← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

بالركوع قوله ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين (١))، ووجه القول بعدمه فعله ﷺ ، وعدم الركوع هو مختار ابن يونس، وقول سحنون وابن وهب وأصبغ، وعليه مشى المصنف. ولا يقضى غيره فرض؛ يعني أن القضاء من شعار الفرائض فلا تقضى صلاة خرج وقتها وهي غير فرض، إلا هي؛ يعني أن ما تقدم من أنه لا يقضى غير الفرض محله في غير الفجر، وأما الفجر فإنها تقضى من حل النفل. للزوال، وقال أحمد بن حنبل: لم يبلغنا أن النبي ﷺ قضى شيئا من التطوعات إلا ركعتي الفجر والركعتين بعد العصر؛ أي المطلوبتين قبله إذا فاتتاه، ويقضيهما بعد صلاته ولم نأخذ بذلك فيهما كأحمد لإمكان أنه لم يصحبه عمل. قاله السنهوري. وإذا لم يكن صلى الصبح حتى طلعت الشمس وحلت النافلة قدم الصبح على الفجر على المشهور، لخبر: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى يذكرها فذلك وقتها (٢))، وقيل: يقدم الفجر، والقولان لمالك، فروى عنه ابن وهب أنه لا يركع ركعتي الفجر حتى تصلى الصبح، وبه قال الثوري والليث، وقال أشهب وعلي بن زياد: يركع ركعتي الفجر ثم يصلي الصبح، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وداوود، ووجه رواية ابن وهب قوله ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها (٣))، وهذا ينفي فعل صلاة قبلها. ومن جهة المعنى أن الصلاة الفائتة يتعين وقتها بالذكر؛ وهو مقدار ما تفعل فيه فلا يجوز أن يفعل غيرها فيه، كما لو ضاق وقتها المعين لها، ووجه قول أشهب ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (عرسنا مع النبي ﷺ فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه شيطان. قال: ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين، وقال يعقوب ثم صلى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى

стр. 1227

الغداة (١)). انتهى. وقال عياض، فيمن فاتته صلاة الصبح: هل يصلي قبلها ركعتي الفجر؟ فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد وداوود إلى الأخذ بزيادة من زاد صلاة ركعتي الفجر في هذه الأحاديث؛ وهو قول أشهب، وعلي بن زياد من أصحابنا، ومشهور مذهب مالك أنه لا يصليهما قبل الصبح الفائتة؛ وهو قول الثوري والليث أخذا بحديث ابن شهاب. قاله الإمام الحطاب. وإن أقيمت وهو بمسجد تركها؛ يعني أنه إذا أقيمت الصبح على من لم يصل الفجر وهو بالمسجد، أو رحبته، فإنه يترك الفجر ويدخل مع الإمام، ثم يقضي الفجر بعد حل النفل، ولا يخرج ليركعها خارج المسجد. وفي الجلاب: يخرج ويصلي ثم يدرك. انتهى. وقوله: "وإن أقيمت وهو بمسجد"، في حاشية الشيخ الأمير: أن المراد بالمسجد كل مكان معد للصلاة، وهل يسكت الإمام المؤذن أي المقيم عن الإقامة ليركع الفجر أم لا؟ خلاف، ويسكته ليصلي الوتر. وقوله: "وإن أقيمت وهو بمسجد تركها"؛ أي الفجر -كما علمت- وأما الوتر فإنه إذا أقيمت عليه الصبح وهو في المسجد ولم يصله، فإنه يخرج من المسجد ويصليه، ويسكت الإمام المؤذن؛ أي المقيم ليصلي الإمام الوتر. وقال الشيخ عبد الباقي: إنه إذا أقيمت الصبح على من هو بالمسجد، فإنه يخرج منه ويركعها، ولا يسكت الإمام المؤذن ليركعها؛ أي الفجر، ويسكته ليصلي الوتر. قاله الحطاب. وهذا كله حيث لم يخف فوات ركعة، وإلا ترك الوتر ودخل معه. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله: ترك الوتر ودخل معه غير صحيح، كما يدل عليه ما تقدم قريبا، وقوله: "وإن أقيمت وهو بمسجد تركها". قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: الذي يظهر أن هذا حيث أقيمت -لراتب كما يأتي- من أن الصلاة إذا أقيمت لغير راتب يجوز ابتداء صلاة أخرى. والله سبحانه أعلم. وسئل مالك عن الذي يدخل في صلاة الصبح والإمام قاعد فيقعد معه، أترى أن يكبر حين يقعد أو ينتظر حتى يفرغ فيركع ركعتي الفجر؟ قال: أما إذا قعد معه فأرى أن يكبر، قال ابن القاسم: ويركع ركعتي الفجر إذا طلعت الشمس. وعزا ابن رشد لابن حبيب في الواضحة أنه: لا يكبر ويقعد معه، فإذا

стр. 1228

سلم قام فركع الفجر، وقول مالك أولى وأحسن، لقول النبي ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (١))، وإن فاتته صلاة الفجر في وقتها فقد أدرك صلاة الجماعة، قاله الإمام الحطاب. وخارجه ركعها؛ يعني أن من أقيمت عليه الصبح ولم يكن صلى الفجر؛ وهو خارج المسجد؛ وخارج رحبته يركع الفجر خارج المسجد ورحبته، ومحل ذلك. إن لم يخف فوات ركعة من الصبح مع الإمام، والمراد بها الأولى، ومفهوم قوله: "إن لم يخف فوات ركعة"، أنه لو خشي بركوعه للفجر فوات ركعة، فإنه يدخل مع الإمام ويصلي الفجر بعد حل النفل، ففي المدونة: قال مالك إن سمع الإقامة قبل أن يدخل المسجد، أو جاء والإمام في الصلاة فإن لم يخف فوات ركعة فأحب إليَّ أن يركعها خارجا في غير أفنية المسجد التي تصلى فيها الجمعة اللاصقة به، وإن خاف دخل مع الإمام، ثم إن شاء صلاها بعد طلوع الشمس. انتهى. وقوله: "وخارجه"، من الخارج عن المسجد الطرق التصلة به. وهل الأفضل كثرة السجود؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الأفضل في النفل هل هو كثرة الركوع والسجود لما في الحديث: (من ركع ركعة أو سجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة (٢))، ولخبر: (من سأل مرافقته في الجنة أعنّي -أي بكسر المعين- على نفسك بكثرة السجود (٣)) ولخبر: (إن العبد إذا قام فصلى أتي بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت (٤))، أو الأفضل في النفل. طول القيام؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن الأفضل في النفل طول القيام فهو أفضل من كثرة الركوع والسجود، وقوله: "أو طول القيام"؛ أي بالقراءة لأنه ﷺ ، سئل أي الأعمال أفضل، قال: (طول القيام (٥))، وهذا القول استظهره

стр. 1229

ابن رشد، وقال المواق: هذا القول أظهر؛ إذ ليس في الحديث الأول ما يعارضه. المازري، وقيل: أما في النهار فكثرة السجود أفضل، وأما بالليل فطول القيام أفضل. وإنما لم يكن ما تقدم من الأحاديث معارضا للحديث الأخير؛ لأنه يحتمل أن يكون ما يعطي الله العبد بطول القيام في الصلاة أكثر من ذلك كله. والله سبحانه أعلم. انظر الحطاب. وقوله: قولان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك قولان، وهذا مع اتحاد الزمن، وإلا فالأطول زمنا أفضل باتفاق. وقال الشيخ الأمير: والراجح فضل طول القيام على كثرة الركعات لحديث: (أحب الصلاة إلى الله طول القنوت (١))؛ أي القيام، (ولفعل رسول الله ﷺ ، فإنه قام الليل حتى تورمت قدماه (٢))، (وما زاد على إحدى عشرة ركعة (٣))، ولبعضهم: كأن الدهر في خفض الأعالي … وفي رفع الأسافلة اللئام فقيه صح في فتواه قول … بتفضيل السجود على القيام وها أنا أذكر هنا صلاة التسبيح التي علمها رسول الله ﷺ لعمه العباس، فقال: (يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمة وحديثه، وخطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، عشر خصال أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم فقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة ثم تركع وتقولها وأنت راكع عشرا، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرا، ثم تهوي ساجدا فتقولها عشرا، ثم ترفع من السجود فتقولها عشرا ثم تسجد فتقولها عشرا ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا فذلك خمس وسبعون مرة، في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات إن

стр. 1230

استطعت أن تصليها في كل يوم فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي غمرك مرة (١)). ولما فرغ من الكلام على النفل المنفصل عن الفرائض، شرع فيما هو متصل بها من الجماعة وأركانها، وما يتعلق بذلك من شروط الإمام والمأموم، وآدابهما، فقال:

стр. 1231

فصل: في حكم صلاة الجماعة، وأول من صلى جماعة: رسول الله ﷺ حين خرج من الغار في الصبح: وإنما كانوا يصلون فرادى، وأركان الجماعة أربعة: مساجد تختص بالصلاة، وإمام يؤم فيها، ومؤذن يدعو إليها، وجماعة يجمعونها. أما المسجد؛ فيبنى من بيت المال، فإن تعذر فعلى الجماعة بناؤه من أموالهم، ويجبرون على ذلك؛ لأن ذلك إحياء للسنن الظاهرة، فلا رخصة في تركها، وإن وجد متبرع بالأذان والإمامة فلا إشكال، وإلا فعليهم استئجارهما لخفة مؤنته دون بناء المسجد. وقيل ذلك من بيت المال كبناء المسجد، ولابد في المؤذن أن يكون عارفا بالوقت أو مقلدا لمن يعرفه، وأما الجماعة فإن امتنعوا من الاجتماع أجبروا على إحضار عدد يسقط به الطلب، وذلك ثلاثة ولا يكتفى باثنين، وإن كانا أقل الجمع إذ لا تقع بهما شهرة، فإن كانوا من أهل الجمعة طلب منهم عدد تقوم به الجمعة، والمسجد، والإمام والمؤذن: على ما مر قريبا. وعد المسجد والمؤذن من أركان الجماعة إنما هو باعتبار ما يطلب به أهل البلد، وإلا فالجماعة تصح بدونهما، ولذا شرط في الجماعة أن تكون فوق اثنين، وإن كانت في نفسها تحصل بواحد مع الإمام. تنبيه: في التحقيق عن ابن عبد الحكم: من سأل في المسجد فلا تعطوه، وأمر بحرمانهم وصرفهم خائبين، وفيه أيضا: وينزه المسجد عن غرس الشجر، فإن وقع قطع، فإن لم يقطع فهي حلال للفقير والغني؛ لأن سبيل ذلك كالفيء. الجزولي: لا ينبغي لأحد أن يقدم على أكلها خشية ما يلقى من الهوان وقد شاهدت ذلك. انتهى. الجماعة بفرض؛ أي فعل الصلوات الخمس في جماعة أي بإمام، ومأموم سنة، وقوله: "بفرض"، عيني حاضر، أو فائت، وبما قررت علم أن المراد بقوله: "فرض"، الصلوات الخمس، وأما غير الفرض، فقال الحطاب: أما إخراج النوافل فظاهر؛ لأن الجماعة لا تطلب فيها إلا في قيام رمضان على جهة الاستحباب. وأما السنن فغير ظاهر؛ لأن الجماعة في العيدين والكسوف والاستسقاء سنة، وقال الرماصي، وقد صرح عياض في قواعده بالسنية في الثلاث. انتهى. نقله الشيخ بناني. وقال: قد نص ابن الحاجب في باب الكسوف على أن الجماعة فيه مستحبة، والظاهر ما قاله الحطاب من السنية لمواظبته ﷺ على ذلك، وفعله في جماعة

стр. 1232

فحقيقة السنة صادقة عليه. قاله الرماصي. وقال الأمير: الجماعة في السنن غير الوتر من تمام السنة؛ لأن رسول الله ﷺ لم يفعلها إلا كذلك، كما في الرماصي، ويفيده ما يأتي في العيد أنها إنما تكون سنة مع الإمام، فإن فاتت فمندوبة. انتهى. وقال عبد الباقي والشبراخيتي. وأما غير الفرض فمنه ما الجماعة فيه مستحبة، كتراويح، وعيد، وكسوف، واستسقاء. ومنه ما تكره فيه أو تجوز، كما مر، من قوله: و"جمع كثير لنفل" الخ. ومثله فيما يظهر رغيبة وسنة غير مؤكدة كفجر على القول بسنيته، وأما الكفائي أي الجنازة فالجماعة فيه مستحبة، وللخمي سنة. انتهى. وزاد عبد الباقي بعد قوله "سنة". فإن صلوا عليه وحدانا استحب إعادتها جماعة، ولابن رشد شرط كالجمعة، فتعادما لم تدفن، ولعل معنى الشرطية الكمال؛ إذ لم يذكر الإعادة بعد الدفن. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: استحباب الجماعة في هذه السنن غير ظاهر، وأصله للشارح، والصواب ما في الحطاب ونصه: أما إخراج النوافل فظاهر، وأما السنن فغير ظاهر؛ لأن الجماعة في العيدين والكسوف والاستسقاء سنة. انتهى. وذكر ما قدمته. والله سبحانه أعلم. غير جمعة؛ يعني أن من الجماعة أي الصلاة بإمام ومأموم سنة في الفرض إنما ذلك في غير الجمعة؛ وهو الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، وأما الجمعة فإن الجماعة فيها واجبة وجوب شرط على ما سأبينه إن شاء الله تعالى. وبما قررت علم أن قوله: "سنة"، خبر عن قوله: "الجماعة"، وعلم به أيضا أن الجماعة بالمعنى المصدري؛ أي الاجتماع في الصلوات الخمس أفي إيقاعها بإمام، ومأموم سنة، وهذا هو قول الأكثر، وقيل: فرض كفاية، وقيل مندوبة مؤكدة. قاله في التلقين. وقال في العارضة: مندوبة يحث عليها، وجمع ابن رشد، وابن بشير بين الأقوال، فقالا: فرض كفاية بالبلد، يقاتل أهلها عليها لتركها، وسنة في حق كل مسجد، وفضيلة للرجل في خاصة نفسه. الأبي: وهو أقرب للتحقيق، وأسَدُّ كلاما، وقوله: "سنة"؛ أي مؤكدة، والجواب عن قوله ﷺ : (لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقن

стр. 1233

بيوتهم (١))؛ أي بالنار، عقوبة لهم أنه هَمَّ ولم يفعل، أو أنه ورد فيمن تخلف للنفاق أو عن صلاة الجمعة. واعلم أن سنة الجماعة خاصة بالرجال، وأما النساء فصلاتهن في البيوت أفضل لهن، والظاهر أنه يندب إيقاع صلاتهن في البيوت، وليس بسنة. وقال الفيشي: النساء كالرجال لخبر: (لا تمنعوا إماء القد مساجد الله (٢))، قال الشيخ محمد بن الحسن: قول الفيشي سنة يحتاج لنص، والحديث لا يفيد السنية، وحاصل ما لابن رشد، وابن يونس: اختصاص السنية بالرجال، ونفيها عن النساء المتجالات وغيرهن. وقوله: في الحديث: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (٣))، عياض: هو إباحة لخروجهن، وحض أن لا يمنعن. ودليل أن لا يخرجن إلا بإذن. انتهى. وقال الإمام أحمدث وأبو ثور، وعطاء، وداوود: إن الجماعة فرض عين على كل مكلف من الرجال القادرين عليها كالجمعة، وأنه لا تجزئ الفذ الصلاة إلا بعد صلاة الناس، وبعد أن لا يجد قبل خروج الوقت من يصلي معه. قاله الحطاب. وقال: قال المازري: ولم يقل أحد ممن قال بالوجوب إنها شرط في صحة الصلاة، إلا بعض أهل الظاهر. انتهى. وقال الشيخ سيدي محمد الزرقاني: ذهب الأوزاعي، وعطاء: وأحمد، وأبو ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر: وابن حبان إلى أنها: فرض عين، وبالغ داوود وأتباعه، فجعلوها شرطا في صحة الصلاة. انتهى. وقال الحطاب: ونقل المازري: عن بعض أصحابنا أنه: فرض كفاية، قاله ابن زكري: وأُورِدَ على ما لابن بشير أنه كيف تندب الجماعة للرجل مع أن إيقاعه لها جماعة دائر بين فرض كفاية بالبلد وسنة بكل مسجد؟ وأجيب بحمل الندب على ما إذا أقيمت بالبلد وبكل مسجد. وفي الحطاب: وصرح كثير من أهل المذهب بأنه إذا تمالأ أهل بلد على تركها قوتلوا فأخذ بعضهم من ذلك أنها فرض كفاية وقال بعضهم إنما يقاتلون لتهاونهم بالسنن.

стр. 1234

واعلم أن من الآفات في الإمامة طلبها لغير عذر شرعي لما فيها من التصدر والتقدم على الناس في أشرف العبادات، فيسرع إلى صاحبها الكبر والعجب والرياء وغير ذلك كطلب المحمدة من الناس، وإعظامهم له، وأم أبو عبيدة بن الجراح قوما مرة فلما انصرف قال ما زال الشيطان بي حتى رأيت أن لي فضلا على غيري، لا أؤم أبدا. وصلى حذيفة ﵁ بقوم فلما سلم قال: لتلتمسن إماما غيري، أو لتصَلُّنَ وحدانا، إني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني، وكانت الصحابة يتدافعون الإمامة، وكان بشر بن الحارث يقول: من أراد سلامة الدنيا وعز الآخرة فليجتنب أربعا: لا يُحَدِّثْ، ولا يَشْهَدْ، ولا يَؤُمَّ، ولا يفت. وفي قوت القلوب: اجتمع قوم من الصحابة في منزل أحدهم، وقاموا إلى الصلاة فجعل ابن مسعود يقدم أبا ذر، وأبو ذر يقدم عمارا، وعمار يقدم حذيفة، فلم يتقدم واحد منهم، فأمروا مولى لأحدهم أن يتقدم فيصلي بهم، ومن الآفة في الإمامة أيضا التأبي من الإمامة لغير ضرورة؛ لأنها من المراتب الشريفة، ففي الحديث أنه ﷺ قال (ثلاثة يوم القيامة على كثبان المسك لا يخافون إذا خاف الناس ولا يفزعون إذا فزع الناس حتى يقضى بين الخلائق: رجل أمَّ قوما وهم له راضون، ورجل أذن في مسجد سبع سنين ابتغاء وجه الله تعالى، وعبد مملوك ابتلي بالرق في الدنيا فأطاع الله وأطاع مواليه فأدى حق الله وحق مواليه). والمشهور عندنا أن الإمامة أفضل من الأذان، وليجتنب تدافعها بعد الإقامة لما روي (أن قوما تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة فخسف بهم)، وإذا تأبى عنها لضرورة فليس في ذلك آفة، وَمِنْهَا التكلف لها في القراءة ونحوها، بأن يفعل من أمور الصلاة ما لا يفعل إن صلى وحده، وهذا يدل على دخول الرياء، ومنها أيضا ترك الصلاة على النبي ﷺ فيها، وإن كان مذهبه عدم الوجوب، ووجوبها في الصلاة مذهب الإمام الشافعي، وقال بوجوبها ابن المواز من أيمتنا، قاله ابن زكري. وحاصل ما مر أنه لا يطلبها لغير عذر، ولا يأبى عنها لغير عذر. والله أعلم. وفي التنبيه: اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد الذي من صلى من الخمس صلاة ولم

стр. 1235

يصل عليه أخرى. لم ترفع صلاته فوق رأسه شبرا. ومن آفات الصلاة أن يدخل فيها فيقف متفكرا فيما يقرأ من الآيات المناسبة لمقصده، كأن يقرأ بألم نشرح إذا كان مطلبه البسط وحصول اليسر، بعد العسر، وسورة الناس لذهاب الوسواس ونحو ذلك، وكأن يقرأ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لرد الضالة، وهذا ورهب للخشوع، فدخل في البدعة لكونه مخالفا للسنة، ومنها أن تكون له سور معلومة لا يقرأ بغيرها لإخلاله بالسنة من التطويل في موضعه، أو التوسط بموضعه، أو التقصير بموضعه، ومنها التخفيف جدا بحيث يوقع في ترك الطمأنينة الفرض: أو الزائد المسنون لأجل أن الإمام مأمور بالتخفيف، وهذا جهل بالسنة يغلط فيه الناس، ومنها التطويل جدا حتى يذهب بالخشوع وهو يعم الإمام والفذ ويؤذي من خلفه وهو خاص بالإمام. وقد رأى بعض العلماء بطلان صلاة السمع والصلي بتسميعه، وفي الحديث: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار (١))، فالشيطان لا يوسوس في حال السجود، ومن آفات الصلاة في القيام الصفن؛ أي رفع إحدى الرجلين، والصفد؛ أي ضم القدمين، والصلب؛ لأنه ﷺ : (نهى عن الصلب في الصلاة (٢))؛ وهو أن يضع يديه على خاصرتيه، ويجافي بين عضديه في القيام، والاختصار؛ وهو وضع اليد على الخاصرة في القيام؛ وهو من فعل اليهود قاله ابن زكري. على النصيحة الكافية للشيخ العارف بالله تعالى سيدي أحمد زروق، أفاض الله تعالى علينا من بركاته. (ولا تتفاضل) يعني أن الجماعة لا تتفاضل تفاضلا يقتضي الإعادة، فمن صلى في جماعة فليس له أن يعيد في جماعة أفضل منها، وأما نفس الفضل فحاصل، ففي الذخيرة: لا نزاع أن الصلاة مع العلماء والصلحاء والكثير من أهل الخير أفضل من غيرهم، لشمول الدعاء، وسرعة الإجابة وكثرة الرحمة، وقبول الشفاعة لكن لم يدل دليل على جعل هذه الفضائل سببا للإعادة. وقال ابن

стр. 1236

حبيب: بالإعادة في المساجد الثلاثة؛ إذا صلى في غيرها جماعة، وقال أحمد وداوود وأهل الظاهر بالإعادة وكذا قالت الشافعية بندب إعادة من صلى في جماعة في أخرى مع استوائهما، أو زيادة الثانية في الفضل باعتبار الإمام أو الجمع والمكان، وورد في الصحيح: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا (١))، وفيه أيضا: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (٢))، والمراد بالدرجة والجزء الصلاة، لخبر مسلم: (صلاة مع إمام خير من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده (٣))، ويجمع بين الحديثين بأن الأول محمول على السرية، والثاني على الجهرية، وبأن الأول في حق من صلى في غير المسجد، والثاني في حق من صلى في المسجد؛ وبأن الأول فيمن قربت داره من المسجد، والثاني فيمن بعدت داره عنه، وبأن الأول في حق من أدرك بعض الصلاة مع الإمام، والثاني فيمن أدرك جميعها معه؛ وبأن الأول فيمن لم تكن صلاته كاملة الخشوع والخضوع، والثاني فيمن كانت صلاته كاملتهما؛ وبأن الأول محمول على من صلى مع عدد يسير، والثاني محمول على من صلى مع عدد كثير. واعلم أن السبع والعشرين زيادة على الصلاة الأصلية، فلكل مصل في جماعة ثمان وعشرون صلاة، واحدة أصلية، والباقي لفضل الجماعة، قال الشيخ زروق: وفي الصحيح: (من صلى العشاء والصبح في جماعة لم يزل في ذمة الله حتى يمسي فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء). وقد ذكرلي بعض العلماء عن بعض السجانين أنه كان يسأل من يساق إليه عن هاتين الصلاتين، فلم يجد أحدا دخل عنده صلاهما تلك الليلة مدة أربعين سنة وقد سألت كثيرا ممن يقع لهم الدواهي، فأجده مفرطا فيهما، وما وجدت أحدا قط ممن أصابته مصيبة كبيرة صلاهما، وما فاتتني منهما ركعة قط إلا رأيت أمرا أخافني في يومي انتهى. وفي الحديث: (الاثنان فما فوقهما جماعة (٤))، قاله الشيخ إبراهيم.

стр. 1237

تنبيه: قال المنذري: قد ذهب بعض العلماء إلى تفضيل الصلاة في الفلاة، وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة في جماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة (١))؛ رواه أبو داوود، وقال عبد الواحد بن زياد: في هذا الحديث (صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة) ورواه الحاكم بلفظه، وقال: صحيح على شرطهما، ورواد ابن حبان في صحيحه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : (صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة: وإن صلاها بأرض في وأتم ركوعها وسجودها تكتب صلاته بخمسين درجة (٢))، قوله: في، بكسر القاف وتشديد الياء: الفلاة. وإنما يحصل فضلها بركعة؛ يعني أن فضل الجماعة الموعود به في الخبر؛ وهو صلاة الجماعة الخ، وحكم الجماعة وهو أن لا يقتدى به، وأن لا يعيد في جماعة، وأن يترتب عليه سهو الإمام، وأن يسلم على الإمام وعلى اليسار، ونحو ذلك لا يحصل شيء منهما إلا بإدراك ركعة، بأن يمكن يديه من ركبتيه، أو مما قاربهما قبل رفع الإمام رأسه، وإن لم يطمئن إلا بعد رفعه: ولابد من تمامها بسجدتيها عند ابن القاسم. فلو زوحم عنهما أو نعس حتى سلم الإمام لكان حكمه حكم الفذ، خلافا لأشهب، واعتراض الرماصي على أبي الحسن قصور. قاله الشيخ بناني؛ يعني أن أبا الحسن ذكر أن ابن القاسم يقول: إن الجماعة لا تدرك إلا بركعة كاملة بسجدتيها، وقال الرماصي: فيه نظر لتصريح أهل المذهب بحصوله بإدراك الركوع فقط مع الإمام. انتهى. وقَيَّد الحفيد حصول الفضل بركعة بما إذا فاته ما قبلها اضطرارا، فإن فاته ولو ركعة اختيارا لم يحصل له فضلها. ومقتضى الشادلي اعتماده، وينبغي أن لا يعيد في جماعة مراعاة لمن لم يقيد، وأن لا يقتدى به فيها، ومن لم يدرك ركعة له أجر فإنه (٣) مأمور بالدخول بلا نزاع إن لم يكن معيدا، وإلا صبر حتى يتحقق أنه بقى شيء، ولا يدخل معهم ليلا يكونوا في آخر صلاتهم انظر

стр. 1238

شرح الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن عند قوله: "وإنما يحصل فضلها بركعة": الذي ذكره ابن عرفة عن ابن يونس، وابن رشد: أن فضلها يدرك بجزء قبل سلام الإمام، نعم، ذكر ابن عرفة أن حكمها لا يثبت إلا بركعة دون أقل منها. انتهى. وفي الرهوني: أن كون فضلها لا يحصل إلا بركعة هو الحق، وساق من الدليل ما فيه كفاية لجلبه الحديث وكلام الفقهاء. واعلم أن من دخل في صلاة الإمام، وهو في التشهد فظهر بسلامه أنه التشهد الأخير، فيجب عليه إتمام فرضه الذي أحرم به وإن وجد جماعة، ثم يعيد إن وجد جماعة وكانت مما تعاد؛ إذ لا ينتقل من فرض إلى سنة؛ وهي الصلاة في الجماعة، وإنما يخير بين القطع والانتقال إلى النفل من دخل مع الإمام في صلاة معادة قد صلاها وحده وإنما يخير إن كان وقت تنفل، وإلا قطع. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ومن أحرم بعد أن سلم الإمام، ولم يعلم، ثم علم، فليتم صلاته، ولا يبتدئها. سحنون: من أدرك التشهد فضحك الإمام فأفسد، فأحب للمدرك أن يبتدئ صلاته احتياطا. وقال الشيخ الأمير: ولا تدرك؛ يعني الجماعة إلا بركعة من حيث فضلها المخصوص بحيث لا تعاد، فلا ينافي أصل الفضل بجزء ما. انتهى. وندب لمن لم يحصله؛ يعني أن من صلى ولم يحصل فضل الجماعة تحقيقا لا شكا تقديما للحظر يندب له أن يعيد في جماعة ليحصل له فضل الجماعة، وبَيَّن من لم يحصل له فضل الجماعة بقوله: كمصل بصبي؛ فهو مثال لقوله: "من لم يحصله"؛ يعني أن من صلى إماما لصبي واحد أو متعدد، لا يحصل له فضل الجماعة، فلذا يندب له أن يعيد تلك الصلاة التي صلاها إماما للصبي في جماعة ليحصل له فضل الجماعة، وقوله: "كمصل بصبي"، وأولى من صلى مفردا فيعيد لتحصيل فضل الجماعة إن لم يكن راتبا. لا امرأة؛ يعني أن المصلي إماما لامرأة يحصل له فضل الجماعة، فلذا لا يعيد. وقوله: أن يعيد، نائب فاعل ندب؛ أي يندب لمن لم يحصل فضل الجماعة أن يعيد لتحصيل فضل الجماعة وقوله: "بصبي"، ظرف لغو متعلق بمصل. وقوله: "لا امرأة"، عطف عليه، وقوله: "وندب لمن لم يحصله" الخ؛ يقيد هذا بأن تطرأ له نية الإعادة ولو بعد الدخول في الأولى لجزمه بها حين

стр. 1239

نيتها أنها الفرض، ولو نوى إعادتها جماعة دبل تلبسه بها مع جزمه أنها غير الفرض، أو تردده، أو عدم نية فتبطل، وتكون الأخيرة هي الفرض إن نوى الفرض لا التفويض فقط، فلا تجزئه كالأولى، وينهى الشخص عن صلاته مفردا ناويا إعادتها جماعة، لخبر أبى داوود: (لا [تصلوا (١)] صلاة في يوم مرتين) [أي (٢)] إلا لضرورة. كما في الشيخ سالم، وغيره. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. ومقتضاه أنه إذا نوى بالأولى الفرض جازما مع نية إعادتها جماعة، أنها صحيحة، ولكنه فعل منهيا عنه. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. وقوله: مفوضا. حال من فاعل يعيد؛ أي يندب له أن يعيد مفوضا الأمر إلى الله سبحانه في قبول أي الصلاتين، ولابد مع نية التفويض من نية الفرض، كما قال الفاكهاني، وإنما لم يكتف بنية الصلاة المعينة حيث لم ينو بها النفلية سواء نوى الفرضية أو لم ينوها، كما مر؛ لأنه لا سقط الفرض بفعله أو لا لم تحمل نيته هنا على الفرضية، ولشعوره بكونها معادة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "ولابد مع نية التفويض" الخ: قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا نقله ابن غازي (٣) عن (٤) الفاكهاني، وابن فرحون. وذكر أن ظاهر كلام غيرهما أن نية التفويض لا ينوي بها فرضا، ولا غيره، وجمع بينهما بعضهم؛ بأن التفويض يتضمن نية الفرض؛ إذ معناه التفويض في قبول أحد الفرضين، فمن قال: لابد معه من نية الفرض لم يرد أن ذلك شرط، بل أشار لا تضمنته نية التفويض ومن قال: لا ينوى معه فرض مراده أنه لا يحتاج لنية الفرض مطابقة لتضمن نية التفويض لها. انتهى. وكلام ابن فرحون: وحقيقة التفويض أن ينوي بالثانية الفرض، ويفوض إلى الله تعالى في القبول. انتهى. وصرح اللخمي بأنه إذا لم ينو إلا التفويض فبطلت إحداهما لا إعادة عليه، وسواء الأولى أو الثانية نقله ابن هلال في نوازله، ونحوه لابن عرفة عنه. قاله الشيخ بناني. وكونه ينوي التفويض، قال

стр. 1240

الفاكهاني: هو المشهور، وقيل: ينوتي الفرض، وقيل: النفل، وقيل: ينوي الإكمال: ونظم بعضهم الأقوال الأربعة في قوله: في نية العود للمفروض أقوال … فرض ونفل وتفويض وإكمال واستشكل القول بالتفويض بأن المطلوب من النية التمييز، والتفويض ضد ذلك، واستشكل القول بالفرض بأن الذمة قد برئت، وعمارتها ثانيا يفتقر إلى دليل، والنفل بأن الأمر به مجردا من غير تكميل للفرض السابق لا معنى له، والإكمال بأنه إن كان خلل الأولى في الأركان تعين نية الفرض، وإلا كانت الثانية نفلا مأموما؛ يعني أن من لم يحصل فضل الجماعة يندب له أن يعيد ليحصل له فضل الجماعة، وإذا أعاد لفضلها فإنما يعيد مأموما لا إماما؛ لأنه تبطل صلاة من اقتدى به -كما يأتي للمصنف- وقوله: "مأموما"، حال ثانية، قال الإمام مالك: لا يؤم العيد. انتهى. لأن صلاته كالنفل، ولا يؤم متنفل مفترضا. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وندب لمن لم يحصله" الخ، هذا في غير من صلى بأحد المساجد الثلاثة: مسجد مكة، ومسجد النبي ﷺ ، وبيت المقدس. وأما المصلي بأحد المساجد الثلاثة مفردا فلا يعيد بغيرها جماعة، وإنما يعيد بها هي جماعة، ويعيد من صلى بغيرها جماعة فيها جماعة على المذهب عند ابن عرفة، وللخمي، والقاضي لا يعيد على ظاهر المذهب، لا مفردا على الأصح، ومن صلى بغيرها مفردا، أعاد بها جماعة، وكذا مفردا على الأصح. وعلم مما مر أن من صلى في مفضولها فذا يعيد في أفضلها جماعة لا فذا، وكذا العكس. ولبعضهم: امنع إعادة من صلى فريضته … بمسجد المصطفى والقدس والحرم ومن يصل بغير مفردا يعدن … بها ولو مفردا فاحفظه واغتنم ومن يصل به جمعا يعيد بها … جمعا وقيل وفردا فزت بالنعم

стр. 1241

واعلم أن من أدرك مع إمام دون ركعة يصح الاقتداء بة حين يقوم بعد سلام من أدرك معه دونها، وينوي الإمامة حينئذ كما صرح به الشيخ عبد الباقي. ولو مع واحد؛ ويعني أن المعيد لفضل الجماعة يعيد ولو مع شخص واحد؛ وهو ضعيف، والمعتمد أنه إنما يعيد مع اثنين لا مع واحد إلا أن يكون راتبا، قال الشيخ ابن غازي: عَوَّل في الإعادة مع الواحد غير الإمام الراتب على صاحب اللباب وابن عبد السلام، وما كان ينبغي له ذلك، فإن الحفاظ لم يجدوه في المذهب حتى انتقت على ابن الحاجب جعله مقابل الأصح، فقال ابن عرفة: ونَقْلُ ابن الحاجب: تعاد مع واحد، لا أعرفه انتهى. فإن أعاد مع واحد غير راتب، فهل له أن يعيد في جماعة أو لا؟ مراعاة لما مشى عليه المصنف. تنبيهات: الأول: قوله: "وندب لمن يحصله أن يعيد" الخ؛ اعلم أن الإعادة لتحصيل فضل الجماعة إنما تكون بوقت أداء ولو الضروري، فلو صلاها مفردا: ثم خرج وقتها: ثم وجد جماعة ترتب عليهم قضاؤها، فإنه لا يعيدها معهم لفضل الجماعة. الثاني: لو صلى خلف إمام، ثم تبين أنه محدث، فإن صلاة المأموم صحيحة ولا يطلب ممه إعادتها في جماعة، ولو تبين أن المأموم محدث فهل يعيد الإمام في جماعة أم لا؟ قولان. قاله الأقفهسي. قاله الإمام الحطاب. الثالث: ما تقدم من أن بيت المقدس له حكم المسجد النبوي، ومسجد مكة -فيما مر- لم ينص عليه الإمام مالك، وإنما هو رأى ابن القاسم، ومر أن من صلى بغير المساجد الثلاثة فذا يعيد في أحدها فذا، وأولى جماعة: وأن من صلى في غيرها جماعة يعيد فيها جماعة، ولا فرق في ذلك بين من دخلها وغيره، فإذا وجدهم قد فرغوا من الصلاة، فإن كان قد دخل المسجد فواضح، وإلا أتاه وصلى فيه: كما يفيده كلام ابن ناجي. والله سبحانه أعلم. الرابع: قال الإمام الحطاب: فإن قيل الاثنان إذا كانا جماعة وجب أن يعيد مع الواحد، وإلا وجب أن يعيد من صلى مع الواحد، جوابه هما جماعة إذا كانا مفترضين، والمعيد ليس بمفترض. انتهى من الذخيرة. انتهى.

стр. 1242

الخامس: قال الجزولي: واختلف، هل يعيد مع واحد؟ المشهور لا يعيد ما لم يكن إماما راتبا، فإن كان أعاد معه بلا خلاف. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقوله ت ضيو مغرب مضاف ومضاف إليه: والأول مفعول قوله: يعيد؛ يعني أن الصلوات الخمس تعاد كلها لفضل الجماعة ما عدا المغرب، فتعاد العشاء قبل الوتر، والصبح والظهر والعصر، وأما المغرب والعشاء بعد الوتر فإنهما لا يعادان لفضل الجماعة، ولهذا قال: كعشاء بعد وتر؛ أي صحيح؛ يعني أن من صلى العشاء مفردا، ومثله من في حكمه ثم أوتر بعد ذلك؛ فإنه لا يعيد العشاء لتحصيل فضل الجماعة، أما المغرب فتمنع إعادتها لذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. لأنها وتر صلاة الليل والنهار فيلزم من إعادتها وتران في ليلة، والتنفل بثلاث، وأما العشاء بعد وتر صحيح فتمنع إعادتها أيضا لفضل الجماعة. كما قاله الشيخ عبد الباقي. وأما للترتيب أو لصلاتهما بنجاسة أو انحراف أو تيمم يعيد من صلى به في الوقت، فيعادان، وينبغي ولو جعاعة. قاله الشيخ عبد الباقي. فإن أعادها بعد الوتر، ففي إعادته للوتر قولان، قاله ابن الحاجب، وقال الشيخ محمد بن الحسن: أبو الحسن: قال أبو إسحاق: أجاز إعادة العصر مع كراهة التنفل بعدها، وإمكان أن تكون الثانية نافلة، وكذلك الصبح لرجاء أن تكون فريضة، وكره إعادة المغرب؛ لأن النافلة لا تكون ثلاثا مع إمكان أن تكون هي الفريضة؛ لأن صلاة النافلة بعد العصر والصبح أخف من أن يتنفل بثلاث ركعات. انتهى. وإنما لم تعد العشاء بعد وتر؛ لأنه إن أعاده خالف خبر: (لا وتران في ليلة (١))، وإلا خالف خبر: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا (٢)). قاله الشبراخيتي. ومفهوم الظرف أن العشاء قبل الوتر يعاد لفضل الجماعة، وهو كذلك اتفاقا. قاله الشيخ إبراهيم. وما ذكره المصنف في المغرب هو قول مالك: وفي العشاء بعد الوتر هو قول أصحابه، وعلل مالك إعادة المغرب؛ بأنه إذا أعادها كانت شفعا، وعللها محمد بن الحسن، بأن الإعادة نافلة، ولا

стр. 1243

تكون النافلة وترا أبو عمر: هذه العلة أحسن (١) من تعليل مالك، وقال الشافعية والمغيرة: تعاد الصلوات كلها لعموم حديث محجن؛ إذ لم يخص صلاة من غيرها، وقال أبو حنيفة: لا يعيد الصبح، ولا العصر. ولا المغرب. نقله الزرقاني. وإن أعاد ولم يعقد قطع؛ يعني أن من صلى المغرب فذا أو في حكم الفذ ثم أعادها سهوا لفضل الجماعة لا يخلوا، إما أن يتذكر قبل عقد ركعة، أو لا، فإن تذكر قبل عقد ركعة برفع رأسه من ركوعها فإنه يقطع ويخرج واضعا يده على أنفه كالراعف خوف الطعن في الإمام. وإلا؛ بأن عقدها برفع رأسه منها مع الإمام، شفع مع الإمام وتصير له نافلة، وسلم قبل الإمام. قال البناني: وظاهر قوله: "شفع"، أنه مطلوب بذلك فالشفع هو الأولى له؛ وهو الذي في المدونة. انتهى. وناقشه الرهوني، وصوب ما لعبد الباقي تبعا للمواق أن القطع أولى، نقله عن سماع عيسى، قال: ونسب ابن رشد للمدونة موافقة ما في السماع. وقوله: "شفع"؛ أي يشفع مع الإمام ولو فصل بين ركعتيه بجلوس؛ كأن يدخل معه في ثانيتها، وقولي: سهوا هو لعبد الباقي، قال: احتراز عما لو أعادها عمدا أو جهلا من غير رفض الأولى: فإنه يقطع مطلقا عقد ركعة أم لا، قال الشيخ عبد الباقي: وقصرنا كلامه على المغرب: وإن اقتضى ظاهر ابن الحاجب جريانه أيضا في العشاء بعد وتر لاعتراض ابن عبد السلام عليه، بأن هذا إنما هو منصوص في المغرب، زاد ابن هارون: وذكره في العشاء مما انفرد به ابن الحاجب، فيخص كلام المصنف هنا بالمغرب. انتهى. ثم قال: فيقطع العشاء عقد ركعة أم لا، وقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي لابن عاشر أنه يشفع العشاء، وهو الظاهر من التوضيح، وإن كان النص إنما وجد في المغرب، وغاية هذا أنه يتنفل بعد الوتر وهو جائز إذا حدثت له نية، فأحرى إن كان غير مدخول عليه. وقاله الرهوني أيضا، وقد نصوا على أن من شرع في العصر، ثم تبين له أنه صلاه يشفع؛ لأنه غير مدخول عليه، وقوله: "شفع"، قد علمت أن معناه: إن شاء، والشفع أولى. والله سبحانه أعلم.

стр. 1244

وإن أتم ولو سلم أتى برابعة؛ يعني أن من صلى المغرب فذا أو في حكمه، ثم أعاد المغرب في جماعة سهوا وأتمها؛ بأن صلى ثلاثا، فإنه يأتي بركعة رابعة إن لم يكن سلم، فإن سلم فكذلك أيضا، وإنما يأتي برابعة حيث سلم. إن قرب تذكره أنه صلاها مفردا من السلام، ويسجد بعد السلام حيث أتى بالرابعة بعد السلام، فإن تذكر قبل السلام لم يسلم وأتى برابعة، ولا سجود عليه، وفي الحالتين يصير مصليا لما لم ينوه، ومفهوم قوله: "إن قرب"، أنه لو بعد فلا شيء عليه؛ وهو كذلك، والقرب، والبعد. كما مر. وبما قررت علم أنَّ "إنْ" في قوله: "وإن أتم" شرطية، وجوابها أتى برابعة، ولو في قوله: "ولو سلم"، للمبالغة. وما قبل المبالغة حيث لم يسلم. وأعاد مؤتم بمعيد أبدا؛ يعني أن من صلى فذا أو في حكمه، وأعاد لفضل الجماعة إماما، فإن المؤتمين به يعيدون أبدا لأنهم مفترضون خلف متنفل، ولو نوى هذا الإمام الفرض أو التفويض في الثانية. أفذاذا، حال من قوله: "مؤتم" باعتبار المعنى، والأحسن فذا؛ يعني أن المأمومين المقتدين بهذا الذي أعاد لفضل الجماعة، يعيدون أبدا، أفذاذا؛ إذ قد تكون هذه صلاته فصحت لهم جماعة، فلا يعيدونها في جماعة، ووجبت عليهم الإعادة خوف أن تكون الأولى صلاته، وهذه نافلة، فاحتيط للوجهين. وقوله: أفذاذا، هو لابن حبيب. ابن ناجي: ولم يحك ابن بشير غيره، وصدر الشادلي بأنهم: يعيدونها جماعة إن شاءوا على ظاهر المذهب، والمدونة. قال الشيخ عبد الباقي: وهو الراجح لبطلان صلاتهم خلف معيد، وأما الإمام المرتكب للنهي فلا يعيد، ويحصل له فضل الجماعة. وقوله: بمعيد، متعلق بمؤتم، وقوله: أبدا، ظرف لقوله: "أعاد": ابن عرفة: ولا يؤم معيد، وفي إعادة مأمومه أبدا مطلقا، أوما لم يطل قولان (١) لابن حبيب معها وسحنون. اللخمي: إن نوى الفرض صحت على الفرض، والتفويض صحت إن بطلت الأولى، والنفل صحت

стр. 1245

على إمامة الصبي. انتهى. وهي لا تجوز، فإن وقعت، ففي بطلان الصلاة، قولان، المشهور بطلانها. وقال أبو مصعب. بصحة الصلاة. وإن تبين عدم الأولى أو فسادها أجزأت؛ يعني أن من ظن أنه قد صلى فأعاد لفضل الجماعة على ما في ظنه، ثم تبين له عدم الصلاة الأولى أو تبين له فسادها؛ أي الأولى؛ بأن ظهر له أنه صلاها بغير وضوء مثلا، فإن هذه الثانية العادة تجزئه إن نوى الفرض أو التفويض، لا النفل، أو الإكمال، فهو راجع لقوله: وندب لمن لم يحصله، وينبغي رجوعه أيضا. لقوله: "وأعاد مؤتم" إلى آخره؛ أي إنما يعيد المؤتمون بالمعيد ما لم يتبين عدم الأولى أو فسادها، وإلا أجزأتهم فلم يأتموا حينئذ بمتنفل، وينبغي رجوعه أيضا لقوله: "وإن أتم" الخ؛ أي حيث سلم أتى برابعة، أم لا. وكذا إذا تذكر قبل أن يسلم، وسلم بخلاف ما لو أتى برابعة، ولم يسلم، ثم يتبين له عدم الأولى أو فسادها، فتبطل لأنه حصل منه زيادة ركن فعلي عمدا: ولو تبين فساد. الثانية، فقال ابن عرفة: ولو أحدث في الثانية، ففي إعادتها، ثالثها إن أحدث بعد عقد ركعة، ورابعها إن أعاد بنية الفرض أو التفويض روايات، إلا الثالث، فلعبد الملك وسحنون. انظر الرهوني. ولا يطال ركوع لداخل؛ يعني أنه يكره للشخص أن يطيل ركوعه ليدركه من يقتدي به ممن يريد الدخول معه. عياض: وشدد بعضهم الكراهة جدا، ورأى ذلك من التشريك في الععل لغير الله، ولم يقل شركا لأنه إنما فعله ليحوز به أجر الداخل، وقوله: "ركوع"، قال الشيخ عبد الباقي: وأولى فعل غيره مما ليس به إدراك. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ إذ لم يذكر ابن عرفة والتوضيح والبرزلي في غير الركوع إلا الجواز، وقال الشيخ الأمير: وكره تطويل في ركوع أو غيره كما في عبد الباقي، وإن رده بناني، وقوله: "لداخل" أي مريد الدخول أحس به أو رآه، وقوله: "لداخل": قال الشيخ إبراهيم: لداخل أو غيره. والمراد بالداخل مريد الدخول. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وقيد المصنف بثلاثة قيود: أن لا يترتب على ترك التطويل مفسدة كبطلان صلاة الداخل لاعتداده بركعة لم يدرك ركوعها معه؛ كذا ينبغي، وأن لا يخشى ضرر الداخل إن لم يطول: وأن يكون الحاس إماما لجماعة؛ لأن من وراءه أعظم حقا ممن يأتي. وأما المصلي وحده فله أن يطيل الركوع لداخل أحس به. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن:

стр. 1246

والقيود التي ذكرها لا توافق تعليل عياض. انتهى. وقوله: ولا يطال ركوع لداخل، قال الشيخ إبراهيم عن الذخيرة: لصرف نفوس المصلين إلى انتظار الداخلين، فيذهب إقبالهم على صلاتهم، وأدبهم مع ربهم. ابن حبيب: إذا ركع الإمام فحس أحدا دخل المسجد، فلا يمد في ركوعه ليدرك الرجل الركعة، وحمله المازري على المنع، واختار إن كانت الأخيرة جاز، وإلا لم يجز. وقال سحنون ينتظره وإن طال ذلك، واختاره عياض. قاله الشارح. ابن رشد عن بعض العلماء: يجوز في اليسير الذي لا يضر بمن معه، وقد روي عن رسول الله ﷺ (أنه أطال، وقال: إن ابنى ارتحلنى (١))، (وخفف ﷺ حين سمع بكاء الصبي (٢)). قاله ابن رشد. وقد ظهر منه ميل إلى استخفاف ذلك، ومن قواعد عز الدين ظَنَّ بعض الناس أن الإمام إذا انتظر في ركوعه المسبوق ليدرك الركعة إشراك في العبادة وليس كذلك، بل هو جمع بين قربتين لما فيه من الإعانة على إدراك الركعة، ولو كان كما ظن، لكان تعليم العلم، والأمر بالمعروف، والأذان رياء، ويا ليت شعري ما الذي يقول في انتظار الإمام بقية الجماعة في صلاة الخوف؟ انتهى. والإمام الراتب كجماعة؛ يعني أن الإمام الراتب وهو من نصبه السلطان أو نائبه أو الواقف، أو اتفق عليه أهل محلة في مسجد، أو مكان جرت العادة بالجمع فيه، وإن لم يكن مسجدا، وسواء كان راتبا في جميع الأوقات أو في بعضها كالجماعة فضلا وحكما، فينوي إذا صلى وحده الإمامة، ولا يعيد في أخرى، ولا يصلي بعده في مسجده جماعة، ويعيد معه مريد الفضل اتفاقا. ويجمع ليلة المطر وحده ولا يجمع بين التحميد والتسميع. وقيل: يجمع بينهما وإنما يكون الإمام الراتب كجماعة إن حصل أذان، وإقامة ولو من غيره، وانتظر الناس على العادة. والظاهر أنه لابد من نية الإمامة حتى عند اللخمي؛ إذ لا تتميز صلاته إماما عن صلاته فذا هنا إلا بالنية بخلاف ما إذا صلى معه جماعة، ولا يعطى كجماعة في التخفيف، بل هو كالفذ في تطويل

стр. 1247

القراءة. والظاهر أنه إذا جمع ليلة المطر واستمر بالمسجد للشفق يعيد العشاء، كالجماعة إذا قعدوا به كذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. وظاهر ما تقدم أو صريحه أن حصول فضل الجماعة له وحكمها يتوقفان على جميع ما مر. والله أعلم. وقوله: "والإمام الراتب كجماعة" قال الأقفهسي: يريد إذا صلى في المسجد لا في دار. وعلم مما مر أنه إذا لم يصل في الوقت المعتاد لا يقوم مقام الجماعة، كما في الحطاب. ابن عرفة: أقل الجماعة التي يعاد معها لفضل الجماعة اثنان، أو إمام راتب، وقال الإمام الحطاب عند قوله: "والإمام الراتب كجماعة"، بشرط أن ينوي الإمامة ويصلي في وقته المعتاد، وكونه يقوم مقام الجماعة؛ أي الفضيلة، والحكم فله ثواب الجماعة وحكمها بحيث لا يعيد في جماعة أخرى، ولا يصلى بعده في مسجده تلك الصلاة ويعيد معه من أراد الفضل، قال بعض الشيوخ: ويجمع ليلة المطر انتهى. وذكر ابن ناجي هذا الأخير عن الشيخ الغبريني، قال: وأنه يقول سمع الله لمن حمده، ولا يزيد ربنا ولك الحمد، وسلم له بعض من كان معاصرا له من شيوخنا الأولى. وخالفه في الثانية. ورأى أنه يجمع بينهما، قال: والأقرب عندي هو الأول. انتهى. وقوله: والإمام الراتب كجماعة؛ يعني فيما هو راتب فيه سواء كان راتبا في جميعها أو بعضها ولا تبتدأ صلاة بعد الإقامة؛ يعني أنه لا تبتدأ بمسجد ولا بأفنيته التي تصلى فيها الجمعة صلاة فرض أو نفل لا من فذ ولا من جماعة بعد الشروع في الإقامة؛ أفي يحرم ابتداؤها كما صرح به ابن عرفة وغيره، وإذا فعل أساء واجزأته، وصرح بذلك التوضيح، والقباب، والبرزلي، والأبي. وحملت الكراهة في ابن الحاجب كالمدونة على التحريم لخبر: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة (١))؛ أي الحاضرة، وفهم من قوله: "الإقامة". أنها فرض، وأما الإمام يصلي نافلة فلا بأس لمن عليه فرض أن يصليه، وأما النوافل والإمام يصلي نفلا، فقال ابن عواد -شيخ عياض-: لا كراهة، وحكى غيره قولين: أرجحهما المنع. وقوله: "ولا تبتدأ صلاة بعد الإقامة"؛ أي لإمام راتب، وإلا فيجوز كيف ما فعل. قاله البرزلي. والتقييد به يدل على تخصيص النهي بالمسجد، وصرح به ابن

стр. 1248

حبيب، قال ابن يونس: لأن النهي عن صلاتين معا إنما كان بالمسجد. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وتقدم أن قوله: ولا تبتدأ معناه يحرم ذلك، وأن ما وقع في المدونة وابن الحاجب من الكراهة محمول على التحريم. ابن عبد السلام ظاهر الأحاديث وتفاريع أهل المذهب من القطع، دليل على أن المراد بالكراهة التحريم، وفي الموطإ: أن قوما سمعوا الإقامة، فقاموا يصلون، فخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فقال: (أصلاتان معا (١))، وفي ابن عرفة: إذا أقيمت بموضع صلاة منع فيه ابتداء غيرها، والجلوس فيه، ولزمت من لم يصلها أو ملاها فذا، وهي مما تعاد. قاله المواق. الباجي: ورحاب المسجد الممنوع فيها الفجر، مثله ابن عرفة: وإن أقيمت على من بالمسجد، وعليه ما قبلها، فلابن رشد عن أحد سماعي ابن القاسم: تلزم بنية النفل، والآخر يخرج، وقاله ابن عبد الحكم. ابن رشد: ويضع الخارج يده على أنفه. البرزلي: سئل ابن أبي زيد عن قوم صلوا في مسجد بإمامين، قوم في داخله، وقوم على ظهره أو صحنه؟ فقال: ملاتهم تامة، ولا يعيدون. قلت: إن لم يكن له إمام راتب، فيجوز كيفما فعل، وإن كان له إمام راتب فاختلط معه في وقت الصلاة من صلى لنفسه، إما منفرد أو جماعة، فالصلاة صحيحة، ولا ينبغي ذلك. قاله الإمام الحطاب. وإن أقيمت وهو في صلاة قطع؛ تقدم الكلام على حكم ابتداء الصلاة بعد الإقامة للإمام الراتب، والكلام الآن في حكم من أقيمت عليه الصلاة للإمام الراتب وهو في صلاة؛ يعني أن من أقيمت عليه الصلاة لراتب المسجد؛ وهو في صلاة فرضا أو نفلا، مغربا أو غيرها، وخوطب بالدخول مع الإمام فيها يقطع مطلقا عقد ركعة أم لا، فإن لم يخاطب بالدخول مع الإمام فيها فإنه لا يقطع كمن صلاها جماعة قبل هذا. إن خشي فوات ركعة؛ يعني أن محل القطع المذكور إنما هو حيث خشي بتماديه على إتمامها فوات ركعة إن كانت نافلة أو فريضة غير المقامة كظهر، وأقيمت عليه العصر، وبالخروج عن شفع إن كانت هي المقامة، وذلك أن غير المقامة يطلب بتمامها

стр. 1249

فريضة أو نافلة، إن لم يخف فوات ركعة، وإلا قطع ولو أمكنه الخروج عن شفع قبل فوات ركعة، والمقامة يطلب بتشفيعها إن أمكن، وهذا قول مالك الذي درج عليه، ولذا فرق بين المقامة وغيرها، وهذا التفصيل الذي قلناه لابد منه. قاله الرماصي. وقد مر قول ابن عرفة: إنه إن أقيمت على من بالمسجد صلاة لراتب وعليه ما قبلها، فلابن رشد عن أحد سماعي ابن القاسم: تلزم بنية النفل، والآخر يخرج لها. وقاله ابن عبد الحكم، وقوله: "قطع إن خشى فوات ركعة"، قد مر أن محلد حيث خوطب بالدخول مع الإمام. قاله الشيخ عبد الباقي، عن الشيخ سالم. وقال الشيخ محمد بن الحسن: انظر المواق عند قوله: أو فريضة غيرها، فإنه يدل على أن قوله: وخوطب بالدخول. لا يشترط. انتهى. وقال الشبراخيتي: والأولى التعميم في كلام المصنف، سواء كان يخاطب بالدخول مع الإمام فيها، أم لا وقوله: قطع إن خشى فوات ركعة؛ يعني يقطع ويدخل مع الإمام، ويعيد الصلاتين للترتيب إن كانت التي هو فيها فريضة، وإن كانت التي قطعها نافلة، فإنه لا يعيدها. قال في المدونة: لأنه لم يتعمد قطعها. قاله الإمام الحطاب. أي لأنه مغلوب على قطعها، واعلم أن الأشياء التي يليزم إتمامها بالشروع فيها ستة: الصلاة، والصوم، والاعتكاف، والحج: والعمرة، والطواف. ونظمها بعضهم، فقال: صلاة وصوم ثم حج وعمرة … طواف عكوف بالشروع تحتما وفي غيرها كالوقف والطهر خيرن … فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما وفي الحطاب: والأشياء السبع التي تلزم بالشروع فيها هي: الصلاة، والصوم، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والائتمام، والطواف. ولما ذكر في الذخيرة هذه السبعة، قال: بخلاف الوضوء، والصدقة، والوقف، والسفر، للجهاد، وغير ذلك. قاله الشيخ عياض في التنبيهات. قال الشيخ خليل، فعلى هذا إذا سافر للجهاد، فهل له أن يرجع عن ذلك؟ وكذلد الصدقة بشيء، واختلف إذا خرج بكسرة خبز لسائل، فلم يجده، فهل له أكلها أم لا؟ قيل: يجوز له أكلها، وقيل: لا يجوز، وقيل: إن كان معينا أكلها، وإن كان غير معين لم يأكلها. انتهى. ونظم الشيخ الحطاب النظائر السبع المذكورة، فقال:

стр. 1250

قف واستمع مسائلا قد حكموا … بكونها بالابتداء تلزم صلاتنا وصومنا وحجنا … وعمرة لنا كذا اعتكافنا طوافنا مع ائتمام المقتدي … فيلزم القضا بقطع معتد وما ذكره من لزوم الإعادة في الائتمام غير ظاهر، فإن الظاهر عدم لزومه قاله الحطاب. وغيره. ومعنى كلامه أن الدخول خلف الإمام يلزم بالشروع، ولا يجوز الانتقال عنه، فإذا قطع لزمه الإعادة مع إمام. والله سبحانه أعلم. وإلا أتم النافلة؛ يعني أن من أقيمت عليه الصلاة لراتب، وهو في صلاة نفلا أو فرضا، ولم يخش فوات ركعة، فإن كانت التي هو فيها نافلة، فإنه يتمها عقد ركعة أم لا، ويندب أن يتمها جالسا -كما مر- وللشيخ عبد الباقي هنا كلام غير ظاهر. والله سبحانه أعلم. أو فريضة غيرها؛ يعني أنها إذا كانت التي هو فيها فريضة، والموضوع بحاله أنه لم يخش فوات ركعة، فإنه يتمها أيضا حيث كانت التي هو فيها غير التي أقيمت لراتب المسجد، سواء عقد ركعة أم لا. وإلا؛ أي وإن لم تكن غير المقامة بأن كانت التي هو فيها هي التي أقيمت لراتب المسجد. انصرف في قيام الثالثة؛ قبل عقدها، عن شفع، وصار نفلا بأن يرجع فيجلس ويسلم، ثم يدخل مع الإمام، فإن عقدها بالفراغ من سجودها على المعتمد كملها فريضة ولا يجعلها نافلة. كالأولى إن عقدها تشبيه في أنه ينصرف عن شفع؛ يعني أنه إذا كان في الصلاة التي أقيمت لراتب المسجد، وكان قد عقد الركعة الأولى منها بأن فرغ من سجودها، فإنه ينصرف عن شفع. قال الشيخ عبد الباقي، والشبراخيتي: وهذا في غير المغرب والصبح، وأما هما فيقطع عقد ركعة أم لا ليلا يصير متنفلا في وقت النهي. انتهى. أما استثناء المغرب فصحيح لقول المدونة: وإن كانت المغرب قطع ودخل مع الإمام عقد ركعة أم لا، وإن صلى اثنتين أتمها ثلاثا وخرج، وإن صلى ثلاثا سلم وخرج ولم يعدها. انتهى. وأما الصبح فلم يستثنه ابن عرفة ولا غيره، ولذا قال أبو علي: إن استثناءه مخالف لظاهر كلام الأئمة

стр. 1251

أو صريحه. انظر حاشية الشيخ بناني. وهذا التفصيل الذي درج عليه المصنف لمالك -كما علمت-، والذي للخمي والمازري أنه: لا فرق بين المقامة وغيرها من الفرائض، وأن الحكم واحد. قاله المواق. والحاصل أنها إن لم تكن هي المقامة فالحكم كما قال المصنف، وإن كانت هي المقامة، فقيل: الحكم فيها كما إذا لم تكن هي المقامة؛ وهو الذي للخمي والمازري، وقيل: ليست كهي؛ وهو الذي للمصنف؛ وهو لمالك. كما قاله الرماصي. والقطع بسلام؛ تقدم قوله: "قطع إن خشي فوات ركعة"، فكأن سائلا سأله. بأي شيء يحصل القطع؛ فقال. والقطع بسلام أو مناف، ومعنى كلامه أن القطع حيث قيل به في هذا، وفي غيره يكون بسلام من الصلاة التي هو فيها. أو مناف؛ يعني أن القطع كما يكون بسلام من الصلاة، يكون بمناف لها من كلام أوأكل أو شرب أو رفض أو غير ذلك. وإلا؛ بأن أحرم مع الإمام من غير أن يخرج من إحرامه الأول بشيء مما ذكر. أعاد كلا من الصلاتين لأنه أحرم بصلاة، وهو في صلاة وإنما يعيد الأولى إن كانت فرضا، واستشكل بأن نية الاقتداء تكفي في المنافي، وقد قال في المدونة: وإن ظن الإمامَ كبَّرَ، فكبَّرَ، ثم كَبَّر الإمام، فإنه يكبر تكبيرة الإحرام بغير سلام. فإن لم يكبر بعد تكبيرة الإمام وتمادى معه، أعاد الصلاة. انتهى. فهذا يقتضي أن نية الاقتداء تكفي في المنافاة، ويمكن أن يفرق بأن من ظن تكبيرة الإمام فكبر، عقد على نفسه إحراما مقيدا بتبعية الإمام، فلما تبين عدم القيد عُدِمَ مقيده بخلاف المحرم بصلاة قبل الإمام. قاله الشيخ سالم. قاله الشيخ عبد الباقي. وإن أقيمت بمسجد على محصل الفضل وهو به خرج؛ إذا أقيمت صلاة راتب لمسجد، أو ما هو في حكمه على من قد صلى تلك الصلاة المقامة في جماعة، والحال أن هذا المحصل لفضل الجماعة كائن بالمسجد أو رحبته لا بطرق متصلة به، فإنه يخرج وجوبا منه ومن رحبته ليلا يطعن بمكثه على الإمام، ويخرج واضعا يده على أنفه ولم يصلها؛ يعني أنه لا يصلي تلك الصلاة التي أقيمت عليه، وهو بالمسجد، أو رحبته لامتناع إعادة صلاة الجماعة في أخرى، ويستثنى من قوله: ولم يصلها من بأحد المساجد الثلاثة، فإنه يعيدها، وقد صلاها جماعة بغيرها. كما مر. قاله غير واحد وكما يمتنع أن يصلي المقامة، لا يجوز له أن يصلي فرضا غيرها

стр. 1252

ليلا يقع في النهي عن صلاتين معا، ولو صلى خلفه نفلا، جاز. قاله الشيخ إبراهيم وقال الشيخ عبد الباقي: فإن أقيمت عصر، ولم يكن صلى الظهر، خرج أيضا. ولم يصل الظهر، هذا قول، وثم قول آخر يدخل معه حينئذ بنية النفل أربعا. انتهى. وقوله: "فإن أقيمت عصر ولم يكن صلى الظهر" الخ؛ قال ابن عرفة: وإن أقيمت على من به وعليه ما قبلها، ففي لزومها بنية النفل وخروجه لما عليه نقلا. ابن رشد عن أحد سماعي ابن القاسم، والآخر مع قوله فيها: لا يتنفل من عليه فرض، مع اللخمي عن ابن عبد الحكم، ويظهر من كلامه ترجيح الثاني، لكن في الحطاب عن الهواري: أن الأول هو المشهور الجاري على ما قاله المؤلف فيما إذا أقيمت عليه صلاة وهو في فريضة غيرها وخشي فوات ركعة. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وإلا؛ أي وإن لم يكن حصل الفضل فيها بأن صلاها وحده أو بصبي؛ وهي مما تعاد لفضل الجماعة. لزمته؛ أي لزمه أن يصليها مع الإمام خوف الطعن عليه لو خرج أو مكث، وإن كانت الإعادة لفضل الجماعة الأصل فيها الندب، فلو كانت مغربا أو عشاء بعد وتر خرج. كمن لم يصلها؛ يعني أن من أقيمت عليه الصلاة وهو بالمسجد أو رحيته، ولم يصل تلك الصلاة المقامة، يلزمه الدخول مع الإمام فيها؛ وهو أحرى مما قبله. ذكره استيفاء للفروع. قال الشيخ عبد الباقي: وهذا حيث كانت تلزمه بعينها، وإلا فلا كمسافر وامرأة حضرا جمعة. انتهى. قال الرماصي: هذا قاله الأجهوري. ومن تبعه، ولم أر من ذكره، بل ظاهر كلامهم اللزوم بالإقامة للمسافر ونحوه، ويدخل في عبارة المؤلف، وسيأتي في الجمعة إن شاء الله رد ما احتج به على ما زعمه: وقوله: كمن لم يصلها مقيد بالمحصل لشروطها، وبما إذا لم يكن إماما بمسجد آخر. قاله الشيخ ميارة. نقله الشيخ بناني. وببيته يتهما، هذا قسيم قوله: "وإن أقيمت وهو في صلاة"؛ أي بمسجد؛ يعني أنه إذا أقيمت عليه صلاة راتب، والحال أنه محرم في صلاة ببيته، فإنه يتمها وجوبا كانت هي المقامة أو غيرها، عقد ركعة أم لا، خشي فوات ركعة أم لا، والمراد ببيته ما كان خارج المسجد، ورحبته التي تصح فيها الجمعة. قاله الشيخ إبراهيم. وفي المدونة: من أحرم

стр. 1253

في بيته ثم سمع الإقامة؛ وهو يعلم أنه لا يدركها فلا يقطع وليتماد. ابن يونس: لأنه ليس بصلاتين معا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. ولما كان اجتماع المصلين على رجل يصلي بهم مطلوبا لخبر: (إذا أردتم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم (١))، وكان الإمام من توفرت فيه شروط بعضها للصحة، وبعضها للكمال بين ذلك مبتدئا بشروط الصحة؛ وهي أحد عشر مشيرا إليها بذكر أضدادها عملا بقولهم: ........................................ … وبضدها تتبين الأشياء فقال: وبطلت باقتداء بمن بان كافرا؛ يعني أنه إذا اقتدي بشخص فظهر في الصلاة أو بعدها أنه كافر -والعياذ بالله تعالى- فإن صلاة المقتدي تبطل. ومعنى بان: ظهر. المازري: الفقهاء كلهم مجمعون على بطلان صلاة من صلى مؤتما بكافر، وإن كان لم يعلم بكفره كالحاكم بشهادة كافر ينقض حكمه، وإن لم يعلم بكفره، بخلاف ما إذا حكم بشهادة غير عدل، فإنه معذور بخطئه، ولا ينقض حكمه، وتردد بعض أصحابنا في الزنديق. وقوله: "كافرا"؛ يعني بأي أنواع الكفر، وقوله: "كافر"، الصواب أنه حال: وإنما بطلت صلاة المقتدي بكافر، لقوله صلى الله عليه رسلم: (أئمتكم شفعاؤكم فاختاروا من تستشفعون به)، والشفيع لابد أن يكون مقبولا عند، المشفوع عنده والكافر ليس بمقبول عند الله : فلا يكون إماما. وسواء في ذلك أسر أو جهر، عاد للإسلام أم لا، وفي ابن عرفة: وفي إعادة مأموم كافر ظنه مسلما أبدا مطلقا، وصحتها فيما جهر فيه إن أسلم. ثالثها إن كان آمنا وأسلم ولم يعد الأول لسماع يحيى رواية ابن القاسم مع قوله: وقول الأخوين، والثاني لابن حارث عن يحيى وسحنون، والثالث للعتبي عن سحنون، ونقله عنه المازري دون قيد إن كان آمنا. قال: وتأول قوله: "إن أسلم"، بأنه تمادى على إسلامه، وتعقبه بعضهم بأنه صلى جنبا جهلا. وفي قتله إن لم يسلم؛ أي لم يتماد على إسلامه، ونكاله، وطول سجنه. ثالثها، إن كان آمنا لا عذر له، وعلى هذا الثالث اختلف؛ هل يصدق في دعوى

стр. 1254

العذر أم لا؟ انتهى وظاهر ابن رشد: ترجيح القول بإسلامه بالصلاة فيكون مرتدا إن رجع عنه، وذالك أنه قال: بعد قول العتبية: سئل مالك عن الأعجمي، يقال له: صل فيصلي ثم يموت؛ هل يصلى عليه؟ قال: نعم، ما نصه: هذا كما قال؛ لأن من صلى فقد أسلم، قال رسول الله ﷺ : (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله تعالى، ومن أبى فهو كافر وعليه الجزية). انتهى. ولما ذكر ابن ناجي الخلاف، هل يقتل إن لم يسلم أو ينكل، قال: وهذا الخلاف عندي ضعيف لنقل إسحاق بن راهويه: أجمعوا على أن من رأيناه يصلي أن ذلك دليل على إيمانه انتهى. وبه تعلم ما في قول الزرقاني: ولا يكون بصلاته مسلما. انظر حاشية الشيخ بناني. وقال عبد الباقي: ولا يكون بصلاته مسلما، ولو صلى بمسجد خلافا لأبي حنيفة، معللا بأنه من شعار الإسلام، وهذا حيث لم يقم الصلاة أو يتحقق منه فيها النطق بالشهادتين، وإلا فمسلم ويصح الاقتداء به إن أقامها، لا إن نطق بهما في تشهده لتقدم جزء منها؛ وهو كافر كما أنه يكون مسلما بأذانه على ما تقدم، وكذا إذا كثرت منه الصلاة فإنه يحكم بإسلامه كما في المقدمات، بخلاف تكرر الصوم والحج والزكاة، وانظر ما حد الكثرة ثم حيث لم يحكم بإسلامه في فرض المصنف ينكل ويطال سجنه عند ابن القاسم كان آمنا على نفسه أم لا، وهذا القدر لا يستفاد من قوله في الردة، وقبل عذر من أسلم وقال أسلمت عن ضيق إن ظهر؛ كأن توضأ وصلى. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وتكرر الصلاة لا غيرها إسلام، والظاهر أن التكرر بما يرف به عادة. انتهى. واعلم أن الذي مال إليه ابن عرفة: أنه لا يشترط في الإمام أن يكون بشرا، فيصح الاقتداء بالملائكة والجن، والصحيح أنه ﷺ أرسل إلى الملائكة لكنا لا نعلم عين ما كلفوا به، وقوله: كافرا أي متفقا على كفره بدليل قوله: وأعاد بوقت في كحروري، قاله الشيخ إبراهيم: وقال الشيخ الأمير: وصح اقتداء بملَك وجني، وحَمْلُ صلاة جبريل صبيحة الإسراء على أنه صورة إمامة للتعليم، بَعِيدٌ كما في كبير التتائي. وفي الرماصي عن الوانوغي: منع نكاح الجنية، لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ولا يخفى عدم نصِّيَّته. انتهى.

стр. 1255

أو امرأة؛ يعني أنه إذا اقتُدِي بشخص فظهر أنه؛ أي المقتدى به امرأة، فإن صلاة المقتدي باطلة كان المقتدي ذكرا أو أنثى، كانت الصلاة فريضة أو نافلة، وتبطل صلاة المقتدي بامرأة ولو مع فقد رجل يؤم، وتصح صلاتها هي وظاهره ولو نوت الإمامة. وقال الشيخ الأمير: ولا تضرها نية الإمامة إلا لتلاعب. انتهى. وفي الحديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (١))، وما ذكرته من العموم هو المشهور: وروي عن مالك تؤم المرأة النساء؛ (لأنه ﷺ أمر أم فروة أن تؤم النساء (٢)). أو خنثى؛ يعني أن من اقتدى بشخص فظهر أنه أي الإمام خنثى يريد مشكلا، تبطل صلاته أي المأموم المقتدي بالخنثى، وتبطل صلاة المقتدي به ولو كان خنثى، وسواء اعتقد المأموم ذكورته أو إشكاله، ولو اتضحت ذكورته بعد ذلك في الأخيرة؛ أي حيث اعتقد إشكاله. وأما إن اعتقد ذكورته، في حال الاقتداء واتضح بعد ذلك ذكورته، فلا وجه للبطلان. وتصح صلاة الخنثى الإمام، وأما الخنثى غير المشكل فله حكم ما اتضح أنه منه، ولا يرث الخنثى المشكل من الولاء شيئا، وقوله: "فله حكم ما اتضح" الخ؛ أي فإن اتضحت ذكورته حكم له بحكم الرجال، فيصح الاقتداء به، وإن اتضحت أنوثته حكم له بحكم المرأة فيعيد المقتدي به أبدا، وقال صاحب الكافي: ولا تجوز إمامة الخنثى بحال، وقال ابن بشير: له حكم الأنثى، فلذا لا يرث من الولاء شيئا. ومجنونا؛ يعني أنه إذا اقتدي بشخص فظهر أنه مجنون، فإن صلاة المقتدي باطلة حيث كان مطبقا، أو كان يفيق وأمَّ حالة جنونه لا حالة إفاقته فتصح، وإنما بطلت صلاة المقتدي بالمجنون لارتفاق على عدم صحة الائتمام بكل من ليس حاضر العقل، وصلاة المجنون باطلة كالسكران ولو بحلال، سمع ابن القاسم: لا يؤم المعتوه. سحنون: ويعيد مأمومه. ابن عبد الحكم: لا بأس بإمامة المجنون حال إفاقته، ويطلب علمه بما لا تصح الصلاة إلا به. قاله المواق، والمعتوه هو

стр. 1256

الذاهب العقل، وللشيخ علي الأجهوري. ومن تبعه هنا كلام غير ظاهر، حيث قال: ببطلان صلاة المقتدي بالمجنون إذا أم في حال إفاقته. والله أعلم. أو فاسقا بجارحة؛ يعني أنه تبطل الصلاة باقتداء بمن بان فاسقا بجارحة، "والباء" في قوله: "بجارحة"، للاستعانة، ككتبت بالقلم، والفسق هو الخروج عن طاعة الله تعالى، بارتكاب الكبائر. وإنما بطلت صلاة المقتدي بالفاسق بجارحة، لما ورد من: (أئمتكم شفعاؤكم). والفاسق غير صالح للشفاعة، وهذا يغني عن قوله: بمن بان كافرا، على أنه قال في التوضيح: ولا ينبغي أن يعد من شروط الإمامة إلا ما كان خاصا بها، فلا يعد الإسلام ولا العقل؛ لأنهما شرط في مطلق الصلاة، وما ذكره المصنف من بطلان صلاة المقتدي بالفاسق هو الذي شهره ابن بزيزة. وقد علمت أن الفسق هو الخروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب الكبائر، والرتكب كبيرة كعاق، وقاذف، وغاصب، ومن طلق زوجته ثلاثا وأقام معها، وسارق، وقاتل، وزان، ولائط، وكاشف لعورته بين يدي من لا يجوز له النظر إليها، وأخذ المرتبات من جباة الخازن كمكاس، ودفع دراهم لزوجته تدخل بها الحمام مع نساء متجردات، وإمامة، أو كتابة لظالم. قال الشيخ عبد الباقي: ولعل المراد كما يفيده نقل المواق: كتابة ما يظلم فيه، لا كتابة كتاب بأجرة، وسأل إنسان عطاء، فقال: إن لي صاحب سلطان يكتب ما يدخل وما يخرج أمين على ذلك إن ترك قلمه صار عليه دين، قال: أو ما تقرأ: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾، لِيَرْمِ بقَلَمه، فإن الله آتيه برزقه. واعلم أن الصغيرة لا يفسق بها إلا مع الإصرار لانقلابها حينئذ كبيرة. فائدة: اعلم أن استحلال المعصية كفر صغيرة أو كبيرة، وكذا الاستهانة بها -كما يأتي قريبا- وفي المنذري في ترجمة الترهيب من ارتكاب الصغائر ما نصه: أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم ومحقرات الذنوب، وفي حديثه: وهي الموبقات (١))، وروي غير هذا، وبهذا تعلم أن لا يتهاون بالصغيرة خلاف ما يقوله بعض الجهلة، ويأتي قول بعض المعتزلة: لا يقع التعذيب

стр. 1257

بالصغائر إذا اجتنبت الكبائر، للآية الكريمة، ويأتي الجواب عن قوله. واعلم أن المعتمد خلاف ما للمصنف؛ إذ لا يكون أسوأ حالا من المبتدع، فتصح مع الكراهة إذا كان فسقه غير متعلق بالصلاة، وإلا بطلت خلفه ككبر بإمامة. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: الذي ارتضاه التونسي واللخمي، وارتضاه القباب: وصوبه ابن يونس: صحة الاقتداء بالفاسق بالجارحة، وهو المعتمد، كما قال الشبيبي. وما ينبغي للمصنف العدول عن المرتضى عند هؤلاء إلى تشهير ابن بزيزة، ويدل للصحة قوله ﷺ : (صلوا خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا (١)): ثم قال: لكن يحرم الدخول معه ابتداء، ويحرم عليه أن يتقدم للإمامة مع علمه بفسق نفسه. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: اعلم أن الذي يتعلق فسقه بالصلاة إن تحقق أو غلب على الظن حال التلبس بالصلاة أنه ذو مانع من صحتنها بطلت الصلاة خلفه باتفاق، وإن شك في ذلك فمقتضى كلام ابن عرفة صحتها، ومقتضى ما للقباب البطلان. انتهى. وبما قررت علم أن المعتمد مقيد بالكبيرة غير المتعلقة بالصلاة كالتهاون بشروطها ونحو ذلك. وعلم مما قررت أيضا أنه يطلب في الإمام عدم الفسق. وحكى ابن عرفة في إمامة الفاسق ستة أقوال: فقال وفي إعادة مأموم الفاسق في الوقت أو أبدا، ثالثها إن تأول، ورابعها إن كان واليا أو خليفة لم يعد، وإلا أعاد أبدا. وخامسها إن خرج فسقه عن الصلاة أجزأت وإلا أعاد أبدا، وسادسها لا إعادة؛ الأول لنقل ابن راشد مع اللخمي؛ والثاني لابن وهب مع مالك؛ والثالث للأبهري؛ والرابع لابن حبيب، والخامس للخمي؛ والسادس للباجي. وحكى ابن ناجي في شرح المدونة الأقوال الستة، ثم قال: وظاهر كلامهم أن الذي يغتاب كغيره، فلا يصلى خلفه، وإن وقع ونزل ففيه الخلاف كغيره. قاله الإمام الحطاب. وفيه ناقلا عن بعض العلماء: وأما الفاسق بالجوارح فإن علم من عادته التلاعب بالصلاة وشروطها وعدم القيام بها. فينبغي أن لا يختلف المذهب في بطلان صلاة من ائتم به، فغلبة الظن على بطلان صلاته، ولا يصلى خلف المشهور بالكذب والبهتان، وأما القاتل عمدا فلا تنبغي الصلاة

стр. 1258

خلفه. وعن ابن حبيب: وإن تاب. والمستحب عندنا إذا أمكن من نفسه، وعفي عنه، وحسنت توبته، أن يصلى خلفه. وإلا فلا يصلى خلفه. انتهى. وفيه بعد جلب نقل: أن الظاهر من جل فتاويهم عدم الإعادة في الصلاة خلف الفاسق بالجارحة؛ وهو ظاهر المدونة عند بعضهم، وأما اختيار اللخمي الفرق بين أن يكون فسقه متعلقا بالصلاة أو لا، فيحتمل أن يكون خلافا. وإليه أشار بعض شيوخنا، ومنهم من استبعد فيه الخلاف انتهى. ابن العربي: أما عامة الناس فلا يمكنوا من التخلف عن الجماعة، ولا حجة لهم في إمامهم أن يكون غير رضى عندهم، فإنه مثلهم، وإذا كان إمامك مثلك وتقول: لا أصلي خلفه، فلا تصل أنت إذا، فإن ما يقدح في صلاتك يقدح في صلاته، وما تصح به صلاته تصح به صلاتك، ولو لم يتقدم اليوم للإمامة إلا عدل لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا. وقال القباب: أعدل الذاهب أنه لا يقدم الفاسق للشفاعة والإمامة، ومن صلى خلفه لا إعادة عليه إن كان يتحفظ على أمور الصلاة. قاله المواق. وحجة من قال إن الصلاة تجزئ خلف الفساق من الأمراء أن منع الصلاة معه داع إلى الخروج عن طاعتهم، وسبب إلى الفتن، وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج. وقال القباب في كلام أبي إسحاق ما يشعر بجواز إمامة شارب الخمر؛ إذا لم يسكر، وكانت ثيابه طاهرة، وغسل فاه، ولم يعتبروا ما في الجوف. وربما أعطى كلام ابن حبيب هذا المعنى، وقال سند: لما تعذر عليه رفع النجاسة صار كمن أراق الماء عامدا وصلى بالتيمم، فإنه آثم مع صحة صلاته، وهل يلزمه أن يتقيأ أم لا؟ خلاف بين الشافعية. قاله المواق، وفيه عن ابن العربي: أن الرجل الفاضل لا يؤخذ عليه في مشيه إلى السلطان الجائر فيما يحتاج إليه، وفيه عنه أيضا: أن الذنوب صغيرة لا أصغر منها؛ وهي النظر، وكبيرة لا أكبر منها؛ وهي الكفر، وما بينهما مختلف حكمه. وقال ابن القطان: جناية البصر تكفرها الطاعات. وقد جعله رسول الله ﷺ . مكفَّرًا بالوضوء، فقال ﷺ : (إذا توضأ العبد المؤمن خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء

стр. 1259

أو مع آخر قطرة من الماء (١)). انتهى. وفي الإعلام: وأجاب ناصر الدين فيمن تخرج زوجته بادية كعادة أهل البادية أن ذلك جرحة في شهادته وإمامته، وأنه لا تعطى له الزكاة، وأجاب الزواوي بصحة ذلك إن قدر على منعها، وإلا فلا، وأجاب العقباني: من صلى خلفه لا إعادة عليه، وأمر بأن يأمر أهله بالستر، فإن فعل صلوا خلفه وإلا ترك. تنبيهات الأول: اعلم أنه اختلف في الكبيرة على ستة أقوال: فقيل: هي ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب أو السنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية، وقيل: هي ما فيه حد كالزنى والسرقة، قال الرافعي: وهم إلى ترجيح هذا أميل، وقيل: هي ما نص الكتاب على تحريمه، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. الآية. أو وجب في جنسه حد، وقيل: إنها أخفيت ليكون الناس من اجتناب جميع المنهيات على حذر مخافة الوقوع فيها، وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائني، والشيخ الإمام والد صاحب جمع الجوامع: هي كل ذنب، ونَفَيَا الصغائر نظرا إلى عظمة من عُصِي بذلك وقيل: وهو المختار، وفاقا لإمام الحرمين إنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة، ونظم هذه الأقوال الإمام السيوطي، فقال:

стр. 1260

وفي الكبيرة اضطراب إذ تحد … فقيل: ذو توعد، وقيل حد وقيل: ما في جنسه حد وما … كتابنا بنصه قد حرما وقيل: لا حد لها بل أخفيت … وقيل: كل والصغار نفيت والمرتضى قول إمام الحرمين … جريمة توذننا بغير مين بقلة اكتراث من أتاه … بالدين، والرقة في تقواه كالقتل، والزنى، وشرب الخمر … ومطلق المسكر، ثم السحر والقذف، واللواط، ثم الفطر … ويَأسِ رحمةٍ، وأمن المكر والغصب، والسرقة، والشهادة … بالزور، والرشوة، والقياده منع الزكاة، ودياثة، فرار … خيانة في الكيل، والوزن ظهار نميمة، كتم شهادة، يمين … فَاجِرَةٍ، كَذْب على النَّبي يَبين وسب صحبه، وضرب المسلم … سعاية، عقوق، قطع الرحم حرابة، تقديمه الصلاة، أو … تأخيرها، ومال الأيتام رووا وأكل خنزير، وميت، والربا … والغل، أو صغيرة قد واظبا قوله: القيادة: القواد: الذي يجمع بين الرجال والنساء بالحرام، فهو أعم من الديوث؛ لأنه خاص بالأهل. والسعاية هي أن يذهب بشخص إلى ظالم ليؤذيه بما يقوله في حقه، وفي حديثٍ (الساعي مثلث (١))؛ أي مهلك نفسه، والمسعي به وإليه. الثاني: الكبائر تجب منها التوبة اتفاقا، وفي الصغائر ثلاثة أقوال: الأول أنها تفتقر للتوبة، قاله القاضي عبد الوهاب؛ وهو ظاهر قول الرسالة، والتوبة فريضة من كل ذنب، وهو ظاهر قول ابن عاشر:

стр. 1261

وتوبة من كل ذنب يجترم … ................................................ قال أبو بكر بن الطيب: وهو المشهور. الثاني: أنها لا تفتقر إلى توبة، بل توبتها اجتناب الكبائر لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وهو قوله في أول الرسالة وغفر الصغائر باجتناب الكبائر. الثالث: أنها إن كانت منوطة بالكبيرة، كالقبلة لمن أراد الزنى ثم تاب منها غفرت باجتناب الكبيرة، وإن كانت منفردة مستقلة بنفسها افتقرت إلى التوبة، وهل تكفير الصغائر باجتناب الكبائر على القول به قطعي، أو ظني؟ قولان. قاله الشيخ ميارة. وقال النسفي في العقائد: ويجوز العقاب على الصغيرة، وقال السعد في شرحه: سواء اجتنب مرتكبها الكبيرة أم لا، لدخولها تحت قوله، تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولقوله: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. والإحصاء إنما يكون للسؤال والمجازاة إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، وذهب بعض المعتزلة إلى أنه إذا اجتنب الكبائر لم يجز تعذيبه، لا بمعنى أنه يمتنع عقلا، بل بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لوقوع الأدلة السمعية على أنه لا يقع، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. وأجيب بأن الكبيرة المطلقة هي الكفر؛ لأنه الكامل وجمع الاسم بالنظر إلى أنواع الكفر، فإن الكل ملة واحدة في الحكم، أو إلى أفراده القائمة بأفراد المخاطبين على ما تمهد من قاعدة: أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد بالآحاد، كقولنا: ركب القوم دوابهم، ولبسوا ثيابهم، وقال السعد أيضا: واستحلال المعصية بمعنى اعتقاد حلها كفر صغيرة أو كبيرة، وكذا الاستهانة بها؛ بمعنى عدها هينة ترتكب من غير مبالاة. الثالث: قال الشيخ ميارة: الكبيرة والصغيرة نسبة وإضافة، وإلا فكل ذنب فهو كبير، فتسمية بعض الذنوب صغائر إنما هو لتكفيرها باجتناب غيرها مما هو أكبر منها، فكلها كبائر وبعضها أكبر من بعض، ولهذا لم يأت في الشرع لفظ يحصرها في عدد معين، وإنما ذلك ليكونوا في اجتناب جميع المنهيات على حذر ليلا يواقعوها، وما ورد في الأحاديث من تسميتها بالسبع

стр. 1262

الموبقات، لا يدل على حصرها في سبع، ولهذا قال ابن عباس: هي إلى السبعين، وروي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع. انتهى. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: ولعل هذا هو قول الأسفرائني، ووالد صاحب جمع الجوامع مع أنه يمكن الفرق بينهما. والله سبحانه أعلم. الرَّابع: لا خلاف بين أهل السنة أن التوبة تصح من بعض الذنوب دون بعض، وإذا تذكر المذنب الذنب، فهل يجب عليه تجديد الندم أم لا؟ قولان للقاضي، وإمام الحرمين، قائلا: يكفيه أن لا يبتهج ولا يفرح عند تذكره، وهل توبة الكافر نفس إسلامه، أو لابد من الندم على الكفر؟ فأوجبه الإمام. وقال غيره: يكفيه إيمانه؛ لأن كفره ممحو بإيمانه، وإقلاعه عنه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. واعلم أن الذنب إن كان حقا لله تعالى فيكفي الندم والإقلاع، ويشرع في قضاء الفوائت كالصلاة والصيام وشبه ذلك، وإن كان حقا لآدمي وجب عليه رده إن كان مالا، والتحلل منه إن كان عِرْضا، فإن لم يجده ولا وجد أحدا من ورثته، فإنه يستغفر الله ويتصدق عليه، وإن كان نفسا وجب عليه تسليم نفسه للأولياء إن أمكن ذلك، فإن لم يفعل مع الإمكان فمذهب الجمهور صحتها، وهذه معصية أخرى يجب عليه أن يتوب منها. وقيل: لا تصح، وهو مرجوح. الخامس اعلم أن التوبة على قسمين: واجبة من المحظور، ومندوبة من المكروه. الواسطي: كانت التوبة في بني إسرائيل بقتل النفس، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: فكانت توبتهم إفناء نفوسهم، وتوبة هذه الأمة أشد؛ وهي إفناء نفوسهم عن مرادها مع رسوم الهياكل. ومثله بعضهم بمن أراد كسر لوزة في قارورة لكن ذلك يسير على من يسره الله عليه انتهى. نقله الشيخ ميارة. السادس: اعلم أن الأنبياء كلهم معصومون من الذنوب صغيرها وكبيرها، عمدها وسهوها قبل النبوءة وبعدها، في سائر الحركات والسكنات في الباطن والظاهر، في السر والعلانية، في الجد والهزل والرضى والغضب، وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على اتباع النبي صلى الله عليه

стр. 1263

وسلم والتأسي به في كل ما يفعله من قليل وكثير وصغير وكبير، لم يكن عندهم في ذلك توقف حتى في السر والخلوة، علم بهم أو لم يعلم. وما حكي من الخلاف في عصمة الأنبياء من الصغائر بعد البعثة في غاية الضعف بل هو ساقط، بل ألزم قائلوه خرق الإجماع وما لا يقول به مسلم. وأما قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. فعن ابن عباس ﵄ وآخرين صحابة وتابعين أن معناه: ووجدك ضالا عما آتاك من معالم النبوءة فهداك إليها، وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. فمعناه خففنا أعباء النبوءة التي أثقلت حقوقها والقيام بموجباتها ظهرك، حتى كاد أن يكون له نقيض أي صوت، أو رفعنا عنك أوزار أمتك التي أثقل ظهرك خوف غايتها حتى أمنك الله ذلك في العاجل، بقوله. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ﴾. الآية. أي أنت غير مؤاخذ بذنبك أن لو كان، والمراد ذنوب أمته. انظر المنح المكية في شرح الهمزية. أو مأموما؛ يعني أن الصلاة تبطل باقتداء بمن بان مأموما لفقد شرط عدمي؛ وهو عدم تبعية الإمام لغيره في تلك الصلاة، كمن قام يقضي ركعة فاتته مع الإمام فائتم به شخص آخر، فتبطل صلاته. وكمن صلى بمقتد بإمام يظنه غير مقتد، وليس من ذلك من أدرك مع إمام دون ركعة؛ فإند يصح الاقتداء به في تلك الصلاة. كما مر. أو محدثا؛ يعني أن الصلاة تبطل بمن بان محدثا لعدم شرط الطهارة، وهذا إن تعمد الإمام الحدث في الصلاة: أو الصلاة محدثا ابتداء أو بعد ذكره في أثنائها وتمادى جاهلا، أو مستحييا ولم يعلم المؤتم بحدثه لا إن سبق أو نسيه، فلا يطلب المأموم بإعادتها فذا ولا جماعة -كما مر-. قال الشيخ عبد الباقي: ولو تبين أن المأموم محدث، فهل يعيد الإمام في جماعة نظرا لما تبين أو لا؟ نظرا لعدم وجوب نية الإمامة، وإن نواها قولان ذكرهما الأقفهسي، ولم يطلع عليهما المصنف، فنظر في المسألة. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا قصور، فإن أصل التنظير للتونسي كما نقله ابن عرفة، ونصه التونسي ولا يعيد مأموم بناسي حدثه لحصول حكم الجماعة لصحتها له جمعة كذلك، وفي إعادة الإمام في العكس نظر. المازري: لا نظر فيه مع قبوله الأول؛ لأنه والعكس سواء. ابن عرفة: بل النظر متقرر لاحتمال كون العكس أحرى فضلا عن كونهما سواء؛ لأن عمد الحدث فيهما يبطلها على غيره [في الأول لا العكس (١)]،

стр. 1264

ويحتمل الفرق بأن لزوم نية الاقتداء للمأموم اللزومة للجماعة تثبتها له وعدم لزومها للإمام يلغيها. انتهى. أو علم مؤتمه؛ يعني أن الصلاة تبطل باقتداء بمن بان محدثا ولم يتعمد الحدث بل نسيه لكن علم بحدثه قبل الصلاة، فدخل معه ناسيا لتفريطه، أو علم به فيها، وعمل معه عملا بعد علمه، فإن علم بحدثه بعد الصلاة أو فيها ولم يعمل معه عملا بعد علمه صحت، فحكم من علم بحدث إمامه في الصلاة كحكم من رأى النجاسة في ثوب إمامه، وظاهر المصنف بطلانها بعلمه بحدثه قبلها أو فيها، سواء فيهما تبين حدثه أو عدمه أو لم يتبين شيء؛ وهو كذلك، وهذه ست. والمراد بالعلم الاعتقاد، وكذا شكه قبلها، ثم تبين حدثه أو عدمه أو لم يتبين شيء، فإن شك فيها في حدث إمامه تمادى، وتبطل إن تبين حدثه أو لم يتبين شيء لا إن تبين عدم حدثه، قياسا على، وإن شك في صلاته الخ، وهذه ست أيضا فتبطل على المأموم في إحدى عشرة، وتصح في واحدة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. ومن المدونة: وإذا صلى الجنب بالقوم ولم يعلم ثم تذكر وهو في الصلاة استخلف، وإن لم يذكر حتى فرغ فصلاة من خلفه تامة ويعيد هو وحده، وإن صلى بهم ذاكرا للنجاسة فصلاتهم كلهم فاسدة، وكذلك إن ذكر في الصلاة فتمادى بهم جاهلا أو مستحييا فقد أفسد عليهم. قاله المواق. وما ذكره المصنف من أنه يشترط في بطلان صلاة المأموم أن يتعمد إمامه الحدث، أو يعلم هو به. هو المشهور. وقيل إنها باطلة. قاله أبو بكر الأبهري. وقال ابن الجهم: إن قرءوا خلفه أجزأتهم، وإن لم يقرءوا لم تجزهم، ويجري فيها قول بعدم الإجزاء، وإن قرءوا قياسا على أحد قولي ابن القاسم فيما إذا ذكر الإمام منسيَّة. انتهى. بالمعنى قال سند بعد ذكره قول ابن الجهم: والمذهب أنها تجزئهم من قرأ ومن لم يقرأ؛ لأن ما يتعلق بالصلاة من طهارة الإمام إنما يبنى في حقهم على حكم اعتقادهم، فإن اعتقدوا فساد طهارته ثم ائتموا به لم تجزهم صلاتهم، وإن كانت طهارته صحيحة، فكذا إذا اعتقدوا صحتها تجزئهم صلاتهم، وإن كانت طهارته باطلة. قاله الإمام الحطاب. وقال ابن عطاء الله: واختلف في صلاة المأموم، هل هي مرتبطة بصلاة الإمام، أم لا؟ على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها مرتبطة بصلاة الإمام متى فسدت فسدت عليهم. قاله ابن

стр. 1265

حبيب. الثاني: أن كل مصل يصلي لنفسه. الثالث: قول مالك أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام إلا في سهو الطهارة، وأما لو نسي الإمام النية أو تكبيرة الإحرام فلا تجزئهم، ولو ذكر الإمام بعد فراضه من الصلاة أنه لم يقرأ في جميع صلاته، أعاد هو ومن خلفه أبدا والفرق أن القراءة من نفس الصلاة بخلاف الوضوء والغسل وأيضا فإن القراءة يحملها عنهم ولا يحمل الطهارة، ولأن الأصل أن كل ما أفسد صلاة الإمام أفسد صلاة المأموم، وخرج عن ذلك من ذكر أنه محدث وبقي من عداه، وإن صلى الإمام بالنجاسة ناسيا، ولم يعلم هو ولا من خلفه صحت له ولهم، ويعيد هو في الوقت. ويختلف في إعادتهم على الخلاف المتقدم في الإعادة خلف. الجنب، فعلى المشهور لا يعيدون، وعلى قول ابن الجهم يعيدون إن لم يقرءوا، ولكن الإعادة هنا في الوقت، ومن علم حُكمُه حُكْمُ من تعمد الصلاة بالنجاسة، ومن ذكر في ثوبه نجاسة الجاري على قول ابن القاسم: يقطع ويقطعون: وقيل: يستخلف كذاكر الحدث. قاله الإمام الحطاب. ابن عرفة: لو تعمد إمام قطع صلاته أو خروجه منها -يريد بكلام أو حدث أو غيره- ثم عمل شيئا بطلت عليهم، وإن لم يعمل شيئا ففي بطلانها عليهم نقلا اللخمي عن ابن القاسم وأشهب؛ وهو كذلك في تبصرة اللخمي. قاله الإمام الحطاب. ولنقل ابن رشد أنها تصح عند أشهب وابن عبد الحكم، فيما إذا أحدث الإمام وتمادى بهم متعمدا أو جاهلا أو مستحييا، مراعاة لقول أبي حنيفة: إن الرجل إذا جلس مقدار التشهد تمت صلاته وخرج منها وإن لم يسلم. قاله الإمام الحطاب. وفي الحطاب عن ابن رشد أن مذهب الإمام مالك وأصحابه: أن الإمام إذا قطع صلاته متعمدا أو أحدث فيها متعمدا أو تمادى فيها بعد حدثه متعمدا أنهم بمنزلته فيما يجب عليه من الإعادة في الوقت وبعده حاشا أشهب وابن عبد الحكم فإنهما ذهبا إلى أنه إذا كان على غير وضوء متعمدا، أو أحدث وتمادى متعمدا أنه لا إعادة عليهم انتهى. وسمع يحيى ابن القاسم: إن أطاق من رأى في ثوب إمامه نجاسة أن يريها إياه فعل، وإن لم يطق وصلى معه، أعاد أبدا، وإن لم يعد إلا في الوقت أجزأه. ابن رشد: قوله فعل، يريد فيخرج الإمام ويستخلف، ويتمادى هو مع المستخلف على صلاته إلا أن يكون عمل معه عملا بعد أن رأى النجاسة. وقوله: وإن لم يعد إلا في الوقت أجزأه، مراعاة لمن يقول: إن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام مع ما في أصل
следующие страницы →