يخشى منه تقطيع كلماته لتقديم المكروه على المندوب، وإن سلم فقد تقرر من مذهبه تقديم العمل على خبر الآحاد، وإن كانت من أصح الصحيح. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أن يقرأ واحد ربع حزب مثلا وآخر ما يليه، وهكذا؛ وهي المسماة بالدارسة. قال الشيخ عبد الباقي: وهي مكروهة على نقل المواق، ومحل كراهتها ما لم يقرأ كل واحد سورة مستقلة، وإلا فلا كراهة. اهـ. وقال المُسناوي: والكراهة في هذه لم يظهر لها وجه. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: لم ينقل المواق في هذه الصورة شيئا، والظاهر الجواز. ونقل النووي أنها جائزة عند مالك، (وكان جبريل يدارس النبي ﷺ بالقرآن في رمضان (١)). ومعنى ذلك أن يقرأ جبريل، ويعيد النبي ﷺ عين ما قرأه جبريل؛ فهي غير المدارسة المتقدمة. وفي المدخل: لم يختلف قول مالك أن القراءة جماعة والذكر جماعة من البدع المكروهة. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
وجلوس لها لا لتعليم؛ يعني أنه يكره الجلوس لأجل السجدة خاصة لا مع تعليم أو تعلم. وبما قررت علم أن قوله: لا "لتعليم"، حال يعني أنه إنما يكره الجلوس لأجل أن يسجد السجدة خاصة؛ أي غير قاصد مع ذلك الجلوس للتعليم، ومفهومه أنه لو جلس لها وللتعليم فلا كراهة، ومثل التعليم. التعلم وقال الشيخ الأمير: وكره جلوس لأجل السجود، وكره أي السجود حيث جلس له، كإن قصد الثواب بلا تعلم تشبيه في كراهة السجود ينبغي إلا لمراعاة خلاف. انتهى. وقال الشبراخيتي: وذكر أبو الحسن أن الجلوس لقصد الثواب كالجلوس للتعلم. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وأقيم القارئ في المسجد؛ يعني أنه يقام القارئ للقرءان في المسجد رافعا صوته به، وقوله: "وأقيم"؛ أي على جهة الندب، وقوله: "في المسجد"، متعلق بقوله: "القارئ"، وقوله: يوم خميس أو غيره، متعلق بالقارئ؛ يعني أن من اعتاد القراءة في المسجد رافعا صوته بها يقام ندبا اعتاد تلك القراءة يوم الخميس أو غيره، وفعله ذلك بالشروط المذكورة مكروه. وقوله: "يوم
стр. 1157
خميس"؛ أي اعتاد ذلك كل يوم خميس؛ أي قصد دوام ذلك. وعلم بقوله: "أو بقرينة"، وقوله: "أو غيره" ككل جمعة، أو ككل شهر مرة؛ لأن الغالب قصد الدنيا، وإن فعله لا على الدوام فلا يقام وإن كره، ويؤمر بالسكوت أو القراءة سرا، أو بلا رفع صوت. ومحل الكراهة في كلام المصنف حيث رفع صوته بالقراءة، وإلا فلا كراهة. وقوله: "وأقيم القارئ"، هذا إن لم يشترط الواقف ذلك، فإن شرط قراءته بتلك الصفة وجب اتباعه، وفي نوازل ابن هلال: أما رفع الصوت في المسجد بقراءة القرآن: فالظاهر الجواز إذا لم يكن في المسجد أحد؛ لأن العلة في ذلك التخليط على غيره من مصل أو قارئ أو ذاكر. انتهى.
وفي كره قراءة الجماعة على الواحد روايتان؛ يعني أنه نقل عن مالك في قراءة الجماعة دفعة على الشيخ الواحد روايتان، إحداهما: أنه يكره ذلك لما فيه من التخليط وعدم الإصغاء، فيحمل عنه الخطأ لظن القارئ أن ذلك قراءة له. الثانية: أنه يجوز قراءة الجماعة على الشيخ الواحد من غير كراهة للمشقة بانفراد كل واحد بالقراءة عليه: وقوله: "الجماعة"، المراد بالجماعة هنا ما زاد على الواحد، كما قاله الشيخ عبد الباقي. ولكونهما روايتين عن مالك لم يقل خلاف أو قولان أو تأويلان قاله الشيخ عبد الباقي، ومحل الروايتين حيث كان يحصل للشيخ السامع بقراءة كل واحد بانفراده مشقة، وإلا فالكراهة اتفاقا. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وفي كره قراءة الجماعة على الواحد روايتان"، قال الشارح فيه: يريد أنه اختلف في كراهة قراءة الجماعة دفعة واحدة على شيخ واحد، فقيل: يكره؛ لأن بعضهم يخلط على بعض، وقيل: بالجواز؛ لأن كل واحد يقرأ لنفسه فلا تخليط، وقد كانت الصحابة والسلف يتدارسون القرآن، ويسمع لهم في الليل جلبة عظيمة. انتهى. وقوله: "روايتان"، مبتدأ، والخبر: قوله: "في كره قراءة" الخ.
تنبيه: في نوازل ابن هلال سؤال فيمن يقرأ القرآن ويجمع بين قراءة ورش وقالون، هل يجوز أم لا، جوابه -الحمد لله- إن الأمر في ذلك واسع. قال ابن عرفة ﵀: يصح أن تبتدئ السورة لنافع وتختمها لأبي عمرو، بل ذلك سائغ في الآية الواحدة.
واجتماع الدعاء يوم عرفة؛ يعني أنه يكره الاجتماع للدعاء يوم عرفة والأولى تنوين. قوله: "دعاء"؛ لأن الاجتماع للدعاء في يوم عرفة مكروه مطلقا بأي دعاء كان، وقوله: "واجتماع لدعاء
стр. 1158
يوم عرفة"، قال الشيخ عبد الباقي: بمسجد يقصد أنه سنة ذلك اليوم، والتشبيه بأهل الموقف لا بزوايا القرافة بناء على أنها ليست مساجد، ولا إن قصد اغتنام فضلية الوقت ودعاء المجتمعين، فلا كراهة. وقوله: "واجتماع لدعاء يوم عرفة"، ويقاس الذكر أيضا على مطلق الدعاء، وأجازه أشهب. وكان يفعله بجامع عمرو بمصر. قال سحنون: فحضرته، وكان يصلي جالسا؛ يعني النافلة، وفي جانبه صرة يعطي منها السؤال، فإذا بيد سائل دينار مما أعطاه، فذكرته له، فقال: أوما كنا نعطي من أول النهار؟ وأجازه ابن عباس، وكان يفعله. وقيل: هو أول من فعله تشبيها بأهل عرفة، وسئل عنه أحمد بن حنبل، فقال: أرجو أن يكون خفيفا، وفعله جماعة من السلف، وكرهه منهم جماعة منهم نافع مولى ابن عمر، وإبراهيم النخعي، وحماد، ومالك بن أنس. وفي عمل اليوم والليلة: (من حفظ لسانه وسمعه وبصره يوم عرفة حفظه الله من عرفة إلى عرفة (١)). وفي منسك الخطيب: من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يوم عرفة ألف مرة، أعطاه الله ما سأل، وكان من دعائه ﷺ عشية عرفة: (اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وذل لك جسمه، وفاضت لك عيناه، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيا، وكن بي رءوفا رحيما يا خير المسؤولين ويا خير المعطين (٢)). وقوله: "واجتماع لدعاء" الخ، قال الإمام مالك ﵀: لأنه من البدع المحدثة، وفهم من قوله: "اجتماع"، عدم كراهة الانفراد لذلك، وهو كذلك. قال ابن القاسم عن الإمام مالك في العتبية: وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة للدعاء في المساجد، ومقام الرجل في منزلة أحب إلي، قال الشبراخيتي: وذكر الشيخ في شرحه أنه ينبغي أن يخص كراهة ذلك بمن يفعله على أنه من سنة ذلك اليوم، فأما من فعله لا على هذا الوجه فلا يكره، كما ذكره ابن رشد
стр. 1159
في قول المضحي: اللهم منك وإليك، وكان ابن عمر يرفع صوته عشية عرفة، يقول: اللهم اهدنا بالهدى، وزينا بالتقوى. واغفر لنا في الآخرة والأولى، ثم يخفض صوته يقول: اللهم إني أسألك من فضلك رزقا طيبا مباركا، اللهم إنك أمرت بالدعاء وقضيت على نفسك بالإجابة، وإنك لا تخلف الميعاد، ولا تنكث في يدك، اللهم ما أحببت من خير فحببه إلينا ويسر لنا، وما كرهت من شر فكرهه إلينا وجنبناه، ولا تنزع منا الإيمان بعد إذ أعطيتناه.
ومجاوزتها؛ يعني أنه يكره للشخص مجاوزة السجدة أي تركها مع قراءة محلها. لمتطهر؛ يعني أن كراهة ترك السجدة مع قراءة محلها إنما هي لمتطهر، وقوله: لمتطهر متعلق بكره، وقوله: وقت جواز متعلق بمجاوزتها، ومعنى ذلك أنه إذا قرأ محل السجدة؛ وهو متطهر، فإنه يكره له أن يترك السجدة؛ بأن لا يسجدها حيث كان الوقت يجوز فيه السجود للتلاوة. وقد مر بيان ذلك عند قوله: "وسجود تلاوة قبل إسفار واصفرار"، وكذا يكره للمتطهر ترك قراءة محلها والوقت وقت جواز لها. وإلا؛ بأن انتفى الأمران أو أحدهما بأن لم يكن متطهرا، كان الوقت وقت جواز لها أم لا، أو كان متطهرا ولم يكن الوقت وقت جواز لها ففي المدونة: لا يقرؤها وليتعدها، واختلف الشيوخ في قول المدونة المذكور، هل معناه يجاوز محلها؛ أي السجدة أي اللفظ الذي يفعلها عنده، فيجاوز ﴿الْآصَالِ﴾ في الرعد، و ﴿يُؤْمَرُونَ﴾ في النحل، و ﴿خُشُوعًا﴾ في ﴿سُبْحَانَ﴾، و ﴿أَنَابَ﴾ في ﴿ص﴾ ونحو ذلك، فيتركه ويقرأ ما بعده، أو معناه يجاوز الآية كلهابخ وهي في فصلت: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وقوله: تأويلان؛ مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان ومحلهما ما لم يقرأها بصلاة فرض بوقت نهي وإلا سجدها، وقوله: وإلا فهل يجاوز الخ، هو المذهب. وقال ابن الجلاب: يقرؤها إن تطهر أو خرج وقت النهي ويسجدها، والمذهب أبين لأن القضاء من شعار الفرائض، والسجدة ليست بواجبة حتى تقضى. وقال الشيخ عبد الباقي: وقول بعضهم في بيان التأويل في المصنف: حذف مضاف؛ أي محل ذكرها فيه نظر وقصور، أما الأول فلأن ظاهره ولو كان حذف محل ذكرها يغير المعنى وليس كذلك فقد قيده سند بأن لا يغير المعنى، وإلا لم يجز كأن يقرأ في الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾، ويصله بقوله: ﴿مَنْ فِي
стр. 1160
السَّمَاوَاتِ﴾، ويحذف: ﴿يَسْجُدُ لَهُ﴾، وكأن يقرأ في فصلت: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾، ويحذف بقية الآية. وأما الثاني فلأنه قد يكون محل ذكرها ليس في محل السجود، كقوله في الرعد: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾، فإن محل سجودها عند ﴿وَالْآصَالِ﴾ وكما في فصلت، وتارة يتفقان كما في آخر الأعراف. انتهى. قوله: وقول بعضهم، إلى قوله فيه نظر وقصور الخ؛ غير صحيح، بل القصور ممن ادعاه، وذلك لأن ما ذكره البعض هو تأويل عبد الحق، ففي أبي الحسن على قولها: وليتعدها إذا قرأها ما نصه: قال عبد الحق في النكت؛ يعني موضع ذكر السجود خاصة: كان ذكر السجود في أول الآية أو في آخرها، وليس عليه أن يتعدى جملة الآية. وقال الباجي: إنما يتعدى موضع السجود، وقيل: جميع الآية. الشيخ أبو الحسن: ويحكى عن أبي عمران أنه قال: لا يتعداها لأنه إن حرم أجر السجود؛ فلا يحرم القراءة. انتهى. وعلى كلا التأويلين لا يرجع لقراءتها إذا تطهر أو زال وقت الكراهة؛ لأن القضاء من شعار الفرائض، وهذا هو المذهب -كما مر- خلافا للجلاب، وكذا القولان فيما إذا لم يتجاوزها بوقت نهي وفعلها فيه، والظاهر أن المتطهر وقت جواز؛ إذا قرأها ولم يسجدها يطلب بسجودها ما دام على طهارته ووقت الجواز باق، وإلا لم يطلب بقضائها؛ لأنه من شعار الفرائض، وقوله: "أو الآية"، قال ابن رشد: هو الصواب ليلا يغير المعنى. وعلم مما مر أن المراد بوقت النهي ما يشمل وقت المنع والكراهة. والله سبحانه أعلم. وفي الإرشاد: ويتجاوزها وقت الكراهة والحدث ويتلو بعد ويسجد، قال الشارح ولم يذكروا ما ذكره من قضائها فانظره.
واقتصر عليها؛ يعني أنه يكره للقارئ الاقتصار عليها؛ أي على السجدة بمعنى موضع السجود لأجل السجود فقط، فإن قصد ثواب القراءة لم يكره. وأول بالكلمة؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الاقتصار على السجدة الواقع في المدونة أنه مكروه، ونصها: وتكره قراءتها خاصة لا قبلها شيء ولا بعدها ثم يسجدها في صلاة أو غيرها، فذكر صاحب النكت أن ذلك مخصوص بما إذا قرأ موضع السجدة فقط، وعليه فلا يكره الاقتصار على الآية. والآية عطف على الكلمة؛ يعني أن بعض الشيوخ تأول قول المدونة المذكور على أن المراد به الاقتصار على جملة الآية كما في
стр. 1161
التهذيب وعليه فأحرى الكلمة قال الإمام المازري؛ وهو أي تأويل الآية الذي هو التأويل الثاني في كلام المصنف. الأشبه بالقواعد؛ إذ لا فرق بين كلمة السجدة وجملة الآية، فالتأويلان في الآية، وحيث كره الاقتصار فإنه لا يسجد، وحيث لا فإنه يسجد: فإذا اقتصر على الكلمة فإنه لا يسجد باتفاق التأويلين، وعلى الآية فعلى الكراهة لا يسجد، وعلى مقابله يسجد، وهذا الثاني مختار للمازري من الخلاف؛ فالصواب وهو الأشبه على المقول. قاله الشيخ أحمد. وذلك؛ لأن ابن رشد ذكر في ذلك قولين، أحدهما أنه: يجوز إذا قرأ الآية جميعها لأنه يعد تاليا بذلك، والثاني: أنه لا يجوز لأن حكم التلاوة لا يحصل بذلك. وإنما يحصل لمن استمر على قراءة الآيات الكثيرة، ومحل الكراهة في قوله: "واقتصار عليها"؛ إذا كان يفعل ذلك لأجل أن يسجد وإلا فلا كراهة، وإنما كره الاقتصار عليها لأن قصده السجود لا التلاوة؛ وهو خلاف: قاله أشهب. قاله الشيخ إبراهيم.
قال جامعه عفا الله عنه: ومقتضى التأويل الأول أن ما فوق الكلمة ودون الآية لا يكره الاقتصار عليه، وأما تأويل الآية فأحرى في الكراهة ما دون الآية. والله سبحانه أعلم. وتعحمدها بفريضة؛ يعني أنه يكره تعمد قراءة ما فيه سجدة لمن يصلي الفريضة وهذا هو المشهور وروى ابن وهب جوازه، وصوبه اللخمي وابن يونس وابن بشير قال وعلى ذلك كان يواظب الأخيار من أشياخي وأشياخهم، لما ثبت عنه ﷺ (أنه كان يداوم على قراءة السجدة في الركعة الأولى من صلاة الصبح يوم الجمعة (١))، وقوله: "وتعمدها بفريضة"، قال عبد الباقي: هذا في الفذ والإمام، وأما المأموم فلا يكره له ذلك، وليس من تعمدها بفريضة صلاة مالكي خلف شافعي يقرؤها بصبح جمعة، كما يدل عليه قوله: إلا لاقتداء بواصل، وظاهره، ولو غير راتب. انتهى. كلام الشيخ عبد الباقي. وناقشه الرهوني في هذا التفصيل؛ أي تخصيص الكراهة بالفذ والإمام، وأبقى المصنف على عمومه. وفي الحطاب عند قوله: "وتعمدها بفريضة"، قال الشيخ زروق في
стр. 1162
شرح الإرشاد: فإذا قرأ سورتها استحب له ترك قراءة السجدة نفسها، فإن قرأها سجد وأعلن بها في السر. انتهى. وأصله للخمي في تبصرته. وفي الشيخ سالم: كرهها مالك ليلا يعتقد الجاهل وجوبها انتهى. والله سبحانه أعلم.
أو خطبة؛ يعني أنه يكره تعمد قراءة السجدة في الخطبة لإخلالها بنظامها، قال الشيخ إبراهيم: (وما وقع من ذلك في السنة، ونزوله ﷺ ، وسجوده (١)) فمحمول على الاتفاق أو لبيان الجواز، ولما لم يصحبه عمل ترك. انتهى. وقوله: على الاتفاق لا معنى له، بل هو باطل؛ لأن أفعال النبي ﷺ كلها حجة مقصودة ما لم يقم دليل على الخصوصية، كما أفاده القاضي في الشفا وغيره. قاله الشيخ محمد بن الحسن. مالك: لا ينبغي لأحد أن يقرأ من سجود القرآن شيئا بعد صلاة الصبح، ولا بعد صلاة العصر؛ لأن السجدة من الصلاة، والصلاة النافلة ينهى عنها في هذين الوقتين.
لا نفل؛ يعني أنه لا يكره تعمد قراءة السجدة في النافلة مطلقا سرا أو جهرا، أمن التخليط على من خلفه أم لا، سفرا أو حضرا، فذا أو جماعة. وقد علمت أن تعمد قراءة السجدة في الفريضة مكروهة فإن قرأها في فرض غير جنازة سجد، وهل سنة أو فضيلة؟ خلاف، وأما في الجنازة فلا يسجد، فإن فعل فالظاهر أنه يجري فيها ما يأتي في سجوده في الخطبة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وإن قرأها في فرض سجد"؛ أي ولو بوقت حرمة، كما قاله ابن الحاج؛ لأنها تبع للصلاة كسجود السهو القبلي، وظاهره ولو تعمد قراءة السجدة في الفرض بوقت حرمة، وقال التتائي: ينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يتعمد قراءتها بوقت نهي. انتهى.
لا خطبة؛ يعني أنه إذا قرأ السجدة في خطبته فإنه لا يسجد، وانظر هل يحرم أو يكره؟ فإن وقع لم تبطل فيما يظهر لقول أشهب: ينزل ويسجد مع الناس، فإن لم يفعل فليسجدوا ولهم في الترك سعة. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "لم تبطل"، استظهره الناصر اللقاني. وجهر
стр. 1163
إمام السرية؛ يعني أن الإمام إذا قرأ السجدة في الصلاة السرية فريضة أو نافلة، فإنه يندب له أن يجهر بقراءة محل السجدة ليعلم الناس فيتبعوه. وإلا يجهر بها، وسجد: اتُّبع؛ أي يتبعه المأموم في سجوده عند ابن القاسم؛ لأن الأصل عدم السهو. وقال سحنون: يمتنع أن يتبعوه لاحتمال السهو، وعلى كلا القولين فإن لم يتبعوه صحت صلاتهم. ذكره ابن عرفة. وغيره. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الطراز: ولو كان الإمام لا يرى السجود في: ﴿ص﴾، لم يجز للمأموم أن يسجد، ولو كان يرى السجود في النجم فسجد وجب على المأموم أن يسجد معه. انتهى. قاله الإمام الحطاب. ومن مسائل ابن قداح: إذا صلى الإمام بسورة السجدة، وسجد ولم تتبعه الجماعة فقد أساءوا والصلاة صحيحة. انتهى. قال البرزلي: فيها نظر على أصل المذهب. انتهى. وقال ابن عرفة: قال اللخمي: ولا يسجدها المأموم إن لم يسجدها الإمام. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
ومجاوزها بيسير يسجد؛ يعني أن من قرأ السجدة وجاوزها لقراءة ما بعدها بيسير كآية أو آيتين ولم يسجدها؛ فإنه يسجدها من غير إعادة قراءة محلها، بناء على أن ما قارب الشيء يُعطى حُكمَه، وهذا حيث كان متطهرا والوقت وقت جواز لها، وسواء كان بصلاة أم لا. وعلم مما قررت أن معنى قوله: "ومجاوزها" أنه قرأ محلها وترك السجدة.
وبكثير؛ يعني أنه إذا قرأ موضع السجدة ولم يسجد وجاوز محلها بكثير، فإنه يعيد قراءتها، ويسجد ويعود من حيث انتهى في صلاة أو غيرها، لكن في صلاة يعود لقراءتها. بالفرض وأولى النفل، ما لم ينحن للركوع، فإن انحنى للركوع؛ بأن ركع، فات فعلها في تلك الركعة، ولا يعود لقراءتها في ثانية الفرض، فإن سجدها في ثانية الفرض من غير إعادة قراءتها لم تبطل فيما يظهر لتقدم السبب انظر كتاب الشيخ الأمير. وبما قررت علم أن قوله: "بالفرض"، متعلق بمحذوف، أي ويعيدها بالفرض ما لم ينحن فهنا حذف الواو مع ما عطفت.
وبالنفل في ثانيته؛ يعني أن من قرأ السجدة في النافلة، وجاوزها ولم يسجد وركع، يفوت فعلها في تلك الركعة بالركوع كما علمت، ويندب له أن يعود لقراءتها في ثانية النفل. ففي فعلها قبل الفاتحة قولان؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في المحل الذي يفعل فيه السجدة التي فاتته في الأولى بالانحناء، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن: يعود لقراءتها قبل قراءة الفاتحة في الركعة الثانية
стр. 1164
ويسجدها ثم يقرأ الفاتحة؛ وقال ابن أبي زيد: يفعل ذلك بعد قراءة الفاتحة، في الركعة الثانية لأنها غير واجبة فمشروعيتها بعد الفاتحة، ثم يقوم منها فيقرأ السورة، وقوله: قولان؛ مبتدأ، وخبره الجار والمجرور قبله أعني قوله: "ففي فعلها"، وعلى القول الأول: لو أخرها حتى قرأ الفاتحة فعلها بعدها، بل وكذا بعد القراءة، وقبل: الانحناء، وأما على الثاني فلو قَدَّمَها، فهل يكتفي بها أو يعيدها؟ فإن لم يذكر حتى عقد الثانية فاتت ولا شيء عليه. قال ابن بشير: إلا أن يدخل في نافلة أخرى، فإذا قام قرأها وسجد. انتهى. والظاهر أنه يجري حينئذ في هذه النافلة ما جرى من الخلاف في مسألة المصنف، أعني قوله: "ففي فعلها قبل الفاتحة قولان"، قال الشيخ عبد الباقي: قوله: "وبكثير"، متعلق بقوله: "يعيدها"، وتم الكلام عنده. وقوله: "بالفرض"، متعلق بعامل مقدر مماثل للمذكور؛ أي ويعيد بالفرض، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا جواب عن سؤال مقدر، تقديره: ماذا يفعل إذا جاوزها بكثير في الفرض والنفل، وقوله: "وبالنفل"، معطوف على قوله: "بالفرض"، والموضوع واحد؛ وهو مجاوزتها بكثير، وإنما لم يجعل متعلقا بيعيدها المذكور، لاستلزام ذلك عدم الإعادة في مسألة مجاوزتها في غير الصلاة. انتهى.
وإن قصدها فركع سهوا اعتد به؛ يعني أن المصلي إذا قرأ السجدة؛ أي موضعها، فانحط بنية فعلها، فلما وصل إلى حد الركوع ذهل عنها فركع سهوا، فإنه يعتد بذلك الركوع عند مالك، فيرفع له، وفاتت السجدة؛ لأن الحركة للركن لا تشترط. ولا سهو؛ يعني أنه لا سجود سهو على هذا الذي انحط للسجدة فسها عنها وركع؛ أي لا يسجد قبل السلام لنقص الانحطاط بنية الركوع عند مالك، وسيأتي خلاف ابن القاسم له. بخلاف تكريرها؛ يعني أن من كرر السجدة ساهيا؛ بأن سجد معها سجدة أخرى تحقيقا أو شكا -وهو في صلاة- يسن له أن يسجد بعد السلام، فمن شك هل سجد للتلاوة وهو في صلاة، أو لم يسجد؟ فإنه يسجد سجود التلاوة، ويسجد لهذه الزيادة الشكوك فيها بعد السلام.
أو سجود قبلها؛ يعني أن من سجد قبل السجدة سهوا؛ بأن سجد في آية قبلها يظنها لسهوه محل السجدة، فإنه يسجد بعد السلام. وبما قررت علم أن قوله: سهوا قيد في المسألتين؛ أي
стр. 1165
مسألتي التكرير والسجود قبلها، فإن كان عمدا بطلت فيهما. قال الإمام المازري: وأصل المذهب؛ أي قاعدته عندي في القارئ إذا قرأ سجدة وسجد لها. تكريرها؛ أي السجدة بأن يسجد كلما قرأ محلها، وفي بعض النسخ تكريره أي سجود التلاوة إن كرر حزبا فيه سجدة أو سجدات، وتقرير كلام المصنف أن تقول: قال الإمام المازري فيمن كرر حزبا من القرآن: قاعدة المذهب عندي فيه أنه كلما قرأ موضع السجدة يسجدها فيسجدها أولا، وكلما قرأها بعد ذلك فيكرر السجود بعدد تكرار قراءة موضعها ولو في وقت واحد، والمراد بالحزب ما يقرؤه مما فيه سجدة فأكثر، لا الحزب الذي هو أحد الستين.
إلا المعلم والمتعلم؛ يعني أن الإمام المازري قال في القارئ يقرأ السجدة بعد أن يسجد فيها أنه: يسجد أيضا، قال: وهو أصل المذهب عندي، إلا أن يكون ذلك القارئ ممن يتكرر عليه ذلك غالبا كالمعلم والمتعلم. ففيهما قولان، قال مالك وابن القاسم: يسجدان. أول مرة، وقال أصبغ وابن عبد الحكم: لا سجود عليهما ولو في أول مرة. قاله الشارح.
قال جامعه عفا الله عنه: فإذا عرفت هذا عرفت أن الشيخ ﵀ أطلق، قال: على جميع كلام المازري، ما قاله من عند نفسه: وما نقله عن الشيخين الإمام وابن القاسم فالمازري استثنى مما قاله من عند نفسه ما اختلف فيه الشيوخ، فكأنه قال: قاعدة المذهب عندي تكرير السجود لمن كرر شيئا من القرآن فيه سجدة أو سجدات؛ وأعني بذلك غير المعلم والمتعلم، وأما المعلم والمتعلم فإنهما قد نص على حكمهما إمام الائمة وأصحابه، فقال هو وابن القاسم: إنهما إنما يسجدان أول مرة، وقال أصبغ وابن عبد الحكم: لا سجود عليهما ولو في أول مرة. والله سبحانه أعلم. ويسجد قارئ القرآن جميع سجداته، وإنما سجد المعلم والمتعلم أول مرة لا في غيرها للحرج والشقة. والله سبحانه أعلم. وقوله: "إلا المعلم والمتعلم"، سواء كانا قارئين، أو المعلم فقط والمتعلم سامع، أو المتعلم قارئا والمعلم سامع، كما هو ظاهر المصنف، والتوضيح. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقوله: "فأول مرة"، قال الشيخ عبد الباقي سواء كان أول مرة في قراءة سجدات في سور أو في تكرير سورة، أو أكثر بكل سجدة، ولذا عبر بأول مرة دون أول سجدة؛ لأنه كان ربما يوهم قصره على الثانية، وأراد بالتكرير تكرير ما تطلب فيه السجدة سواء كان عين الأولى أو غيره، ولا
стр. 1166
يطلبان بعد بسجود آخر للحرج والشقة، ثم إن قرأ متعلم آخر تلك السجدة سجدها وحده، وإن قرأ غيرها سجداها ولو قرأ متعلمون جملة على واحد سجدة أو سجدات متماثلة، كمريم على هينة السبع، سجد كل قارئ، وكذا المعلم أول مرة فقط لاتحاد مقْرُوِّهِمْ لا مع كل بانفراده، فإن لم تتماثل قراءتهم بل اختلفت، كقراءة أحدهم الإسراء، والآخر مريم، وآخر الحج، وآخر الفرقان في وقت واحد على معلم، وكرر كل مقروه، فيسجد كل قارئ أول سجدة قطعا، وكذا يسجد المعلم أول مرة فقط عند سماعه أول سجدة من أيهم عند ابن رشد ومن وافقه. وقال اللخمي والمازري: يسجد أول سجدة مع كل واحد لاختلاف مقروهم، وانظر في عكس هذا، وهو ما إذا اتحد القارئ المتعلم، وتعدد معلمه السامع من غير جلوس كل بمحل واحد، وسجد كل معلم أول مرة، فهل يسجد المتعلم أول مرة أيضا لقراءته عند كل معلم عين ما قرأه عند آخر مطلقا أولا مطلقا؟ أو إن طال الفصل بين قراءته على كل، فالأول، وإلا فالثاني. فإن قرأ على كل غير ما قرأ على الآخر سجد عند كل أول مرة، كما إذا قرأ على الجميع جملة في وقت واحد. انتهى. قوله: "لا مع كل بانفراده" الخ؛ قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، فإن الموضوع في كلامه قراءتهم مجتمعين على هيئة السبع، وقوله: من غير جلوس كل بمحل واحد؛ أي من غير جلوس جميعهم بمحل واحد، بل جلس كل واحد بمحل وحده.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر صحة قوله لا مع كل بانفراده؛ أي لا يسجد بعدد المتعلمين. والله سبحانه أعلم وقوله إن كرر حزبا قال الشيخ محمد بن الحسن: لو قال: إن كرر موجب سجود، كان أولى، ليشمل ما إذا كرر الأول أو غيره. انتهى. وهو نحو ما مر عن الشيخ عبد الباقي، أن المراد بالتكرير تكرير ما تطلب فيه السجدة سواء كان عين الأولى أو غيره. انتهى. وفي الحطاب: المازري: وإذا كان المتعلمون جماعة يقرءون على المعلم الواحد واحدا، بعد واحد فإنه يسجد كل واحد من المتعلمين، وقاله الفاكهاني انتهى.
وندب لساجد الأعراف قراءة قبل ركوعه؛ يعني أنه يندب لمن هو في صلاة إذا قرأ سورة الأعراف، وسجد السجدة في آخر السورة، أن يقرأ بعد قيامه منها -من الأنفال- أو من غيرها
стр. 1167
مما يليها على نظم الصحف، لا ما قبلها -وقبل ركوعه- وإنما ندب له أن يقرأ قبل ركوعه؛ لأن من سنة الركوع أن يقع عقب القراءة. ومثل الأعراف غيرها، وإنما خص الأعراف لدفع توهم أنه من باب جمع سورتين في ركعة؛ وهو مكروه في الفرض فغيرها أحرى.
ولا يكفي عنها ركوع؛ يعني أنه لا يكفي عن سجدة التلاوة ركوع؛ أي لا يجعل الركوع عوضا عنها؛ لأنه تغيير للموضوع الشرعي عن هيئته، وهذا إذا أشركها في الركوع، وأما لو خصها بالركوع فينبغي بطلان صلاته. قاله الشيخ سالم. وقال الشيخ إبراهيم: قال ابن القاسم في العتبية: فإن تعمد الركوع بها أجزأته الركعة في الفريضة والنافلة ولا أحب له ذلك، وليقرأها في النافلة في الثانية ويسجد، وهذا يفيد الاعتداد بالركوع ولو قصد به السجدة فقط، ونحوه في البساطي. انتهى. والفرق بين كون الركوع لا ينوب عن السجدة مع أنه نواها، وبين غسل الجنابة يحصل به غسل الجمعة إن نواهما تماثل هيئة العبادتين فيما مر وتخالفهما هنا، - وبالله تعالى التوفيق -، وهذا الفرق مأخوذ من كلام ابن يونس حيث علل أن السجدة لا يكفي عنها ركوع بقوله: لأنه إن قصد به الركوع فلم يسجد وإن قصد السجدة فقد أحالها عن وجهها وذلك غير جائز؛ لأنه تغيير للموضوع الشرعي عن هيئته. انتهى.
وإن تركها وقصده صح؛ يعني أن من هو في الصلاة إذا قرأ موضع السجدة وتركها وانحط بقصد الركوع فركع ولم يجعل ركوعه عوضا عنها فإنه يصح ركوعه، وكذا لو جعل ركوعه عوضا عنها فإنه يصح كما يفيده كلام أبي الحسن. قاله الشيخ إبراهيم. وكره يعني أن هذا الذي قصد الركوع وركع وترك السجدة يكره فعله لتفويته سنة أو فضيلة.
وسهوا اعتد به عند مالك. قرره الطخيخي على أن معناه انحط بنية السجدة، فلما وصل إلى حد الركوع نواه وذهل عنها، فإنه يعتد بذلك الركوع عند الإمام مالك، ولا يعتد به عند ابن القاسم؛ أي لأنه لا ينحط بقصد الركوع وإذا فرعنا على قول ابن القاسم أنه لا يعتد بالركوع، فإنه يخر ساجدا للتلاوة، ثم يقوم فيقرأ شيئا من القرآن ويركع، فإن لم يطمئن في ركوعه الذي هوى له بنية السجدة فلا سجود عليه، وإن اطمأن فيه وأولى إن رفع منه، فإنه يسجد بعد السلام، وإلى ذلك أشار بقوله: فيسجد إن اطمأن به؛ أي يسجد بعد السلام إن اطمأن في انحنائه. والله
стр. 1168
سبحانه أعلم. وقرره الشارح، والبساطي، وابن غازي، والتتائي على أن معناه: انحط بنية الركوع وسها عن السجدة فيعتد في لك الركوع عند مالك، ولا يعتد به عند ابن القاسم؛ لأن نية الركوع إنما كانت سهوا عن السجدة، وعلى هذا التقرير فليست هذه مكررة مع السابقة؛ لأن هذه تركها والأولى قصدها. والصواب ما قرر به الطخيخي لأنه وإن كانت هذه مكررة مع السابقة، فالشيخان إنما اختلفا فيما إذا انحط بنية السجدة، فلما وصل إلى حد الركوع ذهل عن السجدة، ودعوى التكرار خير من نسبة خلاف إلى الشيخين لم يكن. والله سبحانه أعلم. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما قرره به الطخيخي هو الصواب، وإن لزم عليه التكرار. وفائدته التنبيه على أن المسألة ذات خلاف، وأما التقرير الآخر فمشكل من ثلاثة أوجه: أحدها ما تقدم في السهو من أن السجدة تفوت بالانحناء، وأجيب عنه بأن ما تقدم مقيد بركوع خالص لم يزاحمه سجود، كما إذا جاوز آية السجدة ثم انحنى للركوع، وأما إذا لم يخلص المحل للركوع كما نحن فيه فلا يفوت بالانحناء ثانيها: الرجوع من فرض إلى سنة، وأجيب بأن ابن القاسم لعله إنما يمنع ذلك إذا اختلفت هيئة المرجوع عنه والمرجوع إليه، وما هنا لا كبير اختلاف فيه؛ لأن الانحناء لابد منه في الركوع والسجود. ثالثها: أن اللخمي حكى الاتفاق على الاعتداد، فيما قرر به ابن غازي الخلاف هنا، وأجيب بأن ذلك طريقة اللخمي، وأما ابن يونس فطريقته الخلاف في الصورتين كما أشار إليه ابن غازي، لكن رده مصطفى فانظره. انتهى. قال المصنف: وينبغي أن يجري على هذا الخلاف أي خلاف. ابن القاسم، ومالك: من سها عن نية الركوع والسجود، وانحط بغير نية البتة. ولما أنهى الكلام على سجود التلاوة، وكان بينه وبين صلاة التطوع مشابهة، أتبعه بها، فقال:
стр. 1169
فصل: في النوافل، واعلم أنه نقل في رياض الصالحين عن النبي ﷺ أنه قال: (من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن (١)). انتهى. وقد ورد عنه ﷺ أنه قال: (أول ما افترض الله تعالى على أمتي الصلواتُ الخمس، وأول ما يسألون عنه الصلوات الخمس، فمن ضيع شيئا منها يقول الله ﵎: انظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صلاة تتمون بها ما نقص من الفريضة؟ وانظروا في صيام شهر رمضان فإن كان ضيع شيئا منه فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صيام تتمون بها ما نقص من الصيام؟ وانظروا في زكاة عبدي فإن كان ضيع شيئا منها فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صدقة تتمون بها ما نقص من الزكاة؟ فيؤخذ ذلك على فرائض الله وذلك برحمة الله، فإن وجد فضل وضع في ميزانه، وقيل له ادخل الجنة مسرورا. وإن لم يوجد له شيء من ذلك أمرت به الزبانية فأخذ بيديه ورجليه ثم قذف في النار (٢)). انتهى.
وقال ابن رقيق العيد في تقديم النوافل على الفرائض وتأخيرها معنى لطيف مناسب: أما التقديم فلأن النفس لاشتغالها بأسباب الدنيا بعيدة عن حالة الحضور والخشوع التي هي روح العبادة: فإزا قدمت النوافل على الفرائض أنست النفدى بالعبادة وتكيفت بحالة تقرب من الخشوع، وأما تأخيرها عنها فقد ورد أن النوافل جابرة لنقص الفرائض، فإذا وقع الفرض ناسبه أن يقع بعده ما يجبر به خلل فيه انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن. واعلم أنه يكره التنفل بهذه النية، قال في سماع ابن القاسم: وليس من عمل الناس أن يتنفل ويقول: أخاف أني نقصت من الفرائض، وما سمعت أحدا من أهل الفضل يفعله.
ندب نفل؛ يعني أن النفل مندوب، والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. وقوله: "ندب نفل"؛ يعني في كل وقت يجوز فيه التنفل ليلا أو نهارا، ولا فرق في ذلك بين الحاضر والمسافر. انظر تحقيق هذا في أول فصل القصر، والأصل في ندب النافلة قوله صلى الله عليه
стр. 1170
وسلم: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ومتكلما (١))، ولخبر: (ما من امرئ يكون له صلاة بليل فغلبه عليها نومه إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه صدقة عليه (٢))، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ ؛ أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة، وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان، فقال: (أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم (٣)). وقال عمرو بن العاصي ﵁، ركعة باليل أفضل من عشرين ركعة بالنهار. قاله في الرياض.
والنفل لغة: الزيادة، والمراد به هنا: ما زاد على الفرض؛ وهو ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه -كما عرفت- فيشمل: المندوب، والرغيبة، والسنة. فالمندوب: ما فعله ﷺ ، ولم يداوم عليه، وهذا الحد غير جامع لخروج نحو الركوع قبل الظهر، لما ورد أنه ﷺ كان يداوم على أربع قبل الظهر.
والرغيبة: ما رَغَّب فيه الشارع وحَدَّه، ولم يفعله في جماعة. وخرج بقوله: وحَدَّه بعض مندوب رُغِّبَ فيه -كما يأتي في الرواتب- والأحسن أن تبين الرغيبة بالعد؛ لأنه ليس لنا منها سوى ركعتي الفجر.
стр. 1171
والسنة: ما فعله ﷺ ، وداوم عليه، وأظهره في جماعة، واقترن به ما يدل على عدم وجوبه. فخرج ما لم يداوم عليه وإن صلاه في جماعة كالتراويح، وما لم يظهره كأربع قبل ظهر، وأربع قبل عصر، وقوله: ولم يداوم عليه، استشكل بوجوب إثبات عمله -كما يأتي- وأجيب بأن المراد بإثباته أن لا يقطعه أصلا لا أنه يفعله في كل أوقاته، وبأن المراد إثبات عمله الخاص به كنافلة عملها لنفسه لا لبيان تشريع، وقوله: وداوم عليه؛ يعني أو فهم ذلك منه ككسوف، واختلاف ألفاظه يرجع إلى قوة تأكد بعضه على بعض، فأعلاه السنة، ثم الرغيبة، ثم الندب كالضحى والرواتب، والتراويح ثم النافلة التي لم تحد ولم تقيد كالنوافل المطلقة، ثم الفضيلة، ثم التطوع.
وتأكد بعد مغرب؛ يعني أنه يتأكد ندب النفل بعد صلاة المغرب، وبعد الإتيان بالذكر الوارد عقبها: لقوله ﷺ : (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم يصلي علي، ثم يدعو بما شاء (١)). وفي الحديث: (من صلى بعد المغرب ستا لم يتكلم بينهن بسوء، عدلن له عبادة ثِنْتَيْ عشرة سنة (٢))، وفي لفظ: (غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر (٣)). كذا في الشبراخيتي. وفي الحديث أيضا: (من صلى ركعتين بعد المغرب كتبتا في عليين (٤))، وفيه: (أسرعوا بالركعتين بعد المغرب (٥)). رواه في الجامع الصغير. وعن ابن عمر ﵄، قال: (صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، فأما المغرب والعشاء ففي بيته (٦)). أخرجه الستة. رواه في التيسير. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :
стр. 1172
(من ثابر على اثنتي عشرة ركعة من السنة، بنى الله له بيتا في الجنة؛ أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر (١)). أخرجه الترمذي، والنسائي. المثابرة: المداومة. قاله في التيسير. وفيه: عن أبي داوود عن علي رضي الله منه، قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي في إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر (٢)). وفيه: عن النسائي عن ابن مسعود ﵁: (رمقت رسول الله ﷺ عشرين مرة يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين [قبل (٣)] الفجر: قل يأيها الكافرون، وقل هو الله أحد (٤)). وفي الحديث: (من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم ركعتين، وفي رواية أربعا، رفعت صلاته في عليين (٥)). رواه في التيسير، وفيه: عن حذيفة، وكان يقول: (عجلوا بالركعتين بعد المغرب فإنهما يرفعان مع المكتوبة (٦)).
واعلم أن من نوى النفل أربعا فله أن يسلم من ركعتين، وإذا أفسده وقد نواه أربعا، فإن كان قبل عقد الثالثة قضاه ركعتين فقط لا ركعتين ثم ركعتين، وإن كان بعد عقد الثالثة قضاه أربعا، (وصلى النبي ﷺ المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها، فقال: هذه صلاة البيوت (٧)). أخرجه أبو داوود، والنسائي. وعنده: (عليكم بهذه الصلاة (٨)).
كظهر: تشبيه في تأكد ندب التنفل بعدُ؛ يعني أنه يتأكد ندب النفل بعد صلاة الظهر، كما أنه يتأكد ندبه بعد صلاة المغرب. وكما يتأكد ندب النفل بعد الظهر، يتأكد قبلها؛ أي الظهر،
стр. 1173
لخبر: (من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر: وأربع بعدها حرمه الله على النار (١)). رواه في التيسير عن أصحاب السنن. وفي الرياض: عن الترمذي أنه قال: حديث حسن صحيح غريب، وفي التيسير: عن علي ﵁، قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي قبل الظهر أربعا، وبعدها ركعتين (٢)). أخرجه الترمذي. وفيه: عن أبي داوود عن أبي أيوب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم يفتح لهن أبواب السماء (٣))، وهذا دليل للقول بجواز التنفل بأربع، وفي التيسير: عن الترمذي عن عبد الله بن السائب، قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي أربع ركعات [بعد (٤)] أن تزول الشمس قبل الظهر، ويقول: إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وأحِبُّ أن يصعد لي فيها عمل (٥)).
كعصر؛ يعني أنه يتأكد ندب النفل أيضا قبل صلاة العصر، لخبر: (رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعا (٦)). رواه أبو داوود والترمذي، ودعاؤه ﷺ مستجاب. وللباجي، وسند، وابن العربي: أن البداءة بالفريضة أفضل مع اتساع الوقت، وعليه فإنما تطلب الرواتب القبلية لمن ينتظر جماعة لا للفذ، ولا لمن لا ينتظرها. وفي المدونة: من دخل مسجدا قد صلى أهله فجائز أن يتطوع قبل المكتوبة إذا كان في بقية من الوقت، وكان ابن عمر يبدأ بالمكتوبة، وقد تقدم عند قوله: "والأفضل لفذ" ما يخالف هذا، ولا خلاف في المنع إذا ضاق الوقت، وفي الحطاب بعد جلب نقول: يفهم من كلامهم أن الأولى تقديم الفريضة، وفي التوضيح: وينبغي أن يقيد هذا؛ أي كون البداءة بالفريضة أولى من البداءة بالنفل بما إذا كانت الصلاة يجوز التنفل بعدها؛ وأما ما لا يجوز كالصبح والعصر فلا. وفي التيسير: عن علي ﵁ قال (كان رسول الله صلى الله
стр. 1174
عليه وسلم يصلي قبل العصر ركعتين (١))، رواه أبو داوود. وعن علي ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي قبل العصر أربعا يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين (٢)). رواه في التيسير عن الترمذي، وقالت عائشة ﵂: (ما كان رسول الله ﷺ يأتيني في يومي بعد العصر إلا صلى ركعتين (٣)). رواه في التيسير عن الخمسة، إلا الترمذي. (وقال ابن عباس ﵄: إنما صلى النبي ﷺ ركعتين بعد العصر، ثم لم يعد لهما (٤)). أخرجه الترمذي. بلا حد، الظاهر أنه ظرف مستقر حال من النفل المتأكد ندبه، ويحتمل أنه ظرف لغو متعلق بتأكد. والله سبحانه أعلم. ويؤخذ ذلك من كلام الشيخ عبد الباقي؛ يعني أن هذه الرواتب من جملة ما يتأكد ندبه من النوافل، وليست محدودة بعدد تكره الزيادة عليه والنقص عنه. قاله الشيخ إبراهيم. وعبارة الشيخ عبد الباقي بلا حد بعدد خاص، بحيث تكون الزيادة عليه أو النقص عنه مفوتا للمطلوب قبل الفرائض أو بعدها، وإنما ذكر أبو محمد ذلك العدد تبركا بالوارد لا على وجه التحديد، ولا يخفى أن ما كثر من الطاعات يزيد ثوابه على ما دونه والأعداد الواردة في الأحاديث ليست للتحديد بل للفضل الرتب عليها، ولا يشترط الاتصال. ألا ترى أنه يجوز الإتيان بركعتي الفجر في أول الوقت، ثم يصلي الصبح قبل الإسفار، أو في الإسفار؟ قاله الشيخ إبراهيم وينبغي لطالب العلم أن يشد يده على مداومته على فعل السنن والرواتب، وما كان منها تبعا للفرض قبل أو بعد، وإظهارها في المسجد أفضل من فعلها في بيته (كما كان ﵊ يفعله ما عدا موضعين كان لا يفعلهما إلا في بيته (٥)): بعد الجمعة ليلا يكون ذريعة لأهل البدع الذين يحدثون بعده ولا يرون صحة صلاة الجمعة إلا خلف إمام معصوم، وبعد المغرب
стр. 1175
شفقة على أهله عند صومه ليلا ينتظروه بالعشاء، ولم يرد شيء معين في النفل قبل العشاء إلا عموم قوله ﷺ : (بين كل أذانين صلاة (١)). والمراد الأذان والإقامة والمغرب مستثناة، وفي اللمع أن: العشاء كالظهر. وقد مر أن من نوى النفل أربعا له أن يسلم من ركعتين، وإن أفسده وقد نواه أربعا؛ فإن أفسده قبل عقد الثالثة قضاه ركعتين فقط لا أنه يصلي ركعتين ويسلم منهما، ثم يصلي ركعتين وبعد عقد الثالثة قضاه أربعا. واستفيد من هذا أن النفل المفسد يجب قضاؤه وبه صرح ابن الحاجب، فقال: وإن قطع نافلة عمدا لزمه إعادتها، بخلاف المغلوب. وقال الشيخ الأمير: ندب نفل وتأكد في الرواتب بلا حد، والأفضل الوارد وبعد الأذكار وكره نية جبر الفرض، ثم قال: وهذا كمن يعبد لا في نظير ثواب مع أنه مؤمن فالنية قدر زائد على العلم؛ فإنها من قبيل الإرادات. وقد علمت أن قضاء النفل المفسَد واجب، وإنما لزمه إعادته لوجوبه بالشروع فيه عندنا، ولا عذر له. قاله في التوضيح.
والضحى؛ عطف على النفل المتأكد؛ يعني أنه يتأكد ندب صلاة الضحى، كما هو ظاهر أبي عمر، وصرح به ابن العربي، ومن أتى بها كان من الأوابين، وحمى ثلاثمائة وستين عضوا من النار. وفي الحديث: (كان ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها (٢)). وهذا بناء على أنه كان غير واجب عليه. خلاف ما مشى عليه المصنف في الخصائص، وكان هنا تدل على التكرار بلا خلاف. والله تعالى أعلم. وفي خبر أبي هريرة: (أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام (٣))، وبعث النبي ﷺ بعثا فأعظموا الغنيمة وأسرعوا الكرة، فقال رجل: (يا رسول الله ما رأينا بعثا قط أسرع كرة ولا أعظم غنيمة من هذا البعث، فقال: ألا أخبركم بأسرع كرة منه وأعظم غنيمة رجل توضأ فأحسن الوضوء، ثم عمد إلى المسجد فصلى فيه الغداة، ثم عقب
стр. 1176
بصلاة الضحى، فقد أسرع الكرة وأعظم الغنيمة (١)). وقال ﷺ : (من صلى صلاة الغداة في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم قام فصلى ركعتين، انقلب بأجر حجة وعمرة (٢)). وفي الجامع الصغير: قال الله: (يا ابن آدم صل أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره (٣))؛ أي شر ما يحدث آخره؛ أي بقيته. وحمل ابن تيمية، وابن القيم الأربع على صلاة الصبح والفجر، وحملها غيرهما على سنة الضحى، ويؤيده ما روي مرفوعا: (ما من عبد يصلي الضحى ثم لم يتركها إلا عرجت إلى الله تعالى، وقالت: يا رب إن فلانا حفظني فاحفظه، وإن تركها قالت: يارب إن فلانا ضيعني فضيعه (٤)).
وفي الحديث أيضا: (ركعتان من الضحى تعدلان عند الله بحجة وعمرة متقبلتين (٥))، وفي العهود المحمدية: من واظب على صلاة الضحى لم يقربه جني إلا احترق، وهي كسائر النوافل لا حرج في تركها للخبر المتقدم: كان يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها، ولا يعارضه الخبر المار: (وإن تركها، قالت: يارب إن فلانا ضيعني فضيعه (٦)) لحمله على من تركها كسلا، وحمل الآخر على تركها لا كسلا، فما شاع عند العوام من إصابة من لم يواظب عليها بمكروه في نفسه وأولاده، فباطل. وفي التلقين أنها: نافلة غير مؤكدة، وظاهر ابن عرفة ترجيحه ووقتها من حل النفل للزوال، وأحسنه إذا كان الشمس من المشرق مثلها من المغرب وقت العصر؛ أي ابتداء وقت العصر، قال الشيخ عبد الباقي: معنى ذلك إِن وقت الزوال نصف النهار فما بعده إلى الغروب كقدر ما بعد وقت الطلوع إلى الزوال، فيحسب بعد الطلوع قدر حصة ما بين العصر إلى المغرب، كأربعين درجة مثلا، فيصلي الضحى إذا مضى من طلوع الشمس أربعون درجة حينئذ قال الشيخ عبد الباقي: وأقل الضحى ركعتان، وأكثره ثمان، وأوسطه ست،
стр. 1177
ويكره ما زاد على ذلك بنية الضحى لا بنية نفل مطلق. انتهى. ونحوه للشيخ الخرشي، والشيخ إبراهيم. وقوله: ويكره ما زاد على ذلك الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع فيه الشيخ الأجهوري، وهو غير ظاهر والصواب ما قاله الباجي أنها: لا تنحصر في عدد، ولا ينافيه قول أهل المذهب: أكثرها ثمان؛ لأن مرادهم أكثرها بحسب الوارد فيها، لا كراهة الزائد على ثمان، فلا مخالفة بين الباجي وغيره، قاله المسناوي. انتهى. وانظره مع ما في التيسير عن الترمذي عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى الضحى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له قصرا في الجنة من ذهب (١)). واعلم أن ابن الحاجب صحح القول، بأن كان يفعل كذاة تقتضي التعميم، والأصح خلافه، كما لابن السبكي. إلا لقرينة مدح كقوله تعالى في قصة إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾، وقولهم: وكان حاتم يقري الضيف أو لعرف أو ذكر غاية بعدها كما في الحديث المتقدم. وعن أم هانئ ﵂ قالت (دخل رسول الله ﷺ بيتي يوم الفتح فاغتسل وصلى ركعتين (٢) ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود (٣)) رواه في التيسير. وفيه: عن أبي هريرة ﵁: (أوصاني خليلي ﷺ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد (٤)). أخرجه الخمسة. وفيه: عن مسلم، وأبي داوود، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، [وأمر بمعروف صدقة (٥)] ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما العبد من الضحى (٦)). وفيه: عن أبي
стр. 1178
داوود عن بريدة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة، قالوا: ومن يطيق ذلك؟ قال: النخاعة في المسجد يدفنها، والشيء ينحيه عن الطريق، فإن لم يجد فركعتان يركعهما من الضحى (١)). وفيه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حافظ على شفعة الضحى غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر (٢))، أخرجه الترمذي. وفيه: عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله (٣)). واعلم أنه (روي عن عائشة ﵂ إنكار الضحى (٤))، وروي عنها ما تقدم من أنه يصلى الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله، والأشبه الجمع من أنها إنما أنكرت صلاة الناس المعهودة علىما اختاره بعض السلف من صلاتها ثمان ركعات، وأنه إنما كان يصلي أربعا -كما قالت- ثم يزيد ما شاء الله. وعلى هذا يجمع بين الأحاديث المختلفة في عددها؛ لأنها أقل ما تكون ركعتين، ثم كان ﵊ يزيد فيها أحيانا ما شاء الله. وقد تقدم أن أول وقتها من حل النفل للزوال، قال الإمام الحطاب: وأول وقتها ارتفاع الشمس وبياضها وذهاب الحمرة، وآخره الزوال، وأحسنه إذا كانت الشمس من المشرق مثلها من المغرب وقت العصر.
وسر به نهارا؛ يعني أنه يندب في نوافل النهار الإسرار، وفي كراهة الجهر بها فيه قولان، إلا الورد بعد طلوع الفجر فيجهر به. وجهر ليلا؛ يعني أنه يندب الجهر بالنفل في الليل؛ أي يندب إسرار القراءة في النفل بالنهار، ويندب الجهر بها في النفل بالليل إلا لتشويش مصل آخر، ويجوز السر بالليل أي هو خلاف الأولى. واستحب الجهر بالليل لظلمة الوقت فينبه بالجهر المارة أن
стр. 1179
هاهنا من يصلي؛ ولأن الكفار إذا سمعوا القرآن لغَوْا فيه، فأمر بالجهر وقت اشتغالهم بالنوم، وترك الجهر في حضورهم، وأمر به في الجمعة والعيدين لحضور أهل البوادي والقرى، كي يسمعوه فيتعلموه ويتعظوا به.
وتأكد بوتر؛ يعني أنه يتأكد ندب الجهر بالوتر ولو بضروريه، لا بشفع، فيندب غير مؤكد كالعيدين، فإن أسر بالوتر ولو عمدا فلا شيء عليه. وقال الأبياني: يسجد قبل في السهو، ويعيد في العمد والجهل، وضعفه عبد الحق.
وتحيه مسجد؛ يعني أنه يتأكد ندب تحية المسجد بركعتين. وبما قررت علم أنه معطوف على ما عطف عليه الضحى فهو من المتأكد، وإلا لم يكن لذكره بعد ذكر النفل معنى. انتهى. قاله ابن عاشر. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "وتحية مسجد"؛ أي لداخل متوضئ وقت جواز، يريد: الجلوس، وكره الجلوس قبلها، لخبر: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين (١))، ولا تسقط بالجلوس قبلها، وإن تكرر دخوله كفته الأولى إلا أن يبعد رجوعه له عرفا قال عبد الباقي: وكفى عنها لحدث أو وقت نهي، قول: سبحان الله: والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر أربع مرات؛ لأنها عدل ركعتين، فتقوم مقامهما في تحصيل الثواب وإكرام البقعة، ولا يقال التحية منهي عنها إذ ذاك؛ لأنا لا نسلم أن النهي يتناول بدلها. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: ظاهر عبارة الحطاب أن ذلك الذكر ينوب عن التحية، ولو دخل متوضأ وقت جواز، وله أن يركعها حيث أراد من المسجد، ولو كان جلوسه في أقصاه. وقيل: المستحب أن يركع عند دخوله، ثم يمشي إلى حيث شاء. وذلك بمنزلة السلام على من لقي؛ لأن أول ما يبدؤه بالسلام ثم يكلمه، ونكر مسجدا ليعم مسجد الجمعة وغيره، كما منع الجنب من جميعها، وهل المراد ما يطلق عليه اسم مسجد لغة؟ فتدخل الساجد التي يتخذها من لا مسجد لهم من بيت وغيره، ومن اتخذ مسجدا في بيته أو المسجد المعروف؟ قاله الجزولي، وسيأتي أنهم يجمعون ليلة المطر بمصلى أهل البادية؛ وهو يؤكد كونه كالمسجد. قاله غير واحد. وفي الحطاب:
стр. 1180
من صلى تحية ثم خرج لحاجة ثم رجع بالقرب، فهل يكرر التحية؟ ذكر ابن ناجي في شرح المدونة في كتاب القذف [نظائره (١)] هل تكرر أم لا؟ منها هذه، ثم قال: وهذا كله بخلاف السلام، فإني لم أر فيه خلافا، بل يسلم على من لقي ولو لم يحل بينهما إلا شجرة، على هذا مضى السلف وقبله شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي، وكان يفتي به، وهو صواب لتأكد السلام. انتهى. وقال ابن فرحون في شرحه على ابن الحاجب: لو ركع عند دخوله، ثم جلس، ثم عرضت له حاجة، فقام إليها خارجا عن المسجد، ثم رجع بالقرب لم يلزمه أن يركع ثانية. وجاز ترك مار؛ يعني أن من لا يريد المكث في المسجد لا يطلب بالتحية، فلذا جاز لمن مر بالمسجد لا يريد جلوسا به أن يترك التحية، بل هو غير مخاطب؛ وهي من النفل المطلق فلا تفتقر لنية، ويجوز المرور بالمسجد كما في المدونة، وقيدها بعضهم بما إذا لم يكثر، وإلا منع؛ أي كره -فيما يظهر- وهو من أشراط الساعة، وهذا إذا كان سابقا على الطريق -كما في التتائي- لأنه تغيير للحبس. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الإعلام: وسئل ابن عرفة، هل يجوز اتخاذ المسجد طريقا أم لا؟ فأجاب بجوازه، وكان الشيخ ابن عبد السلام البودري يفعله فعيب عليه ولا يفهم من المصنف الجواز، ولو صلى المار ركعتين في المسجد كانتا نافلة غير تحية لعدم خطابه بها.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أنه إذا نوى بركعتين تحية المسجد، فإنه لا يكره له ذلك، لقوله: "وجاز ترك مار"؛ إذ مقتضاه جواز فعلها. والله سبحانه أعلم. ولما كانت التحية غير مقصودة لذاتها، بل لتمييز المساجد عن البيوت، فمتى حصل إكرام البقعة بصلاة أي صلاة، حصل المقصود منها، أشار إلى ذلك بقوله: وتأدت بفرض؛ يعني أن تحية المسجد تتأدَّى أي تحصل بصلاة الفرض فيه، ومعنى ذلك أنه تسقط المطالبة بتحية المسجد بسبب إيقاع صلاة الفرض فيه؛ أي يقوم الفرض مقامها في إكرام البقعة وإسقاط الطلب مطلقا، وأما الثواب فإنما يحصل إذا نوى به الفرض والتحية، أو نوى الفرض نيابة عنها حيث طلبت. النووي: ولا يكفي
стр. 1181
عن التحية صلاة جنازة ولا سجود تلاوة ولا شكر على الصحيح، وقال بعض أصحابنا: يكفي. انتهى. وقوله: "بفرض"، نص على التوهم، فالسنة والرغيبة كذلك؛ لأنها إذا تأدت بغير جنسها فبجنسها أولى، وهي لم تقصد لذاتها بل لتمتاز المساجد عن البيوت، وحينئذ فتحصل بأي صلاة ولو لم يلاحظ التحية. وقال الشيخ الأمير: وسقطت؛ يعني التحية بمطلق صلاة إلا الجنازة، وحصل ثوابها إن لاحظها وإلا فلا، وإن سقط الطلب.
وبدء بها بمسجد المدينة قبل السلام عليه ﷺ ؛ يعني أنه يندب لمن دخل المسجد النبوي أن يبدأ بالتحية للمسجد قبل أن يسلم على رسول الله ﷺ ، ثم بعد أن يركع التحية يسلم عليه ﷺ ؛ لأنها حق الله، والسلام عليه ﷺ حق لمخلوق، وحق الله آكد، وإن كان كل منهما مندوبا؛ ولأن من جملة إكرامه ﷺ ، امتثالَ أوامره: والركعتان مما أمر به. وما قررت به كلام المصنف هو أحد قولي مالك، وبه أخذ ابن القاسم. وقيل: يجوز البدء بها؛ وهو قوله الثاني، ولم يأخذ به ابن القاسم. وعليه فيعطف على "ترك" من قوله: "وجاز ترك مار"، وإذا كان يبدأ بتحية المسجد قبل السلام على رسول الله ﷺ ، فما ظنك بغيره؟ فيبدأ بالتحية قبل السلام على غيره، ولذا قال الشيخ المحقق الأمير: وندب البدء بها قبل السلام، وإن على النبي ﷺ فظاهره يشمل مسجد المدينة وغيره، وذلك واضح، قال في شرحه بعد قوله: "قبل السلام"، إلا أن يخشى الشحناء. انتهى.
وإيقاع نفل به بمصلاه ﷺ ؛ يعني أنه يندب لمن في المسجد النبوي أن يوقع نفلا به أي بمسجد المدينة بالموضع الذي كان يصلي فيه النبي ﷺ ، فقوله: "به"؛ أي بمسجد المدينة، والباء للظرفية: وقوله: "بمصلاه"؛ أي بالوضع الذي كان يصلي فيه النبي ﷺ . وقال الشيخ إبراهيم عند قول المصنف: "بمصلاه": كان اللائق أن يأتي بالواو لأنه مندوب ثالث. انتهى. والظاهر أن معنى ذلك أن النفل مندوب، وإيقاعه بمسجد المدينة مندوب ثان، وإيقاعه بالمصلى النبوي منه مندوب ثالث. والله سبحانه أعلم. وقوله: "بمصلاه"؛ هو العمود الخلق عند ابن القاسم لا عند مالك، لكنه أقرب شيء إليه، وقد يجمع
стр. 1182
بينهما بما قاله بعضهم؛ بأن الأسطوانة الخلقة كانت مصلاه، وكانت أكابر أصحابه يصلون إليها ويجلسون عندها، وصلى إليها ﵊ بعد تحويل القبلة بضعة عشر يوما، ثم تقدم لصلاه المعروف، ونازع الأجهوري في هذا الجمع المذكور. وقوله: "وإيقاع نفل به"، قال الشيخ عبد الباقي: فإن قلت هذا يخالف ما تقرر من أن صلاة النافلة في البيوت أفضل، قلت: يحمل هذا على ما صلاته في المسجد أولى، أو على ما صلاته بمسجده بخصوصه أولى، كمطلق التنفل للغرباء. انتهى. وقوله: قلت يحمل على ما صلاته في المسجد أولى الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: ابن عرفة: وسمع ابن القاسم: أحِبُّ النفلَ نهارا في المسجد، وليلا في البيت. ابن رشد: لشغل باله بأهل بيته نهارا، فلو أمن من ذلك كان في البيت أفضل، وسمع نفل الغريب بمسجده ﷺ أحَبُّ إلي، وغيره ببيته. ابن رشد: لأن الغريب لا يعرف، وغيره يعرف، وعمل السر أفضل. واعلم أن الاحتياط الآن استيعاب جميع البقعة التي هي مظنة مصلاه بالنفل.
والفرض بالصف الأول؛ يعني أن الفرض ليس كالنفل في ذلك، فيندب إيقاعه في الصف الأول بمسجده ﷺ ، لا في موضع مصلاه ﷺ ، وغير المسجد النبوي أحرى، وما زيد في مسجده ﷺ له حكمه عند الأئمة الثلاثة، ومن لا يرى مساواة ما زيد للمسجد، يرى تفضيل ما فعل بمسجده ﷺ ولو بآخر صف على الصف الأول في الزيادة، وإليه نحا ابن عرفة. والصف الأول: ما وراء الإمام على الصحيح، ولو فصل بمنبر أو مقصورة، وقيل: ما لم يفصل بمقصورة أو منبر، وقيل: الصف الأول هم السابقون في الإتيان للصلاة، وانظر هل تدخل الجنازة في الفرض أم لا؟ كما يقوله الشافعية من استواء صفوفها في الفضل، وانظر أيضا هل النفل إذا صلي جماعة على وجه الطلب كالفرض أم لا؟ وللعالم أن يصلي مع أصحابه مأموما للإمام بموضعه البعيد من الصفوف ما لم يكن بها فرج، فليسدها. نقله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن:
стр. 1183
واعلم أن المصلي بالنسبة إلى الصف الأول والبكرة إلى المسجد على أربعة أقسام: رجل أتى أول الوقت وصلى في الصف الأول فهذا أشرفها، وعكسه شرها، ورجل أتى آخر الوقت وصلى في الصف الأول، وعكسه قيل هما على حد السواء، وقال ابن العربي: عندي أن الأول منهما أفضل من الثاني. ابن ناجي انتهى.
قال القرافي: الصف الأول معلل بثلاث علل: سماع الإمام، وإرشاد الإمام، وتوقع الاستخلاف؛ وهي موجودة في الثاني، والثالث مما يلي الإمام فيكون أفضل من طرفي الصف الأول. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي الشبراخيتي: والمراد بالصف الأول: الصف الذي يلي الإمام، كذا في الحاشية، فإن كان بين الناس والإمام حائل كالمقاصير التي أحدثها الناس، فالصف الأول الذي يلي المقصورة، ذكره القرطبي، وما ذكره في المقصورة ينبغي حمله على ما يفتح تارة ويغلق، أخرى فإن كانت تفتح دائما فلا يضر الفصل بها. وأول من أحدث المقصورة؛ مروان بن الحكم حين طعنه اليماني، فجعل مقصورة من طين، وجعل فيها تشبيكا. قال ابن رشد: واتخاذها في الجامع مكروه، وشمل المقصورة التي تغلق أبدا: المنبر حيث كان لا يمر فيه، أو فيه ممر ولا يصلى فيه، وليس في المذهب قول بأن الصف الأول ما يلي الإمام مطلقا كما يفيده كلام ابن عرفة. انتهى. والظاهر أن معنى قوله: مطلقا، كان ما يلي الإمام من الصف الأول أم لا كما مر عن القرافي. والله سبحانه أعلم.
وتحية مسجد مكة الطواف؛ يعني أن تحية مسجد مكة لمن دخله محرما بحج أو عمرة، سواء كان آفاقيا أو مقيما، أو كان مقيما وأراد الطوافَ، الطوافُ لقدومه، أو إفاضته، أو عمرته، أو لما أراده. وأما المقيم إذا دخل للصلاة أو لشاهدة البيت، فتحيته ركعتان كغيره من المساجد. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي، وتحية مسجد مكة الطواف، لمن طلب به ولو ندبا، أو أراده آفاقيا فيهما أم لا، أو لم يرده وهو آفاقي؛ فهذه خمس صور، فإن كان مكيا ولم يطلب بطواف ولم يرده، بل دخله لصلاة أو لشاهدة البيت، فتحيته ركعتان إن حل النفل، وإلا جلس كغيره من المساجد. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ظاهر كلام المصنف أن التحية هي الطواف لا الركعتان بعده، وظاهر كلام القلشاني أن تحيته هي الركعتان بعده، ولكن زيد عليهما
стр. 1184
الطواف. انتهى. وقال الشيخ الأمير: إن التحية تسقط بالطواف؛ وهو للآفاقي أفضل من الركعتين لفواته. انتهى. قوله: أفضل، صريح أو كالصريح في أن تحية مسجد مكة تحصل بالركعتين للآفاقي، ولكن كونها الطواف أفضل. وظاهر كلام المصنف أنها إنما تكون بالطواف. وقد مر كلام الشيخ محمد بن الحسن عن القلشاني، وقال الشيخ الأمير: ويؤيد كون الطواف تحصل به التحية المبادرة به، وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾، والركعتان تبع له، وعلى ما للشيخ محمد بن الحسن: إن ركعهما خارجه لم يأت بالتحية، وفي الحطاب: فإذا دخل المسجد الحرام من يريد الطواف وطاف أجزأه ذلك عن التحية، وهذا لا إشكال فيه. وفيه: أن التحية لا تفتقر لنية تخصها؛ فأي صلاة حصلت عند دخول المسجد كفت عن التحية، فريضة كانت أو نافلة، ومن كان مجلسه بعيدا عن باب المسجد، قيل: يصلي التحية يعني عند دخوله، ثم يمضي إلى موضعه، ومفهوم قوله: مكة أن مسجد غير مكة تحيته ركعتان، ولا إشكال في ذلك، لخبر: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين (١))، وفيه: وسئل مالك عن الحاج يدخل المسجد الحرام، فيريد أن يبدأ بركعتين قبل الطواف بالبيت؟ قال: بل يبدأ بالطواف بالبيت أحب إلي؟ قيل له: أيبدأ بالطواف أحب إليك؟ قال: نعم، قال ابن رشد: إنما استحب ذلك؛ لأنها من السنة من فعل رسول الله ﷺ في حديث جابر أنه: (لما أتى النبي ﷺ البيت، استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فجعل المقام بينه وبين القبلة، وصلى ركعتين، ثم رجع إلى الركن واستلمه، وخرج من الباب إلى الصفا، وقال: نبدأ بما بدأ الله فبدأ بالصفا (٢)). انتهى. وفيه عند قول المصنف: "وتحية مسجد مكة الطواف"، وهذا في حق القادم المحرم فإنه يطلب منه إذا دخل المسجد الحرام البداءة بطواف القدوم إن كان محرما بحج أو قران أو بطواف العمرة، إن كان محرما بعمرة وبطواف الإفاضة إذا دخله بعد الرجوع من عرفة، ولا يطلب منه الركوع عند
стр. 1185
دخوله، وكذلك غير القادم إذا دخل المسجد الحرام ونيته أن يطوف عند دخوله: فتحية المسجد في حقه الطواف، ولا يطلب منه حينئذ ركوع. وأما غير القادم إذا دخل المسجد الحرام ونيته الصلاة في المسجد أو مشاهدة البيت الشريف ولم يكن نيته الطواف، فإنه يصلى ركعتين إن كان في وقت تحل فيه النافلة، وإلا جلس كغيره من الساجد. انتهى. وقد مر أن التحية لا تسقط بالجلوس قبلها، فإذا جلس قبل أن يركع فإنه يستحب له أن يقوم فيركع، وقد علمت أن الجلوس قبلها مكروه. والله سبحانه أعلم.
وتراويح؛ عطف على المتأكد وهو غير منصرف؛ يعني أنه يتأكد ندب التراويح؛ وهي قيام رمضان؛ سمي بذلك لأنهم كانوا يطيلون القيام، ثم بعد كل تسليمتين يجلس الإمام والمأموم للاستراحة ويقضي من سبقه الإمام: ووقتها وقت الوتر فإن فعلت بعد مغرب لم تسقط وكانت نافلة لا تراويح، كما يفيده رد ابن عرفة على تلميذه الأبي، وقول عمر ﵁: نعمت البدعة؛ يعني بالبدعة جمعهم على قارئ واحد مواظبة في المسجد بعد أن كانوا يصلون أوزاعا، لا أن الصلاة في نفسها بدعة؛ (لأنه ﷺ صلاها جمعا بالناس، كما في رواية البخاري، ومسلم أنه: خرج من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم، فخرج ﵊ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته: ثم كثر أهل المسجد في الليلة الثالثة أو الرابعة حتى عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم ﵊، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الفجر: أقبل على الناس ثم تشهد فقال: أما بعد فإنه لم يَخْفَ علي اجتماعُكم الليلة، ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها (١)).
واستشكلت هذه الخشية لما ثبت في حديث الإسراء من قوله تعالى (هي [خمس وهي (٢)] خمسون: لا يبدل القول لدي (٣))، فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة. ابن حجر: يجاب بأنه
стр. 1186
يحتمل أن يكون الخوف منه جعل الجماعة شرطا في صحة النفل بالليل، أو يكون الخوف منه افتراض قيام الليل كفاية، أو يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، وأقواها الأول في نظري. انتهى. باختصار. وما ادعى أنه أقرب هو أبعد من لفظ الحديث قاله الشبراخيتي. وقول عمر ﵁: نعمت البدعة. اعلم أنها في الحقيقة لم تكن بدعة؛ لأنه ﷺ جمع بالناس، إلا أنه ما واظب خشية أن تفرض عليهم، فلما زالت العلة بأمنهم تجدد الأحكام بعد وفاته ﷺ ، وعلموا ما هو مقصوده، وقعت المواظبة في الجمع بعد وفاته ﵊؛ وهي أمر لم يكن فسميت بذلك بدعة. والله سبحانه أعلم. وفي الحديث: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١)). وفي حديث آخر: (من صامه وقامه احتسابا وجبت له الجنة)، وفيه: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (٢)). وقالت عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر أشد، وكان يحيي ليله، ويوقظ أهله، ويشد مئزره (٣)). رواه الخمسة. وشد المئزر كناية عن اجتناب النساء، أو عن الجد والاجتهاد في العمل، وعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقوم في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه فجاء رجل آخر فقام أيضا حتى كنا رهطا، فلما أحس أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله فصلى صلاة لا يصليها عندنا، فقلت له حين أصبحت: أفطنت لنا الليلة؟ قال: نعم، ذلك حملني على ما صنعت (٤)). أخرجه مسلم التجوز؛ الإسراع في العمل والتخفيف. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ على الناس في رمضان وهم يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟ قيل: ناس ليس معهم قرآن، وأبي بق كعب يصلي بهم،
стр. 1187
فقال: أصابوا، ونعم ما صنعوا (١)). أخرجه أبو داوود. وقال: هذا الحديث ليس بالقوي. ومن دخل المسجد والناس يصلون التراويح، وعليه العشاء، قال ابن حبيب: له تأخيرها للدخول معهم ما لم يخرج مختارها، وروى ابن وهب، وابن نافع: لا يؤخرها، وروى ابن القاسم: يصليها وسط الناس، ومرة بمؤخر المسجد ونحوه للجلاب. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقد مر أن وقت التراويح وقت الوتر: وقال الأبي في شرح مسلم: المعروف أنها بعد العشاء الآخرة، فلو أراد الإمام أن يقدمها عليها منع، وكنت إماما فصليتها قبل العشاء، فقال لي شيخنا أبو عبد الله: أعرفك أورع من هذا، وهذا لا يخلصك. وتكره التراويح لمن عليه صلوات. ابن رشد: من عليه صلوات فرائض فلا يجوز أن يتطوع من النوافل إلا وتر ليله، وفجر نهاره. انتهى. وفي رسم المكاتب من سماع يحيي من كتاب الصلاة فيمن افتتح الركعة التي يختم فيها بأم القرآن، ثم يريد أن يبتدئ القرآن من سورة البقرة: أيفتتح بأم القرآن لابتدائه القرآن؟ قال: يفتتح البقرة ويدع أم القرآن؛ لأنه لا يقرأ أم القرآن في ركعة مرتين. ابن رشد: لأن السنة أن يقرأ أم القرآن في كل ركعة مرة. كما قال ﷺ للذي علمه الصلاة. قاله الإمام الحطاب وانفراد فيها؛ يعني أنه يندب الانفراد في التراويح، ولا يتأكد، فهو معطوف على فاعل ندب لا تأكد. قال الشيخ عبد الباقي وغيره: الانفراد فعلها في البيوت، ولو جماعة. قال الشيخ محمد بن الحسن وفيه نظر؛ إذ الأيمة عللوا فضيلة الانفراد بالسلامة من الرياء، ولا يسلم منه إلا إذا صلى وحده في بيته لا في جماعة، نعم؛ إذا كان يصلي في بيته بزوجته وأهل داره، فهذا بعيد في الغالب من الرياء. قاله أبو علي.
إن لم تعطل المساجد؛ يعنى أنه إنما يندب الانفراد في التراويح حيث لم تعطل المساجد؛ أي لم تترك خالية من الصلاة بها جماعة، ويحتمل عن الصلاة بها جملة، واستقرب ابن عبد السلام الثاني: واقتصر عليه شيخ التتائي، ويشترط أيضا أن لا يكون آفاقيا بالمدينة، وأن ينشط لفعلها ببيته. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: وفعلها بالبيوت لغير آفاقي بالحرمين إن نشط. انتهى. قال
стр. 1188
الشيخ عبد الباقي: وإذا صلاها ببيته، فهل وحده أو مع أهل بيته؟ قولان، ولعلهما في الأفضلية. وفي الحديث: (عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (١)). وفي الحديث: (فضل صلاة الخلوة في التطوع على صلاة الجماعة في العلانية؛ أي في التطوع كفضل الجماعة في الفريضة على صلاة الفذ (٢)). واعلم أن الرياء إيقاع القربة يقصد بها الناس لجلب خير أو دفع ضر، أو تعظيمهم له، فخرج بالقربة غيرها كالتجمل باللباس ونحوه، فلا رياء فيه، ومن عمل دقه ليوسع عليه في الدنيا فهو إخلاص عند القرافي، ورياء عند الغزالي، وإن عمل له ليوسع عليه في الدنيا لكن لأجل التعفف عن الناس والقوة على طاعة الله فهذا ليس برياء عند الغزالي، وأولى عند القرافي. وعلم من هذا أن الإخلاص على ثلاثة أنواع: أعلى وهو ما كان لله فقط، وأدنى، ومتوسط؛ فالمتوسط إخلاص باتفاق الشيخين، والأدنى إخلاص عند القرافي لا عند الغزالي. والله سبحانه أعلم. والتسميع، هو إخبار الناس بالعمل بعد فعله خالصا لله لغرض من أغراض الرياء، الثلاثة فهو بعد العمل والرياء مقارن للعمل. وفي الخبر: (من سمَّع سمَّع الله به يوم القيامة (٣))؛ أي ينادى هذا فلان عمل عملا ثم أراد به غيري، وأما الإخبار ليقتدى به أو تحدثا بنعمة الله حيث وفقه الله فليس من التسميع المحرم. وقوله: "وانفراد فيها" الخ؛ اعلم أنه يكره لمن بالمسجد الانفراد عن الجماعة الذين يصلونها به، وأولى إذا كان انفراده يعطل جماعة المسجد فصلاتها ببيته جماعة أو مفردا أفضل من صلاتها بالمسجد مع جماعة إن لم يعطل المسجد، فإن عطل فالأفضل المسجد. واعلم أن كون الصلاة بمسجد المدينة أفضل من الصلاة في غيره، خاص بالفرض، وقال ابن حبيب: النافلة فيه مضاعفة أيضا بألف؛ وهذا في أفضلية الصلاة في المسجد النبوي، وليس في الجماعة التي الكلام فيها.
стр. 1189
والختم فيها؛ يعني أنه يندب لإمام التراويح أن يختم القرآن فيها، ولو في الشهر كله، ولو ختم القرآن في ركعة وأراد ابتداءه فيها، قال الإمام مالك: يبتدئ بالبقرة ولا يقرأ الفاتحة؛ لأن الركن لا يكرر. وقال الشيخ الأمير: والتعليل بإسماع المأمومين القرآن كله قاصر على الإمام. انتهى.
تنبيهات: الأول: روى الترمذي عن الحارث الأعور، قال: مررت بالمسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي ﵁، فأخبرته، فقال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: أما إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؛ قال: كتاب الله تعالى، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم. وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم: وهو الصراط المستقيم. وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرد الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، خذها إليك يا أعور (١)). وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله تعالى فيمن عند (٢)). أخرجه أبو داوود. وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد ثلاث خلفات عظام سمان قلنا نعم، قال فثلاث آيات يقرأ بها أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمانٍ (٣)). أخرجه مسلم. الخلفة: الناقة العشراء وعن عقبة بن عامر ﵁ قال خرج النبي ﷺ ونحن في الصفة فقال (أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق، فيأتي بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم، قلنا كلنا يا رسول
стр. 1190
الله يحب ذلك، قال أفلا يدخل أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله تعالى فهو خير له من ناقتين وثلاث خير له من ثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل (١)). أخرجه مسلم. وأبو داوود. الكوماء: الناقة العظيمة السنام. وعن ابن مسعود ﵁، قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن أقول: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف (٢)). أخرجه الترمذي. وصححه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما أذن الله تعالى لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن أي يجهر به (٣)). أخرجه الخمسة إلا الترمذي، وفي أخرى للبخاري: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به (٤))، ومعنى ما أذن أي ما استمع، والتغني تحزين القراءة وترقيقها، وعن أبي أمامة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما أذن الله تعالى لشيء ما أذن لعبد يقرأ القرآن في جوف الليل وإن البر ليذر على رأس العبد ما دام في مصلاه، وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه (٥)). قال أبو النضر: يعني القرآن منه بدأ الأمر به وإليه يرجع الحكم فيه. أخرجه الترمذي. قاله في التيسير. وقوله: وإن البر ليذر على رأس العبد ما دام في مصلاه، قال ابن أبي جمرة في شرح الحديث: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه (٦)). الجمهور على أن مصلاه موضع سجوده وقيامه، وقال بعضهم، وأظنه القاضي عياض: إنه البيت الذي اتخذه مسجدا لصلاته، مثاله إذا صلى في المسجد ثم انتقل من
стр. 1191
الموضع الذي صلى فيه ولم يخرج من المسجد يبقى تدعو له الملائكة وكثير بين مجمع عليه وقول واحد. انتهى.
الثاني. قال ابن عباس ﵄، قال رجل: يا رسول الله (أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: الحال المرتحل، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حك ارتحل (١)). وعن عقبة بن عامر ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والسر بالقرآن كالسر بالصدقة (٢)). أخرجه أصحاب السنن. وعن أبي سعيد ﵁، قال قال رسول الله ﷺ ، يقول الله ﵎: (من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين (٣)). رواه الترمذي: وعن سهل بن معاذ الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: (من قرأ القرآن وعمل به ألْبسَ والداه تاجا يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيت من بيوت الدنيا لو كانت فيه فما ظنكم بالذي عمل به (٤)) أخرجه أبو داوود، وإلى هذا الحديث أشار في حرز الأماني بقوله:
فيا أيها القاري به متمسكا … مجلا له في كل حال مبجلا
هنيئا مريئا والداك عليهما … ملابس أنوار من التاج والحلا
فما ظنكم بالنجل عند جزائه … أولئك أهل الله والصفوة الملا
وللجكني ﵀:
стр. 1192
وحيث مات صاحب القرآن … فيأته في صفة الإنسان
يقول ذو القبر: من انت؛ يسأل … يجيبه أنا القران الأفضل
أنا الذي أناشد الجليلا … لمؤمن رتلني ترتيلا
أنا الذي أعطيك أعلى الدرجات … والحور والنور بظل الغرفات
أنا الذي ألبس تاجا وحلى … والد صاحبي فكيف من تلا
أنا الذي أحلك الفردوسا … يوم الجزاء لم تخف بئوسا
أنا الذي أقيك كل وحشه … فلا تخف من روعة ودهشة
أنا الذي فيك شفيع أشفع … من قبل أن يشفع من يشفع
وعن علي ﵁: قال قال رسول الله ﷺ : (من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله تعالى به الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار (١)). أخرجه الترمذي.
ومعنى استظهره: حفظه عن ظهر قلبه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها (٢)). أخرجه البخاري والترمذي. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع (٣) فيه وهو عليه شاق له أجران (٤)). أخرجه الخمسة، إلا النسائي. قاله في التيسير وفي الحديث (لكل آية ظاهر وباطن، وحد ومطلع)، فالظاهر هو المعنى الجلي؛
стр. 1193
والباطن هو المعنى الخفي، كنكت التقديم والتأخير، والتريف والتنكير، والتذكير والتأنيث، وغير ذلك. والحد: هو الموصل إلى معرفة ما حده الله تعالى من الأحكام الشرعية، فهو وظيفة الفقيه. والمطَّلع: هو الموصل إلى معرفة الحق ﵎، فهو وظيفة أهل التحقيق والعرفان (١)). انظر شرح ابن زكري على النصيحة الشافية للشيخ زروق.
الثالث: روى البخاري عن أسيد بن حضير ﵁، قال: (بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت فسكت فسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت، وكان ابنه يحيى قريبا منها فانصرف فأخره، ثم رفع رأسه إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح حدث النبيَّ ﷺ ، فقال: وتدري ما ذاك؟ قال: تلك الملائكة ادنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر إليها الناس لا تتوارى منهم (٢)). أخرجه البخاري. ولمسلم بمعناه عن الخدري. وعن البراء ﵁: (كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة بشَطَنَيْنِ فتغشته سحابة. فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى لله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن (٣)). أخرجه الشيخان، والترمذي. وعن أبي موسى ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لهات ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها (٤)). أخرجه الخمسة.
وعن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٥))، أخرجه البخاري. والترمذي، وأبو داوود. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي صلى الله
стр. 1194
عليه وسلم قال: (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب (١)) أخرجه الترمذي، وصححه. وعن سعد بن عبادة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: (ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله تعالى يوم القيامة أجذم (٢)). أخرجه أبو داوود.
وعن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ : (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر فيها ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها (٣)). أخرجه أبو داوود والترمذي. وعن عمران بن حصين ﵁ أنه مر على قارئ يقرأ القرآن ثم يسأل الناس به، فاسترجع: وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله تعالى، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون [القرآن (٤)] ويسألون به الناس (٥)). وعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما آمن بالقرآن من استحل محارمه (٦)). أخرجهما الترمذي. وعن ابن عمر ﵄. أن رسول الله ﷺ : (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٧))، أخرجه الثلاثة، وأبو داوود. قاله في التيسير.
الرابع: قال رسول الله ﷺ لأبي سعيد بن المعلى ﵁ -وهو في المسجد-: (ألا أعلمك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع الثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته (٨)) رواه البخاري، وأبو داوود، والنسائي. وعن ابن عباس ﵄، قال: بينما جبريل ﵇ قاعدا عند النبي ﷺ إذ سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: (هذا باب من السماء فتح اليوم
стр. 1195
لم يفتح قط إلا اليوم [فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم (١)] فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لمن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته (٢)). أخرجه مسلم، والنسائي. والنقيض: الصوت. وعن أبي أمامة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما اقرأوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة (٣)). أخرجه مسلم. قيل: البطلة: السحرة الغياية كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها، وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ بعثا وهم ذوو عدد، فاستقرأهم فقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنا، فقال: ما معك أنت يا فلان؟ فقال: معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: اذهب فأنت أميرهم، فإنها إن كادت لتستحصي الدين كله، فقال: رجل من أشرافهم؛ والله ما منعنى يا رسول الله أن أتعلمها إلا خشية أن لا أقوم بما فيها، فقال رسول الله ﷺ : تعلموا القرآن واقرءوه وقوموا به: فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح به ريحه كل مكان، ومثل من تعلمه ورقد عنه فهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك (٤)). أخرجه الترمذي. والإيكاء: الشد، وعن النواس بن سمعان ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: (يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تَقدُمُه سورة البقرة وآل عمران، ضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن