← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

عبد الباقي ما يفيد ترجيح القول الأول، وفيه أن ابن عرفة رجح الثاني، حيث قال: وفي إعادتهم إن جمعوا، ثالثها إن بقي أكثرهم، لابن الجهم، وسماع القرينين، والشيخ. انتهى. قال الشيخ بناني: لا ترجيح في كلام ابن عرفة الذي ذكره إلا ما يفيده عزوه لسماع القرينين. وجاز لمنفرد بالمغرب يجدهم بالعشاء؛ يعني أنه يجوز أي يندب الجمع لمن صلى المغرب في بيته أو غيرد منفردا عن الجماعة الذين يجمعون، فيصدق بمن صلاها منفردا أو مع جماعة غيرهم إذا وجد القوم يصلون العشاء فيصليها معهم إن كان يدرك معهم ركعة فأكثر لفضل الجماعة. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. قال الإمام مالك في المدونة في الرجل يصلي في بيته المغرب في الليلة المطيرة، ثم يأتي المسجد والناس يجمعون وقد صلوا المغرب ولم يصلوا العشاء: إنه لا بأس أن يصلي معهم. وقد روي عن ابن القاسم أنه إن صلى معهم أعاد في الوقت وغيره. قاله الحطاب. وقال ابن عبد الحكم، وأصبغ، وابن حبيب ومثلُه في المختصر لا يصليها معهم، فإن دخل أساء، ولا يعيد لأنه مما اختلف فيه. قاله تاج الدين بهرام. قوله: "وجاز لمنفرد"، بناء على أن نية الجمع تجزئ عند الثانية، واغتفر ذلك للتبع وحينئذ فلا إشكال. وفهم من قوله: "لمنفرد"، بالمغرب أنه إن لم يكن صلاها لم يدخل معهم في العشاء، بل يؤخرها لأن الترتيب واجب، ولا يصلي الأولى في المسجد لأنه لا يجوز أن تصلى فيه صلاة مع صلاة الراتب. قاله غير واحد. ولمعتكف بالمسجد؛ يعني أنه يجوز لمعتكف بالمسجد أي مقيم به معتكفا أو غيره، أو غريب بات به أن يجمع تبعا للجماعة، ولهذا إذا كان المقيم إماما لم يجز له أن يصلي بهم، بل يستخلف ويجمع مأموما، أشار له الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: ولمقيم بالمسجد تبعا، واستخلف إن كان الإمام، فإن التابع لا يصير متبوعا، فإن لم يجد صالحا أي للإمامة صلى بهم. ونقل ابن عبد السلام والتوضيح أن استخلاف الإمام مستحب، واعترضه ابن عرفة بأنه لا يعرف القول بالاستحباب، وبأن ظاهر عبد الحق الوجوب، ومثل الأخير في التوضيح، وسلمه الحطاب وغيره، وقال المسناوي، قد يقال جوابا عن ابن عبد السلام: أن مصب الاستحباب في كلامه هو استخلاف الإمام المعتكف، لا تأخره عن الإمامة، كما فهمه من اعترض عليه، وكلامه في ذلك

стр. 1437

ظاهر لمن تأمله. ونصه: ولهذا استحب بعضهم للإمام المعتكف أن يستخلف من يصلي بالناس، ويصلي وراءه (١) يَسْتَخْلِفُه. انتهى. ولا ريب أن الاستخلاف غير واجب عليه، وإن كان تأخره واجبا، قاله الشيخ محمد بن الحسن. كإن انقطع المطر بعد الشروع؛ يعني أن الجماعة إذا شرعوا صلاة المغرب، فلما صلوها أو بعضها ارتفع المطر، فإنه يجوز لهم التمادي على الجمع، وظاهره: ولو ظهر عدم عودته، وأما لو انقطع قبل الشروع في الأولى فلا جمع إلا بسبب غيره كطين مع ظلمة، فالمراد بالشروع الشروع في الأولى؛ وهي المغرب، والشروع يحصل بتكبيرة الإحرام، وأما لو انقطع المطر بعد الشروع في الثانية فإنه لا يجوز له قطعها ولا شفعها، ويجب عليه أن يتمها على ما هي عليه. وقوله: "كإن انقطع المطر بعد الشروع؛ لأن سبب الجمع إنما يطلب ابتداء لا دواما، ومثل ما إذا انقطع المطر بعد الشروع في الأولى، ما إذا انقطع بعد تمام الأولى، وقبل الدخول في الثانية. لا إن فرغوا، عطف على يجدهم أو على معموله؛ يعني أن من انفرد بصلاة المغرب عن الجماعة الذين يجمعون: وأتى المسجد فوجدهم قد فرغوا من صلاة العشاء، فإنه لا يصلي العشاء حينئذ. ومثل ما إذا وجدهم فرغوا ما إذا كان لا يدرك معهم ركعة، فلو أدركهم في السجود أو في التشهد الأخير فلا يجوز له أن يجمع لنفسه، وهل يقطع أو يشفع؟ قولان، قال المواق: والثاني أحسن، قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وكَفَراغِهِمْ من لم يدرك معهم ركعة: وينبغي أن يشفعها من غير خلاف لأنه لم يصل أولا ما دخل مع الإمام فيه، ولا يجري فيه ما جرى في معيد دخل مع إمام بدون ركعة من قولي القطع والإشفاع واستُحْسِنَ. فيؤخر للشفق؛ يعني أنه إذا وجدهم فرغوا من العشاء، أو بحيث لا يدرك معهم ركعة، فإنه لا يجمع لنفسه -كما علمت- وحينئذ فإنه يؤخر العشاء وجوبا لمغيب الشفق، وقوله: "فيؤخر"، قال غير واحد: يجوز في يؤخر الرفع والنصب والجزم؛ لأنه عطف على جواب الشرط بالفاء؛ أي لا إن فرغوا فلا يجمع، ويؤخر للشفق. قال ابن مالك.

стр. 1438

والفعل من بعد الجزا إن يقترن … بالفا أو الواو بتثليث قمن إلا بالمساجد الثلاثة، مستثنى من التأخير؛ يعني أن المنفرد بالمغرب إذا وجدهم قد فرغوا من العشاء، فإنه يجب عليه تأخير العشاء لمغيب الشفق كما علمت، ومحل ذلك في غير المساجد الثلاثة. وأما إن كان بأحد المساجد الثلاثة مسجد مكة، ومسجد المدينة، وبيت المقدس؛ فإنه يصلي العشاء قبل مغيب الشفق بنية الجمع، حيث صلى المغرب بغيرها، وفاته جمع جماعتها، فإن كان عليه المغرب والعشاء صلاهما لعظم فضلها للفذ على الصلاة في غيرها جماعة. وقال الشيخ الأمير: ولمنفرد بأحد المساجد الثلاثة حصل جمع قبله أولا ولو صلى الأولى خارجه. كما استظهره الأجهوري: لا لمرأة ولا ضعيف ببيتهما. انتهى. ولا إن حدث السبب بعد الأولى؛ يعني أنه إذا حدث سبب الجمع من مطر أو نية سفر بعد الشروع في الصلاة الأولى، فإنه لا يجوز الجمع لفوات محل النية، بناء على أن محل النية أول الأولى؛ وهو الراجح، فلو جمع صحت صلاته. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد علمت أن هذا مبني على الراجح. وقد بنوا المشهور من قوله: "وجاز لمنفرد بالمغرب"، على مقابل الراجح، واغتفر ذلك للتبع. كما مر. ولا المرأة والضعيف ببيتهما؛ يعني أن المرأة والضعيف لمرض أو غيره، لا يجوز لهما الجمع ببيتهما المجاور للمسجد؛ إذ لا ضرر عليهما في عدم الجمع، قاله أبو عمران، وعبد الحق. وقيل: يجمعان، فإن جمعا على الأول تبعا للجماعة التى في المسجد، فينبغي أن لا شيء عليهما، مراعاة لمن يقول بجمعهما. قاله الخرشي. ولا منفرد بمسجد؛ يعني أن المنفرد ليس له أن يجمع في المسجد إن لم يكن راتبا، ولو كان ينصرف عنه؛ لأن شرط الجمع الجماعة، وأما الإمام الراتب فيجمع إذا كان ينصرف عن المسجد. وقد مر أنه لا يجمع بين التسميع والتحميد، بل يقول: سمع الله لمن حمده. فقط: وهو الأصوب عند ابن ناجي.

стр. 1439

كجماعة لا حرج عليهم؛ يعني أن الجماعة الذين لا حرج عليهم في عدم الجمع؛ أي لا مشقة عليهم لعدم احتياجهم إلى الانصراف عن مكانهم إلى غيره، لا يجمعون؛ لأن الجمع إنما هو لذلك، ثم إنهم يجمعون تبعا، كما يفيده كلام ابن عمر وغيره، ومن ذلك أن يكون الإمام خارجا عنهم فإنهم يجمعون تبعا له. ومثلوا للجماعة الذين لا حرج عليهم بأهل المدرسة المنقطعين بها ونحوهم، وأفتى المسناوي بأن أهل المدرسة يجمعون استقلالا، وأن الساكن بها له أن يجمع إماما، قال: لأنهم ليسوا كالمعتكف بالمسجد، بل هم جوار المسجد. وقال ابن عرفة: يجمع جار المسجد ولم يقيده بتبعية. قال: ولا يعارضه قول المصنف: "كجماعة لا حرج عليهم"؛ لأن موضعه في الجماعة المقيمين في المسجد، واستدل على ما قال بما ثبت في الصحيح (أن النبي ﷺ جمع إماما وحجرته ملتصقة بالمسجد ولها خوخة إليه)، وعليه فقول الزرقاني: منقطعين بمدرسة، يحمل على مدرسة اتحد محل السكنى بها ومحل الصلاة كما في الجامع الأزهر بمصر. قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيما قاله نظر؛ إذ قد نص ابن يونس على أن قريب الدار من المسجد إنما يجمع تبعا للبعيد، ونصه إنما يباح الجمع لقريب الدار والمعتكف لإدراك فضلية الجماعة. انتهى. نقله أبو الحسن. واقتضى كلام المصنف أنه لا يجوز جمع المشتركتين لغير ما مر، وقد روى مالك عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر (١)). قال مالك: أرى بضم الهمزة: أي أظن ذلك كان في مطر، ووافقه على ما ظنه جماعة من أهل المدينة وغيرها، منهم الشافعي. قاله ابن عبد البر. لكن روى الحديث مسلم وأصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بلفظ: (من غير خوف ولا مطر (٢)). وأجاب البيهقي بأن الأولى رواية الجمهور؛ فهي

стр. 1440

أولى. قال: وقد روينا عن ابن عباس وابن عمر الجمع بالمطر؛ وهو يؤيد التأويل، وأجاب غيره بأن المراد: ولا مطر كثير. انتهى. نقله الزرقاني. ولما أنهى الكلام على القصر: أتبعه بالكلام على الجمعة لكونها تشبه ظهرا مقصورة، فقال:

стр. 1441

فصل: في بيان شروط الجمعة، وسننها، ومندوباتها، ومكروهاتها، ومحرماتها، وموجباتها، ومسقطاتها، وما يتعلق بذلك، وهل الجمعة واجب مستقل: أو بدل من الظهر؟ في ذلك خلاف. ومعنى كونها بدلا من الظهر أنها بدل منه في المشروعية؛ أي أن الظهر شرعت ابتداء، ثم شرعت الجمعة بدلا منها. ومعنى كونها فرضا مستقلا أنها فرض يومها من غير كونها بدلا من الظهر، وعلى كل إذا أمكن فعلها لا تجزئ عنها الظهر، وإن تعذر فعلها لتعذر شروطها فاللازم الظهر. وعَرَّفَهَا ابن عرفة بقوله: ركعتان تمنعان وجوب الظهر على رأي وتسقطها على آخر، أشار بأول المعَرَّف إلى أنها واجب مستقل، وأشار بآخره إلى أنها بدل من الظهر والجمعة بضم الميم، وبه قرأ الجماعة، وتسكن، وتفتح، وتكسر. وقرئ بها أي بالأوجه الثلاثة شاذا. وسمي يوم الجمعة بذلك؛ لأن الله تعالى أكمل فيه خلق الموجودات. ولذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. قال: أولها الأحد، وآخرها الجمعة، فلما اجتمع الخلق يوم الجمعة جعله الله تعالى عيدا للمسلمين: وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه، وقيل: لاجتماعه فيه مع حواء بالأرض، وقيل: لما جمع فيه من الخير، وقيل: لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل: لأن كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيه فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويخبرهم بأنه سيبعث منه نبي كريم، وكان بين موته ومبعث النبي ﷺ خمسمائة سنة وستون سنة، كما رواه أبو نعيم وغيره وقيل: إن قصيا هو الذي كان يجمعهم، قال الشاعر: أبوكم قصي كان يدعى مُجَمِّعًا … به جمع الله القبائل من فِهْر وقيل: أول من سماها بذلك أسعد بن زرارة، وذلك لأنها فرضت على النبي ﷺ بمكة ولم يصلها فيها لعدم تمكنه من ذلك. (وأول جمعة صليت بالمدينة أقامها أسعد بن زرارة في بني بياضة: لما أنفذ ﵊ مصعب بن عمير أميرا على المدينة، وأمره بإقامتها،

стр. 1442

فنزل على أسعد -وكان من النقباء الاثني عشر- فأخبره بأمرها، وأمره أن يتولى الصلاة بنفسه، فجمع لها أربعين، وصلى بهم، وقال: هذا يوم جمعة (١)). (وأول جمعة صلاها رسول الله ﷺ في بني سالم ببطن الوادي حين قدومه المدينة)، وكانت تسمى في الجاهلية عروبة من الإعراب، وهو التحسين؛ لأن الناس يتزينون فيه. قاله الخرشي. ولا شك أن العمل فيها له مزية على العمل في غيرها، ولذلك ذهب بعضهم إلى أنه إذا وافق الوقوف بعرفة يوم جمعة، كان لتلك الحجة فضل على غيرها. وأما ما رواه رزين: أنه أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة، ففيه وقفة كما نص على ذلك المناوي. وقد ورد (أن من صح له يوم الجمعة سلم به سائر جمعته، ومن صح له رمضان صح له سائر سنته، ومن صح له حجته صح له سائر عمله (٢)). انتهى. وروى فضل بن مسلمة في مختصر الواضحة لابن حبيب بسنده إلى النبي ﷺ في كتاب الصلاة: (إن لله تعالى في كل يوم جمعة وليلة ست مائة ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار (٣)). وهي من خصائص هذه الأمة هديت إليها، وضل عنها اليهود والنصارى كما في الصحيح (٤))، قيل: إن الله تعالى فرض عليهم يوما في الجمعة ووكل تعيينه إلى اختيارهم، فحرمهم الله تعالى بركة يوم الجمعة، وجعله لمحمد ﷺ وأمته، وقيل: إن موسى ﵊ أمرهم بالجمعة وفَضَّلها فناظروه في ذلك وخالفوه، واعتقدوا أن السبت أفضل، فأوحى الله إليه دعهم وما اختاروه. وفي حاشية الجلال السيوطي على البخاري: أن اليهود كانوا يسمون الأسبوع سبتا ثم حدث في الإسلام تسميته جمعة اعتبارا باليوم الأشرف، وفي الموطإ: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه أهبط. وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من

стр. 1443

الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه (١)). وقوله: خير يوم طلعت فيه الشمس؛ أي من أيام الأسبوع. وأما أيام السنة فخيرها يوم عرفة كما نبه عليه النووي، وقوله: وفيه خلق آدم إلخ، قال القاضي عياض: الظاهر أن هذه المعدودات ليست لبيان فضله؛ لأن إخراج آدم ﵇، وقيام الساعة لا يعد فضيلة وإنما هو لتعداد ما وقع فيه وما سيقع من عظائم الأمر، وبحسب ذلك تكثر فيه الأعمال الصالحة لنيل رحمة الله تعالى ودفع نقمه، وقال ابن العربي: الجميع من الفضائل، فخروج آدم ﵇ سبب لهذا النسل العظيم الذي منه الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولم يخرج منها طردا بل لقضاء أوطار وسيعود إليها: وقيام الساعة سبب لتعجيل أجر الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم وإظهار كرامتهم، وقوله: مُصِيخَةٍ مستمعة. ومما يدل على فصل يوم الجمعة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أتيت بمرآة فيها نكتة سوداء، وفي رواية بيضاء، فقلت: يا جبريل ما هذه المرآة؟ فقال: هذه يوم الجمعة، قلت: ما هذه النكتة؟ قال: هذه الساعة التي في يوم الجمعة (٢)). قال بعض العلماء: والسر في كونها سوداء هو انبهامها والتباس عينها، وبياضها على مقتضى الرواية تنبيه على شرفها وخصوصيتها، من حيث إن البياض أشرف الألوان والأكثر على بقاء تلك الساعة، وعليه فهل من حين جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة؛ أو من حين إقامة الصلاة إلى الانصراف منها؟ أو من بعد العصر إلى الغروب؟ أو آخر ساعة من النهار؟ أو من الفجر إلى طلوع الشمس؟ أو ما بين الزوال ودخول الإمام في الصلاة؟ أو ما بين خروج الإمام والانصراف؟ أو عند الزوال؟ أو غير مختصة؟ ويمكن الجمع به؟ أقوال. وصحح الأول والرابع، قاله الشيخ إبراهيم. وقوله في الحديث: وهو يصلي؛ أي يدعو، فلذلك أبدل منه: يسأل الله، فالمراد بالصلاة معناها اللغوي. قاله الخرشي. ويقال: جمَّع القوم بتشديد الميم يُجَمَّعون؛ أي شهدوا الجمعة فصلوها، وأول

стр. 1444

جمعة جمعت بعد رسول الله ﷺ بجؤاثا قرية بالبحرين، وأول ما تعددت الجمعة في بلد في أيام المعتضد سنة ثمانين ومائتين، ولم يقع قبل ذلك في الإسلام صلاة جمعتين في بلد واحد. ومن جحد وجوبها كفر، ومن امتنع من صلاتها كسلا لا يقتل، وليست كالظهر، يؤخر بقدر ركعة. سحنون: ولا يجرح إلا من تركها ثلاث مرات متوالية بلا عذر، خلافا لأصبغ القائل: بأن ترك الفريضة مرةً وثلاثا سواء في العصيان، وتعدي الحدود كمن ترك الصلاة لوقتها مرة. ابن رشد: وقول سحنون باشتراط الثلاث أظهر؛ إذ لا يسلم المسلم من مواقعة الذنوب، فوجب أن لا يجرح العدل بما دون الكبائر إلا أن يكثر منه فيعلم تهاونه بها، قاله الخرشي وفي الخبر: (من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه (١)) بطابع النفاق. وجعلت الجمعة ركعتين؛ لأن الناس يسعون إليها من بعيد فخفف عنهم؛ ولأنها عيد، شرط الجمعة وقوع كلها بالخطبة وقت الظهر للغروب؛ يعني أنه يشترط في صحة صلاة الجمعة أن توقع الصلاة كلها مع خطبتها فيما بين الزوال والغروب؛ فلو خطب قبل ذلك وأوقع الصلاة فيه، أوأوقع الخطبة فيه والصلاة كلها أو بعضها بعد الغروب، لم تصح، وأولى لو أوقع الصلاة أو بعضها قبل الزوال وشَدَّ بعض الأئمة، فجوز صلاة الجمعة قبل الزوال. قاله الشيخ محمد الزرقاني. وبما قررت علم أن الباء في قوله: "بالخطبة"، بمعنى "مع"، وأن "ال" للجنس؛ أي إيقاع جميع الصلاة مع جميع الخطبتين، وقوله: "وقت"، متعلق بوقوع، واللام في قوله: "للغروب"، بمعنى: "إلى"؛ أي مبدأ وقت الجمعة، مبدأ وقت الظهر، ويمتد وقتها للغروب. وقوله: "كلها"، قال الشيخ عبد الباقي: استعمال كل المضافة للضمير في غير الابتداء والتأكيد رأي بعض، وعلى الآخر فالمؤكد محذوف على قلة أقي وقوعها كلها. انتهى. قوله: فالمؤكد محذوف على قلة الخ. جواز حذف المؤكد بالفتح هو مذهب الخليل وسيبويه، ووافقهم الصفار، خلافا للأخفش والفارسي وابن

стр. 1445

جني وابن مالك. انظر المغني. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الأمير: شرط وجوب الجمعة وقوعها مع الخطبة وقت الظهر للغروب، وإن لم يبق ركعة للعصر. انتهى. قال: وعدلت عن قوله: "وقوع كلها"؛ لأن الأفصح أن لا تباشر العوامل اللفظية كل المضافة للضمير. انتهى. واعلم أن الجمعة في الوقت المختار، وفي الضروري كالظهر من غير فرق على كلا القولين. وقوله: "للغروب"، هذا بعد الوقوع، وأما ابتداء فلا يجوز ذلك. قال في المدونة: وإذا أتى من تأخير الإمام ما يستنكر، جمعوا دونه إن قدروا وإلا صلوا ظهرا. سند: يريد إذا أخرها إلى وقت العصر، وإذا صلوا الظهر صلوها أفذاذا، فإن جاء الإمام في الوقت لزمتهم الإعادة لخطإ ظنهم: وإلا لم تلزمهم إلا على قول ابن القصار: من أخر الظهر إلى الغروب لا يأثم، فلا تجزئهم، وتلزمهم الإعادة. وإذا قلنا: لا تلزمهم الإعادة، فإن أعادوا فليعيدوا بنية الجمعة، بمنزلة من صلى الظهر فردا ثم أعادها جماعة؛ فإنه يعيد بنية الظهر، ولا تجزئ الإمام إلا إذا كان معه جماعة غيرهم تستقل بهم الجمعة. وقال التونسي: مذهب ابن القاسم في الإمام إذا هرب عنه الناس وأخر الإمام، أن الإمام والناس ينتظرون إلا أن يخافوا دخول وقت العصر، فإن خافوه صلوا ظهرا أربعا: ثم لا جمعة عليهم. وقوله: "للغروب"، هو المذهب فلا يشترط إدراك شيء من العصر، ومقابله ضعيف؛ وهوأنه لابد في وجوب الجمعة من إدراك ركعة من العصر بعد الإتيان بالجمعة مع خطبتيها، وإلى هذا الخلاف أشار بقوله: وهل إن أدرك ركعة من العصر؛ يعني أنه لا خلاف في أن أول وقت الجمعة زوال الشمس، وأما آخر وقتها فقد اختلف الشيوخ فيه. فمنهم من ذهب إلى أن وقتها لا يمتد إلى الغروب، فتصلى إن بقي من النهار قدر ما توقع فيه بخطبتيها، ويبقى بعد ذلك ركعة تدرك بها العصر وإلا صلوا ظهرا، وصحح هذا القول عياض، وإلى تصحيح عياض هذا أشار بقوله: وصحح، ومنهم من ذهب إلى أن وقتها يمتد إلى أن تغرب الشمس، فتجب إقامتها إن كانت توقع بخطبتيها قبل غروب الشمس، ولو لم يبق للعصر شيء من النهار؛ وهو مذهب المدونة؛ وهو المشهور -كما مر- وجزم به أولا، وإليه أشار بقوله: أولا يشترط إدراك

стр. 1446

شيء من العصر بعدها بخطبتيها، فحيثما أدرك خطبتيها وفِعْلَهَا قبل الغروب وجبت، كما رواد مطرف عن مالك. رويت عليهما؛ يعني أن هذين القولين رويت المدونة؛ أي نقلت عليهما؛ أي هما موجودان فيها. والله سبحانه أعلم. ففي رواية ابن عتاب للمدونة: وإذا أخر الإمام الصلاة حتى دخل وقت العصر، فليصل الجمعة بهم ما لم تغب الشمس، وإن كان لا يدرك العصر إلا بعد الغروب. وفي رواية غير ابن عتاب: وإن كان لا يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب. عياض: وهذه أصح وأشبه برواية ابن القاسم عن مالك، وفي اعتبار قدر الركعات بالوسط أو بما اعتاده في صلاته، قولان. نقله الرهوني. وقوله: "وهل إن أدرك" الخ، محل ذلك حيث كانت العصر عليهم، وأما لو قدموا العصر ناسين للجمعة، فإنه يتفق القولان على أن وقتها يمتد للغروب، فلا يشترط حينئذ إدراك شيء من العصر باتفاقهما. ولا تنافي بين قوله للغروب، وذكر الخلاف الواقع بعده بقوله: "وهل إن أدرك ركعة"، الخ لأنه جزم بالمشهور أولا، ثم ساق الخلاف بعد ذلك أشار له الشيخ إبراهيم، وقال: ومُقتَضَى كلام المصنف: أن من أدرك ركعة من الجمعة قبل الغروب لا يتمها جمعة بل ظهرا أو يقطع، مع أنه يتمها جمعة على المشهور، ويجاب بأن كلامه في وجوب إقامتها ابتداء؛ أي أنهم هل لا يطلبون بإقامتها إلا إذا كانوا معتقدين أنهم يدركون ركعة من العصر بعد فعلها قبل الغروب، أم لا؟ فعلى الأول: إذا بقي من النهار قبل الغروب قدر ما يسعها وخطبتيها فقط لا تجب إقامتها، لكن إن فعلت أجزأت. وعلى الثاني: تجب. انتهى. والحاصل أنهم إذا اعتقدوا إدراك الجمعة كلها بخطبتها، فلما صلوا ركعة منها غربت الشمس، فإنهم يتمونها جمعة، وأما إن علموا ابتداء أنهم لا يدركون إلا ركعة فلا تصلى حينئذ، فإن أحرموا بها وأدركوا ركعة فلا يعتدون بها بل يتمون أربعا، هذا هو التحقيق. كما قاله غير واحد، خلافا للأجهوري ومن تبعه. ولابن شاس مشيرا للصورة الأولى: قال الشيخ أبو بكر: إن عقد ركعة بسجدتيها قبل خروج وقتها أتمها جمعة، وإن لم يعقد ذلك بنى وأتمها ظهرا، وقال الشيخ

стр. 1447

بهرام: قال الأبهري: آخر وقت الجمعة إذا دخل وقت العصر، وقيل: حتى يبقى أربع ركعات قبل الغروب؛ وهو قول سحنون، وقيل: تصلى ما لم تصفر الشمس. قاله أصبغ. انتهى. واعلم أن كل ما هو شرط في الوجوب كالبلوغ والعقل وبلوغ الدعوة، فهو شرط في الأداء، ويزيد شرط الأداء بالتمكن من الفعل، فالنائم غير مكلف بأداء الصلاة مع وجوبها عليه، فالتمكن شرط في الأداء فقط. وللشيخ أبي عبد الله بن عبد السلام: شرط الوجوب ما به يكون … مكلفا كالعقل يستبين وكالبلوغ وبلوغ الدعوة … وجود طهر وارتفاع حيضة ومع تمكن من الفعل أدا … كعدم الغفلة والنوم بدا وما للاعتداد بالعبادة … لصحة شرط فخذ إفاده وقد تقدم أن صلاة الجمعة ركعتان، فمن صلاها أربعا أعادها ركعتين، ولم تعد الخطبة إذا لم يبعد ما بينهما. باستيطان بلد؛ الظاهر أن الباء في قوله: "باستيطان، بمعنى: "في"، وهو من إضافة الصفة للموصوف، والباء متعلقة بوقوع؛ أي يشترط في صحة الجمعة أن توقع في بلد مستوطنة: واحترز بذلك عن ما لو مرت جماعة بقرية خالية، فنووا الإقامة فيها شهرا مثلا، فصلوا بها الجمعة، فإنها لا تصح لهم، كما لا تجب عليهم، وحينئذ فهو شرط وجوب وصحة، بخلاف ما يأتي من اشتراط كون المصلي في نفسه متوطنا فإنه شرط وجوب فقط. ولا يقال البلد المستوطنة لا تطلب من المكلف، فلا تكون شرط صحة لأنا نقول إن شرط الوجوب والصحة من قسم ما لا يطلب من المكلف. ابن رشد: وللجمعة شرائط لا تجب إلا بها وتصح دونها؛ وهي ثلاثة: المذكورة، والحرية، والإقامة. وشرائط لا تجب إلا بها ولا تصح دونها وهي ثلاثة أيضا: الإمام، والجماعة، وموضع الاستيطان قرية كانت أو مصرا على مذهب مالك. وشرائط لا تصح إلا بها؛ يعني كالطهارة. وسيأتي أن الجمعة إنما تجب وتنعقد بالمتوطنين؛ أي الذين هم من سكان القرية المقامة بها الجمعة، وأن المقيم ببلدها إقامة تقطع حكم السفر وليس من

стр. 1448

سكانها، تجب عليه تبعا، ولا تنعقد به كالمتوطن بقرية نائية بكفرسخ من المنار؛ فإنها تجب عليه تبعا ولا تنعقد به. أو أخصاص؛ يعنى أن الجمعة إنما تصح وتجب في البلد المستوطن أو الأخصاص المستوطنة، والأخصاص جمع خص والمراد به هنا العرفي؛ أي ما يسمى في عرف الناس خصا كان من قصب، أو خشب، أو أعواد، أو بناء صغير، أو غير ذلك، لا خصوص الخص اللغوي الذي هو بيت من قصب، أو البيت يسقف بخشبة، وحينئذ فالمراد بالأخصاص ما قابل الخيم. قاله الشبراخيتي. وعلل الشيخ عبد الباقي لزوم الجمعة لأهل الأخصاص بقوله: لعدم انتقالهم غالبا، فأشبهت البنيان ولو انتقلوا من موضعهم بعد مدة طويلة إلى قريب منه وبنوا به أخصاصا وسكنوها، فتجب عليهم أيضا، وتنعقد بهم؛ لأن انتقالهم إنما هو لما يحصل في محلهم من الأوساخ بالفضلات، ويشترط اتصال بنيان من تجب عليهم ولو حكما، كتفرقها بحيث يرتفق بعضهم ببعض في ضرورياتهم، والدفع عن أنفسهم، ولو كان الاتصال من بعض الجوانب. فإن انتفى ما تقدم لم تجب على من لم يكمل عنده العدد، وهذا عام في الدور والأخصاص، واتفق عليه جمهور العلماء. لا خيم؛ يعني أن ساكني الخيم بكسر الخاء جمع خَيْمة كبَدْرَة وبدَرٍ لا تجب عليه الجمعة إلا تبعا لأهل البلد إذا كانوا مقيمين منه على كفرسخ، والمراد بالخيم الخيم العرفية أي ما يسمى في عرف الناس خيمة كانت من ثياب أو صوف أو وبر أو شعر أو غير ذلك، لا خصوص الخيم اللغوية؛ وهي أبيات تبنيها العرب من عيدان الشجر النووي، ولا تكون إلا من أربعة أعواد وتسقف بالثمام، قال أهل اللغة: ولا تكون الخيمة من ثياب وصوف ووبر وشعر. انتهى ملخصا من الخرشي والشبراخيتي. ولبعضهم: مظلة من شعر … وخيمة من شجر وأقنة من حجر … خباء صوف مطنب كذا بجاد وبر … قبة جلد أحمر عن ابن كلبي دري … هذي بيوت العرب

стр. 1449

والفرق بين الخيم والأخصاص أن الخيم لانتقالها أشبهت السفن، بخلاف الأخصاص، قوله: "لا خيم"، يقدر له عامل يناسبه؛ أي لا بالإقامة في خيم. قاله الخرشي. وتحصل مما مر أن ساكني البلد تجب عليهم وتنعقد بهم كساكني الأخصاص لندور انتقالهم، فقد نقل أبو الحسن عن تعاليق أبي عمران في الجماعة يقيمون ستة أشهر بموضع، وفي آخر ستة أشهر يُجَمَّعون؛ لأن ذلك كقريتين إذا حلوا بإحداهما أقاموا بها، وأن ساكني الخيم لا يُجَمِّعُون إلا تبعا إذا كانوا مقيمين على كفرسخ من المسجد. كما أن المتوطن بقرية نائية بكفرسخ منه كذلك، وأن المقيم ببلد الجمعة إقامة توجب الإتمام ولم يتوطن البلد لا تنعقد به، لكن تجب عليه تبعا. والله سبحانه أعلم. وبجامع؛ يعني يشترط في الجمعة أن توقع كلها بخطبتها في جامع، فلابد أن تكون الخطبة في الجامع. سند: شرطه أن يكون داخل المصر ابتداء لا دواما، فإن كان داخل المصر وتهدم البناء الذي حوله وخرب حتى صار الجامع خارجا عنها فإنه لا يضر. ابن ناجي: وكثيرا ما يقع بالقرى يكون الجامع خارج القرية، فإن كان قريبا تقام فيه وإلَّا فلا، وحد بعضهم القرب بأربعين ذراعا، وقال يوسف بن عمر: ويشترط في الجامع أن يكون متصلا بالقرية بحيث ينعكس عليه دخانها، وقال الحطاب: الذي يظهر ما قاله ابن ناجي، وقوله: "وبجامع"، ظاهره يشمل ما لو كان بمال حرام في أرض مغصوبة؛ وهو كذلك، قاله الأقفهسي. ولكنه ذكر في مواضع النهي عن الصلاة لو بني بمال حلال في أرض مغصوبة وخلي بينه وبين الناس لم يكن له حرمة المسجد ولا حكمه. وفي الخرشي: أن ما ذكره سند من اشتراط كونه داخل المصر ابتداء هو المذهب، وفي كتاب الأمير ما يفيد ذلك. واعلم أنه اختلف في الجامع، هل هو من شروط الوجوب والصحة كالإمام والجماعة؟ وقيل: إنه من شروط الصحة دون الوجوب. قاله غير واحد. مبني صفة لجامع؛ يعني أنه لابد للجامع الذي تصلى فيه الجمعة من أن يكون مبنيا، فلا تصح الجمعة في براح حُجَّرَ بأحجار أو خط حوله، والمراد البناء المعتاد للمساجد لأهل ذلك البلد، فيشمل ما لو فعل أهل الأخصاص جامعا من بوص ونحوه، فتصح فيه الجمعة. وقوله: "مبني"، صفة كاشفة، بناء على أن الفضاء لا يسمى جامعا.

стр. 1450

وأما على قول من قال: إن المكان من الفضاء يكون مسجدا، ويسمى مسجدا بتعيينه وتحبيسه للصلاة فيه كما يقتضيه أول الحل، فلا يكون صفة كاشفة. والبوص بالضم: ثمر نبات. قاله في القاموس. قال الشيخ محمد بن الحسن: ولعل المراد هنا النبات الذي هو أصله مجازا. انتهى. والمراد بالجامع الموضع الذي أمر الإمام بإقامة الجمعة فيه، اتفق أهل البلد على إقامة الجمعة فيه أم لا. انتهى. وسئل سحنون عن القرية يكون فيها مسجد فيريد قوم آخرون أن يبنوا فيها مسجدا آخر، هل لهم ذلك؟ فقال: إن كانت القرية تحتمل مسجدين لكثرة أهلها ويكون فيها من يعمر المسجدين جميعا الأول والآخر فلا بأس به، وإن كان أهلها قليلا يخافون تعطيل المسجد الأول فلا يوجد فيها من يعمره، فليس لهم ذلك. قاله الرهوني. ونقل عن اللخمي: أنه إن كان البلد واسعا ويشق على من بعد منه الجامع الوصول إليه، كان بناء المسجد في تلك المحلة مندوبا إليه؛ لأن إقامة الجماعة ليست على الأعيان. انتهى. متحد، صفة لجامع؛ يعني أنه لابد في الجامع المذكور من أن يكون متحدا، فلا يجوز أن تتعدد الجوامع في بلد على المشهور، وإنما لم يجز التعدد في المصر الواحد وإن عظم، رعاية لما كان عليه السلف، وجمعا للكلمة، وطلبا لجلاء صَدَإِ القلوب بالمواعظ واتعاظ الغني والغوي والطالح بغيرهم، وأجاز التعدد يحيى بن عمر وقال المصنف: لا أظنهم يختلفون في جواز التعدد في مثل مصر وبغداد. والجمعة للعتيق؛ هذا مفهوم قوله "متحد"؛ يعني أنه إذا صليت الجمعة في مساجد متعددة، فإن الجمعة إنما تصح للذين صلوها في العتيق، وتبطل جمعة من عداهم. والعتيق هو الذي أقيمت فيه الجمعة قبل غيره، وإن تأخر بناؤه عن بناء غيره وإن تأخر أداء؛ تمييز محول عن الفاعل؛ وهو ضمير يعود على العتيق؛ يعني أنه إذا صليت الجمعة في العتيق وغيره، فإن الجمعة تصح لأهل العتيق دون غيرهم، ولا فرق في ذلك بين أن يسبق أهل العتيق غيرهم بهذه الجمعة، وبين أن يسبقهم الغير بها أو يساووهم. وسواء كان السلطان في العتيق أو في غيره، فالصور ست: تصح الجمعة فيها لأهل العتيق، وتبطل على غيرهم.

стр. 1451

وبما قررت علم أن قوله: "وإن تأخر أداء"؛ أي أداء الجمعة في العتيق عن أدائها في غيره هو في غير الجمعة التي أثبتت كونه عتيقا؛ وهو واضح، قال الشيخ عبد الباقي: ثم قوله: "والجمعة للعتيق" مقيد بثلاثة قيود: أحدها: أن تقام به وبالجديد، فإن هجروا العتيق وصلوها في الجديد فقط صحت. قاله اللخمي. الثاني: أن لا يحكم حاكم بصحتها في الجديد تبعا لنذر بانيه عتق عبد بعينه إن صحت صلاة الجمعة فيه، فإن وقع ذلك وحكم مخالف بعتق العبد لصحتها صحت فيه؛ إذ حكمه الداخل في العبادات تبعا لنحو عتق، كما أفتى به الناصر اللقاني، لا ينقض. الثالث: أن لا يحتاجوا للجديد لضيق العتيق عنهم، وإلا صحت في الجديد لقول التوضيح: لا أظنهم يختلفون في جواز التعدد في مثل مصر وبغداد. انتهى. قوله: أن لا يحكم حاكم، قال الشبراخيتي: صورته أن يقول باني المسجد -مثلا-: إن صحت جمعة مسجدي هذا فعبدي فلان حر، فيأتي العبد إلى من يقول بالتعدد كالحنفي، فيثبت عنده أنه صلى في المسجد جمعة صحيحة، فيحكم الحاكم بعتقه لوقوع المعلق عليه، فيلزم من ذلك الحكم بصحة الجمعة ضمنا. انتهى. ونازع الشيخ محمد بن الحسن الشيخ عبد الباقي في قوله الثاني: أن لا يحكم حاكم الخ، وقال: فيه نظر؛ إذ حكم الحاكم في المسألة المذكورة لم يقع إلا في العتق لاعتقاده صحتها في الجديد، ولا يلزم من اعتقاده صحتها فيه حكمه بها. تأمله. انتهى. وفي الخرشي: أن ما أفتى به الناصر اللقاني فيه نظر، وإن قال به سند، قال: لأن حكم الحاكم لا يحل الحرام. انتهى. وفي كتاب الأمير. تقوية ما للناصر، فانظره إن شئت. تنبيه: لو أقيمت الجمعة ابتداء في جامعين وليس أحدهما عتيقا، صحت جمعة من صلى فيه بتولية الإمام أو نائبه، وإلا فللسابق بالإحرام، فإن أحرما معا، حكم بفسادها وأعيدت جمعة، ولا تجزئهم ظهرا مع بقاء وقتها، وإن لم يعلم السابق حكم بفسادها وأعيدت ظهرا لاحتمال صحة جمعة المعيد. والجمعة لا تصلى مرتين، وما تقدم عن المصنف من قوله: لا أظنهم يختلفون في جواز التعدد في مثل مصر وبغداد. انتهى. هو نحو قول ابن عبد الحكم، وقد ذكره ابن يونس: على أنه تقييد للمذهب، لا على أنه خلاف. وقد نص العلماء على أنه يؤخذ من النص معنى يعممه، كما يؤخذ منه معنى يخصصه.

стр. 1452

لا ذي رناء خف، هذا محترز الصفة المقدرة بعد قوله: مبنى؛ أي بناء معتادا كما تقدمت الإشارة إليه؛ يعني أن الجامع إذا لم يكن بناؤه معتادا بأن كان بناء خفيفا؛ وهو البناء الذي لا يعتاد للمساجد بحيث لا يطلق عليه اسم المسجد في عرفهم، فإنه لا تصح فيه الجمعة، أشار إلى ذلك الخرشي وغيره. وفي اشتراط سقفه؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الجامع الذي تصلى فيه الجمعة، هل يشترط في صحتها فيه أن يكون مسقفا أي دواما؟ وأما ابتداء فلابد منه، وإلى ذلك ذهب الباجي، فلا يسمى عنده جامعا إلا إذا كان مسقفا أولا يشترط سقفه دواما كما ذهب إليه ابن رشد، وأما سقفه ابتداء فليس مما اختلفا فيه، بل لابد منه، انظر الشبراخيتي، وحاشية الشيخ بناني، فإنه قال: الذي يدل عليه نقل المواق عن الباجي وابن رشد: أن التردد بينهما إنما هو في الدوام، وبه قرر غير واحد، كما ذكره الرماصي. واستظهر الحطاب عدم اشتراط سقفه ابتداء ودواما، وقال الشيخ عبد الباقي: والمعتمد عدم اشتراط سقفه ابتداء ودواما، ونحوه للشيخ الأمير، فإنه قال: ولا يشترط سقف ولا قصد تأبيدها به، ولا إقامة الخمس على الراجح من التردد في الثلاثة. انتهى. وقصد تأبيدها به؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا كانت الجمعة تصلى في مسجد وأرادوا إقامتها بآخر، فمنهم من قال: يشترط في صحتها في المسجد الذي نقلت إليه أن يقصدوا تأبيدها به؛ أي إقامتها فيه على الدوام؛ وهو للباجي، ومنهم من قال: لا يشترط ذلك وهو لابن رشد، وأما إذا لم تنقل من مسجد لآخر، بل أقيمت في مسجد ابتداء، فالشرط أن لا يقصدوا عدم التأبيد؛ بأن قصدوا التأبيد، أو لا قصد لهم. وإقامة الخامس؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الجامع الذي تصلى فيه الجمعة، هل يشترط في صحتها فيه إقامة الصلوات الخمس فيه على الدوام؟ وهو قول ابن بشير، قال: سمعت أنه لابد أن يكون الصف دائما فيه، إلا أن تزيله الأعذار التي لابد منها، ونحوه للقاضي سند. ومنهم من ذهب إلى أنه لا يشترط ذلك، حكاه بعض الشيوخ، قال التتائي: ولم أقف عليه. ويجاب بأن سكوت غيره عن ذلك يفيد أنه لا يشترط ذلك، وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا بني مسجد لأن تقام

стр. 1453

فيه فقط، وفيما إذا انقطعت إقامة الخمس فيه، ثم إن الذي يظهر أن الراجح المشهور القول بعدم اشتراط إقامة الخمس. قاله الشيخ إبراهيم. وتقدم أن ابن بشير القائل بالشرطية معترف بأن تعطله إن كان لعذر مغتفر: وقال الشيخ محمد بن الحسن: إنما أشار بالتردد في الفرع الأخير لما ذكر عن ابن بشير من الاشتراط وسكوت غيره عنه، ونزل ذلك منزلة التصريح بعدم الاشتراط؛ إذ لو كان شرطا لنبهوا عليه. انتهى. وقوله: تردد مبتدأ، وخبره المجرور بفي وما عطف عليه؛ أي في كل من الفروع الثلاثة تردد. وقد مر أن الراجح عدم الاشتراط في كل منها. وصحت برحبته؛ يعني أن الجمعة تصح في رحبة المسجد؛ أي للمقتدي، وأما الإمام فلا تصح له ولا لهم إن صلى برحبة المسجد. كما للشيخ إبراهيم. وفي كون الرحبة صحن المسجد، أو حريم بابه، أو ما زيد في خارج محيطه لتوسعته. ابن راشد: وهو عندي أنسب؛ لأن صحنه منه، أقوال. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: والصحيح أنها؛ يعني الرحبة ما زيد في خارج محيطه لتوسعته، وصحن المسجد ليس من رحابه على المذهب. انتهى. وطرق متصلة به؛ يعني أن صلاة الجمعة تصح للمقتدي بالطرق المتصلة بالمسجد الذي تصلى فيه الجمعة، ولو كان بها أرواث دواب وأبوالها. قاله مالك. وقيده عبد الحق بما إذا لم تكن عين النجاسة فيها قائمة، قال: ولو صلى وعينها قائمة لأعاد إذا وجد من فضل ثوبه ما يبسط، وإلا كان كمن صلى بثوب نجس لا يجد غيره. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وأما الإمام إذا صلى بالطرق المتصلة بالمسجد؛ فإنها لا تصح له ولا لهم. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: متصلة به"، معنى الاتصال أن لا يحول بينها وبين أرض المسجد غيره. قاله الشيخ إبراهيم إن ضاق؛ يعني أن محل صحة صلاة الجمعة للمقتدي بالرحبة والطرق المتصلة بالمسجد إنما هو إذا ضاق المسجد، اتصلت الصفوف، أم لا. أو اتصلت الصفوف؛ يعني أنه لابد في صحة الجمعة للمقتدي بالرحبة أو الطرق المتصلة بالمسجد من أحد أمرين، ضيق المسجد -كما مر- أو اتصال الصفوف. وقد مر أن معنى الاتصال أن لا يحول بين الصفوف وبين أرض المسجد غير المسجد، فإذا اتصلت الصفوف صحت، ضاق المسجد أم لا، كما أنها تصح بهما إذا ضاق المسجد اتصلت الصفوف أم لا.

стр. 1454

واعلم أن قوله: "إن ضاق" الخ، ليس مختصا بالطرق والرحاب، بل هو شرط في كل ما خرج عن المسجد منها أو من غيرها كما في المدونة، ولذا أتى ابن عرفة بعبارة عامة، (١) وخارجه غير محجور مثله إن ضاق أو اتصلت الصفوف، فيشمل ذلك دورا وحوانيت متصلة بحيطانه ليست محجورة. لا انتفيا؛ يعني أن الجمعة لا تصح في الرحاب والطرق المتصلة بالمسجد حيث انتفى الضيق والاتصال معا، قال في التوضيح: على ظاهر المذهب، وفي الحطاب بعد قوله: انتفيا، هذا هو الظاهر كما يفهم من كلام صاحب الطراز، خلافا لما رجحه المواق، والذي في المواق عن ابن رشد: ظاهر مذهب مالك في المدونة وسماع ابن القاسم صحة صلاته في الطرق المتصلة به مع انتفائهما، ولكنه أساء، قال الشيخ عبد الباقي: فكيف يعدل عنه؟ انتهى. وقال الشيخ الأمير: وصحت برحبته، وطرق متصلة به، وأساء إن لم يضق ولم تتصل الصفوف. وتحصل مما مر أن الجمعة لا تصح إلا في الجامع بالشروط المتقدمة، وأنها لا تصح خارجه إلا مع ضيق المسجد أو اتصال الصفوف. سند: أما المسجد فهو شرط متفق عليه لا يؤثر فيه خلاف عن أحد إلا أبا ثور وشيء تأوله بعض الناس عن مالك، ثم قال: فعند مالك والشافعي لا يكون المسجد إلا داخل المصر ولا تصلى في مسجد العيد وقال أبو حنيفة تجوز خارج المصر، قريبا نحو المواضع التي جعلت مصلى لصلاة العيد، ووجه المذهب العمل المتصل، ولأن هذا الموضع يجوز لأهل المصر قصر الصلاة فيه إذا سافروا عن المصر، فلم تجز لهم إقامة الجمعة فيه كالمواضع البعيدة عنه. انتهى. قاله الحطاب. كبيت القناديل؛ يعني أن الجمعة لا تصح ببيت القناديل؛ أي قناديل المسجد، وكذا بيت بسطه وسقائه؛ لأنه محوز، وظاهر المصنف: ولو مع الضيق، ونظر فيه صاحب الطراز بأن أصله من أصل المسجد، وإنما قُصِرَ على بعض مصالحه فهو أخف من الصلاة في حجر النبي ﷺ .

стр. 1455

واعلم أن نساء رسول الله ﷺ لم يصلَّين الجمعة بحُجَرِهِنَّ على عهد رسول الله ﷺ وبعدد إلى أن متن؛ وهي أشد تحجيرا من بيت المال، وقد كان القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وابن شهاب يصلون في المقصورة في المسجد. وأول من أحدث المقصورة في المسجد من الخلفاء معاوية ﵁ حين طعنه الخارجي، ثم استمر العمل عليها وهذا إذا كانت مباحة، وأما المحجورة عن آحاد الناس فلا تجزئ الجمعة فيها؛ لأنها خرجت بالحَجْر عن حكم الجامع. قاله الشيخ إبراهيم. وقال ابن غازي: قال مالك: أول من أحدث المقصورة مروان بن الحكم حين طعنه اليماني، فجعل مقصورة من طين، وجعل فيها تشبيكا، قال ابن رشد: اتخاذها في الجوامع مكروه، فإن كانت ممنوعة تفتح أحيانا وتغلق أحيانا، فالصف الأول هو الخارج عنها اللاصق بها، وإن كانت مباحة غير ممنوعة، فالصف الأول هو اللاصق بجدران القبلة في داخلها. روي ذلك عن مالك. ابن عرفة: رواه ابن وهب بزيادة: لا بأس بالصلاة فيها. ونقل بعض معاصري شيوخنا أنه الموالي للإمام مطلقا، وأنكر عليه، وبحث عنه فلم يوجد، واحتج لا تقدم عن القاسم بن محمد وعروة وابن شهاب بقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾؛ لأن حق الناس في المسجد جميعا، فليس لأحد أن يختص بشيء منه دون غيره. وانظر إذا كان بعض حوائط المسجد متصلا بالبحر وبجانبها سفن، هل تكون كالطرق المتصلة بها أم لا؟ وسطحه؛ يعني أن سطح المسجد لا تصح عليه الجمعة، قال فيها: ومن صلى يوم الجمعة على ظهر المسجد أعاد أبدا أربعا. ابن شاس: هو المشهور، وقال مالك، وأشهب، وأصبغ، ومطرف: يكره له ذلك ابتداء، فإن فعل صحت. وفصل ابن الماجشون بين المؤذن فتصح، وبين غيره فلا تصح، وحكى ابن يونس عن حمديس: الجواز إذا ضاق المسجد قاله الخرشي. (ودار) يعني أن الدار المتصلة بالمسجد أو الكائنة بالطرق المتصلة به لا تصح فيها الجمعة حيث كانت محجورة ولو أذن أهلها، وأما إن لم تكن محجورة بأن كانت تدخل بغير إذن أهلها، فحكمها حكم رحاب المسجد والطرق المتصلة به. (وحانوت) يعني أن الحانوت المحجور لا تصح الجمعة فيه وأما إن لم يكن محجورا فأجْرِهِ على رحبة المسجد والطرق المتصلة به يا فتى.

стр. 1456

وبجماعة؛ يعني أنه يشترط في صحة الجمعة أن توقع في جامع -كما مر- وفي جماعة من شرطها أن تتقرى؛ أي تستغني وتأمن، بهم؛ أي بتلك الجماعة قرية؛ أي أهلها؛ بأن يمكنهم الثواء؛ أي الإقامة شتاء وصيفا في محلهم، والدفع عن أنفسهم في الأمور الكثيرة لا النادرة، والباء في قوله: "بهم"، للسببية، أو للاستعانة. وأفهم قوله: "قرية"، أنه لا يشترط كونها مصرا جامعا، وهو كذلك خلافا لأبي حنيفة، وأفهم أيضا أنه لا يشترط أن يكون بها سوق؛ وهو كذلك على الصحيح، وقد روى مطرف أن الجمعة تقام في قرية ذات ثلاثين بيتا، واعتمد عياض ﵀ هذه الرواية في قواعده؛ إذ قال فيها: أو قرية يمكن استيطانها جامعة لأربعين بيتا أو ثلاثين فأكتر تشبه المصر في صورتها، يريد -والله أعلم- أن تكون متصلة البيوت، وقد روى القاسم بن محمد هذه الرواية حديثا عن النبي ﷺ ، وهو من آثار المدونة، فمن أخذ بهذه الرواية وتقلدها وأقامها في قرية ثلاثين بيتا فأكثر متصلة البيوت أجزأته -إن شاء الله-؛ وإن كانت خلاف المشهور، قاله ابن هلال بعد تقويته أنها لا تقام إلا في الأمصار والقرى العظام التي تشبه الأمصار، بعد أن نقل أن الأصل الظهر فلا ينتقل عنه إلا بيقين، وأنها لا تقام إلا على صفة مجمع عليها، وأن الخطاب يتوجه بها، وبعد أن نقل عن ابن رشد: أن الجمعة لا تجب إلا في القرية الكبيرة المتصلة البنيان التي فيها الأسواق، ومرة سكت عن اشتراط الأسواق، وأن سحنونا أنكر إقامتها ببعض القرى. اللخمي: وأخبرني بعض تلك القرية أن بها عشرة مساجد. واعلم أن ما يكون وسطا من مرابط الغنم والبقر، وحيث يلقى زبل، وتستنبت الخضر، وحانوت الحداد وشبهه، فإن ذلك كله من حكم الاتصال، ووقع التردد في المقبرة. انتهى. وقوله: "قرية"، بالفتح تجمع على قرى بالضم على غير قياس؛ لأن ما كان على فعلة بفتح الفاء من المعتل فجمعه ممدود كركوة وركاء وظبية وظباء، وجاء القرى مخالفا لبابه لا يقاس عليه. ولما كان حضور الجماعة المتقرى بهم لا يعتبر في كل جمعة، بل في الجمعة الأولى فقط. قال: أولا؛ يعني أن الجماعة الذين تتقرى بهم القرية لابد أن يحضروا الجمعة الأولى؛ أي لابد في

стр. 1457

صحة الجمعة الأولى أن توقع في جماعة تتقرى بهم القرية المقامة فيها الجمعة. بلا حد؛ يعني أن الجماعة المذكورين ليسوا محدودين على المشهور. وروى ابن حبيب: إذا كانوا ثلاثين رجلا أو ما قاربهم جمعوا، وإن كانوا أقل لم تجزهم. وفي مختصر الشيخ أبي إسحاق: اشتراط خمسين رجلا في صلاة الكسوف: قال بعضهم: فيه إشارة إلى اعتبار العدد في صلاة الجمعة. وحكى ابن الصباغ عن مالك أنها: لا تقام بأقل من أربعين رجلا، وذكر غيره قولا باعتبار اثني عشر، وأفهم كلام المؤلف أن الاثني عشر لا تتقرى بهم قرية، وعلى هذا فقوله: "بلا حد"، فيما زاد على الاثنى عشر. وإلا؛ يعني أنه إذا كان المقام غير الجمعة الأولى بل الثانية فما بعدها، فإنه لا يشترط في صحتها حضور الجماعة التي تتقرى بهم القرية، بل تصح. وتجوز؛ أي تجوز إقامتها باثني عشر من دون الإمام أحرار ذكورٍ بالغين متوطنين؛ أي ساكنين للبلد على نية التأبيد، مالكيين، أو حنفيين، كشافعيين قلدوا واحدا ممن ذكر، لا إن لم يقلدوا فلا تصح جمعة المالكي باثني عشر شافعيين لم يقلدوا؛ لأنه يشترط عندهم في صحتها أربعون يحفظون الفاتحة بشدَّاتها. فإن نقصوا لم تصح حال كون الاثني عشر. باقين لسلامها؛ أي لابد من بقائهم مع الإمام إلى أن يسلموا كلهم، فلو فسدت صلاة واحد منهم ولو بعد ما سلم الإمام بطلت على الجميع، ولابد أيضا من أن يحضر الجماعة الاثنا عشر الخطبة، فإن حضر ثالث عشر في الصلاة دون الخطبة، ثم حصل عذر لواحد من الاثني عشر الحاضرين للخطبة بطلت صلاة الجميع. تنبيه: من أدرك ثانية الجمعة مع الإمام، ثم بعد سلامه أي الإمام تذكر -أي هذا الذي أدرك الثانية- أنه نسي منها سجدة، سجدها باتفاق ابن القاسم وأشهب، ثم كمل أربعا عند ابن القاسم، وجمعة عند أشهب مراعاة لعدم سلام المأموم. ويوافقد ما تقدم في قوله: "وتداركه إن لم يسلم"، من أن المعتبر سلام المأموم، فإنا عرفت هذا عرفت أن الشيخين متفقان على أن سلام الإمام لا يفيت التدارك، ومبنى القولين على الخلاف فيما يحصل به إدراك الجماعة. وقد تقدم أن ابن القاسم يشترط إدراك الركعة بسجدتيها، وأن أشهب يكفي عمده إدراك الركوع. انتهى ملخصا من شرح الشيخ عبد الباقي، وحاشية الشيخ محمد بن الحسن بناني.

стр. 1458

وما قررت به كلام المصنف من أنه يشترط حضور الجماعة الذين تتقرى بهم القرية في الجمعة الأولى دون غيرها فيكفي اثنا عشر باقين لسلامها، مطابق لما فهمه في توضيحه من كلام ابن عبد السلام، والذي فهمه غيره من كلام ابن عبد السلام أنه لا يشترط حضور الجماعة الذين تتقرى بهم القرية في الجمعة الأولى ولا في غيرها، وإنما يشترط حضورهم في القرية بحيث إنهم إذا استعين بهم أعانوا. ولابد من وجود اثني عشر مع الإمام في كل جمعة، وهذا الثاني هو المذهب، وإنما اكتفي باثني عشر لأن الذين لم يَنفَضُّوا عن رسول الله ﷺ حين قدوم العير كانت عدتهم كذلك، وهم الصحابة العشرة وبلال، واختلف في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل: ابن مسعود ﵃، ووقع في رواية خالد الطحان أن جابرا قال: أنا منهم، وأما وقت انفضاضهم؛ ففي الخطبة. وقال الشيخ الأمير: وتجب على جماعة تتقرى بهم قرية بلا حد، ولو سافر بعضهم قريبا ويعود اعتبر، وتسقط الجمعة بموت بعضهم حيث كان الباقي لا تتقرى بهم قرية، ثم تصح بحضور اثني عشر منهم تلزمهم الجمعة غير الإمام لسلامها، وإمام مقيم، ولو كان بقية القرية أرقاء مثلا ولو في أول جمعة، على ما قرره الحطاب؛ وهو المرتضى. ويتحصل من كلامهم هنا أن المذهب أن الجمعة إنما تجب إذا كان في البلد جماعة تتقرى بهم القرية، فإذا وجدوا به فإنها تجب عليهم عند توفر الشروط، فإن حضروها فواضح، وإلا فتصح باثني عشر باقين لسلامها، فالجماعة المتقرَى بها شرط في وجوب الجمعة؛ بمعنى أنها لا تجب إلا إذا وجدوا في القرية، ولا يشترط حضورهم الصلاة لا في الجمعة الأولى ولا في غيرها؛ بل تجوز باثني عشر باقين لسلامها، هذا هو المعتمد كما عرفت. ويمكن حمل كلام المص عليه بتكلف. فتحمل الأولية على أولية إقامتها ووجوبها على أهل البلد؛ أي شرط خطابهم بها في أول أمرهم كونهم ممن تتقرى بهم قرية، ويكون معنى قوله: وإلا بأن لم تكن في أولها بل عند إقامتها فإنها تجوز باثنى عشر الخ. وجعله الخرشي على هذا الوجه مستدركا من مقدر أي وحضروها وإلا

стр. 1459

يحضروها فتجوز باثني عشر الخ. وقرر بعض الأولية على أولية إحرامها والدخول فيها؛ أي تشترط الجماعة التي تتقرى بهم القرية أولا؛ أي عند الدخول فيها لا دواما، فلو تفرقوا عنه بعد الإحرام أتمها باثني عشر. قاله الخرشي. قال جامعه عفا الله عنه: ولا يخفى ما في هذين التقريرين من التكلف. والله سبحانه أعلم. ولو كانت الجماعة التي تتقرى بهم القرية فيهم اثنا عشر ممن تنعقد بهم والباقي ممن لا تنعقد بهم، فهل يكتفى بذلك أم لا؟ قولان حكاهما ابن الحاجب وابن ناجي، واستظهر الأول وإذا تفرق من تتقرى بهم القرية يوم الجمعة في أشغالهم من حرث أو حصاد ولم يبق إلا اثنا عشر والإمام، جَمَّعوا. قاله ابن عرفة. ولو ارتحلت الجماعة المتقرية بهم القرية ولم يبق إلا اثنا عشر والإمام، جَمَّعوا إن نوت المرتحلة العود، وسافروا لموضع قريب، وأمن الباقون على أنفسهم كأن لم يكن أهلها إلا اثني عشر فقط مع إمكان الثواء والذب عن أنفسهم وإلا فلا، كتقريها بثلاثة أو أربعة. قاله الشيخ عبد الباقي. بإدخال شيء فيه من كلام الشيخ محشيه محمد بن الحسن بناني. وعلم مما مر أن التقري شرط وجوب بإمام مقيم؛ حال من قوله: "باثني عشر"، أو من قوله: "بجماعة": كما قاله الخرشي؛ يعني أن الجمعة لابد لها من إمام مقيم إقامة تقطع حكم السفر سواء كان متوطنا أم لا، فإذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام صحاح، جاز أن يكون إماما في الجمعة، وقال الشيخ محمد بن الحسن: ولو عطف قوله: "بإمام"، بالواو على ما قبله من الشروط كان أولى. انتهى. وقال غير واحد: إنما أتى بلفظ إمام توطئة لما بعده؛ لأنه علم من قوله: "اثني عشر" الخ، ولا تتوقف إجازة إمامة المسافر المقيم في الجمعة على عدم وجود خطيب في البلد، خلافا للجزولي، وابن عمر. قال الإمام الحطاب: والجواز هو الظاهر من إطلاق أهل المذهب، وتصح إمامته، ولو سافر بعد صلاته للجمعة إماما من غير طرو عذر. واعلم أن أهل القرية تجب عليهم وتنعقد بهم، ومن على كفرسخ تجب عليه ولا تنعقد به كالمسافر الذي نوى ببلدها إقامة تقطع حكم السفر، ويجوز أن يكون الإمام فيها من الأخيرين كالأول، وأما المسافر الذي لم ينو إقامة تقطع حكم السفر فلا يصح أن يكون إماما فيها كمن على أكثر من كفرسخ، وإنما اشترط في الإمام أن يكون مقيما، ولم يشترط فيه التوطن كالجماعة الاثني

стр. 1460

عشر؛ لأنه نائب عن الخليفة، فأعطي حكما متوسطا بين الجماعة والخليفة. وقال أشهب وسحنون: لا يشترط في الإمام أن يكون مقيما؛ لأنها إذا حضرها وجبت عليه وصار من أهلها، وعن مطرف وعبد الملك: إن كان مستخلفا صحت، وإلا فلا. والفرق بين جواز إمامة المقيم هنا ومنع إمامة المعتكف في المسجد ليلة المطر، ضعف التبعية هنا لمشاركته للمتوطن في وجوبها على كل، وقوة التبعية في المعتكف لانتفاء موجب الجمع فيه، فمنعت أن يكون متبوعا، وأيضا الجمع رخصة يقتصر فيها على محل ورودها. إلا الخليفة يمر بقرية جمعة؛ يعني أن الخليفة المسافر تصح إمامته في الجمعة إذا مر بقرية من قرى عمله توفرت فيها الشروط الموجبة للجمعة، فإذا مر بهم ولم يصلوا الجمعة، فيسحب له أن يُجَمِّع وتصح له ولهم، وأما لو قدم في الوقت بعد أن صلوا الجمعة فإنه لا يقيمها على الأصح. قاله في الشامل. وقوله: "إلا الخليفة" الخ هو غير مختلف فيه، قاله ابن رشد. ومثل الخليفة نائبه في الحكم والصلاة، قال الشبراخيتي: وأما الآن فليس لهم نيابة في الصلاة فيخطب إمام المسجد بحضورهم، وقوله: "إلا الخليفة"، مستثنى من مفهوم الصفة. قاله الشيخ إبراهيم. ولا تجب عليه؛ يعني أن الخليفة الذي يمر بقرية جمعة من قرى عمله في سفره، لا تجب عليه الجمعة، وإن صحت إمامته لأهلها حيث توفرت فيها الشروط وبغيرها تفسد عليه وعليهم؛ يعني أن الخليفة إذا مر في سفره بقرية من قرى عمله لم تتوفر فيها شروط الجمعة، وجمَّع بهم؛ أي صلى بهم الجمعة، فإنها تفسد عليه؛ إذ لا جمعة يسقط عنه حضورها الظهر، وتفسد عليهم أيضا لقصرهم الحضرية. وفي المدونة: قال مالك: إن خطب الأول ثم قدم وال سواه لم يصل بهم بالخطبة، وليبتدئ هذا القادم. قال محمد: وإن لم يقدم الثاني حتى صلى الأول بالقوم ركعة فإنه يتم بهم الركعة الثانية ويسلم، ثم تعاد الخطبة والصلاة من أولها، ولا يجوز أن يصلي الثاني من الجمعة ركعة ولا أقل بلا خطبة؛ لأن خطبة الأول باطلة. قاله الخرشي. وقال: ولو حضر؛ يعني الخليفة، ولو بعد الإحرام، ولو صلى ركعة بطلت، ويبتدئ الصلاة هو أو نائبه، وقيل: بعد ركعة تصح الصلاة.

стр. 1461

وبكونه الخاطب؛ يعني أنه يشترط في صحة صلاة الجمعة أن يكون الإمام هو الخاطب، قال ابن الحاجب: ومن شروطها أن لا يصلي غير الخاطب إلا لعذر. انتهى. قوله: "وبكونه الخاطب"؛ يعني (لأن ذلك فعله ﵊، وفعل الخلفاء بعده وغيرهم من التابعين إلى عصرنا هذا. قاله الخرشي، وغيره. وبما قررت علم أن قوله: "وبكونه"، عطف على الشروط السابقة، وقوله: "الخاطب"، خبر الكون. إلا لعذر؛ يعني أن ما مر من اشتراط كون الإمام هو الخاطب محله إن لم يحصل للخاطب عذر، وأما إن حصل له عذر كما إذا: مرض، أو جُنَّ، أو أغمي عليه، أو عجز، أو أحدث، أو رعف مع بعد الماء؛ فإنه يجوز أن يصلي غيره إماما. قاله الشيخ إبراهيم. وعلم من هذا أنه لا يجتزأ إلا بخطبة البالغ الذكر: وقوله: "إلا لعذر"، فيستخلف من يصلي بهم، فإن لم يستخلف استخلفوا لأنفسهم. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "إلا لعذر": فيخطب بالغ حر ذكر مقيم ويصلي غيره، فإن خطب غير بالغ وصلى بطلت. انتهى. ووجب انتظاره لعذر قرب زواله؛ أي أن الخاطب إذا وقع له عذر يمنع الإمامة بعد الخطبة أو أثناءها، فإن كان العذر يقرب زواله كالحدث فانه يجب انتظاره بالصلاة، قاله ابن كنانة وابن أبي حازم. وقيل: يستخلف عليهم، فإن لم يستخلف، استخلفوا هم ولا ينتظرونه، وهذا القول هو ظاهر المدونة. والقول الأول عزاه ابن يونس لسحنون، وقال بعض: وعزاه سند للجلاب، ورواه ابن حبيب عن مالك، ونحوه في الموازية، وقاله أشهب في المجموعة، وكأن صاحب الطراز جعله تفسيرا للمدونة، وبه جزم ابن كدوف في الوافي، فلذلك صححه المؤلف، فقال: على الأصح، وكلام المدونة هو قوله: فيها، وإذا أحدث الإمام في الخطبة فلا يتمها ولكن يستخلف من شهدها، وكذلك إن أحدث بعد الخطبة أو بعد ما أحرم، فإن مضى ولم يستخلف لم يصلوا أفذاذا واستخلفوا من يتم بهم، وأحب إلي أن يقدموا من شهد الخطبة، فإن لم يشهدها أجزأهم. انتهى.

стр. 1462

وقد تقدم في باب الاستخلاف أن انتظار الإمام إذا وقع له العذر في الصلاة مبطل، ومفهوم قوله: "لعذر قرب" أنه إن بعد زوال العذر لا ينتظر فيستخلف أو يستخلفون، فإن تقدم إمام من غير استخلاف أحد صحت، وأما لو وقع العذر قبل الشروع في الخطبة له أولهم فينتظر لبقاء جمعة من الاختياري عند ابن القاسم، وهو المعتمد، وصلى الظهر. وبخطبتين؛ يعني أن صحة الجمعة مشروطة بخطبتين، ولابد أن يكونا في داخل المسجد -كما مر- ولابد أيضا أن يكونا قبل الصلاة؛ أي صلاة الجمعة، فلو خطب بعدها أعاد الصلاة فقط. قاله في المدونة. قال الشبراخيتي: وأركان الخطبة ثلاثة: كَلامٌ مسجع مشتمل على تحذير وتبشير، وَكَوْنُهَا بالعربي وإليه أشار بقوله: مما تسميه العرب خطبة، وبالعجمية لغو وتعاد بالعربي، وكَوْنُها جهرا، وسرها لغو، وتعاد، ولذا قال ابن عرفة: ظاهر المذهب أن إسرارها كعدمها، وأنكر قول ابن هارون: قالوا إن سَرَّها (١) حتى لم يسمعه أحد أجزأته، وأما الصلاة على النبي ﷺ فصرح سند باستحبابها، وعند الشافعي أنها لا تسمى خطبة إلا بها، وأما المصنف فصرح باستحبابها، وأما ابتداؤها بالحمد فصرح ابن عرفة باستحبابه، وأما الدعاء للصحابة فبدعة مستحسنة، وأما ذكر السلاطين والدعاء لهم فبدعة، لكن بعد إحداثه واستمراره في الخطب في أقطار الأرض بحيث يخشى من عدمه على الخطيب غوائله ولا تؤمن عقوبته صار راجحا أو واجبا. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. وقال ابن المقوي من الشافعية: والمختار لا بأس بالدعاء للسلطان ما لم يكن فيه مجاوزة في وصفه؛ إذ يستحب الدعاء بصلاح السلاطين. قاله الحطاب. وقال الشيخ الأمير: وندب حمد وصلاة وهي سجع، ولا تبطل بنثرها ونظمها، والدعاء للصحابة والمسلمين بالثانية حسن، وللخليفة مكروه، وحرم لجائر أمن وإلا فقد يجب، ولا يضر تقديم الثانية. وقال الشيخ محمد بن الحسن: قال بعض المحققين: الخطبة عند العرب تطلق على ما

стр. 1463

يقال في المحافل من الكلام المنبه به على أمر مهم لدينهم المرشد فيه إلى مصلحة حالية أو مئالية تعود عليهم وإن لم تكن فيه موعظة أصلا، فضلا عن تبشير أو تحذير أو قرآن يتلى. وقول ابن العربي: أقله حمد الله والصلاة على النبي ﷺ وتحذير وتبشير وقرآن، مقابل المشهور، كما في ابن الحاجب. انتهى. وفي الشبراخيتي: وقال بعضهم: وهي نوع من الكلام مسجع مخالف للنظم والنثر يشتمل على نوع من التذكرة، فإن أتى بكلام نثر فظاهر كلام مالك أنه يعيد قبل الصلاة ويجزئ بعدها. وقوله: "مما تسميه العرب خطبة"؛ أي ولابد أن يكون لهما بال، فإن هلل وكبر فقط لم يجز، ويستحب كونهما على المنبر. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "مما تسميه العرب خطبة"، فلابد من كونها لها بال: ووقوعها بغير اللغة العربية لغو، فإن لم يكن في الجماعة من يعرف العربية والخطيب يعرفها وجبت أيضا، وقول التتائي: فإن لم يكن من يوعظ فهو عبث. انتهى. مراده: لم يكن ثم أحد بالكلية كما في عبارة ابن عطاء الله، فإن لم يعرف الخطيب عربية [لم تجب] (١). ثم إنه يجب في مسألة المصنف اتصال أجزاء بعضها ببعض، واتصالهما بالصلاة، ويسير الفصل مغتفر. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: من شروطها اتصالها بالصلاة. انتهى. تحضرهما الجاعة؛ يعني أن الجماعة الذين لا تنعقد إلا بهم -وهم الاثنا عشر المتقدم ذكرهم- لابد أن يحضروا الخطبتين من أولهما، فأل للعهد الذكري، فإن لم يحضروا من أولهما لم يكتف بذلك. وعلم من هذا أن حضور الخطبتين ليس بفرض عين على كل من تجب عليه الجمعة؛ إذ لو كان كذلك لما اختص بالعدد المذكور، فهو فرض كفاية إن زادوا على العدد المذكور، وفرض عين إن لم يزيدوا عليه، وإنما كان حضور الجماعة للخطبتين واجبا لقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي (٢)). ولم يصل النبي ﷺ قط جمعة إلا بخطبة في جماعة مستقلة.

стр. 1464

سند: فلو فرغ المؤذن ولم يأت أحد، نظر، فإن كان في المسجد جماعة تنعقد بهم الجمعة خطب، وإلا انتظر الجماعة، وما مشى عليه المصنف من أن الخطبتين شرط في صحة الجمعة، وأنه لو تركهما أو إحداهما لم تصح الجمعة هو مذهب ابن القاسم. وقال ابن الماجشون بسنيتهما وفي الواضحة: عن مالك سنية الثانية، وقد مر أنه لو أوقع الصلاة قبل الخطبة ثم خطب، أعاد الصلاة فقط. واعلم أن ما يقال: إن عثمان ﵁ صعد المنبر فأرتج عليه، وأنه قال كلاما من جملته: أنتم إلى أمير فعال، أحوج منكم إلى أمير قوال، كذبة عظيمة. قاله الشبراخيتي، ونحوه في الحطاب. واستقبله غير الصف الأول؛ يعني أنه إذا قام الإمام على المنبر يخطب، فإنه يجب على غير الصف الأول أن يستقبلوه بوجوههم، وأما الصف الأول فلا يلزمهم ذلك؛ لأنهم لا يتأتى لهم استقباله إلا بانتقالهم عن مواضعهم. الشادلي: فإن استقبلوه فلا شيء عليهم. انتهى وتبع المصنف فيما قاله اللخمي؛ وهو خلاف المذهب: أنه يجب على الناس استقبال الإمام بوجوههم على أهل الصف الأول وغيرهم، من سمعه ومن لم يسمعه، من يراه ومن لا يراه؛ لأن الإمام ترك استقبال القبلة واستقبلهم ليكون أبلغ في وعظهم، فعليهم أن يستقبلوه إجابة وطاعة. ابن القاسم: رأيت مالكا يتحدث مع أصحابه قبل أن يأتي الإمام، وبعد ما جاء لا يقطع حديثه، ولا يصرف وجهه إلى الإمام، ويقبل هو وأصحابه على الحديث كما هو حتى يسكت المؤذن، فإذا سكت، وقام الإمام للخطبة، تحول هو وأصحابه إلى الإمام، ويستقبلونه بوجوههم. عياض: قوله في الحديث: (إذا قعد الإمام على المنبر فاستقبلوه بوجوهكم). انتهى. ذكر القعود هنا على المنبر مجاز، قال: إنما ذلك إذا قام يخطب، وفي حديث ابن مسعود ﵁: (كنا إذا خطب رسول الله ﷺ استقبلناه بوجوهنا (١))، والذي يطلب استقباله هو وجه الإمام؛ أي

стр. 1465

ذاته لا جهته. قاله الخرشي. وقال الشيخ عبد الباقي: واستقبله وجوبا كما في المدونة. والباجي: عند نطقه بالخطبة لا قبله ولو جالسا على المنبر غير الصف الأول بذاته وجهته، وكذا الصف الأوك بجهته. انتهى. وقال الشيخ الأمير: والراجح سنية استقبال ذاته، ولو للصف الأول خلافا للأصل ولعبد الباقي. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وبهذا علم أن معنى قول عبد الباقي: "واستقبله غير الصف الأول"، بذاته وجهته؛ أنه يجب استقبال ذات الإمام، ويلزم من ذلك استقبال جهته على من لم يكن في الصف الأول، فالضمير في ذاته للإمام، وكذا الضمير في جهته؛ أي يستقبلون ذاته وجهته، على حد قولهم: جاء زيد بنفسه؛ وأن معنى قوله: وكذا الصف الأول بجهته، يجب على من في الصف الأول أن يستقبلوا جهته، وإن لم يستقبلوا ذاته فليس بواجب عليهم استقبال ذاته، فلا يلزمهم الانتقال حتى يستقبلوا ذاته. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن قول عبد الباقي: وكذا الصف الأول بجهته. كلام غير محرر. انتهى. وقال الشبراخيتي: والمشهور أنه يستقبله أهل الصف الأول وغيره، من يراه ومن لا يراه، من يسمعه ومن لا يسمعه، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة فاستقبلوه بوجوهكم، وأصغوا إليه بأسماعكم، وارمقوه بأبصاركم). انتهى. وفي الحطاب بعد جلب أنقال: فتحصل أن في وجوب الاستقبال طريقين، الأكثر على وجوبه. انتهى ورده الرماصي بقول الطراز: لا يحفظ وجوبه عن أحد، وصرح مالك بأنه سنة؛ وبأن أبا الحسن في شرح المدونة صرح بأن الاستقبال مستحب مقتصرا عليه. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر ما للحطاب لأن الوجوب ظاهر المدونة أو صريحها، ونصها: وإذا قام الإمام يخطب فحينئذ يجب قطع الكلام واستقباله والإنصات إليه. ونقل عن أبي الحسن خلاف ما نقل عنه الرماصي من ندب الاستقبال، فقال بعد أن نقل كلامه: وهذا كالصريح في الوجوب. اهـ. وعلى ما مشى عليه المصنف، فالظاهر أن الفرق بين الصف الأول وغيره، أن الصف الأول لقربهم منه لا يلزمهم استقبال ذاته، فلا يطالبون بانتقالهم عن مواضعهم، بخلاف غيرهم.

стр. 1466

وفي وجوب قيامه لهما تردد؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في حكم قيام الخطيب إذا كان يخطب، فمنهم من ذهب إلى أن القيام في حال الخطبتين واجب. قاله القاضي أبو بكر. وكذا الجلوس لهما، ونحوه للمازري، وزاد أن ذلك شرط، ومنهم من ذهب إلى أن القيام سنة، فإن خطب جالسا أساء وأجزأت. قاله القاضي عبد الوهاب. أبو الحسن: والذي يقوى عندي أن القيام والجلستين واجبان وجوب السنن فقط. وقال الشبراخيتي: الأكثر على أن القيام فيهما واجب. كما قاله ابن عرفة. وذهب ابن العربي إلى أن القيام لهما سنة. ولما أنهى الكلام على شروط الصحة، شرع في الكلام على شروط الوجوب، وهي خمسة، فقال: ولزمت المكلف؛ يعني أنه يشترط في لزوم الجمعة التكليف، فلا تجب على صبي ولا مجنون، وليس ذكره بضروري؛ إذ هو غير خاص بها، بل تركه أولى كما قاله في التوضيح: أنه لا يذكر في شروط الشيء إلا ما يخصه، لكنه ذكره توطئة للأوصاف بعده. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "ولزمت المكلف"؛ أي عينا بأوصافه الآتية ولو كافرا؛ لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة. الحر؛ يعني أنه يشترط في لزوم الجمعة مع التكليف الحرية، فلا تجب على المكلف إذا كان قنا أو فيه شائبة، ولو أذن السيد فإن حضرها الصبي أو القن أو من فيه شائبة أجزأتهم عن الظهر. الذكر؛ يعني أنه يشترط في لزوم الجمعة مع التكليف والحرية المذكورة، فلا تجب على امرأة، فإن حضرتها أجزأتها إجماعا. قاله الشيخ إبراهيم. بلا عذر؛ يعني أنه يشترط في لزوم الجمعة للمكلف الحر الذكر أن يكون غير ملابس لعذر من الأعذار الآتية، في قوله: "وعذر تركها والجماعة شدة" الخ، فإن تلبس بعذر منها سقط عنه وجوب الجمعة -كما يأتي- والأصل فيما ذكر قوله ﷺ (الجمعة واجبة إلا على امرأة، أو صبي، أو مريض، أو عبد، أو مسافر (١)). المتوطن؛ يعني أن الجمعة تلزم: المكلف، الحر، الذكر، غير المعذور إذا كان متوطنا

стр. 1467

للبلد الذي تقام فيه الجمعة، ومفهوم المصنف أن غير المتوطن فيه تفصيل؛ وهو أن المسافر لا تجب عليه إن لم ينو إقامة تقطع حكم السفر، فإن نواها لم تجب عليه إلا تبعا، كما يأتي إن شاء الله سبحانه. وقد مر أنها لا تنعقد إلا بالمتوطن، وأن المقيم إقامة تقطع حكم السفر يكون إماما في الجمعة، وإن لم يكن متوطنا بقريتها. واعلم أن المتوطن ببلد الجمعة تلزمه وإن بعدت داره عن المنار، سمع النداء أم لا، وأما من قريته خارجة عن بلد الجمعة فإنها تلزمه إن كانت قريبة، بل تلزمه وإن كان توطنه بقرية نائية بنون وهمزة بعدها ياء، من النأي؛ وهو البعد. بكفرسخ من المنار؛ يعني أن الجمعة تلزم من كان متوطنا بقرية بعد ما بينها وبين منار المسجد الذي تصلى فيه الجمعة قدر كفرسخ؛ أي ثلاثة أميال. وثلث ميل والمنار هو: السمعة، فإن اتحد النار فالأمر واضح، وإلا فالظاهر كما قال الأمير: اعتبار الأقرب. وبما قررت علم أن قوله: "بكفرسخ"، متعلق "بنائية"، ولو أبدل قوله: "بقرية"، بمحل لكان أحسن، ليشمل من توطن محلا قريبا من محل الجمعة، وإن لم يكن قرية كبيت شعر ونحوه. قال الخرشي في نقله عن الأجهوري، بعد أن فسر المتوطن هنا بأنه المتوطن بغير بلد الجمعة ما نصه: وأخرج بقوله: "المتوطن" من كان مقيما بكفرسخ من المنار؛ وهو غير متوطن، بأنه لا تلزمه الجمعة. انتهى. وحاصله أن المقيم بكفرسخ من المنار لا تلزمه الجمعة، لا أمالة ولا تبعا، بخلاف المقيم ببلد الجمعة فتلزمه تبعا، ولا تنعقد الجمعة بالتوطن بكفرسخ من المنار، مع أنها تلزمه تبعا. والله أعلم. وأخرج أيضا من ببلد على أكثر من كفرسخ من المنار، فلا تلزمه الجمعة. واعلم أن المراعى الشخص لا المسكن، فمن خرج عن مسكنه الداخل لثلاثة أميال فأخذه الوقت خارجها لا تجب عليه، وتجب على من منزلة خارج الثلاثة فأخذه الوقت داخلها، كما قاله الجزولي. وخالفه يوسف بن عمر في الثاني، فقال: لا تجب عليه إلا إن دخل مقيما لا مجتازا. انتهى. قاله الخرشي. وقد تقدم أن من في بلد الجمعة تلزمه ولو كان منزلة أبعد من المنار بأكثر

стр. 1468

من كفرسخ، الجزولي: أهل الجمعة ثلاثة أصناف: صنف تجب عليه وتنعقد به؛ وهم أهل المصر الذي يجب أن تقام به الجمعة، وصنف تجب عليه ولا تنعقد به؛ وهم الخارجون عنها ومحلهم داخل ثلاثة أميال، وصنف لا تجب عليه ولا تنعقد به؛ وهم الخارجون عن ثلاثة أميال أي وربع الميل أو ثلثه. قاله الشيخ الخرشي. وقد تقدم تقرير قوله: باستيطان بلد، بما يعلم به أنه لا يستغنى به عن قوله: "المتوطن"، والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أن "من" في قوله: "من المنار"، لابتداء الغاية في المكان، وفي كلام المصنف رد على ابن عبد الحكم القائل: إنما تعتبر الأميال الثلاثة من خارج المصر لا من المنار، والأول أظهر، ثم شبه في لزوم الجمعة فروعا أربعة، فقال: كإن أدرك المسافرَ النداءُ قبله؛ يعني أن المسافر من وطنه إذا أدركه النداء بكسر النون؛ أي الأذان، والمراد به الأذان الثاني الذي تكون الخطبة عقبه قبل أن يجاوز فرسخا، فإنه يجب عليه الرجوع إذا علم أو ظن أنه يدرك منها ركعة فأكثر، وإلا فلا فائدة في رجوعه. قاله الشيخ إبراهيم. وقد علمت أن هذا فيمن سافر من وطنه، وأما من أقام ببلد إقامة تقطع حكم السفر، ثم خرج منه وسمع النداء قبل مجاوزة الفرسخ؛ فإنه لا يلزمه. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. وكلام الناصر اللقاني خلاف ظاهر كلام أهل المذهب، والله سبحانه أعلم. قوله: "كإن أدرك المسافر النداء"، ظاهره أن الرجوع معلق بسماع الأذان؛ أي فلا يلزمه الرجوع إلا إذا سمع الأذان؛ وهو قول الباجي وسند، وعلق ابن عرفة الرجوع أي وجوبه بالزوال، سمع النداء أم لا، والضمير في قوله: "قبله"، للفرسخ من دون اعتبار مدخول الكاف؛ وهو المطابق للنقل، مع أن القياس وجوبه بالأولى من الساكن بالمحل المذكور. قاله غير واحد. وقال الشيخ الأمير: كإن أدرك المسافر النداء به؛ أي بكفرسخ. أو صلى الظهر ثم قدم؛ يعني أن المسافر إذا صلى الظهر وحدها فذا أو في جماعة، أو صلى الظهر مع العصر كذلك، ثم إنه قدم وطنه أو غيره ناويا إقامة تقطع حكم السفر، فوجدهم لم يصلوا الجمعة فإنه تلزمه صلاة الجمعة معهم عند مالك لتبين استعجاله، وإذا لزمه إعادتها وكان قد

стр. 1469

صلى العصر، فالظاهر أنه يعيد العصر استحبابا لا وجوبا، بمنزلة من صلى العصر قبل الظهر ناسيا. قاله الشيخ إبراهيم، والشيخ عبد الباقي، وزاد كما يدل له ما تقدم عند قوله: "وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام". انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما تقدم له هناك من عنده وهو غير مسلم له فراجعه. انتهى. وقوله: "أو صلى الظهر ثم قدم"، قال عبد الباقي: وإذا ترك ما وجب عليه من إعادتها معهم، فهل يعيدها ظهرا قضاء عما لزمه من إعادتها جمعة أولا؟ لتقدم صلاته لها قبل لزومها له جمعة، وظاهر قوله لآتي: "وغير المعذور إن صلى الظهر مدركا" الخ. الثاني: لعذره بالسفر. انتهى. قال الرهوني: سلم التاودي وبناني توقفه واحتجاجه، وما كان ينبغي لهما ذلك؛ فإن النصوص مصرحة بخلاف ذلك، ومن العجب أن ذلك في المواق، ففيه عن مالك ما نصه: إذا دخل المسافر وطنه بعد أن صلى الظهر ركعتين، فإن قدر أن يصلي الجمعة مع الإمام صلى وقد انتقضت صلاته. وفيه: عن ابن القاسم ولو أحدث الإمام فقدمه فصلى بهم لأجزأتهم. انتهى. وأتى بعد هذا من النقول بما هو فوق الكفاية، وما تقدم من أن من صلى الظهر ثم قدم، يشمل من قدم غير وطنه ناويا إقامة تقطع حكم السفر، صرح به في التوضيح، فجَعْلُ الأجهوري له بحثا قصور. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله. "أو صلى الظهر ثم قدم"، هو قول مالك، وقال ابن نافع: لا تلزمه لأنه فعل ما خوطب به، ويؤمر أن يأتي الجمعة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه. وقال أشهب: إن صلى الظهر في جماعة فالأولى فرضه، وينبغي له أن لا يأتي الجمعة، وإن صلى فذا فله أن يعيدها جماعة. وقال سحنون: إن صلى الظهر، وقد بقي بينه وبين المسجد ثلاثة أميال فأقل لزمته، وإلا فلا. قاله الخرشي. أو بلغ؛ يعني أن الصبي إذا صلى الجمعة أو الظهر ثم بلغ قبل تمام فعل الجمعة بحيث يدرك منها ركعة فأكثر مع الإمام؛ فإن الجمعة تلزمه، فإن لم تمكنه جمعة أعاد الظهر؛ لأن فعله ولو جمعة قبل البلوغ نفل، فلا يجزئ عن فرض. والظاهر شمول قوله: "أو صلى الظهر ثم قدم"، والفرعين بعده لمن تجب الجمعة عليه ولا تنعقد به. كما قاله الخرشي. وقد تقدم -شمول الأول لمن قدم غير وطنه ناويا إقامة تقطع حكم السفر- عن التوضيح.

стр. 1470

أو زال عذره؛ يعني أن من صلى الظهر لعذر من سجن، أو مرض، أو رق، ثم زال عذره قبل الجمعة بحيث يدرك مع الإمام ركعة؛ بأن خلي سبيل المسجون، أو صح المريض، أو أعتق الرقيق؛ فإنها تجب عليه؛ لأن العاقبة أسفرت أنه من أهلها، وقيل: لا تلزمه؛ لأنه أدى ما عليه. ومن صلى الجمعة بمحل إقامة تجب عليه فيه الجمعة تبعا، ثم قدم وطنه قبل إقامتها فيه، لم تجب عليه إعادتها ولا وجه للتنظير في ذلك، فإن المقيم والمستوطن سواء في الوجوب عليهما. قاله الشيخ محمد بن الحسن. لا بالإقامة؛ يعني أن الجمعة إنما تجب بالتوطن، وأما الإقامة فلا تجب بها ولو طالت، كمارين بقرية خالية يقيمون بها مدة طويلة من غير استيطان لها، والاستيطان هو نية الإقامة على التأبيد. إلا تبعا؛ يعني أن ما تقدم من عدم لزوم الجمعة لمن نوى إقامة أربعة أيام فأكثر من غير استيطان، إنما هو إذا لم يحضر من المتوطنين من تنعقد به الجمعة، وأما إن حضر من المتوطنين من تنعقد به الجمعة وهو الاثنا عشر المتقدم وصفهم، فإن المقيم حينئذ تلزمه الجمعة، وهذا هو معنى قوله: "تبعا". وعلم من هذا أن المنفي لزومها له استقلالا -والله سبحانه أعلم- فإذا كان العدد لا يتم إلا به لم يعتبر ولا تقام الجمعة، ويجوز أن يكون إماما -كما مر- قال الشيخ عبد الباقي: ومقتضى تعريفهم الاستيطان بنية الإقامة أبدا: أن من له زوجتان ببلدين متباعدين، ينوي الإقامة عند كل واحدة سنة -مثلا- أنه ليس مستوطنا للبلدين، وقد يقال: هو ناو فيهما الإقامة أبدا. انتهى. ولما فرغ المصنف ﵀ من الكلام على شروطها، أخذ يتكلم على مستحباتها، فقال: وندب تحسين هيئة؛ يعني أنه يندب لمريد حضور الجمعة أن يحسن هيئته؛ يعني الذاتية، بدليل قوله: "وجميل ثياب" من قص شارب، وظفر، ونتف إبط، وحلق عانة إن احتاج إلى ذلك، وإلا فهو على هيئة فلا يتعلق بها ندب التحسين؛ لأن تحصيل الحاصل محال، وسواك مطلقا، وقد يجب إن أكل كثوم يومها ولو حرم، وتوقفت إزالة رائحته عليه فإن لم يزلها سقط حضورها. كما يأتي.

стр. 1471

تنبيه: قال في الرسالة: والكحل للتداوي للرجال؛ أي ولا بأس بالكحل لأجل التداوي للرجال. قاله الشادلي. مفهومه: أنه لا يكتحل الرجال لغير ضرورة؛ وهو كذلك على أحد القولين، والآخر عن مالك جوازه، وعن الشافعي ﵁: هو سنة، لما روي (أنه ﷺ كان له مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين (١)): ووجه القول الأول بقوله: وهو من زينة النساء والتشبه بهن حرام، كالعكس إجماعا إلا لضرورة. انتهى. وجميل ثياب؛ يعني أنه يندب لمصلي الجمعة أن يلبس الثياب الجميلة؛ وهي البيض وإن عتيقة. واعلم أن تحسين الهيئة وجميل الثياب للصلاة لا لليوم، بخلاف العيد فلليوم، وندب فيه الجديد ولو أسود، فإن كان يوم الجمعة يوم عيد لبس الجديد غير الأبيض أول النهار، والأبيض لصلاة الجمعة ولو عتيقا -كما مر- ويدل له خبر الموطإ: (ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين للجمعة سوف ثوبي مهنته) (٢)؛ إذ الاتخاذ يشعر بقدمه، قال السيوطي: قال ابن عبد البر: المراد بالثوبين قميص ورداء، أو جبة ورداء، والمهنة بفتح الميم: الخدمة، وحُكِي كسرها، وأنكره الأصمعي. والأظهر أن ما للاستفهام الإنكاري؛ لأنه يفيد الطلب دون كونها للنفي، والمقصود من الحديث التحريض على التزين للجمعة والترغيب فيه، وعلى هذا الوجه حمله الباجي وغيره، والنفي ذكره الطيبي، واستبعده ابن مرزوق. وطيب؛ يعني أنه يندب للمصلي للجمعة أن يتطيب، قال الشيخ الخرشي عند قوله: "وندب تحسين هيئة"، هذا المستحب، وما بعده للصلاة لا لليوم. انتهى. قوله: "وطيب"، هو والاثنان قبله لغير النساء، قاله غير واحد. والمراد به: ماله رائحة طيبة، كماء الورد والبخور. وفي الحديث عنه ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة. ولبس من أحسن ثيابه، ومس من

стр. 1472

طيب إذا كان عنده، ثم أتى يوم الجمعة (١) ولم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها (٢)). وفي الموطإ: (كان ابن عمر لا يروح إلى الجمعة إلا إذا ادَّهَنَ وتطيب (٣)). وقال الإمام الشافعي: من نظف ثوبه قل همه ومن طاب ريحه زاد عقله. وإنما طلب الطيب والسواك يومها لأجل الملائكة الذين يكونون على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول، وربما صافحوه أو لمسوه، وفي رواية لابن خزيمة: (على كل باب من أبواب المسجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الأول فالأول (٤)). قاله الشبراخيتي: وفي الخرشي: ومنها التطيب بأي رائحة طيب، ولو بأنثى الطيب. انتهى. وقال الشيخ زروق: وتستحب الزينة، وقص الشارب، والظفر، ونتف الإبط، والاستحداد، والسواك، وجميل الثياب. انتهى. وقاله في الطراز. قاله الحطاب. ومشي؛ يعني أند يندب للذاهب إلى الجامع لصلاة الجمعة المشي في ذهابه، لما فيه من التواضع لله ، والاستكانة المطلوبين في جميع العبادات، وأما رجوعه، فإن شاء ركب فيه، وإن شاء مشى. وفي الحديث: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) (٥)؛ أي وشأن المشي الاغبرار، وإن لم يكن بينه وبين الجامع ما يغبر منه، واغبرار قدمي الراكب نادر، أو مظنة لعدم ذلك غالبا، فلا يرد نقضا. وكان أبو هريرة ﵁ يأتي ماشيا من ذي الحليفة، وقد نقل ابن الملقن في شرح البخاري: أن الماشي إلى الجمعة له بكل قدم كعمل عشرين سنة، وساق في ذلك حديثا من طريق

стр. 1473

الصديق ﵁: أن المشي إليها بكل قدم كعمل عشرين سنة، فإذا فرغ من الجمعة أجيز بعمل مائتي سنة. قاله الشيخ إبراهيم. وتهجير؛ يعني أنه يستحب في الجمعة التهجير أي الذهاب للمسجد بالهاجرة، وهل هي الساعة التي يعقبها الزوال؛ وهي السادسة من النهار؟ وإليه ذهب الباجي، وصاحب الاستذكار، والعبدي، وشهره الرجراجي. وقال التتائي: إنه الصحيح، وقال الحطاب: إنه الأصح، واقتصر عليه الأمير فقال: ورواح في السادسة؛ وهي المقسمة في الحديث. انتهى، أو التي تعقب الزوال؛ وهي السابعة من النهار؟ واختاره ابن العربي، وقال ابن عرفة: إنه الصحيح وعليه الأبي والمواق، قولان. وقال الحطاب: ما صححه ابن عرفة خلاف الأصح؛ أي والأصح أنها السادسة؛ لأن الإمام يطلب خروجه أول السابعة، وبخروجه تحضر الملائكة. والحديث المشار إليه هو حديث الموطإ؛ وهو قوله ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر (١)). انتهى. نقله الشيخ بناني، وغيره. وكره إمام الأئمة مالك التبكير، واستحبه الإمام الشافعي، وإنما كره مالك التبكير لأن رسول الله ﷺ لم يفعله، ولا الخلفاء بعده، وخيفة الرياء والسمعة. واعلم أن المراد في مذهبنا بالساعة في الحديث المذكور: أجزاء الساعة، فالساعة السادسة من النهار هي المُجَزَّأة الأجزاء المتقدمة، فجزؤها الأول هو الذي من راح فيه كأنما قرب بدنة، وجزؤها الثاني هو الذي من راح فيه كأنما قرب بقرة، وهكذا؛ وهذا هو الأصح؛ وهو الراجح. كما علمت. وقيل. إن الساعة المجزأة بهذه الأجزاء هي الساعة السابعة من النهار؛ وهي التي تعقب الزوال. وتقدم أن الإمام الشافعي استحب التبكير، واختلف فقهاؤهم في الساعة الأولى، هل هي من طلوع الفجر، أو الشمس؟ قال الشيخ عبد الباقي: والمجاز لازم على كلا المذهبين، أما على

стр. 1474

مذهبهم فالتجوز في الرواح؛ لأن الرواح حقيقة في الذهاب بعد الزوال، لقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، والساعة على حقيقتها في مذهبهم، وأما على مذهبنا فالتجوز في الرواح، وفي الساعة على أن المراد بالساعة المجزأة الساعة السادسة من النهار؛ وهي التي يعقبها الزوال، ففيه مجازان، وأما على أنها السابعة فالمجاز في الساعة فقط، والرواح على حقيقته، وأُيِّدَ مجاز مذهبنا بقوله في بقية الخبر: عقب الخامسة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر؛ إذ خروجه لا يعقب الخامسة، وإلا لزم إيقاع الجمعة قبل الزوال. ثم لا يخفى أن الخبر فيه الغسل، فلا يحصل الثواب الخاص إلا لفاعله، وإلا حصل له ثواب تهجير دون ما في الخبر من بدنة فبقرة فكبش فدجاجة فبيضة. انتهى. قوله: والتجوز في الساعة، قال الشيخ محمد بن الحسن: كذا في أبي الحسن، والذي لأبي بكر بن العربي في العارضة: قال مالك: الرواح إلى الجمعة إنما يكون بعد الزوال، إلى أن قال: والساعة عند العرب جزء من الزمان غير مقدر، فأفاد أن لا تجَوُّز في لفظ الساعة، وقوله: وأيد مجاز مذهبنا الخ، هذا التأويل لا يظهر إلا إن قلنا إن الساعة الأولى عندهم من طلوع الشمس لا من طلوع الفجر، وأما إن قلنا من طلوع الشمس فلا. انتهى. وقال الشبراخيتي: إن محل الخلاف، هل الساعة الأولى من طلوع الفجر أو الشمس؟ إنما هو فيما عدا يوم الجمعة، وأما يوم الجمعة فمن طلوع الشمس بلا خلاف. انتهى. وفي الشبراخيتي ما نصه: وفي حديث: بعد الكبش (بطة ثم دجاجة ثم بيضة (١))، وفي رواية النسائي: (دجاجة ثم عصفور ثم بيضة (٢))، وإسنادهما صحيح، وعليه فتكون الساعات ستا. انتهى. والعبرة بخروج الشخص من منزلة، لا بوصوله للمسجد، فلو خرج من منزلة في الساعة الأولى، ولبعد منزلة لم يصل إلى المسجد إلا في الساعة الثانية مثلا، فله أجر الساعة الأولى. وإقامة أهل السوق مطلقا بوقتها؛ يعني أنه يندب للإمام أو نائبه أن يقيم من في السوق مطلقا؛ أي من تلزمه الجمعة، ومن لا تلزمه عند دخول وقت الجمعة.

стр. 1475

ومعنى الإقامة أن يقيمهم من حوانيتهم وأسواقهم؛ أي يصرفهم عنها ولا يدعهم يتبايعون، أما إقامة من تلزمه الجمعة؛ فليلا يشتغل عنها، وأما إقامة من لا تلزمه الجمعة؛ فليلا يشغل من تلزمه أو يستبد بالربح. فيدخل على من تلزمه الضرر، فيمنعون ولو كفارا، وأيضا من لا تلزمه الجمعة يستحب حضور، وقوله: "بوقتها"، الباء للظرفية؛ وفي نسخة "باللام"؛ وهي للتعليل، أو بمعنى: عند. وقوله: "بوقتها"، وقتها هو الأذان الثاني؛ أي أنه يستحب للإمام أو نائبه أن يقيم رجلا نائبا عنه يقيم الناس من السوق وقتها. ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يوكل قبل النداء من ينهى الناس عن البيع والشراء، وأن يقيم من الأسواق من تلزمه، الجمعة ومن لا تلزمه وندب الإقامة للإمام لا ينافي وجوب السعي، وترك البيع على من تلزمه -كما لا يخفى- قاله الشيخ عبد الباقي. وإنما يمنع من البيع من لا تلزمه الجمعة في الأسواق، وأما في غير الأسواق فجائز للعبيد، والنساء، وأهل السجن، والمرضى أن يتبايعوا فيما بينهم. قاله ابن رشد. وسلام خطيب لخروجه؛ يعني أنه يندب للخطيب أن يسلم عند خروجه على الناس؛ أي عند دخوله المسجد ليرقى المنبر، قال ابن عرفة: ويسلم لدخوله، وفي الشادلي: ويسلم على الناس عند دخوله، فالندب منصب على خروجه على الناس. وأما أصل السلام فسنة. وفي الرسالة: وليرق المنبر كما يدخل أي وقت دخوله، فالكاف للمبادرة، وقوله: "لخروجه": قد علمت أن المراد بالخروج هنا: الدخول، ووجه تعبيره بالخروج مع أن المراد الدخول أنه أراد به خروجه من باب المسجد على الناس. قاله الإمام الحطاب. وأيضا في الحديث: (من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إذا كان عنده، ثم أتى يوم الجمعة ولم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها (١)). انتهى. فتأمل قوله: ثم أنصت إذا خرج إمامه.
следующие страницы →