها أحد إلى غيرها إلا عرف ذلك فيه وكان يقول إنما المدونة من العلم بمنزلة أم القرآن من القرآن تجزئ في الصلاة عن غيرها ولا يجزئ غيرها عنها ونقل أبو الحسن عن ابن يونس قال يروى: ما بعد كتاب الله أصح من موطإ مالك وبعده مدونة سحنون انتهى. وفي أجوبة ابن ناصر: وأما المدونة فقد دونها سحنون بن سعيد عن ابن القاسم وكان من أمرها أنها كانت مسائل مجتمعة كتبها بعض أصحاب أبي حنيفة ثم وقعت بيد أسد ابن الفرات فرحل بها إلى مالك ليعرضها عليه كيف مذهبه فيها يثبت ما أثبته ويسقط ما أسقطه فوجده قد مات ﵀، فوقع على أشهب فوجده بحرا لا ساحل له إلا أنه كان يقول أخطأ مالك في مسألة كذا فقال في نفسه ما مثل هذا مع شيخة إلا كرجل جاء إلى البحر فبال بساحله فنظر إلى بوله فقال هذا البول بحر كما أن هذا البحر بحر، ثم سأل عن أعلم

стр. 149

أصحاب مالك فدل على ابن القاسم فرحل إليه وكان في نفسه أن يسأله عن المسائل المدونة عنده يأخذ ما وافق منها مذهب مالك ويجمعه فيكون مصنفا صالحا فتهيأ لما أراد من عرضها على ابن القاسم، ثم رحل عنه وذهب إلى بلده بالقيروان فاجتمع بسحنون في أثناء سفره فأراه الكتاب فطلب منه أن يعيره للاستنساخ فامتنع، ثم راوده على المبيت عنده ليلة فوافقه وأسعفه فأعاره إياه ففرقه على طلبته فما أصبح الصباح إلا وقد نسخ الكتاب كله فلما علم به أسد بن الفرات غضب. ثم رحل بها سحنون إلى ابن القاسم فعرضها عليه وكان ربما أملى عليه ابن القاسم مسألة فلا يكتبها حتى يستحلفه عليها لقد صح سماعها عن مالك، فبينما هو كذلك احتاج ذات يوم إلى ماء يجعله في الدواة فأراد أن يقوم فقال له ابن القاسم رويدك فأدلى إصبعه إلى الدواة فقطر من الماء ما فيه كفاية فلم يكن يستحلفه سحنون بعد ذلك فما زال سحنون يعرضها على ابن القاسم فزاد فيها ونقص ورتب بعض مسائل وأبوابا وبقي بعضها من غير ترتيب بعد عرض الجميع عليه، ثم أرسل ابن القاسم إلى أسد بن الفرات أن اعرض مدونتك على مدونة سحنون فما أثبت فيها فأثبته وما محا منها فامحه فأنف من ذلك وأعرض عنه فدعا ابن القاسم أن لا يبارك فيها فنسيها الناس إلى اليوم. ثم مات ابن القاسم ومات سحنون رحمة الله عليهما قبل تأليف جميع الكتاب وبقي بعضه مختلطا غير مؤلف فيقال لا ألفه ودونه المدونة، ولا بقي غير مؤلف المختلطة. أما ابن القاسم فهو الإمام الكبير الحافظ الحجة فقيه الديار المصرية أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بضم العين المهملة وفتح المثناة الفوقية وهو مولاهم المصري وهو مولى زيد بن الحارث العتقي، وفي الديباج عن محمد بن الحارث هو نسبة إلى العبيد الذين نزلوا من الطائف إلى النبي ﷺ فجعلهم أحرارا، وفي ابن خلكان نسبة إلى العتقاء وهم من قبائل شى وكانوا يقطعون على من أراد النبي ﷺ فبعث إليهم فأتي بهم فأعتقهم وقيل لهم العتقاء. قال الشيخ الهلالي وإنما نسب إلى لفظ الجمع لأنه أشبه الواحد في الوضع لكونه غلب على قوم بأعيانهم. ولد ابن القاسم سنة اثنين ثلاثين ومائة على خلاف فيه روى عن مالك والليث وعبد العزيز بن الماجشون ونافع بن أبي نعيم القاري وغيرهم، قال النسائي ثقة مأمون أحد العلماء لم يرو الموطأ عن مالك أثبت منه، وهو عجب من العجب في الفضل والزهد

стр. 150

وصحة الرواية وحسن الحديث، وقال الحارث بن مسكين سمعته يقول في دعائه اللهم امنع الدنيا مني وامنعني منها، ويروى أنه كان لا يقبل جوائز السلطان، وقال ابن وهب لأبي ثابت إن أردت فقه مالك فعليك بابن القاسم، وسئل أشهب عن ابن القاسم وابن وهب فقال لو قطعت رجل ابن القاسم لكانت أفقه من ابن وهب، وحكى أنه لما عزم على الرحيل من مصر إلى المدينة كانت له زوجة حامل فخيرها بين أن يطلقها أو تبقى في عصمته لعزمه على طول الغيبة فاختارت البقاء، وأنشد عند سفره وقد شق عليها فراقه: أقول لها والعيس تسرج للنوى … أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر أليس من الخسران أن لياليا … تمر بلا نفع وتحسب من عمري ثم سافر وأطال الغيبة في المدينة يقرأ على مالك إلى أن ولد له ابن وكبر وحج وجاء المدينة فعمد إلى جماعة من أصحاب مالك وفيهم أبوه وسألهم عن عبد الرحمن بن القاسم فقيل له ما تريد به فقال لهم إني ابنه تركني حملا فما رأيته قط فتعرف إليه أبوه وتعانقا يبكيان، وكان يقيم بالاسكندرية أربعة أشهر للرباط ويقيم في الحج ثلاثة أشهر ويجلس للعلم خمسة أشهر، وقال فيه مالك عافاه الله مثله كمثل جراب مملو مسكا وكان يختم القرآن في رمضان مائتي ختمة، وكان عنده من المسائل ثلاثمائة مجلد، ورئي بعد موته فقيل بم نفعك الله فقال بركعات بالإسكندرية فقيل له فالمسائل فقال لا وأشار بيده إني وجدتها هباء. وأما سحنون فهو عبد السلام بن سعيد سحنون التنوخي صَلَبي أصله شامي، قال محمد ابنه قلت لأبي: أنحن صلبية من تنوخ؟ فقال: وما تحتاج إلى ذلك؟ فلم أزل به حتى قال نعم وما يغني عنك ذلك من الله شيئا إن لم تتقه، وسحنون لقب له سمي سحنونا وهو طائر حديد النظر لحدته في المسائل سمع من ابن القاسم وابن وهب وطالب بن كامل وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن محمد وحفص بن غياثٍ وأبي داوود الطيالسي وغيرهم، وكان حافظا ثقة اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره الفقه البارع والورع الصادق والصداقة في الحق والزهادة في الدنيا والتخشن في الملبس والمطعم والسماحة، ولا يقبل من السلطان شيئا وربما وصل أصحابه بالثلاثين دينارا

стр. 151

ونحوها، وكان رقيق القلب غزير الدمعة ظاهر الخشوع قليل التصنع كريم الأخلاق حسن الأدب سليم الصدر شديدا على أهل البدع لا يخاف في الله لومة لائم سلم له الإمامة أهل عصره، وقال ابنه قال لي أبي إذا أردت الحج فأقدم طرابلس وفيها رجال مدنيون، ثم مصر وفيها الرواة، ثم المدينة وفيها مالك، ثم مكة واجتهد جهدك فإن قدمت علي بلفظة خرجت من دماغ مالك ليس عند شيخك أصلها فاعلم أن شيخك كان مفرطا، وقال سليمان بن سالم دخلت مصر والمدينة ومكة وغيرها ورأيت علماءها ومحدثيها فما رأيت مثل سحنون وابنه وقال عيسى بن مسكين سحنون راهب هذه الأمة: وكان له من الأصحاب ما لم يكن لأحد من أصحاب مالك، وكان أصحابه أفضل الناس وأعقلهم وأفقههم بما اكتسبوا من صفاته، وكانوا مصابيح في كل بلدة وعدله منهم نحو سبعمائة، ولما تولى قضاء افريقية بعد الامتناع قال لابنته خديجة اليوم ذبح أبوك بغير سكين فعلم الناس أنه قبل القضاء. توفي ﵀ سنة أربعين ومائتين وهو ابن ثمانين سنة ورأيت له مبشرات صالحة تؤذن بسعادته والحمد لله. وأما أسد فهو الفقيه الثقة ابن الفرات بن سنان مولى بني سليم كنيته أبو عبد الله سمع من مالك موطأه وغيره، وأخذ عنه أبو يوسف موطأ مالك وتفقه أسد أيضا بأصحاب أبي حنيفة، وتقدم أنه جاء بالأسئلة التي هي أصل المدونة. وأما البرادعي فهو الإمام الفقيه النظار أحد حفاظ المذهب خلف ابن القاسم الأزدي المعروف بالبرادعي يكنى أبا سعيد من كبار أصحاب أبي محمد بن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي له تصانيف منها التهذيب ومال الناس إلى درسه دون غيره من اختصار ابن عبد الحكم واختصار ابن أبي زيد وغيرهما، ويقال إن أبا سعيد دعا الله أن يبارك له في هذا الكتاب فأجيبت دعوته. واعلم أن أمهات الفقه المعتمد عليها المدونة هذه والموازية والواضحة والعتيبة أما المدونة فقد تقدم ذكرها: وأما الموازية فمؤلفها هو الإمام الراسخ في الفقه والفتيا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم زيادة الاسكندري المعروف بابن المواز بفتح الميم وتشديد الواو نسبة إلى بيع الموز، ألف كتابه المشهور بالموازية من أجل ما ألفه المالكيون وأصحه مسائل وأبسطه كلاما وأوعبه، وقد رجحه القابسي على سائر الأمهات قال لأن صاحبه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم توفي بدمشق

стр. 152

لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وستين ومائة، وهو أحد المجتهدين الأربعة الذين اجتمعوا في عصر واحد من أئمة مذهب مالك ولم يجتمع في زمن مثلهم: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ومحمد بن المواز، ومحمد بن سحنون، ومحمد بن عبدوس توفي ابن عبد الحكم عام ثمانية وستين ومائتين، وابن سحنون سنة خمسين ومائتين، وكان نظير أبيه في الصلاح والعلم ريئ في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال زوجني خمسين حوراء لما علم من حبي للنساء، وتوفي ابن عبدوس سنة ستين ومائتين وهو من كبار أصحاب سحنون صلى الصبح بوضوء العتمة ثلاثين سنة وهو مؤلف المجموعة. وأما الواضحة فمؤلفها الفقيه النبيل الفاضل المتفنن الجليل أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون من ذرية سيدنا العباس بن مرداس السلمي الصحابي كان عبد الملك عالم الأندلس وشيخ مشايخها سمع من الأخوين وابن نافع وابن أبي أويس وعبد الله بن عبد الحكم وابن المبارك وأصبغ وأسد بن موسى وجماعة سواهم، قال بعضهم رأيته يخرج من الجامع وخلفه نحو ثلاثمائة بين طالب حديث وفرائض وفقه وإعراب، وكان فصيحا لغويا إخباريا نحويا عروضيا شاعرا حاذقا مؤلفا متقنا صواما قواما، وقد رتب الدول عنده كل يوم ثلاثين دولة لا يقرأ عليه إلا كتبه والموطأ، ولما نعي إلى سحنون استرجع وقال مات عالم الأندلس بل والله عالم الدنيا، ولما دنا من مصر في رحلته لقي جماعة من أهلها بارزين للقاء الركب على عادتهم وكانوا كلما رأوا رجلا ذا هيئة تفرسوا فيه وقضوا بفراستهم، فلما رأوه وكان ذا منظر جميل قال قوم هذا فقيه وقال آخرون بل شاعر وقال آخرون طبيب، ولما كثر اختلافهم تقدموا إليه وأخبروه بشأنهم فقال كلكم قد أصاب وكل ما قلتم أحسنه والخبره تكشف الحيره، والامتحان يجلي عن الإنسان، فلما حط رحله شاع خبره وقعد إليه كل ذي علم يسأله عن فنه وهو يجيب جوابا محققا فعجبوا وأخذوا عنه وعطلوا مجالس علمائهم وألف الواضحة في الفقه والسنن قال بعضهم لم يؤلف مثلها، قال الشيخ الهلالي وقع للحطاب أن ابن حبيب تفقه بابن القاسم وذلك سهو منه لأن ابن القاسم مات قبل رحلة ابن حبيب، نعم أخذ عن أصبغ فاعلم ذلك انتهى.

стр. 153

وأما العتيبة وهي المستخرجة فمؤلفها الفقيه حافظ مسائل المذهب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن عتبة بن جميل بن عتبة بن أبي سفيان، وقيل هو مولى لآل عتبة بن أبي سفيان سمع بالأندلس من يحيى بن يحيى ونسب إما إلى عتبة جد أبيه أو إلى عتبة بن أبي سفيان، وسمع من سحنون وأصبغ وكان من أهل الخير والجهاد والمذاهب الحسنة، وكان لا يزال بعد صلاة الصبح في مصلاه إلى أن تطلع الشمس ويصلي الضحى ولا يقدم أحدا في الأخذ على من سبقه، قال ابن لبابة هو الذي جمع المستخرجة وأكثر فيها من الرواية المطروحة والمسائل الشاذة، وقال ابن وضاح في المستخرجة خطأ كثير، وقال ابن عبد الحكم فيها مسائل لا أصول لها، وكان أحمد بن خالد ينكر على ابن لبابة قراءتها للناس إنكارا شديدا فقال إنما أقرئها لمن أعرف أنه يعرف خطأها من صوابها، قال الشيخ الهلالي قلت يحتاج الآن الناظر فيها إلى البيان والتحصيل وهو ببيان غثها من سمينها كفيل، توفي العتبي ﵀ منتصف ربيع الأول سنة خمس وخمسين ومائتين، قال المص رحمه الله تعالى عاطفا لمعمولين على معمولين لعامل واحد وذلك جائز بالإجماع وبـ مادة أول معطوف على أول المعمولين وهو بفيها وأول بالبناء للمجهول، والمراد بمادته ما اشتمل على حروفه، ومعناه بلا زيادة نحو أول بالنسيان، أو بها نحو تأويلان وتؤولت، وأما فسرت فلا يدخل هنا بل في قوله بفيها، وأصل التأويل والتأول ما يئول إليه اللفظ من المعنى ومنه ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ وتأويل القرآن والتأويل في اصطلاح الأصوليين صرف اللفظ عن ظاهره إلى محتمل له مرجوح فإن كان لدليل فصحيح وإلا ففاسد، والمص يستعملة في التفسير مطلقا. إلى اختلاف معطوف على ثاني المعمولين وهو للمدونة. شارحيها أي شارحي تلك المسألة من المدونة وإن لم يتصدوا لشرح الكتاب في فهمها أي فهم معنى لفظ المدونة في تلك المسألة كان ذلك بين الشارحين كابن يونس وأبي الحسن والمحشين كعياض وأبي إبراهيم، أو المختصرين كفضل، والفهم بسكون الهاء وفتحها العلم الحاصل من اللفظ أو غير من الدوال فهو أخص من العلم لأنه لا يكون إلا ناشئا من الدوال فلا يكون إلا حادثا فيمتنع إطلاقه في حق الله ، والفرق بين القولين والأقوال والتأويلين أو التأويلات أن التأويلين نحود مراد الشراح بهما تصوير معنى اللفظ وبيان مراد صاحبه به كان في نفسه صحيحا أو فاسدا، ومراد صاحب القولين ونحوه

стр. 154

بيان حكم المسألة، فشارح كلام المؤلف، قائل بلسان حاله هذا مراد المؤلف وربما قاله بلسان مقاله وصاحب القول قائل بلسان حاله أو مقاله هذا حكم الله في المسألة وبينهما بون بعيد، والثاني يشترط فيه الاجتهاد المذهبي أو المطلق بخلاف الأول، والذي ينبغي أن يعد قولا الكلام الذي اختلف فيه الشراح، والتأويلات إنما هي اختلاف في تصور معناه وهذا الكلام تحقيق بالقبول حقيق لكن قد يكون التأويلان موافقين لقولين حمل أحد الشارحين المدونة على أحدهما وغيره على الآخر، وقد يكون سبب اختلافهم النظر في الأدلة الشرعية فيكون التأويلان قولين حقيقة لكن هذا لا يطرد ويحتاج إلى ما يدل عليه وبالاختيار أي مادته لأنه لم يشير به أصلا. للخمي أي لاختياره وهو الإمام أبو الحسن علي بن محمد الربعي نسبة إلى ربيعة وشهر باللخمي نسبة إلى جده لأمه، تفقه بابن محرز أبي الفضل التونسي وظهر في أيامه وطالت فتاويه وكان فقيها متفننا دينا ذا حظ من الأدب وبقي بعد أصحابه فحاز رياسة افريقية وتفقه به جماعة من أهل صفاقص منهم الإمام أبو عبد الله المازري وأبو الفضل النحوي وكفاه فخرا أن كان شيخا للمازري، ألف التبصرة فيها علم غزير وتقييد المطلقات وتخصيص العمومات لكنه لكثرة اختياراته ربما خرج ببعضها عن المذهب كما نبه عليه عياض وغيره، وكان أهل المائة السادسة وصدر السابعة لا يسوغون الفتوى بتبصرته لأنها لم تصحح عليه ولم تؤخذ عنه وعول من بعدهم عليها، وأكثر من نقل نصوصها المحققون كالمؤلف وابن عرفة وغيرهما ولا يضرها مالا يسلم منه غير المعصوم لأن ذلك نادر والحكم للغالب. توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. لكن حرف استدراك وهو تعقيب الكلام برفع الإيهام وعبارة توضيح ابن هشام في تعريفه غير محررة قاله الشيخ الهلالي. إن كان الاختيار بمعنى مادته متلبسا. بصيغة هي والوزن والزنة والبناء والبنية بمعنى وهي الهيئة العارضة للفظ بسبب الحركات والسكنات والإضافة بيانية من إضافة العام إلى الخاص. الفعل والمراد به الماضي مبنيا للفاعل "واختار إلحاق رجل الفقير" أو للمفعول "لحسن واختير". فذلك الإشارة للاختيار الذي دلت عليه صيغة الفعل لاختياره هو حكما في نفسه لا من نصوص المذهب قوله هو تأكيد للضمير المجرور: ومضمر الرفع الذي قد انفصل … أكد به كل ضمير اتصل

стр. 155

وإن كان الاختيار بالمعنى المتقدم متلبسا بـ صيغة الاسم أي المختار فقط فذلك أي الاختيار الذي دلت عليه صيغة الاسم. لاختياره قولا من الخلاف أي أن اللخمي اختار قولا مقولا قبله من القولين، أو الأقوال التي في المسألة وبمادة الترجيح الواو عاطفة لشيئين كما سبق وعليه فقس، وأصل الترجيح في الميزان يقال رجحت من بابي نفع ونصر كفة الميزان بكسر الكاف على أختها إذا ثقلت أكثر منها، ورجح ما فيها إذا كان أثقل من مقابله ويتعدى بالهمز وبالتضعيف ثم استعمل في التفضيل والتقوية وهذا هو المراد هنا، ورجح القول رجحانا قوي وهو أرجح من غيره أقوى منه (لابن يونس) أي لترجيحه، وهو الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي بفتح المهملة والقاف وتشديد اللام نسبة إلى صقلة جزيرة بالمغرب الأدنى، كان فقيها إماما عالما أخذ عن أبي الحسن الحصائري وعتيق الفرضى وابن أبي العباس وكان ملازما للجهاد موصوفا بالنجدة وألف كتابا في الفرائض وكتابا جامعا للمدونة وأضاف إليه غيرها من الأمهات، وعليه اعتماد طلبة العلم للمذاكرة. وأول من أدخله سبتة الشيخ أبو عبد الله محمد بن خلكان فانتسخه منه القاضي أبو عبد الله ولصحة مسائله وكثرة جمعه قال المواق كان يقال له مصحف المذهب، توفي ﵀ سنة إحدى وخمسين وأربعمائة في عشر بقين من ربيع الأول، وقيل في أول العشر الأواخر من ربيع الآخر من هذه السنة (كذلك) حال من الترجيح أي حال كون الترجيح مثل الاختيار في التفصيل فالفعل لترجيحه هو في نفسه، والاسم كالأرجح والمرجح لما رجحه من قول تقدمه. (وبالظهور) أي بمادته من فعل أو وصف أي استظهاره فالفعل لاستظهاره هو في نفسه والاسم لاستظهاره من الخلاف وهو حال. وابن رشد هو الإمام الأكبر القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي زعيم فقهاء وقته بأقطار الأندلس والمغرب ومقدمهم المشهود له بصحة النظر وجودة التأليف ودقة الفقه، وكان إليه المفزع في المشكلات بصيرا بالأصول والفروع والفرائض متفننا في العلوم، وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية كثير التصانيف ألف كتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل؛ وهو كتاب عظيم ينيف على عشرين مجلدا، وكتاب المقدمات أوائل كتاب المدونة وغير ذلك، وكان

стр. 156

متين الدين كثير الحياء قليل الكلام معظما عند الأمراء معتمدا في العظائم، ولي قضاء الجماعة بقرطبة سنين ثم استعفى عنه فأعفي وزاد جلالة ومنزلة وكان صاحب الصلاة بالمسجد الجامع وإليه كانت الرحلة للتفقه من أقطار الأندلس. تفقه بأبي جعفر بن رزق وعليه اعتماده وبنظرائه، وممن أخذ عن ابن رشد القاضي عياض وكان يصوم الجمعة دائما في الحضر والسفر، توفي رحمه الله تعالى ليلة الأحد الحادي عشر من ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة وولد في شوال سنة خمسين وأربعمائة ومما يتناقل على الألسنة والله أعلم بصحته أنه وقعت مناظرة بين ابن رشد وبين أحد معاصريه في لا إله إلا الله والحمد لله أيهما أفضل فقال ابن رشد لا إله إلا الله أفضل، وقال العاصر الحمد لله أفضل فكتب المعاصر إليه: أعد نظرا فيما كتبت ولا تكن … بغير سهام للنضال مسارعا فحسبك تسليم العلوم لأهلها … وحقك فيها أن تكون متابعا فأجابه ابن رشد بقوله: رويدك ما نبهت مني نائما … ودونك فاسمعها إذا كنت سامعا أخلت ابن رشد كالذين عهدتهم … ومن دونه تلقى الهزبر المدافعا فلو كنت سلمت العلوم لأهلها … لما كنت فيما تدعيه منازعا وإن ضمنا عند التنازع مجلس … سقيناك فيه السم لا شك ناقعا ويقال إن المجيب بعض تلامذة ابن رشد والله أعلم. وبالقول أي بمادته من فعل واسم مفعول للمازري أي لاختياره كذلك حال فالفعل لما قاله غير مسبوق إليه، والاسم لما اختاره من قول قيل قبله وهو الإمام المحقق المجتهد أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري نسبة إلى مازر بفتح الزاي وكسرها بلدة بجزيرة صقلة، ثم المهدوي نسبة إلى المهدية من بلاد افريقية كان إمام المغرب وصار الإمام لقبا له فلا يعرف إلا بالإمام المازري، يحكى أنه رأى النبي صلى الله

стр. 157

عليه وسلم فقال يا رسول الله أحق ما يدعونني به، فإنهم يدعونني بالإمام فقال ﷺ "وسع الله صدرك للفتيا" كان ءآخر المشتغلين من شيوخ افريقية بتحقيق الفقه المعروفين بدقة النظر ورتبة الاجتهاد، أخذ عن اللخمي وعبد الحميد وغيرهما من شيوخ افريقية، وظهرت براعته وتصدره وسعة اطلاعه في صغره حتى كان القاضي يقرأ عليه ويعتمد عليه في فتواه وهو ابن عشرين سنة، ونقل عنه البرزلي أنه قال كنت يوما بين يدي إمامي وأنا مراهق فجاء الخبر أن ذلك اليوم من رمضان وبات الناس على غير الصيام فقلت لا يقضى هذا اليوم على مذهب بعض أصحاب مالك في رواية شاذة فأخذ بأذني أستاذي وقال لي إن قرأت العلم على هذا فلا تقرأه، إن اتبعت بنيات الطريق جاء منك زنديق ولقد صدق القائل: إن الهلال إذا رأيت نموه … أيقنت أن سيكون بدرا كاملا وقد صار الإمام المازري إلى درجة من العلم لم يصل إليها غيره في زمنه، ودرس أصول الدين وأصول الفقه وفروعه ولم يكن للمالكية في وقته في أقطار الأرض أفقه منه، وسمع الحديث وطلب معانيه واطلع على علوم كثيرة كالطب والحساب والأدب، وكان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفقه، ويحكى أن سبب اشتغاله به أنه مرض فكان يطبه يهودي فقال له اليهودي يوما يا سيدتي مثلي يطب مثلكم وأي قربة أجدها أتقرب بها في ديني مثل أن أفقدكم للمسلمين، فمن حينئذ اشتغل بالطب. وكان ﵀ حسن الخلق مليح المجلس أنيسه كثير الحكايات وإنشاد قطع الشعر وكان قلمه بالعلوم أبلغ من لسانه، وألف في الفقه والأصول وشرح صحيح مسلم وسمى شرحه بالمعلم. وشرح التلقين شرحا ليس للمالكية مثله، وشرح البرهان لإمام الحرمين وسمى شرحه المحصول من برهان الأصول وهو شاهد له بغاية الذكاء والتضلع من علم الأصول لأن البرهان أصعب كتب الأصول، وألف نظم الفوائد في علم العقائد. وممن أخذ عنه بالإجازة أبو الفضل عياض وعلى المعلم أسس عياض شرحه لمسلم المسمى بإكمال العلم: وهو كتاب عظيم الجدوى كثير الفوائد، فألف بعد ذلك إكمال الإكمال ثلاثة أولهم: عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري نسبة إلى بقور بباء موحدة مفتوحة وقاف مشددة مضمومة وواو وراء مهملة بلد بالأندلس،

стр. 158

وثانيهم عيسى بن مسعود المَنكَلَّاتي بفتح الميم وسكون النون وفتح الكاف واللام المشددة وآخره تاء وياء نسبة إلى قبيلة بالمغرب كذا في الديباج وأظن كافه معقودة لأني رأيته في غيره بالجيم بدلها قاله الشيخ الهلالي، وثالثهم العلامة المحقق أبو عبد الله محمد بن خلفة بكسر الخاء وفتحها وسكون اللام وفاء وهاء تأنيث ابن عمرو التونسي الشهير بالأبي بضم الهمزة نسبة إلى أبة بضم الهمزة وتشديد الموحدة وهاء تأنيث قرية بتونس كذا ضبط الشيخ الهلالي وفي شرح الشيخ عبد الباقي الأبي بضم الهمزة نسبة إلى أبة من قرى تونس كما ضبطه الحافظ بن حجر في تبصير المنتبه في تحرير المشتبه والسيوطي في تحرير الأنساب والبدر القرافي انتهى. والأبي المذكور أخذ عن ابن عرفة ولزمه واشتهر بالمهارة في حياته وانتقد عليه مسائل مشافهة وربما رجع إليه، ويحكى أن ابن عرفة ليم على كثرة اجتهاده فقال كيف أنام وأنا بين أسدين الأبي بفهمه وعقله والبرزلي بحفظه ونقله، واشتهر تقديم الأبي في المعقول والمنقول وخص المصنف هؤلاء الأربعة لكثرة تصرفهم في الاختيار كثرة لم توجد لغيرهم، وقدم اللخمي وإن كان ابن يونس متقدما عليه في الزمن لأنه أكثرهم إقداما على الاختيار فإنه كثيرا ما ينقل الفقه، ويقول بإثره: "وأنا أرى كذا" وجعل الفعل لما قالوا لدلالته على الحدوث فناسب أن يشير به للقول الذي أحدثوه من عنديتهم وجعل الاسم لما اختاروه من أقوال غيرهم لأنه يدل على الثبوت فناسب أن يشير به لاختيارهم القول الثابت لمن سبقهم وخص اللخمي بمادة الاختيار لأكثرية اختياراته بالنسبة إلى سائرهم، وخص ابن يونس بالترجيح لأن أكثر اجتهاده في ترجيح أقوال غيره وما يقوله من عند نفسه قليل ولذا كانت الإشارة في كلام المؤلف بالفعل قليلة جدا، وخص ابن رشد بالظهور لاعتماده كثيرا على ظاهر الروايات ولظهوره واشتهار تقدمه على أهل زمانه، وخص المازري بالقول لأنه قويت ملكته في المعقول والمنقول وبرز على غيره من الفحول فصار القول ما قال حسب ما أشار له من أجاد في المقال: إذا قالت حذام فصدقوها … فإن القول ما قالت حذام

стр. 159

وهذا التدقيق لابن غازي، قال الشيخ الهلالي فرحمة الله على المؤلف ما كان أدق نظره وعلى المحشي ما أحسن استنباطه للنكت وقد استنبط من حديث (يا أبا عمير ما فعل النغير (١)) مائتا فائدة فصلى الله على المصطفى الذي أوتي جوامع الكلم جعلنا الله ممن علم ما تحت ألفاظه من الأسرار وعمل بما علم. وحيث ظرف مكان مبني على الضم وقد يفتح ويكسر وقد تخلف الياء واو وهي شرطية وإن لم تتصل بها ما على رأي. والواو في قوله وحيث للاستئناف عند من أثبته لها. قلت عبر بالقول دون الذكر لتأتي الحكاية المقصودة في قوله. (خلاف) لأنه لم يجئ في كلامه إلا مرفوعا ولو عبر بذكر لانتصب فيقتضي أنه كان كلما ذكر اختلاف العلماء كان ذلك خلافا في التشهير وذلك غير صحيح. (فذلك) الفاء لربط الجواب بالشرط والإشارة للفظ خلاف. لـ (لاختلاف) بين العلماء. (في التشهير) بأن شهر بعضهم قولا وبعضهم مقابلة سواء صرحوا بقولهم المشهور كذا، أو أتوا بما يدل عليه كقولهم الأصح كذا والمذهب كذا وما أشبه ذلك، ولا يندرج في كلامه نحو واختار أنه خلاف وقوله وهل خلاف .. الكلام فيه كما قبله. عبر به دون قلت لعدم القصد للحكاية. مفعول ذكرت. شمل كلامه مادة القول مثنى أو مجموعا وما دل على ذلك نحو ثالثها ورابعها اعتد به عند مالك لا ابن القاسم، ونحو نقلت عليهما .. أي ما ذكر من القولين أو الأقوال إشارة. (لعدم اطلاعي) مصدر اطلع على الشيء بوزن افتعل أي علم به أبدلت التاء طاء، يقال طلع على الشيء طلوعا كقعد علم به وأطلعته عليه كأعلمته به وزنا ومعنى فاطلع هو عليه وتطلعه علمه، ويقال اطلع عليه أشرف عليه من علو ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾، هي المسألة المتفرعة عن قاعدة، وتسمى القاعدة أصلا باعتبار ما تفرع عنها من المسائل والمسائل فروعها مثلا قولنا الماء المطلق يصح التطهير به قاعدة، وقولنا الماء المجموع من الندا أو المجعول في الفم يصح التطهير به فرع من فروعها، والتفريع بناء الفرع على أصله واستنباطه منه فنقول مثلا الماء المجموع من الندا ماء مطلق والماء المطلق يصح التطهير به ينتج الماء المجموع من الندا يصح التطهير به فحكم الفرع مأخوذ من حكم الأصل قاله الشيخ الهلالي، وفي

стр. 160

الشبراخيتي والفرع كما قال الناصر اللقاني الحكم الشرعي المتعلق بكيفية عمل قلبي كالنية، أو غير قلبي كالوضوء انتهى. أراد بالشرعي المأخوذ من الشرع المبعوث به النبي ﷺ أخذ منه بالصراحة أو بالاستنباط وخرج العقلي والعادي، وقوله بكيفية عمل أخرج به المتعلق بكيفية اعتقاد كالمتعلق بذات الله وصفاته. على أرجحية هي كون الشيء أرجح من غيره قال الشيخ الهلالي وتسمى الياء المشددة المتبوعة بهاء التأنيث اللاحقة للأرجح ياء المصدر؛ لأن الاسم غير المصدر إذا لحقته يفيد معنى المصدر ويفسر بالكون المخبر عنه بما لحقته التاء، فالإنسانية كون الشيء إنسانا والناطقية كون الشيء ناطقا، والأفضلية كونه أفضل، والأرجحية كونه أرجح وقس على ذلك، ووزن أفعل في كلام المص يصح أن يكون للتفضيل، ويصح أن يكون بمعنى فاعل. منصوصة أي منقولة للعلماء احترز به من الأرجحية التي تظهر له هو من القواعد فإنه لا يعول عليها تورعا منه نفعنا الله به، وأصل النص الرفع نصت الظبية عنقها إذا رفعته ومدته وكذا المرأة قال امرؤ القيس: وجيد كجيد الريم ليس بفاحش … إذا هي نصته ولا بمعطل ونص فلان الحديث إذا رفعه إلى قائله قال الشاعر: ونص الحديث إلى أهله … فإن الوثيقة في نصه وهذا هو المستعمل عند الفقهاء غير أنهم يُعَدونه كثيرا بعلى، وهو في الأصل معدى بنفسه لأنهم ضمنوه معنى نبه نحو نص فلان على كذا. وحاصل كلام المصنف أنه إن اطلع على خلاف في المسألة واطلع على تشهير قول واحد اقتصر عليه لقوله مبينا لما به الفتوى: وقد يشير لرد مقابله بلو وإن اطلع فيه على مشهورين أشار لهما بقوله خلاف، وإن لم يطلع على تشهير أطلق القولين أو الأقوال أو ما دل على ذلك قاله الشيخ الهلالي. وأعتبر مضارع مبدوء بالهمزة والجملة عطف على الشرطية، والاعتبار يطلق على أربعة معان أحدها: الاعتداد بالشيء، ثانيها الاتعاظ ومثله العبرة في هذين المعنيين، فمن الأول هذا

стр. 161

الكلام معتبر أو غير معتبر ولا عبرة به ومن الثاني ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَار﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. ثالثها الاختبار ومنه الاسم يعتبر بالعلامات، رابعها الاشتراط ومنه يعتبر في صحة البيع كذا وكذا من الشروط، ومن أسجاع الأساس لا عبرة بعَبرة مستعبر ما لم تكن عبرة معتبر؛ أي لا اعتداد بدمعة باك ما لم تكن اتعاظ متعظ والمراد هنا المعنى الأول أي وأعتد من تبعيضية المفاهيم جمع مفهوم وهو في اللغة اسم مفعول من الفهم وقد تقدم عند قوله في فهمها، وفي اصطلاح أهل الأصول والفقهاء مقابل المنطوق، والمنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق، والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق فقوله تعالى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ يدل على أمرين أحدهما تحريم التأفيف للوالدين وهو منطوق لدلالة اللفظ عليه في محل النطق: والثاني تحريم الضرب لهما وهو مفهوم لدلالته عليه في غير محل النطق، وما موصولة أو نكرة موصوفة أي معنى دل عليه اللفظ أو المعنى الذي دل عليه اللفظ، والمراد بالمعنى الحكم، والمراد بالحكم ما يشمل الشرعي وغيره فتحريم التأفيف وحدد هو المنطوق، وتحريم الضرب مثلا وحده هو المفهوم والمراد بالدلالة في تعريف المنطوق ما يشمل المطابقة والتضمن، والمراد بها في تعريف المفهوم دلالة الالتزام، ودلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على المعنى الذي وضع له كدلالة لفظ الاثنين على ضعف الواحد، ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء معناد كدلالة الاثنين على الواحد، ودلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على معنى خارج عن معناه لازما له لزوما بينا إن كان له لازم بين كدلالة الاثنين على الزوجية، وقوله لزوما بينا اللزوم البين هو ما كان اللزوم فيه بلا واسطة كلزوم الزوجية للاثنين، وغير البين كلزوم الزوجية للثمانية لأنها تنقسم على أربع وهي على اثنين قاله الشيخ إبراهيم. واعلم أن المنطوق في الأصل هو اللفظ نفسه، وأصله المنطوق به فحذف الباء من مفعول النطق وذلك وارد في كلام العرب نثرا ونظما، والمفهوم في الأصل ما فهم من اللفظ ونحوه سواء وضع اللفظ له أم كان تابعا لما وضع له، ولما كان ما دل عليه مدلولا له مباشرة بلا واسطة سموه منطوقا كما سموه مذكورا، والمذكور إنما هو اللفظ الدال عليه، ولما كان المعنى الخارج عن المدلول إنما فهم بواسطة المدلول خصوه باسم المفهوم، وقوله في محل متعلق بمقدر حال من مجرور على الذي هو رابط الصفة أو عائد الصلة. والمعنى: المنطوق معنى دل عليه اللفظ أو المعنى الذي دل عليه اللفظ حال

стр. 162

كون ذلك المعنى ثابتا قي محل النطق، والمراد بمحل النطق المحكوم عليه المنطوق باسمه فالتأفيف في الآية هو محل الحكم لأن الحكم الذي هو التحريم معنى ثابت في التأفيف الذي نطق باسمه وهو: "أف". ويقال له محل النطق لأنه محل نطق باسمه فالإضافة لأجل هذه الملابسة، ومعنى ثبوته فيه أنه حكم له والظرفية مجازية وهذا إنما يجري على طريقة ابن الحاجب الذي يجعل المدلول المطابقي والتضمني منطوقا صريحا، ويفصل في المدلول الالتزامي فإن كان في محل النطق بأن كان حكما للمذكور فهو منطوق غير صريح، وإن كان في غير محل النطق بأن كان حكما لغير مذكور فهو مفهوم، وطريق البيضاوي ومن وافقه أن الأولين هما المنطوق، والثالث الذي هو المدلول الالتزامي مفهوم مطلقا وهي أسهل وأنسب وعليها فقوله في محل متعلق يدَلَّ، والمراد بمحل النطق حالة النطق بهذا اللفظ؛ أي أن السامع يفهم أولا في حالة النطق بهذا اللفظ معناه الوضعي ثم بعد ذلك يفهم معنى آخر لازما للمعنى الأول والله تعالى أعلم والآمدي يوافقهما إلا أنه يجعل المنطوق غير الصريح عند ابن الحاجب واسطة فقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ الآية دل بالمطابقة على حلية الوطء للنساء في جميع ليلة الصيام فيصدق بالوطء في آخر جزء منها، ودل بالتضمن على حلة فيها لفرد من الرجال كزيد فهما من المنطوق الصريح عند ابن الحاجب، ودل بالالتزام على صحة صيام الجنب، والصحة حكم لمذكور وهو الصيام فهو منطوق غير صريح عند ابن الحاجب وعند البيضاوي من المفهوم وعند الآمدي واسطة، والمراد بغير محل النطق المحكوم عليه الذي لم يذكر كالضرب المفهوم حكمه في الآية لأن الحكم وهو التحريم ثابت في الضرب؛ أي هو حكم له والضرب مسكوت عنه غير منطوق به فالتحريم الأول منطوق والثاني مفهوم قال جميعه الشيخ الهلالي، وقد علمت أن هذا الكلام الأخير إنما هو على الطريق الحاجبية. واعلم أنهم كثيرا ما يطلقون المنطوق على اللفظ بنفسه وتقدم أن ذلك أصله ويطلقون المفهوم على معنى اللفظ المفهوم منه بلا واسطة وذلك قولهم اللفظ يدل بمنطوقه أي بنفسه وحروفه المنطوق بها ويدل بمفهومه أي بواسطة معناه المفهوم منه أولا والله تعالى أعلم. والمفهوم قسمان مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة، فمفهوم الموافقة ما يكون المسكوت عنه موافقا للحكم المذكور وهو قسمان فحوى الخطاب وهو أولى بالحكم من المذكور، ولحن الخطاب وهو أن

стр. 163

يكون المسكوت عنه مساويا في الحكم للمذكور مثال فحوى الخطاب قوله تعالى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ فإن من يؤدي القنطار يؤدي ما دونه من باب أحرى ومنه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ إلى آخره لأن من يعمل الكثير من باب أولى، ومثال لحن الخطاب تحريم إتلاف أموال اليتامى بغير الأكل كالإحراق مثلا المفهوم من تحريم أكلها المدلول عليه بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية فإن الإحراق مساو للأكل في إتلافه على اليتيم وإن كان أشد من الأكل بالنسبة لتضييع المال وذلك غير منظور إليه في الآية، والفرق بين الأمرين مجرد اصطلاح وإلا فهما بمعنى يقال فحا بكلامه إلى كذا من باب دعا إذا ذهب به إليه وأماله إليه، وقال ﷺ حين بلغة في مقاتلة الأحزاب أن بني قريظة نقضوا العهد لمن بعثه إليهم (إن وجدتم ما بلغنا ضنهم فالحنوا لي لحنا أفهمه (١)) أي كلموني بكلام أفهم منه أنهم نقضوا ولا يفهم ذلك غيري فجاءوا إليه ﷺ وقالوا: عضل والقارة أي غدروا كما غدر عضل والقارة، ويقال فهمت كذا من فحوى كلامه أي من لحنه ومعاريضه قال الشاعر: ولقد وحيت لكم لكيما تفهموا … ولحنت لحنا ليس بالمرتاب ومفهوم المخالفة أقسامه عشرة جمعها ابن غازي بقوله: صف واشترط علل ولقب ثنيا … وعد ظرفين وحصرا إغيا فقوله صف إشارة إلى مفهوم الصفة ولها ثلاث صور: أن تكون بعد الموصوف نحو ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، ونحو قوله ﷺ (من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع (٢)) مفهوم ذلك أن غير المؤمنة لا تعتق في الكفارة وأن غير المؤبرة ثمرتها للمشتري: وأن تكون قبله نحو قوله ﷺ لعامله (وإياك وكرائم أموال الناس (٣)) مفهومه غير الكرائم تؤخذ

стр. 164

ونحو (في سائمة الغنم الزكاة (١)) مفهومه لا زكاة في معلوفتها، وأصل التركيب في الغنم السائمة الزكاة وكلا التركيبين يُروَى حديثا ومعتمدة ثابت في حديث البخاري فتقديم الصفة وتأخيرها سواء، والثالثة أن يحذف الموصوف نحو ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ مفهومه قبول خبر الواحد العدل كما استدل الأئمة على ذلك بهذه الآية ونحو قوله ﷺ (الثيب أحق بنفسها من وليها (٢)) مفهومه البكر ليست كذلك بل وليها أحق منها بها فيجبرها إن لم تكن يتيمة، ونحو ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ مفهومه أن الفاسق لا يقبل في الشهادة، ويندرج في الصفة الحال نحو ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ مفهومه عدم النهي في غير السكر، وقوله واشترط أشار به إلى مفهوم الشرط، والمراد بالشرط هنا مقابل الجزاء عند النحويين لأنهم يطلقونه على مدخول الأداة، ويطلقونه أيضا على الربط بين الجملتين وهو تعلق حصول مضمون الجملة الثانية على حصول مضمون أخرى مثال الشرط قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ الآية مفهومه أن البائن غير الحامل لا نفقة لها ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية مفهومه عدم جواز نكاح الإماء لمن وجد الطول، ولا فرق بين كون الأداة حرفية ولا اسمية، ولا بين الجازمة وغيرها، ولا بين ذكر الجواب وحذفه. وقوله علل أشار به إلى مفهوم العلة نحو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ مفهومه من أكلها بغير ظلم بل بسبب شرعي كعمله بأجرة لا يتناوله الوعيد، وقوله ﷺ (لا ينظر الله إلى من يجر إزاره بطرا (٣)) مفهومه من جره لغير البطر لا يلزمه الوعيد، وقوله ولقب أشار به إلى مفهوم اللقب والمراد باللقب الاسم سواء كان علما أو اسم جنس وهو ليس بحجة عند جمهور العلماء، فقولك زيد قائم مثلا لا يدل على أن غيره ليس بقائم واحتج باللقب الصيرفي من الشافعية وابن خويزمنداد من المالكية وبعض الحنابلة، وفي بعض التعاليق أن الدقاق وقع له ذلك في مجلس النصر ببغداد فألزم الكفر إذا قال محمد رسول الله ﷺ لنفي رسالة عيسى ﵊ وغيره، والاحتجاج باللقب في غاية الضعف لا يلزم عليه من اللوازم الفاسدة وذلك

стр. 165

لأن اللقب إنما يؤتى به لتأدية أصل المعنى وليس زائدا على القدر المحتاج إليه في التأدية، وغيره من المفهومات قيود زائدة على أصل معنى الكلام فلو لم تعتبر لم يكن للقيود فائدة والله تعالى أعلم. وقوله ثنيا بوزن دنيا اسم مصدر بمعنى استثناء أشار به إلى مفهوم الاستثناء والمراد به هنا الواقع في الإيجاب، وقوله وعد أشار به إلى مفهوم العدد وله ثلاث صور: الأولى أن يكون مفهومه مفهوم مخالفة باعتبار الزيادة والنقص نحو ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ مفهومه لا تجوز الزيادة عليها ولا النقص عنها، الثانية أن يكون مخالفا باعتبار الزيادة وموافقا باعتبار النقص نحو قوله ﷺ (من أسلم على أكثر من أربع أمسك أربعا (١)) مفهومه أنه لا يمسك أكثر من أربع وله أن يمسك أقل: الثالثة عكس هذه مثالها من سرق ثلاثة دراهم قطع مفهومه أن من سرق أقل منها لا يقطع ومن سرق أكثر قطع بالأحرى، وكثيرا ما يلغى مفهوم العدد فلذا أنكره كثير حتى قيل إنه من مفهوم اللقب، وقوله ظرفين إشارة إلى مفهومين ظرف الزمان نحو ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ مفهومه لا أمان لهم بعد ذلك ونحو ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ مفهومه لا يمنعون من الحج في ذلك العام، وظرف المكان نحو ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية مفهومه أنه لا ينهى عن قتالهم في سائر الأمكنة، وقوله وحصر إشارة إلى مفهوم الحصر وهو المسمى في علم المعاني بالقصر وهو تخصيص أمر بأمر فشمل قصر الصفة على الموصوف وقصره عليها فمن مفهوم الحصر، أنما نحو ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ مفهومه أن غيره ليس بإله، ومنه تقديم ما أصله التأخير نحو ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مفهومه لا نعبد غيرك ونحو ﴿لِلَّهِ الْحَمْدُ﴾ مفهومه أنه لا حمد لغير الله ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ مفهومه أن خمر الدنيا فيها الغول، ومنه توسط ضمير الفصل ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ ﴿وَاللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ مفهوم ذلك أنه لا ولي غيره وأن غير الله ليس الغني، ومنه تعريف أحد الجزءين بلام الجنس (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (٢)) مفهومه من ليس كذلك ليس بمسلم أي كامل ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ مفهومه لا صمد غيره والصمد الذي يصمد إليه في الحوائج أي يقصد، ومنه النفي والاستثناء فالنفي فيه منطوق اتفاقا والإثبات مفهوم عند الجمهور

стр. 166

ومنطوق أيضا عند بعض المحققين ورجحه القرافي، فلا إله إلا الله كلمة توحيد إجماعا كما للسنوسي وغيره ولكنها تفيد نفي الإلهية عن غير الله منطوقا اتفاقا وتفيد إثبات الإلهية له مفهوما على ما للجمهور، وإليه ذهب السبكي وهو الأظهر لدلالة اللفظ عليه بالوضع له والاستعمال فيه وتفيد إثبات الإلهية له منطوقا على ما رجحه القرافي. واعلم أن هذه المفاهيم العشرة حجة عند الجمهور إلا اللقب فقد تقدم ما فيه وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقا، وقوله إغيا إشارة إلى مفهوم الغاية وهو بكسر الهمزة مصدر أغيا إذا أتى بالغاية وهي أقصى الشيء، وقصره للضرورة نحو ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ لا صيام في الليل ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ مفهومه أنها إن نكحت غيره حلت؛ أي زال التحريم الناشئ عن الطلاق الثلاث وإن بقي التحريم من جهة أخرى ككونها في عصمة الثاني أو عدته ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ إلى قوله ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ مفهومه إن اغتسلتم فلكم أن تقربوها واستدل به أصحابنا على أن الغسل يجزئ عن الوضوء، والمفاهيم متفاوتة في القوة فأعلاها مفهوم الموافقة ولذلك وقع الاتفاق على اعتباره حتى من الحنفية المنكرين مفهوم المخالفة بجميع أقسامه، وقيل إن مفهوم الموافقة منطوق إما حقيقة عرفية بأن نقل الأخص إلى الأعم عرفا أو مجازا لغويا بأن لم ينقل لكن استعمل الخاص في العام على طريق المجاز المرسل، ويليه في القوة مفهوم الاستثناء نحو ما زيد إلا قائم ولا عالم إلا زيد لقوة القول بأنه منطوق صريح. مفهوم مفعول لأعتبر. الشرط مضاف إليه ما قبله والإضافة على معنى اللام. فقط دون غيره من المفاهيم وهو اسم فعل بمعنى انته والفاء فيه زائدة وقيل غير زائدة بل هي رابطة بين شرط مقدر وجوابه؛ أي إذا اعتبرت مفهوم الشرط فانته أنت يا مخاطب عن اعتبار غيره من مفاهيم المخالفة، وتصريحه به في بعض المواضع إنما هو لفائدة اقتضت ذلك كترتيب فرع على قيود سابقة أو عطف عليه قصدا للتسهيل والاختصار أو خفائه، وقال بعضهم المعروف من استقراء كلام المص أنه إنما يعتبر بمفهوم الشرط حيث لم يذكر له جوابا وإلا فلا يلزم اعتباره. قال الشيخ محمد بن الحسن وهذا أحسن من جواب الخرشي بأن الشرط الذي يعتبره لزوما هو إن لا مطلق الشرط انتهى قال بعضهم ويمكن أن يكون أراد اعتبارا خاصا زائدا على ما يقتضيه مفهومات

стр. 167

الأوضاع اللغوية بحيث يتنزل مفهوم الشرط دون غيره منزلة المنصوص فتنصرف إليه القيود ونحوها انصرافها للمنطوق الملفوظ به، وإذا حُمِل على هذا انحل به معضلات كثيرة في كلامه، وكما يعتبر مفهوم الشرط يعتبر ما هو أقوى منه كمفهوم الغاية والحصر وكذا مفهوم الموافقة. ولما عين المصنف الأشياخ الأربعة وما اصطلح عليه في الدلالة على مختارهم ولم يسعه ترك التنبيه على ما صححه غيرهم من الأقوال أو استحسنه منها أو ما ظهر له من تلقاء نفسه أشار إلى ذلك بقوله وأشير بصحيح أو استحسن مبنيين للمفعول لعدم قصد التعيين، وعلق بأشير، قوله إلى أن شيخا بالتنكير أي عالما ويدخل في ذلك المص لأن بعض المواضع استظهره هو غير الأربعة الذين قدمتهم أي قدمت ذكرهم وهم: اللخمي، وابن يونس، وابن رشد، والمازري. صحح هذا الحكم أي أشير عند إيراد الحكم بأحد هذين اللفظين إلى أن ذلك الحكم قد صححه أو استظهره عالم ليس أحد الأربعة المتقدم ذكرهم والله سبحانه أعلم، فالمشار إليه محذوف كما عرفت ولم يقل أولا أو استظهر لأنه عين مادة الظهور لابن رشد، وأتى به ثانيا إشارة إلى أن الترجيح الصادر من المرجح بلفظ مخصوص لا يجب أن يشار إليه بذلك اللفظ المخصوص وأشير بالتردد أي اللفظ الدال على التحير لتردد أي تحير المتأخرين في النقل أي نقل الحكم عن المتقدمين، ومعنى ذلك أن يختلف المتأخرون في النقل عن واحد أوأكثر، فينقل جماعة عنهم الجواز والمنع بأن ينقل أبو زيد مثلا الكراهة عن ابن القاسم، وينقل عنه ابن اللباد الجواز مثلا فلو نقل عن غير من نقل عنه أولا كما لو نقل واحد أو أكثر عن أشهب المنع، ونقل غيرهم عن ابن القاسم مثلا خلاف ذلك لم يكن ترددا، وسبب التردد في النقل إما لأجل اختلاف قول الإمام، وإما لأجل الاختلاف في فهم كلامه، وقوله لتردد المتأخرين في النقل يصدق بالواحد إذ قد يتحير في النقل واحد منهم نحو وهل إن حلفا وإلا لزم الناكل تردد فإنه لابن بشير وحده، وقوله لتردد المتأخرين في النقل هو كقول غيره، وفي كذا طرق أو طريقان والطريق عبارة عن شيخ أو شيوخ يرون أن المذهب كله على ما نقلوه أو لعدم نص المتقدمين هو عطف على قوله في النقل وليس معطوفا على قوله لتردد لأنه يقتضي أنه يشير بالتردد لعدم نص المتقدمين وإن لم يحصل من المتأخرين تردد وليس كذلك لفقد معنى التردد الذي هو التحيرُ مع تحرير المتأخرين المقتدى

стр. 168

بهم ولاسيما أمثال من تقدم، والحاصل أنه يشير بالتردد لأحد أمرين إما لتردد المتأخرين في النقل وقد مر بيانه، وإما لترددهم في الحكم لعدم نص المتقدمين. ولم يذكر المصنف علامة يميز بها بين الترددين إلا أن الثاني أقل في كلامه نحو وفي اعتبار الملازمة في وقت الصلاة أو مطلقا تردد، وفي رابغ تردد، وفي خف غصب تردد، وفي إجزاء ما وقف بالبناء تردد، وقد يقع التردد في كلام المصنف بخلاف ما ذكر نحو وفي تمكين الدعوى لغائب بلا وكالة تردد ونحو وإن شهد ثانيا ففي الاكتفاء بالتزكية الأولى تردد فإن التردد في ذلك ليس من القسمين المذكورين وإنما هو لكثرة الخلاف قاله الحطاب. وسئل ابن عرفة هل يجوز أن يقال في طريق من الطرق هذا مذهب مالك؟ فأجاب بأنه يجوز ذلك لمن له معرفة بقواعد المذهب ومشهور أقواله والترجيح والقياس ومن لا فلا إلا أن يعزوه إلى من قاله قبله كالمازري وابن رشد وغيرهم انظر الحطاب وأشير بلو المقرونة بواو النكاية أي الإغاظة، والمخالفة للمردود عليه بلو إلى خلاف بالتنوين مذهبي بياءي النسب منسوب إلى مذهب مالك ولا يشير بها إلا إلى خلاف قوي، ولا يطرد ذلك في وإن مع أنه كثير في كلامه، وقد تكون للخلاف الخارجي، وقد تكون للمبالغة فقط من غير تعرض لخلاف. تنبيهات: الأول: للو ستة أوجه: أحدها أن تكون مصدرية فترادف أن المصدرية إلا أنها لا تنصب، ثانيها أن تكون لتعليق الجواب على الشرط في المستقبل فترادف إن الشرطية إلا أنها لا تجزم وفي هذه الحالة إذا وليها فعل ماض أول بالمستقبل ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ الآية، ثالثها أن تكون للامتناع فتقتضي امتناع شرطها دائما مثبتا كان أو منفيا، وأما جوابها فإن لم يكن له سبب غير ذلك الشرط لزم امتناعه نحو ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ ونحو لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، وإلا لم يلزم نحو لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودا، ومنه قول عمر ﵁ (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه (١)) فإنه لا يلزم من انتفاء لم يخف انتفاء لم يعص لأن انتفاء العصيان له سببان أحدهما خوف العقاب وهو وظيفة العوام، والثاني الإجلال والإعظام وهو وظيفة الخواص والمراد أن صهيبا ﵁ من قسم الخواص وأنه لو قدر

стр. 169

خلوه من الخوف لم تقع منه معصية فكيف والخوف حاصل له؟ فثبوت الجواب هنا بالسبب الأولى، وقد يكون ثبوته بالسبب المساوي كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في درة بنت أم سلمة (لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة (١)) رواه الشيخان فإنها حلها له ﷺ منتف من وجهين: كونها ربيبته، وكونها ابنة أخيه وهما متساويان، وقد يكون بالأدون كقولك فيمن عرض عليك نكاحها لو لم تكن أختي من الرضاعة لا حلت من أخوة النسب فإنها حلها منتف من وجهين أخوة الرضاع، وأخوة النسب إلا أن حرمة الرضاع أدون من حرمة النسب، رابعها أن تكون للتمني نحو لو تأتيني فتحدثني بنصب الفعل بعد الفاء، خامسها أن تكون للعرض لو تنزل عندنا فتصيب خيرا، سادسها أن تكون للتقليل نحو تصدقوا ولو بظلف محرق. الثاني اعلم أن من عادة المص وغيره من المتأخرين أنهم إذا أسندوا الفعل إلى ضمير الفاعل الغائب ولم يتقدم له ذكر يكون ذلك المسند إليه الإمام مالك للعلم به. الثالث اعلم أن المراد بالاتفاق اتفاق أهل المذهب، وبالإجماع إجماع العلماء، وأن المراد بالفقهاء السبعة سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو ابن عائذ المخزومي، وعروة بن الزبير بن العوام بن خويلد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وسليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ أخو عطاء بن يسار، واختلف في السابع فقيل أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل سالم بن عبد الله، وقيل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي ونظمهم من قال: ألا كل من لا يقتدي بأئمة … فقسمته ضيزى عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسما … سعيدا أبا بكر سليمان خارجه

стр. 170

فمشى على القول الثالث والمدنيون يشار بهم إلى ابن كنانة، وابن الماجشون، ومطرف، وابن نافع، وابن مسلمة، ونظرائهم. والمصريون يشار بهم إلى ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وأصبغ بن الفرج، وابن عبد الحكم، ونظرائهم. والعراقيون يشار بهم إلى القاضي إسماعيل، والقاضي أبي الحسن بن القصار، وابن الجلاب، والقاضي عبد الوهاب، والقاضي أبي الفرج، وأبي بكر الأبهري، ونظرائهم. والمغاربة يشار بهم إلى الشيخ بن أبي زيد، وابن القابسي، وابن اللباد، والباجي، واللخمي، وابن محرز، وابن عبد البر، وابن رشد، وابن العربي، والقاضي سند، والمخزومي وهو من أكابر أصحاب مالك، وابن شبلون وابن شعبان. واعلم أن الشيوخ حذروا من إجماعات ابن عبد البر، واتفاقات ابن رشد، وخلافيات الباجي؛ فإنه يحكي الخلاف فيما قال اللخمي يختلف فيه وكثيرا ما يقول اللخمي يختلف في كذا ويكون مقابل المنصوص في المسألة تخريج واختيار منه والله تعالى أعلم. الرابع اعلم أن نقيض المندوب بالمعنى الأعم الشامل للسنة والمستحب والنافلة مرجوح مطلوب الترك والأكثر من العلماء يعبر عن جميع ذلك بالكراهة. قال الحطاب وهو الظاهر لصدق حد المكروه عليه وهو ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله غاية الأمر أن الكراهة تتفاوت على قدر تفاوت الطلب ويحمل ما يقع في عبارة المص وغيره من نفي الكراهة في بعض صور ما ذكر على نفي الكراهة الشديدة لا مطلق الكراهة لما تقدم قال في الطراز وترك الأحسن من غير عذر مكروه ومنهم من يقول نقيض ما تأكد طلبه مكروه ونقيض ما لم يتأكد طلبه خلاف الأولى انتهى المراد منه، وقيل ما طلب تركه بنهي مخصوص فهو مكروه، وما طلب تركه بنهي غير مخصوص وهو النهي عن ترك المندوبات خلاف الأولى. الخامس إذا قال أهل الخلاف الكبير الجمهور فإنما يعنون به مالكا والشافعي وأحمد وأبا حنيفة نقله الحطاب، وفيه عن الشيخ زروق وأما الجزولي وابن عمر ومن في معناهما فليس ما ينسب إليهم بتأليف وإنما هو تقييد قيده الطلبة زمن الإقراء فهو يهدي ولا يعتمد، وقد سمعت أن بعض الشيوخ أفتى بأن من أفتى من التقييدات يؤدب انتهى قال الشيخ الحطاب يريد والله أعلم فيما إذا ذكرا نقلا يخالف نصوص المذهب أو قواعده

стр. 171

والله بالنصب معمول لأسأل قدم الاسم الكريم لأن تقديم المعمول يفيد الاختصاص، أي لا أسأل إلا الله لأنه القادر على كل شيء ولا يملك غيره مثقال ذرة. أن ينفع النفع إيصال الخير أو دفع الضر به أي بهذا المختصر من كتبه لنفسه أو لغيره فظاهره ولو بأجر أو قرأه بدرس أو مطالعة أو مقابلة قال الجوهري قرأت الشيء جمعته وضممت بعضه إلى بعض وقرأت الكتاب قراءة وقرءانا ومنه سمي القرءان لأنه يجمع السور ويضمها أو حصله باستكتاب أو شراء ولو للتجارة أي جعله حاصلا عنده أو سعى في شيء منه يحتمل أن يكون الضمير عائدا على جملة المختصر ويحتمل أن يعود على كل واحد من الأمور المذكورة وهذا أبلغ، ومن للتبعيض على كل حال قاله الشبراخيتي وفيه محض الإخلاص بتأليفه وأنه لم يرتقب عليه منفعة من مخلوق ولا قصد بتأليفه التوسل إلى القرب منه كعادة كثير من المصنفين فلا جرم أن الله بلغ مراده قاله ابن مرزوق قاله الشيخ عبد الباقي والله جملة اسمية لفظها لفظ الخبر ومعناها الإنشاء ولذا عطفت على الجملة الفعلية الإنشائية، قال الحطاب كرر الاسم الكريم والسؤال ثانيا تلذذا بذكره ورغبة في إجابة دعائه، وأتى بلفظ الخبر تنزيلا له منزلة الواقع لغلبة الظن بإجابته، والعصمة بالكسر لغة المنع قال تعالى ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي لا مانع، ويقال عصمه الطعام أي منعه الجوع، وأبو عاصم كنية السويق وعلى هذا التقرير فالله مرفوع بالابتداء وخبره يعصمنا وقال الشبراخيتي الأولى نصب الله ونصب الفعل بعده لأن الله معطوف على الله ويعصم معطوف على ينفع به فيكون من عطف المفردات من الزلل أي الزلق في طين أو وحل وهو كناية عن العدول عن الحق، ومعنى كلام الشيخ أنه سأل الله تعالى أن يحفظه من العدول عن الحق وشبه العدول عن الحق بالزلق في طين والعصمة عند أهل السنة أن لا يخلق الله في العبد ذنبا. واعلم أن الصواب جواز الدعاء بالعصمة مطلقة أو مقيدة وقد أنكر بعضهم جواز الدعاء بها مطلقة قال لأن العصمة المطلقة إنما تكون لنبي أو ملك، وقد استعمل الإمام مالك سؤال العصمة مطلقة فقال: "ونسأل الله العصمة" وكذا الشافعي والشاذلي في حزب البحر ويشهد له خبر النسائي عن

стр. 172

أبي هريرة مرفوعا (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم علي وليقل اللهم اعصمني من الشيطان (١)) وروي في قوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ عن ابن عباس ﵄ قال سلوا الله العصمة، والجواب عما قاله بعضهم أن العصمة في حق الأنبياء والملائكة واجبة وفي حق غيرهم جائزة، وسؤال الجائز جائز إلا أن الأدب سؤال الحفظ والحفظ في حقنا العصمة نقله الشيخ عبد الباقي، وقوله الزلل بفتح اللام مصدر زللت بكسر اللام تزل بالفتح إذا زل في طين أو منطق فهو مشترك بين الحسي والمعنوي، وقد سبق أن المراد به هنا المخالفة فيكون المراد بالزلل هنا الزلل المعنوي وعبر بالفعل المضارع لأنه يفيد تجدد العصمة تجددا لا ينقطع في وقت من الأوقات واعلم أن كلام المص إنما يتنزل على جواز الدعاء بالعصمة مطلقة لأن "أل" في الزلل وهو عام في الأقوال والأفعال ومن يمنع الدعاء بالعصمة المطلقة يمنع الدعاء بما يستلزمها، وإرادة أن الزلل هنا في الكبائر يدفعه عموم ما بعده وهو قوله ويوفقنا في القول والعمل معنى كلامه أنه سأل الله أن يوفقه في قوله وعمله أي يجعله لا يقول إلا ما يحبه الله ويرضاه ولا يفعل إلا ما يحبه الله ويرضاه، والتوفيق التيسير للخير وعند المتكلمين خلق القدرة على الطاعة وضده الخذلان وهو خلق القدرة على المعصية والعياذ بالله تعالى، وقابل المص القول بالعمل للعرف الشائع وجرى عليه قوله ﷺ (اللهم إني أعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل (٢)) وإن كان العمل قد يطلق على ما يتناول القول كقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات (٣)) والفرق بين هذه والتي قبلها أنه في الأولى سأل الله أن يعصمه من الذنوب وفي الثانية سأل الله تعالى أن يرزقه العمل الصالح فالأولى ترك والثانية فعل والله تعالى أعلم. وتقدم أن التوفيق عند المتكلمين خلق القدرة على الطاعة والقدرة عند الأشعري لا تتقدم على الفعل ولا تتأخر عنه قوله ويوفقنا بالنصب والرفع أيضا عطف على يعصمنا بوجهيه، ويحصل التوفيق للعلم بستة أشياء جمعها بعضهم بقوله:

стр. 173

أخي لمن تنال العلم إلا بستة … سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة … وإرشاد أستاذ وطول زمان وقرن هاتين الجملتين بالنون لجمعه غيره معه في هذا الدعاء بخلاف الذي قبله لكونه تأليفه نفسه ثم أعتذر لذوي الألباب يعني بعدما قدمته من البسملة والحمد لله والصلاة والسلام على سيد الوجود غير ذلك أطلب من ذوي الألباب أي العقول قبول عذري، والعذر ما تأتي به لتسامح على فعل أمر أو تركه، وإنما اعتذر المص لما قيل إن العذر شفيع الذنب وستارة العيب يأتي به الأجر مستقيم ولا يطلبه إلا ذو قلب سليم ومن لازم الاعتذار الذل. والانكسار والاعتراف بالعجز والاستغفار وقبول العذر من المعتذرين من شأن كرام الناس (ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين (١)). وقد روى الترمذي وغيره (من أتى أخاه متنصلا من ذنب فليقبل اعتذارد محقا كان أو مبطلا فإن لم يفعل لم يرد الحوض (٢)) وقال القائل: إذا اعتذر الصديق إليك يوما … فجاوز عن مساويه الكثيرة فإن الشافعي روى حديثا … بالإسناد الصحيح عن المغيرة عن المختار أن الله يمحو … بعذر واحد ألفي كبيره وروى ابن ماجه (من اعتذر إليه أخوه بمعذرة فلم يقبلها كان عليه من الخطيئة مثل صاحب المكس (٣)) وقال بعضهم: اقبل معاذير من أتاك معتذرا … واسمع مقالته إن بر أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره … وقد أجلك من يعصيك مستترا

стр. 174

وقال غيره: قيل لي قد أسا عليك فلان … ومُقام الفتى على الذل عار قلت قد جاءنا وأحدث عذرا … دية الذنب عندنا الإعتذار من تعليلية متعلقة بأعتذر؛ أي أعتذر إليهم من أجل التقصير التقصير هو عدم بذل الوسع في تحصيل المقصود والمراد به هنا ما يظهر من وقوع الكلام على غير وجه الصواب؛ إذ لا يجوز للمؤلف أن لا يبذل وسعه في تحصيل الصواب والله تعالى أعلم الواقع أي الحاصل مني على تقدير وجوده في تأليفي لهذا الكتاب ومعنى كلام المص أبدي عذري وأظهره لأصحاب العقول الصحيحة والأفهام السليمة من التقصير الذي وقع مني في هذا الكتاب فإنه أمر عظيم وخطب جسيم لا يقدر على مثله إلا بإمداد إلهي وتوفيق رباني فيغتفرون لي ما لعله يوجد فيه من الهفوات بما فتح الله به فيه من الفروع الغريبة والمسائل المهمات فإن الحسنات يذهبن السيئات قاله الشيخ الحطاب، وهذا الذي ذكره المص أمر يعلم وجوده بالضرورة إذ لا يسلم منه غير المعصوم وبالله تعالى التوفيق قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ وإنما خص المص ذوي الألباب لأنهم أهل الشفقة والرحمة العالمون أن المواهب والمزايا من الله تعالى وأن مقام العبد حيث أقامه ربه فيلتمسون الأعذار ولا يطلبون العَوار بوزن كلام العيب والضم لغة فيه وقد مر أن قوله ثم أعتذر استيناف وذلك لأنه لا يعطف الخبر على الإنشاء ولا الإنشاء على الخبر على الصحيح وأجازه الصفار وجماعة وأسأل حذف مفعوله أي أسأل ذوي العقول أن ينظروا كتابي بعين الرضى والصواب، والأصل اسألهم وهو استئناف بلسان التضرع التضرع التذلل والمبالغة في السؤال والرغبة ويقال أيضا للذل والخضوع تضرع؛ أي خضع وذل والمراد هنا المعنى الأول، ويقال ضرع إليه مثلثة خضع وذل وكفرح ومنع تذلل وككرم ضعف والخشوع أي الخضوع في الصوت والبصر ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ أي صوتا خفيا ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ ويكون في القلب أيضا لقول عمر ارفع رأسك إنما الخشوع في القلب وفي الأرض أيضا ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ والخضوع لا يكون إلا في البدن وإضافة اللسان إلى ما بعده

стр. 175

إما على حذف مضاف أي أسأل ذوي الألباب بلسان ذي تضرع وخشوع وعلى هذا فكل من اللسان والتضرع والخشوع مستعمل في حقيقته ولا تجوُّزَ إلا بحذف ذي فقط، وإما لأن كلا من التضرع والخشوع شبه بإنسان تشبيها مضمرا في النفس فأضيف إليه اللسان الذي هو من لوازم المشبه به فأثبت اللسان للمشبه تجوزا، والثلاثة مستعملة في حقيقتها أيضا وخطاب التذلل والخضوع التذلل تفعل من الذل بالكسر وهو اللين ضد الصعوبة أومن الذل بالضم ضد العز ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ والخضوع بجميع البدن وهو والتذلل مترادفان، وفيه الوجهان المتقدمان من حذف المضاف وإضمار التشبيه بالنفس، والخطاب هو الكلام الذي يقصد به الإفهام أن ينظر بالبناء للمجهول. والنائب ضمير يعود على الكتاب بعين الرضى فيه حذف مضاف أي بعين ذي رضى أو شبه الرضى بشخص وأثبت له شيئا من خواص المشبه به على طريق الاستعارة التخييلية وسألهم النظر على الوجه المذكور شفقة عليهم ليلا يدخلوا تحت قوله ﷺ (من طلب عثرة أخيه ليهتكه طلب الله عثرته فيهتكه (١))، والرضى بالقصر والمد هو ترك الاعتراض فلا ينظروا إليه بعين ذي غضب وتعصب فإن ذلك يصور الحق بصورة الباطل وعين الصواب ضد الخطإ ويقال فيه ما قيل في عين الرضى ولما سألهم أن ينظروا كتابه بعين ذي رضى خشي أن ينظر بعين ذي حب مفرط ليلا يرى الباطل حقا فرغب إيثارا للنصح أن يجمعوا مع عين ذي الرضى عين ذي الصواب؛ أي الذي يميز الصواب من الخطإ ولا يؤثر على الصواب شيئا بل هو همته وطلبه. وحاصل معنى كلام المص أنه سأل ذوي الألباب سؤال متضرع متذلل خاضع لهم أن ينظروا كتابه بعين ذي رضى أي تارك للاعتراض، ولا ينظروه بعين ذي سخط يقلب الحق باطلا شفقة على علماء الأمة من الدخول تحت قوله ﷺ (من طلب عثرة أخيه ليهتكه طلب الله عثرته فيهتكه (٢)) ولما خشي أن يتوهم من ذلك أنه سألهم أن ينظروا إليه بعين ذي حب مفرط لا يميز بين الخطإ والصواب لفرط محبته، بل يحمل كل ما وجد على الصواب لفرط محبته أردف

стр. 176

مع ذلك نصيحة أخرى فسألهم أن ينظروا كتابه أيضا بعين من يميز بين الخطإ والصواب يعرف الحق بالحق لا بالرجال يصدع بما أمر الله به ولا تأخذه في الله لومة لائم فالمص سألهم أمرين ترك الاعتراض عليه لأن ذلك يصور الحق بصورة الباطل ولأن من طلب عثرة أخيه ليهتكه طلب الله عثرته فيهتكه، وأن يميزوا الصواب من الخطإ ويتبعوا الحق حيث كان ويصدعوا به ويبينوه ولا يكتموه لأن الحق لابد من تبيينه ومن كتم شيئا من العلم لا تقبل توبته إلا بتبيين ما كتم بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فلله در المص ما أشد نصيحته لهذه الأمة وقد قال ﷺ : (الدين النصيحة (١)) وهذا الذي قررت به المص أشار له الشيخ عبد الباقي. وقوله بعين الرضى صحب رجل إبراهيم بن أدهم فلما أراد أن يفارقه قال لو نبهتني على ما في من العيب فقال له يا أخي لم أر لك عيبا لأني لاحظتك بعين الوداد فاستحسنت منك ما رأيت فأسأل غيري عن عيبك. وقال بعضهم: فلست براء عيب ذي الود كله … ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا وقال آخر: فعفوا جميلا عن خطاي فإنني … أقول كما قد قال من كان شاكيا فعين الرضى عن كل عيب كليلة … ولكن عين السخط تبدي المساويا وقال آخر: وعين السخط تنظر كل عيب … وعين أخي الرضى عن ذاك عميا وقال آخر:

стр. 177

لا تلتمس من مساوى الناس ما ستروا … فيهتك الله سترا عن مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا … ولا تعب أحدا منهم بما فيكا وقال آخر: يا ناظرا فيه إن لاقيت فائدة … فاشكر عليها ولا تجنح إلى الحسد وإن عثرت لنا فيه على خطإ … فاعذر فلست بمحبوس على الرشد فما كان من نقص كملوه هذا نتيجة النظر بعين الصواب فهو مفرع عليه، يعني أنه أذن لذوي العقول الذين ينظرون بعين الصواب فيميزون بين الخطإ والصواب أن يكملوا اللفظ الناقص أي المحذوف منه شيء اختل لذلك معناه فيكملونه بما يتم به معناه، والكمال هو التمام. قوله كملوه مثاله ما وقع له في الغصب حيث قال: "وإن ادعت استكراها" هذا وقع من غير زيادة فكمله تلميذه الأقفهسي بقوله: "على غير لائق بلا تعلق حدت له" ومعنى كان وجد، وما شرطية وشرطها كان التامة وفاعلها، وقوله من نقص بيان لما وجزاء الشرط كملوه وهو فعل ماض معناه الاستقبال والضمير المرفوع فيه عائد على ذوي الألباب والهاء التي هي مفعوله عائدة على ما التي هي في المعنى نقص ومن خطا أصلحوه يعني أنه أذن للذين ينظرون بعين الصواب أن يصلحوا ما وجد من الخطا في إعراب الألفاظ فيردوه إلى الصواب؛ أي وما كان من خطإ أصلحوه. ويقال فيه ما قيل فيما قبله، والمرتضى عندهم في إصلاح ما يقف عليه الناظر في كلام غيره التنبيه على ذلك بالكتابة في حاشيته أو غيرها لا المحو ولا الإثبات من الأصل؛ إذ لعل الصواب ما في الأصل. والتخطئة خطأ ابن مرزوق ولا أظنه يأذن في هذا، ولا أظن جوازه لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى نسخ الكتاب بالكلية، ولا يصح أن يكون كملوه وأصلحوه فعلي أمر لقوله في الألفية: واقرن بفا حتما جوابا لو جعل … شرطا وإن أو غيرها لم ينجعل

стр. 178

هكذا قالوا وقد ورد ما يدل على جواز ذلك نحو (فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها (١)) وقولهم إن ذلك يكتب في الحواشي والشروح وغير ذلك لا في المتن قال الشيخ عبد الباقي ما لم يكن محض لحن أو خطأ صريحا في الحديث فالراجح إصلاحه: وإن أتى في الأصل لحن أو خطا … فقيل يروى مثل ما جا غلطا ومذهب المحصلين يصلح … ويقرأ الصواب وهو الأرجح قوله فما كان من نقص إلى آخره ليس المراد به نقص أحكام ومسائل لم تذكر كما علمت لأن ذلك لا غاية له ولا يقدر بشر على تكميله فقلما يخلص مصنف من الهفوات علة في الاعتذار يعني أنه إنما اعتذر مع أنه لم يظهر له في كتابه إلا الكمال لأنه مصنف وكل مصنف لا يخلو من الهفوات، والهفوات هي خطأ طريق الصواب، وهي جمع هفوة وهي الزلة فقل بمعنى النفي الصرف كما قررته، وما مصدرية، وفاعل قل المصدر الأول منها ومن الفعل بعدها وهو يخلص، ومعنى يخلص ينجو، وقيل إن ما كافة لقل عن طلب الفاعل فلا فاعل لها ومثلها طال وكثر، ولا تتصل ما إلا بهذه الأفعال الثلاثة. وحكى الدماميني عن أبي علي الفارسي أن قل بمعنى النفي الصرف وهو ما قدمته، ثم قال وتجيء بمعنى إثبات الشيء القليل ويوافق الأول هنا قول الإمام مالك ما منا إلا من ردورد عليه إلا صاحب هذا القبر الشريف، والمعنى الثاني ينافيه أو ينجو مؤلف من العثرات أي وإنما اعتذرت لأني مؤلف وكل مؤلف لا ينجو من العثرات بفتح المثلثة جمع عثرة وهي الزلة. وعلم مما قررته ترادف الهفوة والعثرة وترادف المؤلف والمصنف، وقيل إن التأليف التركيب مع إبقاء الألفة بين الأجزاء المركبة كالحكم بطهارة شيء وصحة بيعه وابتياعه، والتصنيف جعل الشيء أصنافا كجعل باب ثلاثة أصناف طهارة وشركة ومساقاة كما للشيخ عبد الباقي، ويجوز في مصنف ومؤلف الكسر والفتح، ولما فرغ الناصر اللقاني من شرح خطبة المختصر ختم كلامه بقوله

стр. 179

والله أعلم بالصواب قال الشيخ عبد الباقي فيه تصريح بجواز استعمال هذا اللفظ قيل مطلقا وقيل للإعلام بختم الدروس، وزعم بعض الحنفية أنه لا ينبغي استعماله لإيهامه الشك في الحكم الذي قبله ورد بأنه لا إيهام فيه بل فيه التعظيم المطلوب، وفي البخاري في قصة موسى (فعتب الله على موسى (١)). أي حيث سئل عن أعلم الناس فقال أنا إذ لم يرد العلم إليه، ورده إليه صادق بأن يقول الله أعلم وفي القرآن ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ قال علي: وابَرْدَها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم. ولا ينافيه ما في البخاري (أن عمر سأل الصحابة عن سورة النصر فقالوا الله أعلم فغضب وقال قولوا نعم أولا (٢)) لتعين حمله على أنه فيمن جعل الجواب ذريعة إلى عدم إخباره عما سئل عنه وهو يعلم، وقد قال تعالى ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أي ما أبصره وما أسمعه، وقال قتادة لا أحد أبصر من الله ولا أسمع وهذا فيه غاية الإجلال، ومثله ما أقدر الله وما أعلمه ولا يغتر بما ادعاه بعضهم من المنع نظرا لتقدير النحاة في التعجب لما فيه من معنى الجعل لأن تقدير النحاة بيان لمعناه في الأصل ثم نقل إلى إنشاء التعجب، ونحي عنه معنى الجعل فجاز استعماله في شيء يستحيل كونه لجعل جاعل، قوله فقلما يخلص مصنف إلى آخره؛ قال الحطاب: "ولقد صدق المص ﵀ فلا يخلو مصنف عن ذلك" انتهى. وكلام المصنف مقتضب من آخر وجيز ابن غلاب فإنه قال: "ثم أعتذر لذوي الألباب من التقصير الواقع في هذا الكتاب" ثم قال: "ونحن نسأل بلسان التضرع والخضوع وخطاب الاعتراف والخشوع للمتصفحين هذا الكتاب أن ينظروا بعين الرضى والصواب" إلى آخر كلامه، وقديما خاف الناس من سقطة التأليف وخافوا من زلة التصنيف، حتى قيل من صنف فقد استهدف، ومن ألف فقد استقذف ومعنى استهدف جعل نفسه هدفا أي غرضا لمن يرميه بالعيب كما يرمى الغرض بالنبل، ومعنى استقذف طلب أن يقذف أي يرمى وهو قريب من الأول ﴿ويقذفون من كل جانب دحورا﴾ وهو مصدر دحره أي طرده، وكان بعض الشيوخ كثيرا ما يقول:

стр. 180

"من صنف فقد استهدف فإن أحسن فقد استعطف وإن أساء فقد استقذف". قيل معنى استهدف ارتفع على أقرانه فإن أحسن فقد ميل القلوب إليه وإن قصر فقد تعرض للقذف، والمعنيان صحيحان وللمؤلفين العذر في ذلك فإن الجواد يكبو والعضب ينبو: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه ولابن دريد: إذا بلوت السيف محمودا فلا … تذممه يوما أن تراه قد نبا فالطِرف يجتاز المدى وربما … عن لمعداه عثار فكبا قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه لا بد من افتتاح ذكر الأحكام العملية بذكر عقيدة تشتمل على ما يجب على المكلف اعتقاده مما يجب في حق مولانا وما يجوز وما يستحيل، ومثل ذلك في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام فأقول ومن الله أستمد على حصول المأمول:
следующие страницы →