← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وتوبة من كل ذنب يجترم … ................................................ قال أبو بكر بن الطيب: وهو المشهور. الثاني: أنها لا تفتقر إلى توبة، بل توبتها اجتناب الكبائر لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وهو قوله في أول الرسالة وغفر الصغائر باجتناب الكبائر. الثالث: أنها إن كانت منوطة بالكبيرة، كالقبلة لمن أراد الزنى ثم تاب منها غفرت باجتناب الكبيرة، وإن كانت منفردة مستقلة بنفسها افتقرت إلى التوبة، وهل تكفير الصغائر باجتناب الكبائر على القول به قطعي، أو ظني؟ قولان. قاله الشيخ ميارة. وقال النسفي في العقائد: ويجوز العقاب على الصغيرة، وقال السعد في شرحه: سواء اجتنب مرتكبها الكبيرة أم لا، لدخولها تحت قوله، تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولقوله: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. والإحصاء إنما يكون للسؤال والمجازاة إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، وذهب بعض المعتزلة إلى أنه إذا اجتنب الكبائر لم يجز تعذيبه، لا بمعنى أنه يمتنع عقلا، بل بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لوقوع الأدلة السمعية على أنه لا يقع، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. وأجيب بأن الكبيرة المطلقة هي الكفر؛ لأنه الكامل وجمع الاسم بالنظر إلى أنواع الكفر، فإن الكل ملة واحدة في الحكم، أو إلى أفراده القائمة بأفراد المخاطبين على ما تمهد من قاعدة: أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد بالآحاد، كقولنا: ركب القوم دوابهم، ولبسوا ثيابهم، وقال السعد أيضا: واستحلال المعصية بمعنى اعتقاد حلها كفر صغيرة أو كبيرة، وكذا الاستهانة بها؛ بمعنى عدها هينة ترتكب من غير مبالاة. الثالث: قال الشيخ ميارة: الكبيرة والصغيرة نسبة وإضافة، وإلا فكل ذنب فهو كبير، فتسمية بعض الذنوب صغائر إنما هو لتكفيرها باجتناب غيرها مما هو أكبر منها، فكلها كبائر وبعضها أكبر من بعض، ولهذا لم يأت في الشرع لفظ يحصرها في عدد معين، وإنما ذلك ليكونوا في اجتناب جميع المنهيات على حذر ليلا يواقعوها، وما ورد في الأحاديث من تسميتها بالسبع

стр. 1262

الموبقات، لا يدل على حصرها في سبع، ولهذا قال ابن عباس: هي إلى السبعين، وروي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع. انتهى. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: ولعل هذا هو قول الأسفرائني، ووالد صاحب جمع الجوامع مع أنه يمكن الفرق بينهما. والله سبحانه أعلم. الرَّابع: لا خلاف بين أهل السنة أن التوبة تصح من بعض الذنوب دون بعض، وإذا تذكر المذنب الذنب، فهل يجب عليه تجديد الندم أم لا؟ قولان للقاضي، وإمام الحرمين، قائلا: يكفيه أن لا يبتهج ولا يفرح عند تذكره، وهل توبة الكافر نفس إسلامه، أو لابد من الندم على الكفر؟ فأوجبه الإمام. وقال غيره: يكفيه إيمانه؛ لأن كفره ممحو بإيمانه، وإقلاعه عنه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. واعلم أن الذنب إن كان حقا لله تعالى فيكفي الندم والإقلاع، ويشرع في قضاء الفوائت كالصلاة والصيام وشبه ذلك، وإن كان حقا لآدمي وجب عليه رده إن كان مالا، والتحلل منه إن كان عِرْضا، فإن لم يجده ولا وجد أحدا من ورثته، فإنه يستغفر الله ويتصدق عليه، وإن كان نفسا وجب عليه تسليم نفسه للأولياء إن أمكن ذلك، فإن لم يفعل مع الإمكان فمذهب الجمهور صحتها، وهذه معصية أخرى يجب عليه أن يتوب منها. وقيل: لا تصح، وهو مرجوح. الخامس اعلم أن التوبة على قسمين: واجبة من المحظور، ومندوبة من المكروه. الواسطي: كانت التوبة في بني إسرائيل بقتل النفس، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: فكانت توبتهم إفناء نفوسهم، وتوبة هذه الأمة أشد؛ وهي إفناء نفوسهم عن مرادها مع رسوم الهياكل. ومثله بعضهم بمن أراد كسر لوزة في قارورة لكن ذلك يسير على من يسره الله عليه انتهى. نقله الشيخ ميارة. السادس: اعلم أن الأنبياء كلهم معصومون من الذنوب صغيرها وكبيرها، عمدها وسهوها قبل النبوءة وبعدها، في سائر الحركات والسكنات في الباطن والظاهر، في السر والعلانية، في الجد والهزل والرضى والغضب، وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على اتباع النبي صلى الله عليه

стр. 1263

وسلم والتأسي به في كل ما يفعله من قليل وكثير وصغير وكبير، لم يكن عندهم في ذلك توقف حتى في السر والخلوة، علم بهم أو لم يعلم. وما حكي من الخلاف في عصمة الأنبياء من الصغائر بعد البعثة في غاية الضعف بل هو ساقط، بل ألزم قائلوه خرق الإجماع وما لا يقول به مسلم. وأما قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. فعن ابن عباس ﵄ وآخرين صحابة وتابعين أن معناه: ووجدك ضالا عما آتاك من معالم النبوءة فهداك إليها، وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. فمعناه خففنا أعباء النبوءة التي أثقلت حقوقها والقيام بموجباتها ظهرك، حتى كاد أن يكون له نقيض أي صوت، أو رفعنا عنك أوزار أمتك التي أثقل ظهرك خوف غايتها حتى أمنك الله ذلك في العاجل، بقوله. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ﴾. الآية. أي أنت غير مؤاخذ بذنبك أن لو كان، والمراد ذنوب أمته. انظر المنح المكية في شرح الهمزية. أو مأموما؛ يعني أن الصلاة تبطل باقتداء بمن بان مأموما لفقد شرط عدمي؛ وهو عدم تبعية الإمام لغيره في تلك الصلاة، كمن قام يقضي ركعة فاتته مع الإمام فائتم به شخص آخر، فتبطل صلاته. وكمن صلى بمقتد بإمام يظنه غير مقتد، وليس من ذلك من أدرك مع إمام دون ركعة؛ فإند يصح الاقتداء به في تلك الصلاة. كما مر. أو محدثا؛ يعني أن الصلاة تبطل بمن بان محدثا لعدم شرط الطهارة، وهذا إن تعمد الإمام الحدث في الصلاة: أو الصلاة محدثا ابتداء أو بعد ذكره في أثنائها وتمادى جاهلا، أو مستحييا ولم يعلم المؤتم بحدثه لا إن سبق أو نسيه، فلا يطلب المأموم بإعادتها فذا ولا جماعة -كما مر-. قال الشيخ عبد الباقي: ولو تبين أن المأموم محدث، فهل يعيد الإمام في جماعة نظرا لما تبين أو لا؟ نظرا لعدم وجوب نية الإمامة، وإن نواها قولان ذكرهما الأقفهسي، ولم يطلع عليهما المصنف، فنظر في المسألة. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا قصور، فإن أصل التنظير للتونسي كما نقله ابن عرفة، ونصه التونسي ولا يعيد مأموم بناسي حدثه لحصول حكم الجماعة لصحتها له جمعة كذلك، وفي إعادة الإمام في العكس نظر. المازري: لا نظر فيه مع قبوله الأول؛ لأنه والعكس سواء. ابن عرفة: بل النظر متقرر لاحتمال كون العكس أحرى فضلا عن كونهما سواء؛ لأن عمد الحدث فيهما يبطلها على غيره [في الأول لا العكس (١)]،

стр. 1264

ويحتمل الفرق بأن لزوم نية الاقتداء للمأموم اللزومة للجماعة تثبتها له وعدم لزومها للإمام يلغيها. انتهى. أو علم مؤتمه؛ يعني أن الصلاة تبطل باقتداء بمن بان محدثا ولم يتعمد الحدث بل نسيه لكن علم بحدثه قبل الصلاة، فدخل معه ناسيا لتفريطه، أو علم به فيها، وعمل معه عملا بعد علمه، فإن علم بحدثه بعد الصلاة أو فيها ولم يعمل معه عملا بعد علمه صحت، فحكم من علم بحدث إمامه في الصلاة كحكم من رأى النجاسة في ثوب إمامه، وظاهر المصنف بطلانها بعلمه بحدثه قبلها أو فيها، سواء فيهما تبين حدثه أو عدمه أو لم يتبين شيء؛ وهو كذلك، وهذه ست. والمراد بالعلم الاعتقاد، وكذا شكه قبلها، ثم تبين حدثه أو عدمه أو لم يتبين شيء، فإن شك فيها في حدث إمامه تمادى، وتبطل إن تبين حدثه أو لم يتبين شيء لا إن تبين عدم حدثه، قياسا على، وإن شك في صلاته الخ، وهذه ست أيضا فتبطل على المأموم في إحدى عشرة، وتصح في واحدة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. ومن المدونة: وإذا صلى الجنب بالقوم ولم يعلم ثم تذكر وهو في الصلاة استخلف، وإن لم يذكر حتى فرغ فصلاة من خلفه تامة ويعيد هو وحده، وإن صلى بهم ذاكرا للنجاسة فصلاتهم كلهم فاسدة، وكذلك إن ذكر في الصلاة فتمادى بهم جاهلا أو مستحييا فقد أفسد عليهم. قاله المواق. وما ذكره المصنف من أنه يشترط في بطلان صلاة المأموم أن يتعمد إمامه الحدث، أو يعلم هو به. هو المشهور. وقيل إنها باطلة. قاله أبو بكر الأبهري. وقال ابن الجهم: إن قرءوا خلفه أجزأتهم، وإن لم يقرءوا لم تجزهم، ويجري فيها قول بعدم الإجزاء، وإن قرءوا قياسا على أحد قولي ابن القاسم فيما إذا ذكر الإمام منسيَّة. انتهى. بالمعنى قال سند بعد ذكره قول ابن الجهم: والمذهب أنها تجزئهم من قرأ ومن لم يقرأ؛ لأن ما يتعلق بالصلاة من طهارة الإمام إنما يبنى في حقهم على حكم اعتقادهم، فإن اعتقدوا فساد طهارته ثم ائتموا به لم تجزهم صلاتهم، وإن كانت طهارته صحيحة، فكذا إذا اعتقدوا صحتها تجزئهم صلاتهم، وإن كانت طهارته باطلة. قاله الإمام الحطاب. وقال ابن عطاء الله: واختلف في صلاة المأموم، هل هي مرتبطة بصلاة الإمام، أم لا؟ على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها مرتبطة بصلاة الإمام متى فسدت فسدت عليهم. قاله ابن

стр. 1265

حبيب. الثاني: أن كل مصل يصلي لنفسه. الثالث: قول مالك أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام إلا في سهو الطهارة، وأما لو نسي الإمام النية أو تكبيرة الإحرام فلا تجزئهم، ولو ذكر الإمام بعد فراضه من الصلاة أنه لم يقرأ في جميع صلاته، أعاد هو ومن خلفه أبدا والفرق أن القراءة من نفس الصلاة بخلاف الوضوء والغسل وأيضا فإن القراءة يحملها عنهم ولا يحمل الطهارة، ولأن الأصل أن كل ما أفسد صلاة الإمام أفسد صلاة المأموم، وخرج عن ذلك من ذكر أنه محدث وبقي من عداه، وإن صلى الإمام بالنجاسة ناسيا، ولم يعلم هو ولا من خلفه صحت له ولهم، ويعيد هو في الوقت. ويختلف في إعادتهم على الخلاف المتقدم في الإعادة خلف. الجنب، فعلى المشهور لا يعيدون، وعلى قول ابن الجهم يعيدون إن لم يقرءوا، ولكن الإعادة هنا في الوقت، ومن علم حُكمُه حُكْمُ من تعمد الصلاة بالنجاسة، ومن ذكر في ثوبه نجاسة الجاري على قول ابن القاسم: يقطع ويقطعون: وقيل: يستخلف كذاكر الحدث. قاله الإمام الحطاب. ابن عرفة: لو تعمد إمام قطع صلاته أو خروجه منها -يريد بكلام أو حدث أو غيره- ثم عمل شيئا بطلت عليهم، وإن لم يعمل شيئا ففي بطلانها عليهم نقلا اللخمي عن ابن القاسم وأشهب؛ وهو كذلك في تبصرة اللخمي. قاله الإمام الحطاب. ولنقل ابن رشد أنها تصح عند أشهب وابن عبد الحكم، فيما إذا أحدث الإمام وتمادى بهم متعمدا أو جاهلا أو مستحييا، مراعاة لقول أبي حنيفة: إن الرجل إذا جلس مقدار التشهد تمت صلاته وخرج منها وإن لم يسلم. قاله الإمام الحطاب. وفي الحطاب عن ابن رشد أن مذهب الإمام مالك وأصحابه: أن الإمام إذا قطع صلاته متعمدا أو أحدث فيها متعمدا أو تمادى فيها بعد حدثه متعمدا أنهم بمنزلته فيما يجب عليه من الإعادة في الوقت وبعده حاشا أشهب وابن عبد الحكم فإنهما ذهبا إلى أنه إذا كان على غير وضوء متعمدا، أو أحدث وتمادى متعمدا أنه لا إعادة عليهم انتهى. وسمع يحيى ابن القاسم: إن أطاق من رأى في ثوب إمامه نجاسة أن يريها إياه فعل، وإن لم يطق وصلى معه، أعاد أبدا، وإن لم يعد إلا في الوقت أجزأه. ابن رشد: قوله فعل، يريد فيخرج الإمام ويستخلف، ويتمادى هو مع المستخلف على صلاته إلا أن يكون عمل معه عملا بعد أن رأى النجاسة. وقوله: وإن لم يعد إلا في الوقت أجزأه، مراعاة لمن يقول: إن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام مع ما في أصل

стр. 1266

المسألة من الخلاف، فقد روي عن أشهب: لا إعادة على من صلى بثوب نجس عامدا؛ وهو ظاهر المدونة فيمن مسح موضع المحاجم، وذهب ابن المعذل إلى مذهب أشهب. قاله المواق. وقوله: إن أطاق، قد مر قول ابن حبيب: أنه يدنو من الإمام فيخبره بأن في ثوبه -مثلا- نجاسة، وقال يحيى بن يحيى: له أن يخرق الصفوف إليه، ثم يرجع إلى الصف، ولا يستدبر القبلة في رجوعه. وقيل: إن قدر أن يفهم الإمام أنه على غير وضوء، أوأن في ثوبه نجاسة، بأن يتلو آية المدثر أو آية الوضوء، وهو قول الأوزاعي. قاله المواق. واعلم أن الصلاة تبطل باقتداء بمعيد في الوقت؛ أي معيد لأن ذمته قد برئت، فهو كمتنفل أمَّ مفترضين، وسواء كان فذا أو إماما أو مأموما في الصلاة التي برئت ذمته بها. أشار له الشيخ إبراهيم، وهو واضح. وبعاجز عن ركن عطف على قوله بمَنْ؛ يعني أن الصلاة تبطل باقتداء بعاجز عن ركن قولي كفاتحة، أو فعلي كركوع أو سجود، وكان الأولى أن يؤخر المصنف هذا عن قوله. أو علم لأجل الاستثناء. قاله الشبراخيتي. ومعنى قوله: أو علم أن الصلاة تبطل باقتداء بعاجز عن علم لا تصح الصلاة إلا به؛ وهو ما يلزمه من فقه الصلاة، ككيفية وضوء وغسل ونحو ذلك حقيقة أو حكما، كمعتقد أن الصلاة كلها فرائض أو سنن، أو الفرض سنة بخلاف العالم حكما فتصح خلفه؛ كمن أتى بها على الوجه الذي تصح به وإن لم يميز بين سننها وفرائضها وفضائلها كما قال زروق، حيث علم أنها فيها وأخذ وصفها عن عالم، لخبر: (صلوا كما رأيتموني أصلي (١))، فلم يأمرهم إلا بفعل ما رأوا. وانظر لو اعتقد أن السنة فرض أو فضيلة أو الفضيلة سنة. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي وقوله وانظر لو اعتقد الخ، تقدم البطلان إذا اعتقد أن الصلاة كلها فرائض. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ إبراهيم: قال الأقفهسي: ومن لم يميز بين الفرائض والسنن والفضائل في الوضوء والصلاة فإمامته وشهادته باطلان مطلقا، وكذا صلاته هو في نفسه إن وجد

стр. 1267

معلما، وقال العوفي: قال العلماء: من دخل الصلاة وأتى بها على الهيئة كما أمر الله من الركوع والسجود والقيام ولم يترك شيئا منها، فلما فرغ منها سئل عن فروضها وسننها وحكمها فلم يعرف شيئا من ذلك، بل قال: أفعل كما رأيت الناس يفعلون، فصلاته باطلة. وكذا من توضأ على أتم الهيئات، أو اغتسل من جنابة على أحسنها ولا يعرف من ذلك فرضا ولا سنة، فجنابته وحدثه باقيان عليه، وصلاته باطلة غير مقبولة، بل هو في جميع ما فعل آثم عاص لله ولرسوله، وليس في ذلك بين أهل العلم خلاف، وكذلك الحج والصوم وسائر العبادات، ثم حكى عن الأشياخ فيمن اعتقد فريضة جميع أفعال العبادة من وضوء، أو صلاة، أو صوم، أو حج عدم اختلاف أهل العلم في بطلانها وحدثه باق عليه؛ وهو آثم عاص لله ورسوله لتباين أحكام الفرض والسنة من الجبر والإبطال وغيرهما. انتهى. وقال الشبيبي في شرح الرسالة: اختلفوا في صحة صلاة من لم يميز بين الفرائض والسنن بجهله على قولين، وعلى ذلك يختلف في صحة الائتمام. به انتهى. وقال الشيخ زروق: المشهور صحة صلاته. قاله الإمام الحطاب. وقال المواق: ولا يراد بالفقه هنا معرفة أحكام السهو، فإن صلاة من جهل أحكام السهو صحيحة إذا سلمت مما يفسدها، وإنما تتوقف صحة الصلاة على معرفة كيفية الغسل والوضوء، ولا يشترط تعيين الواجبات من السنن والفضائل، ولابن أبي يحيى: من لم يعرف تمييز الفرائض من غيرها إلا أنه يوفي بالصلاة، كما ذكر أبو محمد، فقال الشيخ: صلاته صحيحة: لأن جبريل صلى بالنبي ﷺ الصلاة الكاملة بجميع فرائضها وفضائلها، نص عليه ابن رشد في الأجوبة، وقد قال رسول الله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي (١))، فلم يأمرهم بسوى فعل ما رأوا. انتهى. إلا كالقاعد بمثله؛ يعني أن ما تقدم من أن الصلاة تبطل بالاقتداء بعاجز عن ركن، فيمتنع الاقتداء به لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، إنما هو في غير اقتداء القاعد بمثله أي بمن هو قاعد، وأما اقتداء القاعد بمثله فهو صحيح بعد الوقوع، جائز ابتداء، وأتى بقوله: "فجائز"؛

стр. 1268

لأن الاستثناء لا يفيد إلا الصحة، والجواز أمر زائد على ذلك. قاله الشيخ عبد الباقي، وغيره. والاستثناء متصل، وسمع ابن القاسم: إن لم يستطيعوا في السفينة أن يقوموا صلوا قعودا وأمهم أحدهم. ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأنهم كالمرضى. ابن القاسم: إذا لم يستطيعوا القعود وكان إمامهم لا يستطيع الجلوس فلا أعرف هذا، ولا إمامة فيه. ابن رشد: منع في الرواية من إمامة المضطجع المريض للمضطجعين المرضى، وسيأتي قول المصنف. وفي مريض اقتدى بمثله فصح قولان، قيل: يقوم فيتم لنفسه فذا، وقيل: يتم معه الصلاة وهو قائم، وثم قول ثالث أنه يقطع الصلاة كالأمة تعتق في الصلاة وليس معها ما يستر عورة الحرة. نقله الحطاب. عن ابن بشير. وقال عنه: وإن كان لا يقدر إلا على الإيماء فلا تصح إمامته بوجه. انتهى. وقوله: "إلا كالقاعد بمثله فجائز"، أدخلت الكاف الأخرس بالأخرس، والمشهور أن المومئ لا يؤم مثله في الإيماء، كما لا يؤم من يركع ويسجد، وقيل: يجوز اقتداء المومئ بالمومئ، وهو لابن رشد، والمازري. واعلم أنه يمتنع اقتداء القائم بالجالس فرضا أو نفلا، لخبر: (لا يؤم أحدكم بعدي جالسا (١))، ويجوز اقتداء الجالس بمثله لعجز كل منهما فرضا ونفلا، ولغير عجز يجوز في النفل كما يجوز في عجز الإمام في الفرض اقتداء التنفل به جالسا ولو قادرا على القيام. ونظم الشبراخيتي هذا بقوله: أجز صلاةَ جلوس خلفَ كَامِلَةٍ … وعكسُ هذا ولو في النفل ممتنع إلا إذا جلس المأموم معْه بلا … عجز تجوز بنفل والسوى منعوا وإن يكن منهما عجز فسو إذا … فرضا ونفلا ففيه الأمر متسع

стр. 1269

وأفتى ابن عرفة والقوري بصحة إمامة الشيخ القوس الظهر للسالمين، وقال البرزلي: وقعت، فأجريتها على إمامة صاحب السفن، والمشهور كراهة إمامته. وأفتى العبدوسي ببطلان صلاة المقتدين، به قال: لأنه راكع لا قائم. بدليل قول الشاعر: أليس ورائي إن تراخت منيتى … لزوم العصى تحنى عليها الأصابع أخبر أخبار القرون التي مضت … أدِبُّ كأني كلما قمت راكع وقد لقي العبدوسي الشيخ الأديب أبا زيد فنظر إليه وقد انحنى ظهره: فقال له يستدعي منه الشعر بديهة: لا تنحني يا شيخ لا تنحني، فأنشد ارتجالا يا سليل الكرام نفسي فداكا … قلت لا تنحني وأنت كذاكا خفض الظهر فاعل الدهر منا … مع حال عدمت منها انفكاكا ختم الله للجميع بخير … إنه قادر على فعل ذاكا وفي الشبراخيتي: قال شيخنا في حاشيته: والمذهب فتوى العبدوسي، وهو ما مشى عليه المصنف. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وعاجز عن ركن وإن مقوسا: وفاقا للعبدوسي، وخلافا للقوري. انتهى. أو بأمي إن وجد قارئ؛ يعني أن صلاة الأمي تبطل فيما إذا اقتدى بأمي مثله إن وجد قبل الدخول في الصلاة قارئ، وتبطل عليهما معا على الأصح، فإن لم يوجد قارئ صحت به. وفي المواق: فإن ائتم به أميون صحت صلاتهم، وهذا إن لم يجدوا من يصلون خلفه ممن يقرأ، وخافوا ذهاب الوقت. انتهى. ولو اقتدى أمي بأمي فطرأ بعد إحرام المقتدي وجود قارئ، فإنه لا يقطع. كما قاله ابن عرفة. والمراد بالأمي هنا من لا يقرأ، وفي قوله تعالى: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ من لا يقرأ الخط ولا يكتب لبقائه على حال ولادة أمه. وقال الشيخ بناني: قال سند: ظاهر المذهب بطلان

стр. 1270

صلاة الأمي إذا أمكنه الائتمام بالقارئ فلم يفعل، وقال أشهب: لا يجب الائتمام كالمريض الجالس لا يجب عليه أن يأتم بالقائم، واستدل له بالحديث: (يا رسول الله إنى لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فقال: قل سبحان الله (١)). الحديث. فلو كان الائتمام واجبا لأمره به. أو قارئ بكقراءة ابن مسعود؛ يعني أنه إذا اقتدى شخص بمن يقرأ بقراءة عبد الله بن مسعود ﵁ يخلط القرآن بالتفسير، فإن صلاة المقتدي باطلة لبطلان صلاة إمامه، ولو لم يوجد غيره؛ لأنه كمتكلم عمدا بكلام أجنبي، وأدخلت "الكاف" كل شاذ مخالف لرسم المصحف العثماني، كقراءة عمر: فامضوا إلى ذِكْرِ الله، فتبطل صلاة المقتدي بالقارئ بذلك لمخالفته مصحف عثمان المجمع عليه، وكذا من قرأ بما نسخ لفظه نحو: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، فتبطل صلاته وصلاة المقتدي به، بخلاف من قرأ بما نسخ معناه ولم ينسخ لفظه، فلا فرق بينه وبين ما لم يقع فيه نسخ بالكلية، وأما الشاذ الموافق لرسم المصحف العثماني فلا تبطل صلاة المقتدي بالقارئ به، وإن حرمت القراءة به فتصح للمقتدي لصحتها للإمام، وذلك نحو: "أساء" في قوله تعالى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾، فإنه قرئ شاذا فعلا ماضيا مهمل السين، والرسم العثماني لا نقط فيه ولا شكل، وقرأه السبعة مضارعا بشين معجمة، وجميع من قرأ من الصحب بالشاذ سمعوه كذلك منه ﷺ ، فلذا ساغ لهم أن يقرأوا بما خالف الرسم العثماني، لكنهم لم يسمعوا منه بعد ذلك ما كان يعرضه على جبريل كل سنة في رمضان مرة، إلا عام موته فمرتين، وعثمان ومن معه حفظوا ما ثبت بعد العرض، فمصحف عثمان ﵁ قطعي، وغيره خبر واحد لا قطعي. وفي كون الشاذ ما وراء السبعة أو ما وراء العشرة، رأيا ابن الحاجب، وابن السبكي وفي الشبراخيتي: قال في الحاشية: وكلام ابن السبكي هو الصحيح في الأصول، وكلام ابن الحاجب قول مرجوح في الأصول؛ وهذه مسألة أصولية. انتهى. واعلم أن ابن مسعود ﵁ كان يقرأ ويفسر في غير الصلاة، وفيها لا يفسر كما نص عليه غير واحد. أو

стр. 1271

عبد في جمعة؛ يعني أنه لا يصح الاقتداء بالعبد في الجمعة ولو ذا شائبة -كما للشيخ الأمير- لعدم وجوبها عليه، فأشبه المتنفل وإن أجزأته عن الظهر مأموما، ومفهوم قوله: "في جمعة"، أنه يصح الاقتداء بالعبد في غير الجمعة؛ وهو كذلك لأنه كان لعائشة ﵂ غلام يؤمها، وفي المدونة: قال مالك: لا يؤم العبد في حضر مساجد القبائل، ولا في جمعة أو عيد، وقال ابن القاسم: فإن أمهم في جمعة أو عيد أعادوا؛ إذ لا جمعة عليه ولا عيد: قال مالك: ولا بأس أن يؤم العبد في قيام رمضان: ويؤم في سفر إذا كان أقرأهم من غير أن يتخذ إماما راتبا. قاله المواق. وقال الشيخ عبد الباقي: وأما الاقتداء بالعبد في العيد فيصح على المعتمد، مع كراهة إمامته فيه وإن لم يكن راتبا. وسيأتي الكلام على إمامة العبد بأزيد مما هنا إن شاء الله تعالى عند قول المصنف: "وعبد بفرض" أو صبي في فرض؛ يعني أنه إذا اقتدى المكلف بصبي في فرض فإن صلاة المقتدي باطلة لفقد شرط البلوغ لأنه متنفل. واعلم أن الصبي لا يتعرض في صلاته لنية نفل ولا فرض، وإنما ينوي فعل الصلاة وله أن ينوي النفل، فإن نوى الفرض، فهل تبطل لأنه متلاعب أولا؟ في ذلك رأيان؛ هذا في صلاته هو في نفسه، وأما من اقتدى به فصلاته باطلة على الإطلاق. ويجاب عن حديث عَمرو بن سَلمة -بفتح عين عمرو: وسين أول سلمة، وكسر لامه- حيث أم قومه بمنع كونها فرضا أو قضية عين، وقال بعضهم: بل كان بالغا قريب العهد بالبلوغ، وقال الإمام أحمد: حديث عمرو ليس بالقوي دعه. ومفهوم قوله: "فرض"، أن إمامة الصبي بغيره؛ أي الفرض. تصح للبالغين، وإن لم تجز لهم ابتداء، وأما إمامة الصبي للصبي فجائزة في الفرض والنفل -كما يأتي- على أن الفرض نافلة في حق الصبيان. والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أن قوله: "وإن لم تجز"، مبالغة في الصحة؛ أي تصح صلاة البالغ المقتدي بالصبي في النافلة، وإن كان اقتداؤه به فيها لا يجوز ابتداء: وهذا الذي ذكره المصنف من عدم الجواز هو المشهور. وفي المختصر جواز ذلك. ابن ناجي على الرسالة: والعمل عندنا بأفريقية استمر على جوازه في التراويح. وهل بلاحن مطلقا؛ يعنى أن الشيوخ اختلفوا في صلاة المقتدي باللاحن على قولين مشهورين: أحَدُهُمَا أنه تبطل صلاة المقتدي به مطلقا في الفاتحة أو غيرها غيَّر المعنى، ككسر كاف إياك،

стр. 1272

وضم تاء أنعمت أم لا، وجد غيره أم لا، كثر أو قل، ولو لحنة واحدة. ثانيهما: أشار إليه بقوله: أو في الفاتحة؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن اللاحن يصح الاقتداء به إلا أن يلحن في الفاتحة فتبطل صلاة المقتدي به، فلو كان يلحن في السورة لصحت صلاة المقتدي به، وبقي على المصنف أربعة أقوال. فالأقْوَالُ ستة: الاثنان اللذان ذكر المصنف. ثالثها: إن غير المعنى بطلت وإلا فلا، كضم لام لله في الحمد لله. رابعها: أن ذلك مكروه واختاره ابن رشد. خامسها: يمنع ابتداء مع وجود غيره ويصح بعد الوقوع واختاره اللخمي. سادسها وهو أضعفها: الجواز ابتداء والأرجح الصحة مطلقا لاتفاق ابن رشد واللخمي عليها وإن اختلفا في الحكم ابتداء، ودليل الصحة: (مر رسول الله ﷺ بالوالي وهم يقرءون ويلحنون، فقال: نعم ما تقرءون، ومر بالعرب يقرءون ولا يلحنون، فقال: هكذا أنزل). ولا تقيد هذه الأقوال بعدم وجود من يؤتم به، ولا بعدم إمكان المتعلم لضيق الوقت أو لعدم وجود معلم. لكن قيد القول بالمنع ابتداء مع الصحة بعد الوقوع بوجود غيره؛ وهو القول الذي اختاره اللخمي، كما مر. قال الشيخ محمد بن الحسن: وحاصل المسألة أن اللاحن إذا كان عامدا بطلت صلاته وصلاة من خلفه باتفاق، وإن كان ساهيا صحت باتفاق، وإن كان عاجزا طبعا لا يقبل التعليم فكذلك لأنه ألكن، وإن كان جاهلا يقبل التعليم فهو محل الخلاف سواء أمكنه التعلم أولا، وسواء أمكنه الاقتداء بمن لا يلحن أولا، وأنَّ أرجح الأقوال فيه صحة صلاة من خلفه وأحرى صلاته هو. وأما حكم الاقتداء باللاحن فبالعامد حرام، وبالألكن جائز، وبالجاهل مكروه إن لم يجد من يقتدي به، وإلا فحرام -كما يدل عليه النقل- ولا فرق بين اللحن الجلي والخفي في جميع ما تقدم. قاله أبو علي. انتهى كلام الشيخ بناني. وهو تحرير عجيب، وجعل عبد الباقي من محل الخلاف أن يأتم باللاحن من هو أقرأ منه؛ بأن لا يلحن أصلا أو صوابه أكثر، قال بناني: هذا القيد إنما ذكره ابن يونس كما في الحطاب في القول الثاني عند المصنف، فَجَعْلُ عبد الباقي وعلي الأجهوري له من محل الخلاف، فيه نظر. انتهى. واعلم أن القول الأول من القولين الذين ذكر

стр. 1273

المصنف للقابسي، وقاله بعض المتأخرين تأويلا على المدونة، قال في البيان: وهو بعيد في التأويل، غير صحيح في النظر. واحتج القابسي بظاهر قول مالك: لا يحسن القرآن ولم يفرق بين أم القرآن وغيرها، قال: وهو واضح كمن ترك قراءة السورة عمدا، وهذا القول شهره ابن الحاجب. ابن رشد: معنى قوله في المدونة: لا يحسن القرآن؛ أي لا يحفظ ممه شيئا فلا يعرفه. والقول الثاني: وهو قوله أو في الفاتحة؛ أي كون الاقتداء باللاحن يصح إذا كان إنما يلحن في السورة، وأما إن لحن في الفاتحة فلا تصح صلاة المقتدى به غير المعنى أم لا، وجد غيره أم لا كثر أو قل لابن اللباد، ووافقه ابن أبي زيد، ورأى أن الإمام لا تصح صلاته أيضا. والقول الثالث: إليه ذهب ابن القصار وعبد الوهاب. والقول الرابع: وهو أن ذلك مكروه ابتداء، هو الذي ذهب إليه ابن حبيب: واختاره ابن رشد -كما مر- لأن القارئ لا يقصد ما يقتضيه اللحن، بل يعتقد بقراءته ما يعتقد بها من لا يلحن فيها، قال الإمام الحطاب: والذي يقتضيه كلام اللخمي وابن رشد أن صلاة اللاحن في نفسه صحيحة مطلقا، وإنما الخلاف في صلاة من اقتدى به؛ وهو الذي يقتضيه كلام ابن يونس. والذي يقتضيه كلام المازري، وعبد الحق، والصنف في التوضيح: أنه إذا بطلت صلاة المقتدي بطلت صلاة الإمام، وسبب الخلاف: هل يخرج اللحن الكلمة الملحون فيها عن كونها قرءانا ويلحقها بكلام البشر أولا يخرجها عن كونها قرءانا؟ تنبيهات: الأول: قد مر أن أصح الأقوال الستة القول بالصحة مطلقا، ويليه في الرجحان القولان اللذان ذكرهما المصنف. الثاني: قال الإمام الحطاب: إذا وقع اللحن من المصلي في الصلاة فلا يخلو، إما أن يكون سهوا أو غير سهو، فإن كان سهوا فلا شك أن ذلك لا يبطل مطلقا: وإن كان غير سهو فلا يخلو إما أن يكون عمدا مع القدرة على الإتيان بالصواب أو أتى به المصلي لعدم قدرته على الإتيان بالصواب، فإن كان ذلك مع القدرة على الإتيان بالصواب فلا شك في بطلان صلاته وصلاة من اقتدى به، لأنه تكلم بغير القرآن في الصلاة عمدا، وإن كان لعدم القدرة على الإتيان بالصواب، فإن كان لعجز طبيعي أو لضيق الوقت مع عدم القدرة على الائتمام بمن لا يلحن في الوجهين، فلا شك في

стр. 1274

صحة صلاته ويصير ذلك كاللكنة. ويجري الخلاف المتقدم في صلاة المقتدي به، وإن كان ذلك مع القدرة على التعلم أو إمكان الاقتداء فيجري الخلاف في صلاته على الخلاف فيمن عجز عن الفاتحة وقدر على الائتمام، هل تبطل صلاته أم لا؟ وتقدم أن في ذلك قولين، وأن ظاهر المذهب البطلان، وأشار المصنف إلى هذا، وقال ابن الحاجب: والظاهر أن من يمكنه التعلم كالجاهل في البابين، قال في التوضيح: يريد بالبابين اللحَّانَ والألكنَ؛ ويعني أنه إذا أمكن كل واحد منهما أن يتعلم فهو غير معذور. انتهى كلام الحطاب باختصار واقتصار. ويتحصل من كلام الحطاب أن محل الخلاف الذي ذكر المصنف في عاجز يقبل التعليم، ولم يجد معلما أو وجده، وضاق الوقت ولم يجد في الوجهين من يأتم به ممن لا يلحن، وأما إن اتسع الوقت وقبل التعليم ووجد من يعلمه، فإن صلاته باطلة على الراجح كعا لو وجد قارئا يأتم به. والله تعالى أعلم. واعلم أن كلام الحطاب هذا منتقد كما مر ما يفيده عن البناني والله تعالى أعلم. وعبارة الأمير هنا: وصح بلاحن إلا أن يتعمد مع الكراهة، وقال في السهو: وبلحن تعمده؛ بأن عرف الصواب وعدل عنه، ومثله من أمكنه المتعلم ففرط وغيره عاجز. الثالث: قال أبو حفص عمر بن مكي الصقلي: سألت أبا علي حلولو عن الصلاة خلف من يظهر النون الخفيفة والتنوين عند الياء والواو، فقال: تكره الصلاة خلفه؛ لأنه خرق الإجماع، وقرأ بما لم يقرأ به أحد. قاله الحطاب. ثم أتى بما يشهد لما تقدم عن الشيخ محمد بن الحسن؛ بأن الخلاف يدخل في اللاحن لحنا خفيفا. وقد مر بحث بناني مع الحطاب ومن تبعه في أن محل الخلاف الذي ذكر المصنف إنما هو مع عدم القدرة على الصواب، لضيق الوقت مع عدم القدرة على الائتمام بمن لا يلحن، والله سبحانه أعلم. وبغير مميز بين ضاد وظاء، قوله: "وبغير" معطوف على قوله: "بلاحن"؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا، هل تبطل صلاة مقتد بغير مميز بين ضاد وظاء، أو صاد وسين، أو زاي وسين، أو لا تبطل بذلك؟ وقوله: خلاف مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك خلاف، والأنسب بالمصنف أن

стр. 1275

يقول: كغير مميز بين ضاد وظاء، أو ومنه غير مميز ونحو ذلك؛ إذ هذه المسألة من أفراد ما قبلها، فتقرر بالبطلان مطلقا، أو في الفاتحة إذ هما القولان المتقدمان للمصنف. واعلم أن ابن رشد إنما حكى الاتفاق على صحة الاقتداء فيمن لا يميز بينهما طبعا وهو الألكن، لا فيمن لا يقدر على التعلم كما هنا. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ عبد الباقي: ويكره الاقتداء بلاحن لحنا خفيفا، ويقال له: خفي، وهو خطأ يعرض للفظ ولا يخل بالمعنى ولا الإعراب، كترك الإخفاء، والإقلاب، والغنة بخلاف الجلي؛ وهو خطأ يعرض للفظ، ويخل بالمعنى أو بالإعراب، كرفع المجرور، أو نصبه ففيه الخلاف المتقدم، وقد علمت الراجح فيه، وقد مر كلام بناني فراجعه إن شئت. وقوله: "خلاف". قال الشيخ عبد الباقي: إنه حذف لفظ خلاف من الأول لدلالة هذا عليه، واللحن في تكبيرة الإحرام أشد منه في الفاتحة للإجماع على اعتبارها في الصلاة دون القراءة، وقال ابن عرفة: وسمع ابن القاسم كراهة النبر في الصلاة؛ وهو إظهار الهمزة بكل موضع، ولذا جرى عمل قرطبة أن لا يقرأ إمام جامعها إلا بورش، وإنما ترك منذ زمن قريب. ويحتمل أنه الترجيع الذي يحدث معه نبر: ءا ءا، أو فعل بعض المقرئين من تخفيف الهمز، والروم، والإشمام، وإخفاء الحركة، وإخراج كل الحروف من مخارجها لشغل ذلك عن فهم حكمه وعِبَره وتدبره، قلت: هذا الاحتمال لا يليق لاتفاق كل القراء عليه وتواتره، ولا سيما إخراج الحروف من مخارجها حتى قيل ما قيل فيمن لم يفرق بين الضاد والظاء. انتهى. وأعاد بوقت في كحروري؛ يعني أن المصلي يعيد بوقت اختياري فيما إذا اقتدى بمبتدع مختلف في تكفيره، ومثلوا لذلك بالحروري واحد الحرورية، وهم قوم خرجوا على سيدنا علي ﵁ بحروراء، قرية من قرى الكوفة على ميلين منها، نقموا عليه قضية التحكيم، ونقموا بالميم بعد القاف؛ أي عابوا عليه، كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾، ومن قرأه بالضاد فقد صحف. وذلك أنه لما اتفق الفريقان على التحكيم فرضي جيش علي بأبي موسى الأشعري، وجيش معاوية بعمرو بن العاص، وأنه يجب عليهم المصير لما حكما به، عاب الخوارج على عَلِيٍّ التحكيمَ المذكور وكفروه قائلين: أنت على الحق فَلِمَ تُحَكِّم، لاعتقادهم أن من فعل ذنبا كفر. وقد أجمعوا على تكفير عثمان، وعلي، وعائشة، وطلحة، والزبير، ومعاوية، وعمرو بن العاص،

стр. 1276

وأصحاب الجمل، وأصحاب صفين، والحكمين، ومن رضي بحكمهما، وعلى تكفير أهل الكبائر ما لم يتوبوا. ويمنع الاقتداء بالحروري، وأدخلت الكاف كل بدعي اختلف في تكفيره ببدعته، كمنكر صفة العلم، وقوله: إنه عالم بالذات، وكقدري، ومعتزلي. وخرج القطوع بكفره؛ فإن الصلاة خلفه باطلة -كما مر- كمن زعم أن الله تعالى لا يعلم الأشياء مفصلة، بل مجملة، فالاقتداء به باطل كأهل الأهواء المفسرين للقرآن برأيهم، فالصلاة خلفهم باطلة. وخرج المقطوع بعدم كفره كذى هوى خفيف، كتفضيل عَلِي عَلَى سائر الصحابة فالاقتداء به صحيح. وفي المدونة: قال مالك: إذا أيقنت أن الإمام قدري أو حروري، أو غيره من أهل الأهواء، فلا تصل خلفه، ولا الجمعة، فأن أيقنته وخفته فصلها معه وأعدها ظهرا. ووقف مالك في إعادة من صلى خلف مبتدع، وقال ابن القاسم: يعيد في الوقت، والفرق بين ذلك أن الذي صلى تقية صلى على أن يعيد، ومن صلى على أن يعيد لا تجزئه الأولى، وأما الذي وقف فيه مالك فقد قصد الائتمام به على أن هذا فرضه ولا يعيد. فالصواب أن تجزئه. قاله المواق. وتحصل من كلام المصنف: أنه يشترط في الإمام في الفرض أن يكون مسلما، ذكرا: محققا، عاقلا، بالغا في الفرض، قادرا على الأركان، عارفا بما تصح به الصلاة، متطهرا لا محدثا إن تعمد، أو علم المأموم، حرا، مقيما في الجمعة، عدلا غير مأموم. ونظمها الشيخ إبراهيم، فقال: شرط الإمام أن يكون ذكرا … وغير عاجز عن الركن يرى بلوغه لكن بفرض ولتزد … في جمعة حرا مقيما بالبلد وأن يكون غير مأموم ومن … زاد عدالة فقوله وهن وقال بدل الأخير: وأن يكون غير مأموم ولا … معيدا الصلاة يامن كملا

стр. 1277

ولما فرغ ﵀ من باب شروط الإمام المشترطة في صحة إمامته، شرع يبين الأوصاف المكروهة، فذكر من تكره إمامته، واستطرد مسائل مكروهة ليست من مسائل الإمامة، فقال: وكره أقطع؛ يعني أنه تكره إمامة الأقطع؛ وهو الذي قطع منه عضو، يقال: قطع كفرح؛ فهو أقطع. وقوله: "وكره أقطع"، قال الشيخ إبراهيم: ولو حسن حاله وظاهره قطع في جناية أولا؛ لأن المأموم أكمل منه، وسواء كان القطع يمينا أو شمالا، باليد أو الرجل. والمراد بالأقطع غير الأعور، بدليل ما يأتي في قوله: "وجاز اقتداء بأعمى"، فالأعور من باب أولى، ومحل الكراهة إذا وجد غيره، وإلا فلا. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عاطفا على المكروه: ومنحن لكبر حتى صار كالراكع؛ أي قريبا منه. وأشل؛ يعني أنه تكره إمامة الأشل؛ أي يابس اليدَّ أو الرجل. قال الشيخ عبد الباقي عند قول المصنف: "وكره أقطع وأشل": أي إمامتهما عند ابن وهب، ولو لمثله -كما في النقل- خلافا لقول البساطي: ظاهر الروايات قصر الكراهة على غير مثله جاعلا ضمير غيره للثلاث وإن اقتصر عليه الشيخ. انظر نقل علي الأجهوري، عن ابن عرفة. ثم محل الكراهة حيث لا يضعانهما بالأرض، وإلا لم يكره. ثم كلامه ضعيف، والمعتمد قول مالك، والجمهور: عدم الكراهة مطلقا. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: والشلل يبدى في اليد أو ذهابها، يقال: شلت تشل بالفتح شلا وشللا، وأشلت وشلت مجهولين. قاله في القاموس. ثم قال: وعيني شلا: ذهب بَصَرُهَا. انتهى. والمراد هنا الأول الذي هو يبس في اليد: لا الثاني الذي هو ذهابها، ليلا يتكرر مع قوله: "أقطع"، ثم إنه على قول ابن وهب لابد من تقييد كراهة الأشل بما إذا كان لا يضع يده على الأرض، كما في نقل المواق والشارح، ويجرى مثله في أقطع اليد، كما يفيده كلام التتائي. وإنما كرهت إمامة الأقطع والأشل لأن كل واحد منهما عاجز عما يحاوله من اغتساله من الجنابة: ووضوئه، وزوال النجاسة. والصلاة أولى ما احتيط له، ولم تمنع لأن العيوب المانعة إنما هي في الأديان لا في الأبدان، ولقد أحسن الناظم حيث قال: مكمل الأعضاء خال عن شلل … ومن عروجة ومن كل العلل

стр. 1278

ثم إن ما مشى عليه المصنف من كراهة إمامة الأقطع والأشل هو قول ابن وهب وهو ضعيف، والمذهب عدم الكراهة فيهما كما في الجلاب، وصدر به ابن الحاجب وغيره وهو مذهب الجمهور. كما قاله صاحب الجواهر. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عن القسطلاني: إن شلت يده بفتح الشين، وضمها خطأ أو قليل: أو لغة ردية. انتهى. وقال الإمام الحطاب: من تكره إمامته قسمان، قسم تكره إمامته مطلقا أي سواء كان إماما راتبا أو لم يكن، وقسم تكره إمامته في حال منه إماما راتبا، وإن لم يكن راتبا فلا تكره. كما سيأتي بيانه، فمن القسم الأول: الأقطع والأشل، وهكذا قال ابن بشير، وصاحب العمدة: إن ذلك لا يمنع الإجزاء على المشهور، وظاهر رواية ابن وهب أن ذلك يمنع الإجزاء، واقتصر ابن الجلاب على نفي الكراهة. قال الشارح: وهو المذهب عند ابن شاس، وابن الحاجب، وغيرهما. وقال في مختصر الوقار: ولا يؤم الأشل، ولا الأقطع، ولا الأعرج الذي لا يثبت قائما. انتهى. وقال الشبيبي في المكروهات: أو أقطع اليد أو الرجل على أحد القولين. انتهى. وقال البرزلي بعد أن ذكر الخلاف في إمامة الأقطع، والأعرج، وصاحب السلس وغيرهم: ومنه مسألة من انحنى لكبر حتى صار كالراكع أو قريبا منه، فنقص قيامه كثيرا، وقد وقعت وأجريناها على هذا، وجوزه لي شيخنا الإمام، واحتج للجواز في القضية الواقعة، وكان يصلي خلفه لكبر سنة وصلاحه، وقدم هجرته في الطلب. انتهى. وأعرابي؛ يعني أنه يكره أن يؤم البدويُّ الحضريَّ خوف الطعن؛ لأنه ليس فيهم من يصلح للإمامة، أو لأنه من أهل الجفاء والغلظة، والإمام شافع والشفيع ذو اللين والرحمة، ولا فرق في الكراهة بين أن يكون البدوي عربيا أو عجميا. وقوله: لغيره؛ أي الحضري، راجع للأخير، وللبساطي: أنه راجع للثلاثة، فيكون المراد به السليم في الأوليين، والحضري في الثالث. وإن أقرأ؛ يعني أنه تكره إمامة البدوي للحضري ولو كان البدوي أقرأ من الحضري يحتمل أن يراد به أنه أفصح، ويحتمل أن يكون ما عنده من القرآن أكثر، ولو في سفر حضري، ولو بمنزل أعرابي كما لأبي الحسن، مستدلا بقول ابن سيرين: سافرنا مع عبد الله بن معمر وحميد بن عبد الرحمن، فمررنا بأهل ماء، فحضرت الصلاة، فأذن أعرابي، وأقام فتقدم حميد وكره أن يتقدم

стр. 1279

الأعرابي. انتهى. وقال الرماصي: يقدم الأعرابي رب المنزل، وقوله: "وإن أقرأ"، وكذا إن كان أعلم، وعبارة الشيخ الأمير: وكره أعرابي لبلدي وإن أعلم. انتهى. وفي المدونة: قال مالك: لا يؤم الأعرابي في حضر ولا في سفر، وإن كان أقرأهم. ابن حبيب: لجهله السنن، وهذا التعليل يقتضي المنع، وعلل غيره بنقص فرض الجمعة. وفضل الجماعة. الشيخ: إن أم أجزأهم، كمتيمم لمتوضئين كرهه مالك ولم يكرهه ابن مسلمة. انظر ابن عرفة. وذو سلس؛ يعني أنه تكره إمامة ذى السلس للصحيح، وهذا هو المشهور. وذكر ابن عطاء الله في إمامة المستنكح ثلاثة أقوال: بالإمامة، وعدمها، والثالث لا يؤم إلا أن يكون صالحا، مثل عمر ﵁. وذكر في التنبيهات هذه الأقوال الثلاثة. قاله الإمام الحطاب. ونَقَلَ عن سند عن ابن سحنون: أنه تكره إمامة ذي السلس، فإن صلى أجزأتهم كان المستنكَح يتوضأ لكل صلاة أم لا. انتهى. وقوله: "وذو سلس؛ أي معفو عنه في طهارة حدث أو خبث، وذلك بأن يخرج منه بعد طهره ما يعفى عنه. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. وقرح؛ يعني أنه تكره إمامة ذى القرح للصحيح أي القرح السائل العفو عنه، والقرح بالفتح والضم: عض السلاح ونحوه مما يخرج بالبدن، أو بالفتح الأثر، وبالضم الألم. قاله الشيخ إبراهيم. عن القاموس، وقد مر كراهة إمامة الماسح لغيره. وبما قررت علم أن قوله: لصحيح، راجع لذى السلس، ولذى القرح. والصحيح هنا هو السالم من السلس بالنسبة للأول، ومن القرح بالنسبة للثاني، فلوأم ذو السلس أو ذو القرح مثله فلا كراهة، وقيل: لا تكره إمامة ذي السلس والقرح كما صدر به القرافي، وضعف مقابله الذي هو القول بالكراهة، وعلى العفو يتخرج قول عمر ﵁: إني لأجد المذي في الصلاة على فخذي يتحدر كتحدر اللؤلؤ، فما أنصرف حتى أقضي صلاتي؛ يعني أنه كان مستنكحا له في آخر عمره. وأما صلاة غيره بثوبه، فاقتصر في الذخيرة على عدم الجواز، وحكى البرزلي: فيه قولين، قال صاحب الذخيرة: إنما عفي عن النجاسة للمعذور خاصة، فلا يجوز لغيره أن يصلي بثوبه، وقول الذخيرة الذي تقدمت الإشارة إليه هو: إذا عفي عن الأحداث في حق صاحبها عفي عنها في حق غيره، وقيل: لا يعفى على القول الضعيف. وقال الرماصي تقييد المصنف الكراهة بالصحيح تبع فيه ابن الحاجب، مع أنه

стр. 1280

في التوضيح تعقبه؛ بأن ظاهر عياض وغيره أن الخلاف لا يختص بإمامة الصحيح، ثم قال: وبالجملة فتقييد المصنف بالصحيح فيه نظر؛ وقد خالف ابن بشير وابن شاس في التقييد، وأطلقا. وأما ابن عبد السلام وابن عرفة فقد أقرا كلام ابن الحاجب. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المكروه: وذو سلس وقرح لصحيح بناء على عدم تعدي الرخصة عن وجهها، ولابد من أصل التعدي، وإلا بطل كصلاة غيره بثوبه. انتهى. وإمامة: من يكره؛ يعني أنه تكره إمامة من يكره القومُ أن يؤمهم إذا كرهوه لأمر ديني، وكرهه يسير ليسوا من أهل الفضل والنُّهى، فإن كرهه الجماعة أو أكثرهم أو ذو الفضل منهم والنُّهى، وجب تأخره واستأذن ندبا إن خشي الكراهة، وإن علم أنهم مقرُّون له بالفضل والتقدم لم يستأذنهم لما فيه من التعرض للثناء، وهذا في أهل محلته. وأما الطارئ فلغو كما لابن رشد، وظاهره: ولو علم كراهتهم، كما في شرح الشيخ عبد الباقي من أنه: إذا علم كراهة الطارئين لإمامته، جرى على البلديين فيه نظر. واحترزت بقولي: "لأمر ديني"، عما لو كرهوه لدنياه أو لدينه، في نحو القاضي العدل الذي تقرب الأباعد في الله فيه، وتبعد القرباء لم تكره إمامته. وقد روي أن رسول الله ﷺ (لعن ثلاثا رجلا أم قوما وهم له كارهون وامرأة بات زوجها عليها ساخطا ورجلا سمع حي على الفلاح فلا يجيب (١)). وعن عمر ﵁: لأن أقرب فتضرب عنقي أحب إلي من أن أؤم قوما وهم لي كارهون، والكراهة هنا متعلقة بالإمام والمأموم؛ لأن كراهة الإمامة تستلزم كراهة الاقتداء، وجوازُها جوازَه، وكذا العكس، كما أفاده الرماصي، وغيره. وقد عبر ابن عرفة بالإمامة في الموضع الذي عبر فيه ابن شاس بالائتمام، إشارة إلى أنه لا فرق. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل أن يؤم قوما إلا بإذنهم (٢)). انتهى. وقال الشيخ الأمير

стр. 1281

عاطفا على المكروه: وإمامة من يكرهه أقلُّ، غير فاضل، حال من أقل، وإلا بأن كرهه الكل أو الجل أو الفاضل، حرم لما ورد من لعنه (١))، ولقول عمر: لأن تضرب عنقي أحب إلي من ذلك. ولما ذكر من تكره إمامته وإن لم يترتب ذكر ما يكره أن يترتب، فقال: وترتب خصي؛ يعني أنه يكره أن يكون الخصي إماما راتبا في الفرائض بحضر. وهو فعيل بمعنى مفعول، كجريح بمعنى مجروح، والمراد به هنا مقطوع الذكر أو الأنثيين أو هما معا كما في الشبراخيتي. ولا كراهة إن أم لا على رجه الترتب، أو ترتب بسفر. أو قيام رمضان. المازري: نقص الخلقة إن كان لا تعلق له بالصلاة، فإن كان مقربا من الأنوثة، فكره ملك إمامته في الفرائض إمامة راتبة. انتهى. ومابون: يعني أن المابون يكره ترتبه للإمامة، هذا ظاهره إن لم يكن صريحه، وقوله: "مابون"، فُسِّر بالذي يتكسَّرُ تكسُّرَ النساء قولا وفعلا؛ وهو صالح في نفسه؛ لأن ذلك مما يُسرِعُ إليه طعن الألسنة. قاله الشيخ إبراهيم، وبضعيف العقل؛ وكأنه على هذا أخف شأنا من المعتوه، وحينئذ فالمراد به من به تغفل أو يقع له غبن في بيعه أو ابتياعه، لا الذي يؤتى في دبره، فإنه أرذل الفاسقين. وبأن المراد به من فعل به ذلك ثم تاب وبقيت الألسن تتكلم فيه، وبالمتهم وهو أبين لمساعدة اللغة العربية، ففي البخاري في (حديث الذي رقى سيد الحي: فقام رجل ما كنا نأبُنه برقية فرقاه بالفاتحة (٢))، قال السخاوي في شرح الألفية: نأبنه بكسر الموحدة وضمها؛ أي نتهمه برقية. انتهى. فقد صحف من قرأه بزنية إنما هو رقية بالراء والقاف، واحدة الرقى، وهذا التفسير هو الأحسن، ومعناه الذي يتهم بفاحشة ولو بالإتيان في دبره إذا لم يتحقق ذلك منه، وإنما هو مجرد الشك بفاحشة حتى في إتيانه. نقله في الإسلام. قال الشيخ عبد الباقي: وفسر بمن به العلة في دبره بحيث يشتهي ذلك دون نفعه، وبمن به داء ينفعه ذلك أي لا ينفعه غيره. وقولي: أي لا ينفعه غيره، تحرز عن دفع داء أُبْنَتِه بخشبة، كما كان يفعل اللعين أبو جهل؛

стр. 1282

لابتلائه بها، فلا يكون المسلم المندفعة عنه بالخشبة ممن تكره إمامته. انتهى. واعلم أن من به تلك العلة التي لا ينفعها إلا اللواط، لا ينتفي عنه الرجم بشروطه على ظاهر ما يأتي في مبحث الرجم، فلا يقال: الضرورات تبيح المحظورات. وأغلف؛ يعني أن الأغلف يكره ترتبه للإمامة، وأما إمامته بلا ترتب فلا تكره، وهكذا قال ابن الحاجب، ولكن النص كراهة إمامته راتبا أم لا، والأغلف بالغين المعجمة وبالقاف بدلها، هو من لم يختتن، وقوله: "وأغلف"، سواء ترك الاختتان لعذر أو لغيره، ولا يعيد من صلى خلفه. كما قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. وولد زنى؛ يعنى أنه يكره ترتب ولد الزنى للإمامة، وفي المدونة: قال مالك: أكره أن يتخذ ولد الزنئ إماما راتبا. أبو عمر: هذا خوف أن يعرض نفسه للقول فيه؛ لأن الإمامة موضع رفعة وكمال، ينافس فيها ويحسد عليها. قاله المواق. وروى النسائي، وابن حبان، وأبو نعيم في الحلية عنه ﷺ : (لا يدخل الجنة ولد زنية (١)). انتهى. وهي بكسر الزاي وفتحها لغة، وهو مصروف عن ظاهره، وقد [أعلَّه] (٢) الدارقطني بأنه ورد من رواية مجاهد عن أبي هريرة، ولم يسمع مجاهد عن أبي هريرة، ويعارضه ما رواه الحاكم وصححه من قوله ﷺ : (ولد الزنى ليس عليه من وزر أبيه شيء (٣))، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وزعم ابن الجوزي: أن الحديث الأول موضوع، قال الحافظ السخاوي: ليس بجيد، وكونه لا يحمل على ظاهره متفق عليه، فمنهم من حمله على ما إذا عمل بعمل أبيه، ومنهم من قال: المراد به من يواظب على الزنى، كقولهم للشهود: أبناء صحف، وللشجعان: أبناء الحرب، وأحسن ما أجيب به عنه -والله اعلم- أنه لا يدخل الجنة بعمل أصليه لقطع

стр. 1283

نسبه عن الأب، ولشؤم زنى أمه، وإن صلحت منع من وصول بركة صلاحها إليه، بخلاف ولد الرشد فإنه إذا مات طفلا وأبواه مؤمنان، ألحق بهما، وبلغ درجتهما بصلاحهما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾. الآية. وأخرج البيهقي من طريق أبى هريرة ﵁، أنه ﷺ قال: (ولد الزنى شر الثلاثة، فسرته عائشة بأنه رجل بعينه كان يؤذي النبي ﷺ ، وقالت: هو من المنافقين (١)) قاله الشيخ إبراهيم. ومجهول حال؛ يعني أنه يكره ترتب مجهول الحال للإمامة، ومعنى مجهول الحال: لا تعرف عدالته من فسقه، وهذا الذي قررته به من أنه يكره ترتبه هو ظاهره؛ وهو الذي للشبراخيتي، والأمير؛ فإنه قال: وترتب خصي، وأغلف، وولد زنى، ومجهول حال في الدين أو النسب، إلا أن يرتبه عادل أو المسلمون؛ وهو خلاف ما للشيخ عبد الباقي؛ فإنه قال: وكره ائتمام بشخص مجهول حال، هل هو عدل أو فاسق؟ إلا أن يكون راتبا فلا يكره أن يؤتم به، ثم قال: وكمجهول الحال مجهول الأب، قال الشارح. وفي المدونة: كراهة إمامة ولد الزنى راتبا، قال سند: وكذلك المجهول الأب ليلا يؤذى بالطعن في نسبه. انتهى. وقوله: وكمجهول الحال مجهول الأب، فيه نظر، بل مجهول الأب كولد الزنى، كما هو صريح كلام سند الذي نقله عن الشارح عقب كلام المدونة. انظر حاشية الشيخ بناني. واعلم أن أولاد الجاهلية يلحقون بآبائهم من نكاح أو سفاح، فلذا كانت الصحابة يصلون خلف الموالي، ومن أسلم من غير استفسار. والله سبحانه أعلم. وما مر عن عبد الباقي من كراهة إمامة مجهول الحال مطلقا ترتب أم لا، يوافق نقل الحطاب فإنه قال: قال ابن حبيب: ينبغي للرجل أن لا يأتم إلا بمن يعرفه إلا أن يكون إماما راتبات وقال ابن عرفة: الزاهي لا يؤتم بمجهول، وقال ابن حبيب عن الأخوين، وأصبغ، وابن عبد الحكم: لا ينبغي أن يؤتم بمجهول إلا أن يكون راتبا بمسجد، قال ابن عرفة: قلت: إن كانت تولية أيمة المساجد لذي هوى لا يقوم فيها

стр. 1284

بموجب الترجيح الشرعي لم يؤتم براتب فيها إلا بعد الكشف عنه، وكذا كان يفعل من أدركته عالما دينا انتهى. وعبد بفرض؛ يعني أنه يكره أن يكون العبد إماما راتبا في الفرائض، وهذا هو المشهور، وهو مذهب المدونة. قاله الإمام الحطاب. ومقتضاه أن قوله: "بفرض"، راجع للعبد فقط، وقال الشيخ محمد بن الحسن: جعل ابن القاسم إمامة العبد على ثلاثة منازل: جائزة، ومكروهة، وممنوعة. فأجاز أن يكون إماما راتبا في النوافل، وإماما غير راتب في الفرائض، وكره أن يكون راتبا في الفرائض وإماما في السنن، كالعيدين، والخسوف، والاستسقاء؛ فإن أم في ذلك أجزأت، ولم يؤمروا بالإعادة، ومنع أن يكون إماما في الجمعة. انتهى. ونحوه قول ابن عرفة ونصه: ويؤم العبد في النفل راتبا كالقيام والفرض غير راتب، وفي كراهته فيه راتبا، ثالثها: إن كان أصلحهم لم يكره لابن القاسم، وعبد الملك، واللخمي. وقال الشبراخيتي، والخرشي: إن قوله: "بفرض"، راجع للست، قالا: ومثله السنن لا كتراويح. انتهى. واعلم أن كل من تقدم أن إمامته مكروهة، إما مطلقا، وإما في حال دون حال، محله مع وجود من هو أولى منه، فإن لم يوجد سواه أو لم يوجد إلا مثله جازت قولا واحدا. قاله غير واحد. وصلاة بين الأساطين؛ يعني أنه تكره الصلاة بلا ضرورة بين الأساطين؛ أي الأعمدة، جمع أسطوانة، وكرهت الصلاة بينها لأنها مأوى الشياطين، فلا يأمن المصلي فيه من عبثهم، وهذا يلحق المنفرد والمصلي في جماعة، أو لأنه موضع جمع النعال. ورد بأن وضعها فيه محدث أو لتقطيع الصفوف، ورد بقول أبي الحسن: موضع السواري ليس بفرجة، وأبو الحسن تكلم على سواري بلده فاس؛ وهي أبنية غليظة. أو أمام الإمام؛ يعني أنه تكره الصلاة أمام الإمام؛ أي قُدَّامه بلا ضرورة، وكذا تكره الصلاة محاذاة الإمام، وقوله: "أو أمام الإمام"، وتصح ولو تقدموا كلهم، كما هو ظاهر عياض، والمصنف. ونقل المواق: ويفيده ما نقله ابن ناجي عن ابن العربي كما في الشبراخيتي. وأماما في الحطاب عن ابن عزم من البطلان حيث تقدموا كلهم، فردَّه الشيخُ محمد بن الحسن بقول المازري: إذا وقف

стр. 1285

المأموم بين يدي إمامه لم تبطل صلاته عندنا، خلافا للشافعي في أحد قوليه، ودليلنا أن مخالفة الرتبة لا تفسد الصلاة كما لو وقف عن يسار الإمام، فإن صلاة المأموم لا تبطل. وقال أبو الحسن على قول المدونة. وإن صلى الإمام بالناس في السفينة أسفل وهم فوق لأجزأهم (١) إذا كان إمامهم قدَّامهم ما نصه: مفهومه لو لم يكن قدامهم لم يجزهم وليس كذلك، بل هي مجزئة ولو لم يكن قدامهم: وإنما المعنى إذا كان قدامهم تجزئهم بلا كراهة. انتهى. وفي المدونة: قال مالك: لا بأس بالصلاة في دور محجورة بصلاة الإمام في غير الجمعة إذا رأوا عمل الإمام والناس مِن كُوًى لها أو مقاصير. أو سمعوا تكبيره فيكبروا ويركعوا بركوعه ويسجدوا بسجوده، فذلك جائز. وقد صلى أزواج النبي ﷺ في حجرهن بصلاة الإمام، قال مالك: ولو كان الدور بين يدي الإمام كرهت ذلك، فإن صلوا فصلاتهم تامة. وبما قررت علم أن قوله: "بلا ضرورة"، راجع للمسألتين؛ أعني قوله: "وصلاة بين الأساطين"، وقوله: "أو أمام الإمام"، ومفهوم قوله: "بلا ضرورة"، أنه لا كراهة مع الضرورة؛ وهو كذلك فلا تكره الصلاة بين الأساطين إذا ضاق المسجد، فقد قال الإمام مالك: لا بأس بالصلاة بين الأساطين إذا ضاق المسجد. ابن عرفة: مفهوم المدونة إن كان المسجد متسعا كرهت الصلاة بين الأساطين، وقال في المبسوط، لا تكره، وكره ابن مسعود الصلاة بين السواري، يريد إذا كان المسجد متسعا. قاله المواق. ولا تكره الصلاة أمام الإمام مع الضرورة، كضيق المكان ونحو ذلك، كنجاسة أو خوف. والله سبحانه أعلم. وقوله: "أو أمام الإمام"، في الشارح: في الصغير: إن تقدموا كلهم فلا يجوز لهم اتفاقا، وفي كبيره: إجماعا. واقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها؛ يعني أنه يكره لغير ضرورة أن يقتدي مَن بأسفل السفينة بمن بأعلاها لعدم تمكنهم من مراعاة إمامهم: والعلو في السفينة ليس بمحل للكبر أي شأنه ذلك فلا يعارض ما يأتي، وأما عكس كلام المصنف؛ وهو اقتداء من بأعلى السفينة بمن بأسفلها، فسيأتي في قول المصنف: "وعلو مأموم ولو بسطح"، ويجوز اقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها مع الضرورة من غير كراهة، ومن المدونة قال مالك: وإذا صلى الإمام في السفينة والناس فوق

стр. 1286

سقفها فلا بأس إذا كان إمامهم قدامهم، ولا يعجبني أن يكون فوق السقف والناس أسفل، ولكن يصلي الذين فوق السفينة بإمام، والذين أسفل بإمام. قاله المواق. كأبي قبيس؛ يعني أنه يكره لمن كان على أبي قبيس أن يصلي بصلاة الإمام بالمسجد الحرام؛ وهو من الجهة الشرقية عن البيت، ومثله من على قُعَيْقِعَانَ من الجهة الغربية، فيكره لمن على واحد منهما أن يقتدي بإمام المسجد الحرام مخافة أن لا يضبط فعل الإمام، فلا ينافي ما يأتي من جواز علو المأموم الإمامَ. وقعيقعان كزعيفران: جبل بمكة، سمي بذلك؛ لأن جُرْهُمًا تجعل فيه أسلحتها فتقعقع فيه. ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يعجبني أن يصلي على أبي قبيس وقعيقعان بصلاة الإمام بالمسجد الحرام. ابن بشير: واختلف الأشياخ في صلاة من فعل ذلك، فمنهم من قال بالصحة، ومنهم من قال بالبطلان؛ وهو خلاف في حال، فإن أمكنهم مراعاة فعل الإمام صحت، وإن تعذر عليهم ذلك بطلت، وأما من صلى على أبي قبيس وقعيقعان وحده فصلاته تامة وإن كان يعلو الكعبة؛ لأن الكعبة من الأرض إلى السماء. وكيف قالوا بالكرهة؟ مع أنه لو طرأ على الإمام سهو لم يعرفه مَنْ هناك. قاله الإمام الحطاب. وقال بعد جلب نقل: فيتحصل من هذا أن الصلاة لمن كان بأبي قبيس مقتديا بصلاة الإمام مكروهة على ما قال ابن القاسم، وهي صحيحة ما لم يتعذر عليه مراعاة أفعال الإمام، فلا شك في البطلان، وليس هذا معارضا لقول المصنف في الجائزات: وعلو مأموم ولو بسطح، لكثرة البعد هنا فتعسر المراعاة لأفعال الإمام وإن أمكن ذلك فبتكلف، وربما أدى إلى شغل البال بذلك. انتهى. وصلاة رجل بين نساء؛ يعني أنه يكره أن يصلي الرجل بين النساء، وأولى خلفهن. وبالعكس؛ يعني أنه يكره أن تصلي المرأة بين الرجال، وشمل كلامه المحرم وغيرها، ولا يفسد غير المحرم صلاتها، ولا صلاة رجل معها إلا أن تؤدي لنقض طهارة بكمذي تحقيقا أو شكا وقال الإمام أبو حنيفة: تفسد على واحد عن يمينها، وآخر عن يسارها، وعلى من خلفها ممن يقابلها إلى آخر الصفوف، وعلى نفسها إن نوى الإمام دخولها في إمامته، وعلى الإمام لخبر: (أخروهن من حيث

стр. 1287

أخرهن الله (١)). وقوله: "وصلاة رجل بين نساء"، وبالعكس، الأولى أن يراد بالرجل المفرد وبالمرأة المفرد، ليلا يكون في العبارتين تداخل. والله سبحانه أعلم. وقال في النوادر: ومن العتبية روى موسى عن ابن القاسم قال: قال مالك: وإن صلى رجل خلف النساء أو امرأة خلف الرجال كرهته، ولا تفسد صلاة أحد منهم. انتهى. وقال الشبيبي -لما عد مكروهات الصلاة في باب أوقات الصلاة وأسمائها-: وصلاة الرجل خلف صفوف النساء، والمرأة أمام صفوف الرجال، وصلاة كل واحد منهم بجنب الآخر انتهى. قاله الإمام الحطاب. وإمامة بمسجد بلا رداء؛ يعني أنه يكره لأئمة المساجد ترك الرداء في الصلاة بالناس، وإن كان على أكتافه غيره: وكره لكل مصل غير الإمام تركه إن كان ليس على كتفيه شيء: وإلا استحب له من غير كراهة في تركه. كما أنه لا يكره تركه لإمام في غير مسجد كمسافر أو بمنزلة أو غير ذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الإمام الحطاب: قال في أول رسم من كتاب الجامع: وأما الصلاة في المساجد والجماعات فيكره ترك الالتحاء بالعمائم فيها، ويقال: إن ذلك من بقايا عمل قوم لوط. انتهى. ومن المدونة قال مالك: أكره لأئمة المساجد الصلاة بغير رداء، إلا إماما في السفر أو في داره أو بموضع اجتمعوا فيه، وأحب إلي أن يجعل على عاتقه عمامة إذا كان مسافرا أو في داره. وتنفله بمحرابه؛ يعني أنه يكره للإمام تنفله بمحرابه؛ أي المسجد، كما قاله غير واحد، أو الإمام كما يأتي قريبا إن شاء الله. وقوله: "وتنفله بمحرابه"، يريد: وجلوسه به على هيئة الصلاة من غير صلاة، والمطلوب منه أن ينحرف، (وكان ﷺ إذا صلى صلاة أقبل على الناس بوجهه (٢))، قال الثعالبي: وهو السنة، ونحوه لابن أبي جمرة وصاحب المدخل، لا ما يراه بعض أهل التشديد في الدين من قيامه بمجرد فراغه كأنما ضرب بشيء يؤلمه، ويفوته بذلك خير استغفار الملائكة له ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث؛ يعني الحدث المبطل للوضوء، يقولون: (اللهم اغفر له اللهم ارحمه (٣)). وهو يفيد أن المطلوب عدم قيامه من محرابه،

стр. 1288

وأنه يغير هيئته، وحديث ابن مسعود: (كان ﷺ إذا قضى صلاته انفتل سريعا) للتشريع. انظر الخرشي. والشبراخيتي. وقال عبد الباقي: قال سعيد بن جبير: يشرق أو يغرب؛ يعني الإمام بعد سلامه، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها. وفي المدخل: ويستحب تنفل المأموم في غير موضع الفريضة، وعلى قياسه يستحب تحوله إلى مكان آخر كلما صلى ركعتين. قاله الحطاب. وفي المدونة خلاف هذا، ففيها: قال مالك: لا يتنفل الإمام بموضعه، وليقم عنه بخلاف الفذ والمأموم فلهما ذلك. انتهى. ويكره القيام للنافلة إثر سلام الإمام من غير فصل بالمعقبات وآية الكرسي؛ أي يكره للإمام والمأموم، وكذا ينبغي. وقد جذب عمر ﵁ من فعل ذلك وضرب به الأرض، وقال: ما أهلك من كان قبلكم إلا أنهم كانوا لا يفصلون بين الفرض والنفل، فسمع المصطفى ﷺ مقالته ﵁، فقال: (أصاب الله بك يا عمر (١)). وفي الشبراخيتي: قال في الحاشية: قوله: "بمحرابه"؛ أي بمحراب الإمام؛ أي بموضع الصلاة، كان في مسجد أو غيره، في حضر أو سفر، وهذا أولى. انتهى. ومر عن المدونة قريبا نحوة، وقال مالك: وإذا سلم إمام في مسجد الجماعة أو مسجد القبائل، فليقم ولا يقعد في الصلوات كلها إلا أن يكون إماما في سفر أو في فنائه، فإن شاء تنحى أو أقام. وذكر البخاري عن ابن عمر في باب مكث الإمام في مصلاة بعد السلام أنه: كان يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة. قال: وفعله القاسم، قال: (وكان رسول الله ﷺ إذا سلم يمكث في مكانه يسيرا (٢)). وقال ابن مسعود ﵁: (كان رسول الله ﷺ إذا قضى الصلاة انفتل سريعا، إما أن يقوم وإما أن ينحرف). وقال في صحيح البخاري: (كان رسول الله ﷺ في بعض الصلوات يستقبل الناس بوجهه بعد السلام لعبارة رؤيا أو غيرها (٣))، قال شارح البخاري: فعل ذلك عوضا من قيامه من مصلاة. لأن قيامه إنما هو ليعرف الناس بفراغ

стр. 1289

الصلاة، وقد تقدم كلام المدونة: فليقم ولا يقعد. ابن بشير: قيل؛ لأنه موضع فضيلة وإنما استحقها بمرتبة الإمامة، فإذا انقضت صار كالمعزول عنها، وعلى هذا يزول عن موضعه بلا حد، وقيل: ليراه من لا يسمع تسليمه فيعلم انقضاء الصلاة، فعلى هذا إن قام أو تزحزح عن موضعه بحيث يبصره أجزأه. وفي الرسالة: إذا سلم الإمام فلينصرف، قال الجزولي: معنى هذا الانصراف تغيير هيئته. وفي الحطاب: ورأيت بخط بعض طلبة العلم عن ابن الفخار: وأما المأموم فهو مخير بين أن يجلس أو ينصرف. وإعادة جماعة بعد الراتب؛ يعني أنه يكره أن تصلي جماعة بإمام في المسجد بعد صلاة الإمام الراتب فيه، وقوله: "وإعادة جماعة"، عبر بالإعادة باعتبار صلاة الإمام قبلهم، وإلا فهم ليسوا معيدين. ولو قال: وإمامة، كان أولى. ومفهوم قوله: "جماعة". أن الفذ لا تكره صلاته بعد الراتب للصلاة التي صلاها الراتب ما لم يعلم تعمده لمخالفة الإمام بتقديم أو تأخير. فيمتنع. وقوله: "بعد الراتب"؛ أي بعد صلاة الإمام الراتب. فيكره أن تصلي جماعة بإمام تلك الصلاة، سواء كان لغيرها إمام راتب أم لا، وقوله: "وإعادة جماعة بعد الراتب"؛ أي في مسجد، وما نزل منزلته من كل مكان جرت العادة بالجمع فيه كسفينة ودار، ومفهوم قوله: "بعد الراتب"، أن إعادة الجماعة بعد غير الراتب لا تكره؛ وهو كذلك حيث لا راتب أو كان راتب في بعضها: وأريد فعلها فيما هو غير راتب فيه، فلا كراهة في إقامة جماعة فيه مرة واحدة، وكذا أخرى في رواية أشهب. واختارها اللخمي، والمازري، وابن عبد السلام، ويكره في رواية ابن القاسم، والخلاف في المسألة الثانية: وأما الأولى؛ أي حيث لا راتب، فلا كراهة ولو تكررت الإعادة. وقوله: "بعد الراتب"، وكذا قبله، وحرم معه. وقوله: "بعد الراتب"، محله إذا صلى الراتب في وقته العلوم، فلو قدم عن وقته العلوم فإنهم يعيدون فيه جماعة. تنبيه: اختلفت الفتاوي في مسألة المسجد الحرام، وهي ترتب أربعة أئمة على المذاهب الأربعة، بإذن السلطان أحدهم عند المقام؛ وهو الذي يصلى أولًا وكل واحد في موضعه العلوم، فإذا فرغ صلى الذي يليه ثم كذلك، فأفتى بعضهم بالجواز محتجا بأن مقاماتهم كمساجد متعددة لأمر الإمام بذلك، وأفتى بعضهم بالمنع محتجا بأن الذي اختلفت الأئمة فيه إنما هو مسجد له إمام

стр. 1290

راتب وأقيمت الصلاة فيه، ثم جاء آخرون وأرادوا إقامة تلك الصلاة جماعة فهذا موضع الخلاف، فأما حضور جماعتين أو أكثر في مسجد واحد ثم تقام الصلاة، فيتقدم الإمام الراتب فيصلي وأولئك عكوف من غير ضرورة تدعوهم لذلك، تاركون إقامة الصلاة مع الإمام متشاغلون بالنوافل أو بالحديث حتى تنقضي صلاة الأول، ثم يقوم الذي يليه، وتبقى الجماعة الأخرى على نحو ما ذكرنا فالأئمة مجتمعون على أن هذه الصلاة لا تجوز. قال الرماصي بعد هذا: فقد ظهر أن المسألة المتنازع فيها ليست هي مسألة المصنف، وقال الإمام الحطاب بعد جلب كلام المجيزين والمانعين وما قاله هؤلاء الأئمة يعني المانعين، ظاهر لا شك فيه؛ إذ لا يشك عاقل في أن هذا الفعل المذكور مناقض لمقصود الشارع من مشروعية صلاة الجماعة، وهو اجتماع المسلمين، وأن تعود بركة بعضهم على بعض، ولا يؤدي ذلك إلى تفريق الكلمة، ولم يسمح الشارع بتفريق الجماعة بإمامين عند الضرورة الشديدة؛ وهي حضور القتال مع عدو الدين، بل أمر بقسم الجماعة وصلاتهم بإمام واحد. وقد أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بهدم مسجد الضرار لما اتخذ لتفريق الجماعة، ولقد أخبرني والدي ﵀ عن بعض شيوخه أنه كان يقول: فعل هؤلاء الأئمة في تفريق الجماعة يشبه فعل مسجد أهل الضرار. انتهى المراد منه. وقوله: "وإعادة جماعة بعد الراتب"، وكذا قبله، كما مر. والظاهر حصول فضل الجماعة للمصلي بعد الراتب وقبله، كما قالوا في الصلاة في الدار المغصوبة يثاب عليها من جهة، ويأثم من جهة. وكما قاله ابن رشد في تنفل من عليه فوائت، قاله الشيخ محمد بن الحسن: ولو صلى جماعتان بإمامين في مسجد واحد معا أساءوا وصحت صلاتهم كما مر، وفي الحطاب عن القاضي: أن الجماعة إذا كانت بموضع لا يجوز لها أن تفترق طائفتين فتصلي كل طائفة منها بإمام على حدة، لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ألا ترى أن الله تعالى لم يبح ذلك للغزاة مع شدة الخوف؟ وشرع لهم أن يجمعوا على إمام واحد، ولهذا إذا كان قوم مجتمعون في سفينة لا يجوز لهم أن يتفرقوا على طائفتين في الصلاة، فإذا نزل بعضهم فأقام الصلاة الذين بقوا في السفينة، فإذا جاء الذين نزلوا كره لهم أن يجمعوا الصلاة

стр. 1291

لأنفسهم، وأجاز في المدونة أن يصلي الذين فوق سقف السفينة بإمام والذين تحته بإمام؛ لأنهما موضعان فليس بخلاف لهذا. وإن أذن مبالغة في كراهة إعادة الجماعة بعد الراتب؛ يعني أن إذن الإمام الراتب للجماعة في الإعادة بعده لا ينفي الكراهة المذكورة لتفريق الجماعة، أو تطرق أهل البدع بالتأخير حتى يجمعوا مع إمامهم أو لإذايته، والتعليل في الثلاث بالمظنة، وقال بعضهم: إذا انتفى الأولان جازة وقوله: "وإعادة جماعة"، الخ جزم المصنف بالكراهة فيه تبعا للرسالة وابن الجلاب، وعبر اللخمي وابن بشير وغيرهما بالمنع؛ وهو ظاهر المدونة. وما أحسن قول ابن العربي عند قوله سبحانه: ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ يعني أنهم كانوا جماعة واحدة في مسجد واحد، فأرادوا أن يفرقوا شملهم في الطاعة، وهذا يدلك على أن المقصود الأكبر والغرض الأظهر من وضع الجماعة، تأليف الكل على الطاعة، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة، حتى يقع الأنس بالمخاطبة، وتصفو القلوب من وضر الأحقاد والحسد، ولهذا المعنى تفطن مالك في أنه لا تعاد جماعة بعد الراتب خلافا لسائر العلماء حين كان ذلك تشتيتا للكلمة وإبطالا لهذه الحكمة، فيقع الخلاف، ويبطل النظام، وخفي عليهم، وهكذا شأنه معهم، وهوأثبت قدما منهم في الحكمة، وأعلم بمقاطع الشريعة. قاله المواق. وقوله: وإن أذن، قال ابن بشير: إن عللنا المنع بأنه حماية من الأذى للأئمة فيجوز بإذن الإمام، ونصوص المذهب أنه لا يجوز مطلقا قاله المواق. وله الجمع إن جمع غيره قبله؛ يعني أنه يجوز للإمام الراتب أن يوقع الصلاة في جماعة إن صلت قبله جماعة بإمام فليس هو كغيره؛ إذ تكره صلاتهم بعده جماعة ولا كذلك هو كما علمت وبما قررت علم أن قوله: "له الجمع"، معناه له أن يصلي جماعة أي يوقعها بإمام ومأموم، وأن معنى قوله: "إن جمع غيره"، أوقعوا الصلاة بإمام ومأموم، وقوله: "وله الجمع إن جمع غيره قبله"؛ يعني حيث جمعوا بغير إذنه. فإن أذن لهم في الجمع، كره له الجمع. إن لم يؤخر كثيرا؛ يعني أن محل كونه يجوز له أن يجمع بعدهم، إنما هو حيث لم يؤخر كثيرا، ومفهومه أنه لوأخر كثيرا بأن ضر بالمصلين أو خافوا فوات الوقت المختار كره له الجمع بعدهم وهو كذلك، وقوله: "وله الجمع" الخ؛ أي ولو كان من جمع قبله له عادة بالنيابة عند

стр. 1292

غيبته، قال أبو الحسن: ومن كان شأنه أن يصلي إذا غاب إمامه، فصلى بهم في وقت صلاة الإمام المعتاد أو بعده بيسير كان للإمام أن يعيد الصلاة؛ لأن هذه مسابقة له. انتهى. وفي الاستذكار: في حديث إدراك النبي ﷺ الصلاة خلف عبد الرحمن بن عوف ﵁، قال فيه: إذا خيف فوت وقت الصلاة المختار لم ينتظر الإمام، وإن كان فاضلا جدا. انتهى. وقول أبي الحسن: ومن كان شأنه أن يصلي إذا غاب إمامه" الخ، لا يعارضه ما في النوادر عن الواضحة، قال مالك في المسجد لا يأتي إمامه فيصلي بهم المؤذن، ثم يأتي الإمام: فإن كان المؤذن يؤمهم إذا غاب فهو كالإمام، ولا تعاد الصلاة بجماعة، وإن كان المؤذن لا يصلي بهم في غيبته فللإمام أن يجمع. انتهى. لأن المازري قيد كلام الإمام في الواضحة بما إذا أخر الإمام تأخيرا يضر بالناس. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وجلب كلام المازري. قال جامعة عفا الله تعالى عنه: مقتضى كلام الشيخ محمد بن الحسن: أن الإمام إذا أخر تأخيرا يضر بالناس وجمعوا قبله، فإنه يجمع إذا لم يكن إمامهم له عادة بالنيابة في غيبته، لا إن كان له عادة، وذلك مخالف لفهوم قول المصنف: "إن لم يؤخر كثيرًا". والله سبحانه أعلم. وخرجوا؛ يعني أنه إذا اجتمع جماعة في مسجد صلى راتبه ولم يكونوا صلوا، فإنهم يخرجون ندبا من المسجد ويصلون جماعة فذلك هو الأفضل لهم؛ إذ تكره إعادة الجماعة بعد الراتب كما علمت، وصلاتهم أفذاذا بالمسجد أفضل منها صلاتهم خارجه جماعة؛ لأن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. إلا بالمساجد الثلاثة؛ يعني أن ما تقدم من أن الجماعة إذا وجدوا الراتب قد صلى، الأفضل لهم أن يخرجوا ليصلوا جماعة إنما هو في غير أحد المساجد الثلاثة، وأما إن اجتمعو بأحد المساجد الثلاثة: مسجد المدينة المشرفة، ومسجد مكة شرفها الله، وبيت المقدس، فإنهم لا يخرجون منه، ويصلون بها؛ أي بذلك الأحد الذي هم فيه. أفذاذا؛ لأن الصلاة في أحدها فذا أفضل من الصلاة في غيرها جماعة. وقوله: "وخرجوا" الخ، معناه إن وجدوا الإمام الراتب قد صلى، فإن لم يدخلوا المسجد صلوا جماعة خارجه، وإن دخلوا المسجد خرجوا منه بدليل قوله: إن دخلوها؛

стр. 1293

أي إنما يصلون بأحد المساجد الثلاثة أفذاذا حيث دخلوه، فإن لم يدخلوه صلوها خارجه جماعة إن أمكنهم ذلك، ولا يؤمرون بدخوله حينئذ ويصلون أفذاذا، فإن لم تمكنهم الصلاة خارجه جماعة فإنهم يطالبون بدخوله ويصلون أفذاذا، ففي المفهوم تفصيل. وبحث ابن عرفة فيما ذكر بأن الصلاة في أحد المساجد إن كانت أفضل ترجحت مطلقا وإلا فالعكس، وأجاب عنه الشيخ عبد الباقي بما لم يلُح لي وجهه والله سبحانه أعلم. وفي الترغيب والترهيب عن ابن خزيمة: أن تضعيف الصلاة بمسجد الرسول ﷺ خاص بالرجال، بدليل قوله ﷺ لأم حميد؛ امرأة أبي حميد: (صلاتك في قعر بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي (١)). وبَوَّبَ عليه ابن خزيمة، فقال: باب اختيار صلاة المرأة في حجرتها على صلاتها في دارها، وصلاتها في مسجد قومها على صلاتها في مسجد النبي ﷺ . انظر الحطاب. وقد مر توجيهي لقول المصنف: "إن دخلوها"، وقال الشيخ عبد الباقي، وغيره: وزاد قوله: "إن دخلوها"، مع أن الاستثناء يفيده لئلا يتوهم أنه منقطع، وأنهم مطلوبون بالصلاة بها أفذاذا، وإن لم يدخلوها وليس كذلك حيث كانوا يصلون بغيرها جماعة، وإلا طولبوا بدخولها وصلاتهم أفذاذا، ففي مفهوم الشرط تفصيل. انتهى. وقتل كبرغوث بمسجد؛ يعني أنه يكره قتل برغوث، وقملة، وبق، وذباب، ونحوه بالمسجد ولو في صلاة، وإلقاء القملة فيه حية كقتلها، قال الإمام مالك: أكره قتل القملة والبرغوث في الصلاة. انتهى. ويجوز إلقاء البرغوث حيا في المسجد، ومثله ما يشبهه من بق ونحوه. وقوله: "وقتل كبرغوث" الخ، هذا إذا قل، وإلا حرم لأنه يقذر المسجد وتقذيره حرام كتعفينه. قاله الشيخ إبراهيم. وذكر المواق: أن طرحها في المسجد حية لا يجوز لأنها تتعلق بالناس فتوذيهم، ومفهوم مسجد جواز قتلها خارجه، وإذا قتلها فليحسن قتلها لقول مالك: إلقاء القمل في الماء أو النار مُثْلَة: والماء أخف إن كان لضرورة. قاله الشيخ إبراهيم.

стр. 1294

وفيها يجوز أصرحها خارجه؛ أي المسجد؛ يعني أن الإمام قال في المدونة: يجوز طرح القملة خارج المسجد، فقوله: "طرحها"؛ أي القملة التي دخلت تحت الكاف، ففيه عود الضمير على مذكور. واستشكل؛ يعني أن ما في المدونة من أنه يجوز طرح القملة خارج المسجد استشكله الشيوخ؛ لأنه من التعذيب، وذكر أبو الحسن حرمته لأنها تصير عقربا قل من تلدغه إلا مات. قد مر أنه يكره طرح القملة في المسجد حية. أو يمنع، والحكم أنه يصرها حية في طرف ثوبه، وطرحها فيه بعد قتلها المكروه حرام، وصرها بعد قتلها فيه ارتكاب مكروه قتلها فيه. وحرم رمي قشر القملة في المسجد لنجاسة ميتتها، ورمي قشر البرغوث ونحوه حرام إن لزم منه تعفينه، وإلا كره. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المكروه: وقتل كبرغوث بمسجد بصلاة وبغيرها، وحرم قتل قمل بصلاة، وأبطل إن كثر بالزيادة على ثلاث، وحرم تقذير بمائع وإن بطاهر كتعفين بيابس نجس، وكره بطاهر. انتهى. ولما أنهى الكلام على مكروهات الإمام أتبعه بالكلام على شيء من الجائزات، فقال: وجاز اقتداء بأعمى؛ يعني أنه يجوز الاقتداء بالأعمى (لاستنابته ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة في غزواته بضع عشرة مرة يؤم الناس (١))، وفي الصحيح: (أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه؛ وهو أعمى (٢))، وهل إمامة البصير أفضل أو العكس أو هما سواء؟ أقوال، والراجح الأول كما نص عليه القرافي، فالمصنف أطلق الجواز على خلاف الأولى. ابن رشد: إنما لم ير مالك بكون الأعمى إماما راتبا بأسا من أجل أن حاسة البصر لا تعلق لها بشيء من فرائض الصلاة ولا سننها ولا فضائلها، ثم قال: وكذلك سائر الحواس الخمس لا تعلق لها بشيء من الصلاة حاشا السمع، فإن الأصم لا ينبغي أن يتخذ إماما راتبا؛ لأنه قد يسهو فيسبح به فلا يسمع فيكون ذلك سببا لإفساد الصلاة، وإنما كَرِهَ أن يتخذ الأعمى إماما راتبا من كرهه من أجل أنه قد يتوضأ بماء غير طاهر ويصلي بثوب نجس وأما نقصان الجوارح فله تعلق بالصلاة، ولذلك اختلف في إمامة الأشل

стр. 1295

والأقطع. وقال ابن فرحون: الأعمى الذي عرض له صمم بعد معرفة لا تصح به الإمامة تصح إمامته، ولا يجوز أن يكون مأموما لأنه لا يهتدي إلى أفعال الإمام إلا أن يكون معه من ينبهه على ذلك على هذا (١) قواعد المذهب، ولم أنقله. قاله الحطاب. ومخالف في الفروع؛ يعني أنه يجوز الاقتداء بمخالف في الفروع الظنية كمالكي بشافعي، أو حنفي أو حنبلي، وعكسه ولو أتى بمناف لصحة الصلاة كمسح بعض رأسه لا لشروط الإمامة كمعيد، فلا يصح، لقوله: "وأعاد مؤتم بمعيد أبدا"، هذا هو الذي يتعين المصير إليه، وينبغي التعويل عليه. ونقل المازري الإجماع على صحة الاقتداء بالمخالف في الفروع الظنية، وقال عياض: إن أبا المعالي الجويني قدَّم عبد الحق الصقلي صلى به، وقال له: البعض يدخل في الكل يعرض له بمسح الرأس؛ إذ كان أبو المعالي شافعيا، ونقل أيضا أن الأبهري -كان إمام وقته- سئل أن يلي القضاء ببغداد. فامتنع، وأشار بالرازي فامتنع أيضا، وأشار بالأبهري فلما امتنعا معا ولَّى غيرهما. قاله المواق. وقال الإمام الحطاب: قال في باب السهو من كتاب الصلاة الثاني. من صلى خلف من يرى السجود في النقصان بعد السلام. فلا يخالفه. ابن ناجي: زاد في الأم لأن الخلاف أشد، ويروى أشر بالدال والراء. وفي رواية ابن المرابط: أشر، وكان شيخنا حفظه الله يقول لا مفهوم لما ذكره من التصوير، بل وكذلك العكس. وفي الذخيرة: الشرط السادس من شروط الإمامة: موافقة مذهب الإمام في الواجبات، قال ابن القاسم في العتبية: لو علمت أن أحدا يترك القراءة في الأخيرتين لم أصل خلفه وقال أشهب عند ابن سحنون: ومن صلى خلف من لا يرىَ الوضوء من مس الذكر لا شيء عليه بخلاف القبلة، يعيد أبدا، وقال سحنون: يعيد فيهما في الوقت. قال صاحب الطراز: وتحقيق ذلك أنه متى تحقق فعله للشرائط جاز الاقتداء به، وإن كان لا يعتقد وجوبها وإلا لم تجز فالشافعي مسح جميع رأسه سنة فلا يضر اعتقاده، بخلاف ما لو أم في الفريضة بنية النافلة أو مسح رجليه. انتهى. وما قدمته في تقرير المصنف هو ضابط العوفي، وإيضاحه ما قال الشيخ محمد بن الحسن: إنه يعتبر ما كان من شروط الإمامة عند

стр. 1296

المأموم لا ما كان من شروط صحة الصلاة كَدَلْكٍ وتعميم مسح الرأس فلا يعتبر انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: والظاهر أن تقيد بذلك طريقة سند وغيرها؛ لأن شروط الإمامة مما يرجع لصلاة المأموم فقط، كوضوئه، وأركان صلاته، ولا دخول (١) للإمام فيها. انتهى. وألكن؛ يعني أنه يجوز الاقتداء بالألكن لسالم أو لمثله. والألكن هو من لا يستطيع إخراج بعض الحروف من مخارجها، سواء كان لا ينطق بالحرف البتة أو ينطق به مغيرا، ولو بزيادته أو تكرره فيشمل التمتام؛ وهو من ينطق أول كلامه بتاء مكررة، والأرث؛ وهو الذي يجعل اللام ثاء، وقيل: من يدغم حرفا في حرف، والألثغ؛ وهو من يتحول من السين إلى الثاء، أو من الراء إلى الغين أو اللام أو الياء، أو من حرف إلى حرف، ومن لا يتم رفع لسانه لثقل فيه، والطمطام؛ وهو من في لسانه عجمة، والغمغام، وهو من لا يكاد صوته ينقطع بالحروف، والأغَنَّ؛ وهو الذي يشوب صوته شيء من الخياشيم، والفأفاء؛ وهو من يكرر الفاء ومن لم يميز بين الضاد والظاء طبعا. واللكنة تجمع هذا كله، وما تقدم فيمن يمكنه التعلم. وقيل: إن الألكن تكره إمامته مع وجود مرضي غيره؛ وهو لابن رشد، فإنه قال: الألكن: الذي لا تبين قراءته، والألثغ: الذي لا يتأتي له النطق ببعض الحروف، والأعجمي: الذي لا يفرق بين الضاد والظاء والسين والصاد، وما أشبه ذلك لا خلاف أنه لا إعادة على من ائتم بهم وإن كان الائتمام بهم مكروها، إلا أن لا يوجد [من يرضى] (٢) به سواهم. قاله المواق. وحكى ابن العربي الجواز في قليل اللكنة والكراهة في بينها. ومحدود؛ يعني أنه يجوز الاقتداء بالمحدود بالفعل، وسواء تاب مما حد فيه أم لا؛ لأن الصحيح أن الحدود جوابر؛ لأنه مذهب أهل السنة، فلا يحتاج لتوبة، والعازم على العود فاسق. وقد مر الكلام على الفاسق، ومفهوم محدود بالفعل أنه إن لم يحد بالفعل، فإن عفي عنه لحق مخلوق أو سقط بإتيان الإمام طائعا في حرابة وحسنت حاله، فكذلك؛ أي يجوز الاقتداء به، وكذا إن لم

стр. 1297

يسقط عنه بتوبة من لواط وزنى ليس فيه حق زوج؛ إذ لا تفيده توبته في إسقاط الحد، فيجوز الاقتداء به إن حسن حاله لا إن لم يحسن، ولا إن لم يعف المخلوق عنه. وعنين؛ يعني أنه يجوز الاقتداء بالعنين، وفسره بعضهم بالمعترض؛ وهو من لا ينتشر ذكره، وفسره بعضهم بمن له ذكر صغير لا يتأتى منه الجماع ولا مانع من تفسيره بهما. والفرق بين ذلك والخصاء أن العنة ليست نقص خلقة وجدت بخلاف الخصاء. ومجذم؛ يعني أنه تجوز إمامة المجذم؛ وهو من به الجذام، وهو داء معروف يأكل اللحم. أعاذنا الله منه. ابن رشد: إمامة المجذوم جائزة بلا خلاف إلا أن يتفاحش جذامه، وعلم من جيرانه أنهم يتأذون به في مخالطته لهم، فينبغي أن يتأخر عن الإمامة. قاله المواق. وقال الشيخ إبراهيم: والأصل في جواز إمامته قوله ﵊: (لا عدوى ولا طيرة (١)). وفي الحديث: (لا يورد ممرض على مصح (٢))، ويوافقه قوله في الحديث الآخر: (فر من المجذوم فرارك من الأسد (٣))، والجواب عما يظهر من المعارضة بين هذه الأحاديث: أن الأول نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية وبعض الحكماء، أن هذه الأمراض تعدي بطبعها، فلذا رد عليهم النبي ﷺ بقوله: (فمن أعدى الأول (٤))؛ أي أن الله تعالى هو الخالق لذلك بسبب وغير سبب، والأخيران بيان لما يخلقه الله تعالى عند المخالطة للمريض. وقد يتخلف ذلك عن سببه كما أن النار لا تحرق بطبعها، والماء لا يروي بطبعه، واللباس لا يستر بطبعه، وإنما هي أسباب عادية، والقدر وراء ذلك كله. قال الشيخ إبراهيم: وقد وجدنا من خالط المصاب بالأمراض التي اشتهرت بالإعداء ولم يتأثر بذلك، ووجدنا من احترز من ذلك الاحتراز الممكن فأخذ بذلك المرض. وقوله: لا يورِدْ بكسر الراء ومفعوله محذوف؛ أي ماشية. والمرض بضم أوله من أمرض الرجل إذا وقع في ماله

стр. 1298

العاهة، ومُصِح اسم فاعل عبارة عن صاحب الماشية التي صحت من المرض، والظاهر أن الحديث عام في التي صحت بعد أن مرضت. وفي التي لم يسبق لها مرض. إلا أن يشتد؛ يعني أن محل جواز الاقتداء بالمجذوم إنما هو حيث كانت حالته خفيفة ليس له رائحة؛ بأن كان في مبدإ أمره -كما في الشبراخيتي- وأما إن اشتد وآذى من خلفه، فلينحَّ وجوبا عن الإمامة، فإن أبى أجبر، وكذا ينحَّى عن حضور الجماعة، لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار (١))، ومنع عمر ﵁ جذماء من المسجد، فلما مات قيل لها: إن الذي منعك قد مات، فقالت: ما كنت بالتي أطيعه حيا وأعصيه ميتا. وينبغي أن يلحق بالأجذم الأبرص. قاله الشيخ إبراهيم. تنبيه: المازري: قال العلماء: ينبغي أن يجتنب من عرف بإصابة العين ويتحرز منه، وينبغي للإمام أن يمنعه من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، وإن كان فقيرا أجرى عليه رزقه، ويكف أذاه عن الناس، وضرره أشد من ضرر آكل الثوم الذي منعه ﷺ دخول المسجد، ومن ضرر المجذوم الذي نهاه عمر عن مخالطة الناس. انظر المنجور. وصبي بمثله؛ يعني أنه يجوز اقتداء الصبي بمثله، لا بالغ فتبطل في الفرض وتصح في النفل مع عدم الجواز فيهما ابتداء. كما قدمه. وعدم إلصاق من على يمين الإمام؛ يعني أنه يجوز عدم إلصاق من على جهة يمين الإمام من المأمومين واحدا أو أكثر بمن خلف الإمام، أو يساره بفتح الياء وكسرها؛ يعني أنه يجوز عدم إلصاق من على يسار الإمام من المأمومين بمن خلف الإمام، فقوله: بمن هذوه راجع لهما -كما قررت- ومعنى حذوه خلفه، وهو متعلق بإلصاق، ويجوز أيضا عدم إلصاق من على يمين الإمام ويساره بمن خلفه، كما يجوز عدم إلصاق من على يمينه بمن على يساره، والجواز في هذا كله محمول على الجواز بعد الوقوع، وأما ابتداء فيكره ذلك، فإذا وقع ونزل فلا يطلبون بالإلصاق،

стр. 1299

بل يجوز البقاء عليه بناء على أن الدوام ليس كالابتداء، أو يحمل على من ألجأه إلى ذلك أمر والمطلوب أن يبتدئ الصف من وراء الإمام، ثم عن يمينه وشماله حتى يتم الصف، ولا يبتدأ بالصف الثاني قبل تمام الأول، ولا بالثالث قبل تمام الثاني، لخبر مسلم: (ألا تصافون كما تصاف الملائكة عند ربها (١))، ثم قال: (يتمون الصف الأول ويتراصون (٢))، وينبغي الترتيب في الثاني والثالث كما في الأول، فيبتدئون فيه بخلفه ثم يمينه ويساره وقوله: "يساره"، قد تقدم أنه بفتح الياء وكسرها والكسر أفصح، وليس في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا قولهم يسار لليد؛ أي لا للرجل، أو الأذن أو العين: ولا لضد العسر، فبالفتح خاصة. قاله الشيخ عبد الباقي. وتأمله مع قولهم: يعار ونحوه وقوله: "وعدم إلصاق من على يمين الإمام أو يساره بمن حذوه"، قال الإمام الحطاب: ولا يكون ذلك مانعا من تحصيل فضيلة الصف. قاله الأبي في شرح مسلم. وصلاة منفرد حلف صف؛ يعني أنه تجوز صلاة المنفرد خلف الصف إن عسر عليه الوقوف فيه، وإلا كره مع حصول فضل الجماعة وفوات فضيلة الصف في المكروه لا في الجائز، فتحصل له فضيلة الصف لنية الدخول فيه لولا تعسره. وروى ابن وهب: البطلان مع وجود فرجة يصلي فيها، وفي المدونة: قال مالك: من صلى خلف الصف أجزأه، ولا بأس أن يصلي كذلك، وهو الشأن ابن رشد: لو صلى وحده وترك فرجة في الصف أساء. قال مالك في رواية ابن وهب: ويعيد أبدا، والمشهور أنه لا إعادة عليه. قاله المواق. ولا يجذب أحدا؛ يعني أن المصلي خلف الصف يكره له أن يجذب إليه أحدا من الصف، أو مارا عليه يريد أن يدخل في الصلاة. وظاهر المص يشمل من لم يجد موضعا وغيره، وقوله: "يجذب"، كيضرب وليس مقلوب جبذ لكمال تصريفه، فلذا وُهِّمَ الجوهريُّ، ومعنى الجذب النتر؛ وهو؛ أي الجذب وإطاعة الآخر خطأ منهما. أي الجاذب والمجذوب ففيه حذف الواو مع ما عطفت، ومن ضاق به الصف في التشهد فلا بأس أن يخرج أمامه أو خلفه، وقد فعله بعض

стр. 1300

الخلفاء. قاله ابن القاسم. ابن حبيب: ولا يفعله لغير عذر، فإن فعله لغير عذر أساء، ولا شيء عليه. وروى عنه ابن وهب: يعيد. وقوله: "ولا يجذب" الخ، قال مالك: ولا يجذب، فإن جذب أحدا ليقيمه معه فلا يتبعه، وهذا خطأ من الذي يفعله، ومن الذي جذبه. وقال الشيخ الأمير عاطفا على الجائز: ووقوف بيمين الإمام أو يساره أمام الصف. والأفضل الالتصاق بمن خلفه ويمينه أفضل، وكره خلف الصف إن وسع، وحصلت فضيلة الجماعة مطلقا خلافا للرملي من الشافعية كالصف إن لم يجد فرجة فيه، ولا يجذب أحدا. وعند الشافعية: يجذب من فوق الاثنين ولا يطاوع. انتهى. وإسراع لها؛ يعني أنه إذا خاف أن تفوته الصلاة أو شيء منها؛ فإنه يجوز له أن يسرع في مشيه أو تحريك دابته لأجل إدراك الصلاة مع الإمام؛ لأن المبادرة إلى الطاعة والاهتمام بها مطلوب. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله بلا خبب؛ الظاهر أن الباء للمصاحبة، وأنه في موضع الصفة أو الحال، والموصوف قوله إسراع، والخبب الهرولة؛ يعني أنه يجوز الإسراع لأجل إدراك الصلاة مع الإمام خوف فواتها أو فوات شيء منها بلا هرولة بحيث لا يزول الوقار والسكينة، وإلا كره. وظاهره ولو خاف فواتها جمعة أو غيرها. وللخمي: أن السكينة أفضل من إدراك الركعة، وإدراكُ الصف الأول أفضل من السكينة، فإدراك الصف الأول أفضل من إدراك الركعة. قاله الشيخ إبراهيم. وكان زين العابدين ﵁ إذا فرغ من وضوئه أخذته رعدة، فقيل له في ذلك، فقال: ويحكم، أتدرون إلى من أقوم ومن أريد أن أناجي؟ وقال الشيخ الأمير عاطفا على الجائز: وإسراع لها بسكينة لا هرولة، وإن خشي فوات الجمعة، وقدم الصف على الدخول، فإن ظن إدراكهما بادر للدخول ودب الصفين، والكاف في قول الأصل كالصفين استقصائية على الراجح لآخر فرجة، قائما أو راكعا لا ساجدا أو جالسا لقبح الهيئة. انتهى. وقتل عقرب أو فار بمسجد؛ يعني أنه يجوز بمسجد بغير صلاة قتل عقرب أرادته أم لا، وقدم أن قتلها عمدا في صلاة بمسجد أو غيره لا سجود فيه إن أرادته، فإن لم ترده سجد لسهوه على أحد قولين، فلا تكرار في كلامه ولا تخالف كما ظن قاله الشيخ عبد الباقي. وكذا لا يكره قتل
следующие страницы →