← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

إلا متوطن كمكة رفض سكاناها؛ يعني أن محل قطع دخول البلد للقصر إنما هو حيث لم يرفض الداخل له سكناه، وأما إن دخله رافضا سكناه بعد قطع المسافة فإنه لا يقطع حكم سفره، ودخل "بالكاف" كل بلد، وإنما نص على مكة تبركا بذكرها، أعزها الله تعالى. قال الإمام الحطاب بعد جلب أنقال: والحاصل أن من رجع من دون مسافة القصر أتم الصلاة على المشهور. ولو كان باقيا على نية السفر، بأن يكون إنما رجع لحاجة، أو ردته الريح، ومقابل المشهور أنه يقصر إن كانت نيته باقية على السفر في رجوعه. وفي البلد الذي خرج منه إذا لم يكن وطنه، وأن من رجع بعد أن سافر مسافة القصر يقصر على القول الراجح الذي رجع إليه مالك؛ وعلى القول المرجوع عنه يتم ويقصر هنا على مقابل المشهور في المسألة الأولى من باب أولى. انتهى. وقال الرماصي: الصواب قول الحطاب الوجب للقصر في المسألة المستثناة الرجوع بعد مسافة القصر. وقال الشيخ الأمير: وقصر ذو نسك رجع لوطنه من دون المسافة لا راجع لدونها ولو لحاجة بغير وطنه الأصلي، فإن رجع بعدها قصر في رجوعه، كإقامته إن كان بغير وطنه ولم ينو إقامة أربعة أيام؛ وهو معنى قول الأصل: "إلا متوطن كمكة رفض سكناها ورجع ناويا السفر" انتهى. ولنذكر هنا نازلة وهي: أن قوما نووا قطع مسافة القصر وعزموا عليها، فلما ساروا دون المسافة كميل أو أكثر مثلا تغير عزمهم وصاروا طالبي رعي؟ وأجاب بعض الناس بأنهم يستمرون على قصرهم، محتجا بما قاله الشبراخيتي والزرقاني تبعا للشيخ علي الأجهوري: أن من رجع لمحل إقامته بعد أن نوى مسافة القصر يستمر على قصره، سواء رجع بعد قطع المسافة، أو قبله وبعد وصوله لمبدإ القصر ففي الشبراخيتي: ويحتمل أن يكون أشار به؛ يعني قول المصنف: "إلا متوطن كمكة" الخ إلى أن من رفض سكنى وطنه ثم رجع له غير ناو الإقامة القاطعة -وقد كان خروجه منه لسفر قصر- فإنه يقصر، سواء كان رجوعه له بعد ما بلغ مسافة القصر أو قبله، وبعد وصوله لمبدإ القصر. وحينئذ فقوله: "رفض سكناها"، في محله، ثم إنه إنما يعتبر حيث مات أهله به. قال: وأما قوله: ورجع ناريا السفر؛ أي والحال أنه رجع ناويا السفر من المحل الذي رفض سكناه، فليس بصواب على هذا الاحتمال، والصواب: ورجع غير ناو الإقامة، والمراد بالأهل في

стр. 1402

هذا المحل: الزوجة. انتهى. وفي كلام الشيخ عبد الباقي: أن دخول البلد والوطن يقطع حكم السفر، ولو دخل ناويا السفر حيث لم يرفض سكناهما، وأن دخول محل الإقامة لا يقطعه إلا إن نوى به إقامة تقطع، وفيه عند قوله: "ورجع ناويا السفر"، رجع بعد سير مسافة أو قبلها، وبعد وصوله مبدأ قصرها ناويا السفر، أو لا نية له، فالمراد: غير ناو إقامة بها تقطع حكم السفر، فيقصر في رجوعه لها، وفي إقامته بها إقامة غير قاطعة. انتهى. والذي يظهر لي في النازلة المذكورة أنهم يتمون لقول الباجي: من عزم على سير أربعة برد فحكمه القصر، ولا يخرج عن ذلك إلا بتغير عزمه. انتهى. نقله الحطاب عند قول المصنف: "ولو ببحر". ولقول الحطاب والرماصي والخرشي والأمير: إن محل القصر في قوله: "إلا متوطن كمكة" الخ، حيث رجع بعد قطع مسافة القصر، وأما فتوى بعض الناس بالقصر تبعا للأجهوري والشبراخيتي والزرقاني، فلا شك أن كلامهم يفيد أنه يقصر وإن لم يكن صريحا فيه. وقال الشيخ بناني: إن الصواب ما قاله الأجهوري ومن تبعه لقول ابن يونس ولو أنه إذا نوى المقام فأتم خرج إلى بقية سفره وفيه أربعة برد، فلما سافر عنها ميلين رجع إليها لحاجة فليقصر هذا في رجوعه وفي دخوله حتى ينوي المقام بما يتم فيه الصلاة، إلا أن يكون فيها أهله وهو الذي آخذ به من اختلاف قول مالك في هذا، وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ. انتهى. ابن يونس: يريد الاختلاف الذي جرى لمالك في مسألة مكة. انتهى. وتأمل ما نقله الشيخ بناني، فإنه إنما يفيد القصر فيما إذا رجع لدون مسافة القصر حيث كان ناويا السفر لقوله ورجع إليها لحاجة؛ فإن معناه أنه باق على نية السفر، كما في الحطاب. والله سبحانه أعلم. وقال ابن عرفة: محمد: من خرج مما أتم به لإقامة الأربعة لباقي سفره الطويل، فرجع بعد اليلين لحاجة المختار من قولي مالك قصره كابن القاسم وأصبغ. انتهى. وتأمل قوله: فرجع بعد الميلين لحاجة، فإنه يفيد أثه باق على نية السفر. والله سبحانه أعلم. ومسألة مكة التي جرى لمالك الخلاف فيها هي قولها: ومن دخل مكة فأقام بها بضعة عشر يوما فأوطنها، ثم أراد أن يخرج إلى الجحفة ثم يعود إلى مكة ويقيم بها اليوم واليومين ثم يخرج منها،

стр. 1403

فقال مالك: يتم في يوميه، ثم قال: يقصر. قال ابن القاسم: وهو أحب إلي، وعليها حمل المواق والحطاب وغيرهما المصنف، وعليها حمله الرماصي، لكن اعترض قول المصنف: "رفض سكناها"؛ بأنه لا حاجة إليه، وليس في المدونة ولا في غيرها ولا فائدة فيه، ولا حاجة إليه في الفرض المذكور. وقال الشيخ بناني: الظاهر حمل المصنف على مسألة ابن المواز؛ وهي إذا خرج من وطن سكناه لموضع تقصر فيه الصلاة رافضا سكنى وطنه، ثم رجع غير ناو الإقامة فيه فإنه يقصر، فإن لم يرفض سكناه أتم. قاله ابن المواز، ونقله الرماصي وغيره. وحينئذ يكون التوطن على حقيقته، ويكون قوله: "رفض سكناها"، شرطا معتبرا. انتهى. وقطعه دخول وطنه؛ يعني أن دخول الوطن يقطع حكم القصر، فالمسافر إذا دخل وطنه يجب عليه أن يتم صلاته، والفرق بين هذه والتي قبلها أن الدخول في هذى دخول ناشئ عن المرور، والدخول في تلك ناشئ عن الرجوع -كما مر- أو مكان زوجة دخل بها؛ يعني أن المسافر ينقطع حكم سفره إذا دخل مكان زوجة دخل بها، ومثلها السرية، وأم الولد. فقوله: فقط، راجع لقوله: "دخل بها"، واحترز به عن غير المدخول بها فلا تقطع حكم السفر، قال الدرديري. ويحتمل أنه راجع للزوجة يحترز به عن الأقارب كأم وأب. انتهى. واعلم أن مكان الزوجة والسرية وأم الولد ملحق بالوطن، فقد ذكر ابن عبد السلام عن الفقهاء أنهم يقولون، يتنزل منزلة الوطن موضع الزوجة المدخول بها والسرية؛ يريدون إن لم يكثر سكناه عندهما. انتهى، قاله الإمام الحطاب. وعلم مما مر عن الشيخ إبراهيم أن دخول مكان الزوجة والوطن إنما كان قاطعا؛ لأنه مظنة الإقامة القاطعة. وإن بريح غالبة؛ يعني أن دخول الوطن أو مكان زوجة دخل بها ونحوها يقطع حكم السفر، ولا فرق في ذلك بين أن يدخله طائعا وبين أن يدخله مغلوبا بريح من بحر سافر فيه. وقال الشيخ الأمير: وقطعه دخول وطنه أو مكان زوجة بنى بها أو سرية مر بهما، ولا عبرة بزوجة ناشزة وإن بغلبة ريح، ثم اعتبر ما بعده منفردا. وقال الحطاب: قول ابن غازي الراد بالدخول في الثانية: المرور غير ظاهر لاقتضائه أن مطلق الرور بالوطن يقطع حكم السفر ولو حاذاه ولم يدخله، وليس كذلك، كما اعترض ذلك في التوضيح على ابن الحاجب، وقال: إنما يقطع المرور بشرط دخوله أو

стр. 1404

نية دخوله لا إن اجتاز. وقد تقدم ما يفيد الجواب عن ابن غازي من أن معنى ذلك الدخول الناشئ عن الرجوع، على أن الرماصي نقل عن أبي الحسن وابن يونس وابن عرفة ما يشهد لابن الحاجب في اعتبار المرور، ونص ابن عرفة: محمد: ومروره بوطنه مجتازا به لغيره كسفر منه إليه وهو مسكنه، أو ما به سرية يسكن إليها، أو زوجة بنى بها لا ماله وولده. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي التوضيح بعد كلام: وحاصله إن استوطن محلا فهو وطن سواء كان عزبا أو غيره، فإن لم يستوطنه، فإن كان به زوجة مدخول بها فوطن، وإلا فلا. انتهى. ونية دخوله وليس بينه وبينه المسافة؛ يعني أنه ينقطع حكم السفر بنية دخول ما سبق من بلد، ووطن، ومكان زوجة، وليس بينه؛ أي بين محل النية الحاصلة في ابتداء سفره، وبين المكان المنوي دخوله مسافة القصر. هذا ما قرره به الحطاب. وصواب العبارة على هذا: ومنعه لا قطعه؛ إذ لم يصح له حكم السفر حتى ينقطع، ويصح تقرير المصنف بأن المراد بالنية النية الحادثة في أثناء السفر، ومعنى ذلك أن يكون بين ابتداء السفر والوطن مثلا أقل من المسافة، ونوى في أثناء المسافة دخول وطنه؛ فإنه ينقطع حكم سفره بنية دخوله. وحاصل المسألة أن الصور أربع: إحْدَاهَا: أن يكون بين ابتداء سفره ووطنه المسافة، ونوى في أثنائها دخوله، فهذه محل قصر باتفاق كما يدل عليه كلام الحطاب وغيره، وكلام الرماصي يدل على أن هذه هي محل الخلاف الآتي، ويرده كلام المقدمات الذي نقله هو وكلام التوضيح. الثانية: أن يكون بين ابتداء سفره والمكان القاطع أقل من المسافة ونوى في الأثناء دخوله، وهذه حكى فيها في التوضيح قولين: القصر لسحنون، والإتمام لغيره، وهي التي تقدم أنه يصح حمل كلام المصنف عليها. والثالثة، والرابعة أن ينوي دخوله في ابتداء سفره فيهما، وحكمهما واضح؛ لأن إحداهما تقدم تقرير المصنف بها، وصواب العبارة عليه: ومنعه، والأخرى واضحة. وللشيخ محمد بن الحسن: عن ابن عرفة: الصور أربع: إن استقل ما قبل وطنه وما بعده فواضح، وعكسه، والمجموع مستقل إن نوى دخوله أتم، فإن رجع لتركه اعتبر ما بقي، وإن لم ينو

стр. 1405

دخوله قصر؛ فإن نواه بعد سيره شيئا ففي قصره قولا سحنون وغيره، ولو استقل ما قبل وطنه وقصر ما بعده، أتم فيما بعده لا فيما قبله، وعكسه عكسه. واعلم أن حكم الفطر كحكم القصر وفاقا وخلافا، فما يقطع حكم القصر ويوجب الإتمام كنية إقامة أربعة أيام صحاح، يقطع حكم الفطر؛ أي يمنع الفطر في رمضان، وما لا، فلا. قاله الشبراخيتي. ونية إقامة أربعة أيام صحاح؛ يعني أن حكم السفر يقطعه نية إقامة أربعة أيام صحاح؛ أي تامة؛ بأن يدخل محل الإقامة قبل الفجر، ولا يرتحل إلا بعد ضروب الرابع، ومفهوم قوله: "صحاح"، أنه يلغى يوم الدخول المسبوق بالفجر: ريوم الخروج؛ أي الذي ارتحل فيه قبل غروب الشمس. قال الشبراخيتي: قوله: "صحاح"، بأن يدخل قبل الفجر. ويرتحل بعد غروب الرابع، ولا يعتبر عشرون صلاة على المذهب. وقوله: "صحاح"، رد به على ابن نافع القائل بالتلفيق، وعلى ابن الماجشون القائل باشتراط عشرين صلاة. انتهى. وللشيخ عبد الباقي: ونية إقامة أربعة أيام صحاح مع وجوب عشرين صلاة في مدة الإقامة التي نواها، فمن دخل قبل فجر السبت -مثلا - ونوى أن يقيم إلى غروب يوم الثلاثاء ويخرج قبل العشاء لم ينقطع عنه حكم السفر؛ لأنه لم يجب عليه في هذه المدة عشرون صلاة، فإن نوى الإقامة لدخول وقت العشاء، انقطع حكم السفر صلاها أم لا، فلذا عبرنا بوجوب دون فعل. انتهى. ونحوه للشيخ إبراهيم عن شرح الشيخ علي الأجهوري بعد أن نقل عنه في الحاشية ما تقدم، قال: وهذا ظاهر على ما في الواضحة من أن حكم القصر ينقطع بنية إقامة عشرين صلاة من أربعة أيام وأربع ليال، وأما على ما في المدونة والتلقين والمعونة وغيرهن من أن الذي يقطع حكم السفر نية إقامة أربعة أيام صحاح بلياليهن، فإنما يكون ذلك لمن دخل بعد غروب يوم الجمعة مثلا، وقبل عشائها على أن يخرج بعد غروب يوم الثلاثاء. انتهى ودَعَّم الشيخ الحطاب أن الذي يقطع حكم السفر نية أربعة أيام مع وجوب عشرين صلاة وما ذكره المص من أن نية إقامة أربعة أيام تقطع حكم السفر، هو الذي ذهب إليه مالك، والشافعي، وأبو ثور، وداوود، وجماعة. وقال الثوري وأبو حنيفة: إذا نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم، ودونها قصر. وروي مثله عن ابن عمر وابن عباس، قال الطحاوي: ولا مخالف لهما من الصحابة، وقيل غير ذلك. نقله سيدي محمد بن عبد الباقي.

стр. 1406

تنبيهان: الأول: من عزم بعد نية إقامة أربعة أيام على السفر، فقال سحنون: لا يقصر حتى يظعن كالابتداء، وقال ابن حبيب: يقصر دفعا للنية بالنية. نقله في التوضيح، وابن عرفة، وصاحب الطراز، وابن ناجي في شرح المدونة، وزاد فقال والذي أقول به هو الأول الذي شاهدت شيخنا يفتي به، وابن ناجي إذا قال: شيخنا يريد به البرزلي. الثاني: قال ابن ناجي: ولو نوى المسافر أن يقيم بموضع قبل أن يصل إليه، ثم رجعت نيته قبل أن يصل إليه، فإنه يقصر. قاله في المقدمات. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وبالغ على قطع حكم السفر إن نوى إقامة أربعة أيام بقوله: ولو بخلاله؛ يعني أن نية إقامة الأربعة المذكورة تقطع حكم السفر سواء حدثت في خلال السفر أي أثنائه، أو في آخره. ودفع بهذا ما يتوهم من أن نية الإقامة إنما تؤثر إذا كانت في آخر السفر، وأما إن كانت في أثنائه فلا أثر لها؛ لأنها حينئذ كأنها لا أثر لها. ويحتمل أن يكون المصنف نبه بهذا على أن من خرج لسفر طويل ناويا لسير ما لا تقصر فيه الصلاة، ويقيم أربعة أيام، ثم يسير ما بقي من المسافة، فلا شك أنه يتم في مقامه. واختلف هل يتم في مسيره؟ قاله ابن عبد السلام. نقله الشيخ بناني. قال: وعلى هذا يكون الخلاف المشار إليه "بلو" في كلام المصنف محله في المسافة القصيرة المتوسطة بين مبدإ السفر ومحل الإقامة، وبينه وبين منتهاه لا نفس محل الإقامة كما يتبادر من عبارته، وما اقتصر عليه المصنف هو قول ابن المواز وابن القاسم في العتبية، وصدر به ابن شأس، وصححه ابن الحاجب، ومقابله لسحنون وابن الماجشون، ورجحه ابن يونس كما في المواق. والظاهر الاحتمال الأول؛ لأن هذا هو مفهوم قوله: قصدت دفعة. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير عن شرح المنهج في خبر: (يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا (١)) وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار رواهما الشيخان: فالترخيص بثلاثة يدل على بقاء حكم السفر فيها، وفي معنى الثلاثة ما دون الأربعة. انتهى.

стр. 1407

إلا العسكر؛ يعني أن العسكر أي الجيش ينوي إقامة أربعة أيام صحاح فأكثر؛ وهو بدار الحرب؛ أي دار الكفار الحربيين لا يزالون يقصرون، ومثل دار الحرب دار الإسلام حيث لا أمن. وقوله: "إلا العسكر"، قال اللخمي: إلا أن يكون العسكر العظيم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: (وقد أقام ﷺ في حصار الطائف سبع عشرة ليلة، وبتبوك عشرين يقصر (١)). وبما قررت علم أن الاستثناء من قوله: "ونية إقامة أربعة أيام صحاح" أو العلم بها عادة؛ يعني أن حكم السفر يقطعه العلم بإقامة أربعة أيام بحسب العادة، ولو لم ينوها، كما علم من عادة الحاج إذا دخل مكة أن يقيم أربعة أيام. وقوله: "أو العلم"، احترز به عن الشك فيها، فيستمر على قصره؛ لأن من خوطب بالقصر لا ينتقل للإتمام بأمر مشكوك فيه، كما أن من خوطب بالإتمام لا ينتقل للقصر بمشكوك فيه، وسيأتي مزيد كلام على هذا عند قوله: "وإن بآخر سفره". لا الإقامة؛ يعني أن الإقامة المتجردة عن نية إقامة أربعة أيام فأكثر لا تقطع حكم السفر، وإن تأخَّرَت؛ يعني أن الإقامة العارية عن النية المذكورة لا تقطع حكم السفر وإن كثرت، وهذا نحو قول الباجي: وإن كثرت الإقامة. وفي بعض النسخ: وإن بآخر سفره بالباء الوحدة، وهو نحو قول ابن الحاجب: ولو في منتهى سفره؛ واعترضه ابن عرفة برواية اللخمي عن مالك: من قدم بلد البيع لتجر شاكا في قدر مقامه أتم؛ لأن رجوعه ابتداء سفر، إلا أن يعلم رجوعه قبل الأربعة، خلاف قول ابن الحاجب: إن لم ينو أربعة قصر في غير وطنه. نقله الحطاب. ومثله في المعيار، قال: وقد وقع الغلط في هذه المسألة لكثير فنقلوها على غير وجهها، ومن نوازل ابن طركاك (٢): سئل الأستاذ أبو القاسم ابن سراج عن المسافر في البلد الذي لا يدري كم يجلس، هل يبقى على قصره أم لا؟ فأجاب: إن كان في أثناء سفره قصر مدة بقائه فيه، وإن كان في منتهاه أتم. اهـ. وذكر نحوه أيضا في أجوبة ابن لب. والله أعلم. قال الحطاب: ويمكن أن يقال إن كلام ابن

стр. 1408

الحاجب، والمصنف، وصاحب الطراز فيمن كان الغالب على ظنه نجاز حاجته قبل الأربعة، وكلام اللخمي في الشاك، أو المتوهم. انتهى. وإن نواها بصلاة شفع؛ يعني أن المسافر إذا أحرم بالصلاة بنية القصر، ثم إنه نوى الإقامة القاطعة للسفر في أثناء صلاته هذه بعد ما عقد ركعة، فإنه يشفعها أي يندب له أن يضيف لها أخرى. وتكون نافلة. وبطلت المكتوبة لاختلاف النية، وأما لو نوى الإقامة قبل عقد ركعة لقطع على المعتمد، ومثل نية الإقامة المذكورة ما إذا أدخلته الريح وهو بالصلاة مكانا يقطع دخوله حكم السفر. كما قاله غير واحد. ولم تجز؛ يعني أن هذه الصلاة التي نوى فيها المسافر الإقامة القاطعة لا تجزئه عن الصلاة المكتوبة على كل حال، فلا تجزئه إن صلاها حضرية؛ لعدم دخوله عليها. وكذا، لا تجزئه إن صلاها سفرية، لتغير النية أثناءها، ويبتدئها حضرية وجوبا. وأما لو خالف السنة ابتداء عند الإحرام، ونواها حضرية، ثم نوى الإقامة أثناءها، فإنها تجزئ حضرية، وهذه أولى من ابتدائها حضرية مخالفا لسنته، ولم ينو الإقامة في أثنائها. قاله الشيخ عبد الباقي. وبعدها أعاد في الوقت؛ يعني أن المسافر إذا نوى الإقامة القاطعة للسفر بعد أن صلى صلاته السفرية؛ أي عقب فرإغه منها، فإنه يعيدها في الوقت المختار ندبا حضرية، واستشكلت الإعادة بأن نية الإقامة طارئة بعد كمال الصلاة بشرائطها، فالجاري على أصل الذهب عدم الإعادة. وأجاب المصنف كابن عبد السلام بأن نية الإقامة عادة لابد لها من تَرَوِّ، فإذا جزم بها بعد الصلاة فلعل مبدأ نيته كان فيها، فاحتيط لذلك بالإعادة في الوقت، وأجاب بعض شيوخ المازري أيضا بأنه أعاد لرعْي تعلق الوجوب بآخر وقتها. وإن اقتدى مقيم به فكل على سنته؛ يعني أن المقيم إذا إِقتدى بالمسافر، فإن كلا منهما يكون على سنته أي شرعه في ذلك وطريقته، فيسلم الإمام المسافر من ركعتين، ويأتي المأموم المقيم بعده بما بقي عليه. وكره؛ يعني أن اقتداء المقيم بالمسافر مكروه. قال الشيخ عبد الباقي: إلا أن يكون ذا سن أو فضل، فلا كراهه. انتهى.

стр. 1409

كعكسه؛ يعني أن اقتداء المسافر بالمقيم مكروه، قال الشيخ عبد الباقي: إلا أن يكون ذا سن، أو فضل: أو رب منزل. انتنهى. وقوله: إلا أن يكون ذا فضل أو سن الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: هكذا في سماع ابن القاسم وأشهب، وذكره ابن رشد كأنه المذهب، ونقله المواق والحطاب على وجه يقتضي اعتماده، وذكر الرماصي أن المعتمد الكراهة على الإطلاق، واستدل بكلام ابن عرفة، دليل له فيه. انتهى. ونص السماع الذي أشار إليه على ما نقله الحطاب: سمعت مالكا قال: لا (١) ينبغي لقوم سفر أن يقدموا مقيما يتم بهم الصلاة، لكن يتمون الصلاة، فإن صلى بهم فصلاتهم جائزة، لكن إن قدموه لسنه، أو لفضيلة أو لأنه صاحب المنزل فيأتموا به صلاة المقيم. انتهى. وفي الشبراخيتي وغيره عند قوله: "كعكسه": وهو اقتداء المسافر بالمقيم، فيكرد ولو بأحد المساجد الثلاثة، أو مع الإمام الأكبر إلا أن يكون المقيم ذا سن أو فضل أو رب منزل، فالأفضل للمسافر أن يقدم من ذكر. انتهى. قال الشبراخيتي: ويجري مثله في اقتداء المقيم بالمسافر إلا أنه لا يتأتى فيها أن يكون المسافر رب منزل. انتهى. وقال الشيخ ميارة: حكى بعضهم في اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه ثلاثة أقوال: الكراهة فيهما، والجواز فيهما: وجواز اقتداء المقيم بالمسافر وكراهة العكس والمعروف الأول. ابن حبيب: اجتمعت رواة مالك على أنه إذا اجتمع مسافرون ومقيمون: أنه يصلي بالقيمين مقيم، وبالمسافرين مسافر، إلا في المساجد الكبار التي يصلي فيها الأئمة، قال الإمام المازري: يعني الأمراء، فإن الإمام يُصلى بصلاته، فإن كان مقيما أتم معه المسافرون، وإن كان مسافرا أتم من خلفه من المقيمين. وتأكد يعني أنه يتأكد الكره في مسألة العكس؛ وهي اقتداء المسافر بالمقيم عن التي قبلها؛ وهي اقتداء المقيم بالمسافر، وإنما تأكد الكره في الأخيرة عن الأولى لمخالفة المأموم لسنة القصر؛ إذ يلزمه الإتمام تبعا لإمامه: كما أشار إلى ذلك بقوله: وتبعه يعني أن المسافر إذا اقتدى بالمقيم فإنه

стр. 1410

يلزمه الانتقال إلى الإتمام، فيتم صلاته وجوبا، فإن لم يتمها بطلت لعدم اتباعه لإمامه، وهذا الذي ذكره المصنف من لزوم اتباع المسافر لإمامه المقيم هو قول ابن القاسم، وروايته في المدونة. سند: وقال أشهب: ينتظره حتى يسلم. وقد حكى ابن الحاجب في اقتداء المسافر بالمقيم على القول بفرضية القصر ثلاثة أقوال: الأول البطلان، والثاني الصحة وإن كان فرضه القصر كالمرأة في الجمعة، والثالث أنه يقتدي به في ركعتين، وعليه فهل يسلم ويتركه، أو ينتظره فيسلم معه؟ قولان، وبحث في التوضيح في بنائه القول الثالث على الفرضية تبعا لابن شأس، فإن ابن رشد وغيره حكوه مطلقا، ولم يقيدوه بالفرض ولا بالسنة وقوله: "وتبعه"، قال الشيخ عبد الباقي: فيتم معه إن نوى الإتمام ولو حكما كإحرامه بما أحرم به الإمام، أدرك معه ركعة أم لا فيهما. وفي المنتقى: وإنما يتم المسافر بإتمام إمامه إذا أدرك من صلاته ركعة فأكثر، وإن لم يدرك معه ركعة، ودخل معه في جلوس أو سجود من "آخر ركعة لم يتم صلاته، وكان عليه قصرها. انتهى. وقاله في المدونة. ولم يعد؛ يعني أن المسافر إذا اقتدى بالمقيم، فإنه يتم كما علمت حيث أدرك معه ركعة فأكثر، ولا يعيد في وقت ولا في غيره، هذا هو قول ابن القاسم. وعن عبد الملك أنه: يعيد في الوقت، وقيل لا يعيد إلا أن يكون في أحد مسجدي الحرمين، أو مساجد الأمصار الكبار. قاله الشارح. فإن نوى المسافر المقتدي بالمقيم القصر لم يتبعه، وأتى بصلاة سفر إن لم يدرك معه ركعة، فإن أدركها معه بطلت صلاته. قاله الشيخ عبد الباقي تبعا للأجهوري. وقد صحح الرهوني والتاودي ما قاله عبد الباقي تبعا للأجهوري. ونص المدونة: وإذا أدرك المسافر خلف مقيم ركعة أتم، وإن لم يدركها قصر. انتهى. أي لأنه إذا أدرك دون ركعة ينوي القصر، فإن فرض أنه نوى الإتمام أتم بلا إشكال، وقول عبد الباقي: إن أدرك معه ركعة بطلت صلاته؛ أي لأنه نوى القصر، صرح به، وكلام الرهوني هنا صحيح ظاهر، وكذا كلام التاودي. وأما كلام محمد بن الحسن بناني هنا والشيخ مصطفى، فإنه غير صحيح بل هو في غاية التخليط. والله أعلم. وقوله: "ولم يعد"، متعلق بالفرع الثاني؛ لأنه محل توهم أن يقال إنه مسافر أتم، ويأتي في المسافر ينوي

стр. 1411

الإتمام أنه يعيد في الوقت، وأما الفرع الأول فلا تتوهم فيه الإعادة؛ لأنه مقيم صلى أربعا. وإنما لم يُعِدْ هنا وأعاد في الفرع الآتي مع اشتراكهما في إتمام المسافر؛ لأن الصلاة هنا قد أوقعها في صلاد (١) الجماعة. وقد قيل إن فضيلة الجماعة أفضل من فضيلة القصر أو مساوية لها، وفيما يأتي قد أوقعها منفردا: فلذا لم يطلب بالإعادة، وطلب بالإعادة هناك وَيَرِدُ عليه أنه يقتضي أن الآتية لو كانت بجماعة لم تطلب الإعادة؛ وهو مناف لقوله: "والأصح إعادته كمأمومه بوقت". انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. ويجاب عن الإيراد المذكور بأن الإمام في هذه لا خلل في صلاته، وفي الآتية وقع في صلاته الخلل من أجل أنه خرج عن سنته. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بنَّاني. واعلم أن المسافر له ثلاث حالات: تارة ينوي الإتمام عامدا أو غير عامد، وتارة ينوي القصر كذلك، وتارة لا ينوي واحدا منهما كذلك. وذكرها مرتبة هكذا، فقال: وإن أتم مسافر نوى إتماما أعاد بوقت؛ يعني أن المسافر إذا نوى الإتمام عمدا أو جهلا أو تاويلا، فإنه يعيد في الوقت أربعا إن دخل في الحضر، ومقصورة إن لم يدخل في الحضر، كمن صلى في السفر بثوب نجس، ثم حضر في الوقت. قاله في المدونة. قاله الحطاب. وقوله: "أعاد بوقت" كذا هو في بعض النسخ، وبه يصح الكلام قاله الحطاب. وقوله: أعاد بوقت أي ولا سجود عليه، سواء أتم عمدا؛ وهو ظاهر، أو أتم سهوا لأنه فعل ما يلزمه. قاله الشيخ عبد الباقي. وإن سهوا سجد؛ يعني أن المسافر إذا نوى الإتمام سهوا عن كونه مسافرا، أو سهوا عن كون المسافر يقصر كما في الحطاب عن التوضيح، وأتم سهوا أو عمدا، فإنه يسجد بعد السلام، فقول ابن عاشر. الصواب أن السهو هنا إنما هو عن السفر غير ظاهر، قاله الشيخ محمد بن الحسن. ووجه سجوده في إتمامه عمدا مراعاة حصول السهو في نيته، وعلى هذا القول من أنه يسجد فلا إعادة عليه، كما يفيده الشيخ عبد الباقي وغيره؛ وهو مذهب مالك وابن القاسم، وإنما سجد لأن إتمامه من معنى الزيادة.

стр. 1412

والأصح إعادته، هذا مقابل قوله: "وإن سهوا سجد؛ " يعني أن القول الأصح الذي رجع إليه ابن القاسم، هو أنه؛ أي المسافر الذي نوى الإتمام سهوا، وأتم ولو سهوا يعيد في الوقت ولا سجود عليه على هذا القول، كما لا إعادة عليه على القول الأول. وقوله: "والأصح إعادته"، هو إحدى الروايتين عن مالك، واختاره سحنون بقوله: لو كان عليه سجود سهو لكان عليه أن يعيد في عمده أبدا. كمأمومه؛ يعني أن من ائتم بالمسافر الذي نوى الإتمام سهوا يعيد في الوقت كإمامه، فقوله: بوقت، متعلق بقوله: "إعادته"، وقوله: كمأمومه، سواء كان مسافرا أو مقيما، لكن المقيم يعيد أربعا، وغيره ركعتين إلا أن يدخل الحضر في وقتها فيعيد أربعا، وكذا الإمام يعيدها ركعتين، إلا أن يدخل في الحضر في وقتها فيعيد أربعا. وقد علمت أنه لا سجود عليه ولا على مأموميه على هذا القول، وهل المراد بالوقت في هذا الباب؛ أي باب السفر الاختياري؟ وهو قول الأبياني؛ أو الضروري؟ وهو قول أبي محمد، وصوبه ابن يونس. وإلى تصويب ابن يونس أشار بقوله: والأرجح الضروري، قال المواق: ذكر ابن يونس الخلاف المذكور بين أبي محمد والأبياني، وما رأيت له ترجيحا. انتهى. قال الشيخ بناني: نقله في التوضيح كما له هنا، وروايته في أصل جامع ابن يونس كذلك، ونصه: قال أبو محمد: والوقت في ذلك النهار كله. وقال الأبياني: الوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة. ابن يونس: والأول أصوب. انتهى منه بلفظه. وهكذا نقله عنه أبو الحسن في شرح المدونة، ولعل نسخة المواق سقط منها الترجيح. والله أعلم. انتهى. وقوله: إن اتبعه، شرط في إعادة المأموم بوقت في عمده وسهوه على القول بها، وفي سجود السهو على الأول، وفي الحقيقة شرط في صحة صلاة مأمومه في هذه المسائل. ومعنى كلام المصنف أن المؤتمين بالمسافر الذي نوى الإتمام إنما تصح صلاتهم إن اتبعوا الإمام فعلا ونية؛ بأن نووا الإتمام وأتموا. وإلا؛ بأن خالفوا إمامهم في الفعل والنية أو في أحدهما بطلت صلاتهم لمخالفة الإمام، ويعيدون. وما شرحت به قوله: "وإلا"، من أنهم خالفوا إمامهم في النية هو للشيخ عبد الباقي وغيره، ومثله في الحطاب ونصه: وهذا إذا نوى المسافر الإتمام كما نوى الإمام ظاهر، وأما إذا أحرم على

стр. 1413

ركعتين ظانا أن إمامه أحرم كذلك فتبين أن الإمام نوى الإتمام، فالظاهر أن صلاته باطلة ويعيد أبدا لقول المص: وإن ظنهم سفرا فظهر خلافه أعاد أبدا إن كان مسافرا؛ لأن الظاهر أن المراد أنه ظن أن الإمام نوف القصر، فتبين أنه نوى الإتمام، وعللوا ذلك بمخالفة نيته نية الإمام، ولا التفاتَ إلى كون الإمام في ذاته حضريا أو سفريا. وفي المقدمات ما يقتضي ذلك. والله سبحانه أعلم. واعترضه الرماصي قائلا: إنه خلاف إطلاقاتهم إذ لم يقيدوا (١) بذلك ابنُ الحاجب ولا ابن عرفة، والا أبا (٢) الحسن، ولا ابنُ رشد، ولا غيرهم ممن وقفت عليه. اهـ. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ولما كان في المسافر إذا نوى الإتمام قسمان، إما أن يتم بعد نية إتمامه أو يقصر، ولما (٣) فرغ من الكلام على الأول أتبعه بالكلام على الثاني. فقال: كإن قصر عمدا؛ يعني أن المسافر إذا نوى الإتمام عمدا أو سهوا، ثم قصر الصلاة عمدا، فإنه تبطل صلاته ويؤديها سفرية لا حضرية، قياسا على مسألة المسافر إذا صلى خلف مقيم ثم ضحك في صلاته فإنه يقضيها سفرية عند سحنون. قاله الشيخ عبد الباقي. وما ذكره المصنف هو قول مالك، وإليه رجع ابن القاسم، وكان أولا يقول بالإعادة في الوقت. وقوله: "قصر"، يقال: قصر بالتخفيف والتشديد. قاله ابن فرحون. قاله الإمام الحطاب. والساهي كأحكام السهو؛ يعني أن المسافر الذي نوى الإتمام عمدا أو سهوا، وقصر ساهيا عما دخل عليه من الإتمام، حكمه حكم المقيم يسلم من ركعتين ساهيا، فإن طال الأمر أو خرج من المسجد بطلت، وإن قرب جبرها، وسجد بعد السلام، وأعاد بالوقت كمسافر أتم. والظاهر أن الجاهل والمتأول كالعامد، كما قاله غير واحد؛ لأن الأصل في العبادات إلحاقهما بالعامد إلا في مسائل، وليست هذه منها، والفرق بين ما هنا وبين ما يأتي قريبا من إلحاقهما بالساهي، أن ما يأتي فعلهما رجوع للأصل الذي هو الإتمام بخلاف ما هنا، والمتأول هنا من تأول وجوب القصر في السفر؛ لأنه قال به جمع من أئمتنا، كما ذكره الشارح، قاله الشيخ عبد الباقي. وأشار إلى

стр. 1414

الحالة الثانية من الأحوال الثلاثة، وهي ما إذا نوى القصر عمدا أو غيره عاطفا على "كإن قصر"، فقال: وكإن أتم ومأمومه بعد نية قصر؛ يعني أن المسافر إذا نوى القصر عمدا أو غيره فأتم الصلاة هو ومأمومه، فإن صلاته تبطل كصلاة مأموميه، وهذا حيث أتم عمدا، وما مشى عليه المصنف هو الأصح، وقيل: تصح صلاة الجميع ويعيدون في الوقت. وقوله: "ومأمومه"، وتبطل صلاة المأموم سواء نوى القصر عمدا وغير عمد اتبعوه في الفعل والنية أم لا مقيمين أو مسافرين، وعبارة المصنف تقتضي أن المأموم لا تبطل صلاته إلا إذا أتم كالإمام، وليس كذلك كما عرفت، وقوله: "عمدا"، معمول "أتم" نائب عن المصدر، أو حال. وإنما بطلت صلاة المسافر الذي أتم عمدا بعد نية قصر؛ لأنه خالف ما أمر به من القصر صار من تعمد كَسجدة والله سبحانه أعلم. ولو شك المسافر فيما نوى من قصر أو إتمام، فقال سند يتمها أربعا ثم يعيد في الوقت. واعلم أن الأصل في مخالفة الإمام البطلان على المأمومين، وخرج عن ذلك اقتداء المقيم بالمسافر بدليل خاص قاله الشيخ عبد الباقي. وسهوا أو جهلا ففي الوقت؛ يعني أن المسافر إذا أحرم بنية القصر وأتم سهوا أو جهلا، وأولى تأويلا، فإن صلاته تصح ويعيد في الوقت الضروري، "فأل" للعهد. وعلم مما قررت أن هذه أتم فيها سهوا بعد نية قصر، وأن قوله: "وإن سهوا سجد نوى الإتمام فيها سهوا فافترقا في الموضوع، لكن لم يظهر فرق في المعنى. كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: فإن قلت التأويل الاستناد لشبهة وهذا أتم بعد نية القصر، قلت الشبهة هنا هي مراعاة القول؛ بأن القصر لا يجوز، أو لمن يقول إن الإتمام أفضل. انتهى. وقوله: مراعاة للقول بأن القصر الخ، انظر من ذكر هذين القولين. ولم أقف في القصر إلا على أربعة أقوال: الفرضية، والسنية، والاستحباب، والإباحة. ذكرها ابن الحاجب وغيره. وقوله: "وسهوا"، معمول لشرط مقدر؛ أي وإن أتم سهوا. وقوله: "ففي الوقت"، الفاء داخلة على جزء جواب الشرط المقدر؛ أي فهو يعيد في الوقت.

стр. 1415

وسبح مأمومه؛ يعني أن المسافر إذا نوى القصر، وأتم سهوا أو جهلا؛ فإن المقتدين به يسبحون له إذا علموا بسهوه أو جهلوه، والمعتبر التسبيح الذي يحصل به التنبيه؛ فإن ترك المأموم التسبيح له فالظاهر أن صلاته تبطل حملا على ما تقدم في الخامسة. كما قاله ابن عاشر. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: فإن لم يفهم بالتسبيح لم يكلموه كما هو ظاهرد، وكما تقدم في الخامسة. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الذي تقدم في الخامسة أنه إذا لم يفهم كلموه، وتقدم أنه المشهور خلافا لسحنون، وقوله: "وسبح مأمومه"؛ فإن كان أصم تقدم له ليفهمه بتسبيح، فإن لم يفهم بالتسبيح في حالتي كونه أصم وسميعا أفهعه بإشارة إن أمكن، فإن لم يمكنا كأن يكون مع ذلك أعمى فيجس بعض جسده، فإن لم يفهم لم يتبعوه بدليل قوله: ولا يتبعه؛ يعني أن الإمام إذا نوى القصر وهو مسافر، وقام بعد ركعتين سهوا أو جهلا فإنهم يسبحون له ويرجع لهم، فإذا لم يرجع سهوا أو جهلا، فإن المأموم لا يتبعه بل يجلس لفراضه ساكتا أو داعيات كان المأموم مقيما أو مسافرا. وإذا سلم الإمام سلم المأموم المسافر بسلامه؛ أي الإمام لدخوله على متابعته. وأتم غيره بعده؛ يعني أن المأموم المقيم يجلس لفراغ إمامه المسافر الذي نوى القصر وأتم سهوا أو جهلا، فإذا سلم قام فيأتي بما بقي من صلاته، ولا يأتم بعضهم ببعض في حال تعددهم، بك يأتون بما بقي عليهم أفذاذا لامتناع الاقتداء بإمامين في صلاة واحدة في غير الاستخلاف، وجمع المصنف أفذاذا لأنه حال من غير وهو يصدق بالواحد وبالمتعدد، فقوله: "غيره"؛ أي غير المسافر، وهو المقيم. وأعاد فقد في الوقت؛ يعني أن هذا الإمام هو الذي يعيد في الوقت دون المأمومين، وإنما كرر هذا ليرتب عليه قوله: "فقط"، وإنما أعاد الإمام دونهم لأنهم لا خلل في صلاتهم لعدم اتباعهم له، فإن اتبعوه جرى ذلك على حكم قيام إمام لخامسة، وتنظير الشيخ أحمد في بطلان صلاة من تبعه عمدا قصور، فإن قيل بم يعلمون أنه قام عمدا أو سهوا؟ فالجواب أنهم يسبحون له: فإن رجع علم أنه قام سهوا، وإن لم يرجع فإن المأموم يجلس ولا يتبعه، فإذا سلم تبينت له الحالة من بطلان وصحة. والله سبحانه أعلم. أشار له غير واحد.

стр. 1416

وإن ظنهم سفرا فظهر خلافه أعاد أبدا؛ يعني أن من وجد قوما يصلون بإمام، فظن أنهم سفر، وأن الإمام أحرم بنية القصر فأحرم هو، فتبين له أن الأمر على خلاف ما ظن؛ بأن تبين أنهم مقيمون، فإن صلاته تبطل ويعيدها أبدا، وهذا إن كان هذا الذي دخل معهم مسافرا؛ لأنه حين ظنهم سفرا نوى القصر، فإن انتظر الإمام إلى سلامه ليسلم بعده خالفه نية وفعلا، وإن أتم معه خالف فعله نيته، فهو كمن نوى القصر فأتم عمدا، وإن لم ينتظر تسليمه لزم أن يسلم قبله؛ وهو يوجب البطلان. وأما إذا لم يتبين له شيء كذهابهم حين سلموا من ركعتين، ولم يدر أهي صلاتهم أم الأخيرتان؟ فتبطل الصلاة أيضا. ووجه البطلان احتمال حصول المخالفة المذكورة، فقد حصل الشك في الصحة وهو يوجب البطلان، ومفهوم قوله: "إن كان مسافرا"، أنه لو كان مقيما لأتم صلاته ولا تضره المخالفة في الظن؛ أي تبين خلاف ظنه لأنه موافق لإمامه فعلا ونية؛ لأن الإتمام واجب عليه. قاله الحطاب عن ابن رشد. وقوله: كعكسه تشبيه في البطلان وفي الصحة، باعتبار المنطوق وباعتبار المفهوم؛ يعني أن من وجد قوما يصلون بإمام فظن أنهم مقيمون، فنوى الإتمام فتبين أنهم مسافرون، أو لم يتبين له شيء فإنه يعيد أبدا إن كان مسافرا، فإن كان مقيما صحت صلاته ولا إعادة عليه في هذه والتي قبلها -كما تقدم - أعني مسألة المقيم في قوله: "وإن ظنهم سفرا" الخ. وإنما صحت فيهما لكشف الغيب أنه موافق له فعلا ونية في الأولى، ولأن غاية ما في الثانية أنه كمقيم اقتدى بمسافر، وإنما بطلت صلاته حيث كان مسافرا؛ أعني في قوله: "كعكسه"، لمخالفة نيته لنية إمامه، ومخالفة فعله لنيته إن صلى صلاة الإمام، فإن صلى صلاة مقيم لم يخالف نيته فعله، فكان القياس الصحة كما في الناصر اللقاني قياسا على قوله: وإن اقتدى مقيم به فكل على سنته، مع أن ظاهر المصنف كظاهر كلامهم بطلان صلاته إن كان مسافرا في هذه، ولو صلى صلاة مقيم، والجواب عن هذا الإيراد أنه يفرق بينهما بأن هذا لما انضم فيه إلى مخالفة الإمام نية وفعلا مخالفة سنة القصر، بطلت صلاته لكثرة المخالفة في جانبه، بخلاف المقيم. ومفهوم قوله: "فظهر خلافه"، أنه لو ظهر ما ظنه من سفر أو إقامة فواضح؛ أي تصح، سواء كان الظان مقيما أو مسافرا، ومفهوم قوله: "ظنهم"، أنه لو شك فإن أحرم بما أحرم

стр. 1417

به إمامه صحت إن ظهر أنه مسافر، وكذا مقيم إن أتم معه، وإلا بطلت كإن لم يتبين له شيء، ولو شكهم مقيم صحت في الأقسام الثلاثة إن نوى حضرية كما هو فرضه، فإن أحرم بما أحرم به إمامه صحت أيضا إن تبين أنه مقيم، لما إن تبين أنه مسافر، أو لم يتبين له شيء فتبطل، وقد مر شيء من الكلام على هذا عند قوله: "وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام"، وقوله: "كعكسه"، هو الذي رواه ابن المواز عن ابن القاسم واختاره، وهو الجاري على أصل مالك في المسألة الأولى لمخالفة نية المأموم للإمام. وقال مالك: صلاته مجزئة، حكى ذلك وأوائل سماع ابن القاسم، ونقله في التوضيح. وقوله: "وإن ظنهم سفرا": وقوله: "كعكسه": المسألتان فيهما أربعة أقوال: الصحة فيهما، والإعادة في الأولى دون الثانية، وعكسه، وعلى الإعادة فهل في الوقت أو أبدا؟ قولان. ولو دخل المسافر خلف القوم يظنهم مقيمين، فلما صلوا ركعتين سلم إمامهم فلم يدر كانوا (١) مقيمين أو مسافرين؟ لأتم صلاة مقيم أربعا: ثم أعاد صلاة مسافر لاحتمال أن يكون الإمام مسافرا. قاله الحطاب. وعلم مما مر أن صور المسألة ثمان عشرة؛ لأن الشاك إما مسافر أو مقيم، وفي كل إما أن يحرم بما أحرم به الإمام أو ينوي القصر أو الإتمام؛ فهذى ست صور، وفي كل منها إما أن يتبين أن الإمام مقيم أو مسافر، أو لما يتبين شيء؛ فهذه ثمان عشرة صورة. وأشار إلى الحالة الثالثة بقوله: وفى ترك نية القصر والإتمام تردد؛ يعني أن المسافر له ثلاث حالات: إما أن ينوي القصر، أو الإتمام -وقد تقدم الكلام عليهما- أو لما ينوي شيئا؛ والكلام الآن فيه، فإذا ترك نية القصر والإتمام سواء كان إماما أو مأموما أو فذا، ونوى الظهر -مثلا- فإنه اختلف فيما يفعل، فقال سند: يلزمه أن يتمها أربعا، وقال اللخمي: يخير بين الإتمام والقصر، وظاهره كغيره أنه لا تطلب منه الإعادة، كذا للشيخ علي الأجهوري. والمتبادر من المصنف ما قرره به التتائي من قوله: وفي صحة صلاة من دخل على صلاة ظهر مثلا على ترك

стр. 1418

نية القصر والإتمام معا سهوا أو عمدا وعدم صحتها تردد. انتهى. وعلى التقرير الثاني فمحل التردد إن صلاها سفرية وإلا صحت اتفاقا، وقال الشارح: وحكى ابن الحاجب في صحة صلاة من ترك نية القصر والإتمام قولين. الشيخ: ولم أقف عليه انتهى. وقال الشيخ الأمير: وفي صحة صلاة من لم يتعرض لقصر ولا إتمام في نيته تردد، سواء قصر أو أتم، كما حققه الرماصي ردا على الأجهوري، فانظره. وقد علمت أن هذا الذي ترك نية القصر والإتمام في صحة صلاته وبطلانها قولان، وتصح صلاة مأمومه على القول بالصحة، وتبطل على الآخر، وعلى الصحة فإن قصر أتم المقيمون أفذاذا بعد سلامه، وإن أتم أعاد هو ومن تبعه من مسافر ومقيم في الوقت، وأعاد من لم يتبعه أبدا. وقد علمت أن القصر فيه أربعة أقوال، فقيل: فرض، وقيل: سنة، وقيل: مندوب، وقيل: مباح. وإذا قلنا إنه ليس بفرض، فهل من شرطه أن ينويه عند عقد الإحرام؟ حكى المازري عن بعض شيوخه أنه قال: يصح أن يلتزم القصر أو الإتمام قبل الشروع في الصلاة، ويصح أن يدخل في الصلاة على أنه بالخيار بين القصر والإتمام، قال: وكأنه رأى أن نية عدد الركعات لا يلزم، وعلى الفرض فهو كالحاضر في منويه. نقله الرماصي. وندب تعجيل الأوبة؛ يعني أنه يندب للمسافر أن يعجل الأوبة أي الرجوع إلى وطنه بعد قضاء نهمته؛ أي وطره. والأصل في طلب التعجيل خبر: (السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نَهْمَتَهُ فليعجل إلى أهله، ولا يطرقهم ليلا كي تستحد المغيبة وتمتشط الشعثاء (١)) وليلا يجد في بيته ما يكره. واقتحم النهي رجلان، فوجد كل في بيته رجلا. قاله الشيخ إبراهيم. وفي حديث ابن عمر: (نهى رسول الله ﷺ أن يطرق النساء ليلا) (٢) فطرق رجلان كلاهما وجد مع امرأته ما يكره، قاله الشيخ محمد بن الحسن. والنهي للكراهة، والنهمة بفتح النون وسكون الهاء: نيل المراد، قاله النووي في شرح مسلم. وقوله: ولا

стр. 1419

يطرقهم؛ أي لا يدخل عليهم ليلا إذا قدم من سفر، يقال: طرق يطرق بضم الراء، والعلة في ذلك أنه ربما يجد أهله على غير أهبة من التنظف والتزين المطلوبين من المرأة، فيكون سببا للنفرة بينهما، أو يجدها على غير حالة مرضية، واقتحم النهي رجلان فوجد كل مع زوجته رجلا. وعن جابر أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته ليلا وعندها امرأة تمشطها، فظنها رجلا فأشار إليها بالسيف، فلما ذكر ذلك لرسول الله ﷺ (نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا (١)). وقوله: تستحد؛ أي تستعمل الحديدة وهي الموسى في إزالة الشعر المشروع إزالته، والمغيبة بضم الميم وكسر الغين: التي غاب زوجها. وقوله وتمتشط؛ أي تسرح شعر رأسها تغير وتفرق وتتزين، والشعثاء بالمثلثة والألف الممدودة خلافا لما في التتائي من أنه بالتاء وهي: المتغيرة الشعر المغبرة الرأس. وأما حديث البخاري الذي رواه عن جابر بن عبد الله، قال: (كنا مع النبي ﷺ في غزوة؛ أي غزوة تبوك فلما قفلنا وكنا قريبا من المدينة تعجلت على بعير لي قطوف بفتح القاف وضم الطاء المهملة؛ أي بطيء، فلحقني فنخس بعيري بعنَزة بفتح النون؛ أي عصى طويلة أقصر من الرمح كانت معه، فسار بعيري كأحسن ما أنت راء من الإبل، فالْتَفَتُّ فإذا أنا برسول الله ﷺ فقال: (ما يعجلك؟ فقلت: يا رسول الله إني حديث عهد بعرس، قال؟ أتزوجت، قلت. نعم قال: أبكرا أم ثيبا؟ قال قلت: بل ثيبا، قال: فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟، قال: فلما قدمنا المدينة ذهبنا ندخل، فقال: أمهلوا حتى تدخلوا ليلا أي عشاء (٢)). انتهى. فجمع بينه وبين قوله: ولا يطرقهم ليلا بأن هذا لمن علم أهله بقدومه بخلاف الأول، قاله الشيخ إبراهيم. وأخرج مسلم من حديث أنس (أن النبي ﷺ كان لا يطرق أهله ليلا، وكان يأتيهم في غدوة أو عشية (٣)). وقوله: كي تستحد المغيبة. ابن حجر: ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة ليلا يطلع منها على ما يكون سببا لنفرته منها، ثم قال: فعلى هذا من أعلم أهله بوصوله، أو أنه يقدم في وقت كذا مثلا لما يتناوله هذا

стр. 1420

النهي. وقوله في الحديث: فليعجل إلى أهله، يحتمل أن يريد بالتعجيل غير السير من ترك التلوم، ويحتمل أن يريد التعجيل في السير إلى الأهل لحاجتهم إلى قيامه بأمرهم، قال ابن حجر: وفيه كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة واستحباب تعجيل الرجوع ولاسيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدنيا والدين. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: ويستحب أن يأتي بهدية إن طال سفره بقدر حاله، وأن يبدأ بالمسجد عند دخوله، ولا يفتتح به عند خروجه. انتهى. قاله الإمام الحطاب. قال: وانظر ما معنى قوله: ولا يفتتح به عند خروجه. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أن معناه أنه يأتيه بعد خروجه من بيته لسفره، ويودعه بنافلة، ويكون هو آخر الأمر في خروجه، ويقضي شؤونه قبل إيداعه له. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير: وندب الإياب إثر قضاء الحاجة وهدية. انتهى. ونقل أن المطلوب أن المسافر عند خروجه يذهب لإخوانه يلتمس دعاءهم، وإذا جاء فيطلب أن يذهبوا هم له يهنئونه. والدخول ضحى؛ يعني أنه يبدب للمسافر الدخول على أهله ضحى أي نهارا، ويكره له المجيء لأهله ليلا، وندب نهارا لأنه أبلغ في السرور، والكرامة في حق ذي الزوجة، وتجوز المصنف في ضحى؛ لأن النهي إنما ورد عن طروق الأهل ليلا، أو أراد تأكد ندب الدخول ضحى، ومقابل الليل مندوب غير متأكد، والنهي المشار إليه هو الخبر المتقدم قريبا، وهو: السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه؛ أي كمال لذة كل فإذا قضى أحدكم نهمته -بفتح النون: مراده-، فليعجل إلى أهله ولا يطرقهم ليلا كي تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة والمغيبة بضم الميم وكسر المعجمة بعدها تحتية ساكنة ثم موحدة: التي غاب عنها زوجها -كما مر- والشعثة بشين معجمة فعين مهملة مكسورة فمثلثة فتوحة مختومة بتاء تأنيث تبدل هاء وقفا كما في السيوطي؛ وهو موافق لما تقدم عن التتائي، والنهي للكراهة والتعليل مشعر بأنه في غير معلوم

стр. 1421

القدوم. وبما إذا طالت الغيبة بحيث يحصل لها ما تستحد منه. والحاجة إلى الامتشاط، ويشعر التعليل المذكور أيضا بأن من في البلد ولا يأتي أهله إلا بعد مدة طويلة، كالمسافر. وفي خبر الجامع الصغير: (إذا أطال أحدكم الغيبة من سفر أو غيره فليطرف أهله بطرفة)؛ أي هدية لتلفتهم ضند طول غيبته لذلك؛ وقد سئل مالك عن الذي يقدم عشاء على أهله، أترى أن يأتيهم تلك الساعة؟ فقال: لا بأس بذلك، قال ابن رشد: قد جاء عن النبي ﷺ أنه (نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا (١)): (وكان لا يدخل إلا غدوة أو عشية (٢))، فمعنى قول مالك: لا بأس بذلك؛ أي لا إثم عليه في ذلك ولا حرج، وإن كان قد أتى مكروها؛ لأنه رأى النهي الوارد نهي إرشاد لا نهي تحريم. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المندوب: ودخول ذي زوجة لم يعلم قدومه قبل الاصفرار، وابتداء دخوله بالمسجد انتهى. قال الشيخ إبراهيم: وكان الأولى تأخير قوله: "وندب تعجيل" الخ عن الجمع؛ إذ هو من متعلقات السفر. ولما أنهى الكلام على قصر الصلاة في السفر، وكانت أسباب جمع المشتركتين ستة؛ وهي: السفر: والمطر، والوحل مع الظلمة، والمرض، وعرفة، ومزدلفة. أخذ يتكلم على الأربع الأول وسيذكر الباقي في محله، فقال: ورخص له جمع الظهرين ببر؛ يعني أنه يرخص للمسافر أن يجمع الظهرين عند الزوال بالشروط الآتية حيث كان في البر بفتح الباء خلاف البحر، وأما إن كان في البحر فلا يجمع هذا الجمع قصرا للرخصة على موردها؛ أي أن السنة إنما وردت بالجمع في البر لا في البحر، وبهذا يجاب عن التنظير الذي ذكره الشيخ عبد الباقي عن بعض الشراح حيث قال: وانظر، هل يلزم من لا يشترط الجد في سفر البر أن يبيح الجمع في البحر فيحصل التعارض بين كلامه؟ انتهى. انظر حاشية الشيخ بناني.

стр. 1422

واعلم أن جمع الظهرين والعشاءين في السفر تقديما وتأخيرا جائز غير مستوي الطرفين؛ لأنه خلاف الأولى، وأما الجمع ليلة المطر تقديما فمندوب، وأما الجمع للظهرين بعرفة تقديما فسنة، وكذا جمع العشاءين بمزدلفة تأخيرا فإنه سنة. ونظم ذلك الشيخ علي الأجهوري: فقال: الجمع للظهرين يوم الموقف … يسن كالجمع بجمع فاعرف وتركه أفضل في حال السفر … كندب فعلة بليلة المطر وظاهر المصنف أن للمسافر جمع الظهرين ببر كان رجلا أو امرأة راجلا أو راكبا، أما الراكب فلا شك في جمعه: وأما الراجل، فقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: ولابن عات في الغرر المشهور أن المسافر يجمع على ما في الكتاب إذا جد به السير، وإن كان راجلا فلا بأس أن يجمع لأن جد السير يوجد منه. وقال ابن علاق: وظاهر كلامهم اختصاصه بالراكب لمشقة النزول، واقتصر المواق على الثاني، والأول أظهر، ويؤيده ما يأتي أن قوله: راكبا، مثله السائر. وفي بعض الطرر أن الشيخ زروق قال: ما لابن علاق هو المشهور، قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: ويؤيده ما يأتي، قال النتيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ إذ ما يأتي إنما هو من عنده غير منقول عن واحد (١))، فكيف يصح التأييد به؟ انتهى. وما تقدم عن ابن عات في الغرر هو لوالد الإمام ابن عات صاحب الطرر بطاء مضمومة فراءين، والغرر بالغين المعجمة لولده. قاله الشيخ محمد بن الحسن. واعلم أن المذهب ما لابن عات كما قاله الشبراخيتي، ولا ينافيه قوله: "ونوى النزول بعد الغروب"، وقوله: "وإن زالت راكبا، لإمكان أن يكون جريا على الغالب؛ أي أن الغالب في المسافر أن يكون راكبا، ولابد في هذا الجمع من كون المسافر غير عاص بالسفر ولاه به. فقوله:

стр. 1423

"له"؛ أي لمسافر غير عاص به ولاه دون اعتبار، قوله: "أربعة برد"، بدليل قوله: وإن قصر؛ يعني أنه يجوز للمسافر أن يجمع الظهرين عند الزوال، ولا فرق في ذلك بين أن يكون سفره سفر قصر، وبين أن لا يكون سفر قصر بل يجمع، وإن قصر سفره عن مسافة القصر، ورد بالمبالغة قول الشافعي المشترط مسافة القصر، وقد تقدم أنه لابد من كونه غير عاص به ولاه. وقوله: "الظهرين"؛ يعني الظهر والعصر، فغلب الظهر في التثنية. وقوله: ولم يجد، عطف على قصر فهو في حيز المبالغة؛ يعني أن المسافر يجمع وإن لم يجد به السير، قال ابن رشد: وهو المشهور بلا كره؛ يعني أن هذا الجمع لا يكره: وإن كان خلاف الأولى: وقوله: "بلا كره"، متعلق برخص، قاله الشيخ إبراهيم؛ أي لا يكره للرجال ولا للنساء. وهذا هو المشهور. ولمالك في العتبية الكراهة، وحملها الباجي على إتيان غير الأفضل، وعن مالك يكره للرجل ويرخص فيه للمرأة. وفيها شرط الجد؛ يعني أن في المدونة خلاف ما شهره ابن رشد، ففيها أنه يشترط في الجمع المذكور أن يجد السير بالمسافر لإدراك أمر؛ أي إنما يجمع المسافر إذا جد به السير لأجل إدراك أمر: فلو لم يجد به السير لم يجمع، وكذا لو جد به السير لا لإدراك أمر كقطع المسافة. وإسناد الجد للسير من الإسناد العجازي: وهو إسناد ما للشيء إلى ملابسه، وإلا فالجد إنما هو للمسافر. قاله الشيخ إبراهيم. واعلم أن الذي في المدونة: ولا يجمع المسافر إلا أن يجد به السير ويخاف فوات أمر، وقيد الأمر بأن يكون مهما؛ أي إدراك أمر مهم من مال، أو رفقة، أو مبادرة ما يخاف فواته. وقال الشارح: وحد الإسراع الذي يسوغ معه الجمع هو مبادرة ما يخاف فواته، أو إسراع إلى مهم. قاله أشهب. وهو وفاق. ونحوه للشيخ محمد بن الحسن، وقال ابن حبيب: يجوز له أن يجمع إذا جد في السير لقطع سفره خاصة لا لغيره، وهو قول عبد الملك وأصبغ، وعلى ما في المدونة من شرط الجد، فإن جمع من لم يجد به السير أعاد الثانية في الوقت. قاله الباجي. واعلم أن شرط الجد على ما فيها إنما هو في الرجل، وأما المرأة فتجمع وإن لم يجد بها السير، ولم تخش فوات أمر. قاله عبد الحق عن بعض شيوخه. قال الشيخ عبد الباقي: وظاهر التوضيح

стр. 1424

أنه تقييد للمدونة، قوله: ظاهر التوضيح الخ، فيه نظر، بل ظاهره أنه مقابل لها. انظره. قاله الشيخ محمد بن الحسن. بمنهل، بدل من قوله: "ببر"، بدل بعض من كل؛ يعني أن هذا الجمع المذكور إنما يكون بالمنهل؛ أي موضع القيلولة كان به ماء أم لا، والمنهل بفتح الهاء: المورد وعبر به المصنف عن المحل الذي ينزل المسافر، وإن لم يكن به ماء؛ لأن الغالب أنه لا ينزل إلا بالموضع الذي فيه الماء، فالتعبير به جرى على الغالب. قاله الشيخ إبراهيم. زالت به؛ يعني أنه يشترط في الجمع بالمحل الذي نزلوا به أن تزول به الشمس، وقوله: "به"، ظرف مستقر حال؛ أي حال كون الشخص بالمنهل؛ لأن الشمس إنما تزول بالسماء. قاله الشيخ إبراهيم. ونوى النزول بعد الغروب؛ يعني أنه يشترط في هذا الجمع أيضا أن يكون هذا المسافر الذي زالت عليه الشمس؛ وهو بالمنهل قد نوى الرحيل والنزول بعد الغروب، فيجمع حينئذ الظهر والعصر قبل ارتحاله؛ لأنه وقت ضرورة للعصر فيغتفر إيقاعها به لمشقة النزول، وليس عليه تأخير الجمع بقدر ما يمضي من الزوال ما يصلي فيه الظهر -كما هو ظاهر- والفرق بين ما يأتي في جمع المغرب والعشاء، وبين هذا حيث طلب التأخير بقدر صلاة المغرب، أن القصد هنا الركوب بسرعة عقب سلامه من الصلاة خصوصا إدراك أمر، وقوله: "بعد الغروب"، متعلق بالنزول لا بنوى؛ لأن النية عند الزوال وقت ارتحاله، فيصلي الظهر عند الزوال في أول وقتها الاختياري، ويجمع العصر معها قبل ارتحاله. وقبل الاصفرار أخر العصر؛ يعني أن المسافر الذي زالت عليه الشمس وهو نازل، ونوى الرحيل، وأنه ينزل قبل الاصفرار، يجب عليه أن يؤخر صلاة العصر لوقتها فلا يجمع، فإن قدمها أجزأت، وينبغي أن تعاد في الوقت ولا وجه للتوقف في الأذان للعصر حيث صليت قبل الاصفرار، وإما إن أخرت للاصفرار فقد تقدم أن الأذان في الضروري مكروه. وبعدد خير فيها؟ يعني أن هذا المسافر الذي زالت عليه الشمس وهو بموضع مقيله؛ إذا نوى الرحيل عند الزوال ونوى النزول في الاصفرار، فإنه يخير، فإن شاء جمع الظهر والعصر قبل ارتحاله، وإن شاء صلى الظهر في وقتها وأخر العصر إلى نزوله. قاله اللخمي. والضمير في قوله:

стр. 1425

"وبعده"، يعود على "قبل الاصفرار"، والذي بعد ما "قبل الاصفرار"، هو الاصفرار، ولو قال: وفيه خير فيها لكان أظهر. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "فيها"؛ أي العصر والأولى تأخيرها إليه؛ لأنه ضروريها الأصلي. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. فاللخمي وإن خيَّرَ التأخيرُ عنده أرجح، وفي كتاب الأمير: ندب تأخيرها له؛ لأن الضروري المؤخر أولى، ولا فرق بين النزول أول الاصفرار وآخره. وفي نسخة فيهما بضمير التثنية؛ أي في التأخير وعدمه، أو في الجمع وعدمه. ونازع المازري اللخمي في تقديم العصر قائلا: في جمعه نظر، وقال الرماصي: وحاصل المسألة ثلاثة أقوال: الجمع وهو المشهور، وتأخيرها، والتخيير فيها. وإن زالت راكبا أخرهما؛ يعني أن المسافر إذا زالت عليه الشمس وهو راكب؛ أي سائر ولو عبر به لكان أشمل، فإنه يؤخر الظهر والعصر لنزوله، ومحل هذا إن نوى الاصفرار أو قبله؛ أي أن محل تأخيره لهما إن نوى الاصفرار أي النزول فيه، ولا يأثم بتأخير الظهر لأنه معذور بالسفر، وكذا يؤخرهما أيضا إن نوى النزول قبل الاصفرار. وقوله: "أخرهما"؛ أي يجوز تأخيرهما، ويجوز إيقاع كل في وقتها ولو جمعا صوريا. ولا يجوز جمعهما جمع تقديم، قال الشيخ عبد الباقي عن الأجهوري: لكن إن وقع فالظاهر الإجزاء وإعادة الثانية في الوقت: قوله: فالظاهر الإجزاء: قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا عين قول المصنف الآتي: "أو ارتحل قبل الزوال" الخ. ونقله المواق هناك عن رواية علي، فقوله: فالظاهر قصور. انتهى. وبما قررت علم أن قول الشيخ عبد الباقي: أخرهما وجوبا، فيه نظر؛ إذ تأخير الظهر هنا جائز غير مستوي الطرفين، بل الأفضل تقديمه، كما مر. وإلا؛ أي وإن لم ينو النزول في الاصفرار ولا قبله بل نواه بعد الغروب فإنه يصلي الظهر والعصر في وقتيهما؛ أي الوقت المختار للظهر والوقت المختار للعصر؛ بأن يصلي الظهر آخر القامة الأولى، والعصر في أول القامة الثانية، وهذا هو الجمع الصوري. والجمع الصوري هو ما جمع صورة لا حقيقة؛ لأن حقيقة الجمع تقديم إحدى الصلاتين أو تأخيرها. كمن لا يضبط نزول، قوله: "يضبط" بكسر الموحدة من باب ضرب، كما في فتح القدوس؛ يعني أن من لا يضبط نزوله أي لا يعرف وقت ذلك فلا يدري، هل ينزل قبل الاصفرار

стр. 1426

أو عنده؟ فإنه يجمع الصلاتين في وقتيهما جمعا صوريا أيضا، وهذا إذا زالت وهو راكب، فإن زالت وهو نازل صلى الظهر قبل أن يرتحل والعصر في وقتها؛ أي قبل الاصفرار. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. وقال الرماصي: والمدار على ضبط النزول، وأما عدم ضبط الرحيل فلا عبرة به؛ لأنه إن دخل عليه الوقت قبل الرحيل وهو جاهل بوقته؛ أي الرحيل صلى الأولى، ولا وجه لتأخيرها، ولذا قالوا: قوله "ففي وقتيهما"، فيمن زالت عليه راكبا كما هو الفرض. وكالمبطون؛ يعني أن المبطون الذي لا يضبط إسهال بطنه يجمع الظهر والعصر في وقتيهما؛ أي يجمعهما الجمع الصوري وكذا كل من تلحقه مشقة بوضوء أو قيام لكل صلاة، قوله: "وكالمبطون"، في المدونة أنه يجمع بين الظهر والعصر في وسط الوقت، وبين العشاءين عند غيبوبة الشفق. وحمل أكثرهم وسط الوقت على أن المراد به الجمع الصوري، وقال ابن شعبان: يجمع أول الظهر وأول وقت المغرب. قاله الشارح وللصحيح فعله؛ يعني أن الصحيح له أن يجمع الجمع الصوري، والفرق بين الصحيح وذي العذر أن الصحيح يفوته فضيلة أول الوقت بخلاف غيره قاله غير واحد. قوله: "وللصحيح فعله"، هذا لا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار. قاله الشارح عن المازري. وقوله: "وللصحيح فعله"، قال الشيخ الخرشي: أي وللمقيم الصحيح فعله، وإنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج إحدى الصلاتين عن وقتها، بل أوقع كلا منهما في وقتها إلا أن فضلية أول الوقت تفوته، بخلاف المسافر وذي العذر، فلا تفوته. انتهى. وهل العشاءان كذلك؛ يعني أنه وقع في المدونة: ولم يذكر مالك الرحلة عند المغرب والعشاء؛ أي لم يذكر الجمع إذا ارتحل بعد المغرب كما ذكره إذا ارتحل بعد الزوال. وقال سحنون: الحكم متساو فحمله بعض المتأخرين على الوفاق، وأنه إنما ترك ذكر العشاءين اكتفاء بما ذكر في الظهرين. وحمله الباجي على الخلاف، وعلل ما فيها بأن ذلك ليس وقت ارتحال ابن بشير، والأول أصح. وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان؛ أي أن الأشياخ اختلفوا في قول المدونة المذكور، هل هو موافق لقول سحنون؟ فيكون العشاءان فيمن غربت عليه الشمس نازلا بمنزلة الظهرين فيمن زالت عليه وهو نازل، فيجمعهما قبل ارتحاله إن نوى الرحيل عند

стр. 1427

الغروب ونوى النزول بعد انصداع الفجر، وإن نوى النزول قبل انقضاء الثلث الأول أخر العشاء وجوبا، وإن نوى النزول بعد انقضاء الثلث الأول وقبل الفجر خير في العشاء، إن شاء قدمها مع المغرب قبل ارتحاله، وإن شاء أخرها لنزوله وهو أولى، وأما المغرب فلا يؤخرها بحال كالظهر في حال زوال الشمس وهو نازل، وإنما سكت عن الجمع في العشاءين على هذا اكتفاء بما قاله في الظهرين: وهذا التأويل لبعض المتأخرين -كما عرفت-، أو كلام المدونة مخالف لقول سحنون؟ فلا يجمع العشاءين بحال، بل يصلي كل صلاة في وقتها المختار؛ وهو للباجي. قال الشبراخيتي: والتأويل الأول الصرح به هو المعتمد، كما قال الحطاب، فكان حقه أن يقول: والعشاءان كذلك. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: والراجح من التأويلين الأول. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن بناني: ورجح الأول ابن بشير وابن هارون وغيرهما. انتهى. وقال الشيخ الخرشي: والمعتمد من التأويلين المصرح به؛ يعني الأول. وقال الشيخ الأمير: والعشاءان كذلك ولو غربت نازلا على الراجح. انتهى. فصح من هذا أن المعتمد أن العشاءين كالظهرين، ودليله ما في الموطإ عن علي بن حسين أنه كان يقول: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يسير يومه جمع بين الظهر والعصر. وإذا أراد أن يسير ليلته جمع بين المغرب والعشاء (١)). وبما قررت علم أنه ينزل الفجر على التأويل الأول منزلة الغروب، والثلث الأول منزلة ما قبل الاصفرار وما بعده للفجر منزلة الاصفرار. وعلم أيضا أن التأويلين فيمن غربت عليه نازلا؟ وأما من غربت عليه وهو سائر فكمن زالت عليه وهو سائر بلا خلاف، فيؤخرهما إن نوى النزول في الثلثين الأخيرين أو قبلهما، وإن نوى النزول بعد الفجر، ففي وقتيهما جمعا صوريا كمن لما يضبط نزوله، والحجة للتأويل المصرح به هو

стр. 1428

حديث الموطإ (أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في سفره إلى تبوك (١)). وقدم خائف الإغماء؛ يعني أن من خاف أن يغمى عليه في وقت الثانية من المشتركتين يقدم العصر عند أول وقت الظهر، والعشاء عند أول وقت المغرب بعد صلاة الأولى. قاله مالك: وهو المشهور. وقال ابن نافع: لا يجوز الجمع ويصلي كل صلاة لوقتها، فما أغمي عليه حتى ذهب وقته لم يكن عليه قضاؤه؛ وهو الظاهر. قاله الشارح. فرع ألحق في العتبية بخائف الإغماء الذي يأخذه النعاس، وجوز له الجمع عند الزوال، قاله في التوضيح. والناقض؛ يعني أن من خاف النافض؛ أي الحمى المرعدة وقت العصر أو العشاء، يقدم العصر أول وقت الظهر، والعشاء أول وقت المغرب. وإنما قدم خائف النافض لأنها لا يتمكن معها المحموم من الصلاة بخلاف غيرها، فإنه يتمكن معها من الصلاة ولو بالاستناد. والميد؛ يعني أن من خاف الميد أي الدوخة وقت العصر يقدمها أول وقت الظهر، وكذلك من خاف الميد وقت العشاء، فإنه يقدمها أول وقت المغرب. قوله: "وقدم"؛ أي ندبا كما قاله ابن يونس، وجوازا كما قاله ابن عبد السلام، وارتضاه المواق. قال الشيخ محمد بن الحسن: إن القول بالندب لا يعادل قول ابن عبد السلام المشهور جوازه، ومثله لابن عرفة والتوضيح. وقوله: "وقدم خائف الإغماء والنافض والميد"، ظاهر إن خاف استغراق الوقت، فإن اعتاده في بعضه فلعل وجه التقديم أن العادة قد تتخلف، فإن لم يقدم الصلاة وحصلا في الثانية والثالثة قضاها بعد ذهابهما إن لم ينشأ عنهما إغماء، وإلا لم يطلب بقضائها، بخلاف من أغمي عليه وقت الزوال وأفاق وقت العصر فيصلي الظهر لبقاء وقتها، وقدمت المحافظة على الأركان هنا لوقوع الصلاة في ضروريها الأول دون الوقت، بخلاف ما يأتي من قوله: "وحل للضرورة" الخ، فحوفظ على الوقت لأنه لم يتحقق انكشاف العدو فيه.

стр. 1429

وحاصل ما في مسألة المريض من الخلاف أن المريض إما أن يخاف أن يغلب على عقله أو لا، ولكن يشق عليه القيام لكل صلاة لشدة مرضه أو لانخراق بطنه، فقيل: يجمعان عند الأولى في الظهرين والعشاءين، وقيل: يجمعان في آخر وقت الأولى وأول الثانية، وقيل: المريض الأول يجمع عند الزوال وعند الغروب، والثاني يجمع وسط وقت الظهرين الظهر والعصر، وعند غيبوبة الشفق المغرب والعشاء، وهو الذي في المدونة. والوسط قيل: ربع القامة، وقيل: ثلثها، وقيل: نصفها. قاله الرماصي. وإن سلم؛ يعني أن خائف ما ذكر من إغماء أو نافض أو ميد إذا قدم الثانية من المشتركتين في أول وقت الأولى كما هو جائز له أو مندوب -على ما مر- يعيد الثانية التي قدمها في أول وقت الأولى في الوقت المتقدم؛ وهو الضروري عند أبي محمد؛ وهو الأرجح عند ابن يونس، والمختار عند الإبياني. قوله: "وإن سلم"، اعترضه المواق بأن الذي نص عليه أصبغ وغيره أنه يعيد، ومثله للجزولي، فظاهر ذلك أنه يعيد أبدا. وأجاب الشيخ محمد بن الحسن بما في التوضيح: إذا جمع أول الوقت لأجل الخوف على عقله، ثم لم يذهب عقله، فقال عيسى بن دينار: يعيد في الأخيرة، قال سند: يعيد في الوقت، وعند ابن شعبان: لا يعيد. انتهى وعلى كلام سند اعتمد هنا. انتهى. أو قدم ولم يرتحل؛ يعني أن من زالت عليه الشمس وهو نازل فأراد الارتحال: ونوى النزول بعد الغروب أو في الاصفرار، فقدم العصر لذلك ولم يرتحل، يعيد العصر في الوقت. قال الشيخ عبد الباقي: وما ذكره في هذا الفرع ضعيف، والمعتمد أنه لا إعادة عليه في وقت ولا في غيره. انتهى. وسيأتي كلام الشيخ محمد بن الحسن قريبا إن شاء الله تعالى. أو ارتحل قبل الزوال ونزل عنده فجمع؛ يعني أن من ارتحل قبل الزوال وأدركه الزوال راكبا، فنزل عند الزوال فجمع الظهر والعصر جمع تقديم، يعيد الصلاة الثانية؛ وهي العصر في الوقت، وهذا مقيد بما إذا جمع غير ناو الرحيل، وإلا فلا إعادة عليه وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن في كل فرع من الثاني والثالث صورتين، إحداهما أن يجمع ناويا الرحيل لجد السير ثم يبدو له، والثانية أن يجمع ولا نية له في الرحيل لكنه غير رافض للسفر بالإقامة التي تقطعه، ففي الأولى

стр. 1430

لا إعادة عليه في الفرعين، وفي الثانية يعيد العصر في الوقت، وهذا كله يفهم من نقل الحطاب، فإن حمل الفرعان معا في كلامه على الصورة الثانية سقط الاعتراض عنه. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: أنه إن رفض السفر بالكلية حين نزل عند الزوال أعاد الثانية، وكذا من زالت عليه نازلا إن رفض السفر بالكلية. انتهى. قوله: بالكلية، معناه عندي أنه رافض للسفر ما دام الوقت، وقال ابن الحاجب: وإذا نوى الإقامة في أثناء إحداهما بطل الجمع. انتهى. والإقامة هنا مقابلة السفر، فلا يشترط فيها إقامة أربعة أيام، كما لا يشترط طول السفر. واعلم أن بطلان الجمع لا يستلزم بطلان الصلاة، فلهذا إذا نوى الإقامة في أثناء الأولى أو بعد الفراغ منها وقبل التلبس بالثانية، صحت الأولى؛ ويؤخر الثانية إلى أن يدخل وقتها، وإن نوى الإقامة أثناء الثانية، صحت الأولى ويقطع الثانية أو يسلم على نافلة؛ وهو أولى، ولا يخفى أنه يتمادى عليها على مذهب أشهب، وتصح. انتهى. ونحوه في التوضيح، ويشير بقول أشهب إلى ما حكى عنه الباجي وصاحب المقدمات، من إجازة الجمع بلا سبب. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقال الفاكهاني في شرح الرسالة في صفة الجمع: ويقدم الأولى منهما وينويه في أولها، ولا يجزئه إن نوى في أول الثانية. وقيل: ومن صفة الجمع الموالاة، فلا يفرق بين الصلاتين بأكثر من قدر إقامة أو أذان، وإقامة على الخلاف، ولا يتنفل بينهما. وقال ابن حبيب: لا بأس أن يتنفل. انتهى. وانظر إذا قدم العصر إلى الظهر، هل تباح له النافلة أو تكره؟ قاله الإمام الحطاب. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر كراهة النافلة حينئذ، كما هو ظاهر كلامهم، والظواهر إذا كثرت أفادت القطع. والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أن قوله أعاد الثانية بالوقت، جواب الشرط؛ أعني قوله: "وإن سلم"، فهو راجع للمسائل الثلاث، وقد تقدم تقرير ذلك، وقد تقدم الخلاف في الوقت، هل هو الاختياري كما عند الإبياني، أو الضروري كما عند أبي محمد؟ ورجحه ابن يونس، وقوله: "أو قدم ولم يرتحل"، شامل لما إذا لم يرتحل لأمر اقتضى ذلك، ولما إذا لم يرتحل لغير أمر.

стр. 1431

وتحصل مما مر أنه يعيد في كل من الفروع الثلاثة، أما الأول فظاهر، وأما الثاني والثالث فكذلك إن جمع فيهما ولا نية عنده في الرحيل، لكنه غير رافض للسَّير بالإقامة التي تقطعه، وأما إن جمع فيهما ناويا الرحيل ثم يبدو له فلا يرتحل، فإنه لا إعادة عليه فيهما، وبقي ما إذا جمع وهو ناو الإقامة القاطعة للسّيْرِ فيهما، فإنه يعيد كما نص عليه الشيخ عبد الباقي، ولم يبين هل هي في الوقت أو أبدية؟ فظاهره أنها أبدية، والذي يفهم من كلام الحطاب أنها في الوقت، خلاف ما يؤخذ من كلام الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. والراد بالإقامة المذكورة، الإقامة المقابلة للسفر لا إقامة أربعة أيام، وقد مر ذلك. وفي جمع العشاءين؛ يعني أنه يرخص في جمع العشاءين؛ بأن تقدم الثانية عند الأولى، واحترز بقوله: فقط عن الظهرين، فإنهما لا يجمعان مما يجمع له العشاءان لعدم المشقة في الظهرين غالبا، بخلاف العشاءين لأنهم لو منعوا من الجمع بين العشاءين لأدى إلى حصول أحد أمرين؛ إما المشقة إن صبروا لدخول الشفق، وإما فوات فضيلة الجماعة إن ذهبوا إلى بيوتهم من غير صلاة. قاله الشيخ إبراهيم. قوله: "وفي جمع"، متعلق برخص محذوفا بعد الواو؛ أي ورخص، قاله البساطي. بكل مسجد؛ يعني أن جمع العشاءين يكون بكل مسجد، خلافا لمن خصه بمسجد المدينة أو به، وبمسجد مكة. ومثل المسجد محل اتخذه أهل البادية محلا لصلاتهم به جماعة، قوله: "وفي جمع"، متعلق "برخص"، كما للحطاب، وهذا الجمع مندوب كما نص عليه غير واحد، وقال الإمام الحطاب: وفي كون هذا الجمع راجحا أو مرجوحا طريقان، والأكثر على أنه راجح. نقله ابن عرفة. وإنما يجمع الراتب أو من استخلفه كما صرح به الشيخ الأمير، ويفيده فتوى البرزلي في محل اتخذه أهل البادية لصلاتهم به جماعة، وأشار إلى سبب جمع العشاءين، بقوله: المطر؛ يعني أن جمع العشاءين إنما يكون لأحد أمرين، أحدهما المطر؛ والمراد به المطر الغزير الذي يحمل الناس على تغطية رؤوسهم واقعا كان أو متوقعا، كما قاله الشيخ زروق، قال الشيخ إبراهيم: فإن قلت المطر إنما يبيح الجمع إذا كثر على ما بيناه، والمتوقع لا يقال فيه ذلك، قلت: يمكن أنه كذلك

стр. 1432

بالقرينة، ثم إنه إذا جمع في هذه الحالة ولم يحصل فينبغي أن يعيد في الوقت كما في مسألة: "وإن سلم" الخ، كذا في الشرح. انتهى. وقال الشيخ الأمير: والظاهر إعادة الثانية بوقت إن لم يحصل: وأما لو جمع للمطر الحاصل ثم زال بعد الجمع فلا إعادة، كما يفيده الحطاب، ويدل لما ذكر من القوينة خبر: (إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة (١))، ومثل المطر ثلج وبرد فيما يظهر، قاله الشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ محمد بن الحسن: في الثلج تفصيل ذكره في العيار، ونصه: سئل عنه ابن سراج، فأجاب: لا أذكر فيه نصا، وعند الشافعية فيه قولان، والذي يظهر أنه إن كثر بحيث يتعذر نفضه، جاز الجمع، وإلا فلا. انتهى. ونقل أيضا عن الوانشريسي في شرح ابن الحاجب ما نصه: تنبيه: ما نقلناه عن الأكثر من أن الجمع أرجح هو ما لم يجر العرف بتركه في موضع. انتهى المراد منه. وقوله في الحديث: إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت الخ؛ أي إذا طلعت السحابة من ناحية الغرب ومالت إلى الشام، فتلك السحابة غزيرة المطر، قاله الشاذلي، ثانيهما أشار إليه بقوله: أو طين مع ظلمة؛ يعني أن العشاءين يجمعان أيضا لأجل طين مع ظلمة، فتقدم الثانية عند الأولى. والمراد بالطين: الطين الذي يمنع من المشي بالمداس، وبالظلمة: ظلمة أصلية فلا تعتبر ظلمة الغيم والسحاب. لا طين؛ يعني أنه لا يجوز جمع العشاءين لأجل طين فقط. أو ظلمة؛ يعني أنه لا يجوز جمع العشاءين لأجل ظلمة فقط، كما لا يجوز لأجل الطين فقط -كما علمت- فلا يجمع لأحدهما، ولو مع ريح شديدة. قال الشيخ عبد الباقي: وانظر، هل أراد بالمطر أنه حصل وهم في المسجد؛ أو يشمل الحاصل قبل؟ ولا ينافي هذا أن المطر الشديد المسوغ للجمع مبيح للتخلف عن الجماعة؛ لأن إباحة التخلف لا تنافي أنهم يجمعون إذا لم يتخلفوا، ويجري هذا في قوله: "أو طين مع ظلمة". انتهى.

стр. 1433

قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر شمول ما ذكر لما حصل وهم في المسجد، وللحاصل قبل ذلك -كما هو ظاهر كلام غير واحد- والله سبحانه أعلم. تنبيه: نقل في الرياض عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال سلمان الفارسي ﵁: يا جرير تواضع في الدنيا فإنه من يتواضع في الدنيا يرفعه الله يوم القيامة، ومن يتعاظم في الدنيا يضعه الله يوم القيامة، يا جرير لو حرصت على أن تجد عودا يابسا في الجنة لم تجده، قلت: كيف وفيها الثمار؟ قال: أصول الشجر الذهب والفضة، وأعلاها الثمار، يا جرير تدري ما ظلمة النار يوم القيامة؟ قلت: لا، قال: إنه ظلم الناس بعضهم بعضا في الأرض. انتهى. وأشار لصفة الجمع بقوله: أذن للمغرب كالعادة؛ يعني أنهم إذا أرادوا الجمع للعشاءين لموجب، فإنه يؤذن للمغرب على وجه السنية أذانا كالعادة؛ أي على المنار بصوت مرتفع في أول الوقت، وفهم منه أيضا أنه سنة وأخر قليلا؛ يعني أنه يندب لهم إذا أرادوا أن يجمعوا العشاءين تأخير صلاة المغرب زمنا قليلا بقدر ما يدخل وقت الاشتراك لاختصاص الأولى بثلاث بعد الغروب. الغرياني: يؤخر قدر ثلاث ركعات، وقيل: قدر ما تحلب فيه الشاة. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي. بعد قوله: وأخر صلاتها ندبا بعد تحصيل شروطها، أو قدره لمحصلها فيما يظهر. انتهى. وفي المواق: عن ابن بشير بعد ذكر القول بعدم التأخير ما نصه، قال المتأخرون؛ وهو الصواب: ولا معنى لتأخير المغرب قليلا؛ إذ في ذلك خروج الصلاتين معا عن وقتهما. انتهى. وما تقدم من ندب التأخير هو الصواب، وذهب بعضهم إلى أنه واجب لابد منه. ثم صليا ولاء؛ يعني أنهما يصليان ولاء بعد تأخيرهما قليلا، ولا يفصل بينهما، بل يأتون بهما من غير فاصل، وكذا كل جمع لينصرفوا، وعليهم إسفار كما في الشارح، أو قبل مغيب الشفق كما في المدونة، وفسرها ابن رشد بنصف الوقت كما في المواق. وقالوا هنا بالتأخير، ولم يقولوا به في السفر رفقا بالمسافر: وقوله: "ولاء"، بكسر الواو، وفي الشبراخيتي عند قوله: "وأخر قليلا"، ما نصه: وقال التتائي والمواق: يؤخر له قدر وسط الوقت المختار. انتهى. وفيه نظر. وفي الحطاب عند قوله: "ثم صليا ولاء"، ليس هذا خاصا بجمع المطر، بل حو شرط للجمع من حيث هو قاله في الجواهر. وقال ابن جماعة عن المالكية: والموالاة شرط إن جمعهما في وقت الأولى، وإن

стр. 1434

جمعهما في وقت الثانية، فقال ابن المنير: لا أثر للموالاة إلا (١) في عهدة الكراهة أو التأثيم، وقال الشيخ الأمير: وكره فصل بين مجموعتين، وإن بنفل كبعدهما. انتهى. قال في الشرح: فعلم أنه لا يمنع الجمع، وظاهره أنه لا جمع إذا طال الفصل حتى دخل وقت الثانية. انتهى. إلا قدر أذان؛ يعني أنهم لا يفصلون بين المغرب والعشاء إلا بقدر أذان؛ أي بأذان بالفعل بدليل قوله: منخفض؛ يعني أن أذان العشاء في الجمع ليس على العادة كما في أذان المغرب، بل يكون منخفضا ليس بالعالي، وهذا الأذان مندوب كما نص عليه الأمير، فإنه قال: "ثم ندب أذان منخفض أمام المحراب" انتهى. قال في الشرح مستقبلا فيما يظهر: لأنه ليس القصد الإسماع بل للسنة. انتهى. وقال الشبراخيتي: والظاهر أن هذا الأذان مستحب ولا يسقط به طلب الأذان في وقتها، بل يؤذن لها بوقتها. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: والظاهر ندبه ولا يسقط به سنيته عند وقتها. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وهل يؤذن لها ثانيا عند الوقت؟ قولان، اكتفى بعضهم بالإعلام بالوقت، ونظر غيره إلى أن الثمرة الجمع. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: يعني أن القائل بالأذان ثانيا، قال: يكفي في الطلب بالأذان ثانيا الإعلام بدخول الوقت، وإن لم ينضم إليه صلاة أهل المسجد، وبعضهم نظر إلى أن الأذان لصلاة أهل المسجد، وقَدْ قَدَّموها مع صلاة المغرب. والله سبحانه أعلم. قال الشيخ إبراهيم: ولو قال إلا لأذان، لكان أظهر، لكن قوله: "منخفض"، يدفع ما يوهمه قدر من كونه يؤخر لقدره، ولا يفعله لأنه يدل على إيقاعه، وإلا فلا فائدة في الإتيان به. بمسجد؛ يعني أن أذان الثانية ليس على العادة، فيكون منخفضا -كما مر- ويكون في المسجد؛ أي بصحنه على المشهور، لا بالمنار، ولا خارج المسجد ليلا يلبس على الناس، فيظنون أن العشاء دخل، وهذه العلة تشعر بحرمته فيما ذكر. كذا في الشرح. وقال في الحاشية: بمُقَدَّمه على المذهب، وقيل، بصحنه، وقيل: خارجه.

стр. 1435

ومقدمه: محرابه، قال ابن أبي زيد، وغيره: وينبغي للإمام أن يقوم من مصلاه إذا صلى المغرب حتى يؤذن المؤذن، ثم يعود. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. وإقامة؛ يعني أنه لا يفصل بين المجموعتين إلا بأذان منخفض -كما مر- وإقامة. ولا تنقل بينهما؛ يعني أنه لا تنفل بين المغرب والعشاء إذا أرادوا جمعهما. قاله مالك. نقله في الذخيرة. ابن عرفة: المشهور منع التنفل بين جمعهما، ولا يختص ذلك بجمع العشاءين، بل هو جار في سائر صور الجمع، كما صرح بتعميمه الشيخ زروق. وذكر الشادلي عن الفاكهاني ما يفيده. خلافا لظاهر كلام الحطاب من تخصيصه بجمع العشاءين. قاله الشيخ إبراهيم. وقد مر عن الشيخ الأمير كراهة الفصل بالنافلة بين المجموعتين. ولم يمنعه؛ يعني أنه إذا تنفل بعد الأولى من المجموعتين، فإن ذلك ممنوع أو مكروه، كما عرفت لكن تنفله ذلك لا يمنع له الجمع، بل له أن يجمع خلافا للإمام الشافعي. وبما قررت علم: أن الضمير المستتر يعود على التنفل، والظاهر يعود على الجمع. وقوله: "ولم يمنعه"، ظاهره: ولو كثر، وينبغي أن يقيد بما إذا لم يؤد إلى دخول الظلمة الشديدة، وإلا منع فعل العشاء قبل وقتها المحقق. ولا بعدهما؛ يعني أنه كما لا يتنفل بين المجموعتين، لا يتنفل بعدهما. وعمم الشيخ الأمير ذلك لكنه صرح بالكراهة، وقال الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم عند قوله: "ولا بعدهما"؛ أي يمتنع، وهذا في جمع العشاءين. وانظر في جمع الظهرين، هل يجوز له التنفل بعدهما، أم لا؟ انتهى. وجمع الظهرين تقديما يوافق صفة جمع العشاءين إلا في التأخير عن وقت الزوال قليلا، فلا يطلب في الظهرين، نعم يكون بعد الخطبة في عرفة، وانظر ما وجه التأخير قليلا في جمع العشاءين دون الظهرين في غير عرفة؟ ولعله الرفق بالمسافر، ومر أنهم إذا جمعوا ليلة المطر ينصرفون، وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق، فلو قعدوا إلى مغيب الشفق أعادوا العشاء، وقيل: لا يعيدون، وقيل: إن قعد الجل أعادوا لا الأقل. قاله الحطاب. وقال الأمير: وصليت؛ يعني العشاء بإقامة وانصرفوا، وإلا فهل يعيدون الثانية ندبا أفذاذا، أو إن بقي أكثرهم، أو لا مطلقا؟ أقوال. انتهى. وهو كالصريح في أنه إن بقي نصفهم لا يعيدون على هذا القول، وفي شرح الشيخ

стр. 1436

عبد الباقي ما يفيد ترجيح القول الأول، وفيه أن ابن عرفة رجح الثاني، حيث قال: وفي إعادتهم إن جمعوا، ثالثها إن بقي أكثرهم، لابن الجهم، وسماع القرينين، والشيخ. انتهى. قال الشيخ بناني: لا ترجيح في كلام ابن عرفة الذي ذكره إلا ما يفيده عزوه لسماع القرينين. وجاز لمنفرد بالمغرب يجدهم بالعشاء؛ يعني أنه يجوز أي يندب الجمع لمن صلى المغرب في بيته أو غيرد منفردا عن الجماعة الذين يجمعون، فيصدق بمن صلاها منفردا أو مع جماعة غيرهم إذا وجد القوم يصلون العشاء فيصليها معهم إن كان يدرك معهم ركعة فأكثر لفضل الجماعة. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. قال الإمام مالك في المدونة في الرجل يصلي في بيته المغرب في الليلة المطيرة، ثم يأتي المسجد والناس يجمعون وقد صلوا المغرب ولم يصلوا العشاء: إنه لا بأس أن يصلي معهم. وقد روي عن ابن القاسم أنه إن صلى معهم أعاد في الوقت وغيره. قاله الحطاب. وقال ابن عبد الحكم، وأصبغ، وابن حبيب ومثلُه في المختصر لا يصليها معهم، فإن دخل أساء، ولا يعيد لأنه مما اختلف فيه. قاله تاج الدين بهرام. قوله: "وجاز لمنفرد"، بناء على أن نية الجمع تجزئ عند الثانية، واغتفر ذلك للتبع وحينئذ فلا إشكال. وفهم من قوله: "لمنفرد"، بالمغرب أنه إن لم يكن صلاها لم يدخل معهم في العشاء، بل يؤخرها لأن الترتيب واجب، ولا يصلي الأولى في المسجد لأنه لا يجوز أن تصلى فيه صلاة مع صلاة الراتب. قاله غير واحد. ولمعتكف بالمسجد؛ يعني أنه يجوز لمعتكف بالمسجد أي مقيم به معتكفا أو غيره، أو غريب بات به أن يجمع تبعا للجماعة، ولهذا إذا كان المقيم إماما لم يجز له أن يصلي بهم، بل يستخلف ويجمع مأموما، أشار له الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: ولمقيم بالمسجد تبعا، واستخلف إن كان الإمام، فإن التابع لا يصير متبوعا، فإن لم يجد صالحا أي للإمامة صلى بهم. ونقل ابن عبد السلام والتوضيح أن استخلاف الإمام مستحب، واعترضه ابن عرفة بأنه لا يعرف القول بالاستحباب، وبأن ظاهر عبد الحق الوجوب، ومثل الأخير في التوضيح، وسلمه الحطاب وغيره، وقال المسناوي، قد يقال جوابا عن ابن عبد السلام: أن مصب الاستحباب في كلامه هو استخلاف الإمام المعتكف، لا تأخره عن الإمامة، كما فهمه من اعترض عليه، وكلامه في ذلك

стр. 1437

ظاهر لمن تأمله. ونصه: ولهذا استحب بعضهم للإمام المعتكف أن يستخلف من يصلي بالناس، ويصلي وراءه (١) يَسْتَخْلِفُه. انتهى. ولا ريب أن الاستخلاف غير واجب عليه، وإن كان تأخره واجبا، قاله الشيخ محمد بن الحسن. كإن انقطع المطر بعد الشروع؛ يعني أن الجماعة إذا شرعوا صلاة المغرب، فلما صلوها أو بعضها ارتفع المطر، فإنه يجوز لهم التمادي على الجمع، وظاهره: ولو ظهر عدم عودته، وأما لو انقطع قبل الشروع في الأولى فلا جمع إلا بسبب غيره كطين مع ظلمة، فالمراد بالشروع الشروع في الأولى؛ وهي المغرب، والشروع يحصل بتكبيرة الإحرام، وأما لو انقطع المطر بعد الشروع في الثانية فإنه لا يجوز له قطعها ولا شفعها، ويجب عليه أن يتمها على ما هي عليه. وقوله: "كإن انقطع المطر بعد الشروع؛ لأن سبب الجمع إنما يطلب ابتداء لا دواما، ومثل ما إذا انقطع المطر بعد الشروع في الأولى، ما إذا انقطع بعد تمام الأولى، وقبل الدخول في الثانية. لا إن فرغوا، عطف على يجدهم أو على معموله؛ يعني أن من انفرد بصلاة المغرب عن الجماعة الذين يجمعون: وأتى المسجد فوجدهم قد فرغوا من صلاة العشاء، فإنه لا يصلي العشاء حينئذ. ومثل ما إذا وجدهم فرغوا ما إذا كان لا يدرك معهم ركعة، فلو أدركهم في السجود أو في التشهد الأخير فلا يجوز له أن يجمع لنفسه، وهل يقطع أو يشفع؟ قولان، قال المواق: والثاني أحسن، قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وكَفَراغِهِمْ من لم يدرك معهم ركعة: وينبغي أن يشفعها من غير خلاف لأنه لم يصل أولا ما دخل مع الإمام فيه، ولا يجري فيه ما جرى في معيد دخل مع إمام بدون ركعة من قولي القطع والإشفاع واستُحْسِنَ. فيؤخر للشفق؛ يعني أنه إذا وجدهم فرغوا من العشاء، أو بحيث لا يدرك معهم ركعة، فإنه لا يجمع لنفسه -كما علمت- وحينئذ فإنه يؤخر العشاء وجوبا لمغيب الشفق، وقوله: "فيؤخر"، قال غير واحد: يجوز في يؤخر الرفع والنصب والجزم؛ لأنه عطف على جواب الشرط بالفاء؛ أي لا إن فرغوا فلا يجمع، ويؤخر للشفق. قال ابن مالك.

стр. 1438

والفعل من بعد الجزا إن يقترن … بالفا أو الواو بتثليث قمن إلا بالمساجد الثلاثة، مستثنى من التأخير؛ يعني أن المنفرد بالمغرب إذا وجدهم قد فرغوا من العشاء، فإنه يجب عليه تأخير العشاء لمغيب الشفق كما علمت، ومحل ذلك في غير المساجد الثلاثة. وأما إن كان بأحد المساجد الثلاثة مسجد مكة، ومسجد المدينة، وبيت المقدس؛ فإنه يصلي العشاء قبل مغيب الشفق بنية الجمع، حيث صلى المغرب بغيرها، وفاته جمع جماعتها، فإن كان عليه المغرب والعشاء صلاهما لعظم فضلها للفذ على الصلاة في غيرها جماعة. وقال الشيخ الأمير: ولمنفرد بأحد المساجد الثلاثة حصل جمع قبله أولا ولو صلى الأولى خارجه. كما استظهره الأجهوري: لا لمرأة ولا ضعيف ببيتهما. انتهى. ولا إن حدث السبب بعد الأولى؛ يعني أنه إذا حدث سبب الجمع من مطر أو نية سفر بعد الشروع في الصلاة الأولى، فإنه لا يجوز الجمع لفوات محل النية، بناء على أن محل النية أول الأولى؛ وهو الراجح، فلو جمع صحت صلاته. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد علمت أن هذا مبني على الراجح. وقد بنوا المشهور من قوله: "وجاز لمنفرد بالمغرب"، على مقابل الراجح، واغتفر ذلك للتبع. كما مر. ولا المرأة والضعيف ببيتهما؛ يعني أن المرأة والضعيف لمرض أو غيره، لا يجوز لهما الجمع ببيتهما المجاور للمسجد؛ إذ لا ضرر عليهما في عدم الجمع، قاله أبو عمران، وعبد الحق. وقيل: يجمعان، فإن جمعا على الأول تبعا للجماعة التى في المسجد، فينبغي أن لا شيء عليهما، مراعاة لمن يقول بجمعهما. قاله الخرشي. ولا منفرد بمسجد؛ يعني أن المنفرد ليس له أن يجمع في المسجد إن لم يكن راتبا، ولو كان ينصرف عنه؛ لأن شرط الجمع الجماعة، وأما الإمام الراتب فيجمع إذا كان ينصرف عن المسجد. وقد مر أنه لا يجمع بين التسميع والتحميد، بل يقول: سمع الله لمن حمده. فقط: وهو الأصوب عند ابن ناجي.

стр. 1439

كجماعة لا حرج عليهم؛ يعني أن الجماعة الذين لا حرج عليهم في عدم الجمع؛ أي لا مشقة عليهم لعدم احتياجهم إلى الانصراف عن مكانهم إلى غيره، لا يجمعون؛ لأن الجمع إنما هو لذلك، ثم إنهم يجمعون تبعا، كما يفيده كلام ابن عمر وغيره، ومن ذلك أن يكون الإمام خارجا عنهم فإنهم يجمعون تبعا له. ومثلوا للجماعة الذين لا حرج عليهم بأهل المدرسة المنقطعين بها ونحوهم، وأفتى المسناوي بأن أهل المدرسة يجمعون استقلالا، وأن الساكن بها له أن يجمع إماما، قال: لأنهم ليسوا كالمعتكف بالمسجد، بل هم جوار المسجد. وقال ابن عرفة: يجمع جار المسجد ولم يقيده بتبعية. قال: ولا يعارضه قول المصنف: "كجماعة لا حرج عليهم"؛ لأن موضعه في الجماعة المقيمين في المسجد، واستدل على ما قال بما ثبت في الصحيح (أن النبي ﷺ جمع إماما وحجرته ملتصقة بالمسجد ولها خوخة إليه)، وعليه فقول الزرقاني: منقطعين بمدرسة، يحمل على مدرسة اتحد محل السكنى بها ومحل الصلاة كما في الجامع الأزهر بمصر. قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيما قاله نظر؛ إذ قد نص ابن يونس على أن قريب الدار من المسجد إنما يجمع تبعا للبعيد، ونصه إنما يباح الجمع لقريب الدار والمعتكف لإدراك فضلية الجماعة. انتهى. نقله أبو الحسن. واقتضى كلام المصنف أنه لا يجوز جمع المشتركتين لغير ما مر، وقد روى مالك عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر (١)). قال مالك: أرى بضم الهمزة: أي أظن ذلك كان في مطر، ووافقه على ما ظنه جماعة من أهل المدينة وغيرها، منهم الشافعي. قاله ابن عبد البر. لكن روى الحديث مسلم وأصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بلفظ: (من غير خوف ولا مطر (٢)). وأجاب البيهقي بأن الأولى رواية الجمهور؛ فهي

стр. 1440

أولى. قال: وقد روينا عن ابن عباس وابن عمر الجمع بالمطر؛ وهو يؤيد التأويل، وأجاب غيره بأن المراد: ولا مطر كثير. انتهى. نقله الزرقاني. ولما أنهى الكلام على القصر: أتبعه بالكلام على الجمعة لكونها تشبه ظهرا مقصورة، فقال:
следующие страницы →