← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الموضع الذي صلى فيه ولم يخرج من المسجد يبقى تدعو له الملائكة وكثير بين مجمع عليه وقول واحد. انتهى. الثاني. قال ابن عباس ﵄، قال رجل: يا رسول الله (أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: الحال المرتحل، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حك ارتحل (١)). وعن عقبة بن عامر ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والسر بالقرآن كالسر بالصدقة (٢)). أخرجه أصحاب السنن. وعن أبي سعيد ﵁، قال قال رسول الله ﷺ ، يقول الله ﵎: (من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين (٣)). رواه الترمذي: وعن سهل بن معاذ الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: (من قرأ القرآن وعمل به ألْبسَ والداه تاجا يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيت من بيوت الدنيا لو كانت فيه فما ظنكم بالذي عمل به (٤)) أخرجه أبو داوود، وإلى هذا الحديث أشار في حرز الأماني بقوله: فيا أيها القاري به متمسكا … مجلا له في كل حال مبجلا هنيئا مريئا والداك عليهما … ملابس أنوار من التاج والحلا فما ظنكم بالنجل عند جزائه … أولئك أهل الله والصفوة الملا وللجكني ﵀:

стр. 1192

وحيث مات صاحب القرآن … فيأته في صفة الإنسان يقول ذو القبر: من انت؛ يسأل … يجيبه أنا القران الأفضل أنا الذي أناشد الجليلا … لمؤمن رتلني ترتيلا أنا الذي أعطيك أعلى الدرجات … والحور والنور بظل الغرفات أنا الذي ألبس تاجا وحلى … والد صاحبي فكيف من تلا أنا الذي أحلك الفردوسا … يوم الجزاء لم تخف بئوسا أنا الذي أقيك كل وحشه … فلا تخف من روعة ودهشة أنا الذي فيك شفيع أشفع … من قبل أن يشفع من يشفع وعن علي ﵁: قال قال رسول الله ﷺ : (من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله تعالى به الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار (١)). أخرجه الترمذي. ومعنى استظهره: حفظه عن ظهر قلبه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها (٢)). أخرجه البخاري والترمذي. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع (٣) فيه وهو عليه شاق له أجران (٤)). أخرجه الخمسة، إلا النسائي. قاله في التيسير وفي الحديث (لكل آية ظاهر وباطن، وحد ومطلع)، فالظاهر هو المعنى الجلي؛

стр. 1193

والباطن هو المعنى الخفي، كنكت التقديم والتأخير، والتريف والتنكير، والتذكير والتأنيث، وغير ذلك. والحد: هو الموصل إلى معرفة ما حده الله تعالى من الأحكام الشرعية، فهو وظيفة الفقيه. والمطَّلع: هو الموصل إلى معرفة الحق ﵎، فهو وظيفة أهل التحقيق والعرفان (١)). انظر شرح ابن زكري على النصيحة الشافية للشيخ زروق. الثالث: روى البخاري عن أسيد بن حضير ﵁، قال: (بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت فسكت فسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت، وكان ابنه يحيى قريبا منها فانصرف فأخره، ثم رفع رأسه إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح حدث النبيَّ ﷺ ، فقال: وتدري ما ذاك؟ قال: تلك الملائكة ادنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر إليها الناس لا تتوارى منهم (٢)). أخرجه البخاري. ولمسلم بمعناه عن الخدري. وعن البراء ﵁: (كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة بشَطَنَيْنِ فتغشته سحابة. فجعلت تدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى لله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن (٣)). أخرجه الشيخان، والترمذي. وعن أبي موسى ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لهات ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها (٤)). أخرجه الخمسة. وعن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٥))، أخرجه البخاري. والترمذي، وأبو داوود. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي صلى الله

стр. 1194

عليه وسلم قال: (إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب (١)) أخرجه الترمذي، وصححه. وعن سعد بن عبادة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: (ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله تعالى يوم القيامة أجذم (٢)). أخرجه أبو داوود. وعن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ : (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر فيها ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها (٣)). أخرجه أبو داوود والترمذي. وعن عمران بن حصين ﵁ أنه مر على قارئ يقرأ القرآن ثم يسأل الناس به، فاسترجع: وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله تعالى، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون [القرآن (٤)] ويسألون به الناس (٥)). وعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما آمن بالقرآن من استحل محارمه (٦)). أخرجهما الترمذي. وعن ابن عمر ﵄. أن رسول الله ﷺ : (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٧))، أخرجه الثلاثة، وأبو داوود. قاله في التيسير. الرابع: قال رسول الله ﷺ لأبي سعيد بن المعلى ﵁ -وهو في المسجد-: (ألا أعلمك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع الثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته (٨)) رواه البخاري، وأبو داوود، والنسائي. وعن ابن عباس ﵄، قال: بينما جبريل ﵇ قاعدا عند النبي ﷺ إذ سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: (هذا باب من السماء فتح اليوم

стр. 1195

لم يفتح قط إلا اليوم [فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم (١)] فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لمن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته (٢)). أخرجه مسلم، والنسائي. والنقيض: الصوت. وعن أبي أمامة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما اقرأوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة (٣)). أخرجه مسلم. قيل: البطلة: السحرة الغياية كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها، وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ بعثا وهم ذوو عدد، فاستقرأهم فقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنا، فقال: ما معك أنت يا فلان؟ فقال: معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: اذهب فأنت أميرهم، فإنها إن كادت لتستحصي الدين كله، فقال: رجل من أشرافهم؛ والله ما منعنى يا رسول الله أن أتعلمها إلا خشية أن لا أقوم بما فيها، فقال رسول الله ﷺ : تعلموا القرآن واقرءوه وقوموا به: فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح به ريحه كل مكان، ومثل من تعلمه ورقد عنه فهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك (٤)). أخرجه الترمذي. والإيكاء: الشد، وعن النواس بن سمعان ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: (يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تَقدُمُه سورة البقرة وآل عمران، ضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن

стр. 1196

صاحبهما، المشرق: الضوء. قاله في التيسير. وفيه: أنه ﷺ قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان يفرُّ من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة (١))، وفيه عنه ﷺ : (من قرأ بالآيتين اللتين في سورة البقرة كفتاه (٢))، وفيه عنه ﷺ : (إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يقرءان في دار ثلاث مرات فيقربها شيطان (٣)). أخرجه الترمذي. وفيه أن رسول الله ﷺ قال: (إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة القرآن: آية الكرسي (٤)). أخرجه الترمذي. وفيه عنه ﷺ : (من حفظ عشر آيات من أول، وروي من آخر سورة الكهف، عصم من فتنة المسيح الدجال (٥)). أخرجه مسلم، وأبو داوود، والترمذي، وعنده (ثلاث من سورة الكهف (٦))، وصححه. وسورة تجزئ؛ يعني أن التراويح يكفي في الإتيان بها قراءة سورة واحدة في جميع الشهر، بمعنى أن من اقتصر عليها أجزأه ذلك مع فوات فضيلة الختم، وقال الشيخ محمد بن الحسن: قال ابن عرفة فيها لمالك: ليس الختم سنة، ولربيعة: لو قيم بسورة أجزأ. اللخمي: والختم أحسن، قال أبو الحسن: معناه؛ إذا لم يكن يحفظ إلا هذه السورة، ولم يكن هناك من يحفظ القرآن، أو كان، ولا يرضى حاله. وقال الإمام الحطاب: قال الأبي في شرح مسلم: والختم ليس سنة ما لم يكن العرف الختم كالعرف في مساجد تونس، فلابد فيها من الختم؛ يعني ولو كان الإمام لا يحفظ فيستأجر من يحفظ؛ لأن العرف كالشرط. ثلاث وعشرون؛ يعني أن عدد التراويح ثلاث وعشرون بالشفع والوتر؛ وهو بيان للكيفية المندوبة. وفي النوادر عن ابن حبيب: (أنه ﵊ رغب في قيام رمضان من غير أن يأمر

стр. 1197

بعزيمة، فقام الناس وحدانا منهم في بيته ومنهم في المساجد، فعات ﵇ على ذلك وفي أيام أبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم رأى عمر أن يجمعهم على إمام، فأمر أبيا وتميما الداري أن يصليا بهم إحدى عشرة ركعة بالوتر يقرؤن بالمأتين فثقل عليهم، فخفف في القيام وزيد في الركوع فكانوا يقومون بثلاث وعشرين ركعة بالوتر (١)). وقوله: "ثلاث" الخ بالرفع، بدل أو خبر مبتدإ محذوف؛ أي هي ثلاث وعشرون بالشفع والوتر، وإنما أراد المصنف أن يبين اختلافهم في الأفضل فلا يفيد كلامه أن الوتر مندوب، والتراويح على هذه الهيآت شاملة للشفع والوتر. ثم جعلت ستا وثلاثين؛ يعني أن التراويح بعد عمر ﵁ جعلت ستا وثلاثين بغير الشفع الوتر، وتسعا وثلاثين بالشفع والوتر في زمن عثمان أو معاوية ﵄ أو عمر بن عبد العزيز. أقوال. ورجح الأول في كلام المصنف؛ أي كونها ثلاثا وعشرين بأنه الذي عليه عمل الناس، واستمر إلى زمننا في جميع الأمصار. قاله السنهوري. والثاني: أي كونها تسعا وثلاثين بالشفع والوتر هو اختيار مالك، كما في المدونة قائلا هو الذي لم يزل عليه عمل الناس؛ أي بالمدينة بعد عمر بن الخطاب ﵁، فلا ينافي قول السنهوري. وكره مالك نقصها عما جعلت بالمدينة؛ يعني كونها ستا وثلاثين بغير الشفع والوتر، ووقع في نسخة الشارح تسعا وثلاثين أي بالشفع والوتر، قال العلماء: وسبب ذلك أن الركعات العشرين خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين سبعة أشواط، ويصلون ركعتي الطواف أفرادا، وكانوا لا يفعلون ذلك بين الفريضة والتراويح، ولا بين التراويح والوتر، فأراد أهل المدينة أن يساووهم في الفضيلة، فجعلوا مكان كل أسبوع ترويحة، فحصل أربع ترويحات، وهي ستة عشر تضم إلى العشرين تصير ستا وثلاثين ومع ركعات الشفع والوتر تصير تسعا وثلاثين. قاله البساطي في شرح البردة. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: ثم جعلت ستا وثلاثين، قال بعض الشراح: ثم بعد وقعة الحَرَّة؛ وهي بفتح الحاء: موضع بين المدينة والعقيق، وقصتها أنه لما قتل الحسين بن علي خلع أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية، وأخرجوا

стр. 1198

عامله ومن معه من بني أمية، فجهز إليهم يزيد جيشا عظيما من أهل الشام، وأمر عليهم مسلم بن عقبة المري، فلما نزل بالمدينة ناداهم: يا أهل المدينة ما تصنعون أتسلمون أم تحاربون؟ قالوا: بل نحارب، فوقع القتال بالحرة وكانت الهزيمة على أهل المدينة، وأباح مسلم المدينة ثلاثا، ثم أخذ البيعة عليهم ليزيد على أنهم عبيد له، إن شاء أعتق، وإن شاء قتل. وكان سبب الهزيمة، أن بني حارث من أهل المدينة أدخلوا عليهم القوم من جهتهم فكانت الهزيمة وصرخ النساء والصبيان وركب بعضهم بعضا في الطرقات، وبلغت القتلى من وجوه الناس سبعمائة من قريش والأنصار ووجوه الوالي، ومن غيرهم من النساء والعبيد والصبيان والوالي، وغيرهم عشرة آلاف. وقيل: إن الذي مات من القراء سبعمائة، وذلك سنة أربع وستين من الهجرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نقله الرماصي. قال جامعه عفا الله عنه: الحمد لله الذي أذهب الغموم، وكشف الهموم، حيث حبانا بعد هذا بفضله العظيم، وأولانا من فيضه العميم، فقد نلنا منتهى الأرب، واستخفنا الطرب لقول الأديب العجيب، وكلامه البديع الغريب: رب يوم بكر بلاء مسيء … خففت بعض وزره الزوراء والأعادي كأن كلَّ طريح … منهم الزق حل عنه الوكاءُ وخفف مسبوقها ثانيته ولحق؛ يعني أن المأموم إذا سبقه الإمام في التراويح بركعة، فإنه يندب لذلك المأموم المسبوق أن يخفف ثانيته، وهي الركعة التي فاتته مع الإمام قاضيا لها، ويلحق الإمام في أولى الترويحة الثانية؛ أي التي تلي ما وقع السبق فيها، كما لسحنون، وابن عبد الحكم، ورجحه ابن رشد في البيان بقوله: وهذا أولى ما قيل في هذه المسألة، كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. ولابن الجلاب: يتحرى موافقته في الأولى؛ أي يقضي لنفسه الركعة التي فاتته، ويتحرى أن يكون قيامه في ثانيته موافقا لقيامهم في الركعة الأولى عندهم، وركوعه موافقا لركوعهم، وسجوده موافقا لسجودهم من غير أن يأتم بهم فيها، ويسلم بين كل ركعتين وهكذا،

стр. 1199

ولا يزال مسبوقا حتى يسلم؛ وهو قول ابن القاسم، وظاهر الذخيرة أنه المذهب، وعلى قول ابن عبد الحكم وسحنون: يستحب له أن يصلي ركعة القضاء جالسا، ويستحب له أن يتم النافلة أيضا جالسا إذا أقيمت عليه الصلاة، وهو في النافلة. وقراءة شفع بسبح؛ يعني أنه يندب قراءة سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ الركعة الأولى من الشفع بعد الفاتحة، قراءة سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ الركعة الثانية منه بعد الفاتحة، وأدخل المصنف حرف الجر على سبح، وإن كان في لفظ التلاوة فعلا لأنه الآن اسم قاله الشيخ إبراهيم. والمراد بالشفع هنا: ما يصلى عقبه الوتر لا مطلق الشفع، فلا تندب فيه هذه القراءة. قاله الشيخ إبراهيم. ووتر بإخلاص ومعوذتين؛ يعني أنه تندب قراءة سورة الاخلاص؛ وهي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، والمعوذتين في ركعة الوتر بعد الفاتحة. وقوله: ومعوذتين، بكسر الواو. قاله النووي، والفاكهاني. وقال التتائي: تفتح وتكسر. إلا لمن له حزب؛ يعني أن محل ندب قراءة الشفع بسبح والكافرون والوتر بالإخلاص والمعوذتين في غير من له حزب، وأما من له حزب أي قدر معين من القرآن يقرؤه بنافلة ليلا. فـ يقرأ منه؛ أي من حزبه. فيهما؛ أي في الشفع والوتر، وما مشى عليه المصنف في قوله: إلا لمن له حزب، فمنه فيهما تبع فيه ابن العربي؛ أي في بعضه، وتبع في بعضه تقييد الباجي. كما سيتضح لك إن شاء الله تعالى. قال ابن العربي: الصحيح أن يقرأ في الوتر بقل هو الله أحد فقط، لحديث الترمذي (١)؛ وهو أصح من حديث قراءته بها مع المعوذتين (٢)، ولقد انتهت الغفلة بقوم إلى أن يصلوا التراويح، فإذا أوتروها صلوا بهذه السورة، والسنة أن يكون وتره من حزبه. تنبهوا لهذا. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن رادا على الشيخ عبد الباقي في قوله: وما مشى عليه المصنف تبع فيه ابن العربي. انتهى. إنما تبع ابن العربي في الوتر، وأما ما ذكره في الشفع فهو

стр. 1200

الذي فسر به المازري وعياض المذهب، ونص ابن عرفة في الشفع وفي قراءة الشفع بما تيسر وتعيين سبح والكافرون. ثالثها: إن كان إثر تهجد فالأول، وإن اقتصر على شفعه فالثاني لروايتي المجموعة وابن شعبان مع عياض عن بعض القرويين، وتقييد الباجي رواية المجموعة مع تفسير خياض المذهب. انتهى. وأما الوتر ففي المدونة: كان مالك يقرأ فيها بأم القرآن، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، والمعوذتين. وما ذلك بلازم، وإنى لأفعله. انتهى. ونص ابن العربي: الصحيح أن يقرأ في الوتر بقل هو الله أحد، كذا جاء في الحديث الصحيح، قال: وهذا إذا انفرد، وأما إذا كانت له صلاة فليجعل وتره من صلاته، وليكن ما يقرأ فيه من حزبه، ولقد انتهت الغفلة بقوم إلى أن يصلوا التراويح، فإذا أوتروا صلوا بهذه السورة، والسنة أن يكون وتره من حزبه. تنبهوا لهذا. انتهى. بلفظه فظهر أن المصنف تبع في الشفع تقييد الباجي، وتفسير عياض للمذهب ونحوه للمازري، وفصل في الوتر تبعا لابن العربي، قال الرماصي: فترك المصنف نص الإمام في الجميع، وما ينبغي له ذلك. انتهى. ولذلك تورك السنهوري على المصنف كما نقله عنه الزرقاني. انتهى. كلام الشيخ محمد بن الحسن. والذي نقله الزرقاني عن السنهوري قوله، هو خلاف ما عليه جمهور أيمتنا من ندب قراءة السُّوَرٍ المذكورة فيهما لمن له حزب ولغيره وصنيعهم هو الواضح إبقاء للنص على ظاهره. انتهى. وعن عبد العزيز بن جريج: قال: سألنا عائشة ﵂ بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ ، قالت: (كان يقرأ في الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، والمعوذتين (١)). أخرجه أصحاب السنن. قاله في التيسير. وفي الحصن الحصين أنه يقول بعد السلام من الوتر: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يمد صوته ويرفع في الثلاثة. وفعله لمنتبه آخر الليل؛ يعني أنه يندب فعل الحزب مع الوتر؛ أي تأخيره إلى آخر الليل، ويفعله فيه وهذا للمنتبه؛ أي الذي يغلب على ظنه الانتباه آخر الليل كإن اعتاده، أو نام بمحل

стр. 1201

يكثر فيه المسبحون بالصوت الرفيع، بحيث ينتبه، ولو ثقل نومه غالبا. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: آخر يتنازعه العاملان قبله، ومفهوم قوله: "لمنتبه"، أن من عادته عدم الانتباه، أو استوى الأمران عنده يندب له تقديمه، وندب في الثانية احتياطا. وفي الرسالة وابن يونس ما يفيد ندب تأخيره في الثانية، وقوله: "وفعله لمنتبه" الخ، إلا إذا كان يصليه أول الليل بالأرض وآخره إيماء، فيندب تقديمه ثم يتنفل آخر الليل على دابته، وكان أبو بكر يقدم وعمر يؤخر، فسألهما النبي ﷺ ، فقال أبو بكر: (أصلي ثم أقوم، فأصلي فلا أوتر، فقال له: أخذت بالحزم؛ يعني الاحتياط. وقال عمر: أصلي ثم أنام، ثم أقوم فأصلي وأوتر: فقال: أخذت بالقوة (١)) وقال الشيخ الأمير: والأفضل لمن لا يغلب عليه النوم فعله آخر الليل. انتهى. قال الرماصي: كان الصديق يوتر أول الليل، وعمر يؤخره؛ فقال النبي ﷺ . (إن الأول أخذ بالحزم والثاني أخذ بالقوة (٢)). ورأيت لبعض الصوفية أن الصديق تحقق بمقام ما خرج مني نفس وأيقنت أن يعود، وعن علي أنه يوتر أول الليل بركعة فإذا انتبه صلى ركعة ضمها للأولى، فيكون شفعا، ثم تنفل ما شاء، ثم أوتر؛ وهو مذهب له رضي الله تعالى عن الجميع وعنا بهم. انتهى. وقوله: "وفعله لمنتبه آخر الليل"، الأصل فيه حديث جابر ﵁، قال: قال رسول الله صلى الله عليد وسلم: (من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ثم ليرقد، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة محضورة وذلك أفضل (٣)). أخرجه مسلم والترمذي. قاله في التيسير. وفيه: عن الخمسة إلا الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: (اجعلو آخر صلاتكم بالليل وتراد (٤)). وقال ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، وفي رواية كل ليلة في ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفرَ له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟). انتهى. قال الثعالبي: فإن كان يقول هذا كل

стр. 1202

ليلة في آخرها، فمحال أن يدعو أحد في ذلك الوقت أو يتوب أو يستغفر فيرد؛ لأن الله لا يخلف الميعاد. والمراد بالنزول هنا نزول طول، ومن ورحمة دون حلول ولا انتقال. انتهى. وقال سيدي محمد الزرقاني في حديث الموطإ، أن رسول الله ﷺ : (قال ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ (١)) انتهى. اختلف فيه: فالراسخون في المعلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا على طريق الإجمال منزهين لله تعالى عن الكيفية والتشبيه. ونقله البيهقي، وغيره عن الأئمة الأربعة. والسفيانين والحمادين والليث والأوزاعي وغيرهم، وتأوله المتأولون على وجهين: أحدهما أن المعنى ينزل أمره، الثاني أنه تلطف بالداعين وإجابة لهم ونحو ذلك. وقوله: الآخر، بالرفع صفة لثلث، وقوله: فأستجيب لخ، بنصب الأفعال الثلاثة في جواب الاستفهام، وبالرفع على الاستئناف، وبهما قرئ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ﴾. ولم يعده مقدم ثم صلى؛ يعني أن من صلى الوتر ثم بدا له أن يتنفل وتنفل، لا يعيد الوتر ثانيا؛ أي يكره فيما يظهر لخبر: (لا وتران في ليلة (٢))، وأجيب عن خبر: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا (٣))، بتقديم النهي على الأمر، أو يخص عموم الثاني بالأول، وقوله: ثم صلى، عطف على مقدم؛ لأنه يشبه الفعل، قال الشيخ ابن مالك: واعطف على اسم شبه فعل فعلا … وعكسا استعمل تجده سهلا وجاز؛ يعني أنه يجوز التنفل بعد الوتر، والمراد بالجواز الندب لا الجواز المستوي الطرفين، وظاهر المصنف جواز النفل بعد الوتر مطلقا حدثت له نية التنفل بعد أن دخل في الوتر أم لا؛ وهو الذي جزم به الرماصي، ورد على من قيد جواز التنفل بعد الوتر بمن حدثت له نية التنفل

стр. 1203

بعد الوتر أو فيه؛ فإنه قال: هذا القيد ذكره ابن عبد السلام في قول ابن الحاجب: فإن أوتر ثم تنفل جاز، فتبعه في التوضيح، وتبعه الشارح ومن بعده من شراحه، ولا أصل له. ولما نقل هنا ما تقدم عن أبي بكر وعمر ﵄، وغير ذلك مما ذكر من النصوص، قال: فهذه النصوص كلها تدل على عدم اعتبار القيد المذكور والله أعلم انتهى. وناقشه الشيخ محمد بن الحسن بأنه: ذكره ابن عبد السلام، وابن هارون، والتوضيح، وتبعه الشراح. وبأنه يؤخذ من قول المدونة، ومن أوتر في المسجد فأراد أن يتنفل بعد تربص قليلا. انتهى. قال: فقوله: "فأراد" الخ، يفيد القيد المذكور، ونحوه في المواق على المختصر: من أوتر في المسجد ثم أراد التنفل تنفل. انتهى. وسمع ابن القاسم منع من أوتر مع الإمام في رمضان، أن يصل وتره بركعة ليوتر بعد ذلك: بل يسلم معه ويصلي بعد ذلك ما يشاء. انتهى. وهذا يفيد أن طرو النية في الوتر كطروها بعده. وقال المازري في شرح التلقين: قد ذهب بعض إلى أن من كان له تهجد فأولى له أن لا يوتر مع الإمام، وهذا ليكون وتره آخر نفله على مقتضى قوله ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا (١)). واختار ابن المنذر أن يوتر مع الإمام. انتهى. فحيث لم يذكر مقابل الأول إلا عن ابن المنذر، دل كلامه على ترجيح الأول، وهو ظاهر، نعم يستثنى من ذلك ما في المدونة، ونصها: وإن صلى المسافر على الأرض وله حزب من الليل فليوتر على الأرض ثم يتنفل في المحمل. انتهى. قال أبو الحسن: هذا على جهة الاستحباب تأكيدا للوتر. انتهى. وبذلك تعلم أن قول مصطفى: إن القيد المذكور لا أصل له، وأن هذه المنصوص تدل على عدم اعتباره، فيه نظر. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر ما للشيخ مصطفى، لا ما للشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ عبد الباقي: فإن طرأت النية قبل الوتر كره تنفله بعده، وبقى للجواز شرط آخر؛ وهو أن يفصل بين تنفله ووتره بفاصل عادي -كما في النقل- ويشعر به "ثم"، فإن

стр. 1204

انتفى الشرطان أو أحدهما كره إلا للمسافر في الصورة المتقدمة. انتهى؛ يعني بها الصورة التي تقدم استثناؤها. وعقيب شفع؛ يعني أنه يندب فعل الوتر عقب شفع، ويستحب اتصاله به، فإن طال ما بينهما ندبت إعادة الشفع، وهل يفتقر الشفع لنية تخصه، أو يكتفى بأي ركعتين كانتا؟ قال في التوضيح: وهو الظاهر قولان، وهذا هو معنى قول ابن الحاجب: وفي كونه لأجله قولان، وفي المواق: الصحيح من القولين أنه ينوب مناب الشفع كل نافلة، وعلى ما مشى عليه المصنف فالشفع شرط كمال، وقيل: شرط صحة. وشهره الباجي، فإنه قال: ولا يكون الوتر إلا عقب شفع. رواه ابن حبيب عن مالك؛ وهو المشهور من المذهب. وفي المدونة: لا ينبغي أن يوتر بواحدة، وإذا قلنا بتقديم شفع ولابد، فهل يلزم اتصاله أو يجوز؟ وإن فرق بالزمن الطويل قولان. قال: انظر مشى المصنف على ما مدر به ابن الحاجب من كون الشفع قبله للفضيلة مع توركه عليه في توضيحه بتشهير الباجي، وفي المدونة لابد من شفع قبله. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: قلت: لعله مشى على أنه للفضيلة لموافقته قول المدونة، ولا ينبغي أن يوتر بواحدة. انتهى. وقال الشيخ الأمير: والشفع شرط كمال على المعتمد. وفي الشبراخيتي: أنه شرط كمال على الصحيح. وفي البخاري: عنه ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما قد صليت (١)). وقوله: "وعقيب"، قال الشبراخيتي وغيره ترك يائها أفصح، وقال الإمام الحطاب: قال البرزلي: مسألة من صلى ركعتي الشفع، ثم اشتغل بشغل خفيف، ثم أوتر صح ذلك، وإن تطاول أعاد الشفع وصلى الوتر. قال البرزلي: قلت: هذا بين على وجوب الاتصال، فأقره في العتبية، والمشهور أنه ليس من شرطه الاتصال، فعلى هذا لا يعيد الشفع مطلقا. انتهى. لكن الاتصال مستحب على المشهور، فعلى هذا إذا طال الفصل تستحب إعادة الشفع. وفي شرح الشيخ ميارة: وهل يلزم اتصال الشفع بالوتر أو يجوز أن يفرق

стр. 1205

بينهما بالزمن الطويل؟ قولان، والقول باشتراط الاتصال لابن القاسم في العتبية، ومقابله رواه ابن نافع عن مالك، ونقل أيضا عن ابن القاسم: ومن أتى المسجد يصلي الأشفاع مع الإمام فدخل معه فإذا هو في الوتر. ابن رشد: يشفعه كما يشفعه إذا أوتر مع الإمام قبل أن يصلي العشاء. المواق: انظر على هذا في ليالي الإحياء: من أوتر أول الليل، ثم أتى المسجد آخر الليل. فعلى هذا إذا سلم الإمام من ركعة الوتر قام هذا الذي كان أوتر، فشفع هذا الوتر الذي صلاه مع هذا الإمام، وربما تجد العوام ليالي الإحياء إذا نودي بالشفع والوتر تركوا القيام مع الإمام لركعتي الشفع فضلا عن ركعة الوتر. وهذا لا ينبغي. انتهى. واعلم أنه لا يصلى الشفع بنية الوتر، ولا الوتر بنية الشفع على المشهور، خلافا لأصبغ، ومن أدرك مع الإمام ركعة من الشفع لم يسلم معه ويصلي معه الوتر، فإذا سلم الإمام من الوتر سلم معه ثم أوتر إلا أن يكون إمامه لا يسلم من شفعه ففي سلام هذا مع الإمام قولان، قال الشيخ أبو محمد وغيره: ومعنى قولهم: إنه يصلي الوتر معه، يحاذي ركوعُه وسجودُه ركوعَ الإمام وسجودَه، فأما أن يأتم به فلا؛ لأنه يكون محرما قبل إمامه قاله الشيخ ميارة. منفصل بسلام؛ يعني أنه يندب الفصل بين الشفع والوتر بسلام، والأصل في هذا ما أخرجه البخاري ومالك عن عائشة ﵂ (أنه ﷺ كان يسلم في الركعتين من الوتر حتى يأمر ببعض حاجته (١)). وقوله: "منفصل بسلام"، هذا حيث كان يصلي وحده أومع إمام يفصل، وإلا وصل، ولهذا قال: إلا لاقتداء بواصل؛ يعني أن محل ندب الفصل بين الشفع والوتر بسلام إنما هو حيث لم يقتد بواصل بينهما، وأما إن اقتدى بمن يصل الوتر بالشفع ولا يسلم بينهما فإنه يصل وتره بشفعه؛ أي لا يسلم من شفعه لأجل متابعة الإمام كحنفي فيصله معد على المشهور، فإن علم حين الدخول بوصله نوى بالأوليين الشفع وبالأخيرة الوتر، وإن كان الإمام ينوي الوتر بذلك كله وإن لم يعلم ونوى خلفه الشفع فقط أحدث نية للوتر من غير نطق

стр. 1206

عند فعل الإمام له، كمن أحرم بنفل ركعتين خلف من أحرم به أربعا ولم يعلم حين دخوله وفي اللخمي: يتبعه من غير نية في مسألة النفل، ومن دخل مع الواصل في الركعة الثانية صار وتره بين ركعتي الشفع، وفي الثالثة صار وتره قبل شفعه، ويلغز بهما، ولو أدرك مع غير الواصل ركعة من الشفع لم يسلم معه، وليصل معه الوتر، فإذا سلم منه سلم معه ثم أوتر. وفي المصنف إشعار بجواز الإقدام على الاقتداء بواصل وهو الظاهر ولا كراهة فيه. قاله الشيخ علي الأجهوري عن بعض شيوخه. وفي المواق: ما يفيد كراهته. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: لم أر في المواق ما يفيد كراهة ذلك، لكن كلام المدونة يفيد ذلك ثم ذكر نصها إلى أن قال قال مالك: وكنت أنا أصلي معهم، فإذا جاء الوتر انصرفت ولم أوتر معهم. انتهى. فقوله: "انصرفت" الخ، دليل على كراهة الاقتداء بالواصل. وقد ذكر في التنبيهات أنه إنما ترك الوتر معهم لكونهم لا يفصلون بين الشفع والوتر، وبه يرد ما استظهره الأجهوري. والله أعلم. انتهى. تنبيهات: الأول: قال الحطاب: من النوافل المرغب فيها قيام الليل، ويستحب للقائم أن يقرأ عند انتباهه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ لآخر سورة آل عمران ورد بذلك الحديث في الصحيحين (١)، ونص على استحبابه القرطبي في تفسيره، ومن المجموعة، قيل لمالك فيمن يريد أن يطول التنفل فيبدأ بركعتين خفيفتين فأنكر ذلك وقال يركع كيف شاء: وأما إن كان هذا شأن من يريد طول التنفل فلا. انتهى. وانظر الأبي في شرح مسلم، وقد صرح النووي بأن ذلك من سنن التهجد، وقيل لمالك: أيتنفل الرجل؟ ويقول: إن كنت ضيعت في حداثتي فهذا قضاء تلك، قال: ما هذا من عمل الناس. انتهى. ويدل لما قاله النووي ما في التيسير عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قام

стр. 1207

أحدكم من الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين (١)). أخرجه مسلم، وأبو داوود، وزاد: (ثم ليطول ما شاء (٢)). الثاني: روى الترمذي أنه ﵊، قال: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد (٣))، وروى أبو داوود عنه ﷺ ، أنه قال: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين (٤)). وسئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: (طول القيام (٥))، وروى الشيخان عنه ﷺ أنه قال: (من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعاه، استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته (٦)). تعارَّ: استيقظ. وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه، فقيل له قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا (٧))؟ أخرجه الخمسة إلا أبا داوود. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يدع قيام الليل، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدا (٨)). أخرجه أبو داوود. وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ

стр. 1208

امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء (١)). رواه أبو داوود، والنسائي. الثالث: ذكر رجل عند النبي ﷺ ، فقيل: ما زال نائما حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، فقال ﷺ : (ذلك رجل بال الشيطان في أذنه (٢)). أخرجه الشيخان، والنسائي. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (ما من امرئ يكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة (٣)). أخرجه الأربعة، إلا الترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة مكانها: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عُقْدَةٌ فان توضأ انحلت عُقْدَةٌ فإن صلى انحلت عُقَدُهُ كلها، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان (٤))، أخرجه الستة إلا الترمذي. قافية الرأس: مؤخره، ومنه قافية الشعر، وقيل: وسطه، والمراد: جميع الرأس، فكنى ببعضه عن كله. قاله في التيسير. واعلم أن في قيام الليل فوائد منْهَا: أنه يحط الذنوب كما تحط الريح العاصف الورق اليابس من الشجر، ومِنْهَا أنه ينور القبر، وَمِنْها أنه يذهب الكسل وينشط البدن، ومِنْهَا أن موضعه تتراءاه الملائكة من السماء كما يتراءى الكوكب الدري لنا في السماء. قاله في الرياض. واعلم أنه ورد في الحديث: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرا من أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه (٥))، قال في الرياض: وذلك في كل ليلة، فإذا أردت أن تعرف هذه الساعة فاقرأ هذه الآية المذكورة، وانو الساعة، فإنك توقظ في ذلك الوقت ويتكرر تيقظك فاجتهد في الدعاء لي ولك،

стр. 1209

فهذه معجزة لمن معجزات القرآن العظيم. انتهى. قوله: فاقرأ هذه الآية المذكورة؛ يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إلى آخر السورة، فإنك تستيقظ في الوقت الذي تنويه من غير شك. كما قاله الثعالبي. وهذا الذي ذكره منصوص عليه في الحديث. الرابع ذهب بعض الصحابة وكافة أئمة الفتوى إلى منع نقض الوتر، وأنه إذا بدا له التنفل بعد الوتر لم ينقضه ولم يشفعه، وصلى ما بدا له ولم يعده، وقد اختلف عن مالك في هذا، والمشهور عنه أنه لا يعيده. وكره وصله؛ يعني أنه يكره وصل الوتر بالشفع من غير أن يسلم بينهما، وهذا إذا لم يقتد بواصل ولم يكن نائبا مناب واصل، فإن اقتدى بواصل فقد مر أنه يتبعه ولو ناب مناب الواصل بأن استخلفه لم يكره وصله. والله سبحانه أعلم. وقد مر حكم الإقدام على الاقتداء بالواصل. ووتر بواحدة؛ يعني أنه يكره له أن يوتر بركعة واحدة من غير أن يأتي بشفع قبلها لحاضر أو مسافر صحيحا كان أو مريضا، فلو أوتر بواحدة شفعها كما قال سند، ولو سلم إن كان قريبا، وكلام المصنف مبني على أن كونه بعد شفع، شرط كمال، وهو الذي صدر به ابن الحاجب. وقيل: شرط صحة، وعليه فيمتنع، والصحيح الأول. وقال المازري: لم يختلف المذهب عندنا في كراهة الاقتصار على ركعة واحدة في حق المقيم الذي لا عذر له، واختلف في المسافر، ففي المدونة: لا يوتر بواحدة، وفي كتاب ابن سحنون: إجازته، وأوتر سحنون في مرضه بواحدة، ورءاه عذرا كالسفر. وقراءة ثان من غير انتهاء الأول؛ يعني أنه إذا أم في التراويح إمام ثم أم فيها إمام ثان؛ فإنه يكره قراءة الثاني من غير انتهاء قراءة الأول إذا كان يحفظه؛ لأن الغرض سماع المصلين جميع القرآن، فإن لم يعلم انتهاءه احتاط حتى يحصل لهم جميع القرآن. قاله غير واحد. قال الإمام مالك: وليقرأ الثاني من حيث انتهى الأول وهو الذي كان عليه الناس. انتهى. ولا بأس بالنفل بين الأشفاع إن جلس الإمام بين التراويح، وإلا فلا.

стр. 1210

ونظر بمصحف في فرض؛ يعني أنه يكره لمن يصلي الفرض أن ينظر في المصحف أي يقرأ فيه ولو دخل على ذلك أوله لاشتغاله غالبا. وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته. أو أثناء نفل؛ يعني أنه تكره القراءة في المصحف في النفل أيضا حيث لم يدخل على ذلك؛ بأن ابتدأ القراءة فيه وهو في أثناء النفل. لا أوله؛ يعني أنه لا تكره القراءة في المصحف لمن هو متنفل إذا دخل على ذلك بأن قرأ فيه في أول النافلة، والفرق بين أثناء النفل وأوله كثرة الشغل في الأول دون الثاني. وقوله: "لا أوله"، لخبر البخاري: (كان خيارنا يقرأ في المصحف في رمضان (١)). قال الشيخ عبد الباقي: وأما قراءة القرآن في المصحف فكرهها مالك، إلا أن يشترطها واقف مصحف فيه، وإن كان غير واقف المسجد فلا يكره. وقال الإمام الحطاب: وأما القراءة في المصحف في المسجد، فنقل الشيخ أبو محمد عن مالك أنه قال: لم تكن القراءة في المسجد في المصحف من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج، وأكره أن يقرأ في المصحف في المسجد. انتهى. ونقل ذلك عنه صاحب الدخل، ونقله عنه الشيخ يوسف بن عمر. انتهى. وقال الزركشي من الشافعية: قال مالك لم تكن القراءة في المصحف بالمسجد من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج. وقال: أكره أن يقرأ في المصحف في المسجد، وأرى أن يقاموا من المسجد إذا اجتمعوا للقراءة الخميس، قال الزركشي: قلت وهذا استحسان لا دليل عليه، والذي عليه الخلف والسلف استحباب ذلك لما فيه من تعميرها بالذكر. وفي الصحيح في قصة الذي بال في المسجد: (إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن (٢))، وقال: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾، وهذا عام في المصاحف وغيرها. انتهى. قال الإمام الحطاب: أما نقله عن السلف استحباب ذلك فمعارض لنقل مالك أنه لم يكن من أمر الناس القديم، ومالك أعلم بما كان عليه السلف، وقوله: "ونظر بمصحف في فرض" الخ؛ أي إلا أن تتوقف قراءة فاتحة بصلاة على نظر به، وإلا وجب النظر فيه، والظاهر أنه إذا لم يتيسر له قراءة

стр. 1211

الفاتحة إلا بالانحناء، فإنه يفعله، ولا يترك قراءتها كما قاله الشيخ إبراهيم. ويدل له قول المصنف: "وإن عجز عن فاتحة قائما جلس"، بل يفيد أنه إذا لم يتيسر له قراءة الفاتحة في المصحف إلا جالسا فعل، ولا يقال الفاتحة مختلف في فرضيتها والقيام متفق على فرضيته؛ لأنا نقول: القيام التابع لها كهي. قاله الشيخ عبد الباقي. وجمع كثير لنفل؛ يعني أنه يكره صلاة النفل في الجماعة إذا كان الجمع كثيرا، ومثل النفل الرغيبة كما صرح به غير واحد، ولو بمسجده ﷺ ، وما روى ابن حبيب من مضاعفة النفل فيه. خلاف المشهور من أنه لا يضاعف النفل فيه، والكراهة في الجمع الكثير للنفل بالمكان المشتهر، وغيره. أو بمكان مشتهر؛ يعني أنه إذا كان الكان مشتهرا فإنه يكره صلاة النافلة في الجماعة ولو قلت الجماعة كالرجلين والثلاثة. وإلا. بأن كان الجمع قليلا والمكان غير مشتهر، فلا كراهة إلا في الأوقات التي صرح العلماء ببدعة الجمع فيها، كليلة النصف من شعبان، وليلة عاشوراء، وليلة القدر، وأول جمعة من رجب، فإنه لا يختلف المذهب في كراهته، وينبغي للأئمة المنع منه. ومفهوم كلام المصنف أن المنفرد لا يكره له النفل مطلقا كان المكان مشتهرا أم لا؛ وهو كذلك، لكن الأولى له ترك المكان المشتهر. قاله الشيخ إبراهيم. وقد مر خبر فضل صلاة الخلوة في التطوع الخ، وفهم من قوله: "لنفل"، عدم كراهة جمع كثير لعيد وكسوف واستسقاء وهو كذلك، ومثل العيد في ذلك التراويح حيث تعطل المساجد. كما مر. وكلام بعد صبح؛ يعني أنه يكره بعد صلاة الصبح الكلام في أمور الدنيا لا بعلم، وذكر الله، وتستمر الكراهة. لقرب الطلوع؛ أي طلوع الشمس قربا عرفيا فيما يظهر، وندب بقرآن أو ذكر، وسئل ابن المسيب أيهما أفضل في الوقت المذكور القرآن أو الذكر؟ فقال: تلاوة القرآن، إلا أن هدي السلف الذكر. انتهى. وكذا العلم على ما صوبه ابن ناجي لكثرة الجهل وعدم العلم الحقيقي. وفي الرسالة: ويستحب بأثر صلاة الصبح التمادي في الذكر والاستغفار إلى أن تطلع

стр. 1212

الشمس أو قرب طلوعها؛ أي لخبر: (يقول الله يا عبدي اذكرني ساعة بعد الصبح وساعة بعد العصر أكفك ما بينهما (١))، وخبر: (من صلى الصبح وجلس في مصلاه ولم يتكلم إلا بخير إلى أن يركع سبحة الضحى -أي بضم السين المهملة- غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر). وفي الصحيح: (من صلى الصبح في جماعة وجلس في مصلاه يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس وصلى ركعتين كان له ثواب حجة وعمرة تَامَّتَيْن (٢)) قاله ﵊ ثلاث مرات، وظاهر الحديث الأول والثاني، ولو صلى منفردا دون الثالث، وكون هذا الثواب الخاص لا يحصل إلا لمن فعل ما ذكر لا يقتضي كراهة الكلام إذا قرب طلوع الشمس، وتعليق المصنف الكراهة بالكلام يقتضي نفيها عند السكوت فقط وهو كذلك، فيؤجر على الذكر وعلى ترك الكلام من ترك الكلام في هذا الوقت، وأقبل على الذكر، خلافا لقول العراقيين: لا يؤجر على ترك الكلام، بل على الذكر خاصة، وكلام الرسالة المتقدم يتبادر منه موافقته له، بل تنتفي الكراهة أيضا بالنوم بعد الصبح بنية ترك الكلام، ويثاب أيضا على السكوت والنوم إذا قصد بذلك الامتثال، فيثاب على النوم حينئذ من (٣) الترك امتثالا وإن كان النوم منهيا عنه في هذا الوقت لخبر: (الصبحة تمنع الرزق (٤))، فقيل: الفضل، وقيل: اكتسابه؛ أي الرزق. قاله الجزولي. وكره كلام بغير ذكر الله، وبغير علم بمسجد، وندب أيضا تماد في ذكر واستغفار عند اصفرار شمس لغروب. قاله الشيخ عبد الباقي. ونقل في رياض الصالحين عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال حين يُصبح الغداة، لا إله إلا الله الملك الحق المبين، كانت له أمانا من الفقر، وأمانا من وحشة القبر، واستقرع باب الجنة، واستجلب الغنى (٥)).

стр. 1213

لا بعد فجر؛ يعني أنه لا يكره الكلام بعد انصداع الفجر وقبل صلاة الصبح، وكان الإمام مالك يتحدث ويسأل بعد طلوع الفجر حتى تقام الصلاة، ثم لا يجيب بعد الصلاة حتى تطلع الشمس. قال التادلي: فيقوم من هذا أن الاستغفار والذكر في هذا الوقت أفضل من قراءة العلم فيه، وقال الأشياخ: تعلم العلم فيه أولى، قلت: وهو الصواب، وبه كان بعض من لقيناه يفتي ولاسيما في زماننا اليوم لقلة الحاملين له على الحقيقة. وسمع ابن القاسم مرة: صلاة النافلة أحب إلي من مذاكرة العلم. ومرة العناية بالعلم بنية أفضل. قلت: وبهذا أقول، وقد قال ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية. وعلم ينتفع به بعد موته (١)). انتهى. نقله الإمام الحطاب، عن ابن ناجي. ويكره النوم إذ ذاك لخبر: (الصبحة تمنع الرزق (٢)). قاله الإمام الحطاب أيضا. وقد تقدم قوله في الحديث الشريف: (وجلس في مصلاه) الخ، قال سيدي محمد بن أبي جمرة في شرح قوله ﵊: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه [ما لم يحدث (٣)] تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه (٤)): هل يعني به الموضع الذي أوقع فيه الصلاة أو البيت أو المنزل الذي جعله لمصلاه؟ فالجمهور أنه موضع سجوده وقيامه، وقال بعضهم: إنه البيت الذي اتخذه مسجدا لصلاته وإن لم يجلس في الموضع الذي أوقع فيه الصلاة، مثاله إذا صلى في المسجد ثم انتقل من الموضع الذي صلى فيه ولم يخرج من المسجد، أنه تدعو له الملائكة وكثير بين مجمع عليه، وقول واحد. انتهى. وقوله: ما لم يحدث؛ أي الحدث الذي ينقض الطهارة، والظاهر أن هذا في كل الصلوات فرضا كانت أو نفلا، وهذا أيضا في حق المصلي الصلاة الشرعية المثاب عليها، لا التي تلعنه، ومن قبل بعض صلاته ولم يقبل البعض، الظاهر أنه يرجى له ذلك ببركة دعاء الملائكة، وفيه دليل على فضيلة الصلاة على غيرها يؤخذ ذلك من كون الملائكة تستغفر له بعد فراغه منها، وإن كان في شغل آخر

стр. 1214

ما دام في موضع إيقاعها، وفيه دليل لمن يُفَضِّل الصالحين من بني آدم على الملائكة؛ لأنهم يكونون في اشتغالهم والملائكة تستغفر لهم. وضجعة بين صبح وركعتي الفجر؛ يعني أنه يكره فعل ضجعة بكسر الضاد؛ أي على يمينه بين صبح وركعتي الفجر لمن فعلها استنانا لا للاستراحة، وممن كرهها ابن مسعود ﵁، وفي الخبر: (إذا صلى أحدكم الفجر فليضطجع عن يمينه (١))، ولم يصحبه عمل، وفتح الضاد هنا غير مناسب لاقتضائه أن الكراهة متعلقة بوضع الجنب بالأرض على أي صفة، والمقابل إنما يقول بالأيمن، ومن المدونة قال ابن القاسم: لا بأس بالضجعة بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح إن لم يرد فصلا بينهما، وإن أراد ذلك فلا أحبه. أبو محمد: لا يفعل ذلك استنانا؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله استنانا. وفي الشبراخيتي: وأما فعله ﷺ لها فإنما كان ينتظر المؤذن حتى يأتيه، كما قاله أبو محمد. انتهى. والوتر سنة آكد: الوتر بفتح واو وتكسر كما للشيخ إبراهيم؛ يعني أن الوتر سنة آكد أي أشد تأكيدا مما بعده؛ لأنه قيل بوجوبه عينا، والعيد قيل بوجوبه كفاية، والعمرة آكد من الوتر، وآكد من العمرة ركعتا الطواف لجزم المصنف بالسنية فيها، وحكايته الخلاف في السنية، والوجوب في ركعتي الطواف، وكذا صلاة الجنازة على ما يظهر لذلك أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وكذا صلاة الجنازة" الخ، هذا هو الذي في المقدمات أنها آكد من الوتر، وفي البيان أنه آكد منها. انظر الحطاب. انتهى. ابن يونس: الوتر سنة مؤكدة لا يسع تركها أحدا. سحنون: يجرح تاركه. ابن عرفة: اعتذر بعضهم عن التجريح؛ بأن تركه علامة استخفافه بأمور الدين. وقال أصبغ: يؤدب. المازري: لاستخفافه بالسنة كقول ابن خويزمنداد: تارك السنة فاسق، وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا (٢))، قالها ثلاثا. أخرجه أبو

стр. 1215

داوود. وعن علي ﵁ قال: الوتر ليس بحتم كالصلاة المكتوبة، ولكن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن (١)). أخرجه أصحاب السنن. وعن محيريز: أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد، يقول: الوتر واجب، قال الكناني: فسألت عبادة بن الصامت ﵁، فقال: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة (٢))، أخرجه الأربعة إلا الترمذي. أبو محمد هذا من الأنصار له صحبة، وقول عبادة فيه: كذب أبو محمد، أي أخطأ، ولا يجوز أن يكذب في شيء من الأخبار عن رسول الله ﷺ . قاله في التيسير. ثم عيد؛ يعني أن العيد فطرا أو أضحى ورتبتهما واحدة، آكد مما بعده. ثم كسوف؛ يعني أن صلاة كسوف الشمس آكد من صلاة الاستسقاء، وتقديم الكسوف على العيد عند اجتماعهما لا ينافي تأكد العيد عليه؛ لأنه إنما قدم خوف فوات سببه بخلاف العيد. ثم استسقاء؛ يعني أن الاستسقاء يلي الكسوف في التأكيد. ابن فرحون: مما ترد به الشهادة الداومة على ترك المندوبات المؤكدة، كالوتر، وركعتي الفجر، وتحية المسجد، وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد في تفسيق تارك الوتر، قال: لاستخفافه بالسنة ابن خويزمنداد: من استخف بالسنة فسق فإن تمالأ عليه أهل بلد حوربوا. وقال القرطبي في شرح مسلم: من ترك التطوعات ولم يعمل بشيء منها فقد فوت على نفسه ربحا عظيما وثوابا جسيما، ومن داوم على ترك شيء من السنن كان نقصا في دينه وقدحا في عدالته، فإن تركه تهاونا ورغبة كان ذلك فسقا يستحق به ذما. وقال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواطئوا على ترك سنة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا. انتهى. وقوله: "ثم كسوف"؛ يعني به كسوف الشمس كما تقدمت الإشارة إليه. وفي الحطاب فائدة: قال الشيخ

стр. 1216

كمال الدين (١) الهمام الحنفي في شرح الهداية، في باب النوافل: إن سنة الفجر أقوى السنن حتى روي عن أبي حنيفة: لو صلاها قاعدا من غير عذر لا يجوز. وقالوا: العالم إذا صار مرجعا للفتوى جاز له ترك سائر السنن لحاجة الناس إلا سنة الفجر؛ لأنها أقوى السنن. انتهى. ووقته بعد عشاء صحيحة وشفق؛ يحطي أن وقت الوتر كالتراويح؛ أي وقته الاختياري أوله بعد صلاة العشاء الصحيحة الكائنة بعد مغيب الشفق فَفعْلُهُ ولو سهوا قبل العشاء الصحيحة أو بعدها، وقبل مغيب الشفق كالجمع ليلة المطر لَغْوٌ، ولو أوتر ثم ذكر ما يرتب صلَّاه وأعاد العشاء والوتر. وقيل: لا يعيد الوتر، وكذا من أعاد العشاء لصلاتها بنجاسة غير عالم بها، ومن أعاد العشاء بعد الوتر في الجماعة وكان قد صلاها مفردا، ففي إعادته للوتر قولان. كذا في الشبراخيتي، وعبد الباقي. إلا أن عبارة عبد الباقي: ثم اقتحم النهي وأعادها جماعة، ومن صلى العشاء بتيمم وعنده تقصير يقتضي الإعادة، أو صلاها منحرفا انحرافا يقتضي الإعادة، أو صلتها امرأة بادية المصدر والأطراف، أو بمعطن إبل، أو كنيسة ونحو ذلك وأعادها كل -كما هو ظاهر إطلاقهم- ولو بعد الوتر أعاد الوتر، ومن لا يقرأ يصلي الوتر مع إمام يقرأ، ويقدمه في مذهبه قبل شفق وبعد عشاء؛ لأن تأخيره للشفق أي لمغيبه مود لتركه أو الإتيان به بدون فاتحة، وينبغي أن يجري هذا في جمع التقديم أو التأخير، فيجمع من لا يقرأ مع إمام يقرأ، وإن كان من لا يقرأ ليس من أهل الجمع. قاله الشيخ عبد الباقي. للفجر؛ يعني أن وقت الوتر المختار مبدؤه بعد عشاء صحيحة واقعة بعد مغيب الشفق، ويمتد ذلك المختار إلى طلوع الفجر، فينتهي بمجرد طلوع الفجر وقته المختار. وعن خارجة بن حذافة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمدكم الله بصلاة هي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر، فجعلها الله في ما بين العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر (٢))، أخرجه أبو داوود، والترمذي. حمر النعم: خيار الإبل وأعلاها قيمة. وعن عائشة ﵂ قالت: (من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، من

стр. 1217

أول الليل وأوسطه وآخره، وانتهى وتره إلى السحر (١))، أخرجه الخمسة، رواهما في التيسير. وعن نافع قال (كنت مع ابن عمر ﵁ بمكة والسماء مغيمة، فخشي الصبح فأوتر بواحدة، ثم انكشف الغيم فرأى أن عليه ليلا، فشفع بواحدة ثم صلى ركعتين، فلما خشي الصبح أوتر بواحدة (٢)). أخرجه مالك: رواه في التيسير. وضرورية للصبح؛ يعني أن ضروري الوتر بعد مختاره، فمبدؤه من طلوع الفجر وينتهي لصلاة الصبح. وصرح بعضهم بأن المراد بكونه ضروريا الكراهة، وبكونه اختياريا عدمها. قاله الشبراخيتي. الباجي: آخر وقت صلاة الليل، والوتر ما لم يصل الصبح. انتهى. وما لعبد الباقي هنا غير صحيح كما لبناني: وقوله: "للصبح"؛ أي لانقضاء صلاة الصبح مطلقا، فذا أو إماما، أو مأموما. أشار له الشيخ محمد بن الحسن. ابن عرفة: لا يقضى الوتر بعد صلاة الصبح اتفاقا، وقال طاووس: يقضى الوتر لطلوع الشمس، وقيل: يقضى بعد طلوع الشمس ما لم تغرب الشمس فإذا غربت فلا يصلى ليلا يكون وتران في ليلة، ولو صلى الصبح وذكر العشاء صلاها وأعاد الصبح. سند: وكذا الوتر على الأرجح، وما ذكره سند مشكل، وقد يجاب بأن الصبح لما كانت مطلوبة الإعادة كان فعلها كالعدم. وفي الحطاب: من سلم من الوتر ثم ذكر أنه سلم من ثلاث في صلاة النهار، فإنه يعيد الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة للترتيب. وفي إعادة الشفع والوتر قولان لسحنون، ويحيى بن عمر؛ سببهما تعارض عمومين: قوله ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا (٣))، وقوله: (لا وتران في ليلة (٤)). ومن جلس في الوتر وذكر سجدة لا يدري من أي صلاة هي؟ أعاد الصلوات كلها، وفي الحطاب بعد جلب نقول. والحاصل أن ابن القاسم نص على أنه يعيد الوتر إذا أعاد العشاء لأجل الترتيب، ولم يذكروا له مخالفا إلا ما تقدم من كلام ابن قداح ومن معه، ومثله من أعاد العشاء لصلاته إياها بنجاسة.

стр. 1218

والله أعلم. وقال ابن القاسم: سمعت مالكا قال فيمن أوتر فظن أنه لم يوتر، فأوتر مرة أخرى ثم تبين له أنه قد أوتر مرتين، قال: أرى أن يشفع الوتر الأخير، يريد إذا كان بقرب ذلك، وتكون نافلة له؛ إذ يجوز لمن أحرم بوتر أن يجعله شفعا، كما يجوز لمن صلى من صلاة الفريضة ركعة ثم علم أنه قد كان قد صلاها، أنه يضيف إليها أخرى وتكون له نافلة، ولا يجوز لمن صلى ركعة من شفع أن يجعلها وترا، ولا يبني عليها فرضا؛ لأن نية السنة أو الفرض مقتضية لنية النفل، ولا يقتضي نية النفل نية السنة ولا الفرض، وهذا كله بين. وبالله تعالى التوفيق. انتهى. وندب قطعها له لفذ؛ يعني أن الشخص إذا ذكر الوتر وهو في صلاة الصبح، فإنه يندب له أن يقطع صلاة الصبح لأجل الوتر الذي ذكره فيها عقد ركعة أم لا، وقيل: لا يقطع إن عقد ركعة والأول هو الراجح، كما في الحطاب. وإذا قطع وأتى بالشفع والوتر أعاد الفجر، كما لو ذكر منسية بعد أن صلى الصبح فيأتي به ويعيد الفجر. وقال التلمساني: الظاهر من المذهب عدم الإعادة؛ لأن الترتيب إنما هو بين الفرائض، وقوله: "وندب قطعها له" الخ، مقيد بما إذا لم يسفر جدا بحيث يخشى أن يوقعها، أو ركعة منها بعد طلوع الشمس. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "له"، متعلق بالمصدر، وهو قطعها، وهو مضاف لمفعوله. وقوله: "لفذ"، متعلق بقوله: "ندب". لا مؤتم؛ يعني أن المؤتم إذا ذكر الوتر وهو في صلاة الصبح، فإنه لا يندب له قطع الصبح لأجل الوتر، بل يندب له التمادي. قال الشارح: وهو الذي رجع إليه مالك، وقال أحمد: إن الذي رجع إليه مالك جواز التمادي، ومقتضى كلامه أنه الراجح، وعلى كل فليس هذا من مساجن الإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. ومن ذكر الوتر في ركعتي الفجر، فهل يقطع فجره؟ قولان لابن ناجي وشيخه البرزلي، وإن ذكر الوتر بعد ما صلى الفجر أتى به وأعاد الفجر. وفي المدونة: من ذكر الوتر بعد صلاة الصبح لم يقضه، وليس كركعتي الفجر في القضاء، ومن كان خلف إمام في الصبح أو وحده فذكر وتر ليلته، فقد استحب له مالك أن يقطع ويوتر، ثم يصلي الصبح. قال ابن القاسم: ثم أرخص مالك للمأموم أن يتمادى. قاله المواق. قال الشيخ عبد الباقي: فإن قلت قد

стр. 1219

تقدم في الفوائت أن الإمام إذا قطع لتذكر فائتة يقطع مأمومه. قلت: لما كان تمادي المأموم إذا ذكر وحده واجبا في الفوائت على الراجح، وهنا مستحب أو جائز على ما رجع إليه مالك -كما مر- كان سريان الخلل الذي في صلاة الإمام لصلاة المأموم أشدَّ في مسألة الفوائت منه في مسألتنا هذه. انتهى. كلام الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ بناني: الظاهر في الجواب أن وجوب قطع الإمام في الفائتة دل على خلل في صلاته، فسرى لصلاة المأموم، وأن جواز التمادي هنا دل على عدم الخلل فلم يكن موجب لقطع صلاة المأموم، ولو قال الزرقاني: لما كان خروج الإمام إذا تذكر واجبا الخ. كان أصوب. والله أعلم. انتهى. وإذا قلنا إن المأموم لا يقطع بخلاف الفذ، فمحل ذلك إذا كان لو قطع وأوتر تفوته جماعة الصبح، فلو كان يعتقد أنه يدرك ركعة منها قطع، وكان كالفذ لأنه يمكنه تحصيل فضيلة الجماعة، فلو منع من القطع لم يكن له إلا حرمة المكتوبة فقط، وحرمة المكتوبة ثابتة في حق الفذ ولا تمنعه من القطع. قاله في الطراز. قاله الإمام الحطاب. وقال ابن عبد البر في الاستذكار: لا أعلم أحدا قال بقطع الصبح لذكر الوتر إلا أبا حنيفة أو ابن القاسم، وأما مالك فالصحيح عنه أنه لا يقطع، قال: وأجمع العلماء على أن المأموم لا يقطع لذكر الوتر. انتهى. قال الإمام الحطاب: ويتعقب قوله الصحيح عن مالك أنه لا يقطع؛ بأنه خلاف قول مالك في المدونة، وقال ابن ناجي: تعقبه ابن زرقون بقول المدونة: إن المأموم يقطع، فكلام صاحب الاستذكار متعقب من جهتين. والله سبحانه أعلم. وقد تقدم أن ابن ناجي يقول: من ذكر الوتر في الفجر يقطع، قال: لأنه إذا كان يقطع في الصبح فأحرى أن يقطع هنا ولا يختلف فيه، قال: وكان شيخنا؛ يعني البرزلي لا يرتضي ذلك مني، ويعتل بأنه إذا لم يقطع في الصبح فات الوتر، وهاهنا إذا تمادى على الفجر لا يفوت بل يعيده. انتهى المراد منه. الجزولي: من ذكر الوتر بعد أن صلى الفجر أتى به وأعاد الفجر، وقد تقدم شيء من هذا. وقال التلمساني. في شرح الجلاب: الظاهر أنه لا يعيدها؛ لأن الترتيب إنما يقع بين الفرائض انتهى. قاله الإمام الحطاب. وفي الإمام روايتان؛ يعني أن الإمام إذا ذكر الوتر وهو في صلاة الصبح، ففي ندب قطعه وجوازه روايتان: الأولى لابن القاسم ومطرف وابن وهب أنه يندب له القطع، والثانية للباجي أنه يجوز

стр. 1220

له قطع الصبح لأجل الوتر. والظاهر أن المسبوق إذا قام لقضاء ركعة فذكر الوتر على حكم المؤتم كما هو الظاهر من كلام المصنف وغيره، وهو واضح لانسحاب حكم الأمومية عليه بإدراك ركعة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال: الظاهر أن الامام إذا خرج يستخلف. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا أحد قولين في الحطاب. انتهى. ونص الحطاب: إذا قلنا يقطع الإمام فهل يقطع المأموم، كما إذا ذكر الإمام صلاة، قولان ذكرهما في التوضيح عن ابن راشد، وذكرهما الشارح في الكبير، وقال ابن رشد في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم من كتاب الجامع: فإذا قطع صلاته بالكلام فصلاة المأمومين صحيحة، خلافا لابن حبيب. انتهى. وللشيخ التتائي ﵀: ويقطع مأموم لقطع إمامه … بذكر صلاة أو بفقد لنية كتكبير إحرام كذا الشك فيهما … وذاكر وتر وهو في الصبح ما فَتِي وفي الطراز: وروى مطرف عن مالك أنه إذا ذكر الوتر فليقطع، كان إماما أو وحدد، أو مأموما إلا أن يسفر جدا، وروى مثله ابن القاسم وابن وهب. انتهى. والقصد منه أنه يؤمر بالقطع ما لم يسفر جدا والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وإن لم يتسع الوقت إلا لركعتين تركه؛ يعني أنه إذا لم يتسع الوقت الضروري للصبح إلا لركعتين؛ أي لم يبق منه في تقدير ذهنه إلا ما يسع ركعتين قبل طلوع الشمس، ولم يكن صلى الصبح والوتر، فإنه يترك صلاة الوتر ويصلي الصبح فقط، وأما الاختياري فلا يراعى فيه تفصيل المصنف، بل يصلي ذلك ولو أدى إلى أن يصلي الصبح بعد الإسفار، مراعاة للقول بأن وقتها الاختياري للطلوع. قاله الشيخ إبراهيم: وما ذكره المصنف هو مذهب المدونة. وقال أصبغ: إنه إذا بقي قبل طلوع الشمس ركعتان، أتى بالوتر، ثم يصلي الصبح ركعة في وقت الصبح وركعة خارجه. وقد علمت أنه مقابل لمذهب المدونة، ويقال: إن متقدمي الشيوخ كانوا إذا نقلت لهم مسألة من غير المدونة، وهي فيها موافقة لما في غيرها عدوه خطئا، فكيف إذا كان الحكم في

стр. 1221

غيرها مخالفا؟ انتهى. قاله الإمام الحطاب. وإذا ذكر الوتر وقد أقيمت الصبح، فروى علي: يخرج فيصليه ولا يخرج لركعتي الفجر. قاله المواق. لا لثلاث؛ يعني أن من لم يصل الصبح والوتر، ولم يبق له من الوقت قبل طلوع الشمس إلا ما يسع ثلاث ركعات أو أربعا، فإنه يأتي بالوتر والصبح فقط، ولا يأتي بالشفع والفجر. وقال أصبغ: إنه إذا بقي له ما يسع أربع ركعات قبل طلوع الشمس فإنه يصلى الشفع والوتر، ويدرك الصبح بركعة. ويجاب عن ترك المصنف لذكر الأربع مع أن أصبغ خالف فيها أيضا -كما علمت - بأن قوله: "إلا لركعتين": يدل على رد قوله: "في الأربع"؛ أيضا؛ إذ اللازم على قول أصبغ في كل منهما واحد، وهو أن تصلى ركعة من الصبح بعد الطلوع قاله الشيخ محمد بن الحسن. ولخمس صلى الشفع؛ يعني أنه إذا يتسع لوقت الضروري إلا لخمس ركعات أو ست؛ فإنه يصلي الشفع والوتر والصبح لندب الشفع. وندب وصله بالوتر، والمندوبان أقوى من رغيبة، ولأنه من جملة الوتر على قول أبي حنيفة بوجوبه، ولم يقل أحد بوجوب الفجر؛ ولأن الفجر يقضى للزوال فلذا تركها وأتى بالشفع. والله سبحانه أعلم. ولو قدم؛ يعني أنه إذا اتسع الوقت الضروري لخمس ركعات أو ست، فإنه يصلي الشفع ولو كان قدْ قَدَّم الشفع أول الليل لانفصاله، وقيل: لا يعيده حينئذ، ويأتي بركعتي الفجر بدله لأن الوقت لهما، وحكى عليه ابن رشد الاتفاق، وهو وإن نوزع فيه يفيد قوته فينبغي أن يقتصر عليه أو يذكره مع ما ذكره. قال الشيخ الرماصي، والشيخ بناني: ظاهر المصنف ولو قدم الشفع مع أن فرض الخلاف عند الأئمة إذا قدم النفل. ابن الحاجب: ولخامسة وكان قد تنفل، ففي تقديم الشفع على ركعتي الفجر قولان. انتهى. وكذا لابن عرفة عن ابن بشير، واستدل ابن رشد بقوله ﵊: (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر (١)). انتهى. ولسبع زاد الفجر؛ يعني أنه إذا اتسع الضروري لسبع ركعات فإنه يزيد الفجر على ذلك؛ بأن يصلي الشفع والوتر وركعتي الفجر. ونص الجزولي على هذا قائلا: لا إشكال ولا خلاف في ذلك.

стр. 1222

قاله المواق والحطاب. هذا قول أصبغ، والذي في كلام ابن رشد المذكور أنه إذا كان قد تنفل بعد العشاء لا يعيد الشفع، فتأمله. انتهى. وهي رغيبة؛ يعني أن صلاة الفجر رغيبة أي مرغب فيها، ورتبة الرغيبة دون السنة وفوق النافلة، وقد مر أن جنس الرغيبة لم يوجد منه إلا ركعتا الفجر، وفي الخبر: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها (١))، وفيه أيضا: (لا تدعوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل (٢))؛ أي تبعتكم، وكانت في أثركم. وفي الصحاح: مر فلان يطردهم أي يشلهم [ويكسأهم (٣)]، وقال في باب اللام: شللت الإبل؛ إذا طردتها وقال في باب الهمزة: [كسأته (٤)] تبعته، ويقال للرجل إذا هزم القوم فمر وهو يطردهم: مر فلان [يكسأهم (٥)] ويَكْسَعُهم؛ أي يتبعهم. وما ذكره المصنف من أن الفجر رغيبة، قال الشارح: هو أحد قولي مالك، وبه أخذ ابن القاسم، وابن عبد الحكم، وأصبغ؛ وهو الراجح عند ابن أبي زيد، لقوله: وركعتا الفجر من الرغائب، وقيل: من السنن، وهذا القول الثاني لمالك وبه أخذ أشهب. وقال ابن عبد البر: وهو الصحيح. انتهى. قاله الحطاب. وقال أي الحطاب: قال ابن ناجي في شرح المدونة: وصرح ابن غلاب في وجيزه: بأن المشهور السنية. انتهى. وذكر ابن ناجي أيضا أنه وقع لابن القاسم في العتبية أنها سنة. انتهى. وقال المواق: قال ابن عبد البر: وركعتا الفجر سنة، ورواه أشهب، وعلي عن مالك، وقالاه وهو قول الشافعي، وابن حنبل، وجماعة أهل الفقه والأثر لا يختلفون في ذلك. انتهى. تفتقر لنية تخصها؛ يعني أن الفجر تفتقر لنية زائدة على نية مطلق الصلاة تخصها أي تميزها وتعينها عن سائر النوافل.

стр. 1223

واعلم أن السنن الخمس؛ أي الوتر، والعيدين، والكسوف، والاستسقاء، والفجر لابد لها من نية تخصها، فلابد لها من نية التعيين فمن افتتح الصلاة من حيث الجملة ثم أرادها لها، لم تجزه، وما عدا هذه السنن الخمس تكفي فيه نية مطلق الصلاة كالتراويح، والضحى، وتحية المسجد، وغير ذلك. وهذا الذي تكفي له نية مطلق الصلاة يسمى النفل المطلق؛ أي لم يقيد بزمن كالوتر وركعتي الفجر، ولا سبب كالكسوف والاستسقاء، وكذا سائر العبادات المطلقة من حج أو عمرة أو صوم لا تفتقر إلى التعيين: بل تكفي لها نية العبادة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: والفجر رغيبة تفتقر لنية تخصها، كالسنن، والمنذور، والخسوف. وغير ما ذكر يصرفه الوقت كالضحى، ووقت دخول المسجد، وتعبيري خير من قولهم النوافل المقيدة بأسبابها وأوقاتها تفتقر لنية تخصها؛ فإن الضحى مقيد بوقته، والتحية بسببها: أعني الدخول، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في النية من فرائض الصلاة. انتهى كلام الشيخ الأمير. ولا تجزئ إن تبين تقدم إحرامها للفجر؛ يعني أنه إذا ركع الفجر وتبين له أنه أحرم بها قبل انصداغ الفجر، فإنها لا تجزئه إذا لم يتحر قولا واحدا سواء أتمها بعد الفجر، أو فعل جميعها قبل انصداعه. ولو بتحر؛ يعني أنه إذا تحرى طلوع الفجر، فصلى ركعتي الفجر، ثم تبين له أن إحرامهما قبل الفجر، فإنهما لا يجزآنه ويعيدهما؛ وهو مذهب المدونة، خلافا لابن حبيب، وابن الماجشون. وفهم من كلام المصنف أنه يجوز له أن يركعهما مع التحري إذا ظن الفجر طلع وهو كذلك. قاله في المدونة. قال سند: لأنه إذا تحرى الفجر منع من النفل فيه، فإذا فعل ركعتي الفجر فقد أوقعهما في وقت ثبت له بحكم التبعية. انتهى. وهما بخلاف الفريضة، فإنه لا يصليها حتى يتحقق الوقت. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. والمراد بتحرى الوقت حصول الظن أو غلبته. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي: ولو بتحر أي ظن طلوعه أو غلبته، فإن تبين وقوع إحرامها بعد طلوعه، أو لم يتبين شيء مع التحري حال الإحرام أجزأت في هاتين الصورتين. انتهى. وقد علمت أنه إذا حصل التحري ولم يتيقن، هل صلاها قبل الفجر أو بعده؟ فإنه لا يعيدها لأنها من الرغائب. وما تقدم من قوله: وإن شك في دخول الوقت في الفرائض، فالفرق بين

стр. 1224

ما هنا وبين ما تقدم خفة الرغيبة دون الفرض، وقوله: "ولو بتحر"، المبالغة على ظاهرها. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وندب الاقتصار على الفاتحة؛ يعني أنه يندب لمن يصلي الفجر أن يقتصر في القراءة على قراءة الفاتحة، وفي المدونة: كان مالك يقرأ فيهما بأم القرآن سرا، وروى ابن وهب أن مالكا أعجبه قراءتهما بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، والإخلاص للحديث. ابن العربي: أقل أحوال المتبتل أن يقوم قبل الفجر من نومه فيذكر الله ويقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، العشر الآيات، ثم يتوضأ، ويصلي ثلاث ركعات، فإذا طلع الفجر ركع ركعتيه، يقرأ في الأولى بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية بسورة التوحيد، ثم يصلي الصبح. انتهى. أبو عمر: (كان النبي ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، روى ذلك من حديث عائشة، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث ابن مسعود، وكلها صحاح ثابتة، وكذلك: كان ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب. قال واهتبال (١) العلماء بما يقرأ فيهما دليل أنهما سنة، ولا وجه لمن قال إنهما رغيبة، ولا يوقف على مؤكدات السنن إلا بمواظبته ﷺ على ذلك، فركعتا الفجر سنة. قاله المواق. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: (إن النبي ﷺ يخففهما حتى أقول؛ هل قرأ فيهما بأم القرآن (٢))؟ وفي الشبراخيتي: أن الفجر مع الصبح كالرباعية ركعتان بالحمد وسورة، وركعتان بالحمد. فقط. ولذلك شرع فيها الإسرار. انتهى. وروى ابن وهب: (كان النبي ﷺ يقرأ فيهما بقل ياأيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وهو في مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ (٣). وفى أبي داوود من حديث ابن مسعود ﵁. وقال به الشافعي، وقد جرب لوجع الأسنان، فصح. قاله الشيخ بناني. وفي الشبراخيتي: فلو زاد سورة أو بعضها خالف

стр. 1225

المستحب، وأجيب عن الحديث بأنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز. انتهى. وما يذكر لمن أن من قرأ في ركعتي الفجر ب: ألَمْ وألَمْ لا أصل له وهو بدعة أو قريب منها. قاله الشيخ زروق. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وإيقاعه بمسجد؛ يعني أنه يندب إيقاع صلاة الفجر بمسجد لمصل به. قاله الشبراخيتي. بناء على أنها سنة، وإظهار السنن خير من كتمانها ليقتدي الناس بعضهم ببعض، كذا لمالك؛ وهو يفيد أن صلاة الرجل الفريضة في المسجد مع الجماعة أفضل من صلاته مع أهل بيته جماعة، وإن لزم صلاتهم فرادى لا إن لزم عدم صلاتهم بالكلية فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي ولا يندب إيقاع الفجر بالمسجد على أنها رغيبة، فالمصنف جمع بين القولين، وعلل الشيخ أحمد الندب بغير ما مر، فقال: لأنها تنوب له عن التحية ففعلها في المسجد محصل للتحية، بخلاف فعلها في البيت فإنه مخل بذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. ونابت عن التحية؛ يعني أن الفجر تنوب عن التحية؛ بمعنى أنه يسقط الطلب بالتحية بسبب صلاة الفجر بالمسجد، ويحصل بها إكرام البقعة ويحصل له ثواب التحية إن نواها، قوله: "ونابت عن التحية"، هو المشهور، وقال القابسي: يركع التحية ثم يركع للفجر. قاله غير واحد. وفي الجواهر: ومن دخل المسجد بعد طلوع الفجر وقبل صلاته فلا يصلي سوى ركعتي الفجر خاصة، وانفرد الشيخ أبو الحسن، فقال: يحيي المسجد ويركع للفجر. انتهى. ونحوه لابن الحاجب، وخرج اللخمي هذا الخلاف على الخلاف فيمن أتى المسجد بعد ركوعهما، فروى ابن وهب وابن القاسم: يركعهما، وابن نافع: لا يعيدهما، ففسر ابن رشد، واللخمي، وابن العربي، وابن عبد الرحمن. وأبو عمران إعادتهما بركعتي التحية. ابن عرفة: ونقلُ ابن بشير عن بعض المتأخرين إعادتهما بنية إعادة ركعتي الفجر لا أعرفه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وإن فعلها ببيته لم يركع؛ يعني أن من فعل صلاة الفجر ببيته ثم أتى المسجد لم يركع فجرا ولا تحية، وقيل: يركع، وعليه فهل بنية الفجر أو بنية التحية، وهو الظاهر، قولان، ووجه القول

стр. 1226

بالركوع قوله ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين (١))، ووجه القول بعدمه فعله ﷺ ، وعدم الركوع هو مختار ابن يونس، وقول سحنون وابن وهب وأصبغ، وعليه مشى المصنف. ولا يقضى غيره فرض؛ يعني أن القضاء من شعار الفرائض فلا تقضى صلاة خرج وقتها وهي غير فرض، إلا هي؛ يعني أن ما تقدم من أنه لا يقضى غير الفرض محله في غير الفجر، وأما الفجر فإنها تقضى من حل النفل. للزوال، وقال أحمد بن حنبل: لم يبلغنا أن النبي ﷺ قضى شيئا من التطوعات إلا ركعتي الفجر والركعتين بعد العصر؛ أي المطلوبتين قبله إذا فاتتاه، ويقضيهما بعد صلاته ولم نأخذ بذلك فيهما كأحمد لإمكان أنه لم يصحبه عمل. قاله السنهوري. وإذا لم يكن صلى الصبح حتى طلعت الشمس وحلت النافلة قدم الصبح على الفجر على المشهور، لخبر: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى يذكرها فذلك وقتها (٢))، وقيل: يقدم الفجر، والقولان لمالك، فروى عنه ابن وهب أنه لا يركع ركعتي الفجر حتى تصلى الصبح، وبه قال الثوري والليث، وقال أشهب وعلي بن زياد: يركع ركعتي الفجر ثم يصلي الصبح، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وداوود، ووجه رواية ابن وهب قوله ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها (٣))، وهذا ينفي فعل صلاة قبلها. ومن جهة المعنى أن الصلاة الفائتة يتعين وقتها بالذكر؛ وهو مقدار ما تفعل فيه فلا يجوز أن يفعل غيرها فيه، كما لو ضاق وقتها المعين لها، ووجه قول أشهب ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (عرسنا مع النبي ﷺ فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه شيطان. قال: ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين، وقال يعقوب ثم صلى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى

стр. 1227

الغداة (١)). انتهى. وقال عياض، فيمن فاتته صلاة الصبح: هل يصلي قبلها ركعتي الفجر؟ فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد وداوود إلى الأخذ بزيادة من زاد صلاة ركعتي الفجر في هذه الأحاديث؛ وهو قول أشهب، وعلي بن زياد من أصحابنا، ومشهور مذهب مالك أنه لا يصليهما قبل الصبح الفائتة؛ وهو قول الثوري والليث أخذا بحديث ابن شهاب. قاله الإمام الحطاب. وإن أقيمت وهو بمسجد تركها؛ يعني أنه إذا أقيمت الصبح على من لم يصل الفجر وهو بالمسجد، أو رحبته، فإنه يترك الفجر ويدخل مع الإمام، ثم يقضي الفجر بعد حل النفل، ولا يخرج ليركعها خارج المسجد. وفي الجلاب: يخرج ويصلي ثم يدرك. انتهى. وقوله: "وإن أقيمت وهو بمسجد"، في حاشية الشيخ الأمير: أن المراد بالمسجد كل مكان معد للصلاة، وهل يسكت الإمام المؤذن أي المقيم عن الإقامة ليركع الفجر أم لا؟ خلاف، ويسكته ليصلي الوتر. وقوله: "وإن أقيمت وهو بمسجد تركها"؛ أي الفجر -كما علمت- وأما الوتر فإنه إذا أقيمت عليه الصبح وهو في المسجد ولم يصله، فإنه يخرج من المسجد ويصليه، ويسكت الإمام المؤذن؛ أي المقيم ليصلي الإمام الوتر. وقال الشيخ عبد الباقي: إنه إذا أقيمت الصبح على من هو بالمسجد، فإنه يخرج منه ويركعها، ولا يسكت الإمام المؤذن ليركعها؛ أي الفجر، ويسكته ليصلي الوتر. قاله الحطاب. وهذا كله حيث لم يخف فوات ركعة، وإلا ترك الوتر ودخل معه. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله: ترك الوتر ودخل معه غير صحيح، كما يدل عليه ما تقدم قريبا، وقوله: "وإن أقيمت وهو بمسجد تركها". قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: الذي يظهر أن هذا حيث أقيمت -لراتب كما يأتي- من أن الصلاة إذا أقيمت لغير راتب يجوز ابتداء صلاة أخرى. والله سبحانه أعلم. وسئل مالك عن الذي يدخل في صلاة الصبح والإمام قاعد فيقعد معه، أترى أن يكبر حين يقعد أو ينتظر حتى يفرغ فيركع ركعتي الفجر؟ قال: أما إذا قعد معه فأرى أن يكبر، قال ابن القاسم: ويركع ركعتي الفجر إذا طلعت الشمس. وعزا ابن رشد لابن حبيب في الواضحة أنه: لا يكبر ويقعد معه، فإذا

стр. 1228

سلم قام فركع الفجر، وقول مالك أولى وأحسن، لقول النبي ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (١))، وإن فاتته صلاة الفجر في وقتها فقد أدرك صلاة الجماعة، قاله الإمام الحطاب. وخارجه ركعها؛ يعني أن من أقيمت عليه الصبح ولم يكن صلى الفجر؛ وهو خارج المسجد؛ وخارج رحبته يركع الفجر خارج المسجد ورحبته، ومحل ذلك. إن لم يخف فوات ركعة من الصبح مع الإمام، والمراد بها الأولى، ومفهوم قوله: "إن لم يخف فوات ركعة"، أنه لو خشي بركوعه للفجر فوات ركعة، فإنه يدخل مع الإمام ويصلي الفجر بعد حل النفل، ففي المدونة: قال مالك إن سمع الإقامة قبل أن يدخل المسجد، أو جاء والإمام في الصلاة فإن لم يخف فوات ركعة فأحب إليَّ أن يركعها خارجا في غير أفنية المسجد التي تصلى فيها الجمعة اللاصقة به، وإن خاف دخل مع الإمام، ثم إن شاء صلاها بعد طلوع الشمس. انتهى. وقوله: "وخارجه"، من الخارج عن المسجد الطرق التصلة به. وهل الأفضل كثرة السجود؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الأفضل في النفل هل هو كثرة الركوع والسجود لما في الحديث: (من ركع ركعة أو سجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة (٢))، ولخبر: (من سأل مرافقته في الجنة أعنّي -أي بكسر المعين- على نفسك بكثرة السجود (٣)) ولخبر: (إن العبد إذا قام فصلى أتي بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت (٤))، أو الأفضل في النفل. طول القيام؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن الأفضل في النفل طول القيام فهو أفضل من كثرة الركوع والسجود، وقوله: "أو طول القيام"؛ أي بالقراءة لأنه ﷺ ، سئل أي الأعمال أفضل، قال: (طول القيام (٥))، وهذا القول استظهره

стр. 1229

ابن رشد، وقال المواق: هذا القول أظهر؛ إذ ليس في الحديث الأول ما يعارضه. المازري، وقيل: أما في النهار فكثرة السجود أفضل، وأما بالليل فطول القيام أفضل. وإنما لم يكن ما تقدم من الأحاديث معارضا للحديث الأخير؛ لأنه يحتمل أن يكون ما يعطي الله العبد بطول القيام في الصلاة أكثر من ذلك كله. والله سبحانه أعلم. انظر الحطاب. وقوله: قولان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك قولان، وهذا مع اتحاد الزمن، وإلا فالأطول زمنا أفضل باتفاق. وقال الشيخ الأمير: والراجح فضل طول القيام على كثرة الركعات لحديث: (أحب الصلاة إلى الله طول القنوت (١))؛ أي القيام، (ولفعل رسول الله ﷺ ، فإنه قام الليل حتى تورمت قدماه (٢))، (وما زاد على إحدى عشرة ركعة (٣))، ولبعضهم: كأن الدهر في خفض الأعالي … وفي رفع الأسافلة اللئام فقيه صح في فتواه قول … بتفضيل السجود على القيام وها أنا أذكر هنا صلاة التسبيح التي علمها رسول الله ﷺ لعمه العباس، فقال: (يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمة وحديثه، وخطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، عشر خصال أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم فقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة ثم تركع وتقولها وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا، ثم تهوي ساجدا فتقولها عشرا، ثم ترفع من السجود فتقولها عشرا ثم تسجد فتقولها عشرا ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا فذلك خمس وسبعون مرة، في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات إن

стр. 1230

استطعت أن تصليها في كل يوم فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي غمرك مرة (١)). ولما فرغ من الكلام على النفل المنفصل عن الفرائض، شرع فيما هو متصل بها من الجماعة وأركانها، وما يتعلق بذلك من شروط الإمام والمأموم، وآدابهما، فقال:
следующие страницы →