المأموم لا ما كان من شروط صحة الصلاة كَدَلْكٍ وتعميم مسح الرأس فلا يعتبر انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: والظاهر أن تقيد بذلك طريقة سند وغيرها؛ لأن شروط الإمامة مما يرجع لصلاة المأموم فقط، كوضوئه، وأركان صلاته، ولا دخول (١) للإمام فيها. انتهى.
وألكن؛ يعني أنه يجوز الاقتداء بالألكن لسالم أو لمثله. والألكن هو من لا يستطيع إخراج بعض الحروف من مخارجها، سواء كان لا ينطق بالحرف البتة أو ينطق به مغيرا، ولو بزيادته أو تكرره فيشمل التمتام؛ وهو من ينطق أول كلامه بتاء مكررة، والأرث؛ وهو الذي يجعل اللام ثاء، وقيل: من يدغم حرفا في حرف، والألثغ؛ وهو من يتحول من السين إلى الثاء، أو من الراء إلى الغين أو اللام أو الياء، أو من حرف إلى حرف، ومن لا يتم رفع لسانه لثقل فيه، والطمطام؛ وهو من في لسانه عجمة، والغمغام، وهو من لا يكاد صوته ينقطع بالحروف، والأغَنَّ؛ وهو الذي يشوب صوته شيء من الخياشيم، والفأفاء؛ وهو من يكرر الفاء ومن لم يميز بين الضاد والظاء طبعا. واللكنة تجمع هذا كله، وما تقدم فيمن يمكنه التعلم. وقيل: إن الألكن تكره إمامته مع وجود مرضي غيره؛ وهو لابن رشد، فإنه قال: الألكن: الذي لا تبين قراءته، والألثغ: الذي لا يتأتي له النطق ببعض الحروف، والأعجمي: الذي لا يفرق بين الضاد والظاء والسين والصاد، وما أشبه ذلك لا خلاف أنه لا إعادة على من ائتم بهم وإن كان الائتمام بهم مكروها، إلا أن لا يوجد [من يرضى] (٢) به سواهم. قاله المواق. وحكى ابن العربي الجواز في قليل اللكنة والكراهة في بينها.
ومحدود؛ يعني أنه يجوز الاقتداء بالمحدود بالفعل، وسواء تاب مما حد فيه أم لا؛ لأن الصحيح أن الحدود جوابر؛ لأنه مذهب أهل السنة، فلا يحتاج لتوبة، والعازم على العود فاسق. وقد مر الكلام على الفاسق، ومفهوم محدود بالفعل أنه إن لم يحد بالفعل، فإن عفي عنه لحق مخلوق أو سقط بإتيان الإمام طائعا في حرابة وحسنت حاله، فكذلك؛ أي يجوز الاقتداء به، وكذا إن لم
стр. 1297
يسقط عنه بتوبة من لواط وزنى ليس فيه حق زوج؛ إذ لا تفيده توبته في إسقاط الحد، فيجوز الاقتداء به إن حسن حاله لا إن لم يحسن، ولا إن لم يعف المخلوق عنه.
وعنين؛ يعني أنه يجوز الاقتداء بالعنين، وفسره بعضهم بالمعترض؛ وهو من لا ينتشر ذكره، وفسره بعضهم بمن له ذكر صغير لا يتأتى منه الجماع ولا مانع من تفسيره بهما. والفرق بين ذلك والخصاء أن العنة ليست نقص خلقة وجدت بخلاف الخصاء.
ومجذم؛ يعني أنه تجوز إمامة المجذم؛ وهو من به الجذام، وهو داء معروف يأكل اللحم. أعاذنا الله منه. ابن رشد: إمامة المجذوم جائزة بلا خلاف إلا أن يتفاحش جذامه، وعلم من جيرانه أنهم يتأذون به في مخالطته لهم، فينبغي أن يتأخر عن الإمامة. قاله المواق. وقال الشيخ إبراهيم: والأصل في جواز إمامته قوله ﵊: (لا عدوى ولا طيرة (١)). وفي الحديث: (لا يورد ممرض على مصح (٢))، ويوافقه قوله في الحديث الآخر: (فر من المجذوم فرارك من الأسد (٣))، والجواب عما يظهر من المعارضة بين هذه الأحاديث: أن الأول نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية وبعض الحكماء، أن هذه الأمراض تعدي بطبعها، فلذا رد عليهم النبي ﷺ بقوله: (فمن أعدى الأول (٤))؛ أي أن الله تعالى هو الخالق لذلك بسبب وغير سبب، والأخيران بيان لما يخلقه الله تعالى عند المخالطة للمريض. وقد يتخلف ذلك عن سببه كما أن النار لا تحرق بطبعها، والماء لا يروي بطبعه، واللباس لا يستر بطبعه، وإنما هي أسباب عادية، والقدر وراء ذلك كله. قال الشيخ إبراهيم: وقد وجدنا من خالط المصاب بالأمراض التي اشتهرت بالإعداء ولم يتأثر بذلك، ووجدنا من احترز من ذلك الاحتراز الممكن فأخذ بذلك المرض. وقوله: لا يورِدْ بكسر الراء ومفعوله محذوف؛ أي ماشية. والمرض بضم أوله من أمرض الرجل إذا وقع في ماله
стр. 1298
العاهة، ومُصِح اسم فاعل عبارة عن صاحب الماشية التي صحت من المرض، والظاهر أن الحديث عام في التي صحت بعد أن مرضت. وفي التي لم يسبق لها مرض.
إلا أن يشتد؛ يعني أن محل جواز الاقتداء بالمجذوم إنما هو حيث كانت حالته خفيفة ليس له رائحة؛ بأن كان في مبدإ أمره -كما في الشبراخيتي- وأما إن اشتد وآذى من خلفه، فلينحَّ وجوبا عن الإمامة، فإن أبى أجبر، وكذا ينحَّى عن حضور الجماعة، لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار (١))، ومنع عمر ﵁ جذماء من المسجد، فلما مات قيل لها: إن الذي منعك قد مات، فقالت: ما كنت بالتي أطيعه حيا وأعصيه ميتا. وينبغي أن يلحق بالأجذم الأبرص. قاله الشيخ إبراهيم.
تنبيه: المازري: قال العلماء: ينبغي أن يجتنب من عرف بإصابة العين ويتحرز منه، وينبغي للإمام أن يمنعه من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، وإن كان فقيرا أجرى عليه رزقه، ويكف أذاه عن الناس، وضرره أشد من ضرر آكل الثوم الذي منعه ﷺ دخول المسجد، ومن ضرر المجذوم الذي نهاه عمر عن مخالطة الناس. انظر المنجور.
وصبي بمثله؛ يعني أنه يجوز اقتداء الصبي بمثله، لا بالغ فتبطل في الفرض وتصح في النفل مع عدم الجواز فيهما ابتداء. كما قدمه.
وعدم إلصاق من على يمين الإمام؛ يعني أنه يجوز عدم إلصاق من على جهة يمين الإمام من المأمومين واحدا أو أكثر بمن خلف الإمام، أو يساره بفتح الياء وكسرها؛ يعني أنه يجوز عدم إلصاق من على يسار الإمام من المأمومين بمن خلف الإمام، فقوله: بمن هذوه راجع لهما -كما قررت- ومعنى حذوه خلفه، وهو متعلق بإلصاق، ويجوز أيضا عدم إلصاق من على يمين الإمام ويساره بمن خلفه، كما يجوز عدم إلصاق من على يمينه بمن على يساره، والجواز في هذا كله محمول على الجواز بعد الوقوع، وأما ابتداء فيكره ذلك، فإذا وقع ونزل فلا يطلبون بالإلصاق،
стр. 1299
بل يجوز البقاء عليه بناء على أن الدوام ليس كالابتداء، أو يحمل على من ألجأه إلى ذلك أمر والمطلوب أن يبتدئ الصف من وراء الإمام، ثم عن يمينه وشماله حتى يتم الصف، ولا يبتدأ بالصف الثاني قبل تمام الأول، ولا بالثالث قبل تمام الثاني، لخبر مسلم: (ألا تصافون كما تصاف الملائكة عند ربها (١))، ثم قال: (يتمون الصف الأول ويتراصون (٢))، وينبغي الترتيب في الثاني والثالث كما في الأول، فيبتدئون فيه بخلفه ثم يمينه ويساره وقوله: "يساره"، قد تقدم أنه بفتح الياء وكسرها والكسر أفصح، وليس في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا قولهم يسار لليد؛ أي لا للرجل، أو الأذن أو العين: ولا لضد العسر، فبالفتح خاصة. قاله الشيخ عبد الباقي. وتأمله مع قولهم: يعار ونحوه وقوله: "وعدم إلصاق من على يمين الإمام أو يساره بمن حذوه"، قال الإمام الحطاب: ولا يكون ذلك مانعا من تحصيل فضيلة الصف. قاله الأبي في شرح مسلم. وصلاة منفرد حلف صف؛ يعني أنه تجوز صلاة المنفرد خلف الصف إن عسر عليه الوقوف فيه، وإلا كره مع حصول فضل الجماعة وفوات فضيلة الصف في المكروه لا في الجائز، فتحصل له فضيلة الصف لنية الدخول فيه لولا تعسره. وروى ابن وهب: البطلان مع وجود فرجة يصلي فيها، وفي المدونة: قال مالك: من صلى خلف الصف أجزأه، ولا بأس أن يصلي كذلك، وهو الشأن ابن رشد: لو صلى وحده وترك فرجة في الصف أساء. قال مالك في رواية ابن وهب: ويعيد أبدا، والمشهور أنه لا إعادة عليه. قاله المواق.
ولا يجذب أحدا؛ يعني أن المصلي خلف الصف يكره له أن يجذب إليه أحدا من الصف، أو مارا عليه يريد أن يدخل في الصلاة. وظاهر المص يشمل من لم يجد موضعا وغيره، وقوله: "يجذب"، كيضرب وليس مقلوب جبذ لكمال تصريفه، فلذا وُهِّمَ الجوهريُّ، ومعنى الجذب النتر؛ وهو؛ أي الجذب وإطاعة الآخر خطأ منهما. أي الجاذب والمجذوب ففيه حذف الواو مع ما عطفت، ومن ضاق به الصف في التشهد فلا بأس أن يخرج أمامه أو خلفه، وقد فعله بعض
стр. 1300
الخلفاء. قاله ابن القاسم. ابن حبيب: ولا يفعله لغير عذر، فإن فعله لغير عذر أساء، ولا شيء عليه. وروى عنه ابن وهب: يعيد. وقوله: "ولا يجذب" الخ، قال مالك: ولا يجذب، فإن جذب أحدا ليقيمه معه فلا يتبعه، وهذا خطأ من الذي يفعله، ومن الذي جذبه. وقال الشيخ الأمير عاطفا على الجائز: ووقوف بيمين الإمام أو يساره أمام الصف. والأفضل الالتصاق بمن خلفه ويمينه أفضل، وكره خلف الصف إن وسع، وحصلت فضيلة الجماعة مطلقا خلافا للرملي من الشافعية كالصف إن لم يجد فرجة فيه، ولا يجذب أحدا. وعند الشافعية: يجذب من فوق الاثنين ولا يطاوع. انتهى.
وإسراع لها؛ يعني أنه إذا خاف أن تفوته الصلاة أو شيء منها؛ فإنه يجوز له أن يسرع في مشيه أو تحريك دابته لأجل إدراك الصلاة مع الإمام؛ لأن المبادرة إلى الطاعة والاهتمام بها مطلوب. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله بلا خبب؛ الظاهر أن الباء للمصاحبة، وأنه في موضع الصفة أو الحال، والموصوف قوله إسراع، والخبب الهرولة؛ يعني أنه يجوز الإسراع لأجل إدراك الصلاة مع الإمام خوف فواتها أو فوات شيء منها بلا هرولة بحيث لا يزول الوقار والسكينة، وإلا كره. وظاهره ولو خاف فواتها جمعة أو غيرها. وللخمي: أن السكينة أفضل من إدراك الركعة، وإدراكُ الصف الأول أفضل من السكينة، فإدراك الصف الأول أفضل من إدراك الركعة. قاله الشيخ إبراهيم. وكان زين العابدين ﵁ إذا فرغ من وضوئه أخذته رعدة، فقيل له في ذلك، فقال: ويحكم، أتدرون إلى من أقوم ومن أريد أن أناجي؟ وقال الشيخ الأمير عاطفا على الجائز: وإسراع لها بسكينة لا هرولة، وإن خشي فوات الجمعة، وقدم الصف على الدخول، فإن ظن إدراكهما بادر للدخول ودب الصفين، والكاف في قول الأصل كالصفين استقصائية على الراجح لآخر فرجة، قائما أو راكعا لا ساجدا أو جالسا لقبح الهيئة. انتهى.
وقتل عقرب أو فار بمسجد؛ يعني أنه يجوز بمسجد بغير صلاة قتل عقرب أرادته أم لا، وقدم أن قتلها عمدا في صلاة بمسجد أو غيره لا سجود فيه إن أرادته، فإن لم ترده سجد لسهوه على أحد قولين، فلا تكرار في كلامه ولا تخالف كما ظن قاله الشيخ عبد الباقي. وكذا لا يكره قتل
стр. 1301
الفار بالمسجد ولو الحرام، أو في صلاة ولا تبطل بذلك أراده أم لا، ولم يقتصر عليها هاهنا ليلا يتوهم منع قتل الفأر بمسجد لكونه دونها في الإيذاء، وإن كان أعم أذى، ولو اقتصر على ذكر قتله لتوهم منع قتلها فيه صيانة للمسجد وإن كانت أشد أذى، فإن قلت: لم جاز قتل العقرب في الصلاة بشرطه وكره قتل البرغوث؟ قلت: لأن ضررها أشد: فإن قلت: لم جاز قتل الفأر وكره قتل البرغوث؟ قلت: لأن الفأر من الفواسق التي يباح قتلها في الحل والحرم للمحرم والحل. قاله الشيخ عبد الباقي، وغيره. وقال الشيخ الأمير عاطفا على الجائز: وقتل عقرب أو فأر بمسجد، ويتحفظ من تقذيره وتعفينه ما أمكن. انتهى. وبما قررت علم أن قوله: "بمسجد": راجع للعقرب والفأر فهو متعلق بقتل، وقوله: "بمسجد". ولو المسجد الحرام.
تنبيه: قال ابن لبابة وأصحابه: لا تحلب الأنعام قرب المسجد لروثها وغبارها: وأجازوا قراءة الحساب في المساجد بخلاف المقامات لما فيها من الكذب والفحش، وكان ابن البراء يرويها بدويرة خارج المسجد. انتهى من الإعلام بما في العيار من فتاوى الأعلام.
وإحضار صبي به لا يعبث ويكف إذا نُهي؛ يعني أنه يجوز إحضار الصبي في المسجد، فالباء بمعنى "في". قاله الشبراخيتي. وإنما يجوز إحضار الصبي للمسجد إذا كان شأنه؛ أي الغالب عليه أنه لا يعبث، وعلى تقدير عبثه نادرا يكف عن عبثه إذا نهي عنه، فالجواز متوقف على الأمرين معا كما يفيده ابن عرفة، ونسبه للمدونة، فيفيد ترجيحه. وعلى هذا فالواو على بابها، ولابن عبد السلام وابن فرحون: يشترط في جواز إحضار الصبي أحد أمرين، إما عدم عبثه: أو كونه يكف إذا نهي بتقدير أن يعبث؛ لأن المقصود تنزيه المساجد، وإن حمل على ما لهما فالواو بمعنى "أو"، فإن كان يعبث ولا يكف إذا نهي، حرم إحضاره لخبر: (نزهوا مساجدكم عن مجانينكم وصبيانكم (١))، والمجنون كالصبي الذي يعبث ولا يكف إذا نهي لهذا الحديث. وعلم من هذا أن المقصود تنزيه المساجد عمن لا يتوقى الحدث، أو يرفع فيها الصوت، أو يلعب فيها، لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. وسئل مالك عن المرواح؛ أيكره أن يروح بها
стр. 1302
في المساجد؟ قال: نعم، إني لأكره ذلك. قال القاضي: هذا كما قال؛ لأن المرواح إنما اتخذها أهل الطول للترفه والتنعم، وليس ذلك من شأن المساجد فالإتيان إليها بالمرواح من المكروه البين. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: وعلم من هذا مكروهان: أحدهما التروح بالمرواح في المسجد، ثانيهما الإتيان بالمرواح إلى المسجد. والله سبحانه أعلم، وفي نوازل ابن هلال: ولا يجوز نشر التمر على سطح المسجد لا لمسكين ولا لغيره؛ لأن سطح المسجد له من الحرمة ما لداخله. انتهى.
وبصق به؛ يعني أنه يجوز بصلاة وبغيرها بصق بالمسجد، وهو شامل للتنخم، وأما المخط فيكره فيه. إن حصب؛ يعني أنه إنما يجوز البصق بالمسجد حيث كان المسجد محصبا؛ أي مفروشا بالحصباء كتراب فيما يظهر، فيبصق فوق الحصباء ويدفنه فيها.
أو تحت حصيره؛ معطوف على محذوف تقديره: فوق الحصباء. -كما أشرت إليه- يعني أن المسجد المحصب إذا لم يكن محصرا، فإنه يبصق فيه فوق الحصباء، ويدفن بصاقه فيها -كما علمت- وإن كان محصرا أي مفروشا بالحصير فوق حصبائه، فإنه يبصق تحت حصيره، فالضمير في "حصيره" عائد على المحصب، وفهم من قوله: "تحت حصيره"، أنه لا يبصق فوق الحصير، وإن دلكه -وهو كذلك- كما في المدونة. وأما المبلط فيمنع البصق فيه حُصِّر أم لا، هذا هو الظاهر لقول ابن بشير، وإن لم يكن محصبا فلا ينبغي أن يبصق فيه بحال وإن دلكه؛ لأن دلكه لا يذهب أثره، خلافا لظاهر نقل الطخيخي عن العوفي جواز البصق تحت حصير المبلط، وصوبه أبو علي والرماصي. وتكره المضمضة في المسجد وإن غطاها بالحصباء، وليست كالنخامة لكثرتها، وأما النخامة فيشق الخروج لها. وقوله: وإن غطاها بالحصباء، يؤخذ منه عدم كراهتها به في محل معد به للوضوء حيث يكون للماء مسرب بالأرض، ومحل جواز البصق بالمحصب أو تحت حصيره إن كان مرة أو مرتين لا أكثر، وهل المراد بالمرة والمرتين من واحد في يوم فقط؟ وأما مرة من واحد ومثلها لغيره ففعل كثير، فلا يجوز لتأذي الناس غالبا بذلك أم لا. انظره. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وبصق به" الخ، محل الجواز أيضا إذا لم يضر به غيره، وإلا منع. كذا ينبغي.
стр. 1303
ثم قدمه الصواب إسقاط "ثم"؛ بأن يقول: تحت قدمه، ويكون الظرف متعلقا بقوله: "وبصق"؛ أي يجوز البصق بالمحصب غير المحصر تحت قدمه الخ؛ أي اليمنى واليسار، ويكون تفصيلا لإجمال قوله: "وبصق به إن حصب"، لا له ولما بعده من مسألة المحصر. وحذف المص ما هو مساو لما تحت القدم في المرتبة؛ وهو البصق عن يساره. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وفات المص التنبيه على البصق في جهة اليسار، والبصق في طرف الثوب، ثم على يساره. انتهى. وإنما كان الصواب إسقاط "ثم" لأنه لم يتقدم له ما يعطفه عليه. والله سبحانه أعلم. ثم إن لم يتأت له البصق تحت قدمه وكان عن يساره أحد: فإنه يبصق يمينه بالنصب؛ أي ينتقل لجهة يمينه، وإنما أخرت جهة اليمنى عما قبلها لتنزيه اليمنى وجهتها عن الأقذار، فالمراد باليمين الجهة: ولا يصح أن يراد بها القدم اليمنى لدخولها في قوله: "ثم قدمه". قاله الشيخ إبراهيم، وغيره.
ثم إن لم يتأت له البصق تحت القدم، ولا في جهة اليسار. ولا في جهة اليمين، بأن كان عن يساره أحد وعن يمينه أحد، فإنه يبصق أمامه إن لم يمكنه إلا ذلك لتنزيه القبلة عن ذلك إلا لضرورة. وجزم علي الأجهوري ومن تبعه؛ بأن هذا الترتيب خاص بالصلاة، فلا يطلب من غير المصلي. وبه قرر المسناوي ﵀. وللحطاب أنه: يطلب في الصلاة وغيرها، واختاره الرماصي لإطلاق عياض، وابن الحاجب، وابن عرفة، والمؤلف. ولقول الأبي في شرح مسلم: كان النهي تعظيما لجهة القبلة، فيعم غير الصلاة وغير المسجد، لكن يتأكد في المسجد. قال الرماصي: وأحاديث الصحيح مختلفة، ففي بعضها التقييد بالمصلي، وفي بعضها الإطلاق، وما ذكر المص من جواز البصاق لا ينافي حديث الصحيحين: (البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها (١))؛ لأنه إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، ومن أراد دفنه فلا. ويؤيده حديث: (من تنخم في المسجد فلم يدفنه
стр. 1304
فسيئة وإن دفنه فحسنة (١)). وحمل بعضهم الجواز على من له عذر يمنعه من الخروج من المسجد، والمنع على من لا عذر له، قاله عياض.
ومُلَخَّصُ المسألة أن المسجد إما محصب، وإما مبلط، فالثاني لا يبصق فيه بحال إلا على ما للطخيخي من أنه يبصق تحت حصيره، والظاهر ما لغيره من منع البصق فيه بكل حال، وإن دلكه لأن الدلك لا يذهب أثره، والأول يبصق فيه ثم يدفن البصاق في الحصباء إن لم يحصر، فإن حُصِّر بصق فيه تحت حصيره لا فوقه، وإن دلكه كما في المدونة، وحيث بصق في المحصب فوق الحصباء؛ فإنه يبصق أولا عن يساره أو تحت قدمه -كما في الحديث الصحيح (٢) إلا أن يكون عن يساره أحد، ولا يتأتى له تحت قدمه، فحينئذ ينتقل لجهة يمينه ثم أمامه إن لم يمكن ذلك إلا هناك، وهل هذا الترتيب خاص بالمصلي كما جزم به علي الأجهوري ومن تبعه، أو عام فيه وفي غيره؟ كما للحطاب، واختاره الرماصي، ولو قدم المص مسألة المحصب؛ أي الترتيب المذكور ليفيد أن الترتيب راجع له وأخر مسألة المحصر كان أظهر. وقد تقدم أن الصواب إسقاط "ثم" وهذا التحصيل للشيخ محمد بن الحسن، وقال الشيخ عبد الباقي بعد كلام. فتحصل أنه يجوز بصق بمحصب فقط، وتحت حصيره كفي طرف ثوبه لصل وإن بغيره، ثم عن يساره وتحت قدميه، ثم يمينه، ثم أمامه في محصب فقط. انتهى. وفي المواق: ابن بشير: إن اضطر الإنسان إلى البصاق وهو في المسجد، فإن كان في الصلاة فالأولى أن يبصق في طرف ثوبه، فإن لم يفعل فإن لم يكن المسجد محصبا فلا ينبغي أن يبصق فيه بحال وإن دلكه؛ لأن تدليكه لا يذهب أثره. قال في المدونة: ولا يبصق في المسجد فوق الحصير ويدلكه برجله، ولكن تحته، ولا في حائط قبلة المسجد، ولا في مسجد غير محصب إذا لم يقدر على دفن البصاق فيه، وإن كان المسجد محصبا فلا بأس أن يبصق بين يديه وعن يمينه وعن يساره وتحت قدميه ويدفنه. وفي المدونة: قال مالك: لا بأس أن يبصق تحت الحصير لا على ظهره، ولا في قبلة المسجد، قال: وإن كان عن
стр. 1305
يمينه رجل وعن يساره رجل في الصلاة بصق أمامه ودفنه، وإن كان لا يقدر على دفنه فلا يبصق في المسجد بحال كان مع الناس أو وحده، وفي العارضة: إن أوقعته في المسجد فقد اقترفت سوءا: وكفارته دفنه في الحصباء إلا أن يكون مسطحا فكفارته مسحه، (وقد طَيَّب النبيُّ ﷺ المسجد من نخامة كانت في القبلة بشيء من الخلوق (١)): ولكن الله جعل طرحه للعبد ضرورة في أي حالة حتى في الصلاة. انتهى. وفي حديث الموطإ: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله ﵎ قبل وجهه إذا صلى (٢)). الخطابي: معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه: فصار بالتقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو على حذف مضاف؛ أي عظمة الله أو ثواب الله. وقال ابن عبد البر: هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وفي هذا التعليل دليل على حرمة البزاق في القبلة سواء كان في المسجد أم لا، ولاسيما من المصلي ولا يجري فيه الخلاف في كراهة البزاق في المسجد، هل هي على التحريم أو التنزيه؟ وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان عن حذيفة مرفوعا: (من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه وهي أحمى ما تكون (٣))، ولابن خزيمة عن ابن عمر مرفوعا: (يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه)، ولأبي داوود وابن حبان: أن رجلا أم قوما فبصق في القبلة، فلما فرغ قال رسول الله ﷺ : (لا يصلي لكم (٤)) الحديث، وفيه أنه قال له: إنك آذيت الله ورسوله. نقله محمد بن عبد الباقي. وفي القاموس: تفل يتفل ويتفل: بصق، والتفل والتفال بضمهما البصاق، وفيه وجاهك وتجاهك مثلثين تلقاءك. ومِمَّا يجب أن يجنب عنه المسجد أن يتخذ طريقا، نص عليه ابن حبيب، قال: إلا في وقتٍ مَّا. وقال اللخمي: ولا يجوز حدث الريح به. وقد نصوا أيضا أنه يجب أن ينزه المسجد عن إماطة الأذى به، وإن لم يكن نجسا فلا يقلم ظفره به، ولا يتمضمض، ولا يستاك، ولا يتوضأ به. ومن رأى في ثوبه دما خرج
стр. 1306
به من المسجد، وقيل: يغطيه ويتركه بين يديه، ومن تذكر في المسجد أنه جنب خرج ولم يتيمم -كما تقدم- (وقد اتفق للنبي ﷺ (١)). قاله المواق. وقال الإمام الحطاب ناقلا الذي يتنخم في النعلين في المسجد، إن كان لا يصل إلى موضع حصير يتنخم تحته فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان يصل إلى الحصير فإني لا أستحسنه، ولا أحب لأحد أن يتنخم في نعله. قال القاضي: وكره التنخم في النعلين إلا أن لا يصل إلى الحصير لظهور ذلك فيهما، وربما وضعهما في المسجد فيعلق به شيء من ذلك، ووقع في بعض الروايات مكان فلا أستحسنه: فإني أستقبحه، فيعود الاستحسان إلى التنخم تحت الحصير إن كان يصل إليها، والاستقباح إلى التنخم في النعلين إن كان يصل إلى الحصير. انتهى. وقال الشيخ أبو الحسن في شرح قوله: ولا يبصق في المسجد فوق الحصير ويدلكه برجله، قال ابن رشدة أما كراهته أن يتنخم على الحصير ثم يدلكه برجله؛ فلأن ذلك لا يزيل أثرها من على الحصير، وفي ذلك إذاية للمسلمين. وسمع القرينان من خرج من المسجد بيده حصباء نسيها أو بنعله إن ردها فحسن وما ذاك عليه ابن رشد؛ لأنه أمر غالب لا ضرر فيه على المسجد فلم يلزم رده إليه. كما أن ما بقى بين أسنان الصائم من الطعام إذا ابتلعه في النهار مع ريقه لم يوجب عليه قضاء؛ لأنه أمر غالب. وقال ابن الماجشون: وإن كان متعمدا؛ لأنه ابتدأ أخذه من وقت يجوز له؛ وهو بعيد. انتهى كلام الحطاب. وقال الشيخ الأمير عاطفا على الجائز: وبصق بمحصب تحت فراشه إن كان، وإلا فتحت قدمه اليسرى، ثم اليمنى، ثم جهتاه كذلك، والأفضل البصق بالثوب، وحرم إن أدى لتقذير كإن كثر. انتهى. وقال في الشرح بعد قوله: "وبصق بمحصب"، وأولى مترب لا مبلط. والنخامة كالبصق وكفارتها دفنها، وينهى عن المضمضة والمخط، فإن قذرا حرما. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولو قال المص: وبصق بمحصب أو تحت حصيره كفى طرف ثوبه لمصل وإن بغيره،
стр. 1307
ثم على يساره وتحت قدميه، ثم يمينه، ثم أمامه في محصب فقط، لأتى بالمسألة مستوفاة سالمة من التقييد.
والحاصل أن المصلى يبصق بطرف ثوبه مطلقا، فإن لم يبصق به وأراد أن يبصق في المسجد، فإن كان غير محصب فليس له ذلك، وإن كان محصبا فله ذلك على الترتيب الذي ذكرنا. وأما غير المصلي فإنه يبصق في المحصب أيضا في خلال الحصباء أو تحت حصيره، لكن لا يطلب منه الترتيب الذي في المصلي. انتهى. وفي الحطاب: وأجاز ابن القاسم الوضوء في صحن المسجد من رواية موسى بن معاوية، وكرهه سحنون لما في ذلك من مج الريق في المسجد، وما يتناثر من الماء في المسجد مما يؤثر في نظافة المسجد. وروى محمد بن يحيى في المدونة عن مالك: لا يصلح أن يتمضمض في المسجد وإن غطاه بالحصباء بخلاف النخامة. انتهى. يريد -والله أعلم- أن النخامة تكثر وتتكرر فيشق الخروج لها من المسجد، والمضمضة تندر فلا مضرة ولا مشقة في الخروج لها من المسجد. انتهى. واعلم أن المسجد ينزه عن كل ما يستقذر ولو كان طاهرا.
وخروج متجالة لعيد واستسقاء؛ يعني أنه يجوز بل يندب خروج متجالة؛ وهي التي لا أرب للرجال فيها غالبا لصلاة عيد فطر أو أضحى ولصلاة استسقاء لتشهد دعوة المسلمين، وأولى الفرائض.
وشابه لمسجد؛ يعنى أنه يجوز على خلاف الأولى خروج شابة إلى مسجد لصلاة فرض بجماعة بليل غير مخشية الفتنة، ولا متزينة، ولا متطيبة، ولا مزاحمة للرجال، ولا بالطريق ما يتوقع مفسدته، وإلا منعت كمخشية فتنة ولو بسبب زينة، وكخروجهن لمجلس علم وذكر ووعظ، فيمنعن وإن كن منعزلات عن الرجال: كما أفتى به ابن عرفة. قاله الأبي. وانظر هل ضمير الجمع عائد على النساء مطلقا، أو على الشابات خاصة؟ قاله أحمد. وكره خروجها لجمعة -كما في كفاية الطالب- مع استيفاء الشروط غير الليل؛ لأن لها بدلا بخلاف الفرض في جماعة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "وشابة لمسجد"؛ أي لصلاة فرض في الجماعة؛ ويمنع خروجها لمجالس العلم والمذكر والوعظ وإن كانت منعزلة عن الرجال، وشرط العلماء في خروجهن أن يكون بليل، وقال بعضهم: لا يكون خروجهن ليلا، وإنما يكون نهارا،
стр. 1308
وأن يكن غير متزينات ولا متطيبات، لخبر: (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء (١))، ولا مزاحمات للرجال، ولا شابة مخشية الفتنة، وفي معنى الطيب إظهار الزينة، وأن تخرج في خشن ثيابها. وأن لا تتحلى بحلي يظهر أثره للرجال بنظر أو صوت، وإلا فلا بأس به، وزاد البساطي: وأن لا تكون مشهورة بالجمال. وفي كلام ابن رشد ما يدل له، ويزاد لتلك الشروط أن لا يكون بالطريق ما تتقى مفسدته. عياض: وإذا منعن من المسجد فمن غيره أولى، وإذا وجدت الشروط، فينبغي أن يخرجن في غير الليالي المقصودة بالخروج. قال في توضيحه: ويتعين في زماننا المنع. انتهى. وقال الإمام الحطاب عند قوله: "وخروج متجالة لعيد واستسقاء وشابة لمسجد": في الحديث: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (٢)).
قال الأبي في شرح مسلم: قال القاضي عياض: هو إباحة لخروجهن، ونص أن لا يمنعن، ودليل أن لا يخرجن إلا بإذن الزوج، ثم قال عن القاضي: وشرط العلماء في خروجهن أن يكن غير متزينات، ولا متطيبات، ولا مزاحمات للرجال، ولا شابة مخشية الفتنة، وفي معنى الطيب إظهار الزينة وحسن الحلي، فإن كان شيء من ذلك وجب منعهن خوف الفتنة، وقال ابن مسلمة: تمنع الشابة الجميلة المشهورة، قال الشيخ محيي الدين: ويزاد لتلك الشروط أن لا يكون بالطريق ما تتقى مفسدته. قال القاضي عياض: وإذا منعن من المسجد فمن غيره أولى. انتهى. وفي مناسك ابن الحاج: ولا بأس أن تطوف المرأة وهي لابسة الحلي، وروي عن النبي ﷺ أنه رأى امرأة تطوف بالبيت وعليها مناجد من ذهب، فقال: (أيسرك أن يحليك الله مناجد من نار؟ قالت: لا، قال: فأدي زكاته)، والمناجد: الحلي المكلل بالفصوص، ألا تراه لم ينهها عن لباسه؟ انتهى. وهذا فيما ليس له صوت ولا يظهر للرجال، فإن ذلك حرام. والمناجد بالدال المهملة، كذا ذكر ابن الأثير في النهاية وقال الشيخ أبو الحسن: قال يحيى بن يحيى: أجمع الناس على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد إلا المتجالة التي انقطعت
стр. 1309
حاجة الرجال منها فلا بأس أن تخرج، قلت: فلو أن بعض الشواب أرادت الخروج إلى المسجد فمنعها زوجها فأساءت، قال: يودبها ويمنعها، صح من تفسير ابن مزين، ثم قال الشيخ: واختلف التأويل، هل ذلك خطاب للأئمة؟ وإليه ذهب ابن رشد، أو خطاب للأزواج؟ وإليه ذهب الباجي. انتهى. وقال في الطراز بعد أن ذكر لفظ المدونة وحديث ابن عمر: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (١)) ما نصه: ولا فرق في ذلك بين صلاة النهار وصلاة الليل؛ لأن الحديث عام مع أنه قد خرج مسلم في صحيحه عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل (٢))، وهذا لأن الصلاة المكتوبة في الجماعة جاء فيها فضل كبير، وكذلك المشي إلى المساجد فبالنساء أكثرُ حاجة إلى ذلك كما بالرجال، ويرجع الحال إلى شأن المرأة، فإن عرف منها الديانة والصحة فلا بأس أن يأذن لها في ذلك، وإن عرف منها المكر ولم يتحقق أنها تريد المسجد حتى يتحقق توجه الطلب إليه فله في ذلك مقال. وقد منع النبي ﷺ من يوجد منها ريح البخور أن تخرج إليه بالليل، ولا يعرف أن أبكار نساء الصحابة ومن ضاهاهن يخرجن إلى المسجد، وكره في رواية أشهب ترداد المتجالة إليه، ورآى في غيرها أن تخرج إليه المرة بعد المرة، وخرج أبو داوود عن ابن عمر أن النبي ﷺ ، قال: (لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن (٣))، وهذا يقتضي أن خروجهن إليها جائز، وتركه أحسن على ما قاله مالك في المختصر. والله أعلم. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ابن رشد: تلخيص هذا الباب على تحقيق القول فيه عندي أن النساء أربع: عجوز قد انقطعت حاجة الرجل منها؛ فهي كالرجل في ذلك، ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجل منها بالجملة، فهذه تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد كما قال في الرواية، وشابة من الشواب؛ فهذه تخرج إلى المسجد في الفرض وفي جنائز أهلها وقرابتها، وشابة فارهة في الشباب والنجابة؛ فهذه الاختيار لها أن لا تخرج أصلا. وبالله التوفيق. انتهى. وظاهر كلامه أن القسم الثاني كالأول في الحكم،
стр. 1310
وصرح به أبو الحسن، فقال على قول المدونة: فتخرج المتجالة إن أحبت، ما نصه ظاهره: انقطعت حاجة الرجال منها، أم لا. انتهى.
ولا يقضى على زوجها به؛ يعني أن الشابة غير المخشية الفتنة يجوز خروجها لمسجد على ما مر من الشروط، ولكن لا يقضى على زوجها بذلك؛ أي بالخروج إلى المسجد لصلاة الجماعة إن طلبته، بخلاف المتجالة كما هو ظاهره، ونحوه يفيده ابن رشد، وظاهر السماع والأبي: عدم القضاء لها أيضا. وقوله: "ولا يقضى على زوجها به"؛ أي والأولى عدم المنع لخبر: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (١)) وهو مع اشتراطه في العقد آكد لخبر: (أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج (٢))، وقال الشيخ الأمير: وندب لمسنة خروج لمشاهد الخير ولا يقضى به، وجاز مرجوحا لمتجالة لم تكبر كشابة لخصوص الفرض وجنازة أهلها، فإن برعت منعت. انتهى. واقتداء ذوي سفن بإمام؛ يعني أنه يجوز اقتداء ذوي سفن متقاربة بإمام واحد يسمعون تكبيره أو يرون أفعاله، أو من يسمع عنه، ويندب كونه في التي تلي القبلة، فإن لم يكن في التي تلي القبلة فالصلاة جائزة، سواء كانوا في المرسى أو سائرين؛ لأن الأصل السلامة وعدم طرو ما يفرقهم من ريح أو غيره؛ فإن طرأ ما يفرقهم استخلفوا أو صلوا وحدانا، فإن اجتمعوا بعد أن استخلفوا، أو ععلوا عملا كركوع لم يدخلوا معه، فإن دخلوا بطلت صلاتهم، فإن لم يستخلفوا ولا عملوا، أو عملوا كقراءة فهم على مأموميتهم فيتبعونه وجوبا وإن عمل بعدهم عملا، ويجتمع حينئذ البناء والقضاء، فيقدمون البناء، وتفريق السفن ضروري، فلذا اعتدوا بما فعلوا بعد إمامهم بخلاف من ظن سلام إمامه، فقام لقضاء ما عليه، فتبين خطأ ظنه، فيلغي ما فعل قبل سلام إمامه -كما تقدم- وفهم مما تقدم أنهم لو اجتمعوا بعد فراغهم مع إمامهم ولم يفرغ لا شيء عليهم لخروجهم عن إمامته، كما صرح به الشيخ إبراهيم. وانظر لو حصل تفريق الريح للسفن بعد ما قرأ الإمام،
стр. 1311
هل يعتد المأموم بذلك؛ لأن حكم المأمومية لم يزل منسحبا عليهم إلى وقت التفريق، بل وبعده أيضا حيث اجتمعن قبل الاستخلاف وحصول عمل أولا يعتد به. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر الأول، وصرح به الأمير؛ فإنه قال: واقتداء ذوي سفن سائرة بإمام، فإن تفرقوا ندب الاستخلاف، ثم إن اجتمعوا رجعوا إليه وكفتهم قراءته، وإنما يرجعون إليه إن لم يستخلفوا، ولم يعملوا عملا غير القراءة، وعمله دونهم كالمزاحمة عن الركوع ونحوه السابق. والله سبحانه أعلم.
وفصل مأموم بنهر صغير؛ يعني أنه يجوز فصل المأموم عن إمامه بنهر صغير بحيث يسمعون قول الإمام، أو مأمومه. أو يرون فعل أحدهما، ولا يجوز الفصل بالنهر الكبير، ويعلم حدد مما مر في الصغير. ومنع الإمام أبو حنيفة كل فاصل، والحجة عليه أن أزواج النبي ﷺ كن يصلين بحجرهن بصلاته عليه الصلاة السلام، وحد الشافعي النهر بثلاثمائة ذراع بينه وبين الصفوف أو الإمام.
أو طريق يعني أنه يجوز فصل المأموم عن إمامه بطريق يامن معه من عدم سماع قوله، أو قول مأمومه، أو رؤية فعل أحدهما. قاله الشيخ إبراهيم. وفي المدونة: قال مالك: لا بأس بالنهر الصغير. والطريق يكون بين الإمام والمأموم. قاله المواق. اللخمي: ولا بأس أن يصلي أهل الأسواق جماعة وإن كانوا على خلاف السنة من تفرق الصفوف وفرقت بينهم الطريق؛ لأن هذه ضرورة في الصلاة.
وعلو مأموم؛ يعني أنه يجوز ارتفاع المأموم على إمامه؛ أي يجوز أن يصلي المأموم بمحل أعلى من الموضع الذي يصلي فيه إمامه، وقوله: علو بضمتين فشدة؛ أي ارتفاع. ولو بسطح؛ يعني أنه يجوز ارتفاع المأموم حال اقتدائه بمحل أعلى من الموضع الذي يصلي فيه إمامه، ولا فرق في ذلك بين علو بسطح؛ بأن يكون المأموم على سطح وغيره، ورد المص بلو قول الإمام الرجوع إليه، ففي المدونة قال مالك: ولا بأس أن يصلي في غير الجمعة على ظهر المسجد بصلاة الإمام والإمام في المسجد، ثم كره ذلك، وبأول قوْلَيْه أقول. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وغيره. ويدل للمصنف ما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام، قاله
стр. 1312
الشيخ إبراهيم. وقال الإمام الحطاب: وقال ابن بشير: اختلف قوله في المدونة في الإمام يصلي في المسجد ويصلي قوم فوق المسجد بصلاته، فكرهه مرة وأجازه أخرى، وعللت الكراهة بالبعد عن الإمام أو تفرقة الصفوف، وعدم التحقق لمشاهدة أفعال الإمام، وعلى هذا يكون الجواز إذا قرب عَلِيُّ المسجد لمن أسفله فيكون خلافا في حال. انتهى. ونقله إبن فرحون، فقال: لبعده عن الإمام، وقيل: لكونه لا يشاهد أفعاله، وقيل: لتفريق الصفوف، فعلى الأول إن كان السطح قريبا لم يكره، وعلى الثاني إن شاهد أفعال الإمام أو المأمومين لم يكره، وعلى الثالث يكره مطلقا. انتهى. والظاهر التعليل بالبعد، فلما رأى ابن القاسم أن هذا البعد يمكن معه مراعاة أفعال الإمام بحصول السماع من غير تكلف أجازه، وكرهه في مسألة أبي قبيس المتقدمة لكثرة البعد. والله أعلم. انتهى كلام الإمام الحطاب.
لا عكسه؛ يعني أن علو الإمام على المأموم لا يجوز؛ أي يكره فقط على المعتمد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: يعني وأما عكس المسألة الأولى وهو أن يكون الإمام على مكان أعلى من مكان المأموم فلا يجوز. قاله الشارح، وابن غازي، وغيرهما. قال ابن بشير: (وقد نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الإمام على أنشز مما عليه أصحابه (١)). انتهى. ومعنى أنشز: أرفع، وذكر في الطراز عن عمار بن ياسر ﵁ أنه كان بالمدائن، فأقيمت الصلاة، فتقدم عمار ﵁، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة وأخذ على يديه فتبعه عمار حتى أنزله حذيفة ﵁، فلما فرغ عمار من صلاته، قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: (إذا أمَّ الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم) (٢) أو نحو ذلك؟ فقال عمار: بذلك اتبعتك حين أخذت على يدي. أخرجه أبو داوود وقال ابن فرحون: لأن الإمامة حالة تقتضي الترفع، فإذا انضاف إلى ذلك علوه عليهم في المكان دل على قصده الكبر. انتهى. وقال الشبراخيتي: وظاهر كلام المص أن علو الإمام على مأمومه
стр. 1313
ممنوع، وظاهر المدونة وكلام سند: الكراهة إذا لم يقصد بعلوه الكبر، ويمكن حمل كلام المص عليه بحمل عدم الجواز على الكراهة: وحينئذ فقوله: "لا عكسه"؛ أي فيكره على المذهب. انتهى. وقوله: "لا عكسه"، قال الشيخ إبراهيم وغيره: محل ذلك إذا لم يكن لتعليم، ودخل الإمام على ذلك من غير ضرورة، فإن كان لتعليم كصلاته ﷺ على المنبر، أو لم يدخل على ذلك بأن كان ابتدأ الصلاة وحدد على مكان مرتفع. فجاء من صلى أسفل منه أو دخل عليه لضرورة كضيق مكان ونحوه، جاز. انتهى. وقال صاحب الإشراف: إذا كان الإمام فوق السطح فلا تصح صلاة المأمومين؛ لأنه يحتاج إلى عمل في الصلاة بالنظر إلى ضبطه أحوال الإمام. انتهى.
وبطلت بقصد إمام به الكبر؛ يعني أن علو الإمام على المأموم، أو علو المأموم على إمامه إذا قصد به الكبر، فإنه تبطل صلاة من قصد الكبر بذلك العلو من إمام ومأموم، وقوله: "بقصد"، هو في بعض النسخ بالباء، وهي للسببية وهو الذي قررت، وفي بعض النسخ باللام وهي للتعليل، ومعنى الكلام عليها كهو على نسخة الباء؛ أي أن صلاة المعتلي من إمام ومأموم تبطل لقصد الإمام أو المأموم بالعلو الكبر. وفي بعض النسخ بالكاف كقصد: ومعنى الكلام عليها أن علو الإمام على المأموم يبطل صلاته ولو لم يقصد به الكبر، وهو قول لكنه ضعيف، فيكون قوله: "وبطلت"، من تتمة قوله: "لا عكسه"، فيقتضي البطلان مطلقا قصد الكبر أم لا، ثم شبه بالبطلان. قوله: "كقصد إمام الخ"، وقوله: "به"؛ أي بالعلو سواء قل كشبر أم لا. واعلم أن ارتفاع الإمام فعل تقدم من بني أمية على جهة التكبر، فمنع في القاصد وغيره حسما للذريعة، ومن قصد بالعلو الكبر بطلت صلاته إماما أو مأموما، وإن كان إماما أبطل عليه وعلى من خلفه.
واعلم أن المأموم إذا لم يقصد بعلوه على إمامه الكبر، فإن صحة صلاته متفق عليها قاله الحطاب. وفيه: قال ابن القاسم: كره مالك أن يصلي الإمام على شيء هو أرفع مما يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب ونحوه من الأشياء، قال سحنون: قلت له: فإن فعل؟ قال: عليهم الإعادة، وإن خرج الوقت؛ لأن هؤلاء يعبثون إلا أن يكون على دكان يسير الارتفاع. وفي التهذيب: ولا يصلي الإمام على شيء أرفع مما عليه أصحابه، فإن فعل أعادوا أبدا لأنهم يعبثون
стр. 1314
إلا الارتفاع اليسير مثل ما كان بمصر، فتجزئهم الصلاة. انتهى. وهذا يوافق نسخة الكاف المتقدمة؛ أعني قوله: "كقصد إمام"، الخ وقوله: يعبثون، قال ابن فرحون: العبث هو ما يفعل لقصد الكبر، فقوله: لأنهم يعبثون؛ أي يقصدون الكبر والجبروت على المؤمنين، وبه فسر قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾؛ أي تبنون بكل موضع آية أي علامة تدل على تكبركم تعبثون عبثا مستغنين عنه. انتهى. وقال سند: وقد سمى الله البناء العالي على الموضع المرتفع عبثا، فقال على لسان بعض أنبيائه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، وموضع الصلاة ينافي العبث والتكبر، فإنها وضعت على التمسكن. إلا بكشبر مستثنى من قوله: لا عكسه فالأولى أن يصله به؛ يعني أن علو الإمام على المأموم محل عدم جوازه حيث كثر، وأما إن قل كشبر فإنة جائز، ونحوُ الشبر عظم الذراع أي من طرف المرفق إلى مبدإ الكف فيجوز اتفاقا، وينبغي أن يراضى الذراع المتوسط. قاله الشيخ إبراهيم، والشيخ عبد الباقي. وبما قررت علم أنه غير مستثنى من مسألة قصد الكبر؛ إذ مع قصد الكبر لا تفصيل بل البطلان ليس إلا.
تنبيهات: الأول فهم من قوله: به أن قصد الكبر، لا بالعلو بل بتقدمه للإمامة، أو بقصد المأموم الكبر بنحو تقدمه من محل مأموم آخر كوقوفه بجنب الإمام، أو وقوفه على نحو بساط لا تبطل. والتعليل بفسق المتكبر يفيد البطلان. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: نقل أبو علي عن المازري عدم بطلانها بقصد التكبر في العلو اليسير وأحرى بدون علو فانظره. انتهى.
الثاني: العجب يبطل الثواب ولا يبطل الصلاة فليس كالكبر، والكبر هو استعظام النفس وهو أصل للعجب، والعجب هو استعظام النفس خصالَها التي هي من النعم، والركون إليها من نسيان إضافتها إلى المنعم، والأمن من زوالها. وإنما كان الكبر أصلا للعجب؛ لأن من كبرت نفسه عنده أعجب بعمله، ومن لا فلا، ودواء العجب رؤية المنة لله تعالى، وأنك لا تستحق شيئا من حيث أنت. وحقيقة الرياء هي طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات وأعمال الخير، وأصله الطمع، ودواؤه الورع، فإن طلب المنزلة في قلوب العباد بأفعال ليست من العبادات فليس بحرام، كطلب
стр. 1315
الجاه بكثرة المال، وحسن الثياب وحفظ الأشعار، وعلم الطب والنحو واللغة، وجاز ذلك لأن الإنسان يحتاج إلى اليسير من الجاه ليحرس نفسه من الظلم والعدوان.
الثالث: قال في الطراز: فلو كان الإمام على شرف أو كدية ومن خلفه تحته في وطاء وذلك قدر متقارب: قال ابن القاسم في العتبية: لا بأس به، وهذا يخرج على ما قدمنا؛ لأن كل هذا يعد أرضا واحدة ومكانا واحدا، سيما إذا اتصلت الصفوف بخلاف السقف والأرض، فإنهما موضعان ومكانان مختلفان. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
وهل يجوز إن كان مع الإمام طائفة كغيرهم؛ يعني أن ما ذكره أولا من عدم الجواز في قوله: "لا عكسه" سواء حمل على الكراهة أو على المنع اختلف فيه، هل ذلك مطلقا؟ سواء كان مع الإمام طائفة من المأمومين أو كان وحده وهو ظاهر المذهب عند صاحب الطراز، أو إنما ذلك إذا كان وحده أو معه من ليسوا كغيرهم. وأما إن كان مع الإمام طائفة من المأمومين كغيرهم ممن ليس معه في العلو والفضل والعظمة؛ أي ليسوا من أشراف الناس بل من سائر الناس، فإن ذلك جائز. واعلم أن هذا الأخير لابن الجلاب، إلا أن ابن الجلاب قال: محل ذلك؛ يعني المنع أو الكراهة إن كان الإمام وحده وأما إن كان مع غيره فلا كراهة: واختاره وساقه على أنه المذهب. وقوله: "كغيرهم"، أشار به المص إلى ما ذكره في توضيحه بعد ذكره كلام ابن الجلاب ونصه. وقيد بأن تكون الطائفة من سائر الناس، قال الشارح: احترازا مما إذا صلى معه طائفة من أشراف الناس فإن ذلك مما يزيدد فخرا وعظمة. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقوله: تردد؛ أي في ذلك تردد. وهو إلى التأويل أقرب، قاله الشيخ إبراهيم. وتحصل مما مر أن سندا هو القائل بعدم الجواز مطلقا، وابن الجلاب هو القائل بالجواز حيث كان مع الإمام طائفة، وقيد كلامه بما إذا كانت الطائفة التي معه من سائر الناس. والله سبحانه أعلم.
ومسمع؛ يعني أنه تجوز صلاة المسمع وهو الرافع صوته للعلم بما يفعله الإمام ليتبع، ومن لازم جواز صلاته صحتها، وظاهره ولو قصد بالتكبير وربنا ولك الحمد مجرد إسماع المأمومين، خلافا للشافعية القائلين: إن قصد ذلك بطلت صلاته.
стр. 1316
واقتداء به؛ يعني أنه يجوز الاقتداء بالمسمع، ومعنى ذلك أنه يجوز للمأموم أن يعتمد في انتقالات الإمام على صوت المسمع لعمل أهل الأمصار من غير نكير، (ولصلاته ﷺ وأبو بكر وراءه يسمع الناس (١))، والأفضل أن يرفع الإمام صوته ويستغني عن مسمع، وظاهر المص جواز الاقتداء به ولو صغيرا، أو امرأة، أو غير مصل، أو غير متوضئ. واختاره البرزلي مخالفا لفتوى بعض شيوخه ببطلان صلاة المقتدي بسماع واحد من الأربعة، واستظهر الحطاب ما للبرزلي في الأولين وما لشيخه في الأخيرين، قال: لقولهم مراتب الاقتداء أربعة: رؤية أفعال الإمام أو المأموم، أو سماع قول الإمام أو المأموم، ويخرج من ليس في صلاة أو من على غير وضوء، وأعلاها رؤية فعل الإمام، فسماع قوله: فرؤية فعل المأموم أو سماع قوله، فإن تعذرت الأربعة فلا إمامة. فإذا كبر الإمام للإحرام وكبر المسمعون خلفه إذ ذاك قبل أن يدخلوا في الصلاة ليسمعوا الناس فيعلموا أن الإمام قد كبر، فمن أحرم بذلك سرى الخلل في صلاته لما تقدم إذ هذا ليس واحدا من الأربعة، وللوانشريسي ﵀.
هل المسمع وكيل أو علم … على صلاة من تقدم فأم
عليه تسميع صبي أو مره … أو محدث أو غيره كالكفره
وعلى أنه وكيل فلا يجوز التسميع حتى يستوفي شرائط الإمام، ولما ذكر المص صحة الاقتداء بصوته فأولى صوت الإمام، ذكر الرؤية بقسميها، فقال: أو برؤية؛ يعني أنه يجوز الاقتداء برؤية لإمام أو مأموم، فقد اشتمل كلام المص على مراتب الاقتداء الأربع المذكورة.
وإن بدار؛ يعني أنه يجوز الاقتداء مع حصول أحد الأمور الأربعة، وإن كان المقتدي بدار والإمام خارجها بمسجد أو غيره كان بينهما حائل أم لا خلافا للشافعي في الأول، وإذا جرت عادة
стр. 1317
الناس على شيء مما اختلف فيه ومستنده صحيح فلا ينبغي للمخالف أن يحمل الناس على مختاره، فيدخل عليهم شغبا في أنفسهم وحيرة في دينهم.
وقد تقرر أن من شرط تغيير المنكر أن يكون متفقا على أنه منكر، ومثل المتفق عليه ما ضعف مدرك القول به لكونه مخالف نص قرآن أو سنة أو إجماع. قوله: "وإن بدار"، قال الشيخ محمد بن الحسن: إن أراد من في الديار التي بقرب المسجد أن يصلوا بصلاة إمام المسجد جاز ذلك إن كان إمام المسجد في قبلتهم يسمعونه ويرونه ويكره إذا كان على بعد يرونه ولا يسمعونه؛ لأن صلاتهم على التخمين والتقدير، وكذلك إذا كانوا على قرب يسمعونه ولا يرونه لحائل بينهم؛ أو لأنه ليس على قبلتهم لأنهم لا يدرون ما يحدث عليه، فإن نزل جميع ذلك مضت وأجزأتهم صلاتهم. انتهى. ونقله أبو الحسن: وأقره، وبه تعلم أن المراد بالجواز هنا مطلق الإذن الشامل للكراهة. انتهى. وما ذكره من الكراهة في الرؤية فقط أو في السماع فقط خلاف الراجح، بل الراجح الجواز كما هو صريح المصنف. انظر الرهوني. والله تعالى أعلم. واعلم أنه قد قيل ببطلان صلاة المسمع وصلاة المقتدي به، وفي المدخل: إذا بطلت صلاة المسمع سرى البطلان إلى صلاة من صلى بتبليغه، فراجعه. والله أعلم. وفي المنجور: فما عليه السلف والخلف من جواز هذا الفعل يعني الاقتداء بالمسمع حجة بالغة على من خالفهم، فكيف بمن فسقهم أو بدعهم وضللهم، فهذا مخالف للجماعة جدير بهذه الأوصاف أو بعضها، أو مكابر: أو جاهل بالعلم لا عقل له. انتهى. قاله الامام الحطاب. وقال الشيخ الأمير: وجاز اعتماد على مسمع من المأمومين لا غير، فمحرم على الأظهر، والأظهر أيضا لا يشترط استيفاؤه حكم الإمام النائب عنه من ذكورة وبلوغ. انتهى، واعلم أنه لا يشترط معرفة عين الإمام، قال الشيخ الأمير: ومما يلغز به هنا: شخص تصح صلاته فذا وإماما لا مأموما؛ يعني الأعمى الأصم إلى آخر كلامه.
وشرط الاقتداء نيته؛ يعني أنه يشترط واقتداء المأموم ثلاثة شروط، أولها نيته أي نيتة اقتدائه بالإمام؛ وهو أن ينوي الاقتداء بإمامه حين إحرامه في سائر الصلوات، ويمتنع عليه بسببه الانتقال، فلوأحرم شخص منفردا ثم في أثنائها رأى إماما بين يديه فنوى الاقتداء به بطلت صلاته، لفوات محل النية؛ لأن النية لابد أن تكون مقارنة لأول الفعل، ولذلك فرع ابن الحاجب
стр. 1318
على هذا الشرط قوله: فلا ينتقل منفرد لجماعة واعترض المص بأنه لا يتأتى اقتداؤه به من غير نية، وأجيب بأن المراد شرط له نيته من أول الصلاة، فلوأحرم شخص منفردا ثم في أثناثها إلى آخر ما مر، وقوله: "وشرط الاقتداء نيته"، قال الأبي: لما ذكر بعض مدرسيه التونسيين أن شرط اقتداء المأموم نيته شق على بعض الحاضرين، وقال: ما أصنع؟ ما نويت هذا قط، فقال الشيخ المدرس: إنك لا تحرم حتى يحرم، ولا تركع حتى يركع، فقال: بلى، فقال: تلك هي نية الاقتداء. انتهى. والاقتداء أن يَتِّبعَ مُصَلّ غيره في جزء من صلاته، والإمامة أن يتَّبَعَ مصل في جزء من صلاته غير تابع غيره فيه. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وأجيب عن الاعتراض المذكور أيضا بأن يراد بالاقتداء مطلق المتابعة؛ وهو يصدق بأمرين: أحدهما اتباعه على أن يحمل عنه ما يحمله الإمام عن مأمومه، وهذا لابد فيه من نية الاقتداء، فإن نوى حمله لما ذكر ولم ينو الاقتداء بطلت صلاته ثانيهما: أن يتابعه في أفعاله لا على أن يحمل عنه ما ذكر، ويأتي في صلاته بما تتوقف صحتها عليه، فهو إنما يتابعه صورة لا حقيقة، وهذه لا يشترط فيها نية الاقتداء، وصلاته صحيحة بدونها. وإنما يحصل هذا غالبا ممن يعلم قادحا في صلاة الإمام، ويخشى ضررا بصلاته منفردا عنه ومن بعض أهل البدع الذين يرون بطلان إمامة غير المعصوم. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: التحرير هوأن الشرط هو كون نية الاقتداء أوَّلًا لا وجودها؛ لأن فقدها لا يبطل الصلاة. انتهى. ويدل له ما تقدم عن الأبي وابن الحاجب، وبهذا علم أنه لا تناقض بين عدها هنا شرطا وعده لها في فرائض الصلاة ركنا، فكأنه قال: يشترط لهذا الركن أن يكون من أول الصلاة كالإحرام بخلاف ركنية الركوع، وقال الشبراخيتي: إن محل بطلان صلاة المنفرد إذا انتقل لجماعة إنما هو إذا ترك الركن القولي الذي هو قراءة الفاتحة، وإلا كانت صلاته صحيحة. بخلاف الإمام؛ يعني أن الإمام ليس كالمأموم في شرطية النية، فإن نية اقتداء المأموم شرط في صحة صلاته، والإمام نية الإمامة ليست شرطا في صحة صلاته ولا صلاة من يقتدي به سواء أم رجالا أو نساء. وفي سماع موسى: أن من أمَّ نساء تمت صلاتهن إن نوى إمامتهن، وأخذ منه ابن زرقون وجوب نية الإمامة في إمامة النساء.
стр. 1319
ولو بجنازة؛ يعني أن صلاة الجنازة كغيرها من الصلوات في أنه لا يشترط في صحتها نية الإمامة من الإمام، فتصح له ولهم إن لم ينوها؛ لأن الجماعة فيها شرط كمال لا شرط صحة. وقال ابن بشير. تجب على الإمام نية الإمامة في الجنازة بناء على اشتراط الجماعة فيها، وعلى هذا القول رد المص بلو إلا جمعة؛ يعني أن نية الإمامة، تشترط في أربع صلوات، إحْدَاهَا الجمعة فلابد في صحتها من نية الإمامة لشرطية الجماعة فيها، فإن لم ينوها بطلت عليه وعليهم، ثانيتها أشار إليها بقوله: وجمعا؛ يعني أن الجمع ليلة المطر لابد فيه من نية الإمامة لشرطية الجماعة فيه دون غير من جمع السفر والمرض وعرفة والمزدلفة، فلا يشترط في جمعها النية المذكورة، ونية الإمامة تكون في الصلاتين على المشهور. قاله الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم. وقيل في الثانية فقط، وقال الشيخ محمد بن الحسن: لم يذكر التوضيح والحطاب إلا أن ابن عطاء الله تردد في هذه النية، هل محلها الأولى أو الثانية أو هما؟ انتهى ولابد أيضا من نية الجمع، وهي عند الأولى فقط، وهي واجبة غير شرط قال:
ونية الجمع فعند الأولى … وغير شرط فافهم المقولا
قال هذا الشارح: ولا ينافي كون نية الجمع غير شرط قول صاحب الجواهر: ولا يجزئه أن ينوي في أول الثانية، وقيل: يجزئ، ونحوه لابن عطاء الله؛ لأن معناه لا يجزئ أي لا يحصل نية الجمع الواجبة غير شرط أن تكون في الثانية. وقيل: يجزئ، قال الشيخ محمد بن الحسن: وإن ترك نية الإمامة فيهما أو في الثانية فقط بطلت الثانية فقط لا الأولى، والظاهر أنه لا يصليها حينئذ قبل الشفق أي للفصل بأربع ركعات التي بطلت. انتهى.
وبما قررت علم أن قوله: "وجمعا" مقيد بالجمع ليلة المطر، بذلك قيده ابن غازي وغيره لما علمت، ثالثتها. أشار إليها بقوله: وخوفا؛ يعني أن الإمام في صلاة الخوف لابد له من نية الإمامة، وهذا إذا أديت الصلاة فيه على هيئتها المشهورة من القسم: فإن لم ينوها بطلت صلاة الطائفتين والإمام؛ لأن صلاتها على تلك الصفة لا تصح إلا جماعة: رابعتها أشار إليها بقوله ومستخلفا؛ يعني أن من كان مأموما فطرأ على الإمام عذر فاستخلفه ليكمل الصلاة بالمأمومين
стр. 1320
يلزمه أن ينوي الإمامة ليميز بين نية المأمومية والإماميَّة، فإن لم ينو الإمامة بطلت عليه وعليهم. وقيل تبطل عليه دونهم وتكون من المستثنيات، وقيل: تبطل عليهم دونه، قال الإمام الحطاب ما معناه أن هذا الذي ذكر المص من شرطية نية الإمامة في الاستخلاف إنما يتمشَّى على قول ابن عبد الحكم: أنه إذا طرأ على الإمام عذر ولم يستخلف وصلى القوم أفذاذا بطلت صلاتهم، وأما على مذهب ابن القاسم في المدونة الذي هو أنهم إن صلوا أفذاذا صحت صلاتهم، فليست نية الإمامة في الاستخلاف بلازمة نقله عن القباب؛ هو معترض بأن الكلام في المستخلف بالفتح وهو شرطه الجماعة، فالاعتراض بأنهم تصح صلاتهم أفذاذا غير ظاهر. انظر حاشية الشيخ بناني.
ولما كانت نية الإمامة في الصلوات الأربع شرطا له في صحتها بحيث تنعدم بانعدامه، وفضل الجماعة كذلك ينعدم حصوله للإمام بانعدام نية الإمامة عند الأكثر، وإن لم يكن ذلك شرطا في صحة الصلاة نفسها قال: كفضل الجماعة؛ يعني أنه لابد في حصول فضل الجماعة للإمام من نية الإمامة عند الأكثر، فالتشبيه في الشرطية؛ أي كما يشترط في صحة الصلوات المذكورة نية الإمامة، فإن تركها الإمام بطلت؛ يشترط في حصول فضل الجماعة للإمام نية الإمامة، فإن تركها لم يحصل له فضل الجماعة، فإذا صلى رجل منفردا ثم جاء من صلى خلفه ولم يعلم به حصل له فضل الجماعة دون إمامه، فإن علم به ونوى الإمامة حصل له فضلها، وإن لم ينو فالظاهر أنه كما لو لم يعلم به. قاله الشيخ عبد الباقي.
واختار في الأثير خلاف الأكثر؛ يعني أن اللخمي اختار أن الإمام يحصل له فضل الجماعة ولو لم ينو الإمامة، فقوله: "في الأخير"؛ أي الفرع الأخير الذي هو قوله كفضل الجماعة، فإن الأكثر قالوا: لا يحصل للإمام فضل الجماعة إلا بنية الإمامة، والأقل قالوا: يحصل له بدون نية الإمامة، وحينئذ فلو عبَّر المص بالاسم بأن يقول: والمختار في الأخير خلاف الأكثر لكان أولى؛ لأنه اختار قول الأقل. وكلام اللخمي الذي أشار إليه المص على نقل الحطاب هو قوله: قال مالك فيمن صلى لنفسه ثم أتى رجل فائتم به أنها له صلاة جماعة. قال الشيخ وكذلك الإمام تصير له جماعة ولا يعيد في جماعة أخرى. انتهى. وفي كلام اللخمي نظر لقولهم: لا يثاب المرء على ترك
стр. 1321
العصيان إلا بقصد طاعة الملك الديان، ولا على القيام بفرض الكفاية إلا بقصد القربة، ويلزم على قول الأكثر أن يعيد في جماعة. قاله ابن عبد السلام، وابن عرفة. قال ابن علاق: ما أظن أحدا يقول ذلك، ولا يخفى أن قولهما يلزم أن لا يعد قولا لما تقرر من أن لازم المذهب ليس بمذهب. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله: يلزم على قول الأكثر إلخ، صرح به أبو الحسن كأنه المذهب قائلا: ويلغز بها. فيقال: أخبرني عن إمام صلى بقوم وحصل لهم فضل الجماعة، وله أن يعيد في جماعة أخرى. انتهى.
تنبيهات: الأول. قد قدمت عند قول المص: "ونية رفع الحدث"، أن الواجب الذي لا تتوقف صحة فعله على نية لا ثواب فيه إلا بقصد امتثال أمر الله، كالإنفاق على الزوجات والأقارب والدواب، والإمامة من هذا القبيل.
الثاني: قال الشيخ إبراهيم: اعلم أن ما تقدم من حصول الاقتداء بالالتزام يجب مراعاته في حق الإمام، فيقال: هذا الشرط وإن كان شرطا في الصحة في الأربع الأول وفي حصول فضل الجماعة في الأخيرة، لكن لا يلزم التعرض له بما يدل عليه مطابقة؛ لأن هناك ما يدل عليه التزاما لتقدم الإمام في الاستخلاف للمحراب. وكذا في الجمعة وغيرها. انتهى. ونحوه للشيخ الأمير فإنه قال: وتكفي النية الحكمية في الإمامة كغيرها، وإنما المضرنية الفذية. انتهى.
الثالث: علم مما تقدم أن نية الإمامة تكون في أول الصلاة وفي أثنائها فليست كنية اقتداء المأموم. الرابع: من نوى الإمامة ظانا أن خلفه من يقتدي به فتبين خلافه صحت صلاته فإن نواها مع جزمه بعدم صلاة أحد خلفه بطلت صلاته. قاله الشيخ علي الأجهوري. قال الشيخ عبد الباقي: ولعله لا تبطل إن شك عملا بمفهوم اخر كلامه، ونازع الشيخ بناني في قوله: فإن نواها مع جزمه بعدم صلاة أحد خلفه بطلت.
الخامس: عبارة الشيخ الأمير: اللخمي: يحصل فضل الجماعة وإن لم يقصد الإمامة والأكثر على خلافه. نص الشافعية إن أحدثها في الأثناء فالثواب من حينه، ولا يخالف مذهب الأكثر، وزادوا الجماعة المنذورة يحتاج الإمام لنية وهي عند التأمل من فروع فضل الجماعة. انتهى.
стр. 1322
السادس: يضاف لما ذكر الإمام الراتب إذا صلى وحده، فإنه إنما تحصل له فضلية الجماعة إذا نوى الإمامة.
السابع: قد مر سماع موسى ابن القاسم: من أم نساء تمت صلاتهن إن نوى إمامتهن، فأخذ منه ابن زرقون وجوب نية الإمامة في إمامة النساء، وجعله ابن رشد مقابلا لمذهب المدونة وأنه يرى وجوب نية الإمامة في الرجال والنساء، وَوَجَّه ذلك بأن الإمام ضامن، وبأنه يحمل القراءة ولا ضمان ولا حمل إلا بنية. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقد علمت أن المشهور أن الإمام ضامن وحامل للقراءة ولو لم ينو ذلك -كما مر- والله سبحانه أعلم.
ومساواة في الصلاة عطف على قوله: "نيته"، وهو ثاني الشروط؛ يعني أنه يشترط في صحة صلاة المقتدي مساواة منه لإمامه في عين الصلاة التي اقتدى به فيها، فإن لم تحصل المساواة في عين الصلاة كما لو أحرم بالظهر خلف من يصلي العصر بطلت صلاته، ومن دخل مع قوم يظنهم في الظهر فلما صلى ركعة أو ركعتين تبين له أنها العصر، فحكى ابن رشد في ذلك قولين، أحدهما أنه يقطع بتسليم ثم يستأنف الصلاتين، والثاني أنه إن كان صلى معه ركعة أو ثلاثا فليشفع بأخرى، قال: وهو الذي يأتي على ما في المدونة في الذي يذكر الظهر وهو مع الإمام يصلي العصر أنه يتمادى معه ثم يعيد، قال: ولو علم ساعة دخل مع القوم في صلاتهم أنها العصر لتمادى مع الإمام إلى تمام ركعتين على الثاني، ولم يتم معه على القول الأول. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: وإن بأداء وقضاء؛ مبالغة في المفهوم؛ يعني أنه إذا حصلت المخالفة فإن صلاة المقتدي باطلة، وإن كانت المخالفة حاصلة بأداء من أحدهما وقضاء من الآخر كمن يصلي ظهر يومه خلف من يصلي ظهر أمسه وعكسه. ومثل عبد الباقي للمخالفة بالأداء والقضاء بمالكيّ يصلي الظهر بعد أذان العصر خلف شافعي وفيه نظر، كما قال الشيخ محمد بن الحسن، فإنه قال: في منع هذه الصورة نظر، والظاهر من كلامهم جوازها كما تقدم في قوله: ومخالف في الفروع، بل ذكر ابن عرفة هنا الإجماع على جواز الاقتداء بالمخالف إذا كانت مخالفته من حيث اعتقاده فقط. انتهى. وحينئذ
стр. 1323
فيكون معنى المص أن أحدهما يصلي الظهر مثلا في وقته أداء، والآخر يصليه قضاء؛ بأن يكون من يوم فائت.
أو بظهرين من يومين؛ يعني أنه إذا لم تكن المخالفة بأداء من أحدهما وقضاء من الآخر، بل كانت بالزمن مع اتحادهما في كونهما قضاء كصلاة من عليه ظهر أمس مثلا خلف من عليه ظهر اليوم الذي قبله، فإن صلاة المقتدي باطلة؛ وهذا هو الراجح من اعتبار الزمن في قضاء الفوائت.
ومقابل الراجح أنها تصح؛ لأنه لا يعتبر اتحاد الزمن في قضاء الفوائت. وقوله: إلا نفلا خلف فرض. مستثنى من قوله: ومساواة في الصلاة؛ يعني أن المتنفل إذا ائتم بالمفترض، فإن صلاة المتنفل صحيحة لارتفاع رتبة الفرض عنه كضحى خلف صبح صلي بعد طلوع الشمس. وفي التلقين: أن للمأموم التنفل أن يأتم بالمفترض. انتهى، ابن عرفة هذا على جواز النفل بأربع أو في سفر. قاله المواق. وقال الحطاب: التنفل بأربع الذي يظهر أنه مكروه ابتداء؛ لأن عياضا ذكر في قواعده أن من مستحبات النافلة أن يسلم من كل ركعتين، وفي التلقين: الاختيار في النفل مثنى مثنى. وفي المدونة: ما نصه: وصلاة النافلة في الليل والنهار مثنى مثنى. ابن ناجي: هذا مذهب مالك باتفاق، وفي ابن الحاجب: وعدة النوافل ركعتان ليلا ونهارا، قال الإمام الحطاب: وأما في هذه المسألة؟ يعني مسألة المص "إلا نفلا خلف فرض"، فالظاهر أنه خفيف لمتابعة الإمام. وقد قال سند فيمن صلى التراويح مع الإمام ونيته أن يتنفل في بيته أنه يجوز له أن يصلي معه الوتر ثم يشفع بأخرى؟ قال: ولا يضره جلوسه على ركعة؛ لأن ذلك بحكم متابعة الإمام، كما يتنفل خلف المفترض فيصلي أربعا بحكم المتابعة. ابن عرفة: تردد أصحابنا في ائتمام ناذر ركعتين بمتنفل، وخرجه بعض شيوخه على إمامة الصبي ورد بنية الفرض. انتهى. وقوله: إلا نفلا خلف فرض قال الشيخ عبد الباقي: كضحى خلف صبح صلي بعد طلوع الشمس: وكفجر خلف صبح صلي بوقته: خلافا للبساطي. وقال ابن غازي عن ابن عرفة بناء على جواز النفل بأربع أو في سفر. انتهى. فهذه أربعة أجوبة عن كون النفل ركعتين، والفرض غير ركعتين غالبا. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الرد على البساطي يحتاج إلى نقل يصرح بجواز الفجر خلف الصبح، ولا يرد عليه بظاهر لفظ المص؛ لأن ظاهر كلامهم أنه في النفل المحض والفجر ليس منه.
стр. 1324
انظر مصطفى. وقوله: فهذه أربعة أجوبة الخ، الاحتياج لهذه الأجوبة مبني على أن الاستثناء في كلام المص يفيد الجواز وفيه نظر، والظاهر أنه يفيد الصحة فقط، وأنه لا يحتاج إلى جواب. وأما ابن عرفة فإنه رتب البناء المذكور على كلام التلقين المصرح فيه بالجواز. واعلم أن من نوى النفل خلف أخيرتي الظهر مثلا فإنه يقتصر عليهما، ولو نوى به أربعا وإن دخل من أولها كمل أربعا، وإن نوى اثنتين أو ظنه مسافرا فظهر أنه مقيم، هذا حكم ما بعد الدخول فيه، وأما الإقدام عليه فظاهر نقل المواق أنه يكره، وظاهر الشارح والتتائي وبعضهم الجواز. انظر الزرقاني.
تنبيهات: الأول: لو شك أحد شخصين في ظهر يوم معين، هل فعله أم لا؟ وتحقق آخر نسيانه في ذلك اليوم واقتدى المتيقن بالشاك، فإن صلاة المتيقن تبطل وعكسه تصح صلاتهما، قاله سحنون، وذكره الحطاب. ويلغز بها فيقال: رجلان في كُلٍّ شُرُوط الإمامة، واقتدى أحدهما بالآخر في ظهر يوم بعينه، ونوى الاقتداء وصحت لأحدهما دون الآخر، وقال أيضا رجلان في كل شروط الإمامة، وأحدهما يصح اقتداؤه بالآخر دون العكس. قاله الشيخ عبد الباقي.
الثاني: قال الشيخ عبد الباقي دل ما قبل المبالغة على أنه لابد من اتحاد صلاة المأموم والإمام وما بعدها على أنه لابد من اتحاد صفتهما أداء وقضاء، وقوله: "أو بظهرين"، على أنه لابد من اتحاد زمنهما، ومسألة الشك التي ذكرناها أنه لابد من اتحاد موجبهما، فإن اختلف ففيه تفصيل كما علمت، فإن قلت من تيقن ترك ظهر يوم بعينه ومن شك في تركه كل منهما اشتغلت ذمته به، فلم بطلت صلاة المتيقن المقتدي بالشاك دون عكسه؟ قلت: لأنه لا احتمل فعل الشاك لها فصار المتيقن مقتديا بمتنفل وهذا يوجب البطلان، وصحت صلاة الشاك حيث اقتدى بالمتيقن لاشتراكهما في وجوب القضاء. ويستفاد من هذا أنه إذا كان كل منهما شاكا أن صلاة المقتدي باطلة للاحتمال المذكور، وصلاة الإمام صحيحة لأنه لا يطرقه احتمال بطلان. انتهى المراد منه.
الثالث: قول المص إلا نفلا خلف فرض، قال الشيخ الأمير: فلو ترتب على الإمام سهو في الفرض لا يقتضي السجود في النفل كترك سورة، فالظاهر اتباعه كمسبوق لم يدرك موجبه ومقتد
стр. 1325
بمخالف، ثم قال: ولا عبرة بنذر النفل، كما أعطوه في أوقات النهي حكم أصله خصوصا، وبعض الأئمة يجيز الفرض خلف نفل، وكذا قضاء المفسد؛ فإن بعضهم لا يوجبه هذا هو الظاهر.
ولا ينتقل منفرد لجماعة هذا الفرع، والذين بعده من ثمرات الشرط الأول؛ يعني أنه إذا أحرم شخص منفردا فإنه لا ينتقل لجماعة بحيث يصير مأموما لفوات محل النية؛ لأن نية الاقتداء إنما تكون في أول جزء من الصلاة، وأما انتقال المنفرد بحيث يصير إماما فجائز -كما مر- قال الشيخ إبراهيم: إنما تبطل صلاة المنفرد إذا انتقل للجماعة إن ترك الركن القولي؛ أي الفاتحة، وإلا فلا تبطل. وقد مر هذا. كالعكس؛ يعني أنه كما لا ينتقل الفذ للمأمومية لا يتنقل المأموم للفذية وإلا بطلت. وقوله: "كالعكس"؛ أي مع بقاء الجماعة، وأما المستثنيات فقد انتقل للانفراد بعد ذهاب الجماعة. وقوله: "كالعكس" أورد عليه أنه إنما يتمشى على قول ابن عبد الحكم القانل: إن الإمام إذا طرأ عليه عذر ولم يستخلف، وأتم المأمومون أفذاذا بطلت صلاتهم: وأما على قول ابن القاسم في المدونة فلا؛ لأن المأمومين يجوز لهم أن يتموا أفذاذا. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ محمد بن الحسن: يستثنى من هذا مسائل الخوف، والاستخلاف، والرعاف، والسهو، وباستثنائها يندفع ما ذكره الحطاب والأجهوري من أنه مبني على قول ابن عبد الحكم بوجوب الاستخلاف إن طرأ عذر للإمام، لا على قول ابن القاسم بأنهم يتمون أفذاذا.
وفي مريض اقتدى بمثله فصح قولان؛ يعني أن المريض العاجز عن ركن إذا اقتدى بمثله على ما مر في قوله: إلا كالقاعد بمثله فصح المريض؛ فإنه اختلف هل يلزم المقتدي الانتقال عن متابعة إمامه؟ وعليه فيلزمه أن يتم منفردا، ولا نظير له في المذهب، أو يلزمه اتباعه فيتم معه مأموما لدخوله معه بوجه جائز، ومراعاة للقائل بجواز ذلك ابتداء كما لميارة، وعليه فيتبعه من قيام، والقول الأول لسحنون، والثاني ليحيى بن عمر كما في التوضيح، وعلى القول الأول فالظاهر أنه لا يصح الاقتداء به. ومفهوم قوله: "بمثله فصح" المريض، أن المريض إذا اقتدى بصحيح ثم صح المقتدي، وأن المريض إذا اقتدى بمثله فصح الإمام، وأن الصحيح إذا اقتدى بمثله ثم مرض المأموم، صحت في الثلاث، ولو مرض الإمام لم يصح الاقتداء به، كما يأتي في قوله: "وتأخر
стр. 1326
مؤتما في العجز"، وكما تقدم في قوله: "وبعاجز عن ركن"، فإنه يشمل طرو العجز أثناءها. قاله الشيخ عبد الباقي.
وثالثها: متابعة في إحرام؛ يعني أنه يشترط في صحة صلاة المأموم متابعة منه لإمامه في تكبيرة الإحرام. وسلام؛ يعني أنه كما يشترط في صحة صلاة المأموم متابعة منه لإمامه في الإحرام، يشترط في صحتها أيضا أن يتابعه في السلام. قال الشبراخيتي: والمتابعة هي أن يبتدئ المأموم الإحرام أو السلام بعد تمام إحرام إمامه أو سلامه انتهى، وقال الشيخ عبد الباقي: أي يفعل المأموم كلا منهما بعد فراغ الإمام منه وإلا (١) فالمساواة؛ يعني أن المتابعة في الإحرام والسلام شرط في صحة صلاة المقتدي، فلذلك إذا ساواه فيهما بطلت صلاته، وأولى في البطلان إذا سبق الإمام في الإحرام والسلام.
والحاصل أن الصور تسع تبطل في سبع منها؛ وهي أن يبتدئ المأموم بالنطق قبل الإمام، ختم المأموم قبله أو معه أو بعده، أو ينطق معه من أول حرف، ختم المأموم قبله أو معه أو بعده، أو يبتدئ المأموم بعد الإمام ويختم المأموم قبل الإمام. فتلك سبع، وتصح صلاة المقتدي في اثنتين، وهما: أن يبتدئ المأموم بعد ابتداء إمامه، ويختم المأموم مع إمامه أو بعده، ونظمها الشيخ علي الأجهوري فقال:
مصل مساوٍ من ائتم به … في الاحرام أو في السلام ابطل
وإن فيهما يسبق المقتدي … إمام بحرف فلا تبطل
إذا لم يكن ختمه قبله … وإلا فأبطل على المنجلي
وللشيخ ميارة:
стр. 1327
فسابق في البدء أبطل مطلقا … كذاك في التمام أيضا حققا
ومبتد بعد ومعه قد كمل … أو بعده صحت له نلت الأمل
والخلف إن معه وبعده أتم … وقد بدا معه وصحة تؤم
والواو في قوله: إن معه وبعد؛ بمعنى أو لكن قوله: وصحة تؤم، يقتضي ترجيح القول بالصحة في الأخيرتين، وفيه نظر، بل الراجح فيهما البطلان لقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا (١))، فأتى بالفاء المقتضية للتعقيب. انظر حاشية الشيخ بناني. وإن بشك في المأمومية؛ يعني أن مساواة المأموم للإمام في الإحرام أو في السلام تُبطِلُ الصلاة؛ أي صلاة المقتدي، وإن وقعت المساواة في حالة شك منهما، أو من أحدهما في المأمومية والإمامية أو الفذية. وبما قررت علم أن قوله: مبطلة؛ خبر عن قوله: "فالمساواة". وتبطل الصلاة بالمساواة والمسابقة -على ما مر- سواء كانت المساواة أو المسابقة عمدا أو جهلا أو سهوا في الإحرام، وأما في السلام فكذلك في العمد والجهل، وأما في السهو فلا تبطل إلا إذا حصل طول بعد سلام الإمام ولم يسلم، والباء في قوله: "بشك"، بمعنى: في، فعلم من هذا أنه لا فرق فيما ذكر بين من يتحقق مأموميته: وبين من يشك فيها فلم يدر أهو مأموم أو غيره؟
والحاصل أنه إذا انضم للشك من أحدهما في المأمومية شك في الإمامية والفذية، أو في إحداهما وسلم قبل سلام الآخر بطلت، فإن سلم بعده فصلاته صحيحة، وكذا لو شك كل في المأمومية والفذية، ولو شك أحدهما في الإمامة والفذية لا تبطل بسلامه قبل الآخر، ولو شك كل منهما في الإمامة والفذية أو نوى كل منهما إمامة الآخر صحت صلاتهما، تقدم سلام أحدهما على الآخر أم لا، وهذا ما لم يقتد أحدهما بالآخر وإلا بطلت صلاة المقتدي لتلاعبه. فعلم أنه إن وقع الشك منهما في المأمومية بطلت عليهما معا في المساواة، وأما في السبق من أحدهما فتبطل صلاة السابق مطلقا، وكذا صلاة المتأخر إن ختم قبل السابق وإلا صحت، وإن وقع الشك من أحدهما فصلاته
стр. 1328
باطلة في المساواة والسبق، والآخر إن اعتقد الفذية أو الإمامة صحت صلاته وإن اعتقد المأموية بطلت عليه في المساواة والسبق أيضا، وكذا في التأخير إن ختم قبل الآخر. والله أعلم. وأشعر قوله: "مبطلة" أنه لا يحتاج لسلام؛ وهو لمالك، وقيل لابد من السلام؛ وهو لسحنون. واختاره بعض المتأخرين بمثابة من أحرم بالظهر قبل الزوال، أو أحرم بها فذكر وهو في الصلاة أنه صلاها، فإن الإحرام ينعقد نافلة فيهما فلابد من السلام، وفرق بأن هذا أحرم على أنه مأموم فلم يصح له ذلك، فهو كمن أحرم بالظهر خلف من يصلي على جنازة، لا كمن أحرم بالظهر قبل الزوال، أو ذكر بعد إحرامه. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: وأشر قوله: "مبطلة" الخ، نص ابن عرفة: وفي قطعه بسلام أو دونه قولان، قلت: الثاني لها، والأول قال التونسي: لسحنون. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن:
تنبيهات: الأول: لو اقتدى شخص بمن يصلى إماما بمسجد معين ولا يدري من هو، صحت صلاته، وكذا لو اعتقد أنه زيد فتبين أنه عمرو فيما يظهر، إلا أن تكون نيته الاقتداء به إن كان زيدا لا إن كان عمرا، فإن صلاته تبطل، ولو تبين أنه زيد لتردده في النية، وأما من اقتدى بإمام من إمامين، أو أيمة متعددة في آن واحد، ولا يدري من اقتدى به منهما أو منهم، أو درى به ولكن لا يعلم هل تابعه أو تابع غيره؟ فإن صلاته باطلة، فتأمل تلك الصور السبع الحسان. قاله الشيخ عبد الباقي.
الثاني: وظائف الإمام أربع عشرة،
الأولى: مراعاة أوائل الأوقات، لقوله ﵊: (أول الوقت رضوان الله)، إلا في الظهر، فيستحب له تأخيرها لربع القامة، ويزاد لشدة الحر،
الثانية: أن يقصد بإمامته وجه الله العظيم مع مراعاة ما يجب عليه في ذلك.
الثالثة: أن لا يكبر حتى تستوي الصفوف، أو يوكل من يسويها، أو يأمرهم بذلك، وقد كان عمر وعثمان ﵄ يوكلان رجلا بتسوية الصفوف، فإذا أخبرهما بتسويتها كبَّر.
стр. 1329
الرابعة: أن يسرع بتكبيرة الإحرام والسلام ولا يمدهما ليلا يسبقه المأموم فيهما أو يشاركه وهي من دلائل فقهه.
الخامسة: أن يخفف الركوع والسجود بعد حصول الطمأنينة والاعتدال.
السادسة: أن لا يتقدم على قوم يعلم أن فيهم من هو خير منه قراءة وفقها في الصلاة، لخبر: (من أم قوما وهو يعلم أن فيهم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله)، إلا أن يمتنع من التقدم.
السابعة: أن يجتهد في تقديم أفضل القوم إذا طرأ عليه في الصلاة ما يحوجه إلى الاستخلاف فيها.
الثامنة: أن لا يعجب بنفسه ولا يرى أنه خير من القوم ولولا ذلك ما قدم عليهم، بل ينظر لنفسه بعين الحقارة والازدراء.
التاسعة: أن لا يدخل الصلاة حتى يشعر نفسه أنها آخر صلاة يصليها.
العاشرة: أن لا يخص نفسه بالدعاء بل يدخل الجماعة في دعائه، لخبر: (من أم قوما ولم يشركهم في دعائه فقد خانهم (١)).
الحادية عشر: أن يتحول عن مصلاه إذا فرغ من صلاته، ويكفي في ذلك إقباله على الناس بوجهه.
الثانية عشر: أن يقصر الجلسة الوسطى.
الثالثة عشر: أن لا يدخل المحراب إلا بعد الإقامة.
الرابعة عشر: أن يلتزم الرداء لكل صلاة. قاله الشيخ إبراهيم.
الثالث مِن جَهْل الإمام المبادرة للمحراب قبل تمام الإقامة، والتعمق في المحراب بعد دخوله، والمتنفل به بعد الصلاة وكذا الإقامة به لغير ضرورة.
واعلم أنه لا خلاف في مشروعية الدعاء خلف الصلاة، فقد قال ﵊: (أسمع الدعاء جوف الليل وأدبار الصلوات المكتوبة (٢))، وأخرج الحاكم على شرط مسلم من طريق حبيب بن مسلمة الفهري رضي الله تعالى عنه: (لا يجتمع قوم مسلمون فيدعوا بعضهم ويؤمن بعضهم إلا
стр. 1330
استجاب الله تعالى دعاءهم (١)). وقد أنكر جماعة كون الدعاء بعدها على الهيئة المعهودة من تأمين المؤذن بوجه خاص، وإن أجازه ابن عرفة، وقد ألف الشاطبي فيه، ورام ابن عرفة وأصحابه الرد عليهم، وحجتهم في ذلك ضعيفة. وسئل عز الدين بن عبد السلام عن المصافحة بعد العصر والصبح: أمستحبة أم لا؟ وعن الدعاء عقب السلام أمستحب للإمام في كل صلاة أم لا؟ وعلى الاستحباب فهل يلتفت ويستدبر القبلة، أم يدعوا مستقبلا لها؟ وهل يرفع صوته أو يخفض؟ وهل يرفع اليد أم لا في غير المواطن التي ثبت عنه ﷺ أنه رفع يده فيها؟ فأجاب: المصافحة عقب صلاة الصبح والعصر من البدع، إلا لقادم، فإن الصافحة مشروعة عند القدوم. (وكان ﷺ يأتي بعد السلام بالأذكار المشروعة ويستغفر ثلاثا ثم ينصرف (٢)). وروي أنه قال: (رب قني عذابك يوم تبعث عبادك (٣))، والخير كله في اتباع الرسول ﵊، واستحب الشافعي للإمام أن ينصرف عقب السلام. قاله الإمام الحطاب. وقال البساطي في المغني: قال في النوادر عن ابن حبيب: إذا نزل بالناس نائبة فلا بأس أن يأمرهم بالدعاء ورفع الأيدي. انتهى. وقال الشيخ ميارة: اعلم أنه قد أكثر الناس الكلام في مسألة دعاء الإمام إثر الصلاة، وتأمين الحاضرين على دعائه.
وحاصل ما انفصل عليه الإمام ابن عرفة والغبريني: أن ذلك إن كان على نية أنه من سنن الصلاة أو فضائلها فهو غير جائز، وإن كان مع السلامة من ذلك فهو باق على أصل حكم الدعاء، والدعاء عبادة شرعية فضلها من الشريعة معلوم عظمه، وكذلك الأذكار بعدها على الهيئة المعهودة، كقراءة الأسماء الحسنى ثم الصلاة على النبي ﷺ مرارا، ثم الرضى عن الصحابة ﵃ وغير ذلك من الأذكار بلسان واحد، وقد مضى عمل من يقتدى به في العلم والدين من الأئمة على الدعاء بإثر الذكر الوارد بإثر تمام الفريضة. ابن عرفة: وما سمعت من
стр. 1331
ينكره إلا جاهل غير مقتدى به انتهى. وقد مر كلام الشيخ ميارة هذا عند قول المص: "وسلام عرف بأل". لا المساوقة؛ يعني أن المساوقة في الإحرام والسلام لا تبطل صلاة المقتدي، والمساوقة هي: كون إحرام المأموم أو سلامه عقب الإمام قبل سكوته. وهي خلاف الأولى، والأولى أن لا يحرم ولا يسلم إلا بعد سكوته. قاله ابن رشد، قاله المواق، وكذا قاله مالك. وفي التوضيح عن البيان: فإن ابتدأ بعده فأتم معه أو بعده أجزأه قولا واحدا، والاختيار أن لا يحرم المأموم حتى يسكت الإمام. وقوله: .. "لا المساوقة": يستثنى منه ما إذا أتم قبله -كما مر- قاله بناني. كغيرهما. تشبيه في عدم البطلان؛ يعني أن صلاة المقتدي لا تبطل بعدم متابعة الإمام في غيرهما؛ أي الإحرام والسلام؛ بأن سابقه أو ساواه أو ساوقه، وقوله: "كغيرهما"، على حذف مضافين أي كعدم متابعة غيرهما، لكن سبقه ممنوع؛ يعني أن سبق المأموم للإمام في غير الإحرام والسلام ممنوع، وإن كان لا يبطل؛ أي سبقه عمدا في غير الإحرام. والسلام من الأفعال ممنوع، وأما سبقه في الأقوال فمكروه، وأما سبقه في غير الإحرام والسلام سهوا فلا شيء فيه. قال عبد الباقي: ومثل السبق الممنوع تأخره في فعل من أفعالها حتى يفرغ منه. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وسيأتي قريبا. واعلم أنه إن سبق المأموم الإمام بفعل الركن وعقده قبله، فلا خلاف في عدم الإجزاء، وإن كان يلحقه الإمام قبل كماله فقولان، المشهور الصحة. قاله الحطاب عن الأبي وغيره. وظاهره سواء كان عمدا أو سهوا أو غفلة؛ وهو كذلك. قاله الحطاب.
وفي نوازل سحنون: قيل لسحنون: أرأيت الرجل يصلي مع الإمام فيسجد قبله ويركع قبله في صلاته كلها؟ قال: صلاته تامة، وقد أخطأ ولا إعادة عليه، ولا يَعُدْ. قال محمد بن رشد: وهذا إذا سجد قبله، وركع قبله، فأدركه الإمام بسجوده وركوعه وهو راكع وساجد، فرفع برفعه من الركوع والسجود أو رفع قبله، وأما إن ركع ورفع والإمام واقف قبل أن يركع، وسجد ورفع من السجود أيضا قبل أن يسجد الإمام، ثم لم يرجع مع الإمام في ركوعه وسجوده، وفعل ذلك في صلاته كلها، فلا صلاة له. واختلف إن فعل ذلك في ركعة واحدة أو سجدة، فقيل: تجزئه الركعة، وقيل: لا تجزئه وقد بطلت عليه، فيأتي بها بعد سلام الإمام، فإن لم يفعل بطلت صلاته. انتهى.
стр. 1332
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن محل هذا في السهو كما هو صريح كلام الأمير. والله سبحانه أعلم. وفي المواق: وأما أفعال الصلاة، فإن فعلها بعد الإمام وأدركه فيها، فهذه سنة الصلاة، وإن دخل في الفعل بعد خروج الإمام عنه فهذا ممنوع. انتهى. وفي الشبراخيتي: ومثل السبق التأخر عنه عمدا في فعل من أفعال الصلاة حتى يفرغ منه، كما ذكره المواق عن الباجي. وظاهره: ولو كان الفعل غير ركن، فمن تأخر في السجدة الثانية من الركعة الأخيرة إلى أن سلم الإمام حرم عليه ذلك وإن رفع قبل سلام الإمام، لم يحرم عليه ذلك. انتهى. وفي هذا الكلام نظر ظاهر ومخالفة في المعنى لما مر في الزحام. والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أن قوله: لكن سبقه ممنوع استدراك على قوله: "كغيرهما".
وإلا كره؛ أي وإن لم يسبقه في غير الإحرام والسلام، بل ساواه فيه، فإن ذلك مكروه، فالأولى أن يفعل بعده ويدركه فيها. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وهل يتبع المأموم الإمام بإثر شروعه أو بإثر تمام فعله؟ في ذلك ثلاث روايات: يفصل في الثالثة في غير القيام من اثنتين بإثر شروعه، وفي القيام من اثنتين بإثر تمام فعله باستوائه قائما، ولما كان السبق في غير الإحرام والسلام لا يبطل ذكر ما يفعل من حصل منه ذلك، فقال: وأمر الرافع بعوده يعني أن المأموم إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل رفع إمامه، فإنه يؤمر بأن يعود إلى الإمام في ركوعه أو سجوده إن علم إدراكه قبل رفعه؛ يعني أن محل كون المأموم مأمورا بالرجوع إلى إمامه حيث رفع قبله، إنما هو إذا علم أنه يدرك إمامه قبل رفعه، فإن لم يعلم ذلك انتظره، وفي الحديث: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار (١)). قال الدميري في شرح سنن ابن ماجه (٢): قال الشيخ تقي الدين هذا التحويل يقتضي تغيير الصورة الظاهرة، ويحتمل أنه يرجع إلى أمر معنوي على سبيل مجازي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام. قال: وربما يرجح هذا المجاز بأن التحويل في
стр. 1333
الصورة الظاهرة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام، قال الدميري: وقيل المراد تحويل صورته يوم القيامة، ولا يمتنع وقوع ذلك في الدنيا، فقد نقل الشيخ شهاب الدين فضل الله أن بعض العلماء فعل ذلك امتحانا، فحول الله رأسه رأس حمار، وكان يجلس بعد ذلك خلف ستر حتى لا يبرز للناس، وكان يفتي من وراء حجاب. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وأمر الرافع"، اختلف هل الأمر على سبيل السنية؛ وهو لمالك؟ أو الوجوب؟ قولان، ومقتضى المواق ترجيح الثاني لاقتصاره عليه، ومحل القولين فيمن أخذ فرضه مع الإمام قبل الرفع، وإلا وجب العود اتفاقا، فإن تركه عمدا بطلت، ولو كان رفعه سهوا، وإن ترك العود سهوا، فكمن زوحم عنه ولو رفع سهوا.
لا إن خفض؛ يعني أنه إذا خفض المأموم بأن هوى للركوع أو السجود قبل إمامه بعد أخذه فرضه من المخفوض منه مع الإمام، فإنه لا يؤمر بالعود لإمامه بل يثبت كما هو حتى يأتيه الإمام، والمعول عليه أن الخفض كالرفع: فصوابه كإن خفض: وأما إن خفض قبل أخذ فرضه مع الإمام فإنه يعود له وجوبا، فإن ترك العود له عمدا بطلت ولو كان خفضه سهوا، وإن ترك العود سهوا فكمن زوحم عنه ولو خفض عمدا. وقوله: "لا إن خفض"، قال ابن عمر: هو المشهور، ولا عبرة بقول ابن عمر هذا، بل الصواب ما تقدم من التسوية بين الخفض والرفع -كما قاله ابن غازي- فإنه قال: الذي يظهر من نقولهم استواء الخافض والرافع في الأمر بالعود إن علم إدراك الإمام، وإنما اختلفوا فيما إذا لم يعلم إدراكه. انتهى. قال الحطاب: وما ذكره من مساواة الخافض للرافع صحيح لا شك فيه، وقوله: "لا إن خفض"، وجه القول بعدم الرجوع أن الخفض غير مقصود في نفسه، بل المقصود منه الركوع أو السجود. وقد علمت أن الراجح استواء الخفض والرفع، وما تقدم من أن الخفض غير مقصود في نفسه علل به في التوضيح، قال ابن عاشر: تأمله مع ما تقرر من الخلاف في الحركة للركن، هل هي مقصودة أم لا؟ وعلى قصدها ينبني قوله: وتارك ركوع يرجع قائما، قال: والذي يظهر في جوابه أن النفي قصدها في نفسها: والمثبت على الخلاف قصدها لغيره، وكأنه يحوم بهذا على أن الركن في الركوع والسجود إنما هو في الانحناء والاتصال بالأرض: وأما الهوي نفسه فوسيلة ولا حق له في الركنية بخلاف الرفع منهما، فإنه نفس
стр. 1334
الركن، وليس الركن كونه قائما بعد الركوع، ولا كونه جالسا بعد السجود، فتأمله فإنه دقيق. انتهى. وظاهره أن الرفع ركن من غير خلاف -وفيه نظر- وقد ذكر الحطاب في الرعاف الخلاف في الرفع، هل هو واجب لنفسه أو وسيلة؟ ولذا قال مصطفى: شبهة تفريق المص بين الخفض والرفع كلام نقله في التوضيح عن الباجي، وفهمه على غير وجهه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وفي الأمير: مشبها بالبطلان كسبق بركن. انتهى. قال في الشرح: يركع ويرفع قبله إلا سهوا فيرجع له. انتهى.
وندب تقديم سلطان؛ يعني أنه إذا اجتمع جماعة كل منهم يصلح للإمامة، فإنه يندب تقديم سلطان أو نائبه إن لم يكن سلطان؛ لأنه كهو عند عدمه، ويقدم السلطان أو نائبه ولو كان غيره أفقه منه وأفضل؛ لأن في تقديم غيره عليه وهنا في منصبه وازدراء به، لخبر مسلم وغيره: (لا يُؤَمَّ الرجل في سلطانه، ولا يُجْلَس على تكرمته بغير إذنه (١)). وحمل على الندب وإن كان ظاهره الوجوب؛ لأن حق الله تعالى حصل بحضور من يصلح للإمامة، ولم يبق إلا حق الآدمي. قال الرماصي: لا معنى لذكر الاستحباب هنا؛ إذ الكلام فيما يقضى به. وقد عبَّر ابن عرفة بالاستحقاق، وابن شاس وابن الحاجب بالترجيح.
وفي المدونة: أحق القوم بالإمامة أعلمهم، وقالت أيضا: وأولاهم بالإمامة أفضلهم، وعبارة الرسالة: ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم، وهذه العبارات أسد بالمقام. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن: وقال: قلت وأجيب بأن لنا مقامين أحدهما بيان من هوأحق بالتقديم فيقضى له به، وعليه تكلم من عبَّر بالقضاء ونحوه وهو المشار إليه بقول المص: "وإن تشاح متساوون لا لكبر اقترعوا"، فيفهم منه أن غير المتساوين يقضى للأفضل منهم بالتقدم. وثانيهما: مقام بيان ما يخاطب به الجماعة دون تشاح وهذا هو المشار إليه هنا بقوله: "وندب تقديم سلطان الخ"؛ وهو
стр. 1335
ظاهر. انتهى كلام بناني. وهو نفيس جدا. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير: والندب لا ينافي القضاء، ومعنى الحديث: لا يؤمَّ الرجل … الخ، على ما قال النووي: أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل، وصاحب المكان أحق وإن شاء تقدم من يريده، وإن كان الذي قدمه مفضولا بالنسبة إلى باقي الحاضرين لأنه سلطانه، فيتصرف فيه كيف شاء، فإن حضر السلطان أو نائبه قدم على صاحب البيت وإمام المسجد وغيرهما. والتكرمة بفتح التاء وكسر الراء: الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويختص به. انتهى. فالسلطان في الحديث على هذا بالمعنى العام الشامل لرب المنزل والمجلس، وإمام المسجد خلاف ما عند المص وغيره، كابن الحاجب، وابن شاس، وغير واحد. ولا يؤم بالبناء للمجهول، وسلطانه بمعنى سلطنته. ومر أن نائب السلطان كهو إن لم يكن سلطان، قال ابن سهل: قال بعض الناس: خطة القضاء من أعظم الخطط قدرا، وأجلها نظرا لاسيما إذا اجتمعت إليها الصلاة. نقله ابن عرفة. وقال: قلت: يريد إمامة الصلاة، ومقتضاه حسن اجتماعهما: والمعروف ببلدنا قديما وحديثا منع إمامة قاضي الجماعة بها أو الأنكحة إمام الجامع الأعظم بها. وسمعت بعض أشياخنا أنهم يعللون ذلك بأن القاضي مظنة لعدم طيب نفس المحكوم عليه مع تكرر ذلك في الأحاديث، فيؤدي إلى إمامة الإمام من هو له كاره. وقد خرج الترمذي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون (١)). انتهى. ولم يعرج الزقاق على بحث ابن عرفة هذا، حيث قال:
وأعظمها قدرا وأكمل منظرا … قضاء نعم إن أم قاض على علا
ومر ما يعلم منه الجواب عن الحديث عند قوله: "وإمامة من يكره"، فراجعه إن شئت.