← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الركعة الثانية فقدم من أحرم حينئذ ولم يدرك الركعة، فليقدم هو من أدركها، فإن لم يفعل وأتمها بهم فسدت عليه وعليهم. انتهى. والله سبحانه أعلم. ولما فهم من كلام المصنف أن من جاء بعد العذر لا يصح استخلافه، أشار إلى كيفية صلاته هو في نفسه بقوله: فإن صلى لنفسه؛ يعني أن هذا الذي جاء بعد العذر، لم يقع له موجب استخلاف، فاستخلفه الإمام، فإن صلاة من اقتدى به تبطل، وتصح صلاته هو إن صلى لنفسه، بأن نوى الفذية ولم يبن على صلاة الإمام، ولم يقبل استخلافه. قال في التوضيح: ولا إشكال في صحة صلاته، قال الإمام الحطاب: الذي يظهر أنه يدخل الخلاف في صلاته؛ لأنه أحرم خلف شخص يظنه في الصلاة، فتبين أنه في غير صلاة. وقد ذكر في النوادر ما نصه: ومن كتاب ابن سحنون: ولو أحرم قوم قبل إمامهم ثم أحدث هو قبل أن يحرم فقدم أحدهم، فصلى بأصحابه، فصلاتهم فاسدة، وكذلك إن صلوا فرادى حتى يجددوا إحراما. انتهى. ويفهم من قول الحطاب: لأنه أحرم الخ، أنه لو أحرم خلفه وهو عالم بعذره لبطلت صلاته. قاله الشيخ محمد بن الحسن. أو بنى بالأولى؛ يعني أنه كما تصح صلاة من جاء بعد العذر فيما إذا صلى لنفسه تصح أيضا، فيما إذا بنى على صلاة الإمام؛ أي بنى على إحرامه ظانا أنه أحرم خلف إمام بشرط أن يكون الإمام استخلفه في الركعة الأولى، وظاهر هذا أنه تصح صلاته وإن لم يبتدئ الفاتحة: وصرح به الشيخ الأمير فقال: ويغتفر عدم ابتداء الفاتحة. عذروه بالجهل وللخلاف في وجوبها. انتهى. قوله: "بالأولى" ظرف مستقر حال، والباء بمعنى في أي حال، كونه كائنا في الأولى؛ أي مستخلفا في الركعة الأولى من ثنائية، أو ثلاثية، أو رباعية. أو الثالثة، عطف على قوله بالأولى؛ أي وكذلك تصح صلاة من جاء بعد العذر أيضا فيما إذا استخلفه الإمام في الركعة الثالثة من الرباعية، وبنى أيضا على إحرامه ظانا أنه خلف إمام. وإنما

стр. 1367

صحت في المسألتين لموافقته للفذ في الأفعال فيهما، وأما الأولى فإنه وافق الفذ فيها في الأفعال والأقوال، ولم تضره مخالفته في النية. كما مر. واعلم أن الكلام في مسألة المصنف هذه إنما هو فيما بعد الوقوع، وأما ابتداء فلا نزاع أنه مأمور بأن يصلي لنفسه صلاة الفذ وبه تعلم أن ما نقله الشيخ عبد الباقي عن الشيخ أحمد لا محصول له. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وعلم من المصنف أنه إذا لم يبتدئ الفاتحة حيث استخلف في الأولى أو الثالثة تصح صلاته، وقد صرح بذلك الشيخ الأمير. كما مر وقوله: "أو الثالثة"، هذا على قول ابن القاسم في عمد ترك السورة. وبما قررت علم أن قوله: صحت. جواب الشرط؛ أعني قوله: "فإن صلى لنفسه": فهو راجع للمسائل الثلاث. والله سبحانه أعلم. وإلا فلا؛ يعني أن من جاء بعد العذر إنما تصح صلاته إن صلى لنفسه مطلقا، أو بنى بالأولى مطلقا، أو بالثالثة في الرباعية -كما مر- وأما إن استخلف في الثانية مطلقا، أو في الأخيرة من رباعية أو ثلاثية، وبنى على صلاة إمامه، فإن صلاته تبطل لمخالفته للفذ لجلوسه في غير محل الجلوس. ابن عرفة: إن أحرم بعد أن أحدث الإمام بطلت على تابعه وصحت له إن لم يقبل، وإلا فقال سحنون: إن استخلف على وتر بطلت، وعلى شفع صحت. ابن عبدوس: هذا على قول ابن القاسم في عمد ترك السورة، وأما على قول علي فيعيد، وأبطلها ابن حبيب ما لم يستخلف على كلها. المازري: شفع المغرب كوتر غيرها. انتهى. ومراد المازري أنه إذا بقي للإمام ركعتان في المغرب واستخلفه، ثم بنى على صلاة الإمام، بطلت؛ لأنه يجلس في أولى الركعتين، وليس محل جلوس له. ويشمل ذلك قول المصنف: "وإلا فلا"، وبه تعلم أن قول الخرشي لا حاجة إلى كلام المازري غير صحيح؛ لأنه فهمه على غير وجهه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ثم شبه في عدم الصحة قوله: كعود الإمام لإتمامها؛ يعني أنه إذا وقع للإمام عذر مبطل كحدث أو رعاف قطع، ثم بعد زوال عذره المبطل لصلاته رجع لهم فأتم بهم الصلاة، فإن صلاتهم تبطل؛ وسواء خرج ولم يستخلف ولم يفعلوا لأنفسهم شيئا إلى أن عاد، أو استخلف عليهم ثم عاد فأخرج المستخلف وأتم بهم. وأما إن كان العذر الذي زال غير مبطل كرعاف البناء، فإن ائتموا به بعد ما فعلوا فعلا أو حصل استخلاف فإن صلاتهم باطلة -كما في مسألة السفن إذا

стр. 1368

فرقها الريح- وإن لم يستخلف أحد ولم يفعلوا فعلا فلا تبطل. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره المصنف من البطلان هو المشهور، وهو قول يحيى بن عمر، وقال ابن القاسم بالصحة. ابن رشد: راعى ابن القاسم قول العراقيين بالبناء في الحدث، ومقتضى المذهب بطلانها عليه؛ لأنه بحدثه بطلت صلاته، فصار مبتدئا لها من وسطها، وعليهم لأنهم أحرموا قبله. انتهى. ثم ذكر كلام ابن القاسم الآتي، ثم قال عن ابن عرفة: وقَصْرُ ابن عبد السلام الخلاف على الإمام الراعف الباني وَهَمٌ وقُصورٌ. انتهى. قال: فكلام ابن عرفة: نص في أن الخلاف في رعاف البناء وغيره، خلافا لابن عبد السلام في قصره على رعاف البناء، وبه تعلم أن ما ذكره الزرقاني تبعا للأجهوري من عدم البطلان في الإمام الراعف الباني إذا أتم بالقوم بعد غسل دمه غيرُ صحيح، وناقشه في ذلك الشيخ الأمير، فقال: إن ما استدل به يؤيد ما لعبد الباقي والأجهوري. وقال: الوهم هو غلط ابن عبد السلام في حكم رعاف البناء، والقصور قصوره عن النقل المصرح بالحدث. اللخمي: واختلف إذا أحدث الإمام فاستخلف، ثم توضأ، وجاء فأخرج المستخلف وأتم بهم، فقال ابن القاسم: لا ينبغي ذلك، فإن فعل، فإذا تمت الصلاة أشار إليهم حتى يقضي لنفسه، ثم يسلم ويسلمون. وقال ابن عمر: لا يجوز هذا لأحد بعد النبي ﷺ . انتهى. قاله المواق. وفي الشبراخيتي: وتقدمه ﷺ مخصوص به؛ لأن أبا بكر أظهر العلة حين سأله ﷺ عن المانع له من أن يثبت مكانه؛ إذ أمره ﷺ بذلك، فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ (١)). انتهى. وإن جاء بعد العذر فكأجنبى؛ مني أن من أحرم بعد أن حصل للإمام عذر كأجنبي؛ أي هو أجنبي حقيقة أي لا يصح استخلافه. فتبطل صلاة من اقتدى به، قال غير واحد: أجمع من يعتد به من شراح المصنف أنه لا يستقيم على هذا الساق، ففيه تقديم وتأخير؛ أي تقديم قوله:

стр. 1369

"فإن صلى لنفسه" الخ، على قوله: "وإن جاء بعد العذر فكأجنبي"، وحقه أن يتأخر عنه؛ إذ ما تقدم مفرع على هذا، وفيه مع ذلك زيادة الكاف كما أشرت إليه في الحل، وفيه حذف بعد قوله: "وإلا" الواقعة قبل قوله: "فإن صلى لنفسه"؛ أي وإلا يدرك جزءا يعتد به، فلا يصح استخلافه، كما تقدم ذلك. والذي يظهر أن كلام المصنف مستقيم صالح، وذلك لأن قوله: وإلا يصدق بأمرين من لم يدرك جزءا يعتد به، ومن جاء بعد العذر، فيكون المراد بقوله: "وإلا"؛ أي وإن لم يدرك مع الإمام شيئا؛ بأن أحرم بعد العذر فالحكم في صلاته أي الذي جاء بعد العذر أنه إن صلى لنفسه أو بنى بالأولى أو الثالثة صحت، وإلا فلا، ويكون من أدرك مع الإمام جزءا لا يعتد به مستفادا حكمه من مفهوم قوله: وصحته بإدراك ما قبل الركوع، فإن مفهومه أن من أحرم مع الإمام بعد رفع الرأس من الركوع، فوقع للإمام العذر، لا يصح استخلافه. وأما قوله: "وإن جاء بعد العذر"، فكأجنبي، فإنه أتى به ليفيد حكما لم يقدمه صريحا، وهو أن من جاء بعد العذر لا يصح استخلافه، وأما وجه إتيانه بالكاف في قوله: "فكأجنبي"، فهو كونه أحرم بنية المأمومية، فكأنه غاير بذلك الأجنبي. والتشبيه يقع بأدنى سبب، ووجه كونه لم يقل وهو أجنبي، أنه وقع الفصل بينه وبين ما هو من تتمته بقوله: "كعود الإمام لإتمامها"، ووجه كونه لم يقتصر على قوله: "فإن صلى لنفسه"، ولم يأت بقوله: "وإن جاء بعد العذر" الخ، أنه ذكره استيفاء لفروع المسألة، وإن كان يفهم من قوله: "بإدراك ما قبل الركوع"؛ إذ مفهومه أن من لم يدرك ما قبل عقد الركوع لا يصح استخلافه سواء أدرك ما بعد عقد الركوع فوقع العذر لإمامه، أو لم يدرك شيئا بأن أحرم بعد حصول العذر، ولم يذكر حكم صلاة من أدرك جزءا لا يعتد به لوضوحه؛ لأنه ثبت له حكم ما كان يفعله الإمام لو لم يقع له العذر بسبب إحرامه معه قبل حصول العذر. والله سبحانه أعلم. ولما لم يكن من شرط المستخلف إدراك صلاة الإمام من أولها، بل إدراك جزء يعتد به من ركعة الاستخلاف؛ وهو صادق بمن سبق بما قبل تلك الركعة -كما تقدم تقريره- بَيَّنَ كيفية فعل المستخلف المسبوق والقوم بعد إتمام صلاة الإمام الأصلي، فقال: وجلس لسلامة المسبوق؛ الضمير

стр. 1370

في سلامه يرجع للمستخلف بالفتح المسبوق، والسبوق فاعل جلس؛ يعني أنه إذا استخلف الإمام مسبوقا، وكان فيمن وراءه مسبوق أيضا، وأتم الخليفة ما بقي من صلاة مستخلفه بالكسر، فإنه يشير إليهم جميعا: أن اجلسوا، ويقوم لقضاء ما عليه، ويجلس المسبوق من المأمومين وغير المسبوق إلى أن يكمل المستخلف بالفتح صلاته، ويسَلِّمَ، فإذا سَلَّم سَلَّم معه غير المسبوق، وقام المسبوق لقضاء ما عليه، فاللام في قوله: "لسلامه"، للانتهاء، فإن لم يجلس المسبوق، بأن قام لقضاء ما عليه قبل سلام المستخلف بالفتح، بطلت صلاته، ولو لم يسلم قبله لقضائه في صلب الإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. كإن سبق هو، تشبيه في وجوب الانتظار، والضمير عائد على المستخلف بالفتح، وهذه لم يسبق فيها إلا المستخلف بالفتح، والتى قبلها سبق فيها معه أحد من المأمومين؛ يعني أنه إذا لم يكن من المأمومين مسبوق إلا المستخلف بالفتح، فإن المأمومين الذين لم يسبقوا ينتظرونه حتى يكمل صلاته، فيسلمون بعد سلامه، فإن لم ينتظروه بطلت صلاتهم. هذا هو المشهور. وقيل: يستخلف من يسلم بهم لأن السلام من بقية صلاة الإمام الأول، وأما المسألة الأولى؛ وهي ما إذا سبق المستخلف بالفتح وسبق معه أحد من المأمومين، فقيل فيها: إنهم يقضون ما عليهم إذا أكمل المستخلف بالفتح صلاة الإمام. حكاه ابن بشير. ومثار الخلاف، هل تراعى حالته في نفسه بحصول الرتبة فلا يقضون إلا بعد تمام صلاته، أو يكون حكمه في كل الأحوال كحكم الإمام الأول؟ وكأنه هو، فإذا أتم صلاته صار كالمقتدي فيقضون عند قضائه. لا المقيمِ يستخلفه مسافر، قوله: "المقيم". بالجر عطف على الضمير المضاف إليه سلام من غير إعادة الجار؛ أي لا لسلام المقيم؛ يعني أن المسافر إذا اقتدى به المقيم والمسافر، ووقع له عذر، فاستخلف مقيما، فإن المستخلف بالفتح القيم إذا كمل صلاة الإمام لا ينتظره المأمومون، وقوله: لتعذر مسافر، علة في قوله: "يستخلفه"؛ يعني أن السنة أن يستخلف الإمام المسافر إذا وقع له العذر مسافرا حيث كان خلفه مسافر ومقيم، فإن تعذر المسافر لكونه لا يصلح للإمامة، فإنه يستخلف مقيما، وإذا استخلفه فإن المأمومين لا ينتظرونه بعد إكماله لصلاة الإمام. وأما بعد

стр. 1371

المسافر عن محل الإمامة فليس بتعذر، بل يصلي مكانه، ولا كراهة في ذلك؛ لأن المحل محل ضرورة. أو لجهله؛ عطف على قوله: "لتعذر مسافر"؛ أي إذا استخلف المسافر الذي خلفه المسافر والمقيم مقيما لأجل جهله بعين المسافر من المقيم، أو لجهله أن خلفه مسافر، أو لجهل الإمام بنفسه أن السنة أن يستخلف مسافرا. فإن الحكم في ذلك أنه إذا كمل المستخلف بالفتح صلاة الإمام وقام ليأتي بما عليه لا ينتظره المأمومون، وبين كيفية عدم الانتظار بقوله: فيسلم المسافر؛ يعني أن المسافر إذا استخلف مقيما وخلفه المسافر والمقيم لتعذر المسافر أو جهله، فإن المأمومين لا ينتظرون سلام هذا المستخلف القيم، فإذا أتم صلاة المستخلف بالكسر المسافر فإنه يقوم لإتمام صلاته هو، وإذا قام فإن المسافرين يسلمون؛ لأن الإمام لم يستخلفه فيما لم يدخل عليه؛ لأنه أي الإمام إنما دخل على السلام من ركعتين، ويقوم المقيمون عند قيامه لقضاء ما عليهم. وإلى ذلك أشار بقوله: ويقوم غيره للقضاء؛ أي يقوم غير المسافر؛ وهو المقيم ليأتي بما عليه عند إكمال المستخلف بالفتح القيم لصلاة الأول، ولا ينتظرونه لسلامه، بل يقوم هو وهم فيأتون بما عليهم أفذاذا. قاله غير واحد. ومقتضى قوله: "لتعذر مسافر أو جهله". أنه إذا استخلفه لا لتعذر مسافر أو جهله أن الحكم ليس كذلك، مع أنه كذلك فلو حذف قوله: "لتعذر مسافر أو جهله"، ليشمل الجميع كان أولى، لكن أراد المصنف بيان الوجه الذي يجوز فيه استخلاف المقيم على المسافر إذ استخلافه عليه في غير ذلك مكروه. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "فيسلم المسافر"، ضعيف، والمعتمد أن المسافر يجلس لسلام المستخلف بالفتح المقيم؛ فهي كالتي قبلها: وإنما كان ما مشى عليه المصنف في المسافر ضعيفا؛ لأنه قول ابن كنانة، ورواه ابن حبيب عن مالك. ومقابله لابن القاسم وسحنون والمصريين قاطبة. قاله الشيخ بناني. وأما قوله: "ويقوم غيره للقضاء"، ففي الشارح أنه لمالك في الواضحة. قال: وعن جماعة من أصحابنا لا يقومون للقضاء إلا بعد سلام المستخلف. انتهى. وقال الشبراخيتي: وما مشى عليه المصنف؛ يعني في المسافر والقيم خلاف المعتمد، والمذهب أنهم كلهم يجلسون لسلام المقيم المستخلف أيضا، فهي كالتي قبلها. انتهى. وقوله: "للقضاء". فيه تجوز؛ إذ الذي عليه إتمام لا قضاء، فسماه قضاء مجازا؛ لأنه إتيان ببعض صلاته بعد مفارقة

стр. 1372

الإمام، فعلاقة التجوز المشابهة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: ويصح الاقتداء بالمستخلَف بالفتح فيما هو فيه بانٍ، سواء كان المستخلف بالكسر يفعله أم لا، كما إذا استخلف الإمام المسافر مقيما، ولا يصح الاقتداء به فيما هو فيه قاض، فمن أحرم خلف المستخلف بالفتح، فإن كان فيما يفعله مما سبقه به المستخلف بالكسر لم يصح اقتداؤه به فيه، وإن كان فيما يفعله بناء، فإنه يصح اقتداؤه به فيه، سواء كان المستخلف بالكسر يفعله أم لا. انتهى. وقوله: "ويقوم غيره للقضاء"، قد علمت مما تقدم أن المأموم المقيم لا يقتدي بالمستخلف المقيم فيما يأتي به؛ من إتمام صلاته؛ أعني أخيرتي الرباعية على كلا القولين المتقدمين. فإن قلت لم لم يصح أن يقتدي المقيم بالمستخلف المقيم المساوي له في الدخول مع الإمام المسافر فيما بقي عليه؛ لأن كلا منهما بان فيه؟ فالجواب: أنه لم يصح؛ لأنه يؤدي إلى اقتداء شخص في صلاة واحدة بإمامين، ثانيهما غير مستخلف عن الأول فيما يفعله؛ لأنه لم يستخلفه على الركعتين اللتين يتم بهما المقيم صلاته، نعم يصح لأجنبي من غير مأمومي المستخلف بالكسر أن يقتدي بالمستخلف بالفتح فيما هو بان فيه، سواء كان المستخلف بالكسر يفعله أم لا، كما إذا استخلف المسافر مقيما ولا يصح الاقتداء به فيما هو قاض فيه. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. بإدخال شيء فيه قليل من كلام بناني. وإن جهل ما صلى أشار فأشاروا؛ يعني أنه إذا جهل المستخلف بالفتح ما؛ أي العدد الذي صلى الإمام المستخلف بالكسر، فإنه يشير المستخلف بالفتح للمصلين فيُعرِّفونه بالقدر الذي صلى الأصلي، فيشيرون إليه بقدر ما صلى، فإن فهم المستخلف إشارتهم فواضح. وإلا؛ بأن لم يفهم المستخلف بالفتح ما أشاروا له به أو كانوا في ظلمة. سبح به؛ أي فإنهم يسبحون له، وقدمت الإشارة على التسبيح؛ لأنها أخف من التسبيح ولا يضر تقديم التسبيح على الإشارة حيث يحصل بها الإفهام، فإن لم يفهم بالتسبيح كلمهم وكلموه، ويضر تقديم الكلام على أحدهما حيث يحصل الإفهام بأحدهما. قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أنهم لو تحققوا الفهم بالإشارة فقط ففعلوا التسبيح تبطل صلاتهم، ومحل كون التسبيح إذا قصد التفهيم به بغير محله

стр. 1373

لا يبطل إن كان لحاجة، لعموم خبر: (من نابه شيء في صلاته فليسبح (١)) -كما مر- فإن كان لغيرها أبطل، وفهمه بالإشارة هنا فقط صير التسبيح لغير حاجة. انتهى قوله، وقوله: والظاهر أنهم لو تحققوا الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بك الصواب عدم البطلان لعموم حديث: من نابه شيء في صلاته فليسبح. قاله المسناوي: وغيره. انتهى. وما تقدم من أنهم يكلمونه ويكلمهم إن لم يحصل الإفهام بالإشارة ولا بالتسبيح، هو الذي في سماع موسى. قال ابن رشد: وهو الجاري على المشهور من أن الكلام لإصلاح الصلاة غير مبطل، وقد نص على الكلام إذا لم يفهم بالتسبيح صاحب الجواهر، وابن الحاجب، واعترضهما في التوضيح. قال ابن غازي: وكأن المصنف لم يقف على ما في سماع موسى. وقول ابن رشد. وإن قال للمسبوق أسقطت ركوعا عمل عليه من لم يعلم خلافه؛ يعني أن الإمام إذا قال للمستخلف المسبوق وللمأمومين المسبوقين: أسقطت ركوعا مما صليت قبل، أو نحو الركوع مما يبطل الركعة، فإنه يعمل على قول الإمام ذلك المستخلف المسبوق الذي لا علم عنده، وكذا يعمل عليه أيضا كل من لم يعلم خلافه؛ بأن علم صحة ما قال الإمام الأصلي، أو ظنها، أو شكها، أو توهمها. ومعنى عمله عليه أن يأتي به على ما مر من قوله: "ورجعت الثانية أولى" الخ. وأما من علم خلافه من مأموم أو مستخلف؛ إذ قد يعلم ذلك قبل الدخول معه فيعمل على ما علم، ويعمل المأموم المسبوق العالم مع المستخلف الذي لم يعلم، ولكن لا يتبعه فيما زاد عليه، ولا يجلس معه إذا جلس في محل لا يجلس فيه، فإذا استخلف في ثانية الظهر -مثلا- وقال له الأصلي بعد ما صلى ذلك المستخلف الثالثة: أسقطت ركوعا من الأولى، فإن من علم من المأمومين خلاف قوله لا يجلس مع المستخلف إذا جلس بعد فعل الثالثة التي صارت ثانية، ويفعل معه الرابعة، ويستمر جالسا لأنها هي الأخيرة في علمه، وهي ثالثة عند المستخلف بالفتح، ولا يجلس المستخلف لأنه ليس بمحل جلوس للإمام، بل يأتي برابعة بناء، فإذا أتى بها تشهد معه العالم، خلاف ما قاله الإمام، وسلم بسلامه. والله سبحانه. أعلم.

стр. 1374

وسجى قبله؛ يعني أن هذا المستخلف الذي قال له الأصلي: أسقطت ركوعا مما صليت قبلك، فإنه يعمل على ما قاله له إن لم يعلم خلافه، ويسجد قبل السلام تارة، ويسجد بعده أخرى، فيسجد قبل السلام. إن لم تتمحض زيادة، بأن حصل نقص وزيادة. وقوله: بعد صلاة إمامه، متعلق بسجد؛ يعني أنه إذا قلنا إنه يسجد قبل السلام لكون الزيادة لم تتمحض؛ بأن حصل معها نقص، فإنه يسجد بعد كمال صلاة إمامه، وقبل قضاء ما عليه كما إذا أخبره بعد عقد الثالثة أنه أسقط ركوعا مثلا، فإند يسجد بعد كمال صلاة إمامه الذي استخلفه؛ لأن هنا زيادة ونقص السورة لرجوع الثالثة ثانية، أو أخبره بذلك في قيام الرابعة أو بعد عقدها ولو في الجلسة الأخيرة لاحتمال أن يكون من الأوليين، فتنقلب الثالثة ثانية، وهذا ما لم يتبين أنه من الثالثة، فإن تبين له ذلك سجد بعد السلام لتمحض الزيادة، وهو من مفهوم قوله: "إن لم تتمحض زيادة"، وتتمحض الزيادة أيضا فيما إذا أخبره قبل عقد الثالثة أنه أسقط ركوعا من الأولى حيث لم يحصل منه سهو فيما بقي من الصلاة، وقوله: بعد صلاة إمامه؛ فإن أخبره بعد كمال صلاة نفسه، فالظاهر أنه لا يضر. قال الشيخ عبد الباقي: منطوق المصنف واضح إذا أدرك مع الأصلي ركعة، فإن لم يدركها معه لم يسجد قبل على ما تقدم من قوله: "أو قبليا إن لم يلحق ركعة". وقد يقال بسجوده هنا لنيابته عن الإمام ويقيد ما تقدم بغير المستخلف بالفتح. انتهى. وبحث فيه العلامة محمد بن الحسن. فقال: انظر كيف يتصور هنا عدم إدراك ركعة مع ما تقدم من أنه لا يصح استخلافه إلا إذا أدرك جزءا يعتد به. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: ما قاله الشيخ محمد بن الحسن غير ظاهر؛ لأنه إذا أحرم معه في القيام فوقع العذر للإمام فيه، فإنه أدرك معه جزءا يعتد به فيصح استخلافه، وقد أدرك معه دون ركعة. والله سبحانه أعلم. ولم يأت بقوله: "بعد صلاة إمامه"، قبل قوله: "إن لم تتمحض زيادة"، ليلا يتوهم رجوع الشرط له فيوهم أنه عند تمحض الزيادة يسجده قبل كمال صلاة الإمام، وهو فاسد. قاله الشيخ عبد

стр. 1375

الباقي. ولو قال عقب صلاة إمامه، بدل بعد لكان أدل على المراد. وما مشى عليه المصنف من أنه يسجد القبلي بعد كمال صلاة إمامه وقبل قيامه لقضاء ما عليه هو المذهب، وقيل: يسجد بعد كمال صلاة نفسه، وقبل سلامه. وعلى ما مشى عليه المصنف لو سها سهوا يوجب السجود قبل السلام أو بعده سجده وحده ولا يسجدون معه: لأن صلاتهم قد تمت. ولو سها في بقية صلاة الإمام بزيادة أو نقص سجد لسهو الإمام بالنقص: وكفاه عن سهوه. وأما إن كان سهو زيادة فلا يسجدها المستخلف إلا بعد إكمال صلاته، وإن سها المستخلف المسبوق فيما استخلفه عليه الإمام أو فيما يأتي به قضاء كان سهوه بزيادة أو نقص: أجزأه سجوده لسهو الإمام. هذا قول ابن القاسم. وقال غيره: إذا كان سجود الأول بزيادة، وسجود المستخلف بنقص، فإنه يسجد بهم قبل السلام ويجزئهم للسهوين. انتهى جميعه من النوادر بالمعنى. والله أعلم. وانظر قول ابن القاسم هذا مع قوله: إن المسبوق إذا ترتب على الإمام سجود بعدي ثم سها المسبوق بنقص، أنه يسجد قبل السلام. والله تعالى أعلم. قاله الإمام الحطاب. ونظم بعضهم هذا الأخير فقال: وَمَن لَّهُ القَبلِيُّ مَعْ بَعْدِيِّ … إمَامِهِ اجتَزأ بالقَبْلِيِّ ومن صُوَرِ مسألة المصنف أن يدخل المسبوق مع الإمام في قيام الثالثة من الرباعية مثلا، فيستخلفه فيها، فيخبره وهو قائم في الرابعة أنه أسقط ركوعا من إحدى الأوليين، فتصير تلك ثالثة على المشهور من تحول الركعات فيكملونها، ثم يأتي المستخلف بالفتح ومن لم يعلم خلاف قول الإمام برابعة، ويتشهد ويسجد الجميع للسهو، ثم يقوم وحده لركعة القضاء، فيقرأ فيها بالفاتحة وسورة ويتشهد، ويسلم الجميع بسلامه، ويصير إنما استخلف على الثانية. وأما من علم خلاف قوله: فلا يتبعه في القيام لرابعة الإمام بل يجلس إلى أن يسلم معه، وإنما يتشهد بعد رابعة الإمام. ولو فرَّعْنا على الشاذ من عدم تحول الركعات لأتى بعد كمال التي هو فيها بركعة بالفاتحة وسورة قضاء عن الفاسدة من الأوليين وتشهد ثم قام لركعة القضاء وسلم، وسجد بعد السلام لتمحض الزيادة، ويتبعه أيضا من لم يعلم خلاف قول الإمام، لا من علم ذلك، فيجلس حتى يسلم مع الإمام: وإلى هذه الصورة أشار الشيخ ابن عرفة بقوله: محمد: ولو استخلف من

стр. 1376

فاتته ركعتان على ركعتين، فقال له الأول بعد صلاة ركعة: أسقطت سجدة من الأوليين، صارت الثالثة ثانية؛ وهو لم يجلس عليها، فليصل بهم ركعتين بناء، فيتشهد فيسجد بهم قبل، فيأتي بركعة قضاء، فيسلم بهم. انتهى قوله. وهو لم يجلس عليها؛ أي لأنه لم يخبره إلا بعد أن قام للرابعة، وكلامه مبني على تحول الركعات. ومن صورها أيضا أن يخبره في هذا المثال بذلك بعد أن صلى بهم ركعتين بقية الصلاة وهو في التشهد، فيقوم هو ومن لم يعلم خلاف قول الإمام، فيصلي بهم ركعة بأم القرآن فقط، ويتشهد ويسجد ويسجدون معه كلهم، ثم يقوم وحده لركعة القضاء. ويسلم الجميع بسلامه. وأما من علم خلاف ذلك فيجلس إلى أن يسلم معه، وهذا إذا جزم الإمام الأول بالإسقاط، فإن قال أشك فيها، قرأ فيها بأم القرآن وسورة ولو استخلف على ركعتين؛ وهو غير مسبوق، فصلاهما فأخبره أنه أسقط سجدة من إحدى الأوليين وتذكر هذا المستخلف بالفتح سجدة من إحدى الأخريين، سجد لاحتمال كونها من الرابعة، وتشهد، وأتى بركعتين بالفاتحة فقط، ويسجد قبل؛ لأنه لم يتحقق إلا ركعتين لبطلان إحدى الأوليين واحتمال بطلان الثالثة، فرجعت الثالثة ثانية. ومن صُوَرِهَا أيضا أن يخبره بذلك بعد قضاء ركعة من اللتين سبق بهما في المثال المذكور، فتصير رابعة الإمام، ويتشهد عقبها، ويسجد الجميع هو وهم، ثم يقوم وحده لركعة القضاء ويتشهد ويسلم، ويسلم معه من علم خلاف قول الإمام، ومن لم يعلم خلافه صلى بعد سلام المستخلف بالفتح ركعة بالفاتحة فقط لتحول ركعاتهم. وإلى ذلك أشار الشيخ ابن عرفة بقوله: ولو قال له بعد قضائه ركعة فقط، جلس فتشهد فسجد بهم كما كان يفعل الأول، وصلوا بعد قضائه بناء. انتهى. ومن صُوَرِهَا أن يخبره بذلك بعد أن قضى الركعتين اللتين سبق بهما فصلاة المستخلف بالفتح تامة؛ لأنه صلى بالناس ركعتين، وقضى ركعتين، فيسجد قبل السلام ويسجدون كلهم معه، ثم يسلم ويسلم معه من علم خلاف قول الإمام ويأتي من لم يعلم خلافه بعد سلام المستخلف بركعة بالفاتحة فقط، ثم يسجد بعد السلام أيضا من شك منهم في السقوط، وكذا من تيقن عدم السقوط لتحقق الزيادة في صلاة إمامه، لا من تيقن السقوط إذ لا زيادة عنده. والسجود في الصور الثلاث قبل هذه قبلي، وفيها قبلي وبعدي. كما علمت. ومن

стр. 1377

صورها أن يدركه في الثالثة ويستخلفه فيها ويخبره إذ ذاك بإسقاطه سجدة من إحدى الأوليين لم يدر عينها، فيسجد لعل محلها لم يفت، ويبني على ركعة لاحتمال كون الترك من الأولى فليس عنده محقق إلا ركعة واحدة، فيصلي بهم ثلاثا بانيا على واحدة، ويتشهد وينتظرون قضاء ركعة، ويسلم ويسلمون، ويسجدون بعد لتمحض الزيادة، ويعيد من خلفه صلاتهم لاحتمال كونها من الثانية فتبطل صلاتهم باتباعه لبطلان الاستخلاف؛ لأنه لم يدرك جزءا يعتد به، ولو لم يتبعوه أعادوا أيضا الاحتمال وجوب اتباعهم له، وتقديم غيره أولى، وتعليل الشيخ أبي محمد البطلان فيما إذا اتبعوه غير ظاهر والله سبحانه أعلم. ومن صورها أيضا أن يدخل المسبوق مع الإمام في الرابعة فاستخلفه فيها، فبعد أن صلاها وجلس للتشهد أخبره الإمام بإسقاط ركوع من الثالثة، فيقوم ويأتي بركعة بأم القرآن فقط اتفاقا؛ لأنها إما رابعة على الانقلاب، أو ثالثة على مقابله الشاذ. ويتشهد عقبها، ويتبعه في ذلك من لم يعلم خلاف قول الإمام. ثم يقوم وحده لقضاء ما فاته، ثم يسلم ويسلمون، ومن علم خلاف قوله يستمر جالسا إلى أن يسلم بسلامه أيضا، ثم يسجدون كلهم بعد السلام للزيادة حتى من علم خلاف قول الإمام لترتب السجود على إمامه. والله تعالى أعلم. فالسجود في هذه والتى قبلها بعدي كما علمت. وعن هاتين الصورتين وما أشبههما احترز المصنف بقوله: "إن لم تتمحض زيادة"، وكلام المصنف قابل لأكثر من هذا؛ لأن المتروك: إما ركوع، أو سجود، أو قراءة الفاتحة، وفي كل منها، إما أن يستخلفه في قيام الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة. فهذه تسع صور، وفي كل منها إما أن يخبره بالإسقاط وقت الاستخلاف، أو بعد أن صلى ركعة، أو ركعتين، أو ثلاثا، أو أربعا. فهذه خمس صور، فإذا ضربت في التسع خرج خمس وأربعون صورة وكلها مع تحقق الإسقاط. فلو قال له الإمام: أشك أني تركت. كذا، جاءت الصور كلها. فالمجموع تسعون صورة، إلا أن بعضها يبطل فيه الاستخلاف على المشهور تحقيقا، كما إذا أدرك الثانية فاستخلفه فيها، وقال لد: أسقطت سجودا، فيسجده المستخلف لإصلاح الأولى، ويبني عليها حتى يكمل صلاة إمامه، ثم يقضيها وتصح صلاته وحده دون من ائتم به؛ إذ لم يدرك جزءا يعتد به، ويصح استخلافه على مقابل المشهور من أنه لا يشترط في صحة الاستخلاف إدراك المستخلف بالفتح جزءا يعتد

стр. 1378

به، وفي بعضها يبطل الاستخلاف على احتمال، كما مر في الصورة الخامسة. انظر شرح الشيخ ميارة. والله سبحانه أعلم. ولما كانت الفريضة تقع تامة غير مجموعة مع فريضة أخرى: ومجموعة ومقصورة كذلك، وفرغ من الكلام على الوجه الأول، شرع في بقية الأوجه مبتدئا ببيان حكم القصر، فقال:

стр. 1379

فصل: يذكر فيه حكم صلاة السفر، والمسافة التي تقصر فيها الصلاة، والجمع للصلاتين، وغير ذلك. والسَّفَرُ لغة: قطع المسافة، مأخوذ من الإسفار، ومنه أسفرت المرأة عن وجهها أظهرته، وأسفر الصبح ظهر؛ لأنه لمشقته يسفر عن أخلاق الرجال. قاله الشيخ إبراهيم. وفي القاموس: سفر الصبح يسفر: أشرق كاسفر، والمرأة عن وجهها كشفته؛ فهي سافرة. واعلم أن الناس قد صنفوا في آداب السفر، وأكثروا وطولوا واقتصروا، ومدار ذلك على أن المسافر تتعين عليه خمسة أشياء. أولها: النظر في حكم سفره فإن كان مباحا أو واجبا أو مندوبا قدم عليه، وإلا فلا. ثانيها: أن يستخير الله تعالى ويستشير فيه أهل المعرفة به ما لم يكن واجبا في الحال فلا استخارة ولا استشارة. الثالث: أن يتعلم ما يلزمه في سفره من أحكام التيمم والقبلة والجمع والقصر ونحو ذلك. الرابع: أن يتخير صديقا صالحا لرفقته إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ويعزم على إسعافه واتباعه إلا فيما بان غيه. الخامس: أن يستعمل الآداب المروية عن رسول الله ﷺ وعلماء الأمة، وأول ذلك أن لا يخرج من بيته حتى لا يبقى عليه ما يمكنه أداؤه من دين، أو نفقة، أو رد مظلمة، أو غير ذلك؛ إذ لعله لا يرجع، ويوصي فيما لابد له منه، ويترك لأهله كفايتهم قدر وسعه. وإلا فلهم من لا تضيع ودائعه، فيستودع الله صغيرهم وكبيرهم بعزم صحيح: وقلب صادق، عالما أنه أرحم بهم منه، كما وقع للشيخ أبي الفضل حين عزم على الحج، كتب رقعة ودفعها إلى أهله، فقال لهم: الذي كتبت له هذه الرقعة، فلما خرج جاءهم رجل فقرأها وكان يقوم لهم بما يحتاجون حتى كان يوم دخول الشيخ قطع ذلك عنهم، ولا علم لهم به فدخل الشيخ فسألهم عن حالهم فذكروا له الحكاية، فقال هاتوا الورقة فأتوا بها فإذا فيها مكتوب: إن الذي وجهت وجهي له … هو الذي خلفت في أهلي فإنه أرفق مني بهم … وفضله أوسع من فضلي

стр. 1380

فإذا تحقق هذا وحققه صلى ركعتين عند خروجه ليحفظ في أهله حتى يرجع كما ورد في الحديث (١) ثم يقرأ آية الكرسي فإنها أمان له حتى يرجع إليهم، ثم يقول: (اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت (٢))، (ويختار لسفره يوم الخميس، فهو السنة (٣))، وإلا فيوم الاثنين، وإلا فالأيام كلها لله. فإذا أراد الخروج ودع أهله وودعوه، وكذا أقاربه وأصحابه، ويقول لهم في ذلك: (إن الله إذا استودع شيئا حفظه (٤))، (أستودع الله دينك وأمانتك، وخواتم عملك (٥))، (وزودك الله التقوى وغفر ذنبك (٦))، ووجهك للخير أينما توجهت، فإذا أراد الركوب قال: (بسم الله) (٧) اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء النظر في الأهل والمال. قوله: في الحديث: أنت الصاحب في السفر؛ أي الحافظ فيه، وقوله: والخليفة في الأهل؛ أي الوكيل، بمعنى الرازق لهم، وقوله: من وعثاء السفر بسكون العين المهملة؛ أي مشقة، وقوله: كآبة بفتح الكاف والهمز والمد، وقوله: المنقلب بضم الميم وسكون النون وفتح اللام وباء موحدة؛ أي أعوذ بك أن أنقلب إلى ما يقتضي كآبة؛ أي سوء حال من فوات ما أريد أو وقوع ما أحذر، وقوله: سوء المنظر؛ أي ما يسوءني النظر إليه، ويقول (إذا استوى على الدابة) (٨): ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. وأنكر ابن الحاج الأذان خلف المسافر عند وداعه، وكذا الإقامة، وقال: إنه بدعة. ولْيُلازِمْ في سفره: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ مساء وصباحا، فإنها أمان من وحشة السفر وخوفه، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، والإخلاص، والمعوذات ثلاثا صباحا وثلاثا مساء؛ فإنها بركة عظيمة مجربة في السفر والوجاهة، وإذا أتى بلدا أو قرية كبر ثلاثا ثم

стр. 1381

قال: (اللهم بارك لنا فيها، اللهم حببنا إلى أهلها وحبب صالح أهلها إلينا (١))، وإن وضع يده على سورها عند دخولها وقرأ: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ يكرر آخرها ثلاثا لم يزل بها طاعما آمنا بفضل الله، وإذا اتقى على رحله لَيْلاً يدور به وهو يقرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ حتى يأتي موضعه، فإنه أمان له. وذكر لي بعض العلماء حفيظة لمن أراد نجاته تكتب وتجعل في الرحل، ونصها: حسبي الله من كل شيء، الله يغلب كل شيء. ولا يقف لأمر الله شيء. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نقله ابن زكري. وقال الأقفهسي في شرح الرسالة: السفر عند الصوفية على قسْمَيْنِ: سفر الظاهر، وسفر الباطن. فسَفَرُ الباطن السفر في نعم الله والتفكر في مخلوقاته، وسفر الظاهر على قسمين: سفر طلب وسفر هرب، فسفر الهرب واجب؛ وهو إذا كان في بلد يكثر فيه الحرام ويقل فيه الحلال، وكذلك يجب عليه الهروب من موضع يشاهد فيه المنكر من شرب خمر وغير ذلك من سائر المحرمات إلى موضع لا يشهد فيه ذلك: وكذلك يجب عليه الهروب من بلد أو موضع يُذِلُّ فيه نفسه إلى بلد أو موضع يعز فيه نفسه؛ (لأن المؤمن لا يذل نفسه (٢)). وكذلك يجب عليه الهروب من بلد لا علم فيه إلى بلد فيه العلم، وكذلك يجب عليه الهروب من بلد يسمع فيه سب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولو مكة والمدينة: فهذا سفر الهروب. وأمَّا سَفَرُ الطلب فهو على قسمين: واجب كسفر الحج للفريضة والجهاد إذا تعين، ومندوب؛ وهو ما يتعلق بالطاضة وقربة لله ، كالسفر لبر الوالدين، أو لصلة الرحم، أو للتفكر في مخلوقات الله تعالى ومباح وهو سفر التجارة، ومكروه وهو صيد اللهو، وممنوع وهو سفر لمعصية الله تعالى. والسَّفَرُ الذي تقصر فيه الصلاة هو الواجب، والمندوب، والمباح. تنبيه، اعلم أنه لا خلاف بين الأئمة في جواز التنفل للمسافر بالليل، وأما في النهار فالمشهور عن جميع السلف جوازه، وبه قال الأئمة الأربعة: وروى مالك في الموطإ عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه لم يكن يصلي مع صلاة الفريضة في السفر شيئا قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، (فإنه

стр. 1382

كان يصلي على الأرض وعلى راحلته حيث توجهت (١))، ورأى بعد أن صلى الظهر في السفر ناسا قياما، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قال الراوي: قلت يسبحون؛ يعني يتنفلون، قال: لو كنت مسبحا لأتممت صحبت رسول الله ﷺ ، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان كذلك؛ أي فلم يزد كل على ركعتين ركعتين ثم قرأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وقد علمت أن المشهور عن جميع السلف جوازه، وبه قال الأئمة الأربعة، قال النووي تبعا لغيره: لعل النبي ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر، ولعله تركه في بعض الأوقات لبيان الجواز. وجاء عنه ﷺ أنه كان ربما يتنفل في السفر، قال البراء: (سافرت مع رسول الله ﷺ ثماني عشرة سفرة فما رأيته يترك الركعتين قبل الظهر (٢))، رواه أبو داوود والترمذي، قال مالك: إنه بلغة أن القاسم بن محمد (٣) وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي كانوا يتنفلون في السفر، ظاهره ليلا ونهارا، قال يحيى: وسئل مالك عن النافلة في السفر، فقال: لا بأس بذلك بالليل والنهار. انظر الزرقاني. وأشار المصنف إلى حكم القصر بقوله: سن لمسافر؛ يعني أنه يسن للمسافر أن يقصر الصلاة الرباعية سنة مؤكدة، وفي آكديتها على سنة الجماعة، وعكسه قولا ابن رشد واللخمي، وقوله: "لمسافر"، متعلق "بسن"، واستدل لابن رشد بخبر: (خيار عباد الله الذين إذا سافروا قصروا (٤))، وبخبر: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته (٥))، واستدل اللخمي بالحديث المتقدم: (صلاة الجماعة تعدل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة] (٦)). وقوله: "سن"، اعتمد المصنف في السنة على قول عياض في الإكمال: كونه سنة هو

стр. 1383

المشهور من مذهب مالك، وأكثر أصحابه، وأكثر العلماء من السلف والخلف. انتهى. ونقل أبو عمر السنة عن المذهب، وقيل: فرض، وقيل: مستحب، وقيل: مباح، وعزاه عياض لعامة أصحابنا البغداديين، وحديث: خيار عباد الله ذكره الشافعي في سننه مرسلا، والخبر الثاني رواه مسلم من طريق يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناس الصلاة اليوم؟ وإنما قال الله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقد ذهب ذلك اليوم، فقال: عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ولم يحفظ عنه ﵊ في سفره غير القصر، قال الشيخ محمد بن الحسن: والحديثان إنما يفيدان طلب القصر؛ وهوأعم من السنة. تنبيه: من أدركه الوقت في الحضر وأراد السفر: فقال ابن حبيب: إن شاء خرج وقصرها. وإن شاء صلاها حضرية ثم سافر. نقله في التوضيح. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: مقتضاه أنه لا مزية لأحدهما على الآخر، والله سبحانه أعلم. غير عاص به؛ يعني أن المسافر الذي يسن له القصر إنما هو غير العاصي بسفره، وغير اللاهي، أما العاصي بسفره؛ فإنه يمنع قصره على المشهور، وقيل: يقصر. رواد زياد. مثال العاصي بسفره: آبق، وقاطع طريق؛ فإن تاب قصر إن بقي بعد توبته مسافة قصر: وإن عصى بالسفر في أثنائه أتم من حينئذ، بخلاف أكل الميتة فيباح للمضطر وإن لم يتب على الأصح. قاله ابن الحاجب. والفرق أن مناط أكل الميتة الضرورة لا السفر، فإن قصر العاصي لم يعد على الصواب، وقيل: يعيد في الوقت أربعا. وأما اللاهي فأشار إليه بقوله: ولاه، عطف على عاص؛ يعني أن اللاهي بسفره كسفر الصيد للهو، لا يسن له القصر، بل يكره: واستظهره الحطاب، وتأول الأقل المدونة عليه، وتأولها الأكثر على منع قصر اللاهي بسفره. كما قال البرزلي. وأنكر تلميذه ابن ناجي كون المدونة تؤولت عليه: فقال: لا أعرف القول الثاني؛ يعني التحريم تأويلا عليها، فإن قصر اللاهي بسفره فلا إعادة عليه، وقيل: بجواز قصر اللاهي، وفهم من قوله: "به"، أن العاصي في سفره يقصر؛ وهو كذلك اتفاقا. وقوله: "سن لمسافر"، قال الشيخ الأمير: شيخنا: ولو

стр. 1384

على غير العادة كطيران وخطوة. انتهى. وقال الشيخ الأمير: سن أكيدا، وقيل بالوجوب، فسبحان من لا يتقيد جزاؤه بكثرة ولا قلة. انتهى. وقوله: أربعة برد، مضاف ومضاف إليه، والأول معمول مسافر؛ يعني أن المسافر الذي يسن له القصر إنما هو الذي سافر أربعة برد، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال؛ فهي ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، وهي ستة عشر فرسخا. واحترز بالهاشمية من المنسوبة لبني أمية، فالمسافة بها أربعون ميلا؛ إذ كل خمسة منها قدر ستة هاشمية، هذا باعتبار المكان. وباعتبار الزمان مرحلتان؛ أي سير يومين معتدلين بسير الحيوانات الثقلة بالأحمال، كما في أحمد، أو هي سفر يوم وليلة بسير الحيوانات المثقلة بالأحمال على المعتاد، كما للشادلي. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الأزدوي: أن المراد سير ذلك بالإبل الثقلة بالأحمال، ونحوه للدردير. والفرسخ: السكون، سمي به الفرسخ؛ لأن صاحبه إذا مشاه قعد واستراح، كأنه سكن، وقال الإمام الحطاب: اختلف في الميل، هل هوألفا ذراع وشهر، أو ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة، وصحح أو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، أو ألف باع بباع الفرس، أو بباع الجمل، أو مد البصر؟ أقوال، وإلى هذا يرجع ما روي من يوم وليلة أو يوم أو يومين. والذراع، قال القرافي، قيل: هو ستة وثلاثون إصبعا، والإصبع ست شعيرات بطن إحداها لظهر الأخرى، وكل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون. انتهى. وقال الشبراخيتي وأما الميل فقال النووي الذي قاله مالك وتبعه عليه الناس وعليه أئمة اللغة كالجوهري، وصاحب القاموس: أن الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا معترضة معتدلة، عدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله، والمراد به: الذراع الهاشمي، والإصبع ست شعيرات معتدلة معترضة، وكل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون، وبهذا يرد على جميع شراح الكتاب وشراح الرسالة والقرافي في ذخيرته، لكن القول بأن الميل أربعة آلاف ذراع الذي قال فيه البساطي؛ وهو الأكثر مع قول القرافي: إن الذراع ستة وثلاثون إصبعا، يوافق ما نقله النووي عن مالك، وأئمة اللغة أنه ستة آلاف ذراع، وقول القرافي كل إصبع ست شعيرات بطن إحداها لظهر الأخرى، كل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون لا يصح؛ لأن الشعيرة بهذا

стр. 1385

الوصف تكون على جنبها؛ وهو لا يسع الست شعرات. وإنما يسعها ظهرها أو بطنها كما هو نقل النووي. والأربعة برد سفر يوم وليلة بسير الحيوانات المثقلة بالأحمال؛ أي على المعتاد. انتهى. ونحوه للفيشي، وقال الشيخ ميارة ما نصه: وفي بعض نسخ ابن الحاجب: والميل ألفا ذراع على المشهور، فالميل ثلث من الفرسخ، والفرسخ ربع من البريد. وفي ذلك أنشد شيخنا الإمام المتفنن الولي الصالح سيدي أبو عبد الله محمد السملالي ﵀ لغيره: الميل ألفان ولكن أذرع … وهي من الفرسخ ثلث أجمع وفرسخ من البريد ربع … .............................. وقد ذيلت ذلك بقولنا في بيان الباع والعقبة: باع ذراعان وقيل أربع … وعقبة بفرسخين تسمع وقال الشارح: ابن عبد البر: أصح ما قيل في الليل أنه ثلاثة آلاف ذراع، وخمسمائة ذراع، وقيل ألف ذراع، وقيل ثلاثة آلاف ذراع، وقيل أربعة آلاف ذراع. انتهى. وقال الخرشي عند قوله: "سن لمسافر غير عاص به ولاه أربعة برد"؛ يعني أن المسافر سفرا طويلا أربعة برد فأكثر، كل بريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال كل ميل ثلاثة آلاف ذراع، وخمسمائة ذراع والذراع ما بين طي المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، كل ذراع ستة وثلاثون إصبعا كل إصبع ست شعيرات بطن إحداها إلى ظهر الأخرى، كل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون يسن في حقه أن يقصر الصلاة الرباعية لخ. وقد مر عن الشبراخيتي والفيشي أن الصواب أن تكون الشعيرة على ظهرها أو بطنها؟ إذ بذلك تسع الشعرات المذكورة. والله سبحانه أعلم، وقال الشيخ الأمير: إن الأربعة برد هي مسافة يوم وليلة، قال: ومعنى يوم وليلة أربع وعشرون ساعة، فما خرج عن اليوم دخل في الليل. انتهى. قال: ولا معنى لما في الخرشي في كبيره، هل مبدأ اليوم الشمس أو الفجر؟ انتهى. وقال الإمام مالك في الموطإ بين مكة وعُسْفان، ومكة وجدة، ومكة والطائف أربعة برد قال

стр. 1386

النووي هذا هو الصواب. وعسفان بضم العين وسكون السين المهملتين: قرية جامعة بها بئر بين مكة والمدينة على مرحلتين من مكة، وسمي عسفان: لأن السيول عسفته، وقال الشيخ زروق: مسافة القصر أربعة برد؛ وهو حديث عن ابن عباس: (لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان (١))، رواه الدارقطني. وصحح ابن خزيمة وقفه. انتهى. ولو ببحر؛ يعني أن المعتبر في القصر مسافة أربعة برد، سواء في ذلك السفر في البر والسفر في البحر: والملفق بينهما وهذا هو المشهور. وروي عن مالك في المبسوط أنه يقصر في البحر إذا سافر يوما تاما؛ لأن الأميال لا تعرف فيه. قال بعضهم: يريد يوما وليلة. وفي الحطاب: أن الخلاف المشار إليه بلو، هل هو اعتبار الأربعة برد في البحر، أو إنما يعتبر الزمان؟ إذ لا أعلم خلافا في جواز القصر في البحر. وفي شرح الشيخ عبد الباقي عند قوله: "ولو ببحر"، أنه إذا كان بعض مسافته في البر وبعضها في البحر، يلفق سواء تقدمت مسافة البحر أو تأخرت بمجذاف، أو به، وبالريح، فإن كان يسير فيه بالريح فقط لم يقصر في مسافة البر المتقدمة قبله؛ وهي دون قصر، فلا تلفيق؛ إذ لعله يتعذر عليه الريح، فإن كان مسافة قصر استمر على قصره. انتهى. وفي الحطاب: قال ابن المواز: إذا لم يكن في البر مسافة قصر، وكان المركب لا يخرج إلا بالريح، فلا يقصر في البر حتى يركب البحر ويبرز عن المرسى، وإن كان يخرج بالريح وغيرها فليقصر من حين يخرج في البر وقال ابن الماجشون: يقصر ولم يفصل، قال الباجي: وجه قول ابن الماجشون: أن من عزم على سير أربعة برد حكمه القصر ولا يخرج عن ذلك إلا بتغير عزمه وهذا متيقن للسفر عازم عليه، فلا يمنعه القصر انتظار الريح، كما لا يمنعه ذلك في أثناء سفره في البحر. ووجه قول ابن المواز ينبني على أنه لا يجوز له القصر حتى يمكنه العزم على اتصال السير. قال الحطاب: والظاهر قول ابن الماجشون، وفي كلام الباجي: ميل إليه. والله أعلم. وقول ابن المواز: حتى يركب ويبرز عن موضع نزوله. ابن يونس: يريد إذا كان في سفره من ذلك

стр. 1387

الموضع ما يقصر فيه. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وفي كلام ابن يونس والتوضيح والشارح في شروحه وشامله ترجيحه فيحمل المصنف عليه. انتهى؛ يعني قول ابن المواز: أنه لا يقصر في مسافة البر المتقدمة قبله؛ وهي دون قصر حيث كان لا يسير إلا بالريح، وإنما إذا ركب في البحر وبرز عن موضع نزوله حيث كان في سفره من هذا الموضع مسافة قصر. وقال الشيخ إبراهيم: ومقتضى كلام ابن يونس والتوضيح والشارح في شروحه وشامله ترجيحه؛ يعني قول ابن المواز، ويوافقه كلام العوفي في شرح قواعد عياض، فكان ينبغي للمص الاقتصار عليه، أو يحكي القولين. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي بعد ما تقدم عن ابن المواز: ولا يقصر ما دام في المرسى، فإن أقلعوا فجروا نحو ثلاثة أميال، ثم حبسهم الريح قصروا، فإن حبسوا لغير لمن وراءهم، أتموا ذهابا؛ يعني أنه يشترط في الأربعة البرد أن تكون ذهابا، فلا يلفق لها الرجوع بل يعتبر الرجوع سفرا وحده. وهذا مراد أهل المذهب بقولهم: يشترط أن يكون السفر وجها واحدا، ولا يعنون بذلك أن تكون طريقه مستقيمة. وقوله: "ذهابا"، حال من أربعة برد على التأويل؛ أي حال كون الأبعة برد مذهوبا فيها. انظر الشبراخيتي. ويحتسب في المسافة بالاعوجاج والدوران ما لم يكن في معنى الرجوع، فمن خرج يمينا ثم رجع أماما، ثم شمالا، ثم انعطف راجعا حتى يدخل البلد الذي خرج منه، فإنه يحتسب بما كان يمينا وشمالا. وأمَّا مَا لم يستدبر فيصير وجهه في تصرفه ذلك الذي يدور فيه إلى البلد الذي خرج منه، فإنه كالراجع فلا يحسب ذلك مع ما تقدم إذا كانت نيته الرجوع إلى البلد الذي خرج منه. قاله اللخمي. قال ابن ناجي: وقبل أكثر الشيوخ تقييده بذلك، وجعله سند خلافا. انتهى. والذي رأيته في كلام سند في الطراز أنه تقييد، فتأمله. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب: قصدت؛ يعني أنه يشترط في قصر الصلاة أيضا أن تكون المسافة المذكورة قد قصدت، فلو قطعها من غير قصد كالهائم وطالب رعي لم يقصر - كما سيذكره - وظاهره أنه لو قصدها فقصر ثم بدا له الرجوع في أثنائها أن الصلاة صحيحة، وكما لا يقصر هائم وطالب رعي، لا يقصر من خرج في طلب حاجة أو آبق ولو جاوز مسافة القصر؛ لأنه لا يدري غاية سفره، فإنه يتم في سفره ويقصر في رجوعه إذا كان أربعة برد فأكثر.

стр. 1388

دفعة؛ يعني أنه لابد في القصر أيضا من أن تكون المسافة قد قصدت دفعة أي مرة واحدة، واحترز بذلك عما إذا خرج إلى سفر طويل إلا أنه نوى أن يسير ما لا تقصر فيه الصلاة، ثم يقيم أربعة أيام، ثم يسير ما بقي من المسافة، فلا شك في إتمامه في مقامه. وهل يقصر في سيره ويلفق بعضه إلى بعض؟ قولان، القول بالإتمام لابن القاسم في العتبية وابن المواز، وقال ابن الحاجب: إنه الأصح، ولذا اقتصر عليه المصنف. والقول بالقصر لابن الماجشون، وسحنون. قاله الإمام الحطاب. وسيأتي ما هو كالصريح في أنه إذا نوى مسافة القصر إلا أنه حين النية متردد في الإقامة القاطعة للسفر بموضع خلالها ليس بينه وبين ابتداء سفره المسافة، فإنه لا يقصر حتى يجاوزه. والله سبحانه أعلم. وقوله: "دفعة"، مفعول مطلق لفعل محذوف؛ أي يدفعها دفعة ومعنى يدفعها يوقعها؛ لأن دفعة وطورا ومرة ونحوها، مصادر منصوبة على المفعولية المطلقة. كما قاله ابن الحاجب. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "دفعة"، بفتح الدال. وبما قررت علم أن المراد بقوله: "دفعة"، أن لا ينوي في ابتداء سير إقامة توجب الإتمام قبل تمام المسافة، وليس المراد أنه يقطعها دفعة واحدة. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ثم قصدها دفعة، إنما يعتبر من مسلم، بالغ، عاقل، غير متلبس بمانع كحيض ونفاس؛ فإن زال مانع كل أثناء السفر قصر، إن بقي منه مسافة قصر وإلا أتم. انتهى المراد منه. وقال الرجراجي في شرح كتاب الصلاة الثاني من المدونة: اختلف المذهب في من سافر مسافة تقصر فيها الصلاة، ثم أسلم أثناءها إن كان نصرانيا، أو احتلم إن كان صبيا، أو كانت امرأة فسافرت وهي حائض ثم طهرت في أثناء المسافة، فمشهور المذهب أنهم يتمون الصلاة ولا يقصرون، ويتخرج في المذهب قول أنهم يقصرون. المازري: قال في السليمانية في النصراني يقدم من مصر يريد القيروان فأسلم بقلشانة: إنه يتم، قال: لأن الباقي من سفره لا يقصر فيه، وهذا يقتضي أن يراعى مقدار السير من حين البلوغ في أثناء السفر وكذا يُراعى في حق المجنون إذا عقل في أثناء السفر. قال بعض أشياخي: وفي طهر الحائض نظر، وعندي أنه لا يصح الفرق بينها وبين ما تقدم؛ لأنها غير مخاطبة بالصلاة أيام حيضتها إجماعا، والكافر مخاطب بالصلاة وغيرها من فروع الشريعة بشرط تقدم الإيمان عند جماعة من أهل

стр. 1389

الأصول، فإذا لم يعتبر ما مضى من سفره مع الاختلاف في خطابه، فالحائض أولى بذلك لكونها لم يختلف في سقوط الخطاب عنها، إلا أن يقال إن الحائض كانت قبل حيضتها مخاطبة بالصلاة، وإن ارتفع الخطاب لمانع، والمانع متوقع ارتفاعه في كل جزء من أجزاء السفر. قاله الحطاب. وفيه: وظاهر كلام الإمام أن الصبي إذا بلغ يتم الصلاة ولو كان يقصر الصلاة في أثناء سفره قبل البلوغ. ولما كان الإتمام هو الأصل والنية بمجردها لا تخرج عنه، اشترطوا معها الشروع والانفصال عن محل الإقامة، ولما كان محلها يختلف شرع في بيانه، فقال شارطا في قوله: "سن": إن عدا البلدي البساتين المسكونة: يعني أن البلدي أي المكمل بالبلد بدويا أو حضريا -كما نص عليها الشيخ محمد بن الحسن بناني- إنما يسن له القصر إن عدا؛ أي جاوز البساتين أي الحدائق المسكونة، ولو في بعض الأحيان، ويشترط في اعتبار مجاوزة البساتين أن تكون متصلة بالقرية، ولو حكما كارتفاق ساكنيها بأهل البلد بنار وطبخ وخبز وشراء من سوقها، فإنها حينئذ كالمتصلة، وإن لم يحصل ارتفاق بما ذكر لم تعتبر في القصر مجاوزتها قال الشيخ عبد الباقي: وإذا سافر من الجانب الذي لا بساتين به لم يقصر حتى يحاذي قدر ما هي به. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره غير صحيح؛ إذ غاية أمر البساتين أن تكون كجزء من البلد. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: وانظر إذا كان بعض مساكنها يرتفق بالبلد كالجانب الأيمن دون الآخر، والظاهر أن حكمها كلها كحكم المتصلة، وإذا كان يعتبر مجاوزة البساتين المسكونة، فأولى البناء الخراب القائم الخالي من السكان في طرف البلد، فلابد من مجاوزته، والقريتان المتصل بناء إحداهما بالأخرف أو بينهما فاصل، وترتفقان كالبلد الواحد. وقوله: "إن عدا البلدي"، سواء كانت قريته قرية جمعة أم لا. كما في الشبراخيتي. وإذا سافر من مِصْرٍ لا بناء حوله ولا بساتين، قصر بمفارقته لسوره بلا خلاف، إن لم تكن قرية جمعة، وإن كانت قرية جمعة فكذلك؛ أي يقصر بمفارقته لسوره أو بنائه إن لم يكن له سور. وقيل: لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال. واعلم أنه لا عبرة بالمزارع ولا بالبساتين المنفصلة: وقوله: "المسكونة"؛ أي التي تسكن بالأهل، ولو في بعض الأحيان. كما في كتاب الشيخ الأمير. وفيه: شارطا في القصر إن جاوز بوقتها، ولو

стр. 1390

ضروري البناء، وإن خربا ولا تعتبره الشافعية، ولا عامرا بعد السور. انتهى. وفيه عن ميزان الشعراني قال مجاهد: إن سافر نهارا لا يقصر حتى يدخل الليل وبالعكس. انتهى. وما تقدم من اعتبار البساتين المسكونة هو المشهور، وعليه تؤولت المدونة كما يفيده كلام ابن رشد الذي نقله المواق، ولهذا قال: وتؤولت أيضا على مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة؛ يعني أنه كما تؤولت المدونة على اعتبار مجاوزة البساتين المسكونة، تؤولت أيضا على أن المعتبر مجاوزة ثلاثة أميال حيث كانت القرية التي سافر منها قرية جمعة، وأما إن لم تكن قرية جمعة فالمعتبر مجاوزة البساتين. كما قاله الشارح. وفي الحطاب عند قوله: وتؤولت أيضا على مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة، أن هذا قول ثان مقابل للأول تؤولت المدونة على كل منهما، كما أشار إلية بقوله: "ولكن الأول هو المشهور". انتهى. وقوله: "بقرية الجمعة"، قال الشيخ عبد الباقي: ولو في زمن دون آخر فيما يظهر. انتهى. قال الشيخ بناني: فيه نظر، بل ظاهر ابن رشد أن المراد بقرية الجمعة، وجود الجمعة فيها بالفعل. انتهى. وقوله: "على مجاوزة ثلاثة أميال"، اعلم أن الثلاثة الأميال هنا معتبرة من سور القرية إن كان لها سور، ومن آخر بنائها إن لم يكن لها سور. ونقل الشيخ محمد بن الحسن عن بعض شراح الرسالة: أن القائل بمراعاة البساتين لا يعتبر الأميال سواء كان بلد جمعة أم لا، ونقل عنه أن القرية التي تقام فيها الجمعة فيها ثلاثة أقوال: أحدها قول الرسالة: ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر، وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء، ثانيها قول ابن حبيب: لا يقصر حتى يجاوز بساتين المصر، ثالثها: قول محمد بن مسلمة: لا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر بثلاثة أميال. وأما الموضع الذي لا جمعة فيه فليس فيه إلا قولان: أحدهما حتى يجاوز بيوت القرية، والثاني حتى يجاوز بساتينها. انتهى. فالقول بالبساتين وارد في القريتين على هذا النقل، ونقل أيضا عن الباجي أن ما ذهب إلية مالك من أنه لا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر ولا يكون أمامه ولا عن يمينه ولا عن يساره منها شيء، هو المشهور عنه من رواية ابن القاسم وغيره، وروى عنه مطرف وابن الماجشون أن ما كان من المدن التي يجمع فيها لا يقصر حتى يجاوز بيوت القرية بثلاثة أميال. وأما ما كان من القرى التي لا

стр. 1391

يجمع فيها فحتى اوز بساتينها ولا ينظر إلى مزارعها، ووجه رواية ابن القاسم أن موضع الاستيطان إنما هو البيوت فيجب أن يعتبرها في المقام، ويعتبر بالخروج عنها في السفر. ووجه الرواية الثانية أن هذا موضع يجب النزول منه إلى الجمعة فكان حكمه حكم الوطن، فاعتبار الثلاثة الأميال إنما هو في مصر الجمعة، واعتبار البساتين إنما هو في قرية لا جمعة فيها، خلاف ما تقدم عن بعض شراح الرسالة. واعلم أن قول المدونة الذي وقع فيه التأويل هو قولها: قال مالك في رجل يريد سفرا إنه يتم حتى يبرز عن بيوت القرية فإن برز قصر الصلاة. وحكى المصنف أن فيها تأويلين، أحدهما أن المراد بالبروز الذي يقصر بعده هو مجاوزة البساتين المسكونة سواء كانت القرية قرية جمعة أم لا، والثاني أنها إن كانت قرية جمعة فلا تعتبر مجاوزة البساتين، وإنما المعتبر مجاوزة ثلاثة أميال، وإن لم تكن قرية جمعة فالمعتبر مجاوزة البساتين. والله تعالى أعلم. واعلم أنه على التأويل الأول الذي هو المشهور؟ أعني قوله: "إن عدا البلدي البساتين المسكونة"، فإنما تحسب الأربعة البرد بعد مجاوزة البساتين قطعا، وأما على أن المعتبر مجاوزة ثلاثة أميال بقرية الجمعة: فهل تحسب الأميال الثلاثة من البرد الأربعة؛ وهو ظاهر كلامهم واختاره البرزلي وغيره، أولا، وصوبه ابن ناجي، وصوب بعضهم ما لشيخه؛ يعني البرزلي. وبما تقدم علم أن المعتبر للأميال الثلاثة، لا يعتبر البساتين زادت على الأميال أو قصرت، خلاف ما للشيخ عبد الباقي من أنه: إذا زادت البساتين على الأميال فالمعتبر مجاوزة البساتين اتفاقا، وأن محل الخلاف إنما هو فيما إذا نقصت البساتين عن الأميال، فقد قال الشيخ بناني: إنه غير صحيح. والله سبحانه أعلم. وينبني على كلام الشيخ عبد الباقي ما ذكره بعد من أنه إن كان بالقرية بساتين مسكونة قدر الأميال أو أكثر لم تحسب الأميال من البرد الأربعة: وإن كانت البساتين أقل من ثلاثة أميال حسب ما زاد عليها من البرد الأربعة، وهذا إن فرعنا على التأويل الثاني في كلام المصنف، وأما إن فرعنا على الأول فقد تقدم أنه إنما تحسب المسافة بعد مجاوزة البساتين قطعا. والله سبحانه أعلم. واعلم أن من سافر في البحر فيه روايتان: إحداهما يقصر بمجاوزة بيوت القرية وتخليفها، والثانية إذا توارى عن البيوت. ومن سافر في البحر من وطنه سفرا تقصر فيه الصلاة، ثم أحرم بالصلاة،

стр. 1392

فردته الريح إلى بيوت قريته بعد أن صلى بعض الصلاة، تبطل صلاته كما لو نوى فيها الإقامة. ومن صلى في الحضر ركعة بسجدتيها، ثم مشت به السفينة حتى خرج عن القرية حيث تقصر الصلاة، فإنه يمضي على صلاته صلاة حضر لأنه دخل فيها على ما يجوز. قاله الحطاب ولو بان المسافر عن أهله، ثم نوى الرجعة بعد ما برز، ثم بدا له أن ينوي السفر لم يقصر حتى يظعن من موضعه؛ وهو بين لأنه إنشاء سفر، كمن خرج مع المسافرين ليشيعهم، فقدموه ليصلي بهم، فينوي السفر قبل أن يحرم، يصلي صلاة مقيم. وقال الشيخ زروق: لو قصر قبل مجاوزة البيوت، فهل يعيد في الوقت، أو مطلقا، أو لا إعادة عليه؟ انظر في ذلك فإني لم أقف عليه. انتهى، قاله الإمام الحطاب. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أنه يعيد أبدا لقولهم: وفسد منهي عنه إلا بدليل، ولأنه حضري قصر صلاته. والله سبحانه أعلم. والعمودي حلته؛ يعني أن العمودي أي البدوي سمي بذلك؛ لأنه يجعل بيته على عمد، إنما يقصر الصلاة بعد أن يجاوز حلمه بالكسر؛ وهي بيوت القوم ولو كانت بيوتهم متفرقة بشرط ارتفاق بعضهم ببعض، فالمدار على الارتفاق كانوا قبيلة أو قبائل؛ وهو معنى جمع اسم الدار، كما قاله الشيخ الأمير؛ فإن لم يرتفق بعضهم ببعض بأن تفرقوا بحيث لا يمكن ارتفاق بعضهم ببعض لم يعتبر إلا أهل محلته؛ أي الذين يجمعهم اسم الدار، وقد مر معنى جمع اسم الدار. وانفصل غيرهما؛ يعني أن غير العمودي والبلدي المتصف بالوصف المذكور يقصر إذا انفصل عن قريته، والمراد به من هو ساكن بقرية لا بناء بها ولا بساتين. قاله الشارح. وقال الشيخ عبد الباقي: أي غير البلدي، والعمودي ذي الحلة عن مكانه كساكن الجبال، وعمودي الأخصاص كرابغ بطريق مكة، وساكن بساتين له متصلة، ومن منزلة في عرض واد بطنه، فإن جعلوا جانبي الوادي لهم بمنزلة السور على البلد اعتبر البروز عن الجانب. ولا يلزم البروز عن طوله. وقد يطول جدا، وإن كان عرضه متسعا ونزلوا بعضه روعي مفارقة البيوت والبروز عنها لا مفارقة الوادي، ولو كان وسط البلد نهر جار مثل بغداد، فجاز من جانب إلى جانب لم يقصر حتى

стр. 1393

يجاوز الجانب الآخر؛ لأن ذلك من البلد كالرحبة الواسعة، وكذا بيوت العمودي المتفرقة حيث يرتفق بعضهم ببعض -كما مر- لأن ما بينهم حينئذ بمنزلة الرحبة في البلد. وحكى ابن فرحون في ألغازه عن أبي إبراهيم الأعرج في أسير هرب من بلد الكفار للجيش: أنه يقصر قبل أن يجاوز بناء البلد وبساتينه التي في حكمه؛ لأنه صار من الجيش. قاله الشيخ عبد الباقي. قصر رباعية نائب فاعل سن؛ يعني أنه يسن للمسافر بالشروط المتقدمة أن يقصر الصلاة الرباعية، فيصلي الظهر ركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة سرا ويتشهد ويسلم، ومثلها العصر: وأما العشاء فيصليها ركعتين يجهر فيهما بأم القرآن وسورة، ويتشهد: ويسلم، فالصلوات التي تقصر ثلاث، وأما الثلاثية وهي المغرب والثنائية وهي الصبح فلا يقصران اتفاقا. وقوله: "لمسافر"؛ يعني بد المتلبس بالسفر كما قاله الشيخ عبد الباقي. وقتية؛ يعني أن المسافر إذا بلغ المحل الذي يقصر منه الصلاة فإنه يسن له أن يقصر ما أدرك وقته من الصلوات، فإن بقي من النهار ثلاث ركعات صلى الظهر والعصر سفريتين. وإن بقي قدر ما يصلى فيه ركعة أو ركعتان صلى الظهر حضرية والعصر سفرية، وإن بقي أقل من ركعة صلاهما حضريتين، ولو دخل لخمس ركعات صلاهما حضريتين، فإن كان لقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والعصر حضرية، ولأقل من ركعة صلاهما سفريتين، وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر فيما يقدر صلى العشاء حضرية سواء كان قد صلى المغرب أو لم يصلها، ولو دخل لأقل من ركعة صلى العشاء سفرية، ولو خرج وبلغ الموضع الذي تقصر منه الصلاة وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى العشاء سفرية، سواء صلى المغرب أو لم يصلها، وإن كان أقل من ركعة صلى العشاء حضرية صلى المغرب أم لا. أو فائتة فيه؛ يعني أن الصلاة الفائتة في السفر يسن قصرها سواء قضاها في السفر أو في الحضر. قاله في المدونة. واحترز بقوله: "فيه"، عن الفائتة في الحضرة فإنها لا تقصر، ولو صلى الحضرية عن السفرية لأجزأه ذلك ولا إعادة عليه في الفائتة، لكن فاته فضيلة السنة، ولكون السفرية الفائتة تجزئ عنها الحضرية، ولا إعادة لخروج الوقت كان قول المصنف ومع الشك في القصر أعاد إثر كل حضرية سفرية، غير ظاهر.

стр. 1394

وإن نوتيا بأهله؛ يعني أن النوتي إذا سافر ومعه أهله، فإنه يقصر؛ لأن مصاحبة الأهل في السفر لا تمنع القصر، وغير النوتي أحرى، كما قاله الشبراخيتي. والنوتي خادم السفينة؛ أي فلا يتوهم أن المركب صار له كالدار. وقال أحمد: لا يقصر، واحتج بأنه مقيم في مسكنه وماله فأشبه ما إذا كان في بيته، وما ذكره المصنف هو مذهب مالك والشافعي وجماعة والدليل لعامة الفقهاء. قوله علية الصلاة والسلام: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة (١)). وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄: (فرضت الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين (٢))، والفرض يكون بمعنى التقدير وهو عام. وروى ابن وهب عن سالم بن عبد الله بن عمر أن رجلا سأله فقال: إن أحدنا يخرج في السفينة يجعل فيها أهله ومتاعه ودجاجه؛ أيتم الصلاة؛ قال: إذا خرج فليقصر الصلاة، وإن خرج بذلك وكون أهله ومتاعه معه لا يمنعه من الترخص في السفر كالجَمَّال، قاله في الطراز. وقال ابن ناجي: وأقام شيخنا منها أن العرب إذا سافروا بأهلهم وأولادهم السفر الطويل المعزوم أنهم يقصرون، وأفتى به غير ما مرة لا يُحتاج إلى نية. قاله الإمام الحطاب. ولا ذكر ابتداء القصر ذكر منتهاه بقوله: إلى محل البدء؛ يعني أن المسافر يقصر في ذهابه إلى محل البدء؛ أي بدء القصر من المكان الذي ذهب له، ويقصر في رجوعه حتى يدخل بلده أو يقاربه. قال الشيخ الأمير: وهل أو لحكاية الخلاف أو للتنويع؟ فالأول أراد البلد أي استمر سائرا، والثاني مستريح أي نزل خارج البلد للاستراحة مثلا، أو العطف مفسر تأويلات والقرب دون الميل، وكون العطف للتفسير عليه يكون المعنى هو القرب دون الدخول، وهذا هو المعتمد عند الباجي وأبي الحسن وأبي محمد صالح، خلاف ظاهر المصنف وابن الحاجب. وقال الشيخ عبد الباقي: ودخول البساتين المسكونة المتصلة ولو حكما كدخول البلد، والقرب لها بأقل من الميل كالقرب من البلد بأقل منه. انتهى. وقال الإمام الحطاب: والظاهر أن المراد بقولهم إلى محل البدء أن المسافر يقصر، فإذا وصل إلى البلدة التي هي منتهى سفره أتم في الموضع الذي لو سافر منه

стр. 1395

كان محلا لابتداء قصره، وهو الذي يفهم من كلام ابن بشير. انتهى. وفي النوادر: ومن المجموعة قال عبد الملك وسحنون: ومن خرج إلى الحج من أهل الخصوص، ثم قدم فألفى أهله قد انتقلوا فليتم من موضع تركهم به إلى موضع ساروا إليه، إلا أن يكون بينهما أربعة برد. انتهى. قاله الإمام الحطاب. لا أقل عطف على قوله: "أربعة برد"؛ يعني أن المسافر أقل من أربعة برد لا يباح له القصر، وليس المراد ما يعطيه ظاهره من أن المعنى لا يسن له القصر، فالمعنى لا يقصر: فإن قصر بطلت فيما دون ستة وثلاثين ميلا بلا خلاف وصحت في أربعين، وفيما بينهما فلا إعادة عليه، وقيل يعيد في الوقت وهذان القولان فيما فوق ستة وثلاثين ميلا. وأما ستة وثلاثون ميلا فمن قصر فيها لا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت، وقيل: يعيد أبدا. وما في التوضيح من أن من قصر في ستة وثلاثين ميلا يعيد أبدا على المذهب معترض، وفي المقدمات: فإن قصر فيما دون الثمانية والأربعين فلا إعادة عليه فيما بينه وبين الأربعين، وإن قصر فيما دون الأربعين إلى ستة وثلاثين، فقيل: يعيد في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه، وإن قصر فيما دون ستة وثلاثين ميلا أعاد في الوقت. وبعده انتهى. ونقل عن يحيى بن عمر أن من قصر في ستة وثلاثين أعاد أبدا. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وللشيخ علي الأجهوري: من يقصر الصلاة في أميال … بعدله تبطل بلا إشكال وقصرها من بعد ميم لا ضرر … فيه وفي ما بين ذا الخلف اشتهر فقيل لا يعيدها أصلا وقيل … يعيدها في الوقت فافهم يا نبيل والراجح الأول والأخير قد … رجح لكن بعضهم له انتقد وقال الشيخ الأمير: وإن قصرها لخمسة وثلاثين ميلا بطلت، ولأكثر لا إعادة عليه أصلا، وإن منع. هذا حاصل المعتمد كما لعلي الأجهوري، وغيره. انتهى. وقوله: "لا أقل" التحقيق أنه يحرم عليه القصر فيما دون أربعة برد ابتداء، وإنما الخلاف بعد الوقوع. ولا يجوز للمسافر الفطر في أقل من ثمانية وأربعين ميلا، فإن أفطر كفر إلا بتأويل كما يأتي. انظر حاشية الشيخ بناني. وما ذكره المصنف من أنه لا يقصر في أقل من أربعة برد، وإنما يقصر في أربعة برد هو الذي عليه مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة. وقال أبو حنيفة: لا يقصر الصلاة في أقل من ثلاثة أيام.

стр. 1396

وقالت طائفة من أهل الظاهر: يقصر في كل سفر، ولو ثلاثة أميال، لظاهر قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، ولم يحد المسافة. وروى مسلم وأبو داوود عن أنس: (كان ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة (١))؛ وهو أصح ما ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمل المخالف هذا على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر، لا غاية السفر. نقله الزرقاني في شرح الموطإ. إلا كمكي في خروجه لعرفة ورجوعه؛ يعني أن المكي ومن في حكمه كمنوي ومردلفي ومحصبي، يسن لكل منهم في خروجه لعرفة ورجوعه القصر للسنة، وإن لم يكن في ذلك مسافة القصر. وقوله: "في خروجه لعرفة"، ظاهره: ولو أدركته الصلاة قبل أن يصل لمنى. قال سند: والأحسن أن يقصر؛ لأنه قد أعطى سفره حكم القصر، وأما إذا وصل إلى منى فإنه يقصر بلا خلاف، وكذا في ذهابه إلى عرفة، وفي عرفة، وفي رجوعه إلى المزدلفة، وفي المزدلفة، وفي رجوعه إلى منى، وفي مدة إقامته بمنى، ومثل المكي العرفي إذا خرج للإفاضة وبقية النسك. واعلم أن أهل كل محل لا يقصرون بمحلهم، فلا يقصر العرفي بعرفة، ولا المزدلفي بمزدلفة، ولا المنوي بمنى. ولا المكي بمكة، ولا المحصبي بالمحصب. وقال الشيخ عبد الباقي: "عند قوله ورجوعه"، لبلده حيث بقي عليه بعض عمل النسك بغيره، وإلا أتم حال رجوعه كمنوي؛ لأن بقية العمل وهو رمي أيام منى في محله. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل يقصر في رجوعه لبلده مطلقا، وإن لم يبق عليه شيء من النسك لا بها ولا بغيرها على ما رجع إليه مالك، كما في الحطاب. وقوله: وكل راجع لبلده الخ. فيه نظر. انتهى ولا راجح لدونها؛ يعني أن من عزم على أن يسير مسافة القصر، وسار بعض المسافة

стр. 1397

ورجع لبلده الذي سافر منه قبل قطع المسافة، لا يقصر في رجوعه؛ لأن الرجوع معتبر سفرا بنفسه. ولو لشيء نسبه؛ يعني أنه لا يقصر في رجوعه من دون مسافة القصر، سواء رجع تاركا السفر أو رجع لشيء نسيه ويعود لإتمام سفره. قوله: "ولو لشيء نسيه"، قال الرماصي: هذا إذا رجع للبلد الذي سافر منه، ولو رجع لغيره لشيء نسيه لقصر في رجوعه على المشهور. قاله ابن عبد السلام. وقوله: "ولو لشيء نسيه". هو المشهور، ومقابله لابن الماجشون، قال: يقصر من رجع لشيء نسيه، والخلاف ما لم يدخل وطنه الذي خرج منه، فإن دخله فلا شك أنه يتم على القولين. قاله ابن عبد السلام. ونقله في التوضيح. ولو لم يكن المكان الذي خرج منه وطنا له وإنما أقام به، فالخلاف جار في إتمامه وقصره ولو دخله، كما صرح به اللخمي. قاله الحطاب. ولا عادل عن قصير بلا عذر؛ يعني أن من عزم على السير بموضع، وسلك نحوه طريقا تبلغ مسافة القصر، وعدل عن طريق أخرى موصلة له دون مسافة القصر، ولم يكن عدل عن الطريق القصير لعذر: بل لقصد الترخص؛ أي ليقصر الصلاة: لا يقصر. وأما إن كان عدوله عنها لعذر، فإنه يقصر: كخوف على نفس أو مال من لصوص، أو خوف مكاس، أو عسر طريق. والظاهر أن منه شدة وحل، أو مطر بالطريق القصير، أو خوف حبس، أو ضرب، أو قصاص مما يبيح التخلف عن الجمعة. قاله الشيخ عبد الباقي. الحطاب: وانظر لو كان كل من الطريقين مسافة قصر وإحداهما أطول وسلكه لغير عذر، هل يقصر في زائده أي الزائد على منتهى القصيرة، أم لا؟ وتعليلهم بأن ذلك مبني على عدم قصر اللاهي بسفره، يقتضي عدم قصره. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وحرم؛ يعني القصر لعاص به، وكره للاه، ومن أفراده العادل عن قصير بلا عذر. ومن العذر الوحل، ومكس له بال، ولا إعادة إن قصرا، وإن حدثا أو انقطعا فلكل حكمه انتهى. قال الشيخ عبد الباقي: ثم إن قصر في صورة المصنف أعاد إن كانت القصيرة خمسة وثلاثين، لا إن كانت أكثر. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: مقتضى ما ذكره الحطاب من تعليلهم؛ بأن ذلك مبني على عدم قصر اللاهي أنه إذا قصر لا يعيد؛ وهو الظاهر؛ لأن العدول عن القصير غير محرم. وفي التوضيح: هذا مبني على أن اللاهي بصيده وشبهه لا يقصر. وأما على القول بأنه

стр. 1398

يقصر فلا شك في تقصير هذا. انتهى. ومر قريبا عن الأمير ما يفيد أنه لا إعادة عليه لحكمه عليه بأنه من اللاهي بسفره. والله سبحانه أعلم. ولا هائم؛ يعني أن الهائم لا يقصر، وفسر بالفقراء المتجردين للعبادة الذين لا يخرجون لموضع معلوم، بل حيث طاب لهم بلد قاموا به. وطالب رعي؛ يعني أن طالب الرعي لا يقصر وهو من يطلب المرعى لمواشيه يرتع حيث وجد الكلأ. واعلم أن من تاه عن طريق القصد يقصر، ولو تاه قبل قطع المسافة. كما نص عليه غير واحد. وقال الرماصي: وأما الهائم بمعنى التائه عن طريق القصد، فإن كان بعد سير مسافة قصر معزوم عليها قصر، وإن تاه قبلها وصار يتردد فلا يقصر وإن قطع المسافة في تردده. قاله الرماصي. إلا أن يعلم قطر المسافة قبله مستثنى من الهائم وطالب الرعي؛ يعني أن عدم قصر الهائم وطالب الرعي؛ محله حيث لم يعلم كل منهما قطع المسافة قبل البلد الذي يطيب له المقام به وقبل محل الرعي يريد: وقد عزم عليه عند خروجه. وأما إن علم كل منهما قطع المسافة قبل المحل الذي عزم على السير إليه، فإنه يقصر. وقوله: "ولا هائم وطالب رعي"، وكذا لا يقصر من خرج في طلب آبق أو ضالة أو نحو ذلك، ولو جاوز مسافة القصر، كما مر نص عليه الشادلي، وغيره. والحاصل أن كل من لا يقصد موضعا معينا، كالهائم بالمعنى المذكور، وطالب الرعي، والآبق، والحاجة لا يقصرون وإن قطعوا المسافة إلا أن يعزما (١) في أول السفر على قطعها، قال في المدونة: ومن خرج في طلب حاجة، فقيل له: هي بين يديك على بريدين ولا يدري غاية سفره فمشى كذلك أياما، فإنه يتم في طلبه ويقصر في رجوعه إذا كان أربعة برد فأكثر. انتهى. أبو الحسن: لأن المدة إنما تعتبر من ابتداء الوجهة ولا يضاف إليها ما قبل ذلك، فطالب الحاجة لا يقصر وإن قطع المسافة إلا إذا رجع. ابن يونس: وإذا بلغ الذي خرج في طلب الحاجة أربعة برد فأراد الرجوع، فقيل له: حاجتك في موضع كذا على بريدين بين يديك، أو عن يمينك، أو شمالك،

стр. 1399

فقال: أبلغ ذلك الموضع ثم أتمادى منه إلى داري على كل حال، وجدته أم لا، فذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يقصر حتى يرجع، وظهر لي ولغيري أنه يقصر؛ لأنه نوى الرجوع. انتهى. واحتج ابن يونس بتقصير المسافر لشرق خرج لمهم غربا عن بريد يرجع منه لسفره غير داخل بلده، يقصر في البريد. ابن عرفة: هذا مصادرة، ويرده رواية الشيخ: من سافر لبريدين فرجع لطريق أقصر، وممره على منزلة ولم يرد النزول به، أتم في رجوعه حتى يجاوزه. قاله الرماصي. ولا منفصل ينتظر رفقة؛ يعني أن المنفصل عن محل إقامته عازما على السفر إلا أنه أقام ينتظر رفقة لا يقصر، بل يستمر على إتمامه حيث لم يجزم بإتيانهم له قبل أربعة أيام، فإن لحقته فلا يقصر حتى يبرز عن ذلك الموضع، ولو شيع السفر رجل وهو يريد الرجعة فقدموه ليصلي بهم، فلم يدخل الصلاة حتى نوى السفر: فليتم حتى يبرز عن ذلك الموضع. قاله الرماصي. إلا أن يجزم بالسير دونها؛ يعني أن عدم قصر المنتظر لرفقة إنما هو إذا لم يجزم بالسير دونها قبل إقامة أربعة أيام، وأما إن جزم بالسير دونها قبل إقامة أربعة أيام، فإنه يقصر بمجرد تعديه محل بدء القصر. وكذا إن تحقق أو غلب على ظنه مجيئها له قبل إقامة أربعة أيام حيث لم يجزم بالسير دونها. وتحصل مما مر أنه إذا جزم بالسير دونها لكن بعد أربعة أيام، أو شك هل يلحقونه قبل أربعة أيام أم لا؟ فإنه يتم، وأنه إذا تحقق لحوقها قبل أربعة أيام، أو غلب ذلك على ظنه يقصر وإن لم يجزم بالسير دونها، وأنه إذا جزم بالسير دونها قبل أربعة أيام يقصر مطلقا تحقق لحوق الرفقة أو عدمه أو شك فيه. والله سبحانه أعلم. انظر بناني. تنبيه إذا سافر العبد بسفر سيده، والمرأة بسفر زوجها، والجند بسفر الأمير، ولا يعلمون قصدهم، لم يترخص واحد منهم، فإن علموا قصدهم ونووا القصر قصروا. ولا مفهوم لقوله: نووا القصر: كما في الرهوني. وسئل مالك عن صلاة الأسير، فقال: مثل صلاة المقيم. وفي المدونة: ويتم الأسير بدار الحرب إلا أن يسافر به فيقصر. وقال الباجي في شرحه: في سفره ومقامه باختيار من يملكه، فكانت نيته معتبرة في إتمامه وقصره بما يظهر له من أمره، وكذلك العبد المسلم في بلد

стр. 1400

المسلمين. والله أعلم. وفي ابن يونس: في العسكر يقيم بهم الإمام ولا يدرون كم يقيم، يقصرون حتى يعلموا أنه يقيم أربعة أيام، وينبغي للإمام أن يعلمهم. وقطعه دخول بلده؛ يعني أن من سافر من بلده، ثم إنه رجع إليه بعد قطع المسافة، فإنه ينقطع حكم سفره بدخوله لبلده، فيقصر في رجوعه إلى دخوله لبلده فيتم. وأما إن رجع إليه قبل قطع المسافة، فإنه ينقطع حكم سفره برجوعه، فيتم بمجرد رجوعه. وعلم مما قررت أن المراد بالدخول هنا: الدخول الناشئ عن الرجوع بدليل الاستثناء في قوله: "إلا متوطن كمكة رفض سكناها ورجع ناويا السفر". وأما الدخول في الآتية، فالمراد به: الدخول الناشئ عن المرور بها في ذهابه، فلا تكرار. والله سبحانه أعلم. وهذا التفريق هو الذي ارتضاه ابن غازي، والحطاب، والرماصي، ومحمد بن الحسن. وأما دفع التكرار بأن البلد أعم من الوطن؛ لأن البلد كل موضع تقدمت له فيه إقامة، تقطع حكم السفر على نية التأبيد أم لا. والوطن كل موضع تقدمت له فيه إقامة تقطع حكم السفر على نية التأبيد، فإنه لا يندفع بذلك. وإن بريح؛ يعني أنه لا فرق في قطع دخول البلد للقصر بين أن يدخله مختارا، وبين أن يدخله مغلوبا بريح من بحر أو جموح دابة، بخلاف اللص. قال الشيخ إبراهيم: والفرق بين الريح والغاصب -كما يفهم من كلام اللخمي- أن من سافر بالريح شاك من أول سفره، هل يتم أم لا؟ فكان داخلا على ذلك؛ لأنه قريب ممن ينتظر رفقة لا يسافر إلا بها، بخلاف من رده غاصب؛ فإنه لا شعور له به. وفي الحطاب: قال اللخمي: اختلف فيمن خرج مسافرا في البحر فسافر أميالا ثم ردته الريح، فقال مالك: يتم الصلاة؛ يريد في رجوعه، وفي البلد الذي أقلع منه وإن لم يكن له وطنا إذإِ كان يتم الصلاة به؛ لأنه لم يصح رفضه. وقال سحنون: يقصر إذا لم يكن مسكنا، يريد ما لم يكن رجوعه باختياره، فكان كالمكره. وقوله: "وقطعه دخول بلده"، محله ما لم يرفض سكناه -كما سيذكره- وإنما كان دخول البلد قاطعا لأنه مظنة الإقامة. كما قاله الشبراخيتي.

стр. 1401

إلا متوطن كمكة رفض سكاناها؛ يعني أن محل قطع دخول البلد للقصر إنما هو حيث لم يرفض الداخل له سكناه، وأما إن دخله رافضا سكناه بعد قطع المسافة فإنه لا يقطع حكم سفره، ودخل "بالكاف" كل بلد، وإنما نص على مكة تبركا بذكرها، أعزها الله تعالى. قال الإمام الحطاب بعد جلب أنقال: والحاصل أن من رجع من دون مسافة القصر أتم الصلاة على المشهور. ولو كان باقيا على نية السفر، بأن يكون إنما رجع لحاجة، أو ردته الريح، ومقابل المشهور أنه يقصر إن كانت نيته باقية على السفر في رجوعه. وفي البلد الذي خرج منه إذا لم يكن وطنه، وأن من رجع بعد أن سافر مسافة القصر يقصر على القول الراجح الذي رجع إليه مالك؛ وعلى القول المرجوع عنه يتم ويقصر هنا على مقابل المشهور في المسألة الأولى من باب أولى. انتهى. وقال الرماصي: الصواب قول الحطاب الوجب للقصر في المسألة المستثناة الرجوع بعد مسافة القصر. وقال الشيخ الأمير: وقصر ذو نسك رجع لوطنه من دون المسافة لا راجع لدونها ولو لحاجة بغير وطنه الأصلي، فإن رجع بعدها قصر في رجوعه، كإقامته إن كان بغير وطنه ولم ينو إقامة أربعة أيام؛ وهو معنى قول الأصل: "إلا متوطن كمكة رفض سكناها ورجع ناويا السفر" انتهى. ولنذكر هنا نازلة وهي: أن قوما نووا قطع مسافة القصر وعزموا عليها، فلما ساروا دون المسافة كميل أو أكثر مثلا تغير عزمهم وصاروا طالبي رعي؟ وأجاب بعض الناس بأنهم يستمرون على قصرهم، محتجا بما قاله الشبراخيتي والزرقاني تبعا للشيخ علي الأجهوري: أن من رجع لمحل إقامته بعد أن نوى مسافة القصر يستمر على قصره، سواء رجع بعد قطع المسافة، أو قبله وبعد وصوله لمبدإ القصر ففي الشبراخيتي: ويحتمل أن يكون أشار به؛ يعني قول المصنف: "إلا متوطن كمكة" الخ إلى أن من رفض سكنى وطنه ثم رجع له غير ناو الإقامة القاطعة -وقد كان خروجه منه لسفر قصر- فإنه يقصر، سواء كان رجوعه له بعد ما بلغ مسافة القصر أو قبله، وبعد وصوله لمبدإ القصر. وحينئذ فقوله: "رفض سكناها"، في محله، ثم إنه إنما يعتبر حيث مات أهله به. قال: وأما قوله: ورجع ناريا السفر؛ أي والحال أنه رجع ناويا السفر من المحل الذي رفض سكناه، فليس بصواب على هذا الاحتمال، والصواب: ورجع غير ناو الإقامة، والمراد بالأهل في

стр. 1402

هذا المحل: الزوجة. انتهى. وفي كلام الشيخ عبد الباقي: أن دخول البلد والوطن يقطع حكم السفر، ولو دخل ناويا السفر حيث لم يرفض سكناهما، وأن دخول محل الإقامة لا يقطعه إلا إن نوى به إقامة تقطع، وفيه عند قوله: "ورجع ناويا السفر"، رجع بعد سير مسافة أو قبلها، وبعد وصوله مبدأ قصرها ناويا السفر، أو لا نية له، فالمراد: غير ناو إقامة بها تقطع حكم السفر، فيقصر في رجوعه لها، وفي إقامته بها إقامة غير قاطعة. انتهى. والذي يظهر لي في النازلة المذكورة أنهم يتمون لقول الباجي: من عزم على سير أربعة برد فحكمه القصر، ولا يخرج عن ذلك إلا بتغير عزمه. انتهى. نقله الحطاب عند قول المصنف: "ولو ببحر". ولقول الحطاب والرماصي والخرشي والأمير: إن محل القصر في قوله: "إلا متوطن كمكة" الخ، حيث رجع بعد قطع مسافة القصر، وأما فتوى بعض الناس بالقصر تبعا للأجهوري والشبراخيتي والزرقاني، فلا شك أن كلامهم يفيد أنه يقصر وإن لم يكن صريحا فيه. وقال الشيخ بناني: إن الصواب ما قاله الأجهوري ومن تبعه لقول ابن يونس ولو أنه إذا نوى المقام فأتم خرج إلى بقية سفره وفيه أربعة برد، فلما سافر عنها ميلين رجع إليها لحاجة فليقصر هذا في رجوعه وفي دخوله حتى ينوي المقام بما يتم فيه الصلاة، إلا أن يكون فيها أهله وهو الذي آخذ به من اختلاف قول مالك في هذا، وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ. انتهى. ابن يونس: يريد الاختلاف الذي جرى لمالك في مسألة مكة. انتهى. وتأمل ما نقله الشيخ بناني، فإنه إنما يفيد القصر فيما إذا رجع لدون مسافة القصر حيث كان ناويا السفر لقوله ورجع إليها لحاجة؛ فإن معناه أنه باق على نية السفر، كما في الحطاب. والله سبحانه أعلم. وقال ابن عرفة: محمد: من خرج مما أتم به لإقامة الأربعة لباقي سفره الطويل، فرجع بعد اليلين لحاجة المختار من قولي مالك قصره كابن القاسم وأصبغ. انتهى. وتأمل قوله: فرجع بعد الميلين لحاجة، فإنه يفيد أثه باق على نية السفر. والله سبحانه أعلم. ومسألة مكة التي جرى لمالك الخلاف فيها هي قولها: ومن دخل مكة فأقام بها بضعة عشر يوما فأوطنها، ثم أراد أن يخرج إلى الجحفة ثم يعود إلى مكة ويقيم بها اليوم واليومين ثم يخرج منها،

стр. 1403

فقال مالك: يتم في يوميه، ثم قال: يقصر. قال ابن القاسم: وهو أحب إلي، وعليها حمل المواق والحطاب وغيرهما المصنف، وعليها حمله الرماصي، لكن اعترض قول المصنف: "رفض سكناها"؛ بأنه لا حاجة إليه، وليس في المدونة ولا في غيرها ولا فائدة فيه، ولا حاجة إليه في الفرض المذكور. وقال الشيخ بناني: الظاهر حمل المصنف على مسألة ابن المواز؛ وهي إذا خرج من وطن سكناه لموضع تقصر فيه الصلاة رافضا سكنى وطنه، ثم رجع غير ناو الإقامة فيه فإنه يقصر، فإن لم يرفض سكناه أتم. قاله ابن المواز، ونقله الرماصي وغيره. وحينئذ يكون التوطن على حقيقته، ويكون قوله: "رفض سكناها"، شرطا معتبرا. انتهى. وقطعه دخول وطنه؛ يعني أن دخول الوطن يقطع حكم القصر، فالمسافر إذا دخل وطنه يجب عليه أن يتم صلاته، والفرق بين هذه والتي قبلها أن الدخول في هذى دخول ناشئ عن المرور، والدخول في تلك ناشئ عن الرجوع -كما مر- أو مكان زوجة دخل بها؛ يعني أن المسافر ينقطع حكم سفره إذا دخل مكان زوجة دخل بها، ومثلها السرية، وأم الولد. فقوله: فقط، راجع لقوله: "دخل بها"، واحترز به عن غير المدخول بها فلا تقطع حكم السفر، قال الدرديري. ويحتمل أنه راجع للزوجة يحترز به عن الأقارب كأم وأب. انتهى. واعلم أن مكان الزوجة والسرية وأم الولد ملحق بالوطن، فقد ذكر ابن عبد السلام عن الفقهاء أنهم يقولون، يتنزل منزلة الوطن موضع الزوجة المدخول بها والسرية؛ يريدون إن لم يكثر سكناه عندهما. انتهى، قاله الإمام الحطاب. وعلم مما مر عن الشيخ إبراهيم أن دخول مكان الزوجة والوطن إنما كان قاطعا؛ لأنه مظنة الإقامة القاطعة. وإن بريح غالبة؛ يعني أن دخول الوطن أو مكان زوجة دخل بها ونحوها يقطع حكم السفر، ولا فرق في ذلك بين أن يدخله طائعا وبين أن يدخله مغلوبا بريح من بحر سافر فيه. وقال الشيخ الأمير: وقطعه دخول وطنه أو مكان زوجة بنى بها أو سرية مر بهما، ولا عبرة بزوجة ناشزة وإن بغلبة ريح، ثم اعتبر ما بعده منفردا. وقال الحطاب: قول ابن غازي الراد بالدخول في الثانية: المرور غير ظاهر لاقتضائه أن مطلق الرور بالوطن يقطع حكم السفر ولو حاذاه ولم يدخله، وليس كذلك، كما اعترض ذلك في التوضيح على ابن الحاجب، وقال: إنما يقطع المرور بشرط دخوله أو

стр. 1404

نية دخوله لا إن اجتاز. وقد تقدم ما يفيد الجواب عن ابن غازي من أن معنى ذلك الدخول الناشئ عن الرجوع، على أن الرماصي نقل عن أبي الحسن وابن يونس وابن عرفة ما يشهد لابن الحاجب في اعتبار المرور، ونص ابن عرفة: محمد: ومروره بوطنه مجتازا به لغيره كسفر منه إليه وهو مسكنه، أو ما به سرية يسكن إليها، أو زوجة بنى بها لا ماله وولده. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي التوضيح بعد كلام: وحاصله إن استوطن محلا فهو وطن سواء كان عزبا أو غيره، فإن لم يستوطنه، فإن كان به زوجة مدخول بها فوطن، وإلا فلا. انتهى. ونية دخوله وليس بينه وبينه المسافة؛ يعني أنه ينقطع حكم السفر بنية دخول ما سبق من بلد، ووطن، ومكان زوجة، وليس بينه؛ أي بين محل النية الحاصلة في ابتداء سفره، وبين المكان المنوي دخوله مسافة القصر. هذا ما قرره به الحطاب. وصواب العبارة على هذا: ومنعه لا قطعه؛ إذ لم يصح له حكم السفر حتى ينقطع، ويصح تقرير المصنف بأن المراد بالنية النية الحادثة في أثناء السفر، ومعنى ذلك أن يكون بين ابتداء السفر والوطن مثلا أقل من المسافة، ونوى في أثناء المسافة دخول وطنه؛ فإنه ينقطع حكم سفره بنية دخوله. وحاصل المسألة أن الصور أربع: إحْدَاهَا: أن يكون بين ابتداء سفره ووطنه المسافة، ونوى في أثنائها دخوله، فهذه محل قصر باتفاق كما يدل عليه كلام الحطاب وغيره، وكلام الرماصي يدل على أن هذه هي محل الخلاف الآتي، ويرده كلام المقدمات الذي نقله هو وكلام التوضيح. الثانية: أن يكون بين ابتداء سفره والمكان القاطع أقل من المسافة ونوى في الأثناء دخوله، وهذه حكى فيها في التوضيح قولين: القصر لسحنون، والإتمام لغيره، وهي التي تقدم أنه يصح حمل كلام المصنف عليها. والثالثة، والرابعة أن ينوي دخوله في ابتداء سفره فيهما، وحكمهما واضح؛ لأن إحداهما تقدم تقرير المصنف بها، وصواب العبارة عليه: ومنعه، والأخرى واضحة. وللشيخ محمد بن الحسن: عن ابن عرفة: الصور أربع: إن استقل ما قبل وطنه وما بعده فواضح، وعكسه، والمجموع مستقل إن نوى دخوله أتم، فإن رجع لتركه اعتبر ما بقي، وإن لم ينو

стр. 1405

دخوله قصر؛ فإن نواه بعد سيره شيئا ففي قصره قولا سحنون وغيره، ولو استقل ما قبل وطنه وقصر ما بعده، أتم فيما بعده لا فيما قبله، وعكسه عكسه. واعلم أن حكم الفطر كحكم القصر وفاقا وخلافا، فما يقطع حكم القصر ويوجب الإتمام كنية إقامة أربعة أيام صحاح، يقطع حكم الفطر؛ أي يمنع الفطر في رمضان، وما لا، فلا. قاله الشبراخيتي. ونية إقامة أربعة أيام صحاح؛ يعني أن حكم السفر يقطعه نية إقامة أربعة أيام صحاح؛ أي تامة؛ بأن يدخل محل الإقامة قبل الفجر، ولا يرتحل إلا بعد ضروب الرابع، ومفهوم قوله: "صحاح"، أنه يلغى يوم الدخول المسبوق بالفجر: ريوم الخروج؛ أي الذي ارتحل فيه قبل غروب الشمس. قال الشبراخيتي: قوله: "صحاح"، بأن يدخل قبل الفجر. ويرتحل بعد غروب الرابع، ولا يعتبر عشرون صلاة على المذهب. وقوله: "صحاح"، رد به على ابن نافع القائل بالتلفيق، وعلى ابن الماجشون القائل باشتراط عشرين صلاة. انتهى. وللشيخ عبد الباقي: ونية إقامة أربعة أيام صحاح مع وجوب عشرين صلاة في مدة الإقامة التي نواها، فمن دخل قبل فجر السبت -مثلا - ونوى أن يقيم إلى غروب يوم الثلاثاء ويخرج قبل العشاء لم ينقطع عنه حكم السفر؛ لأنه لم يجب عليه في هذه المدة عشرون صلاة، فإن نوى الإقامة لدخول وقت العشاء، انقطع حكم السفر صلاها أم لا، فلذا عبرنا بوجوب دون فعل. انتهى. ونحوه للشيخ إبراهيم عن شرح الشيخ علي الأجهوري بعد أن نقل عنه في الحاشية ما تقدم، قال: وهذا ظاهر على ما في الواضحة من أن حكم القصر ينقطع بنية إقامة عشرين صلاة من أربعة أيام وأربع ليال، وأما على ما في المدونة والتلقين والمعونة وغيرهن من أن الذي يقطع حكم السفر نية إقامة أربعة أيام صحاح بلياليهن، فإنما يكون ذلك لمن دخل بعد غروب يوم الجمعة مثلا، وقبل عشائها على أن يخرج بعد غروب يوم الثلاثاء. انتهى ودَعَّم الشيخ الحطاب أن الذي يقطع حكم السفر نية أربعة أيام مع وجوب عشرين صلاة وما ذكره المص من أن نية إقامة أربعة أيام تقطع حكم السفر، هو الذي ذهب إليه مالك، والشافعي، وأبو ثور، وداوود، وجماعة. وقال الثوري وأبو حنيفة: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم، ودونها قصر. وروي مثله عن ابن عمر وابن عباس، قال الطحاوي: ولا مخالف لهما من الصحابة، وقيل غير ذلك. نقله سيدي محمد بن عبد الباقي.
следующие страницы →