ينكره إلا جاهل غير مقتدى به انتهى. وقد مر كلام الشيخ ميارة هذا عند قول المص: "وسلام عرف بأل". لا المساوقة؛ يعني أن المساوقة في الإحرام والسلام لا تبطل صلاة المقتدي، والمساوقة هي: كون إحرام المأموم أو سلامه عقب الإمام قبل سكوته. وهي خلاف الأولى، والأولى أن لا يحرم ولا يسلم إلا بعد سكوته. قاله ابن رشد، قاله المواق، وكذا قاله مالك. وفي التوضيح عن البيان: فإن ابتدأ بعده فأتم معه أو بعده أجزأه قولا واحدا، والاختيار أن لا يحرم المأموم حتى يسكت الإمام. وقوله: .. "لا المساوقة": يستثنى منه ما إذا أتم قبله -كما مر- قاله بناني. كغيرهما. تشبيه في عدم البطلان؛ يعني أن صلاة المقتدي لا تبطل بعدم متابعة الإمام في غيرهما؛ أي الإحرام والسلام؛ بأن سابقه أو ساواه أو ساوقه، وقوله: "كغيرهما"، على حذف مضافين أي كعدم متابعة غيرهما، لكن سبقه ممنوع؛ يعني أن سبق المأموم للإمام في غير الإحرام والسلام ممنوع، وإن كان لا يبطل؛ أي سبقه عمدا في غير الإحرام. والسلام من الأفعال ممنوع، وأما سبقه في الأقوال فمكروه، وأما سبقه في غير الإحرام والسلام سهوا فلا شيء فيه. قال عبد الباقي: ومثل السبق الممنوع تأخره في فعل من أفعالها حتى يفرغ منه. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وسيأتي قريبا. واعلم أنه إن سبق المأموم الإمام بفعل الركن وعقده قبله، فلا خلاف في عدم الإجزاء، وإن كان يلحقه الإمام قبل كماله فقولان، المشهور الصحة. قاله الحطاب عن الأبي وغيره. وظاهره سواء كان عمدا أو سهوا أو غفلة؛ وهو كذلك. قاله الحطاب.
وفي نوازل سحنون: قيل لسحنون: أرأيت الرجل يصلي مع الإمام فيسجد قبله ويركع قبله في صلاته كلها؟ قال: صلاته تامة، وقد أخطأ ولا إعادة عليه، ولا يَعُدْ. قال محمد بن رشد: وهذا إذا سجد قبله، وركع قبله، فأدركه الإمام بسجوده وركوعه وهو راكع وساجد، فرفع برفعه من الركوع والسجود أو رفع قبله، وأما إن ركع ورفع والإمام واقف قبل أن يركع، وسجد ورفع من السجود أيضا قبل أن يسجد الإمام، ثم لم يرجع مع الإمام في ركوعه وسجوده، وفعل ذلك في صلاته كلها، فلا صلاة له. واختلف إن فعل ذلك في ركعة واحدة أو سجدة، فقيل: تجزئه الركعة، وقيل: لا تجزئه وقد بطلت عليه، فيأتي بها بعد سلام الإمام، فإن لم يفعل بطلت صلاته. انتهى.
стр. 1332
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن محل هذا في السهو كما هو صريح كلام الأمير. والله سبحانه أعلم. وفي المواق: وأما أفعال الصلاة، فإن فعلها بعد الإمام وأدركه فيها، فهذه سنة الصلاة، وإن دخل في الفعل بعد خروج الإمام عنه فهذا ممنوع. انتهى. وفي الشبراخيتي: ومثل السبق التأخر عنه عمدا في فعل من أفعال الصلاة حتى يفرغ منه، كما ذكره المواق عن الباجي. وظاهره: ولو كان الفعل غير ركن، فمن تأخر في السجدة الثانية من الركعة الأخيرة إلى أن سلم الإمام حرم عليه ذلك وإن رفع قبل سلام الإمام، لم يحرم عليه ذلك. انتهى. وفي هذا الكلام نظر ظاهر ومخالفة في المعنى لما مر في الزحام. والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أن قوله: لكن سبقه ممنوع استدراك على قوله: "كغيرهما".
وإلا كره؛ أي وإن لم يسبقه في غير الإحرام والسلام، بل ساواه فيه، فإن ذلك مكروه، فالأولى أن يفعل بعده ويدركه فيها. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وهل يتبع المأموم الإمام بإثر شروعه أو بإثر تمام فعله؟ في ذلك ثلاث روايات: يفصل في الثالثة في غير القيام من اثنتين بإثر شروعه، وفي القيام من اثنتين بإثر تمام فعله باستوائه قائما، ولما كان السبق في غير الإحرام والسلام لا يبطل ذكر ما يفعل من حصل منه ذلك، فقال: وأمر الرافع بعوده يعني أن المأموم إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل رفع إمامه، فإنه يؤمر بأن يعود إلى الإمام في ركوعه أو سجوده إن علم إدراكه قبل رفعه؛ يعني أن محل كون المأموم مأمورا بالرجوع إلى إمامه حيث رفع قبله، إنما هو إذا علم أنه يدرك إمامه قبل رفعه، فإن لم يعلم ذلك انتظره، وفي الحديث: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار (١)). قال الدميري في شرح سنن ابن ماجه (٢): قال الشيخ تقي الدين هذا التحويل يقتضي تغيير الصورة الظاهرة، ويحتمل أنه يرجع إلى أمر معنوي على سبيل مجازي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، ويستعار هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام. قال: وربما يرجح هذا المجاز بأن التحويل في
стр. 1333
الصورة الظاهرة لم يقع مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام، قال الدميري: وقيل المراد تحويل صورته يوم القيامة، ولا يمتنع وقوع ذلك في الدنيا، فقد نقل الشيخ شهاب الدين فضل الله أن بعض العلماء فعل ذلك امتحانا، فحول الله رأسه رأس حمار، وكان يجلس بعد ذلك خلف ستر حتى لا يبرز للناس، وكان يفتي من وراء حجاب. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وأمر الرافع"، اختلف هل الأمر على سبيل السنية؛ وهو لمالك؟ أو الوجوب؟ قولان، ومقتضى المواق ترجيح الثاني لاقتصاره عليه، ومحل القولين فيمن أخذ فرضه مع الإمام قبل الرفع، وإلا وجب العود اتفاقا، فإن تركه عمدا بطلت، ولو كان رفعه سهوا، وإن ترك العود سهوا، فكمن زوحم عنه ولو رفع سهوا.
لا إن خفض؛ يعني أنه إذا خفض المأموم بأن هوى للركوع أو السجود قبل إمامه بعد أخذه فرضه من المخفوض منه مع الإمام، فإنه لا يؤمر بالعود لإمامه بل يثبت كما هو حتى يأتيه الإمام، والمعول عليه أن الخفض كالرفع: فصوابه كإن خفض: وأما إن خفض قبل أخذ فرضه مع الإمام فإنه يعود له وجوبا، فإن ترك العود له عمدا بطلت ولو كان خفضه سهوا، وإن ترك العود سهوا فكمن زوحم عنه ولو خفض عمدا. وقوله: "لا إن خفض"، قال ابن عمر: هو المشهور، ولا عبرة بقول ابن عمر هذا، بل الصواب ما تقدم من التسوية بين الخفض والرفع -كما قاله ابن غازي- فإنه قال: الذي يظهر من نقولهم استواء الخافض والرافع في الأمر بالعود إن علم إدراك الإمام، وإنما اختلفوا فيما إذا لم يعلم إدراكه. انتهى. قال الحطاب: وما ذكره من مساواة الخافض للرافع صحيح لا شك فيه، وقوله: "لا إن خفض"، وجه القول بعدم الرجوع أن الخفض غير مقصود في نفسه، بل المقصود منه الركوع أو السجود. وقد علمت أن الراجح استواء الخفض والرفع، وما تقدم من أن الخفض غير مقصود في نفسه علل به في التوضيح، قال ابن عاشر: تأمله مع ما تقرر من الخلاف في الحركة للركن، هل هي مقصودة أم لا؟ وعلى قصدها ينبني قوله: وتارك ركوع يرجع قائما، قال: والذي يظهر في جوابه أن النفي قصدها في نفسها: والمثبت على الخلاف قصدها لغيره، وكأنه يحوم بهذا على أن الركن في الركوع والسجود إنما هو في الانحناء والاتصال بالأرض: وأما الهوي نفسه فوسيلة ولا حق له في الركنية بخلاف الرفع منهما، فإنه نفس
стр. 1334
الركن، وليس الركن كونه قائما بعد الركوع، ولا كونه جالسا بعد السجود، فتأمله فإنه دقيق. انتهى. وظاهره أن الرفع ركن من غير خلاف -وفيه نظر- وقد ذكر الحطاب في الرعاف الخلاف في الرفع، هل هو واجب لنفسه أو وسيلة؟ ولذا قال مصطفى: شبهة تفريق المص بين الخفض والرفع كلام نقله في التوضيح عن الباجي، وفهمه على غير وجهه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وفي الأمير: مشبها بالبطلان كسبق بركن. انتهى. قال في الشرح: يركع ويرفع قبله إلا سهوا فيرجع له. انتهى.
وندب تقديم سلطان؛ يعني أنه إذا اجتمع جماعة كل منهم يصلح للإمامة، فإنه يندب تقديم سلطان أو نائبه إن لم يكن سلطان؛ لأنه كهو عند عدمه، ويقدم السلطان أو نائبه ولو كان غيره أفقه منه وأفضل؛ لأن في تقديم غيره عليه وهنا في منصبه وازدراء به، لخبر مسلم وغيره: (لا يُؤَمَّ الرجل في سلطانه، ولا يُجْلَس على تكرمته بغير إذنه (١)). وحمل على الندب وإن كان ظاهره الوجوب؛ لأن حق الله تعالى حصل بحضور من يصلح للإمامة، ولم يبق إلا حق الآدمي. قال الرماصي: لا معنى لذكر الاستحباب هنا؛ إذ الكلام فيما يقضى به. وقد عبَّر ابن عرفة بالاستحقاق، وابن شاس وابن الحاجب بالترجيح.
وفي المدونة: أحق القوم بالإمامة أعلمهم، وقالت أيضا: وأولاهم بالإمامة أفضلهم، وعبارة الرسالة: ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم، وهذه العبارات أسد بالمقام. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن: وقال: قلت وأجيب بأن لنا مقامين أحدهما بيان من هوأحق بالتقديم فيقضى له به، وعليه تكلم من عبَّر بالقضاء ونحوه وهو المشار إليه بقول المص: "وإن تشاح متساوون لا لكبر اقترعوا"، فيفهم منه أن غير المتساوين يقضى للأفضل منهم بالتقدم. وثانيهما: مقام بيان ما يخاطب به الجماعة دون تشاح وهذا هو المشار إليه هنا بقوله: "وندب تقديم سلطان الخ"؛ وهو
стр. 1335
ظاهر. انتهى كلام بناني. وهو نفيس جدا. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير: والندب لا ينافي القضاء، ومعنى الحديث: لا يؤمَّ الرجل … الخ، على ما قال النووي: أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل، وصاحب المكان أحق وإن شاء تقدم من يريده، وإن كان الذي قدمه مفضولا بالنسبة إلى باقي الحاضرين لأنه سلطانه، فيتصرف فيه كيف شاء، فإن حضر السلطان أو نائبه قدم على صاحب البيت وإمام المسجد وغيرهما. والتكرمة بفتح التاء وكسر الراء: الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويختص به. انتهى. فالسلطان في الحديث على هذا بالمعنى العام الشامل لرب المنزل والمجلس، وإمام المسجد خلاف ما عند المص وغيره، كابن الحاجب، وابن شاس، وغير واحد. ولا يؤم بالبناء للمجهول، وسلطانه بمعنى سلطنته. ومر أن نائب السلطان كهو إن لم يكن سلطان، قال ابن سهل: قال بعض الناس: خطة القضاء من أعظم الخطط قدرا، وأجلها نظرا لاسيما إذا اجتمعت إليها الصلاة. نقله ابن عرفة. وقال: قلت: يريد إمامة الصلاة، ومقتضاه حسن اجتماعهما: والمعروف ببلدنا قديما وحديثا منع إمامة قاضي الجماعة بها أو الأنكحة إمام الجامع الأعظم بها. وسمعت بعض أشياخنا أنهم يعللون ذلك بأن القاضي مظنة لعدم طيب نفس المحكوم عليه مع تكرر ذلك في الأحاديث، فيؤدي إلى إمامة الإمام من هو له كاره. وقد خرج الترمذي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون (١)). انتهى. ولم يعرج الزقاق على بحث ابن عرفة هذا، حيث قال:
وأعظمها قدرا وأكمل منظرا … قضاء نعم إن أم قاض على علا
ومر ما يعلم منه الجواب عن الحديث عند قوله: "وإمامة من يكره"، فراجعه إن شئت.
стр. 1336
تنبيه: اعلم أن المستحق للإمامة على التحقيق والإطلاق، * والذي هو أولى بها من جميع الكون على الشمول والاستغراق * هو سيد الوجود، * وعلم الشهود، * عليه أفضل الصلاة والسلام، * فهو إمام الائمة الأعلام * وإمام الأنبياء الكرام * عليهم أفضل الصلاة وأزكى التحية والإكرام * وإمام الأئمة الأبرار، * وإمام الأئمة الأخيار * وإمام الأمة الناجيه * وإمام أهل الرتب العاليه * وإمام رسل الله * وإمام جنود الله * وإمام الصِّدِّيقين * وإمام المخلصين * وإمام المخبتين * وإمام الموقنين * وإمام أهل دين الله * وإمام حزب الله * وإمام المجتبين * وإمام المؤمنين * وإمام الصادقين * وإمام الصابرين * وإمام أهل الإسلام * وإمام أهل دار السلام * وإمام الجماعة * وإمام أهل الطاعة * وإمام الخواص * وإمام أهل الإخلاص *. وإمام المؤيدين * وإمام الأئمة المكرمين * وإمام الفضلا * وإمام أهل المجد والعلا *. وإمام المسلمين * وإمام القائمين * وإمام القانتين * وإمام المستغفرين * وإمام المتصدقين * وإمام المهاجرين * وإمام المجاهدين * وإمام الزاهدين * وإمام الأمم * وإمام العرب والعجم * وإمام أهل الإيمان * وإمام أهل الفضل والعرفان * وإمام المهتدين * وإمام المقربين * وإمام الطيبين * وإمام الطاهرين * وإمام التوابين * وإمام الفائزين * وإمام الناصحين * وإمام المفلحين * وإمام الراكعين * وإمام الساجدين * وإمام الذاكرين * وإمام الطائعين * وإمام الخاشعين * وإمام الخاضعين * وإمام الخائفين * وإمام المتقين * وإمام أهل السياده * وإمام أهل السعاده * وإمام أهل الشهادة * وإمام أهل التحقيق * وإمام أهل التوفيق * وإمام أهل التصديق * وإمام المحسنين * وإمام الراغبين * وإمام الراهبين * وإمام الموحدين * وإمام القانعين * وإمام الشافعين في وإمام الحرمين * وإمام القبلتين * وإمام الواصلين * وإمام المتعبدين * وإمام الصالحين * وإمام العاملين * وإمام أهل الصفا * وإمام أهل الحلم والوفا * وإمام أهل الفضل والكرم * وإمام أهل الجود والشيم * وإمام أهل العناية * وإمام أهل الدرايه * وإمام من اتقى وأصلح * وإمام من نجا وأفلح * وإمام أهل الكمال * وإمام حضرة الوصال * صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين *. انظر التنبيه.
стр. 1337
ثم رب منزل؛ يعني أنه إذا لم يكن سلطان ولا نائبه، فإنه يندب تقديم رب المنزل للإمامة؛ لأنه سلطان منزلة وأدرى بقبلته، ويندب تقديمه ولو كان غيره أفقه منه وأفضل. وحكم إمام مسجد راتب حكم رب منزل، كما قال سند، وتقدم ما قاله النووي.
والمستأجر على المالك؛ يعني أنه إذا كان بالمنزل ربه المالك لذاته والمالك منفعته كالمستأجر، فإنه يندب تقديم المستأجر على المالك، قال الشيخ عبد الباقي: وأما المستعير فالظاهر تقديم ربه عليه. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا غير صحيح، بل المستعير هو المقدم لقول ابن شاس: مالك منفعة الدار كمالك رقبتها. انتهى. ونقله المواق، فإنه يشمل مالك المنفعة بعوض وبدونه. انتهى. وقال الشيخ الأمير: ومثل المستأجر كل من ملك المنفعة كمعار لتعلق العورات به وخبرته بالطهارة في المكان. انتهى. وقال الشبراخيتي: والمستأجر ونحوه من من يملك منفعة المنزل مقدم على المالك للرقبة، وبالغ المص على تقديم رب المنزل بقوله: وإن عبد؛ يعني أنه يقدم رب المنزل أي مالك ذات المنزل أو منفعته، وإن كان كل من مالك ذلك عبدا فقيها، فيقدم على من ببيته إن لم يكن معه سيده، وإلا قدم السيد؛ لأنه المالك حقيقة لذات المنزل أو منفعته، وإن لم يكن له انتزاع ماله، والمبالغة ليست في الندب بل في مقدر؛ أي مستحق الإمامة رب منزل وإن عبدا. كامرأة؛ يعني أن المرأة إذا كانت مالكة لذات المنزل أو منفعته، فإنها تستحق الإمامة استنابة لا مباشر، ولهذا قال: واستخلفت؛ يعني أنه يجب على المرأة المالكة لذات المنزل أو منفعته أن تستخلف؛ أي تقدم للإمامة غيرها ممن يصلح لها. هذا إن بقيت على حقها، وندبا إن أسقطت حقها في المباشرة، ولها أن تترك الاستخلاف. واعلم أن معنى قولهم: إذا اجتمع من يصلح للإمامة، لاستحقاق الإمامة، وأن كل رب منزل ممن لا تصح إمامته لجهل أو عجز أو غيرهما يستخلف، فلا خصوصية للمرأة بذلك، هذا هو الصواب. ويستحب للمرأة استخلاف على الأرجح.
ثم زائد فقه؛ اعلم أنه إذا لم يكن سلطان ولا رب منزل، فإنه يقدم الأب على ابنه، والعم على ابن أخيه. وعلم من هذا أن الابن يقدم على الأب إذا كان الابن رب منزل، وأن ابن الأخ يقدم على العم إذا كان ابن الأخ رب منزل: فإن لم يكن من ذكر فإنه يندب تقديم زائد الفقه؛ أي
стр. 1338
العلم بأحكام الصلاة على من دونه فيه، ولو زاد عليه في غيره، وتقديم حسن الصوت على كثير الفقه محذور، وعلى مساويه يندب؛ لأنه يحمل على الخشوع والرقة ويدعو إلى الخير، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾؛ إنه حسن الصوت وحسن الصوت بالقرآن موهبة من الله، وعطية لصاحبه. وعلم مما قررت أنه يقدم الأب على ابنه ولو كان الابن زائد فقه، والعم يقدم على ابن أخيه ولو زاد عليه ابن أخيه في الفقه وهذا عند التشاح، وأما عند عدمه فيقدم زائد الفقه من ابن وابن أخ على أب وعم، ولا عقوق في هذا لأنه في حالة الرضى، وظاهره تقديم الأب والعم ولو كانا عبدين وهما حران، وأما العم والأب فأخوان، فيقدم أحدهما على الآخر بموجب تقديم. انظر الشبراخيتي.
ثم حديث؛ يعني أنهم إذا استووا في الفقه ولم يكن فيهم أحد ممن تقدم، فإنه يندب تقديم زائد حديث واسع رواية وحفظ، وهو أفضل من زائد الفقه، ولكن قدم عليه لعلمه بأحكام الصلاة أكثر من زائد الحديث.
ثم قراءة؛ يعني أنه عند التساوي في الحديث، وما قبله يندب تقديم زائد القراءة؛ أي من هو أدرى بالقراءة وأمكن من غيره بالنسبة للحروف، أو أكثر قراءة، أوأشد إتقانا وهو أفضل من زائد الحديث لكن قدم عليه؛ لأنه أحكم لسنن الصلاة، وقدم زائد القراءة على من بعده لأنه يعلم الرواية الشاذة المبطلة فيتجنبها، ويتحرز عن اللحن الخفي المعيب في غير الصلاة، فكيف بها؟ والجواب -عن ما في صحيح مسلم وغيره من قوله ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم إسلاما، ولا يؤم الرجل في سلطانه. ولا يُجْلَس على تكرمته إلا بإذنه (١)) أن الأكثر [قراءة] (٢) في ذلك الزمان
стр. 1339
هو الأكثر فقها؛ لأنهم كانوا يتعلمون الأحكام مع الحفظ كما روى ابن مسعود ﵁ أنه قال: كان أحدنا إذا حفظ سورة لا يخرج إلى غيرها حتى يحكم علمها ويعرف حلالها وحرامها (١) وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده، ولقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما أمره، ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم.
ثم عبادة؛ يعني أنه عند التساوي في القراءة وما قبلها: يندب تقديم زائد عبادة من صلاة وصوم وغيرهما من أفعال الخير؛ لأن من هذا شأنه أشد خشية وأكثر تورعا وتنزها من غيره. ثم بسن إسلام؛ يعني أنه عند التساوي في العبادة وما قبلها يرجح بقدم سن إسلام، ويعتبر من حين الولادة لخبر: (كل مولود يولد على الفطرة (٢))، وإن كان أحدث سنا من حديث إسلام؛ إذ لا فضيلة في مجرد السن، ألا ترى إلى ما في الحديث من تقديم الأقدم هجرة على الأقدم سنا؟ ثم بنسب؛ يعني أنه عند التساوي في جميع ما سبق يقدم بالنسب؛ أي يقدم معروف الأصل على غيره، سواء كان بشرف أو غيره: ومن كان أرفع نسبا من غيره كان أولى بالإمامة، لقوله صلى القه عليه وسلم: (قدموا قريشا ولا تقدموها (٣))؛ لأن شرف النسب يدل على صيانة المتصف به عما ينافي دينه، ويوجب له أنفة عن ذلك.
ثم بخلق بفتح وسكون؛ هو جمال الصورة؛ يعني أنه عند التساوي في جميع ما تقدم، يقدم بجمال الصورة؛ لأن الفضل والخير يتبعانه غالبا وفي الحديث: (اطلبوا الحوائج من صباح الوجوه (٤))، ويروى: (اطلبوا الخير من حسان الوجوه (٥))، وعن أبي مليكة قال: قال رسول الله
стр. 1340
صلى الله عليه وسلم: (من آتاه الله اسما حسنا، وخلقا حسنا، وجعله في موضع حسن؛ فهو صفوة الله من خلقه (١)). ولمحمد بن يزيد:
يروى حديث عن نبي الهدى … حكته عن أسلافنا حاملوه
أن رسول الله في مجلس … قال وقد حفت به حاضروه
إذا سألتم أحدا حاجة … فالتمسوها من كرام الوجوه
وقالت الحكماء: حسن التركيب وتناسب الأعضاء يدل على اعتدال المزاج، وإذا اعتدل المزاج نشأ عنه كل فعل حسن. ثم بخلق؛ بضمتين وهو التحلي بالفضائل والتنزه عن الرذائل؛ لأنه من أعظم صفات الشرف لخبر: (خياركم أحسنكم أخلاقا) (٢)؛ ولأنه خلة النبيئين وصفات المرسلين، وزينة عباد الله الصالحين، وفي الحديث: (المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف (٣)). وقدم ابن هارون الثاني على الأول، واستظهره المصنف، وعلى الثاني فيعكس الضبط والمصنف يحتملهما. وفي الشارح ما يفيد اعتماد الضبط الأول؛ لأنه صدر في حله بما يفيده، ثم قال: ومن المتأخرين من عكس ذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: ثم بنسب: ثم بحِلْمٍ ثم جمال. انتهى قال في الشرح: الحلم هو جمال الخلق بضم اللام، وقال عند قوله: ثم جمال في الخلق بسكونها، وهذا على ما في التوضيح، وهو أبين من العكس. انتهى.
ثم بلباس؛ يعني أنه عند التساوي في جميع الحالات السابقة يقدم بجمال لباس لدلالته على شرف النفس والبعد عن المستقذرات، والمراد جميل شرعا ولو غير أبيض بخلاف يوم الجمعة، وبخلاف كحرير. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: والبياض يقدم على السواد، وقال
стр. 1341
الشيخ الأمير: ثم بياض لباس: وهو معنى جمالها الشرعي، وقيل: نظافتها، وقدمه الشافعية على الجميل في خلقه كأنه لتعلق الثياب بالصلاة.
إن عدم نقص منع؛ يعني أن محل التقديم بما مر إنما هو حيث عدم من له حق في التقدم بنفسه نقصا يمنع من الإمامة كجهل وعجز وفسق ونحوها. أو كره. أو هذه بمعنى الواو؛ يعني أن محل التقديم بما مر إنما هو حيث عدم من له حق في التقدم بنفسه نقصا يمنع من الإمامة، أو تكره معه من قطع وشلل وغيرهما، فإن كان به نقص منع أو كره فلا حق له في الإمامة لا مباشرة ولا تقديما، وأما من له حق في التقديم بالاستخلاف فأشار إليه بقوله: واستنابة الناقص؛ يعني أن من له حق في التقديم والتقدم للإمامة؛ وهو السلطان ورب المنزل ليس إلَّا: تندب له الاستنابة حيث كان ناقصا: فإن كان ناقصا نقص منع وجب أن لا يباشر، وإن كان ناقصا نقص كره ندب له أن لا يباشر، ولا تجب عليه الاستنابة في الوجهين، فلو تركها وترك مباشرة الإمامة لم يأثم. انظر حاشية الشيخ بناني.
والحاصل أن قوله: "واستنابة الناقص"، خاص بالسلطان ورب المنزل. وأما غيرهما فإن كان ناقصا فلا حق له في الإمامة لا مباشغ ولا تقديما، فكيف تأتي الاستنابة؟ ثم إن كان السلطان أو رب المنزل ناقصا نقص كره، ندبت الاستنابة ولا تمنع له مباشرة الإمامة، وإن كان نقص منع وجب أن لا يباشر الإمامة، وندبت له الاستنابة. والله سبحانه أعلم. وعلم مما قررت أن قوله "واستنابة" عطف على معمول ندب، وفي كلام المصنف وجه آخر وهو للشارح، والبساطي، والمواق: أن من له المباشرة لانتفاء نقص المنع والكره، يستحب له إذا حضر من هو أعلم منه، وأولى أن يستنيبه، قيل: فيه وجه آخر وهو أن يكون قوله: "واستنابة الناقص"، عطفا على معمول عدم، وعليه حمله الناصر اللقاني، وعلى التقريرات الثلاثة يكون كلام المصنف مختصا بالسلطان ورب المنزل دون غيرهما. والله سبحانه أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي التقرير الثالث نظر ظاهر. ولا يختص الندب بنقص الكراهة على هذه التقريرات.
كوقوف، ذكر عن يمينه؛ يعني أنه يندب وقوف الذكر البالغ عن يمين الإمام إن كان وحد، ويندب له أن يتأخر قليلا، فإن جاء آخر: ندب لمن على اليمين أن يتأخر قليلا حتى يكونا
стр. 1342
خلفه. وقوله: "كوقوف ذكر عن يمينه"، قال الإمام مالك: وإن قام عن يساره أداره إلى يمينه من خلفه، فإن لم يعلم به حتى فرغ أجزأته صلاته. ابن يونس: وكذا لو علم به فتركه. قاله الشيخ إبراهيم. واثنين خلفه؛ يعني أن الاثنين يقفان خلف الإمام ابتداء، أو في الأثناء لخبر مسلم عن جابر: (وقفت عن يسار رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي وأدارني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يساره، فأخذ بيدينا جميعا حتى أقامنا خلفه (١)). وقوله: "اثنين"؛ أي فأكثر. قاله الشيخ إبراهيم.
وصبي عقل القربة كالبالغ؛ يعني أن الصبي الذي عقل القربة أي الطاعة فعلا أو تركا؛ أي عقل أن الطاعة يثاب على فعلها وأن المعصية يعاقب عليها، حكمه حكم البالغ، فيقف عن يمين الإمام إن انفرد ومع غيره خلفه، ومن لم يعقل القربة وقف حيت شاء؛ أي هو لغو وهو من لم يؤمر بالصلاة وقوله: "وصبي" مبتدأ سوغ له الابتداء وصفه بقوله: "عقل القربة"، وقوله: "كالبالغ"، خبره.
ونساء خلف الجميع؛ يعني أنه يندب أن تقف النساء واحدة فأكثر خلف الجميع؛ أي جميع من تقدم، فتقف خلف إمام ليس معه غيرها، وخلف رجلين أو صبيين فأكثر مع الإمام، فإن كان معه رجل أو صبي عقل القربة وقفت خلفهما؛ أي يكون بعضها خلف الإمام وبعضها خلف من على يمينه، فإن وقف عن يمينه أكثر من واحد، فانظر كيف وقوفها؟ وقال الشبراخيتي: وتكره إمامته لمن ليست محرما بخلوة إلا أن يقوى في دينه، فإن كان مع نسوة كان أخف انتهى. وقال الإمام الحطاب: قال الشبيبي في شرح الرسالة في مراتب المأموم مع الإمام: الثالثة أن يكون معه امرأة أو نساء فيقفون (٢) وراءه؛ إلا أنه يكره له إن كان أجنبيا من النسوة أن يؤمهن للخلوة بهن، وهو مع الواحدة أشد كراهة. وقال ابن نافع عن مالك: لا بأس أن يؤم الرجل النساء لا رجال
стр. 1343
معهن إذا كان صالحا. انتهى. والخنثى المشكل يقف بين صفوف الرجال والنساء، وعليه قول القائل:
وآخر صف في الرجال مكانه … وأما إذا لاقى النساء فأول
وعلم مما قررت أن المرأة لو وقفت إلى جنب الرجل لم تبطل صلاتها ولا صلاته، كانت أجنبية أو ذات محرم لكن خولف الندب. ورب الدابة أولى بمقدمها. كذا في المدونة، وفيها: أن رب الدار أحق بالإمامة؛ يعني أنه لو تعاقد شخص مع رب دابة على أن يحمله عليها معه، ولم يشترط تقديم أحدهما على الآخر، فإن رب الدابة أولى أي أحق بمقدمها بكسر الدال مخففة وبفتحها مشددة، لعلمه بطبعها ومواضع الضرب منها، كعلم رب الدار بقبلتها والمواضع الطاهرة منها، ولذا قضي بها عند تنازع الراكبين للمقدم، إلا لقرينة تنافي ذلك، وكلا المسألتين دليل على أن الفقيه أولى بالإمامة، وهي دلالة حسنة كما كان صاحب الدابة أولى لكونه أعلم بطبعها ومواضع الضرب منها: وصاحب الدار أولى لأنه أعلم بقبلتها والواضع الطاهرة منها، فكان الفقيه أولى لكون صاحب الفقه أعلم بما تصح به الصلاة، ونص المدونة: وأولى بمقدم الدابة صاحبها وصاحب الدار أولى بالإمامة إذا صلوا في منزلة إلا أن يأذن لأحد.
والأورع؛ يعني أنه يندب تقديم الأورع على الورع. والعدل؛ يعني أنه يندب تقديم العدل أي الأعدل على العدل. والحر؛ يعني أنه يندب تقديم الحر على العبد. والأب؛ يعني أن الأب يقدم ندبا على الابن، ولو كان الابن أزيد فقها.
والعم؛ يعني أنه يندب تقديم العم على ابن الأخ ولو كان ابن الأخ أزيد فقها. وبما قررت علم أن قوله: على غيرهم؛ راجع للخمسة؛ أي يندب تقديم الأورع على غيره الذي هو الورع، ويندب تقديم العدل أي الأعدل على غيره الذي هو العدل أي من هو عدل دونه في العدالة، ويندب تقديم الحر على غيره الذي هو العبد، ويندب تقديم الأب على غيره الذي هو الابن ولو كان الابن أزيد فقها، ويندب تقديم العم على غيره الذي هو ابن الأخ ولو كان ابن الأخ أزيد فقها قال الشيخ محمد بن الحسن: مرتبة هذه الثلاثة يعني الأورع والحر والعدل؛ بعد قوله: ثم زائد فقه أو حديث، فكان حقه أن يقدمها هناك
стр. 1344
ولا يستغني بما تقدم عن ذكر الثلاثة -كما قيل- لأن ما تقدم من باب التحلي بالحاء المهملة، وهذه الثلاثة من باب التخلي بالخاء المعجمة، فلابد من ذكرها لكن الأولى تقديمها كما ذكرنا. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: ظاهره؛ يعني المصنف أن الأورع مقدم على غيره ولو كان غيره زائد فقه وليس كذلك، بل يقدم عليه زائد الفقه كما نص عليه ابن الحاجب وغيره، ويقدم الأورع ولو عبدا على حر غير أورع. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ويقدم ندبا الأورع والعدل أي الأعدل ولو عبدا فيهما، والحر، والأب دنية ولو عبدا، والعم على غيرهم أي على ورع إلا أن يزيد فقها، وعلى عدل إلا أن يزيد بالفقه، وعلى عبد غير زائد فقه إلا مع سيده، فيقدم عليه ولو زائد فقه، ولا ترتيب بين رقيق، فلا يقدم ذو الشائبة على القن كمبعض مثلا، فلا يقدم على خالص كما هو ظاهر كلامهم، وتقديم العم على ابن أخيه ولو زائد فقه، خلافا لسحنون في تقديمه ابن الأخ الأفضل على عمة. قال: ولا يلزم مثله في الأب لزيادة حرمته، وكذا يقدم عم صغير السن على ابن أخيه الأسن منه عند مالك، خلافا لسحنون. وقول المدونة: وللسن حق، قيدها ابن رشد واللخمي بغير ابن الأخ الأسن مع عم دونه سنا فإن اجتمع في دار الابن أبوه وعمه قدم الأب إن زاد فقها وسنا على أخيه، ولأبُوَّته فلتقديمه ثلاث جهات فإن كان أخوه هو الأسنَّ والأزيد فقها قدم على الأب، وحملنا العدل على الأعدل لا على ظاهره من مقابلته بالفاسق لجزم المصنف فيما مر ببطلان الصلاة خلفه، ويمكن حمله على ظاهره لكن بجعل مقابله غير عدل شهادة، كمشي بسوق غير منتعل، وأكل به لغير غريب. انتهى. قوله: فإن اجتمع في دار الابن أبوه وعمة قدم الأب؛ الخ أي إذا فقد الابن وإلا قدم الابن؛ لأنه رب منزل فيقدم على أبيه وعمة، كما صرح به ابن عرفة. انتهى. وقوله: "والأب والعم"، قال الشيخ محمد بن الحسن: مرتبة هذين بعد رب المنزل، فكان حقه أن يقدمهما هناك، خلافا لسحنون في العم. انتهى. ابن عرفة: ومستحق الإمامة السلطان أو خليفته، ثم رب المنزل. مالك: وإن كان عبدا، ثم قال: ثم الأب والعم وإن صغر عن ابن أخيه. انتهى. وقال الشيخ الأمير: والحر على غيره ولو بشائبة إلا عبدا أفضل إماما لغير سيده انتهى. وقوله: "والأورع"، مبتدأ،
стр. 1345
وخبره على غيرهم؛ وهو من عطف الجمل، ويحتمل عطفه على سلطان من عطف المفردات، فيكون مع ما بعده مخفوضا، وعلى الإعراب الأول لا يعلم منه عين الحكم. قاله الشيخ إبراهيم. وإن تشاح متساوون لا لكبر اقترعوا؛ يعني أنه إذا تشاح في الإمامة جماعة متساوون في الأوصاف السابقة؛ أي تنازعوا فيها؛ بأن طلب كل واحد منهم أن يكون هو الإمام. وكان تنازعهم فيها لا لكبر ورياسة دنيوية، بل لطلب فضل الإمامة، فإنهم يقترعون؛ بأن يكتب بورقة: (يقدم)، ثم تخلط بأوراق بعده الباقين يكتب: (لا يقدم)، أو بدونه. فمن وقعت عليه ورقة: (يقدم): فإنه يستحق التقديم. وشرعت القرعة دفعا للضغائن والأحقاد والرضى بما جرت به الأقدار * وقسم الملك الجبار * والاقتراع مشروع بين الخلفاء والأذان، وعلى الصف الأول، وتغسيل الميت، والحضانة، والقسمة: والدعوى عند الحاكم. والسفر بالزوجات إذا استوى المتنازعون في الأهلية في الجميع، وإن تنازعوا لِكِبْرٍ سقط حظهم؛ لأنهم حينئذ فساق، ومثل الكبر: البغض: والحسد، والرياءت والسمعة. الغزالي: تشاح رجلان في الإمامة فخسفت بهما الأرض. وقد تقدم بطلان الصلاة خلف من قصد بالإمامة الكبرة وقوله: "وإن تشاح متساوون لا لكبر اقترعوا"، يدخل في منطوقه ما إذا كان تشاحهم لحيازة كوقف على الإمام، فليس ذلك مما يُفَسِّقُهم. قاله أبو علي. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وكبر المسبوق لركوع؛ يعني أن المسبوق إذا وجد إمامه متلبسا بالركوع: فانه يكبر تكبيرة الإحرام، ويكبر تكبيرة ثانية للركوع، ويعتد بتلك الركعة إن تيقن إدراكها. أو سجود؛ يعني أن المسبوق إذا وجد إمامه متلبسا بالسجود فإنه يكبر تكبيرتين: فيكبر للإحرام، ويكبر للسجود، ولا يعتد بتلك الركعة. وقوله: "وكبر المسبوق"؛ أي لغير الإحرام أي يكبر للركوع، ويكبر للسجود، وأما الإحرام فقد أتى بها قبل ذلك بدليل النفى الآتي.
بلا تأخير؛ يعني أن من جاء والإمام يصلي يشرع في حقه أن يدخل الصلاة بلا تأخير؛ أي يبادر إلى الدخول في الصلاة. فقوله: "بلا تأخير"، متعلق بمقدر -كما قررت- وقوله: "بلا تأخير"؛ أي يمنع التأخير في الركوع، ويكره في السجود، قيل: يمنع، ومحل ذلك إن لم يشك في الإدراك للركوع أو السجود" وإلا ندب له التأخير. ومحل قوله: "بلا تأخير" أيضا في السجود إن لم يكن
стр. 1346
معيدا لفضل الجماعة، وإلا أخر دخوله فيه، وفي التشهد لاحتمال كونها الأخيرة، فإن لم يكن معيدا بأن لم يحصل فرضه أمر بالدخول مع الإمام في الركوع أو في السجود أو التشهد ولو لم يتحقق أنها غير الأخيرة، فإذا سلم الإمام وقد أدرك معه هذا المسبوق ما دون ركعة، وجب عليه الإتمام، بخلاف المعيد للفضل، فإنه يخير بين القطع والانتقال إلى النفل -كما تقدم- وكلام أبي الحسن: ومن قلده معترض مخالف للنقل؛ إذ ذكر التخيير فيمن لم يحصل فرضه، وليس الأمر كذلك. انظر حاشية الشيخ بناني. وقوله: "لركوع" الخ، قال الشيخ إبراهيم: ولو حذف قوله: "لركوع"، واستغنى بذكر السجود ما ضره؛ لأنه إذا كان يطلب الدخول فورا في السجود الذي هو غير معتد به فأولى الركوع.
لا لجلوس؛ يعني أن المسبوق إذا وجد إمامه متلبسا بالجلوس، فإنه لا يكبر للجلوس وإنما يكبر تكبيرة الإحرام، وإن كان مطالبا بالدخول مع الإمام في جلوسه. وقام بتكبير؛ يعني أن المسبوق إذا فارق الإمام بالسلام، وقام لقضاء ما عليه فإنه يقوم بعد سلام إمامه بتكبير يأتي به بعد استقلاله: فلا يكبر قبل اعتداله -كما مر- وعبارة الشيخ الأمير: وإنما يقوم مسبوق بعد السلام، وإلا بطلت إلا ساهيا، فيلغي ما فعل ورجع للإمام، ومحل قيام المسبوق بالتكبير. إن جلس مع الإمام الجلوس الذي فارقه منه في ثانيته؛ أي المسبوق. وقوله: إلا مدرك التشهد، مستثنى من المفهوم؛ أي فإن لم يجلس المسبوق مع الإمام في ثانيته؛ بأن لم يدرك معه ركعتين لم يقم بالتكبير إلا مدرك التشهد الأخير، أوما دون ركعة فإنه يقوم بالتكبير.
وتحصل من هذا أن من أدرك مع الإمام ثلاث ركعات أو ركعة واحدة، لا يقوم بالتكبير، ومن أدرك معه ركعتين أو ما دون ركعة يقوم بالتكبير. والله سبحانه أعلم، وما مشى عليه المصنف هو المشهور. وقال عبد الملك: يكبر على كل حال، قال الشيخ زروق: قال شيخنا أبو عبد الله: وأنا أفتي به العوام ليلا يلتبس عليهم الأمر ويتشوشون، ومن صلى مع الإمام ركعة وجلس الإمام يتشهد، فإنه يجلس معه ويتشهد وإن لم يكن له موضع تشهد، لقوله ﵊: (إنما
стр. 1347
جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه (١))، قال الشيخ عبد الباقي: ولقد أحسن المصنف في ترتيب هاتين المسألتين مع الثالثة بعدهما؛ إذ صدر بما يؤمر به المسبوق بعد تكبيرة الإحرام من تكبير وعدمه. ثم ثنى بقيامه بعد سلام إمامه لقضاء ما عليه بتكبير أو بدونه، ثم ثلث بكيفية قضاء ما عليه بقوله: وقضى القول؛ يعني أن المأموم المسبوق المدرك ركعة فأكثر يقضي فيما فاته به الإمام القول، قال الشيخ عبد الباقي: أي القراءة خاصة، وأما غيرها فهو بانٍ فيه كالأفعال، فلذا يجمع بين سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد؛ إذ الإمام لم يقلها، وإذا أدرك ثانية الصبح قنت على المشهور. قاله الجزولي، ويوسف بن عمر: خلافا للشارح والتتائي والشيخ سالم. لما علمت من أن المراد بالقول الذي يُقْضى القراءة. وأما قنوته فمن باب الفعل؛ لأن وقوفه له كفعل الباني المصلي وحده وهو يقنت، في ثانية الصبح. انتهى. قال الرماصي: ما ذكره التتائي صواب، وهو تابع في ذلك الشارح والتوضيح، وكل الشيوخ يفرعون على القفاء في الأقوال عدم القنوت. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره الرماصي من أن المعتمد عدم القنوت صحيح؛ إذ هو الذي في البيان، واقتصر عليه صاحب التوضيح، والقلشاني، وابن ناجي، وغيرهم. وقال الرماصي: ونفى الفاكهاني القول بالقنوت فضلا عن أن يكون مشهورا: فإنه قال منكرا على من قال يقنت في ركعة القضاء: إن كان هذا قولا في المذهب فهو شاذ، بناء على أن ما أدرك مع الإمام أول صلاته، وهذا القول لم أره منصوصا لأصحابنا، غير أن صاحب البيان والتقريب نقله إلزاما لا نقلا.
وبنى الفعل؛ يعنى أن المأموم المسبوق إذا قام بعد سلام إمامه لقضاء ما عليه، فإنه يقضي في الأقوال -كما مر- ويبني في الأفعال. والقفاء عبارة عن جعل ما فاته قبل الدخول مع الإمام أول صلاته، وما أدركه آخرها، والبناء عبارة عن جعل ما أدركه معه أول صلاته، وما فاته آخرها. وكون المسبوق يقضي القول ويبني الفعل مذهب الإمام مالك، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يقضي القول والفعل، وذهب الإمام الشافعي إلى أنه يبني فيهما. ومنشأ الخلاف خبر: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم
стр. 1348
فأتموا (١)). وروي: (فاقضوا (٢))، فأخذ الإمام الشافعي برواية؛ فأتموا، وأخذ الإمام أبو حنيفة برواية: فاقضوا، وعمل الإمام بكليهما لقاعدة الأصوليين والمحدثين؛ وهي أنه إذا أمكن الجمع بين الدليلين جمع، وتظهر ثمرة الخلاف فيمن أدرك أخيرة المغرب، فعلى مذهب الإمام مالك: يأتي بركعتين بأم القرآن وسورة جهرا، ويجلس بينهما. وعلى مذهب الإمام الشافعي: يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرا ويجلس، ثم يأتي بركعة بأم القرآن فقط سرا، وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة: يأتي بركعتين بأم القرآن وسورة جهرا ولا يجلس بينهما. وقوله في الحديث الشريف: وعليكم السكينة، بالرفع في الرواية المشهورة. وروي بالنصب على الإغراء، وبالنصب ضبطه القرطبي. والوقارُ قال عياض والقرطبي: هو بمعنى السكينة، وذُكِرَ للتأكيد. وقال النووي: الظاهر أن بينهما فرقا، وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث والوقار في الهيئة، كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات. ذكره الحافظ. نقله محمد بن عبد الباقي. وقوله: إذا أتيتم الصلاة الخ، يفيد أنه لا يسرع لها أقيمت أم لا، والتقييد بالإقامة في رواية: (إذا سمعتم الإقامة (٣))، وفي رواية: (إذا ثوب بالصلاة (٤))؛ أي أقيمت. وفي رواية: (إذا أقيمت الصلاة) (٥) الظاهر كما قال الحافظ مفهومه مفهوم موافقة؛ إذ من باب أحرى إذا لم يخف فوات التكبيرة الأولى أو غيرها لكون الصلاة لم تقم، ولا يقال إن من جاء قبل الإقامة لاتقام الصلاة حتى يستريح، بخلاف غيره؛ لأنه مخالف لصريح: إذا أتيتم الصلاة. انظر شرح العلامة محمد بن عبد الباقي للموطإ. وتوجيه الشيخ عبد الباقي لقول المصنف: وقضى القول وبنى الفعل ليس على ما ينبغي. والله سبحانه اعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.
стр. 1349
وركع من خشي فوات ركعة دون الصف؛ يعني أن المسبوق إذا ركع إمامه قبل أن يدخل في الصف، فإنه يركع أي يحرم ندبا، ويركع دون الصف كما يفيده كلام المدونة وابن الحاجب، وجوازا كما يفيده كلام ابن رشد وابن عرفة: وإنما يركع دون الصف حيث خشي فوات الركعة إن لم يحرم وتمادى إلى الصف. وقوله: "دون الصف". متعلق بركع، وقوله: "وركع"؛ أي لأن إدراك الصف والركعة معا خير من إدراك الصف فقط إن ظن إدراكه قبل الرفع، شرط في قوله: "وركع". والضمير في إدراكه عائد على الصف؛ يعنى أن محل ركوع من خشي فوات ركعة دون الصف، إنما هو حيث ظن أنه يدرك الصف في دبيبه بعد إحرامه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، وأما إن لم يظن إدراك الصف قبل الرفع فإنه يتمادى؛ أي يترك الركوع ويذهب إلى الصف، ولو كان تفوته الركعة ولم يبح له أن يركع دونه: فإن فعل أساء وأجزأته ركعته. وقوله: "وركع من خشي" الخ، روى أشهب أنه لا يكبر حتى يأخذ مقامه من الصف. ولابن القاسم أنه يركع دون الصف ويدرك الركعة، فرأى المحافظة على الركعة أولى من المحافظة على الصف، وهذا في غير الأخيرة، وأما هي فيركع ليلا تفوته الصلاة، كما قاله اللخمي. قال الحطاب: وهذا تقييد حسن لا ينبغي أن يختلف فيه: وصرح ابن عزم بالاتفاق عليه، وفي الصحيح: (من وصل صفا وصله الله (١)).
واعلم أن أقسام هذه المسألة ثلاثة: أحدها: أن يكون بعيدا بحيث لا يجوز له الدب لكثرة المشي القتضية للبطلان، وحكمه أن لا يركع، ويتقدم للصف. ثانيها: أن يكون قريبا بحيث يكون مشيه لا يفسد الصلاة ولكن لا يظن إدراك الصف. قيل: فهذا لا يجوز له أن يركع دون الصف، فإن فعل أجزأته ركعته، وقد أساء. كما مر. ثالثها: أن يكون قريبا بحيث لا يفسد مشيه الصلاة؛ وهو يظن إدراك الصف قبل رفع الإمام رأسه، فإنه يركع دونه وهو منطوق المصنف، ولهذا قال: يدب كالصفين؛ يعني أنه إنما يركع دون الصف بحيث يكون المشي إليه قريبا لا يفسد الصلاة، وذلك بأن يدب بكسر الدال مقدار ثلاثة صفوف لا يحسب الذي خرج منه، ولا
стр. 1350
الذي دخل فيه، قال الشيخ عبد الباقي ما معناه أنه: يدب ليدرك الصف قبل الرفع ولو خببا، واغتفر فيها وإن كانت أحقَّ بالسكينة من خارجها؛ لأن إحرامه يمنع من إذهاب السكينة غالبا؛ فهو وازع فيها أي كافٌّ عن إذهاب السكينة بخلاف خارجها، فيكره -لما مر- انتهى المراد منه. قال الشيخ بناني: قال أبو علي: هذا في غاية البعد أو فاسد، وذلك لأن الخبب إنما كره كما لابن رشد ليلا تذهب سكينته، وإذا كره الخبب خارج الصلاة، فكيف به فيها؟ هذا لا يقوله من له أدنى تحصيل، والجواب الحق: -والله أعلم- أنا إنما أمرناه بالركوع في هذه الحالة ليلا يخيب ظنه فتفوته الركعة، بخلاف ما إذا ركع فقد حصل له العقد مع الإمام ثم يدب؛ فإن وصل فبها ونعمت، وإلا دب في الثانية، وهكذا كما قاله شراحه. وأما إن قلنا: سر حتى تصل واركع، فربما يخيب ظنه، فلا يصل حتى يرفع، فتفوته تلك الركعة. انتهى.
لآخر فرجة؛ يعني أنه إذا كانت في الصف فرجة واحدة، فإنه يدب إليها فيسدها، وإذا تعددت، الفُرَج فإنه يدب لآخر؛ أي أبعد فرجة بالنسبة له؛ وهي أقرب فرجة بالنسبة إلى الإمام. والفرجة بضم الفاء وفتحها: الخلاء بين الشيئين، قاله الشيخ إبراهيم. وما قررت به قوله: "لآخر فرجة": هو للشيخ عبد الباقي، فإنه قال: "لآخر فرجة"، بالنسبة لِجِهَتِهِ، وهي بالنسبة إلى الإمام أُولَى، سواء كانت أمامه ويخرق الصفوف، أو عن يمينه أو يساره. وقال الشيخ إبراهيم: "لآخر فرجة" تليه وسواء كانت الفرجة أمامه أو عن يمينه أو يساره. وقال ابن حبيب: لأولها إلى الإمام. انتهى. وقال الإمام الحطاب: قال ابن حبيب: أرخص مالك للعالم أن يصلي مع أصحابه بموضعه ببعد من الصفوف، فإن كانت في الصفوف فرج فليسدها. وفي الصحيح: (من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله (١)). والله أعلم. قاله الشيخ زروق في شرح الإرشاد. انتهى. قائما. حال من الضمير الستتر في يدب؛ أي يدب إلى الصف قائما في رفعه من الركوع حيث خاب ظنه، هذا ظاهره، وهو ظاهر المدونة، وابن الحاجب. والذي لابن رشد: أنه يدب قائما في
стр. 1351
الركعة الثانية إن خاب ظنه، ونحوه في سماع أشهب. وظاهر ابن رشد عدم ارتضاء ظاهرها، وعليه فانظر لو دب في رفعه، والظاهر عدم البطلان مراعاة لظاهرها. قاله الشيخ عبد الباقي.
أو راكعا؛ عطف على قوله: قائما أي يدب إلى الصف حال كونه راكعا، إن لم يخب ظنه في أولاه. ولو قال: راكعا أو قائما لكان أنسب لما قبله. قاله الشيخ عبد الباقي.
لا ساجدا أو جالسا؛ يعني لا يدب إلى الصف إذا كان ساجدا أو جالسا، وانظر هل يكره أو يحرم؟ وعلى أنه يحرم فالظاهر عدم البطلان، قال غير واحد: وقوله: ساجدا أو جالسا؛ أي لقبح الهيئة والتكلف وتغير الاسم؛ لأن الدب مشي خفيف؛ وهو يحصل في الركوع والقيام، ومن السجود والجلوس إنما هو زحف فتغير الاسم. انظر الشبراخيتي.
وإن شك في الإدراك ألغاها قد علمت أن المأموم مسبوقا أم لا مأمور باتباع الإمام على الحالة التي هو فيها، فإذا كان مسبوقا ووجد إمامه راكعا فأحرم وركع، فإن تيقن أنه أدركه في ركوعه فالأمر ظاهر؛ أي يرفع برفعه ويعتد بتلك الركعة، فإن تردد في الإدراك للركعة قبل رفعه، سواء استوى تردده، أو ظن الإدراك، أو توهمه، فإنه يرفع برفعه ويلغي تلك الركعة في الصور الثلاث، سواء جزم قبل إحرامه بالإدراك، أو بعدمه، أو ظن الإدراك، أو عدمه، أو تردد فيه فهذه خمس مضروبة في الثلاث المتقدمة فتلك خمس عشرة صورة يلغي فيها الركعة، فيأتي بركعة ويسجد بعد السلام لاحتمال أن المأتي بها زائدة، وإنما أتى بركعة لاحتمال عدم الإدراك. وفي تيقن الإدراك خمس؛ لأنه إما أن يحرم جازما بالإدراك، أو بعدمه، أو ظانا الإدراك، أو عدمه، أو مترددا فيه على السواء، فتلكَ عشرون صورة. -وقد علمت حكمها- وأما إن تيقن عدم الإدراك ففيها خمس صور أيضا؛ لأنه إما أن يحرم جازما بالإدراك، أو بعدمه، أو ظانا الإدراك، أو شاكه، أو متوهمه. فتلك خمس وعشرون صورة. والحكم في صور تيقن عدم الإدراك أنه يرفع لمتابعة الإمام، ويأتي بركعة ولا يسجد؛ لأنه تحقق أن التي يأتي بها غير زائدة. وكونه يرفع في الصور الخمس أعني صور تيقن عدم الإدراك هو الذي لابن عبد السلام والهواري. قاله بناني. وظاهر ما لزروق أنه لا يرفع فيهن، وأنه إن رفع عمدا أو جهلا بطلت صلاته، فإنه قال: ولو تحقق أن إدراكه بعد رفع رأسه، لم يعتد بتلك الركعة اتفاقا، قالوا: ولا يرفع رأسه، بل يهوي لسجوده منه
стр. 1352
بعد إمامه، فإن رفع، فحكى الزهري في شرح قواعد عياض عن ابن القاسم الجزيري صاحب الوثائق أنه حكى البطلان وعزاه لمالك. انتهى المراد منه. ابن عبد السلام الحق أنه يرفع موافقة للإمام، وإن كان بعض يقول يبقى كذلك في صورة الراكع حتى يهوي الإمام للسجود فيخر من الركوع ولا يرفع، قال: لأن رفع الرأس من الركوع عقد للركعة، فلو فعل ذلك كان قاضيا في حكم إمامه، وهذا ضعيف لاسيما على مخالفة الإمام، وإنما يكون قاضيا لو كان رافعا من ركوع صحيح، وإنما هو موافقة للإمام كما في السجود. نقله في التوضيح. قال الإمام الحطاب: وهو حسن قوي والله أعلم.
وإن كبر لركوع ونوى به العقد؛ يعني أنه إذا كبر في الركوع سهوا أو عمدا مأموم مسبوق أو غير مسبوق والإمام راكع، ونوى بتكبيره ذلك؛ أي بالتكبير الذي أوقعه عند الركوع، العقدَ أي الإحرام دون تكبيرة الركوع فإنه يجزئه ذلك التكبير بمعنى الإحرام.
أو نواهما؛ يعني أن الحكم كذلك فيما إذا نوى بتكبيره للركوع الإحرام والركوع فيجزئه ذلك، ولا فرق في هذه الصورة والتي قبلها بين الركعة الأولى وغيرها. أو لم ينوهما؛ يعني أنه لو كبر مأموم مسبوق عمدا أو سهوا، ولم ينو العقد والركوع في ركوع أولاه خاصة، فإنه يجزئه ذلك. وبما قررت علم أن قوله: أجزأ، جواب الشرط فهو راجع للمسائل الثلاث، وفاعل أجزأ التكبير بمعنى الإحرام في المسائل الثلاث. وقد تقدم في الصورتين الأوليين أنهما يجريان في المسبوق وغيره، وصورة غير المسبوق أنه دخل مع الإمام من أول الصلاة يظن أنه أحرم مع الإمام. قاله الحطاب. وقد مر أنه يشترط في الأخيرة أن يكون ذلك عند ركوع الأولى خاصة، وإنما اشترط فيها ذلك دون اللتين قبلها؛ لأن الإجزاء في هذه إنما هو بانضمام هذه التكبيرة لنية الدخول في الصلاة لتقدمها بيسير، والتكبير لا يفتقر لنية تخصه، ولا شك أنه إذا لم يتذكر ذلك في الأولى ونسي تكبيرها حتى أراد الانحطاط لركوع غير الأولى فحينئذ كبر، تقدمت نيته حينئذ بكثير فتبطل الصلاة. واللام في لركوع بمعنى "في"، أو بمعنى "عند"، فلا ينافي قوله: "ونوى به العقد الخ". قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وقال الشيخ عبد الباقي: واختلف هل الإجزاء في الصور الثلاث، ولو كبر حال
стр. 1353
انحطاطه وعليه حمل كثير المدونة: أولا يجزئه حتى يكبر قائما: وهو تأويل عبد الحق، وابن يونس، وابن رشد. وإن لم ينصوا إلا على الخلاف في الأولى خاصة، لكن قال بعضهم يجري في الجميع قاله الشيخ سالم. انتهى. وقد مر أنه لا فرق في الصور الثلاث بين تكبيره عمدا أو سهوا، ولا يخفى أن النسيان في الصورة الأولى متعلق بوقوع تكبيرة الإحرام مع النية؛ أي نسي أن يوقعها في محلها: وكذا يقال في الصورد الثانية أي نسي أن يوقع تكبيرة الإحرام مع النية في محلها ومن شك في تكبيرة الإحرام وهو وحده أو إمام، فقيل إنه يتمادى حتى يتم ويعيد، فإن كان إماما سأل القوم: فإن أيقنوا بإحرامه صحت صلاتهم: وإن لم يوقنوا أعادوا الصلاة. وقيل: إنه بمنزلة من أيقن يقطع متى علم. وقيل: إن كان قبل أن يركع قطع، وإن كان قد ركع تمادى وأعاد إلا أن يكون إماما فيوقن القوم أنه قد أحرم، نقله الحطاب. وللإمام التتائي ﵀:
ويقطع مأموم لقطع إمامه … لذكر صلاة أو لفقد لنية
كتكبير إحرام كذا الشد فيهما … وذاكر وتر وهو في الصبح ما فتى
وإن لم ينوه ناسيا له تمادى المأموم؛ يعني أن المأموم إذا لم ينو العقد بتكبيره للركوع ناسيا للعقد، ولم تتقدم له نية بيسير: بل نوى به الركوع خاصة، ثم تذكر بعد تكبيره للركوع أنه نسي الإحرام، فإنه يتمادى وجوبا ويعيدها وجوبا، كما في الجلاب: أو ندبا؛ وهو ظاهر ما حكاه التلمساني عن ابن القاسم وقوله: فقط، احترز به عن الفذ والإمام، وشمل كلامه الجمعة؛ وهو ظاهر المدونة، ورواه ابن القاسم. وقال مالك، وابن القاسم، وابن حبيب: يقطع في الجمعة بسلام ثم يحرم وهو مبني على القول بالبطلان ويقطع العامد؛ من الناسي إنما تمادى لقول سعيد بن المسيب وابن شهاب: إن الإمام يحمل عن المأموم الإحرام.
واعلم أن الصور السابقة في قوله: "وإن كبر لركوع" الخ في المأموم أيضا، فقوله: "المأموم"، يتنازعه: كبر وما بعده، وقوله: "وإن لم ينوه ناسيا" لخ، فيه حالات: إن ذكر ذلك بعد رفعه من الركوع فالذهب أنه يتمادى وقيل يقطع، وإن ذكر في الركوع وعلم أنه لو رفع وأحرم لم يدرك الركوع، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أشهرها مذهب المدونة أنه يتمادى ويعيد، والثاني يبتدئ:
стр. 1354
والثالث هم (١) بالخيار. وأما لو علم أنه لو رفع وأحرم أدرك الإمام قبل رفعه: ففي ذلك قولان في الموازية والعتبية: يقطع ويحرم ورآه خفيفا، وأقطع للشك مع أنه لا يفوته شيء. وقيل: لا يقطع؛ وهو الذي يؤخذ من المدونة. قاله الحطاب. وقوله: "ناسيا"، قد مر أن العامد يقطع؛ لأن الناسي إنما تمادى لقول سعيد بن المسيب، وابن شهاب: إن الإمام يحمل عن المأموم الإحرام، وخلافهما إنما هو إذا كبر للركوع غير ذاكر للإحرام، وأما لو كبر للركوع وهو ذاكر للإحرام متعمدا لما أجزأته صلاته بإجماع فلهذا لم يتماد التعمد. قاله الحطاب. وقوله: "وإن لم ينوه ناسيا"، سواء في ذلك الأولى وغيرها فإنه يتمادى ويعيد بعد قضاء ما فاته، وحيث أمر بالقطع فهل بسلام أم لا؟ قولان حكاهما في المقدمات. وخصهما بما إذا ذكر بعد ركعة، قال: وإن ذكر قبل ركعة قطع، وذكر أن الفذ في ذلك كالمأموم. قاله الحطاب.
وفي تكبير السجود تردد؛ يعني أن المأموم إذا كبر للسجود ناسيا للإحرام فإنه اختلف فيه، هل يتمادى أو يقطع؟ فابن رشد وابن يونس واللخمي نقلوا عن ابن المواز أنه: إذا كبر للسجود ناسيا للإحرام يتمادى، وظاهر نقل سند عن المذهب: أنه يقطع متى ما ذكر. قاله الشيخ بناني. قال: وإلى هذا الخلاف أشار المصنف بالتردد، فهو لتردد المتأخرين في النقل عن المتقدمين، وعلى التمادي فابن رشد وابن يونس نقلا عن رواية ابن المواز أنه يتمادى إذا تذكر بعد ركوع الثانية، وإن تذكر قبله قطع، واللخمي نقل عن قول ابن المواز: أنه يتمادى مطلقا كما في الركوع. انتهى. وأما إن كبر لسجود، ونوى به العقد، أو نواهما، أو لم ينوهما فإنه يجزئ على المعتمد، وقيل: لا، ولا يتوهم في هذه أنه يعتد بركعة السجود؛ أعني الركعة التي كبر فيها لسجود، ونوى به العقد، أو نواهما، أو لم ينوهما. وسكت المصنف عن حكم تبيره لرفع من ركوع أو سجود؛ فظاهر المدونة لغو الأول فيقطع ولا يتمادى. وأما الثاني، ففي اللخمي: التكبير في الرفع من
стр. 1355
السجود كتكبير السجود، والظاهر أنه يجري هذا الخلاف في وجوب التمادي وندبه، وأنه يعيدها وجوبا أو احتياطا كما جرى في مسألة: "وإن لم ينوه ناسيا له تمادى المأموم فقط".
وإن لم يكبر استأنف؛ يعني أن جميع ما تقدم في الركوع والسجود من الأحوال إنما هو حيث كبر المأموم، وأما إن دخل الصلاة ولم يكبر للإحرام ولا للركوع ولا للسجود فإنه يستأنف الصلاة حيثما ذكر بإحرام، ولا يحتاج إلى قطعها بسلام، وإنما استأنف لعدم حمل الإمام تكبيرة الإحرام عن المأموم. وفي التوضيح: إذا لم يكبر للإحرام ولا للركوع ابتداء حيثما ذكر لا نعلم فيه خلافا إلا ما حكي عن مالك: أن الإمام يحمل عن المأموم تكبيرة الإحرام، وهي رواية شاذة. انتهى. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.
ولما كان الاستخلاف من جملة مندوبات الإمام، وكان في الكلام عليه طول، أفرده بالكلام فقال:
стр. 1356
فصل: في الاستخلاف ؛ وهو تقديم إمام بدل آخر لإتمام صلاة الأول. قاله ابن عرفة. قوله: تقديم، مصدر مضاف لمفعوله ليندرج فيه من قدمه الجماعة، ولقوله: بدل آخر، ولو كان مضافا لفاعله لقال: بدله، وقوله: بدل آخر، حال من إمام وإن كان نكرة من غير مسوغ على غير الغالب وقوله: لإتمام لخ، مخرج لتقديم إمام بمسجد بدل آخر. وأشار المؤلف إلى حكم الاستخلاف بقوله: ندب لإمام خشي تلف مال؛ يعني أنه يندب لإمام ثبتت إمامته إذا خشي بتماديه على إتمام صلاته تلف مال، أن يستخلف أي يقدم رجلا يتم بهم الصلاة، وقوله: "لإمام"، متعلق بندب، واحترزت بقولي ثبتت إمامته، عمن ترك النية، أو تكبيرة الإحرام، أو شك فيهما. وللإمام التتائي:
ويقطع مأموم لقطع إمامه … بذكر صلاة أو بفقد لنية
كتكبير إحرام كذا الشك فيهما … وذاكر وتر وهو في الصبح ما فتي
وقوله: وذاكر وتر الخ، هذا أحد قولين، والآخر يستخلف. وعبر المصنف بخشي؛ لأنه يستعمل في عرفهم في الظن فما دونه. قاله البساطي. وقال الشبراخيتي: إن هذا فاسد؛ لأن خاف يستعمل في الظن فما دونه وفي اليقين أيضا. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾، وقوله: "مال"، كثر أو قل، ضاق الوقت أم لا إن خشي بتركه هلاكا أو شديد أذى؛ أي مشقة شديدة. كما في الشبراخيتي. وكذا إن لم يخش ذلك، وكثر ثمنها، واتسع الوقت فيستخلف في هذه الخمس، فإن لم يخش، وكثر، وضاق الوقت، أو قل. ولم يخش ضاق الوقت أو اتسع تمادى في هذه الثلاث، فتلك ثمان صور يستخلف في خمس منها ويتمادى في ثلاث. ومال الغير كماله، ومثل الإمام في القطع وعدمه المأموم والفذ، واختص الإمام بندب الاستخلاف.
أو نفس؛ يعني أن الإمام يندب له الاستخلاف أيضا فيما إذا خشي تلف مال، أو شديد أذى نفس كصبي أو أعمى أن يقعا في بير أو نار. وقوله: نفس؛ أي معصومة كغيرها إن حصل لها
стр. 1357
بذلك تعذيب، وأما إن خشي تلف مرتد أو زان محصن، ولم يحصل لهما بذلك تعذيب، فلا؛ لأنه لا حرمة لأنفسهما.
أو منع الإمامة لعجز؛ يعني أنه يندب للإمام الاستخلاف فيما إذا منع الإمامة لأجل عجز عن ركن فعلي أو قولي، لا عن سورة، فليس من مواطن الاستخلاف.
أو الصلاة برعاف؛ يعني أنه يندب للإمام الاستخلاف أيضا فيما إذا منع إتمام الصلاة بسبب رعاف فيستخلف، وإن أوجب الرعاف القطع؛ إذ لا يزيد على غيره من النجاسات. وقد شهر ابن رشد فيها الاستخلاف، بل الاستخلاف في رعاف القطع هو ظاهر المدونة وابن يونس؛ وهو صريح كلام ابن القاسم وابن رشد، فيحمل كلام المصنف على رعاف القطع، ويستفاد منه رعاف البناء بالأولى، ويكون فيه إشارة من المصنف إلى موافقة ما شهره ابن رشد في سقوط النجاسة أو ذكرها. وفي التتائي: ولو ذكر نجاسة أو منسية أو قهقه لم يستخلف. ابن ناجي: ويقطع في النجاسة أمكنه نزعها أم لا وبه الفتوى، وتصريح ابن رشد بأن المعلوم المشهور من المذهب أنه يستخلف لا أعرفه. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي: وابن رشد ثقة، فيكفي. وقد أنشد فيه بعض العلماء ما قاله بعض بني المهلب في واحد منهم يدعى أبا دلف:
إنما الدنيا أبو دلف … بين باديها وفي حضره
فإذا ولى أبو دلف … ولت الدنيا على أثره
وتلخص أنهما قولان مشهوران. انتهى. ومن مواطنه أيضا شكه في الصلاة هل دخلها بوضوء أم لا فيستخلف؟ وأما من تحقق الحدث والوضوء وشك في صلاته في السابق منهما فإنه يتمادى، فإن بان له الطهر لم يعد، فإن لم يبن أعادها دون مأموميه، ولا وجه لإعادة المأمومين. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن، كما لو شك في صلاته هل أحدث فيها أم لا؟ وما تقدم من أن من قهقه لا يستخلف نقله عبد الباقي عن التتائي. قال بناني: فيه نظر. وقد ذكر الحطاب فيما تقدم أنه يستخلف في القهقهة غلبة أو نسيانا، ولم يذكر فيه خلافا، وإنما ذكر الخلاف هل يقطع الإمام أو يتم؟ وفي المواق ما نصه: وقد نص ابن رشد على أن الإمام يستخلف إن قهقه غلبة أو نسيانا،
стр. 1358
وما مر عن عبد الباقي من قوله: وتلخص أنهما قولان مشهوران، قال بناني: فيه نظر، بل ما شهره ابن رشد أقره ابن عرفة وغير واحد، والقول الآخر أنكره غير واحد، فكيف يساوي الأول؟ أو سبق حدث؛ يعني أن الإمام إذا منع من الصلاة لأجل بطلانها عليه بسبب سبق حدث أصغر أو أكبر؛ أي خروجه فيها غلبة، فإنه يندب له الاستخلاف.
أو ذكره؛ يعني أن الإمام إذا منع من الصلاة لأجل بطلانها عليه بسبب ذكر حدث في الصلاة أصغر أو أكبر، فإنه يندب له الاستخلاف. ومن مواطن الاستخلاف أيضا مسألة السفن -كما مر- ومن مواطنه أيضا جنون الإمام، أو موته، وكذا لو اختطفته الجن أو السبع. وبما قررت علم أن قوله: استخلاف، نائب فاعل ندب؛ وهو يشعر بأن خلفه متعدد، فإن كان خلفه واحد فقط، فلا؛ إذ لا يكون خليفة على نفسه، فيتم. قاله ابن القاسم. وظاهر الشيخ سالم أنه الراجح، وقال أصبغ: يقطع ويبتدئ، وقال غيرهما: يعمل عمل المستخلف بالفتح، فإذا أدرك رجل ثانية الصبح فاستخلفه الإمام بموجب، فعلى الأول يصلي ركعتي الصبح كصلاة الفذ ولا يبني على قراءة الإمام، وعلى الثاني يقطعها، وعلى الثالث يصلي الثانية ويبني على قراءة الإمام فيها، ويجلس ثم يقضي الركعة الأولى، وإذا استخلف مقيم مسافرا فقط أتم على الأول إن أدرك ركعة، لا إن لم يدرك ركعة، فيصليها سفرية، وقطع على الثاني وأتم على الثالث أدرك معه ركعة أم لا. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ بناني: قول الزرقاني: فإن كان خلفه واحد فقط لخ، هكذا أطلقوه، والظاهر تقييده بغير من منع الإمامة لعجز، فإنه يستخلف من وراءه ولو كان واحد؛ لأنه يتأخر مؤتما. انتهى. وإذا استخلف على نفسه بعدما صلى الركعة الأولى من المغرب، فعلى الأول يأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ثم يجلس، ثم يأتي بركعة بأم القرآن فقط؛ لأنه بان في الأفعال، والأقوال وعلى الثاني الأمر واضح، وعلى الثالث يبني في الأقوال والأفعال كالأول إلا أنه يبني على قراءة الإمام. فظهر الفرق بين البناء على الأول والثالث. وقوله: "استخلاف"؛ أي لأنه أعلم بمن يستحق منصبه؛ وهو من باب التعاون على الخير، وليلا يؤدي تركه إلى تنازع فيمن يقدمونه فتبطل صلاتهم. واعترض البساطي المصنف بقوله: مفهوم خشي أن الإمام لا يندب له
стр. 1359
ذلك عند عدم الشرط، ولا نعلم خلافا أنه لا يجوز. انتهى. ولا تخفى ركاكة هذا الاعتراض. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وإن كان الأمر كما قال البساطي من أنه لا يجوز، (وأما استئخار أبي بكر ﵁ وتقدمه ﷺ مكانه في الإمامة (١)) فمخصوص به ﷺ عند جمهور العلماء. قاله ابن عبد البر. نقله محمد بن عبد الباقي. وقد مر الكلام على المواطن التي يستخلف فيها الإمام مند قول المصنف: وإلا سجد ولو ترك إمامه.
وإن بركوع أو بسجود؛ يعني أنه يندب للإمام أن يستخلف، وإن حصل له سبب الاستخلاف وهو راكع أو ساجد أو جالس، ويستخلف في ركوعه وسجوده وجلوسه، ويرفع رأسه من الركوع بلا تسميع ومن السجود بلا تكبير ليلا يغتروا (٢) به، ولا يرفعون برفعه، وإنما يرفع بهم الخليفة. وقيل: يستخلف من يرفع من الركوع ومن السجود لا فيهما.
تنبيه: قد تقدم أنه يستخلف للنجاسة؛ يعني في سقوطها وذكرها، وإذا رأى المأموم نجاسة في ثوب الإمام أراه إياها إن قرب منه. فإن بعد كلمه. قال سحنون: ويبتدئ، وقال ابن حبيب: يبني. ابن ناجي: قول ابن حبيب هو الجاري على قولها، وعلى المشهور أن الكلام لإصلاحها لا يبطلها. وسحنون على أصله. وحكم من علم بحدث إمامه، حكم من رأى النجاسة في ثوب إمامه؛ وهو بعيد منه. قاله ابن رشد. قاله الحطاب. وذكر البرزلي أن الجاري على قول ابن القاسم إذا ذكر الإمام نجاسة في ثوبه أنه يقطع ويقطعون. قال. وقيل يستخلف.
(ولا تبطل إن رفعوا برفعه قبله)؛ يعني أن الإمام إذا وقع له العذر في الركوع أو السجود: وقلنا
إنهم لا يرفعون برفعه، وإنما يرفعون برفع المستخلف بالفتح، فإنهم لا تبطل صلاتهم إن رفعوا برفعه أي المستخلف بالكسر قبله؛ أي الاستخلاف، أو قبل المستخلف بالفتح أي قبل رفعه. وقوله: "ولا تبطل"، قال ابن الحاجب على الأصح. انتهى. ومقابله غير منصوص بل مخرج. وقوله: "ولا تبطل إن رفعوا" الخ، محله ما لم يعلموا بحدثه ويرفعوا برفعه عمدا وإلا بطلت
стр. 1360
صلاتهم، كما يقتضيه كلام ابن بشير، وعبد الحق، وابن شأس، وابن عرفة. قاله بناني. ثم قال بعد جلب أنقال: وهو صريح في أن محل الخلاف حيث رفعوا برفعه جهلا أو غلطا، فإن اقتدوا به عمدا مع علم حدثه أفاد البطلان بلا خلاف. والله أعلم. انتهى. وبهذا يتبين لك ما في كلام الشيخ عبد الباقي. وحيث رفعوا قبل الاستخلاف أو بعده، وقبل المستخلف كان رفعهم في المسألتين برفع الإمام أم لا، فإنهم يؤمرون بعودهم ليرفعوا معه، فإن لم يعودوا لم تبطل صلاتهم إن أخذوا فرضهم معه قبل حصول المانع، وإلا وجب عليهم العود مع الخليفة، فإن تركوا ذلك عمدا بطلت صلاتهم، ولعذر وفات التدارك بطلت الركعة فقط. هذا في حقهم. وأما المستخلف بالفتح فلا بد أن يركع ويرفع، ولو أخذ فرضه مع الإمام قبل المانع لأنه نزل منزلته وركوعه غير معتد به، فيكون هو كذلك. قال جميعه الشيخ علي الأجهوري.
ولهم إن لم يستخلف؛ يعني أنه إذا ترك الإمام الذي وقع له العذر المندوب؛ بأن خرج ولم يستخلف، فإنه يندب للمأمومين الاستخلاف، فقوله: "ولهم"، عطف على قوله: "لإمام". ولو أشارلهم بالانتظار؛ يعني أن الإمام إذا وقع له العذر، فإنه يندب للمأمومين الاستخلاف، ولو كان الإمام أشار إليهم أن ينتظروه حتى يأتيهم. ورد المصنف "بلو". رواية يحيى عن ابن نافع: إن انصرف ولم يقدم وأشار إليهم أن امكثوا، كان عليهم أن لا يقدموا أحدا حتى يرجع فيتم بهم. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: والانتظار مبطل، قال في الاستذكار: جملة قول مالك وأصحابه إن ذكر أنه جنب أو على غير وضوء، فرج ولم يقدم أحدا، قدموا من يتم بهم، فإن أتموا أفذاذا أجزأتهم صلاتهم، فإن انتظروه فسدت. انتهى. وظاهره أن الانتظار مبطل مطلقا كان العذر مبطلا أم لا. وفي الشبراخيتي: ولو انتظروه حتى عاد وأتم بهم، بطلت. انتهى. وظاهر الأول بطلانها بمجرد الانتظار، وإن لم يتم بهم. وقوله: "ولهم إن لم يستخلف"، محل استخلافهم إن لم يفعلوا لأنفسهم فعلا بعد حصول المانع الأول، فإن فعلوا لم يستخلفوا؛ لأنه لا إتباع بعد القطع.
стр. 1361
واستخلاف الأقرب؛ يعني أنه يندب للإمام أن يستخلف أقرب المأمومين إليه مسافة من الصف الذي يليه؛ لأنه أدرى بأحوال الإمام، وإن لم يستخلف الأقرب خالف الأولى.
وترك كلام في كحدث؛ يعني أنه يندب للإمام عند استخلافه أن يترك الكلام في كل مبطل، كحدث سبق أو ذكر، وأما ما لا يبطلها فتركه واجب كرعاف بناء وعجز. قاله عبد الباقي. واستدل على الوجوب بقوله: وتأخر مؤتما في العجز؛ يعني أن الإمام إذا عجز عن ركن فعلي أو قولي: يستخلف ويتأخر حال كونه مأموما؛ بأن ينوي المأمومية في العجز عن ركن: قال الشيخ عبد الباقي: يتأخر وجوبا بالنية، وعن محله ندبا، فلو صلى فذا لبطلت. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: جزم بالبطلان، وقد تردد علي الأجهوري: والصواب الصحة لقول المصنف الآتي أو بعضهم.
ومسك أنفه في خروجه؛ يعني أنه يندب لمن استخلف في كحدث أن يمسك أنفه في حال خروجه، كان العذر رعافا أو غيره، ولا ينافيه تعليلهم الندب هنا بإيهام أن به رعافا زيادة في الستر؛ لأن من بعد عنه لا يحصل الستر منه، وكذا من قرب منه حيث قطع لزيادة رعافه عن درهم في أنامل الوسطى، وأما قوله: فيخرج ممسكا أنفه الخ. ففي رعاف البناء وليس للستر، بل لتخفيف النجاسة. ويؤخذ مما ذكره أحمد عن الخطابي أن إخراج الريح بحضرة الناس منهي عنه مذموم، وإن لم يتأذوا بذلك. وذكر التتائي في الموات أنه حرام، ونص أحمد قال الخطاب (١): إنما أمر المحدث بأخذ أنفه، ليوهم القوم أن به رعافا، وهذا من باب الأخذ بالأدب في ستر العورة وإخفاء القبيح والتواري بما هو أحسن، وليس يدخل في الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل واستعمال الحياء وطلب السلامة من الناس، ولا يقال هذا يفيد عدم وجوب ما يحصل به الستر؛ لأنا نقول هذا حيث خيف بالترك عدم الستر من غير تحقق: وإلا وجب. قاله الشيخ عبد الباقي.
تنبيه: علم مما مر أن الإمام إذا عجز عن ركن لا يجوز له أن يستخلف بالكلام ليلا تبطل صلاته، وأما رعاف البناء ففي المواق: الباجي: من سنة الصلاة أن لا يتكلم الإمام إذا طرأ له ما
стр. 1362
يمنعه التمادي، ويستخلف إشارة إلا أن يخاف أن لا يفقهوا فليتكلم، وقال ابن القاسم: إن تكلم في استخلافه، فقال: يا فلان تقدم، لم يضرهم ذلك، ولكنه لا يبني إن كان راعفا. ابن رشد: قول ابن القاسم هو الصواب أن صلاتهم لا تبطل؛ لأنه إذا رعف فالقطع له جائز في قول، ومستحب في قول فلا تبطل صلاة القوم بفعل ما يجوز له أو يستحب له، خلافا لابن حبيب. وقد مر عن عبد الباقي وجوب ترك الكلام في رعاف البناء، وقد علمت ما فيه. والله سبحانه أعلم.
وتقدمه إن قرب؛ يعني أنه يندب للمستخلف بالفتح أن يتقدم إن قرب من موضع الإمام كالصفين. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: كقرب ما يدب فيه لفرجة فيما يظهر، فإن بعد لم يجز ولو بمقدار القرب، فإن تقدم صحت بمقدار القرب لا أزيد، فتبطل.
وإن بجلوسه؛ يعني أنه إذا استخلف القريب منه فإنه؛ أي المستخلف بالفتح يندب تقدمه لموضع الإمام الأصلي على الحال التي حصل استخلافه فيها، وإن كان هذا المستخلف بالفتح جالسا أو ساجدا للعذر هنا دون ما مر من عدم دبيبه للصف جالسا أو ساجدا. وقوله: "وإن بجلوسه"، نقله في النوادر عن عيسى عن ابن القاسم.
وإن تقدم غيره صحت؛ يعني أنه إذا استخلف الإمام بعض القوم، فتقدم غير المستخلف بالفتح عمدا أو اشتباها كاشتراكهما في الاسم واقتدوا به، فإن صلاتهم تصح؛ لأن المستخلف بالفتح لا يكون إماما بنفس الاستخلاف، بل حتى يقبل ويفعل بعض الفعل مع اتباعهم له، خلافا لبعض شيوخ عبد الحق القائل: إنه يكون إماما بنفس الاستخلاف. انتهى. وفي المدونة: ولو خرج المستخلف قبل عمله شيئا، وقدم غيره أجزأتهم. ثم شبه المصنف في الصحة فروعا أربعة. أولها أشار إليه بقوله: كإن استخلف مجنونا ولم يقتدوا به يعني أن المأمومين تصح صلاتهم فيما إذا استخلف عليهم الإمام مجنونا أو نحوه ممن لا تصح إمامته والحال أنهم لم يقتدوا به، وأما إن اقتدوا به فإن صلاتهم تبطل، وإن كانوا غير عالمين كما مر في قوله: أو مجنونا. قال التتائي: وظاهره بمجرد نية الاقتداء، لكنه نقل في توضيحه عن عبد الحق، لا تبطل حتى يعمل عملا فيتبعونه فيه. انتهى. وليس بظاهر. انتهى كلام التتائي. والمذهب أنها لا تبطل إلا إذا عملوا معه
стр. 1363
عملا بعد الاقتداء. قاله الشيخ إبراهيم. وأشار إلى الثاني بقوله: أو أتموا وحدانا؛ يعني أنه تصح صلاة المأمومين فيما إذا أتموا لأنفسهم وحدانا حيث وقع العذر لإمامهم، وقوله: "وحدانا"؛ أي كلهم. وقوله: "أو أتموا وحدانا"؛ أي ولو استخلف الأصلي عليهم؛ لأنه لا يثبت له حكم الأصلي إلا إذا اتبع. كما يفيده ما مر. وإذا صلوا وحدانا مع كونه استخلف عليهم، وصلى المستخلف وحده؛ ولم يدركوا مع الأصلي فضل جماعة، فلكل أن يعيد في جماعة. ويلغز بذلك، فيقال: شخص صلى بنية الإمامة ويعيد في جماعة، ومأموم صلى بنية المأمومية ويعيد في جماعة، ومثل الأول من نوى الإمامة معتقدا أنه دخل معه أحد، ومثل الثاني من أدرك مع الإمام دون ركعة مع نية المأمومية. كما مر. ذلك قاله الشيخ عبد الباقي. ابن القاسم: فإن صلوا وحدانا فلا يعجببي ذلك وصلاتهم تامة، إلا الجمعة فلا تجزئهم. قاله المواق. وقوله: "أو أتموا وحدانا"؛ أي ويكره ذلك. وقال الشيخ عبد الباقي: فإن خالفوا المندوب وأتموا وحدانا كره لهم -كما في المدونة- لأنهم أمكنهم أن يصلوا جماعة. قاله أبو الحسن. انتهى. وأشار إلى الثالث بقوله: أو بعضهم؛ يعني أنه تصح صلاة المأمومين كلهم فيما إذا وقع العذر لإمامهم، وأتم بعضهم وحدانا وبعضهم بإمام سواء استخلف إمام المقتدين به الإمام الأصلي أو غيره، وسواء اختلفوا أو تساووا، لكن البعض الذي صلى وحده يأثم بمنزلة من وجد جماعة تصلي فصلى وحده، وكذا يقال في قوله: أو بإمامين؛ وهو رابع الفروع؛ يعني أنه إذا وقع للإمام العذر فصلى بعض المأمومين بإمام وبعضهم بآخر، فإنه تصح صلاة الجميع، ويحرم ذلك على الثاني. ابن بشير: لو استخلف قوم منهم وأتم الباقون أو واحد منهم لصحت صلاتهم على المشهور. قاله المواق.
إلا الجمعة؛ راجع للفروع الثلاثة؛ يعني أن ما تقدم من صحة صلاة المأمومين كلهم فيما إذا أتموا وحدانا، وفيما إذا أتم بعضهم وحدانا، وفيما إذا أتموا بإمامين إنما هو في غير الجمعة، وأما الجمعة فلا، لكن تصح جمعة من صلى مع الإمام في الفرع الثاني إن كان معه اثنا عشر تنعقد بهم، وأما الفرع الثالث فتصح مع من قدمه الإمام، فإن لم يقدم أحدا لكن تقدم اثنان أو قدم هو أو هم اثنين صحت للسابق بالسلام، فإن استويا بطلت عليهما وأعاداها جمعة مع بقاء وقتها، ومحل صحتها للسابق بالسلام إن وجد معه شروطها وإلا بطلت عليه. والظاهر أنه تصح جمعة
стр. 1364
الثاني حينئذ إن وجد معه شروطها، ويحتمل أن تبطل كما هو ظاهر ما يأتي في باب الجمعة من بطلانها بإمامين على كل. وقد يفرق بأن هنا ضرورة ولو اعتبرنا ما يأتي لأبطلنا صلاتهما هنا مطلقا؛ أي من غير نظر لسابق بسلام، ولا لمن قدمه الإمام. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
وقرأ من انتهاء الأول؛ يعني أن المستخلف بالفتح يندب له أن يقرأ من انتهاء الإمام الأول إن علم حيث انتهى، كانت الصلاة سرية أو جهرية. قاله الشيخ سالم بحثا. ومقتضى الندب الذي قاله بحثا أن له قراءة الفاتحة حيث قرأها الأول، وإن خالف الندب مع أن تكرير الركن القولي لا يجوز وإن لم تبطل به الصلاة، ودعوى اغتفاره هنا لأن معيده شخص آخر يحتاج إلى نقل. قاله الشيخ عبد الباقي، وقول حلولو: عليه أن يقرأ من انتهاء الأول، يقتضي الوجوب.
وابتدأ بالسرية إن لم يعلم؛ يعني أنه إذا لم يعلم المستخلف بالفتح انتهاء الأول، فإنه يبتدئ الفاتحة وجوبا كانت الصلاة سرية أو جهرية، فلا مفهوم لقوله بسرية، فلو قال: وقرأ من انتهاء الأول إن علم وإلا ابتدأ، لكان أشمل وأخصر. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وابتدأ" الخ أي يجب عليه أن يبتدئ أم القرآن إن لم يعلم، هل قرأها الأصلي أم لا؟ ولو كان قد مكث قدرها لاحتمال نسيانه لها. قاله الشيخ إبراهيم.
وصحته بإدرأك ما قبل الركوع؛ يعني أن صحة الاستخلاف مشروطة بإدراك المستخلف قبل العذر من الركعة التي وقع فيها الاستخلاف جزءا يعتد به، وهو ما قبل عقد الركوع الذي هو رفع الرأس، وذلك بأن يدرك الإمام في الركوع فقط، وإن لم يطمئن إلا بعده، وكذا إن أدرك ما قبله ولو الإحرام فقط. وبما قررت علم أن معنى قوله: "قبل الركوع"، قبل عقد الركوع وعقد الركوع هو رفع الرأس -كما مر- فلو فاته ركوع ركعة وأدرك سجودها واستمر مع الإمام حتى قام لما بعدها فحصل له العذر حينئذ، فإنه يصح استخلافه. وكذا لوأحرم معه قبل الركوع، وركع الإمام ولم يركع المأموم حتى حصل العذر، وكذا لو أحرم والإمام مبتدئ في حالة الرفع فحصل له عذر قبل تمامه فيصح للإمام أن يستخلفه، ويأتي بالركوع من أوله لاعتداده في هذه المسائل بالسجود، فلا يؤدي إلى اقتداء مفترض بمتنفل. قاله عبد الباقي. وكلامه لا يظهر في الأخيرة؟
стр. 1365
وهي قوله: وكذا لو أحرم والإمام مبتدئ في حالة الرفع لخ، فالظاهر أنه لا يصح استخلافه في هذه الأخيرة لاقتضائه أن الركوع يدرك بعد الأخذ في الرفع من الركوع. والله تعالى أعلم.
وإلا؛ أي وإن لم يدرك جزءا يعتد به بأن فاته الركوع، إما بأن أحرم بعد الرفع أو قبله وزوحم حتى رفع الإمام رأسه، فلا يصح استخلافه، سواء استخلفه قبل السجود، أو في السجود، أو بعده، وقبل القيام، أو في حالة القيام. وأما بعد القيام فتقدم أنه يصح استخلافه، فإن قدمه الإمام فليقدم هو غيره، فإن تمادى بهم بطلت عليهم دونه لاعتدادهم بالسجود، وعدم اعتداده هو به، فهم كمفترضين أمهم متنفل. ومحل صحة صلاته هو إن بنى على صلاة إمامه، وإلا بطلت. ومعنى بنائه على صلاة إمامه أن يأتي بما كان يأتي به مع الإمام لو لم يحصل له عذر فيأتي بالسجود، فإن لم يأت به بطلت صلاته، هذا حكم من جاء قبل العذر. وأما من جاء بعد العذر فكأجنبي كما سيقوله، والكاف زائدة؛ أي هو أجنبي حقيقة، فلا يصح استخلافه على القوم، وتبطل صلاة المؤتمين به. قاله ابن القاسم في المدونة. وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما معناه: وصحته بإدراك المستخلف من الركعة المستخلف فيها إن حصل فيها العذر، احترازا عمن أدرك مع الإمام الأولى وقيام الثانية بتمامه، وحصل له عذر منعه من ركوعها مع الإمام من زحام ونحوه، وحصل للإمام موجب استخلاف بعد تمام رفعه منها وقبل قيامه للركعة التي تليها، فلا يصح استخلافه، ولو كان يمكنه إدراك الأصلي أن لو بقي قبل رفعه من سجودها؛ لأن ما يأتي به من السجود أو بعضه هو بمنزلة النفل، فلا يقتدي به مفترض. انتهى. وناقشه في هذه الصورة الشيخ محمد بن الحسن بناني بأن هذا لا يدفع ورود المسألة المذكورة على المصنف، والظاهر أو المتعين أن اعتراضه على عبد الباقي ساقط. والله أعلم. وفي الحطاب عن النوادر: قال ابن المواز: ومن أحرم والإمام راكع في الجمعة في الثانية فاستخلفه قبل أن يركع الداخل، فليركع الداخل والقوم ركع: ثم يرفع بهم وتصح له ولهم جمعة، ولو رفعوا قبل أن يرفع المستخلف فكمن رفع قبل إمامه، فليرجعوا حتى يرفعوا برفعه، فإن لم يعودوا أجزأهم، ولو خرج ولم يستخلف فقدموا -هذا أو غيره- فالأمر كذلك، إلا أنهم إن قدموا غيره أو قدم الإمام غيره فرفع المستخلف رأسه قبل أن يركع الداخل فلا يعتد بتلك الركعة. انتهى. ومن النوادر أيضا: وإذا رفع رأسه من
стр. 1366
الركعة الثانية فقدم من أحرم حينئذ ولم يدرك الركعة، فليقدم هو من أدركها، فإن لم يفعل وأتمها بهم فسدت عليه وعليهم. انتهى. والله سبحانه أعلم.
ولما فهم من كلام المصنف أن من جاء بعد العذر لا يصح استخلافه، أشار إلى كيفية صلاته هو في نفسه بقوله: فإن صلى لنفسه؛ يعني أن هذا الذي جاء بعد العذر، لم يقع له موجب استخلاف، فاستخلفه الإمام، فإن صلاة من اقتدى به تبطل، وتصح صلاته هو إن صلى لنفسه، بأن نوى الفذية ولم يبن على صلاة الإمام، ولم يقبل استخلافه. قال في التوضيح: ولا إشكال في صحة صلاته، قال الإمام الحطاب: الذي يظهر أنه يدخل الخلاف في صلاته؛ لأنه أحرم خلف شخص يظنه في الصلاة، فتبين أنه في غير صلاة. وقد ذكر في النوادر ما نصه: ومن كتاب ابن سحنون: ولو أحرم قوم قبل إمامهم ثم أحدث هو قبل أن يحرم فقدم أحدهم، فصلى بأصحابه، فصلاتهم فاسدة، وكذلك إن صلوا فرادى حتى يجددوا إحراما. انتهى.
ويفهم من قول الحطاب: لأنه أحرم الخ، أنه لو أحرم خلفه وهو عالم بعذره لبطلت صلاته. قاله الشيخ محمد بن الحسن. أو بنى بالأولى؛ يعني أنه كما تصح صلاة من جاء بعد العذر فيما إذا صلى لنفسه تصح أيضا، فيما إذا بنى على صلاة الإمام؛ أي بنى على إحرامه ظانا أنه أحرم خلف إمام بشرط أن يكون الإمام استخلفه في الركعة الأولى، وظاهر هذا أنه تصح صلاته وإن لم يبتدئ الفاتحة: وصرح به الشيخ الأمير فقال: ويغتفر عدم ابتداء الفاتحة. عذروه بالجهل وللخلاف في وجوبها. انتهى. قوله: "بالأولى" ظرف مستقر حال، والباء بمعنى في أي حال، كونه كائنا في الأولى؛ أي مستخلفا في الركعة الأولى من ثنائية، أو ثلاثية، أو رباعية.
أو الثالثة، عطف على قوله بالأولى؛ أي وكذلك تصح صلاة من جاء بعد العذر أيضا فيما إذا استخلفه الإمام في الركعة الثالثة من الرباعية، وبنى أيضا على إحرامه ظانا أنه خلف إمام. وإنما
стр. 1367
صحت في المسألتين لموافقته للفذ في الأفعال فيهما، وأما الأولى فإنه وافق الفذ فيها في الأفعال والأقوال، ولم تضره مخالفته في النية. كما مر.
واعلم أن الكلام في مسألة المصنف هذه إنما هو فيما بعد الوقوع، وأما ابتداء فلا نزاع أنه مأمور بأن يصلي لنفسه صلاة الفذ وبه تعلم أن ما نقله الشيخ عبد الباقي عن الشيخ أحمد لا محصول له. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وعلم من المصنف أنه إذا لم يبتدئ الفاتحة حيث استخلف في الأولى أو الثالثة تصح صلاته، وقد صرح بذلك الشيخ الأمير. كما مر وقوله: "أو الثالثة"، هذا على قول ابن القاسم في عمد ترك السورة. وبما قررت علم أن قوله: صحت. جواب الشرط؛ أعني قوله: "فإن صلى لنفسه": فهو راجع للمسائل الثلاث. والله سبحانه أعلم.
وإلا فلا؛ يعني أن من جاء بعد العذر إنما تصح صلاته إن صلى لنفسه مطلقا، أو بنى بالأولى مطلقا، أو بالثالثة في الرباعية -كما مر- وأما إن استخلف في الثانية مطلقا، أو في الأخيرة من رباعية أو ثلاثية، وبنى على صلاة إمامه، فإن صلاته تبطل لمخالفته للفذ لجلوسه في غير محل الجلوس. ابن عرفة: إن أحرم بعد أن أحدث الإمام بطلت على تابعه وصحت له إن لم يقبل، وإلا فقال سحنون: إن استخلف على وتر بطلت، وعلى شفع صحت. ابن عبدوس: هذا على قول ابن القاسم في عمد ترك السورة، وأما على قول علي فيعيد، وأبطلها ابن حبيب ما لم يستخلف على كلها. المازري: شفع المغرب كوتر غيرها. انتهى. ومراد المازري أنه إذا بقي للإمام ركعتان في المغرب واستخلفه، ثم بنى على صلاة الإمام، بطلت؛ لأنه يجلس في أولى الركعتين، وليس محل جلوس له. ويشمل ذلك قول المصنف: "وإلا فلا"، وبه تعلم أن قول الخرشي لا حاجة إلى كلام المازري غير صحيح؛ لأنه فهمه على غير وجهه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ثم شبه في عدم الصحة قوله: كعود الإمام لإتمامها؛ يعني أنه إذا وقع للإمام عذر مبطل كحدث أو رعاف قطع، ثم بعد زوال عذره المبطل لصلاته رجع لهم فأتم بهم الصلاة، فإن صلاتهم تبطل؛ وسواء خرج ولم يستخلف ولم يفعلوا لأنفسهم شيئا إلى أن عاد، أو استخلف عليهم ثم عاد فأخرج المستخلف وأتم بهم. وأما إن كان العذر الذي زال غير مبطل كرعاف البناء، فإن ائتموا به بعد ما فعلوا فعلا أو حصل استخلاف فإن صلاتهم باطلة -كما في مسألة السفن إذا
стр. 1368
فرقها الريح- وإن لم يستخلف أحد ولم يفعلوا فعلا فلا تبطل. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره المصنف من البطلان هو المشهور، وهو قول يحيى بن عمر، وقال ابن القاسم بالصحة. ابن رشد: راعى ابن القاسم قول العراقيين بالبناء في الحدث، ومقتضى المذهب بطلانها عليه؛ لأنه بحدثه بطلت صلاته، فصار مبتدئا لها من وسطها، وعليهم لأنهم أحرموا قبله. انتهى. ثم ذكر كلام ابن القاسم الآتي، ثم قال عن ابن عرفة: وقَصْرُ ابن عبد السلام الخلاف على الإمام الراعف الباني وَهَمٌ وقُصورٌ. انتهى. قال: فكلام ابن عرفة: نص في أن الخلاف في رعاف البناء وغيره، خلافا لابن عبد السلام في قصره على رعاف البناء، وبه تعلم أن ما ذكره الزرقاني تبعا للأجهوري من عدم البطلان في الإمام الراعف الباني إذا أتم بالقوم بعد غسل دمه غيرُ صحيح، وناقشه في ذلك الشيخ الأمير، فقال: إن ما استدل به يؤيد ما لعبد الباقي والأجهوري. وقال: الوهم هو غلط ابن عبد السلام في حكم رعاف البناء، والقصور قصوره عن النقل المصرح بالحدث. اللخمي: واختلف إذا أحدث الإمام فاستخلف، ثم توضأ، وجاء فأخرج المستخلف وأتم بهم، فقال ابن القاسم: لا ينبغي ذلك، فإن فعل، فإذا تمت الصلاة أشار إليهم حتى يقضي لنفسه، ثم يسلم ويسلمون. وقال ابن عمر: لا يجوز هذا لأحد بعد النبي ﷺ . انتهى. قاله المواق. وفي الشبراخيتي: وتقدمه ﷺ مخصوص به؛ لأن أبا بكر أظهر العلة حين سأله ﷺ عن المانع له من أن يثبت مكانه؛ إذ أمره ﷺ بذلك، فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ (١)). انتهى.
وإن جاء بعد العذر فكأجنبى؛ مني أن من أحرم بعد أن حصل للإمام عذر كأجنبي؛ أي هو أجنبي حقيقة أي لا يصح استخلافه. فتبطل صلاة من اقتدى به، قال غير واحد: أجمع من يعتد به من شراح المصنف أنه لا يستقيم على هذا الساق، ففيه تقديم وتأخير؛ أي تقديم قوله:
стр. 1369
"فإن صلى لنفسه" الخ، على قوله: "وإن جاء بعد العذر فكأجنبي"، وحقه أن يتأخر عنه؛ إذ ما تقدم مفرع على هذا، وفيه مع ذلك زيادة الكاف كما أشرت إليه في الحل، وفيه حذف بعد قوله: "وإلا" الواقعة قبل قوله: "فإن صلى لنفسه"؛ أي وإلا يدرك جزءا يعتد به، فلا يصح استخلافه، كما تقدم ذلك.
والذي يظهر أن كلام المصنف مستقيم صالح، وذلك لأن قوله: وإلا يصدق بأمرين من لم يدرك جزءا يعتد به، ومن جاء بعد العذر، فيكون المراد بقوله: "وإلا"؛ أي وإن لم يدرك مع الإمام شيئا؛ بأن أحرم بعد العذر فالحكم في صلاته أي الذي جاء بعد العذر أنه إن صلى لنفسه أو بنى بالأولى أو الثالثة صحت، وإلا فلا، ويكون من أدرك مع الإمام جزءا لا يعتد به مستفادا حكمه من مفهوم قوله: وصحته بإدراك ما قبل الركوع، فإن مفهومه أن من أحرم مع الإمام بعد رفع الرأس من الركوع، فوقع للإمام العذر، لا يصح استخلافه. وأما قوله: "وإن جاء بعد العذر"، فكأجنبي، فإنه أتى به ليفيد حكما لم يقدمه صريحا، وهو أن من جاء بعد العذر لا يصح استخلافه، وأما وجه إتيانه بالكاف في قوله: "فكأجنبي"، فهو كونه أحرم بنية المأمومية، فكأنه غاير بذلك الأجنبي. والتشبيه يقع بأدنى سبب، ووجه كونه لم يقل وهو أجنبي، أنه وقع الفصل بينه وبين ما هو من تتمته بقوله: "كعود الإمام لإتمامها"، ووجه كونه لم يقتصر على قوله: "فإن صلى لنفسه"، ولم يأت بقوله: "وإن جاء بعد العذر" الخ، أنه ذكره استيفاء لفروع المسألة، وإن كان يفهم من قوله: "بإدراك ما قبل الركوع"؛ إذ مفهومه أن من لم يدرك ما قبل عقد الركوع لا يصح استخلافه سواء أدرك ما بعد عقد الركوع فوقع العذر لإمامه، أو لم يدرك شيئا بأن أحرم بعد حصول العذر، ولم يذكر حكم صلاة من أدرك جزءا لا يعتد به لوضوحه؛ لأنه ثبت له حكم ما كان يفعله الإمام لو لم يقع له العذر بسبب إحرامه معه قبل حصول العذر. والله سبحانه أعلم.
ولما لم يكن من شرط المستخلف إدراك صلاة الإمام من أولها، بل إدراك جزء يعتد به من ركعة الاستخلاف؛ وهو صادق بمن سبق بما قبل تلك الركعة -كما تقدم تقريره- بَيَّنَ كيفية فعل المستخلف المسبوق والقوم بعد إتمام صلاة الإمام الأصلي، فقال: وجلس لسلامة المسبوق؛ الضمير
стр. 1370
في سلامه يرجع للمستخلف بالفتح المسبوق، والسبوق فاعل جلس؛ يعني أنه إذا استخلف الإمام مسبوقا، وكان فيمن وراءه مسبوق أيضا، وأتم الخليفة ما بقي من صلاة مستخلفه بالكسر، فإنه يشير إليهم جميعا: أن اجلسوا، ويقوم لقضاء ما عليه، ويجلس المسبوق من المأمومين وغير المسبوق إلى أن يكمل المستخلف بالفتح صلاته، ويسَلِّمَ، فإذا سَلَّم سَلَّم معه غير المسبوق، وقام المسبوق لقضاء ما عليه، فاللام في قوله: "لسلامه"، للانتهاء، فإن لم يجلس المسبوق، بأن قام لقضاء ما عليه قبل سلام المستخلف بالفتح، بطلت صلاته، ولو لم يسلم قبله لقضائه في صلب الإمام. قاله الشيخ عبد الباقي.
كإن سبق هو، تشبيه في وجوب الانتظار، والضمير عائد على المستخلف بالفتح، وهذه لم يسبق فيها إلا المستخلف بالفتح، والتى قبلها سبق فيها معه أحد من المأمومين؛ يعني أنه إذا لم يكن من المأمومين مسبوق إلا المستخلف بالفتح، فإن المأمومين الذين لم يسبقوا ينتظرونه حتى يكمل صلاته، فيسلمون بعد سلامه، فإن لم ينتظروه بطلت صلاتهم. هذا هو المشهور. وقيل: يستخلف من يسلم بهم لأن السلام من بقية صلاة الإمام الأول، وأما المسألة الأولى؛ وهي ما إذا سبق المستخلف بالفتح وسبق معه أحد من المأمومين، فقيل فيها: إنهم يقضون ما عليهم إذا أكمل المستخلف بالفتح صلاة الإمام. حكاه ابن بشير. ومثار الخلاف، هل تراعى حالته في نفسه بحصول الرتبة فلا يقضون إلا بعد تمام صلاته، أو يكون حكمه في كل الأحوال كحكم الإمام الأول؟ وكأنه هو، فإذا أتم صلاته صار كالمقتدي فيقضون عند قضائه.
لا المقيمِ يستخلفه مسافر، قوله: "المقيم". بالجر عطف على الضمير المضاف إليه سلام من غير إعادة الجار؛ أي لا لسلام المقيم؛ يعني أن المسافر إذا اقتدى به المقيم والمسافر، ووقع له عذر، فاستخلف مقيما، فإن المستخلف بالفتح القيم إذا كمل صلاة الإمام لا ينتظره المأمومون، وقوله: لتعذر مسافر، علة في قوله: "يستخلفه"؛ يعني أن السنة أن يستخلف الإمام المسافر إذا وقع له العذر مسافرا حيث كان خلفه مسافر ومقيم، فإن تعذر المسافر لكونه لا يصلح للإمامة، فإنه يستخلف مقيما، وإذا استخلفه فإن المأمومين لا ينتظرونه بعد إكماله لصلاة الإمام. وأما بعد