تنبيه: قال في الرسالة: والكحل للتداوي للرجال؛ أي ولا بأس بالكحل لأجل التداوي للرجال. قاله الشادلي. مفهومه: أنه لا يكتحل الرجال لغير ضرورة؛ وهو كذلك على أحد القولين، والآخر عن مالك جوازه، وعن الشافعي ﵁: هو سنة، لما روي (أنه ﷺ كان له مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين (١)): ووجه القول الأول بقوله: وهو من زينة النساء والتشبه بهن حرام، كالعكس إجماعا إلا لضرورة. انتهى. وجميل ثياب؛ يعني أنه يندب لمصلي الجمعة أن يلبس الثياب الجميلة؛ وهي البيض وإن عتيقة.
واعلم أن تحسين الهيئة وجميل الثياب للصلاة لا لليوم، بخلاف العيد فلليوم، وندب فيه الجديد ولو أسود، فإن كان يوم الجمعة يوم عيد لبس الجديد غير الأبيض أول النهار، والأبيض لصلاة الجمعة ولو عتيقا -كما مر- ويدل له خبر الموطإ: (ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين للجمعة سوف ثوبي مهنته) (٢)؛ إذ الاتخاذ يشعر بقدمه، قال السيوطي: قال ابن عبد البر: المراد بالثوبين قميص ورداء، أو جبة ورداء، والمهنة بفتح الميم: الخدمة، وحُكِي كسرها، وأنكره الأصمعي. والأظهر أن ما للاستفهام الإنكاري؛ لأنه يفيد الطلب دون كونها للنفي، والمقصود من الحديث التحريض على التزين للجمعة والترغيب فيه، وعلى هذا الوجه حمله الباجي وغيره، والنفي ذكره الطيبي، واستبعده ابن مرزوق.
وطيب؛ يعني أنه يندب للمصلي للجمعة أن يتطيب، قال الشيخ الخرشي عند قوله: "وندب تحسين هيئة"، هذا المستحب، وما بعده للصلاة لا لليوم. انتهى. قوله: "وطيب"، هو والاثنان قبله لغير النساء، قاله غير واحد. والمراد به: ماله رائحة طيبة، كماء الورد والبخور. وفي الحديث عنه ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة. ولبس من أحسن ثيابه، ومس من
стр. 1472
طيب إذا كان عنده، ثم أتى يوم الجمعة (١) ولم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها (٢)).
وفي الموطإ: (كان ابن عمر لا يروح إلى الجمعة إلا إذا ادَّهَنَ وتطيب (٣)). وقال الإمام الشافعي: من نظف ثوبه قل همه ومن طاب ريحه زاد عقله.
وإنما طلب الطيب والسواك يومها لأجل الملائكة الذين يكونون على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول، وربما صافحوه أو لمسوه، وفي رواية لابن خزيمة: (على كل باب من أبواب المسجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الأول فالأول (٤)). قاله الشبراخيتي: وفي الخرشي: ومنها التطيب بأي رائحة طيب، ولو بأنثى الطيب. انتهى. وقال الشيخ زروق: وتستحب الزينة، وقص الشارب، والظفر، ونتف الإبط، والاستحداد، والسواك، وجميل الثياب. انتهى. وقاله في الطراز. قاله الحطاب. ومشي؛ يعني أند يندب للذاهب إلى الجامع لصلاة الجمعة المشي في ذهابه، لما فيه من التواضع لله ، والاستكانة المطلوبين في جميع العبادات، وأما رجوعه، فإن شاء ركب فيه، وإن شاء مشى. وفي الحديث: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) (٥)؛ أي وشأن المشي الاغبرار، وإن لم يكن بينه وبين الجامع ما يغبر منه، واغبرار قدمي الراكب نادر، أو مظنة لعدم ذلك غالبا، فلا يرد نقضا.
وكان أبو هريرة ﵁ يأتي ماشيا من ذي الحليفة، وقد نقل ابن الملقن في شرح البخاري: أن الماشي إلى الجمعة له بكل قدم كعمل عشرين سنة، وساق في ذلك حديثا من طريق
стр. 1473
الصديق ﵁: أن المشي إليها بكل قدم كعمل عشرين سنة، فإذا فرغ من الجمعة أجيز بعمل مائتي سنة. قاله الشيخ إبراهيم.
وتهجير؛ يعني أنه يستحب في الجمعة التهجير أي الذهاب للمسجد بالهاجرة، وهل هي الساعة التي يعقبها الزوال؛ وهي السادسة من النهار؟ وإليه ذهب الباجي، وصاحب الاستذكار، والعبدي، وشهره الرجراجي. وقال التتائي: إنه الصحيح، وقال الحطاب: إنه الأصح، واقتصر عليه الأمير فقال: ورواح في السادسة؛ وهي المقسمة في الحديث. انتهى، أو التي تعقب الزوال؛ وهي السابعة من النهار؟ واختاره ابن العربي، وقال ابن عرفة: إنه الصحيح وعليه الأبي والمواق، قولان. وقال الحطاب: ما صححه ابن عرفة خلاف الأصح؛ أي والأصح أنها السادسة؛ لأن الإمام يطلب خروجه أول السابعة، وبخروجه تحضر الملائكة. والحديث المشار إليه هو حديث الموطإ؛ وهو قوله ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر (١)). انتهى. نقله الشيخ بناني، وغيره. وكره إمام الأئمة مالك التبكير، واستحبه الإمام الشافعي، وإنما كره مالك التبكير لأن رسول الله ﷺ لم يفعله، ولا الخلفاء بعده، وخيفة الرياء والسمعة.
واعلم أن المراد في مذهبنا بالساعة في الحديث المذكور: أجزاء الساعة، فالساعة السادسة من النهار هي المُجَزَّأة الأجزاء المتقدمة، فجزؤها الأول هو الذي من راح فيه كأنما قرب بدنة، وجزؤها الثاني هو الذي من راح فيه كأنما قرب بقرة، وهكذا؛ وهذا هو الأصح؛ وهو الراجح. كما علمت. وقيل. إن الساعة المجزأة بهذه الأجزاء هي الساعة السابعة من النهار؛ وهي التي تعقب الزوال. وتقدم أن الإمام الشافعي استحب التبكير، واختلف فقهاؤهم في الساعة الأولى، هل هي من طلوع الفجر، أو الشمس؟ قال الشيخ عبد الباقي: والمجاز لازم على كلا المذهبين، أما على
стр. 1474
مذهبهم فالتجوز في الرواح؛ لأن الرواح حقيقة في الذهاب بعد الزوال، لقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، والساعة على حقيقتها في مذهبهم، وأما على مذهبنا فالتجوز في الرواح، وفي الساعة على أن المراد بالساعة المجزأة الساعة السادسة من النهار؛ وهي التي يعقبها الزوال، ففيه مجازان، وأما على أنها السابعة فالمجاز في الساعة فقط، والرواح على حقيقته، وأُيِّدَ مجاز مذهبنا بقوله في بقية الخبر: عقب الخامسة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر؛ إذ خروجه لا يعقب الخامسة، وإلا لزم إيقاع الجمعة قبل الزوال.
ثم لا يخفى أن الخبر فيه الغسل، فلا يحصل الثواب الخاص إلا لفاعله، وإلا حصل له ثواب تهجير دون ما في الخبر من بدنة فبقرة فكبش فدجاجة فبيضة. انتهى. قوله: والتجوز في الساعة، قال الشيخ محمد بن الحسن: كذا في أبي الحسن، والذي لأبي بكر بن العربي في العارضة: قال مالك: الرواح إلى الجمعة إنما يكون بعد الزوال، إلى أن قال: والساعة عند العرب جزء من الزمان غير مقدر، فأفاد أن لا تجَوُّز في لفظ الساعة، وقوله: وأيد مجاز مذهبنا الخ، هذا التأويل لا يظهر إلا إن قلنا إن الساعة الأولى عندهم من طلوع الشمس لا من طلوع الفجر، وأما إن قلنا من طلوع الشمس فلا. انتهى. وقال الشبراخيتي: إن محل الخلاف، هل الساعة الأولى من طلوع الفجر أو الشمس؟ إنما هو فيما عدا يوم الجمعة، وأما يوم الجمعة فمن طلوع الشمس بلا خلاف. انتهى. وفي الشبراخيتي ما نصه: وفي حديث: بعد الكبش (بطة ثم دجاجة ثم بيضة (١))، وفي رواية النسائي: (دجاجة ثم عصفور ثم بيضة (٢))، وإسنادهما صحيح، وعليه فتكون الساعات ستا. انتهى. والعبرة بخروج الشخص من منزلة، لا بوصوله للمسجد، فلو خرج من منزلة في الساعة الأولى، ولبعد منزلة لم يصل إلى المسجد إلا في الساعة الثانية مثلا، فله أجر الساعة الأولى. وإقامة أهل السوق مطلقا بوقتها؛ يعني أنه يندب للإمام أو نائبه أن يقيم من في السوق مطلقا؛ أي من تلزمه الجمعة، ومن لا تلزمه عند دخول وقت الجمعة.
стр. 1475
ومعنى الإقامة أن يقيمهم من حوانيتهم وأسواقهم؛ أي يصرفهم عنها ولا يدعهم يتبايعون، أما إقامة من تلزمه الجمعة؛ فليلا يشتغل عنها، وأما إقامة من لا تلزمه الجمعة؛ فليلا يشغل من تلزمه أو يستبد بالربح. فيدخل على من تلزمه الضرر، فيمنعون ولو كفارا، وأيضا من لا تلزمه الجمعة يستحب حضور، وقوله: "بوقتها"، الباء للظرفية؛ وفي نسخة "باللام"؛ وهي للتعليل، أو بمعنى: عند. وقوله: "بوقتها"، وقتها هو الأذان الثاني؛ أي أنه يستحب للإمام أو نائبه أن يقيم رجلا نائبا عنه يقيم الناس من السوق وقتها. ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يوكل قبل النداء من ينهى الناس عن البيع والشراء، وأن يقيم من الأسواق من تلزمه، الجمعة ومن لا تلزمه وندب الإقامة للإمام لا ينافي وجوب السعي، وترك البيع على من تلزمه -كما لا يخفى- قاله الشيخ عبد الباقي. وإنما يمنع من البيع من لا تلزمه الجمعة في الأسواق، وأما في غير الأسواق فجائز للعبيد، والنساء، وأهل السجن، والمرضى أن يتبايعوا فيما بينهم. قاله ابن رشد.
وسلام خطيب لخروجه؛ يعني أنه يندب للخطيب أن يسلم عند خروجه على الناس؛ أي عند دخوله المسجد ليرقى المنبر، قال ابن عرفة: ويسلم لدخوله، وفي الشادلي: ويسلم على الناس عند دخوله، فالندب منصب على خروجه على الناس.
وأما أصل السلام فسنة. وفي الرسالة: وليرق المنبر كما يدخل أي وقت دخوله، فالكاف للمبادرة، وقوله: "لخروجه": قد علمت أن المراد بالخروج هنا: الدخول، ووجه تعبيره بالخروج مع أن المراد الدخول أنه أراد به خروجه من باب المسجد على الناس. قاله الإمام الحطاب. وأيضا في الحديث: (من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إذا كان عنده، ثم أتى يوم الجمعة ولم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها (١)). انتهى. فتأمل قوله: ثم أنصت إذا خرج إمامه.
стр. 1476
لا صعوده؛ يعني أنه لا يندب للخطيب تأخير السلام لانتهاء صعوده على المنبر، بل يكره ذلك، ولا يجب رده لأنه لم يرد في شيء من الروايات الثابتة عن النبي ﷺ ، وإنما هو أمر محدث؛ وهو مذهب الإمام الشافعي، قاله الشارح. وما تقدم من أنه لا يجب الرد حيث سلم بعد انتهاء صعوده، ولو كان المسلم شافعيا يقول به. قاله الشيخ عبد الباقي. والله سبحانه أعلم. وقال أبو الحسن: يسلم الخطيب. والمؤذن الذي يناوله العصا، قال بعض: فيؤخذ منه أن يكون معه مؤذن يناوله العصا. قاله الخرشي.
وجلوسه بالرفع، عطف على نائب فاعل ندب. أولا؛ يعني أنه يندب للخطيب الجلوس أولا؛ أي إثر صعوده لفراغ الأذان؛ وهي للاستراحة من صعوده. سند: ولذا سميت الدرجة التي يجلس عليها المستراح، والراجح أنه سنة؛ وهو الذي جزم به ابن عرفة، وحكى ابن الحاجب وجوبه، وأنكر عليه وعلى ابن عبد السلام إقراره. وبينهما؛ يعني أنه يندب للخطيب الجلوس بين الخطبتين للفصل والاستراحة من تعب القيام قدر الجلوس بين السجدتين. ابن عات: قدر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وما ذكره في هذين منتقد، والمعتمد سنية كل اتفاقا في الثاني، وعلى الراجح في الأول كما في ابن عرفة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: اتفاقا في الثاني، هذا الاتفاق نقله ابن عرفة عن الباجي، وعارضه بقول ابن العربي: إن الجلوس بينهما فرض. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الإمام الحطاب: لم أر في الثاني قولا بالاستحباب، فضلا عن كونه المشهور، ثم قال: والحاصل أن كلا من المسألتين سنة على المعروف. انتهى.
وتقصيرهما؛ يعني أنه يندب للخطيب تقصير الخطبتين، بحيث لا يخرجهما تقصيره لهما عما تسميه العرب خطبة، لخبر: (طول صلاة الرجل وقصر خطبته [مئنة] (١)، من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة (٢)).
стр. 1477
وقد مر أن التخفيف لكل إمام مجمع على استحبابه، فراجعه إن شئت؛ أي فيحمل قوله: فأطيلوا الصلاة على ما إذا لم يضر بمن خلفه على ما مر. والله سبحانه أعلم.
والثانية أقصر؛ يعني أنه يندب أن تكون الخطبة الثانية أقصر من الأولى، ابن حبيب: (كان النبي ﷺ إذ دخل المسجد رقى المنبر فجلس، ثم يؤذن المؤذن، وكانوا ثلاثة يؤذنون على المنار، واحدا بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام النبي ﷺ يخطب)، وكذلك كان في حياة أبي بكر وعمر، ثم أمر عثمان لما كثر الناس أن يؤذن بالزوراء عند الزوال؛ وهو موضع في السوق ليرتفع منه الناس، فإذا خرج وجلس على المنبر أذن المؤذنون على المنار، كما كان يفعل في زمنه ﵊، وزمن صاحبيه المذكورين.
ثم إن هشام بن عبد الملك لما ولي إمارة المدينة أمر بنقل الأذان الذي كان بالزوراء، فجعل مؤذنا واحدا يؤذن عند الزوال على المنار، وأمر بنقل الأذان الذي كان على المنار بين يديه، واستقر العمل عليه. انتهى. ونقل الشادلي عن الشيخ زروق ما يخالف هذا عند قول أبي محمد: والسنة المتقدمة أن يصعدوا حينئذ على المنار؛ فإنه قال: أراد بالسنة المتقدمة سنة الصحابة ﵃ أجمعين؛ إذ لم يكن في زمنه ﷺ منار. انتهى. قال الشادلي: وفي كلام الفاكهاني مخالفة له. انتهى.
وعلم مما مر أن الإمام يرقى المنبر كما يدخل، وإذا صعد عليه أخذ المؤذنون في الأذان واحدا بعد واحد، وبعد صعود الإمام على المنبر يجلس للاستراحة من تعب صعوده إلى فراغ المؤذنين من الأذان، ويجب السعي إليها إذ ذاك، ويحرم البيع إذ ذاك أيضا؛ أي عند جلوس الإمام على المنبر، وأخذ المؤذنين في الأذان.
ومثل البيع غيره مما يشغل عن السعي، فإذا فرغ من الأذان خطب الإمام، وتقام الصلاة عند فراغ الخطبة، ولابد من اتصالها بالصلاة، ويسير الفصل مغتفر. والله سبحانه أعلم. وفي الحطاب: أن الأذان بين يدي الإمام في الجمعة مكروه، ونهى عنه مالك؛ لأنه بدعة أول من أحدثه هشام بن عبد الملك. ورفع صوته؛ يعني أنه يستحب للخطيب أن يرفع صوته بالخطبتين؛ لأنه أبلغ في
стр. 1478
الإسماع للوعظ، وعدل عن أن يقول: وجهر بهما؛ لأن الجهر بهما بقدر الإسماع واجب، والمندوب هو رفع الصوت بهما، وأما إسرارهما فكعدمهما.
وإنما ندب رفع الصوت بهما لخبر: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته (١))، ولذا يستحب كونه على منبر، وقال تاج الدين بهرام عند قوله: "ورفع صوته": يريد للإسماع، قال ابن شاس: ولذا استحب المنابر لأنها أبلغ في الإسماع، ألا ترى أنه لو خطب بالأرض جاز؟ كما كان النبي ﷺ يفعل، وأنكر ابن عرفة قول ابن هارون، قالوا: إن أسرها حتى لم يسمعه أحد أجزأت. انتهى.
وأول من اتخذ المنبر من غير الخلفاء: عمرو بن العاص لما بنى جامعه بمصر، كتب إليه عمر: أما بعد فقد بلغني عنك أنك اتخذت منبرا ترقى فيه على رقاب المسلمين، أما يكفيك أن تقوم قائما والمسلمون تحت عقبيك، فعزمت عليك لما كسرته فكسره. وانظر أمره له بكسره مع أنه ﷺ خطب على المنبر. قاله التتائي.
(وكان منبره ﵊ من خشب من أثل الغابة، كما في البخاري ومسلم (٢)). والأثل بسكون المثلثة، وفي المواهب: لم يثبت أنه كان من طين، وكان ثلاث درجات، وخطب أبو بكر بعده ﷺ على الدرجة الثانية أدبا معه ﵊، ثم عمر على الأخيرة القريبة للأرض ثم عثمان على التي كان يقف عليها الصديق، ورقى علي على التي كان يقف عليها النبي ﷺ .
والذي صنع منبره عليه الصلاد والسلام؛ هو ياقوت النجار القبطي، صنعه من طرفاء، وقيل: ميمون، وقيل: قبيصة، وقيل: تميم الداري، (وكان ﵊ يخطب إلى جذع: فلما
стр. 1479
اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتى إليه النبي ﷺ ، فالتزمه) وفي رواية (فمسحه (١)) وفي أخرى (فسمعنا له صوتا مثل أصوات العشار (٢)).
وكان منبره ﵊ ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح، ويستحب أن يقف على الدرجة التي تليها كما كان النبي ﷺ يفعل، وأجيب عما يفعله الخلفاء ﵃؛ بأن فعل بعضهم ليس بحجة على بعض، ولكل منهم قصد صحيح، والمختار موافقة النبي ﷺ لعموم الأمر بالاقتداء.
وأول من خطب على المنابر سيدنا إبراهيم. واستخلاف لعذر حاضرها؛ يعني أن الخطيب إذا حصل لد عذر في أثناء الخطبة أو بعدها، وقبل الصلاة، أو في أثناء الصلاة؛ فإنه يستحب له أن يستخلف لإتمام الخطبة، أو للصلاة، أو لإتمامها من حضر الخطبة كلها في الأخيرتين، أو بعضها في الأولى، ويخطب من انتهاء الأول إن علم، وإلا ابتدأها، كما في مسألة: وقرأ من انتهاء الأول، فإن لم يستخلف وجب على المأمومين الاستخلاف.
والحاصل أن الإمام يندب له الاستخلاف في الجمعة وغيرها، فإن لم يستخلف وجب الاستخلاف على المأمومين في الجمعة، وندب لهم في غيرها، هذا هو تحرير المسألة. وإنما يستخلف في الجمعة من تصح إمامته فيها، فلا يجوز استخلاف المسافر والعبد فيها، خلافا لأشهب، كما مر في الجماعة. قاله الحطاب.
وقراءة فيهما؛ يعني أنه يستحب للخطيب أن يقرأ في الخطبتين شيئا من القرآن. ابن يونس: ينبغي قراءة سورة تامة في الأولى من قصار المفصل، (وكان رسول الله ﷺ لا يدع أن يقرأ في خطبته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣): وكان عمر بن عبد العزيز يقرأ مرة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر﴾، ومرة: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. وقوله: "فيهما"؛ أي في مجموعهما الصادق بالأولى،
стр. 1480
وعبارة الشيخ الأمير: وقراءة في الأولى، وعبارة الشبراخيتي: واستحب أهل المذهب سورة كاملة في الأولى من قصار المفصل، وعبارة الشيخ عبد الباقي بعد أن جلب كلام ابن يونس: ويستفاد من النص المذكور أن المراد بقوله: "فيهما" في مجموعهما.
وقد مر أن ابتداء الخطبة بالحمد لله مندوب، وكذا الصلاة على النبي ﷺ . وختم الثانية بيغفر الله لنا ولكم؛ يعني أنه يندب للخطيب في الجمعة أن يختم الخطبة الثانية بقوله: يغفر الله لنا ولكم، وقال ابن عرفة: ويستحب بدؤها بالحمد، وختمها بأستغفر الله لي ولكم. وأجزأ اذكروا الله يذكركم؛ يعني أنه يجزئ في تحصيل المندوب؛ وهو ختم الثانية بيغفر الله لنا ولكم أن يختمها بقوله: اذكروا الله يذكركم، لكن الأول أفضل، قال في المدونة: والشأن أن يقول إذا فرغ من خطبته: يغفر الله لنا ولكم، ولو قال: اذكروا الله يذكركم، فحسن، والأول أصوب. انتهى فقوله: "وأجزأ"؛ أي في تحصيل المندوب الذي الكلام فيه، فلا تكلف فيه، وفهم من كلام المصنف أنه لا يختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾.
وأول من قرأ في الخطبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾: عمر بن عبد العزيز، وأول من قرأ في الخطبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: المهدي العباسي، وقال ابن حبيب: ليس من السنة رفع الأيدي بالدعاء عقب الخطبة إلا لخوف عدو أو قحط أو أمر، فلا بأس بأمر الإمام لهم بذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. وتوكؤ على كقوس؛ يعني أنه يستحب للخطيب أن يتوكأ أي ينعطف على قوس غير عود المنبر، ولو خطب بالأرض. وقوله: "وتوكؤ على كقوس"، وتكون في يمينه؛ وهو من الأمر القديم، (وفعل النبي ﷺ والخلفاء بعده (١)). واختلف في العلة في ذلك، فقيل: خوف العبث بمس لحيته أو غيرها، وقيل: تهييب للحاضرين وإشعار بأن من لم يقبل تلك الموعظة فله العصا، فإن تمادى على عدم قبولها قوتل بالسيف أو القوس، فإن لم يتوكأ فلا سنة له فيما يصنع بيديه، فإن شاء أرسلهما أو قبض اليمنى باليسرى، أو عكسه. قاله
стр. 1481
الشبراخيتي وإنما استحب كون العصا غير عود المنبر؛ لأنه لا يمكنه إرساله خوف سقوطه، بخلاف عود المنبر، فإنه يمكنه أن يرسله ولا يسقط، والمذكور في المدونة العصا، وسوى بها ابن حبيب القوس، فلو ذكرها لأنها الأصل لكان أولى، وإن لم توجد العصا فالقوس أو السيف، ويستحب أن تكون على منبر غربي المحراب، وروى ابن القاسم يخير من لا يرقاه في قيامه عن يمينه أو شماله، ورجح ابن رشد يمينه لمن يمسك عصا بقرب المحراب، وشماله لتاركها ليضع يده على عود المنبر، وأنكر ابن الحاج الصعود إلى أعلاه إن كان أكثر من درجات المنبر النبوي؛ وهي ثلاث درج -كما تقدم- والمراد بالقوس: القوس العربية؛ لأنها طويلة، لا الرومية؛ لأنها قصيرة. قاله الخرشي.
وقال الحطاب: قال ابن عرفة: وفي استحباب توكئه على عصا بيمينه خوف العبث مشهور روايتي ابن القاسم وشاذتهما. وفي إغناء القوس عنها مطلقا أو بالسفر فقط روايتا ابن وهب وابن زياد، ويستحب كونه على منبر عن يمين المحراب، وقال الشيخ الأمير: وتوكؤ على قوس عربية، وهو طويل يسير الاعوجاج، والأفضل العصا.
وقراءة الجمعة؛ يعني أنه يندب قراءة سورة الجمعة، في الركعة الأولى من صلاة الجمعة وإنما ندبت قراءة الجمعة فيها لمواظبة رسول الله ﷺ على ذلك غالبا. قاله الشبراخيتي. ولو فات الإمام قراءتها في الأولى: فلا يندب له قراءتها في الثانية، على ظاهر المذهب، إلا أن يكون قرأ في الأولى من فوقها؛ لأنه يكره تنكيس القراءة. قاله سند. قاله غير واحد. وإن لمبسوق؛ يعني أنه يندب قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى من صلاة الجمعة -كما علمت- ولا فرق في ذلك بين الإمام وغيره من مسبوق أدرك مع الإمام الركعة الثانية وفاتته الأولى؛ فإنه إذا سلم وقام لقضاء الأولى يستحب له أن يقرأ سورة الجمعة، وظاهره كالمدونة، وإن لم يكن الإمام قرأها. وهل أتيك؛ يعني أنه يندب للإمام في الجمعة أن يقرأ في الركعة الثانية منها ب: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ على ظاهر المذهب، قال فيها: وأحب إلينا أن يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة. ثم: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
стр. 1482
وأجاز بالثانية بسبح؛ يعني أن الإمام مالكا عليه رضوان السلام وجمعني وإياه في دار السلام، أجاز في تحصيل الندب قراءة سورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، في الثانية: أو المنافقون؛ يعني أن الإمام أجاز أيضا في تحصيل الندب قراءة سورة المنافقون في الثانية، وتحقيق ما أشار إليه المصنف أنه مخير في الركعة الثانية من الجمعة بين قراءة هذه السور الثلاث: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، والمنافقون، فبأيتهن قرأ حصل المندوب.
والحاصل أن هنا قولين؛ أحدهما: أن المندوب قراءة: هل أتيك في الثانية؛ وهو قول المدونة، ثانيهما: التخيير في السور الثلاث، فبأيتهن قرأ في الركعة الثانية حصل المندوب، قال الشبراخيتي: ولو قال المصنف، و: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ بثانية، أو هي أو: ﴿سَبِّحِ﴾، أو المنافقون، لوفى بما ذكر؛ وهو أن المستحب في الثانية إما الاقتصار على ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، أو الإتيان بها أو بـ ﴿سَبِّحِ﴾، أو المنافقون، والأول هو قول المدونة، والثاني هو قول الكافة. انتهى.
ولا يتوهم أن المصنف يحتمل أن ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ في الأولى، والجمعة في الثانية، مع ما علم، مما مر في كلامهم أن التنكيس مكروه أو خلاف الأولى، قال ابن قاسم الشافعي: والمصنفون يتركون أشياء اعتمادا على شهرتها فيما بينهم، ولا عيب عليهم في ذلك. انتهى. فكيف بما يفهم من سياق المصنفين أنفسهم؟ قاله الشيخ عبد الباقي.
وبما قررت من أن معنى: "أجاز"، أجاز في تحصيل الندب، اندفع ما يقال إن في قوله: "وأجاز"، نظراً؛ إذ لا يختص الجواز بما ذكر؛ إذ يجوز في الثانية قراءة أي شيء من القرآن. وحضور مكاتب؛ يعني أنه يندب للمكاتب أن يحضر الجمعة؛ أي يندب له أن يصلي الجمعة أذن سيده أم لا، لسقوط تصرفه عنه بالكتابة.
وصبي؛ يعني أنه يندب للصبي حضور الجمعة؛ أي يندب له أن يصليها أذن وليه أم لا، قال الشيخ عبد الباقي مشبها على الندب: كمسافر حيث لا مضرة عليه بحضوره ولا يشغله عن حوائجه، وإلا خير كذا ينبغي. قاله في التوضيح. فإن حضرها المكاتب لزمته ليلا يطعن على
стр. 1483
الإمام؛ وهو يوافق قوله: المار وإلا لزمته وفي الفاكهاني: لا تجب على المسافر إذا حضرها، قال الشيخ علي الأجهوري:
من يحضر الجمعة من ذي العذر … عليه أن يدخل معهم فادر
وما على أنثى ولا أهل السفر … والعبد فعلها وإن لها حضر
انتهى. وفيه مخالفة لقول الشادلي: إن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من حضور الجمعة في المسجد. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن بناني عن الشيخ الرماصي: إن عدم لزومها للمسافر على نقل الفاكهاني، إنما هو إذا حضر المسجد قبل الإقامة فلا إثم عليه في تركها لتلبسه بالعذر، بل له أن يخرج قبل الإقامة، ولا إثم عليه بخلاف ذى العذر، فإنه أبيح له التخلف للعذر، فإذا تكلف وحضر وجبت عليه لزوال العلة، أما خروج المسافر من المسجد بعد الإقامة فشيء آخر لا يؤخذ من نقل الفاكهاني؛ أي فلا يجوز له الخروج بعد الإقامة كما يشمله عموم المصنف في قوله: وإلا لزمته، فتقييد الأجهوريَّ بأن قوله: وإلا لزمته، فيمن تلزمه بعينها، والمسافر لا تلزمه بعينها، بل الواجب عليه الظهر، فَهْمٌ لكلام الأئمة على غير وجهه، وذِكْرٌ لقيد انفرد به. والله الموفق. انتهى.
وعبد ومدبر؛ يعني أنه يندب للعبد القن والمدبر أن يحضرا الجمعة؛ أي يندب لهما أن يصلياها في المسجد بشرط أن يكونا قد أذن لهما في حضور الجمعة سيدهما؛ أي المالك لهما، ومثلهما المعتق لأجل، وكذا المبعض إن كان يوم الجمعة لسيده، وإلا حضر بدون إذن سيده، وللخمي أن الجماعة الساقطة عنهم الجمعةُ أصناف، صنف تجب عليهم وتنعقد بهم إذا حضروها؛ وهم أصحاب الأعذار من المتوطنين الأحرار المذكور البالغين: وصنف لا تجب عليهم إذا حضروها ولا تنعقد بهم؛ وهم الصبيان: وصنف لا تجب عليهم، واختلف هل تنعقد بهم أم لا؟ وهم: النساء، والعبيد، والمسافرون. انتهى؛ يعني أنه اختلف في انعقادها بهم إذا حضروها، وإن كان المشهور أنها لا تنعقد بهم، وكونها لا تجب عليهم إذا حضروها لا يعارض ما تقدم من قوله: وإلا لزمته؛
стр. 1484
لأن ما تقدم فيما بعد الشروع في الإقامة، وهذا في حضور المسجد قبل الإقامة. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وأخر الظهر راج زوال عذره؛ يعني أن من سقط عنه وجوب الجمعة لعذر من الأعذار الآتية، يندب له أن يؤخر صلاته للظهر. حيث كان يرجو زوال عذره قبل صلاة الناس للجمعة، حتى يعلم أو يظن أنه إذا زال عذره لا يدركها ولا يتقيد بربع القامة، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: وتأخير ظهر؛ لأنه يفيد الاستحباب بلا كلفة، وأما تعبيره بالفعل فيوهم وجوب تأخير الظهر، وليس كذلك، وإلا؛ أي وإن لم يرج زوال عذره قبل صلاة الجمعة، فـ الأفضل له؛ أي للذي لم يرج زوال عذره التعجيل؛ لأن الصلاة أول الوقت أفضل من تأخيرها -كما مر- وهذا إذا كان فذا أو من في حكمه، وإلا أخرها لربع القامة -كما مر- وغير المعذور إن صلى الظهر مدركا لركعة لم تجزه؛ يعني أن من تجب عليه الجمعة لكونه لا عذر له إذا صلى الظهر؛ وهو يدرك مع الإمام ركعة من صلاة الجمعة، فإن صلاته لا تجزئه عند ابن القاسم، وأشهب، وعبد الملك؛ لأن الواجب عليه الجمعة، ولم يأت بها، ويعيد ظهره إن لم تمكنه جمعة، سواء كان ممن تنعقد به أم لا عمدا أو سهوا، وسواء صلى الظهر مجمعا على أن لا يصلي الجمعة أم لا، بخلاف من لا تجب عليه من المعذورين أو غير مكلف، فتجزئه الظهر، ولو كان يدرك الجمعة بتمامها.
ولا يجمع الظهر ألا ذو عذر؛ يعني أن من فاتته الجمعة وهو غير معذور، لا يجمع الظهر؛ أي لا يصليها جماعة؛ أي يكره له صلاتها جماعة، وأما إن كان معذورا فيطلب منه الجمع، ولا يحرم فضل الجماعة، وهذا إذا كان عذره كثير الوقوع كالمرض والسفر والسجن، وأما العذر النادر الوقوع كبيعة الأمير الظالم فإن صاحبه لا يجمع الظهر؛ أي يكره له صلاة الظهر جماعة كغير المعذور عند ابن القاسم، خلافا لابن وهب، قال ابن القاسم: وقد نصرني مالك في هذه على ابن وهب، ومثل المرض: المطر الغالب.
وحيث استحب لأهل العذر الجمع فيستحب صبرهم إلى فراغ الجمعة وإخفاء جماعتهم ليلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام، ولا يؤذنوا إذا جمعوا، ويكره لهم الجمع بعد الراتب في المسجد،
стр. 1485
كما يفيده قوله: "وإعادة جماعة بعد الراتب"، والقصة التى أشار إليها ابن القاسم هي أنهما تخلفا عن الجمعة بالإسكندرية خوف بيعة الأمير الظالم، فجمع ابن وهب بالقوم ورَآهم كالمسافرين، وخرج ابن القاسم عنهم، ثم قدما على مالك فسألاه، فقال: لا تجمعوا ولا يجمع إلا أحمل السجن: والمرضى، والمسافرون. انتهى. وقد تقدم أن المطر الغالب كالسفر، زاده ابن عرفة وعزاه لابن القاسم.
واعلم أن المصلين للظهر حيث تجب الجمعة أربع طوائف: طائفة لا تجب عليهم الجمعة؛ وهم المرضى والمسافرون وأهل السجون فهؤلاء يجمعون، إلا على رواية شاذة جاءت عن ابن القاسم أنهم لا يجمعون. فإن جمعوا على هذه الرواية لم يعيدوا وطائفة تخلفت عن الجمعة لعذر، فاختلف حمل يجمعون أم لا؟ وهو الخلاف المتقدم بين ابن القاسم: وابن وهب وعلى قول ابن القاسم إن جمعوا لم يعيدوا. وطائفة فاتتهم الجمعة فهؤلاء المشهور أنهم لا يجمعون، وقد قيل: إنهم يجمعون فإن جمعوا لم يعيدوا. وطائفة تخلفت عن الجمعة لغير عذر؛ فهؤلاء لا يجمعون واختلف إن جمعوا، فقيل: يعيدون، وقيل: لا يعيدون. انتهى ملخصا من الحطاب. وغيره.
وتحَصَّلَ من كلامهم أن من سعى إلى الجمعة وفاتته من أهل بلدها ونحوهم ممن يلزمه السعي إلى الجمعة -على ما مر- يصلون أفذاذا، فإن جمعوا فبئس ما صنعوا ولا إعادة عليهم، وقيل: يجمعون؛ وهو قول ابن نافع وأشهب، وأن من تخلف منهم عن السعي إليها لعذر كثير الوقوع كمرض أو سجن أو سفر يجمعون، وأن من تخلف لعذر غير غالب المشهور أنهم لا يجمعون، وعليه فإن جمعوا لم يعيدوا، وقيل: يجمعون، وأن من تخلف من أهل البلد ومن في حكمهم لغير عذر لا يجمعون، فإن جمعوا: فهل يعيدون أم لا؟ اختلف في ذلك والله سبحانه أعلم.
واستؤذن إمام؛ يعني أنه يستحب استئذان الإمام في إقامة الجمعة الأولى، وإنما كان مستحبا لأنه ليس من شروطها استئذان الإمام أو نائبه، ولو قال: واستئذان إمام (١)؛ لأن التعبير بالفعل يشعر بالوجوب. وقيل: يجب استيذانه وجوب شرط. نقله يحيى بن عمر. وعليه فيكفي إذنه أول مرة.
стр. 1486
ووجبت إن منع وأمنوا؛ يعني أنه إذا استؤذن الإمام في إقامة الجمعة ومنع منها، فإنه تجب على أهل البلد إقامتها حيث أمنوا منه على أنفسهم؛ لأن إقامتها لا تفتقر لإذنه. وإلا أي وإن لم يأمنوا على أنفسهم مع الاستئذان ومنع، أو مع عدم الاستئذان وأقاموها. لم تُجْز بضم التاء وسكون الجيم وكسر الزاي؛ أي لم يعتدوا بها في المسألتين، بل تجب عليهم الصلاة، بهذا قرر غير واحد كالشيخ عبد الباقي، والشيخ الحطاب، وغيرهما. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي حصلة أبو زيد الفاسي، واختاره المسناوي ما نصه: إذا منع الإمام من إقامتها، فإما أن يكون ذلك منه اجتهادا؛ بأن رأى مثلا شروط وجوبها غير متوفرة، وإما أن يكون ذلك منه جَوْرًا، فإن كان الأول وجبت طاعته ولا تحل مخالفته، فإن خالفوه وصلوا لم تجزهم، ويعيدونها أبدا، وإن كان الثاني ففيه تفصيل، فإن أمنوا على أنفسهم منه وجبت عليهم الجمعة، وإلا لم تَجُزْ لهم مخالفته، ولكن إذا وقع ذلك ونزل أجزأتهم، وعلى ما إذا كان منعه لهم جورا يحمل كلام المصنف. وعليه فيقرأ قوله: "وإلا لم تجز" بفتح التاء وضم الجيم من الجواز. انتهى المراد منه.
وسن غُسْل؛ يعني أنه يسن لمصلي الجمعة أن يغتسل غسل الجنابة، وفي افتقار هذا الغسل إلى نية قولان، والصحيح افتقاره إلى نية، وما مشى عليه المصنف من سنية هذا الغسل هو المشهور. وقيل: واجب، وقيل: مستحب، وقيل: يجب على من له رائحة يذهبها الغسل، ويستحب لغيره. وفي ابن يونس ما نصه: قال الرسول ﵇: (غسل الجمعة واجب على كل مسلم بالغ الحلم). ووجوبه عندنا وجوب السنن المؤكدة، لقوله ﵇. (من جاء يوم الجمعة فتوضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل (١)). ومعنى الحديث الذي رواه أبو هريرة: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) (٢) كغسل الجنابة كصفة غسل الجنابة، لا كوجوب غسل الجنابة فتتفق الأخبار ولا تتنافى. انتهى باقتصار بالقاف، قوله ﷺ في الحديث
стр. 1487
الشريف، فبها ونعمت؛ أي بالرخصة أخذ متصل بالرواح؛ يعني أن من شرط هذا الغسل أن يكون متصلا بالرواح أي الذهاب إلى الجامع، وما مشى ضليه المصنف من شرطية اتصال الغسل بالرواح هو المشهور، وإنما اشترط ذلك لقوله ﷺ : (إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) (١). انتهى. ويسير الفصل مغتفر، وقوله: بالرواح؛ أي الرواح المطلوب عندنا وهو التهجير، فلو راح قبله متصلا به غسله لم يجزه، وفيه خلاف. قال ابن القاسم في كتاب محمد: من اغتسل عند طلوع الفجر وراح فلا يجزئه. وقال مالك: لا يعجبني، وقال ابن وهب: يجزئه، واستحسنه اللخمي. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "بالرواح": أي بالذهاب إلى الجامع لصلاة الجمعة ولو قبل الزوال. وفي الشبراخيتي: ويدخل وقته بطلوع الفجر ونحوه للخرشي. قال: فلا يجزئ قبل الفجر.
ولو لم تلزمه؛ يعني أن الغسل للجمعة سنة مؤكدة، وسواء في ذلك من تلزمه، ومن لا تلزمه من مسافر، وعبد، وامرأة، وصبي كان ذا رائحة كالقصاب أي اللحام، والحوات أي السمَّاك، أم لا؟ لخبر: (من غسل واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام يسمع ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عملُ سنة أجرُ صيامها وقيامها) (٢). قوله: غسل بالتخفيف وبكر بالتشديد، ومعنى غسل واغتسل وبكر وابتكر: التأكيد، بدليل قوله: ومشى ولم يركب. قاله الإمام أحمد. وقيل: معنى غسل: غسل رأسه، واغتسل غسل سائر جسده. وقيل: غسل أصاب أهله قبل خروجه ليكون أملك لنفسه، وبكر: أدرك باكورة الخطبة، وقيل: غسل بالتشديد: أوجب الغسل على غيره بالجماع، واغتسل؛ أي اغتسل هو منه. وزعم بعضهم أن معنى بكر: تصدق قبل خروجه، وتأول في ذلك ما روي في الحديث: (باكروا بالصدقة: فإن البلاء لا يتخطاها) (٣)؛ وهو لابن
стр. 1488
الأنباري. وقوله: ولم يلغ بضم الغين، يقال: لغا الشيء يلغوا لغوا، من باب عدا يعدوا عدوا؛ أي بطل، ولغا الرجل تكلم بالكلام اللاغي أي الساقط، ولَغِيَ بالأمر من باب تعب لهج به.
والخطوة بفتح الخاء، يقال: خطوت أخطوا: مشيت، الواحدة خطوة بالفتح، مثل ضرب وضربة، والخطوة بالضم ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خطوات بالفتح، مثل: شهوة وشهوات، وجمع المضموم كغرفة وغرفات في أوجهها.
وقد تقدم أن صفة هذا الغسل كغسل الجنابة؛ وهو للصلاة لا لليوم، فلا يجزئ بعدها، وإن ذكره بالمسجد استحب خروجه له وإن فاتته الخطبة، وإن كان يفوته بعض الصلاة فلا يخرج، ويصلي بغير غسل. قاله في تعاليق ابن هارون. وفي الإكمال ما يقتضي عدم الخروج لظاهر إنكار عمر على عثمان؛ ولأن سماع الخطبة واجب فلا يترك لسنة؛ وهو ظاهر، وما في التعاليق جار على عدم وجوب سماع الخطبة.
وأعاد إن تغدى؛ يعني أن المغتسل للجمعة إذا تغدى؛ فإنه يعيد الغسل استنانا، ومعنى تغدى: أكل الغداء بالدال المهملة. أو نام؛ يعني أنه إذا اغتسل للجمعة ثم نام، فإنه يعيد الغسل استنانا أيضا، وهذا إذا نام. اختيارا، واحترز به عما إذا نام غلبة فإنه لا يطلب بالإعادة. وبما قررت من أن قوله: "اختيارا، راجع لقوله: "أو نام". علم أنه إذا تغدى يعيد الغسل على أي وجه تغدى، اختيارا، أو مكرها، أو لشدة جوع كما هو ظاهر إطلاقهم. وقاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "وأعاد إن تغدى أو نام"، مثل ذلك ما لو حصل له عرق أو صنان، أو خرج من المسجد بعيدا، فيستأنف الغسل. قاله غير واحد.
لا لأكل خف؛ يعني أن محل كونه يعيد الغسل إذا تغدى إنما هو إذا تغدى غداء يذهب نداوة الغسل، وأما إذا أكل أكلا خفيفا؛ وهو ما لا تذهب معه نداوة الغسل، فإنه لا يعيد الغسل، وكذا لا يعيد الغسل لنقض وضوئه. ولو قبل دخوله المسجد. قاله الشيخ عبد الباقي، وغيره. وفي المدونة: فإن اغتسل وراح، ثم أحدث، أو خرج من المسجد إلى موضع قريب، لم ينتقض غسله. وإن تباعد، أو سعى في بعض حوائجه، أو تغدى، أو نام انتقض غسله وأعاده. وقال ابن مزين:
стр. 1489
إن المتعمد للحدث يعيد الغسل. قاله الحطاب. ولو أجنب بعد غسله، فالظاهر أنه ينتقض. قاله الحطاب. وقوله: "وأعاد إن تغدى أو نام". قال الشبراخيتي: ظاهره سواء فعل ما ذكر من الغداء والنوم في طريقه أو في المسجد: وظاهر كلام الأم أن فعله في المسجد لا يضر. انتهى. وقوله: "لا لأكل خف"، وكذا إصلاح ثيابه وتبخيرها، وكذا شراؤه مارا بالسوق إن خف. وقوله: "لا لأكل "، الظاهر أنه معطوف على معنى إن تغدى؛ أي وأعاد للغداء لا لأكل خف. وفي الخرشي: أن الرواح والغدو عند العرب يستعملان في السير من ليل أو نهار.
وجاز تَخَطٍّ قبل جلوس الخطيب؛ يعني أنه يجوز التخطي لرقاب الجالسين في المسجد قبل جلوس الإمام على المنبر لفرجة ويكره لغيرها، وأما بعد جلوس الخطيب على المنبر فيحرم ولو لم يبدأ بالخطبة، ولو لفرجة، وأما بعد الخطبة وقبل الصلاة فجائز، ولو لغير فرجة. ومفهوم قوله: "تخط"، أن المشي بين الصفوف جائز ولو في حال الخطبة، قال ابن عرفة: ويمنع جلوسه لها التخطي لفرجة، وهو ظاهر المدونة، لكن قيدها ابن رشد بما إذا كان التخطي لغير فرجة في الصف الأول، وأما لها في الصف الأول فهو جائز، قال: لأن عدم وصلهم صَيَّرَهم لا حرمة لهم، ولم يرتض الشيخ الأجهوري والشيخ سالم تقييد ابن رشد اعتمادا على ما لابن عرفة.
وقد مر أنه بمنع التخطي بعد جلوسه، وظاهره: ولو في حال لغوه، ويفرق بينه وبين الكلام والصلاة يجوزَانِ إن لغا بأن التخطي فيه إذاية الجالسين وهي باقية: وقال الأجهوري: ينبغي أن يجري في التخطي حينئذ ما جرى في الصلاة والله سبحانه أعلم. وفي المدونة كراهة التخطي بعد جلوس الخطيب على المنبر؛ وهي محمولة على التحريم، فقد قال ﷺ للذي تخطى رقاب الناس: (آذيت (١)).
واحتباء فيها؛ يعني أنه يجوز للمأموم أن يحتبي في حال الخطبتين، والاحتباء إدارة الجالس ثوبه بظهره وركبتيه، ومنه الحبوة بالضم والكسر، ومثله في الجواز احتباء الخطيب في جلوسه أولا وبينهما: وكذا فيها إن خطب جالسا لعذر، أو على القول بأن القيام لهما سنة. وقوله:
стр. 1490
"فيها"، بالإفراد أي الخطبة المفهومة من الخطيب، كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ﴾؛ أي العدل ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، ولا بأس بالالتفات ومد الرجلين والإمام يخطب، وفي الحديث: (الاحتباء حيطان العرب (١))؛ أي ليس في البراري حيطان، فإذا أرادوا الاستناد احتبوا لأنه يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار، وروى أبو داوود، والترمذي، والحاكم، وابن ماجة (أن رسول الله ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب (٢)). وكذلك أنس وجل الصحابة والتابعين قالوا: لا بأس، ولم يبلغني أن أحدا كرهه إلا عُبادة، وقال الترمذي: كرهها قوم وقت الخطبة ورخص فيها آخرون، وقال النووي: وكرهها بعض أهل الحديث [للحديث] (٣) المذكور، والمعنى فيه أنها تجلب النوم، فتعرض طهارته للنقض، وتمنع من استماع الخطبة. قاله الإمام الحطاب. وقال: الاحتباء هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشد عليهما، وقد يكون باليدين عوض الثوب، وقال في النهاية: يقال احتبى يحتبي احتباء، والاسم الحبوة بالضم والكسر والجمع: حُبًا وحِبًا.
وكلام بعدها للصلاة؛ يعني أنه يجوز الكلام بعد الخطبة، وقبل: الصلاة ولو في حال نزول الخطيب، واللام للانتهاء؛ أي للدخول في الصلاة. وقال الشيخ عبد الباقي: لابتداء إقامتها، ويكره حينها أي الإقامة، ويحرم بعد الإحرام، ولا يختص هذا التفصيل بالجمعة، قال الشيخ سالم: ويجوز الكلام بين الإقامة والصلاة في غير الجمعة، وبين الخطبة والصلاة فيها. انتهى. قوله: ويكره حينها الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، فإن الذي يدل عليه نقل المواق هنا والحطاب، آخر الأذان جواز الكلام حين الإقامة. وفي المدونة: ويجوز الكلام بعد فراغه من الخطبة وقبل الصلاة. انتهى. وفي الحطاب في المحل المذكور: عن عروة بن الزبير (كانت الصلاة
стр. 1491
تقام ورسول الله ﷺ يناجي الرجل طويلا قبل أن يكبر (١))، وأما الكلام بعد الإحرام، فقد نص ابن رشد على أنه مكروه. نقله الحطاب في المحل المذكور. قال: إلا أن يكون فيه تشويش على غيره من المصلين، فيحرم.
وبما ذكرناه تعلم أن ما ذكره السنهوري صحيح على ظاهره. انتهى. وقوله: "وكلام بعدها للصلاة"، نص المصنف على جوازه دفعا لقول عطاء ومجاهد: إن الخطبة بدل من الركعتين؛ أي الأخيرتين لو لم تكن جمعة، فلم يجز الكلام بعد الخطبة للفراغ من الصلاة؛ لأن من تكلم حينئذ بمنزلة من تكلم في صلب الصلاة.
وخروج كمحدث بلا إذن؛ يعني أن من طرأ له حدث في الخطبة، أو ذكره، أو رعاف، أو نحو ذلك من الأمور المبيحة للخروج من الجامع، فإنه يجوز له أن يخرج من غير أن يستأذن الإمام الأعظم أو نائبه إن كان موجودا، لا إمام المسجد؛ لأنه غير معتبر. ومصب الجواز قوله: "بلا إذن"؛ أي وجاز لكالمحدث عدم الاستئذان في الخروج؛ لأن الخروج من أصله واجب. قاله غير واحد. وقال الشيخ عبد الباقي: "بلا إذن"، من الخطيب، وعبارة الشيخ الأمير: وخروج كمحدث بلا إذن الإمام، هذا محط الجواز، وأصل الخروج للوضوء واجب. انتهى.
وإقيال على ذكر قل سرا؛ يعني أنه يجوز للشخص والإمام يخطب الإقبال على فعل ذكر قليل، وينطق به سرا، فعلم منه أن المراد بالذكر: ذكر اللسان؛ لأن السر إنما يكون باللسان. قاله الشبراخيتي. وأخفى من السر حديث النفس، وبه فسر قوله : ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، وقوله: "وإقبال على ذكر قل سرا"، ليس مما استوى فعله وتركه، بل تركه أولى. قاله الحطاب، والشبراخيتي، والخرشي. وأما قول عبد الباقي: إنه مندوب، فقال محشيه محمد بن الحسن: صوابه أن يقول: تركه مندوب كما في المدونة، ونصها: ومن أقبل على الذكر في نفسه شيئا يسيرا والإمام يخطب فلا بأس وترك ذلك أحسن، وأحب إلي أن ينصت ويستمع. انتهى.
стр. 1492
أبو الحسن: لأن ذلك يشغله عن الإنصات للخطبة. انتهى. وفهم من المصنف منع كثيرة وجهر يسيره، ولعل المراد بالمنع الكراهة. قاله غير واحد.
ولما اختلف في جواز ذكر قل سرا، واتفق على جواز النطق بالتأمين والتعوذ عند السبب، وإنما اختلفوا في صفته من سر؛ وهو قول مالك: وصحح أو جهر؛ وهو قول ابن حبيب، قال: يؤمن الناس ويجهرون جهرا ليس بالعالي، شبَّه المختلف فيه بالمتفق عليه، فقال: كتأمين؛ يعني أنه يجوز التأمين والإمام يخطب، وكذا تجوز الصلاة على النبي ﷺ والإمام يخطب. وتعوذ؛ أي أنه كما يجوز التأمين والإمام يخطب، يجوز التعوذ والإمام يخطب، وقوله: عند السبب، راجع للتأمين والتعوذ، ومثلهما الصلاة على النبي ﷺ عند ذكره. وكذا الاستغفار، فسبب التأمين الدعاء، وسبب التعوذ ذكر النار أو الشيطان، وسبب الصلاة على رسول الله ﷺ ذكره كما تقدمت الإشارة إليه، هذا هو الذي يفيده ابن عرفة والشارح. وقيل: سببها؛ أي الصلاة على النبي ﷺ أن يأمرهم الخطيب بها، وتقدم قول ابن حبيب: إنه يجهر بالتأمين جهرا ليس بالعالي، وأما الجهر بالتأمين جهرا عاليا فبدعة كما في الحطاب.
وما مر من الاتفاق على جواز التأمين قاله غير واحد كالحطاب والخرشي وعبد الباقي، لكن قال محمد بن الحسن بناني: يرده ما في المواق عن ابن عبد الحكم أنه: لا يحرك به لسانه، والأول ذكره المواق عن الباجي. وقال عبد الباقي: إن التأمين والتعوذ غير مقيدين باليسارة، وقوله: كتأمين وتعوذ، ليس هذا مما استوى طرفاه، بل فعله أولى. قاله غير واحد.
كحمد عاطس؛ يعني أن من عطس والإمام يخطب، فإنه يجوز له أن يحمد الله سرا، وفصل بكاف التشبيه؛ لأنه سنة عند بعض، بخلاف ما قبله، والراجح أنه؛ أي حمد العاطس، مندوب، وهل مندوب هنا أو سنة على أصله؟ تردد. انتهى. وقوله: سرا: قيد في قوله: "كحمد عاطس"، وفيما قبله ليتمشى على قول الإمام، وعبارة الشيخ عبد الباقي: قيد فيه وفيما قبله ويكره جهرا.
стр. 1493
واعلم أن الجواز في هذه الأمور من قوله: "وإقبال على ذكر"، إلى هنا، مصبه الإقدام عليه في هذه الحالة، وإلا فهو في نفسه مطلوب، وقوله: "كحمد عاطس"، الحمد مطلوب هنا كما علمت؛ لأن الخطبة أوسع من الصلاة بدليل إبطالها بالكلام دون الخطبة. ونهي خطيب؛ يعني أنه يجوز للخطيب أن ينهى غيره في حال الخطبة، كما يجوز نهيه لغيره، يجوز له أمره في حال الخطبة.
وبما قررت علم أن كلا من قوله: "ونهي"، "وأمر" مرفوع معطوف على قوله: "تخط". والإضافة فيهما من إضافة المصدر لفاعله لا مجرور عطف على مدخول الكاف من قوله: "كتأمين"؛ لأنه من المندوب، وإن اقتضى المصنف جوازه، وهذان الأخيران جائزان فقط، والأول كقوله: لا تتكلم، والثاني نحو: أنصت، والأصل في هذا قوله ﷺ للذي تخطى رقاب الناس: (اجلس فقد آذيت (١)): ولسليك: (أصليت؟ فقال: لا، قال: فَصَلَّ ركعتين، فتجَوَّزْ فيهما (٢)). وإجابته؛ يعني أنه يجوز لمن كلمه الخطيب في أمر أو نهي أن يجيبه، ولا يعد كل منهما لاغيا، ودليله: سؤاله ﷺ لسليك، وإجابة سليك له، وقوله: "وإجابته"، من إضافة المصدر لمفعوله، والضمير فيه للخطيب، فإن قلت الإجابة في الحديث في غير أمر ونهي؟ فالجواب أنها في المعنى متعلقة بأمر، وإذا وقف الخطيب في الخطبة فإنه لا يرد عليه أحد؛ لأنها إجابة من غير طلب منه، وفي المدونة لمالك: لا بأس أن يتكلم الإمام في خطبته بأمر أو نهي يأمر به الناس أو يعظهم به، ولا يكون لاغيا. انتهى. وليس للخطيب أن يتكلم بغير الأمر والنهي، واستظهر بعضهم أنه إذا وقف الخطيب في الخطبة واستطعم، وطلب الفتح، فإنه يفتح عليه، ولا يكون لاغيا، كما يؤخذ من قوله: وإجابته؛ لأنه طالب حكما، وأما إجابة الخطيب لغيره فتجوز فيما إذا سأله شخص عن مسألة تتعلق بدينه لكن جوابا لا طول فيه بحيث يخرج عن نظام الخطبة. قاله الخرشي. وصوب الرهوني ما لعبد الباقي، فإنه قال: وفي النوادر، قال
стр. 1494
ابن حبيب: ولا يلقن فيما تعايا فيه من الخطبة، وأما ما يقرأ فيها من القرآن فلا بأس أن يلقن فيه، وقال الحطاب قال ابن حجر في فتح الباري في حديث الذي سأل النبي ﷺ وهو يُحَدِّث فمضى في حديثه ما نصه: أخذ بظاهر القصة مالك وأحمد وغيرهما في الخطبة، فقالوا: لا يقطع الخطبة سؤال سائل، بل إذا فرغ يجيبه.
وفصل الجمهور بين أن يقع في أثناء واجباتها فيؤخر الجواب، أو في غير الواجبات فيجيب، ثم قال: والأولى التفصيل، فإن كان مما يهتم به في أمر الدين، ولاسيما إن اختص بالسائل فتستحب إجابته ثم يتم الخطبة، وكذا بين الخطبة والصلاة، وإن كان بخلاف ذلك فيؤخر إجابته، وكذا يقع في أثناء الواجب، ما يقتضي تقديم الجواب لكن إذا أجاب استأنف على الأصح، ويؤخذ ذلك كله من اختلاف (١) الواردة في ذلك، فإن كان السؤال من الأمور التي ليست معرفتها على الفور بمهتم به يؤخر كما في هذا الحديث، ولاسيما إن كان ترك السؤال أولى، وإن كان السائل به ضرورة ناجزة فيقدم إجابته، كما في حديث أبي رفاعة عند مسلم أنه قال للنبي ﷺ وهو يخطب: (رجل غريب لا يدري دينه، جاء يسأل عن دينه فترك خطبته، وأتي بكرسي فقعد عليه فجعل يعلمه، ثم أتى خطبته فأتم آخرها) (٢) انتهى.
ومن إجابة الخطيب لغيره قول علي ﵁ على المنبر لسائله: "صار ثمنها تسعا"، وفهم مما تقدم أن الخطيب إذا طلب الفتح يفتح عليه. قاله الشيخ عبد الباقي، وقد مرت الإشارة إلى ذلك. وكره ترك طهر فيهما؛ يعني أن الطهر ليس شرطا في الخطبتين، فلذا لو خطب محدثا حدثا أصغر أو أكبر، أجزأ ذلك مع الكراهة أي كراهة ترك التطهر للخطبتين، وحرمة مكثه جنبا بالمسجد لا يقتضي بطلان الخطبة، فتتعلق به الحرمة والكراهة من جهتين مختلفتين، كما تتعلق الحرمة والندب من جهتين مختلفتين بصلاة نافلة لمن عليه فوائت، قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 1495
وبما قررت علم أن الضمير في قوله: "فيهما"، يعود على الخطبتين. ابن يونس عن سحنون: إن ذكر في الخطب (١) أنه جنب نزل للغسل، وانتظروه إن قرب وبنى، قال غيره: فإن لم يفعل وتمادى في الخطبة واستخلف في الصلاة، أجزأ ذلك، وما ذكره المصنف هو المشهور. أبو الحسن: وظاهر المذهب اشتراط الطهارة فيهما.
والعمل يومها؛ يعني أنه يكره ترك العمل يوم الجمعة؛ يريد إذا تركه تعظيما لليوم كما يفعل أهل الكتاب بسبتهم، وأما ترك العمل للاستراحة يومها فجائز، وأما تركه للاشتغال بأمر الجمعة من دخول حمام وتنظيف ثياب وسعي لمسجد من بعد منزل فمندوب، وأما العمل فيها فمنه مندوب؛ وهو عمله وظائف الجمعة، والعمل الذي قصد به الخروج من الترك المكروه، واشتغاله بالعلم فيما زاد على ما يعمل فيه وظائف الجمعة. ومنه جائز؛ وهو العمل الذي تركه جائز، ومنه مكروه؛ وهو العمل الذي يشغله عن وظائف الجمعة من غير حاجة إليه.
وبما قررت علم أن قوله: "والعمل"، مجرور عطف على طهر، وما قررت به المصنف قرره به الحطاب والخرشي، ونحوه قرره عبد الباقي والشبراخيتي، إلا أنهما قالا: إذا ترك العمل استنانا تعظيما لليوم. انتهى.
وبيع كعبد بسوق وقتها؛ يعني أنه يكره أن يتبايع من لا تلزمه الجمعة من عبد، ومسافر، وصبي، وامرأة، ومعذور وقت الخطبة؛ وهو جلوس الإمام على المنبر حيث كان تبايعهم بينهم بسوق، لا قبل جلوسه، ولا بعد الفراغ منها، ولا بغير سوق فيجوز.
وعلم مما قررت أن هذا البيع إنما وقع بين من لا تلزمهم الجمعة، وأما إن وقع بيع من لا تلزمه الجمعة مع من تلزمه الجمعة حينئذ فإنه حرام، ويفسخ كما يأتي بسوق وبغيره، ولم يقنع المصنف بقوله: وإقامة أهل السوق مطلقا بوقتها؛ لأنه استحباب للإمام، ولهذا عممه فيمن تلزمهم ومن لا تلزمهم، وهذا في حق غيره.
стр. 1496
وما ذكره المصنف من الكراهة اعترضه الرماصي بأن النص حرمة البيع وقتها لمن تلزمه ولمن لا تلزمه، ففي المدونة: وإذا قعد الإمام على المنبر، وأذن المؤذن حرم حينئذ البيع، ومنع منه من تلزمه ومن لا تلزمه، قال الوانوغي: وقيده ابن رشد بما إذا كان في الأسواق، ويجوز في غير الأسواق لمن لا تجب عليه، ويمتنع في الأسواق للعبيد وغيرهم. انتهى. وكلام ابن رشد هذا نقله الحطاب، وكذا المواق عند قوله الآتي: "وفسخ بيع"، وفهمه على الحرمة مطلقا، وتعقُّبُ بعضهم ذلك بأن قول المدونة: منع منه، ليس معناه: حرم، بل معناه: أن الإمام يمنعهم من ذلك، فلا يدل على الحرمة مطلقا، يُرَدُّ؛ بأن إطلاق قولها: حرم البيع، وتسويتها من تلزمه بمن لا تلزمه دليل إرادة الحرمة مطلقا، كما هو ظاهرها، وعبارة الوانوغي صريحة في الحرمة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشبراخيتي عند قوله: "وقتها": ولا يفسخ على المشهور، خلافا لابن نافع. وتنفل إمام قبلها؛ أي الخطبة؛ يعني أن الإمام إذا جاء وقد حان وقت الخطبة، فإنه يكره له أن يتنفل حينئذ، وليَرْقَ المنبر كما يدخل، وأما إن دخل قبل وقت الخطبة، أو جلس ينتظر الجماعة، فتطلب منه التحية، كما هو مقتضى نص الباجي عن ابن حبيب. قوله: "وتنفل" بالرفع، عطف على "ترك" أو جالس عند الأذان؛ يعني أنه يكره لمن كان جالسا في المسجد يوم الجمعة أن يتنفل عند الأذان الأول للجمعة، وإنما قيد بذلك ليلا يعارض ما يأتي في المحرمات، وابتداء صلاة بخروجه، وكذا كل وقت أذان للصلاة غير الجمعة على ما في مختصر الوقار، ونصه: ويكره قيام الناس للركوع بعد فراغ المؤذنين من الأذان يوم الجمعة، وغيرها. انتهى. أي إذا فعله استنانا خوف اعتقاد وجوبه ولو ممن رآه، فلا يكره لمن فعله في خاصة نفسه من غير اعتقاد سنية؛ وهو غير مقتدى به، ولا يكره أيضا لمتنفل قبل الأذان فاستمر، ولا لقادم عند الأذان في الجمعة وغيرها، وتنتهي الكراهة بالصلاة التي أذن لها، وبخروجه من المسجد، أو بوضوئه ولو بصحنه ولو تجديدا، كما تفيده العلة المتقدمة.
ومثل كراهته قبل الجمعة، تنفله بعدها استنانا. ابن عبد السلام: ويمتد وقت الكراهة بعد الجمعة حتى ينصرف أكثر المصلين لا كلهم، أو يحين وقت انصرافهم وإن لم ينصرفوا، ويحتمل
стр. 1497
أنه يكره لكل مصل أن يتنفل بعد الجمعة في الجامع حتى ينصرف، وهذا هو المنصوص: وهو للإمام أشد كراهة، قاله الشارح، قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الشبراخيتي: ومحل الكراهة حيث فعل ذلك من يخشى منه أن يعتقد وجوبه، وأما من فعله معتقدا أنه من النفل المندوب فلا يكره له ذلك، كما يفيده كلام الشارح. وينبغي أن يقيد بما إذا لم يكن المتنفل ممن يقتدى به، وإلا كره. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي: ظاهر جمعهم بين قوله: "والأفضل لفذ تقديمها مطلقا"، وبين قوله: "وقبلها كعصر" من حمل الثاني على منتظر الجماعة، يفيد ضعف ما في مختصر الوقار، من جعل الكراهة لغير الجمعة أيضا. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل لا يفيده؛ لأن هذا الحمل مبني على ما إذا دخل المسجد بعد الأذان، وقصد انتظار الجماعة، وما في مختصر الوقار: إذا كان جالسا عند الأذان. انتهى.
وعلم مما تقدم أن الكراهة تبتدأ من حين الأذان، وتنتهي بالصلاة الخ. وحضور شابة؛ يعني أنه يكره حضور الشابة التي لا تخشى منها الفتنة، وأما هي فيحرم حضورها لها، وأما المتجالة التي لا أرب للرجال فيها فحضورها لها جائز، وإنما كره حضور الشابة التي لا تخشى منها الفتنة للجمعة: وجاز حضورها لفرض غير الجمعة لكثرة من يحضر الجمعة؛ وهو مظنة لمزاحمة الرجال، ولعدم المظنة في غيرها، وأما الشابة الخشية الفتنة فيحرم حضورها لها. قاله الشيخ عبد الباقي وسفر بعد الفجر؛ يعني أنه يكره لمن تلزمه الجمعة أن يسافر يوم الجمعة بعد طلوع الفجر؛ إذ لا ضرر عليه في الصبر لتحصيل هذا الخير العظيم، وكذا بعد فجر يوم العيد، وقبل طلوع الشمس، ويحرم بعد طلوعها؛ نص عليه ابن رشد: قال الحطاب: وفيه نظر، وأجاب الأجهوري: بأنه مبني على أن العيد فرض عين أو كفاية حيث لم يقم بها غيره، ولا غرابة في بناء مشهور على ضعيف. قاله الخرشي. وجاز قبله؛ يعني أنه يجوز السفر لمن تلزمه الجمعة قبل طلوع فجر الجمعة من غير كراهة اتفاقا.
وحرم بالزوال؛ يعني أنه يحرم السفر على من تلزمه الجمعة عند زوال يوم الجمعة، ولو قبل النداء لتعلق الخطاب به، إلا أن يخاف فوات رفقة لا يمكنه السفر دونها خوفا على نفسه أو ماله، فإنه يباح له حينئذ السفر، وإلا أن يتحقق لقصر سفره إدراكها بقرية جمعة أخرى قبل
стр. 1498
إقامتها فيها، فيجوز، وهل ولو لم ينو إقامة أربعة أيام للزومها له بقريته لخروجه منها بعد الزوال؟ أو لابد من نية إقامة أربعة أيام، أو التوطن؛ لأنه لا يلزم من فعله الحرام قضاؤها؟ انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: وإلا أن يتحقق الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: انظر ما سنده فيه. انتهى. وقوله: إنه لا يلزم من فعله الحرام الخ. انظره، والصواب أن يقول لا يلزم من سفره حينئذ وجوب قضائها. قاله مقيده.
ككلام في خطبتيه؛ يعني أنه يحرم الكلام في الخطبتين من غير الخطيب، وكذا يحرم تحريك ماله صوت، كحديد، وثوب جديد في الخطبتين لا قبلهما، ولو في حال جلوسه على المنبر والمؤذن يؤذن، وفي حديث مسلم عنه ﷺ أنه قال: (من حرك الحصا فقد لغا (١))، (ومن لغا فلا جمعة له)، وقوله: "ككلام في خطبتيه"، هذا مما لا خلاف فيه. والله سبحانه أعلم. بقيامه؛ يعني أنه يحرم الكلام بانتهاء قيامه المتصل بكلامه بالخطبة؛ إذ هو الذي يحرم به الكلام، لا قبل الكلام بها، ولا آخر الخطبة عند شروعه في الترضية عن الصحابة والدعاء للخليفة وغيره. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن ذلك غير صحيح، قال: لأن اللغو إنما هو إذا تكلم بغير ما يعني الناس، أو خرج إلى اللعن والشتم، ونقل ما في العتبية عن مالك: إذا أخذ في قراءة كتاب ليس من أمر الجمعة في شيء، فليس على الناس الإنصات. انتهى. والترضية لا تدخل في ذلك. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أن معنى كلام الشيخ عبد الباقي أن الخطبة انتهت عند شروعه في الترضية، فلا يحرم ما هو كالكلام، لا أن الترضية من معنى اللغو فيباح الكلام حينئذ. والله سبحانه أعلم. والظاهر أن قوله: "بقيامه"، بدل من خطبتيه، بدل كل، من كل فيفيد أن القيام بنفسه لا يحرم به الكلام، بل حتى يتكلم بالخطبة. والله سبحانه أعلم. وقال الإمام
стр. 1499
الحطاب: الظاهر أن قوله: "خطبتيه"، يغني عن قوله: "بقيامه"، بل ربما أوهم أن الإنصات إنما يجب إذا خطب قائما. انتهى.
وبينهما؛ يعني أنه يحرم الكلام في جلوس الخطيب بين الخطبتين، كما يحرم في الخطبتين، وقوله: "ككلام في خطبتيه" الخ، إنما حرم ما ذكر لأنه يشغل عن الإنصات؛ وهو واجب. ابن عرفة: يجب الإنصات لهما والصمت لهما.
ولو لغير سامع؛ يعني أنه يحرم الكلام في الخطبتين وبينهما كما علمت، ولا فرق في ذلك بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها، فيحرم على الجميع الكلام حينئذ، قال الشيخ عبد الباقي: وحرمة الكلام خاصة بمن بالمسجد أو رحبته مع من بأحدهما، وظاهره ولو نساء، أو عبيدا: أو مع خارج عنهما، ويباح لخارِجَيْن عنهما ولو سمعا الخطبة على المعتمد، ولا يشرب أحد الماء ولا يدور به. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "ولو لغير سامع"؛ أي إذا كان في المسجد أو في رحابه، وإلا فيجوز، لكن يستحب له الإنصات إذا سمع الإمام، ولذا قال ابن القاسم: بلغني (أن عبد الله بن رواحة سمع النبي ﷺ يقول على المنبر: اجلس؛ وهو مقبل للجمعة، فجلس بالطريق (١)). انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الراجح حرمته مطلقا ولو بخارج المسجد: لقول ابن عرفة: الأكثر على أن الصمت واجب على غير السامع ولو بغير المسجد. انتهى من المواق. وفي المدونة: ومن أتى من داره والإمام يخطب، فإنه يجب عليه الإنصات في الموضع الذي تصلى فيه الجمعة، وقال الأخوان: لا يجب حتى يدخل المسجد، وقيل: يجب إذا دخل رحاب المسجد. نقله الحطاب. انتهى.
وفي الحطاب بعد جلب أنقال: فعلم من هذا رجحان القول بوجوب الإنصات خارج المسجد. انتهى. وقال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾: إنه الخطبة. وفي التوضيح عن البلنسي: الخطبة ثلاثة أقسام: قسم ينصت فيه؛ وهو خطبة الجمعة، وقسم لا ينصت فيه؛ وهو خطب الحج كلها، وقسم اختلف فيه؛ وهو خطب العيدين والاستسقاء،
стр. 1500
واستحب مالك الإنصات فيها. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقال: إن خطب العيدين والاستسقاء مختلف في وجوب الإنصات لها والاستماع إليها. انتهى.
وقد علمت أن المذهب عدم الوجوب، وقال ﷺ : (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت (١))، رواه الشيخان وغيرهما. وقوله "ولو لغير سامع". أبو الحسن: وهذه حماية ليلا يسترسل الناس على الكلام حتى يتكلم من يسمع الإمام، وأشار المصنف بلو لرد ما نقله ابن زرقون عن ابن نافع من جواز الكلام لغير السامع، ولو داخل المسجد، حكاه ابن عرفة.
إلا أن يلغو؛ يعني أن الخطيب إذا لغا؛ بأن خرج عن أمر الخطبة بما لا تعلق له بها كان محرما لذاته، كَسَبِّ من لا يجوز سبه، أو مدح من لا يجوز مدحه، أو غير محرم لذاته كقراءته كتابا غير متعلق بالخطبة، وكتكلمه بما لا يعني، فإنه ليس على الناس الإنصات له، ولا التحول إليه. قاله مالك في العتبية، وعبد الملك. اللخمي: وهو الصواب، فيتكلمون، وإلى تصويب اللخمي أشار بقوله: على المختار وقد فعله ابن المسيب، لما لغا الإمام أقبل سعيد يكلم رجلا، فلما رجع إلى الخطبة سكت سعيد.
ومن اللغو ما لا يعني الناس، وقوله: "إلا أن يلغو"، مستثنى من قوله: "ككلام في خطبتيه"، وقوله: "يلغو"؛ أي يتكلم بالكلام اللاغي؛ أي الساقط؛ أي الخارج عن نظام الخطبة، يقال: لغا يلغوا كغزا يغزوا، ولَغِيَ يَلْغَى كعمِيَ يعْمى، والأول أفصح، وقوله تعالى: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ من الثانية، ولو كان من الأولى لقال: والغُوا بضم الغين، ومقابل المختار هو قول مالك في المجموعة إنهم يسكتون عند لغو الإمام كما لو لم يلغ، وكما يجوز الكلام عند لغو الإمام، يجوز التنفل، كما نقله البرزلي عن ابن العربي.
стр. 1501
والترقية بين يدي الخطيب بدعة مكروهة من عمل أهل الشام، إلا أن يشترطها واقف فيعمل بها، والحديث الذي يقوله فيها ثابت في الصحيحين وغيرهما، قال ابن الحاج: وينهى الناس عما أحدثوه من ندائه عند إرادة الخطيب أن يخطب بقوله للناس: أيها الناس صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت، أنصتوا رحمكم الله. والعجب من بعض الناس أنهم ينكرون على مالك أخذه بعمل أهل المدينة، واستحسنوا هذا الفعل واحتجوا بأنه من عمل أهل الشام، والعمل على ما عليه صاحب المدخل؛ إذ لم يذكروا هذا الفعل من السنة، ولا من المندوب، ولا من الجائز. قاله الخرشي. وقال الشيخ عبد الباقي: وقد يدل لفعل أهل الشام أنه ﵊ قال لجرير في حجة الوداع: (استنصت الناس (١)). انتهى.
وكسلاه؛ يعني أنه يحرم ابتداء السلام والإمام يخطب؛ أي يحرم على من يطلب إنصاته كان داخل المسجد أم لا. ورده؛ يعني أنه كما يحرم السلام أي الابتداء به والإمام يخطب، يحرم رده أيضا والإمام يخطب. ابن عرفة: لا يسلم، ولا يرد، ولا يشرب ماء، ولا يشمت، وقوله: "ورده"، ولو إشارة، وظاهره أنه لا يرد بعد الفراغ من الخطبة، ونقل ابن هارون جواز الإشارة عن مالك، وأنكره في التوضيح، واعترضه الرماصي بأن أبا الحسن نقل جواز الرد إشارة عن اللخمي، قال: فلا محل لإنكار المصنف على ابن هارون. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: لم أجد في نسختين من أبى الحسن ما نقله عنه الرماصي. انتهى.
ونهي لاغ؛ يعني أنه يحرم على غير الخطيب نهي اللاغي بالنطق، نحو: لا تتكلم -مثلا- وكذا أمره له، نحو: اصمت، كما صرح الشبراخيتي بأنه لغو. وحصبه؛ يعني أنه يحرم حصب اللاغي؛ أي رميه بالحصباء زجرا له عن لغوه لخبر: (من حرك الحصباء فقد لغا) (٢)؛ أي ومن لغا فلا جمعة له، كما في خبر آخر؛ أي كاملة.
стр. 1502
وما يحكى من حصب عمر من لغا، فعمل أهل المدينة على خلافه، ويحتمل أنه كان (١) خليفة، قاله الشيخ عبد الباقي. وإشارة له؛ يعني أنه تحرم الإشارة للاغي؛ لأنه بمنزلة. قوله: اصمت، وذلك لغو، والظاهر حرمة الكتابة؛ لأنها تشغل. قاله غير واحد. وقوله: "وإشارة له"، هكذا قال الباجي إنه مقتضى المذهب، والذي صدر به في الطراز عن المبسوط جوازها، ثم ذكر كلام الباجي، ثم قال: وما في المبسوط أبين، فإن الخطبة غايتها أن تكون لها حرمة الصلاة. قاله الحطاب. وابتداء صلاة بخروجه؛ يعني أنه يحرم ابتداء صلاة النافلة عند دخول الخطيب للمسجد يريد الخطبة ولو لم يجلس على المنبر، والباء في قوله: بخروجه؛ بمعنى: عند، وقال الشبراخيتي: إنها بمعنى: بعد. قوله: "وابتداء صلاة"؛ أي لمن كان جالسا في المسجد قبل دخول الخطيب، ويقطع مطلقا، سواء ابتدأها عامدا، أو جاهلا، أو ناسيا خروجه، أو الحكم، عقد ركعة، أم لا؛ فهذه ست صور فيما قبل المبالغة.
وإن لداخل؛ يعني أنه يحرم ابتداء صلاة النافلة عند دخول الخطيب للمسجد يريد الخطبة، ولا فرق في ذلك بين من كان جالسا في المسجد قبل دخول الخطيب، وبين من دخل عند دخول الخطيب، فلا يؤمر بتحية حينئذ، ورد المصنف بالمبالغة على السيوري؛ لأنه جوزه؛ وهو من أهل المذهب، فلو عبر بلو كان أولى؛ وهو مذهب الشافعي، لحديث سليك الغطفاني، وفيه أنه ﵊ قال له لما جلس: (إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم ليجلس (٢))، وتأوله ابن العربي على أن سليكا كان صعلوكا، ودخل يطلب شيئا، فأمره النبي ﷺ بأن يصلي؛ ليتفطن له؛ فيتصدق عليه. وفي الخرشي: ويحتمل أنه منسوخ بالنهي عن الصلاة حينئذ، أو أنه قطع ﵊ الخطبة، وقوله: "وإن لداخل"، ويقطع الداخل المذكور إن أحرم، عمدا، لا سهوا، أو جهلا، بخروج الخطيب، أو الحكم، فلا يقطع عقد ركعة، أم لا؛ وهذه ست فيما بعد المبالغة أيضا، يقطع في اثنتين منها،
стр. 1503
ويتم في أربع، وإلى هذه الأربع أشار بقوله: ولا يقطع إن دخل؛ أي أنه إذا ابتدأ الصلاة بعد دخول الخطيب جاهلا أو ناسيا فلا يقطعها إن كان دخل المسجد حينئذ، وسواء كان دخوله قبل قيام الإمام إلى الخطبة، أو في حال الخطبة؛ وهذا التقرير للإمام الحطاب. وحمل الشيخ عبد الباقي قوله: "ولا يقطع إن دخل"، على من أحرم قبل دخول الإمام للخطبة، فإن الحكم فيه أنه لا يقطع مطلقا. أحرم عمدا. أو سهوا أنه يخرج عليه، أو جهلا، عقد ركعة، أم لا؛ وينبغي أن يخفف؛ وهذه ست أيضا.
قال: وجعلنا ضمير دخل للخطيب تبعا للتتائي، ليكون في المصنف أقسام ثلاثة، في كل منها ست صور -كما مر- وجعله الحطاب للمصلي. انتهى. قوله: وينبغي أن يخفف، أشار به إلى أن التمادي. متفق عليه. وإنما اختلف، هل يخفف صلاته أم لا؟ قال مالك في رواية ابن شعبان: يتم قراءته بالفاتحة فقط، ولا يدعو في التشهد كما في سماع ابن القاسم أو لا يخفف، وعليه فيدعو بما شاء؛ يعني قبل جلوس الخطيب على المنبر، وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما حمله عليه الحطاب هو الأولى؛ لأن ما حمله عليه الزرقاني خارج عن موضوع الكلام؛ وهو مفهوم قوله: "وابتداء صلاة بخروجه"، كما قاله الحطاب. انتهى. وقوله: "ولا يقطع إن دخل"، قال الأمير: ويتمها جالسا. انتهى.
تنبيه: قول المصنف: بخروجه تعبيره بالخروج: مع أن المراد به الدخول في المسجد للخطبة أنه أراد به خروجه على الناس من باب المسجد، قاله الحطاب، وغيره. وقد مر ذلك مع زيادة، وفي الحطاب أنه: إذا جلس الإمام على المنبر يحرم على من كان جالسا التنفل اتفاقا، وأما فيما بين جلوسه على المنبر وخروجه على الناس، ففيه قولان: مذهب المدونة المنع، ورواية المختصر الجواز. ومن دخل عليه الإمام يوم الجمعة للخطبة وهو في تشهد نافلة فليسلم ولا يدعو: قاله الإمام مالك في سماع ابن القاسم، وفي رواية ابن وهب: استحب مالك إذا لم يبق من صلاته إلا السلام، أن يدعو ولا يسلم ما دام المؤذنون يؤذنون والإمام جالس: هذا حكم النفل، وأما إذا ذكر مستمع الخطبة منسية فليصلها بالمسجد ولا يخرج.
стр. 1504
وفي البرزلي: إذا ذكر الصبح والإمام يخطب فليصلها بموضعه، ويقول لمن يليه: أصلي الصبح. إن كان ممن يقتدى به، وإلا فليس عليه ذلك. والله أعلم. وإن ذكر الخطيب صلاة صلاها وبنى على خطبته، ومن نسي الصبح، وذكرها بعد أن صلى الجمعة، صلى الصبح، ثم يعيد الجمعة أربعا، قال القاضي: والوقت في ذلك النهار كله، قال ذلك ابن المواز. وقال أشهب، وسحنون، والليث بن سعيد وغيرهم: إن السلام من الجمعة خروج وقتها، وإن ذكر صلاة الصبح وهو في الجمعة مع الإمام، يخرج إن أيقن أنه يدرك من الجمعة ركعة بعد صلاة الصبح، وإن لم يوقن بذلك، تمادى مع الإمام، وأعاد ظهرا أربعا لتعذرها جماعة، على مذهب ابن القاسم، خلافا لقول أشهب ومن قال بمثل قوله: تسقط الإعادة عنه.
وفسخ بيع؛ يعني أن البيع إذا وقع عند أذان الجمعة الثاني فإنه يفسخ، والأذان الثاني هو ما يفعل بعد جلوس الخطيب على المنبر إلى انقضاء الصلاة، وإنما فسخ البيع حينئذ لحرمته، لقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، وقوله: "وفسخ بيع"، محل هذا إذا وقع ممن تلزمه الجمعة، ولو مع من لا تلزمه الجمعة إلا من انتقضت طهارته ولم يجد ما يتوضأ به إلا بثمن، فيجوز له شراؤه: نص عليه أبو محمد، بل هو واجب، وكذا البائع ليعين المشتري على تحصيل الجمعة، وكذا لو دعت ضرورة إلى الشرب من السقاء بثمن. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وفسخ بيع ظاهره"، ولو كانا ماشيين فإنه يفسخ سدا للذريعة، وقيل: يمضي حينئذ لكونه لم يشغلهما عن السعي.
وإجازة؛ يعني أن الإجارة إذا وقع عقدها عند الأذان الثاني فإنها تفسخ، والإجارة هي بيع المنافع فهي نوع مخصوص من البيع. وتولية؛ يعني أن التولية إذا وقعت عند أذان الجمعة الثاني فإنها تفسخ، والتولية هي: أن تولي غيرك ما اشتريته بما اشتريته؛ أي تعطيه سلعة اشتريتها، ويكون عليه مثل الثمن الذي اشتريتها به. وشركه؛ يعني أن الشركة إذا وقعت عند أذان الجمعة الثاني فإنها تفسخ. وإقالة؛ يعني أن الإقالة إذا وقعت عند أذان الجمعة الثاني فإنها تفسخ، وظاهره ولو كانت في طعام أو شفعة أو مرابحة.
стр. 1505
وشفعة؛ أي الأخذ بها لا تركها؛ يعني أن الشفعة إذا وقع الأخذ بها عند أذان الجمعة الثاني فإند يفسخ؛ لأنه بيع: وأما ترك الشفعة إذا وقع عند أذان الجمعة الثاني فإنه لا يفسخ، وإيضاح ذلك أن من كان بينك وبينه عقار على الشيوع، فباع نصيبه، فإن لك أن تأخذ نصيبه الذي باعه إلى نصيبك، فتستكمل الأصل، وتدفع لمشتري الشقص ما دفعه لشريكك، فإذا وقع ذلك عند أذان الجمعة الثاني بطل، فإن تركت القيام بحقك عند أذان الجمعة الثاني مضى ذلك.
وبما قررت علم أن قوله: بأذن ثان راجع للمسائل الست؛ يعني أن ما ذكر من العقود الستة يفسخ حيث وقع بعد الشروع في الأذان الثاني في الجمعة، وهو الذي يفعل عند جلوس الخطيب على المنبر؛ أي كل ما وقع منها بعد الشروع في الأذان الثاني إلى انقضاء الصلاة يفسخ، فما وقع منها بعد انقضاء الصلاة لا يفسخ، وقبله يفسخ إلا أن يقع قبل الشروع، ومعنى الثاني: الثاني في الفعل. وإن كان أولا في المشروعية.
وبما قررت علم أن "الباء" بمعنى: عند، وما تقدم من أن الفسخ عند الشروع في الأذان الثاني للجمعة هو الذي اقتصر عليه سند وصاحب الرسالة، واستظهره غير واحد، وقيل: عند الفراغ منه، فإن تعدد المؤذنون ففيه اختلاف، قيل: المعتبر الأول، وقيل: المعتبر الثالث، وقال ابن ناجي: الصواب عندي أنه خلاف في حال، فمن كان مكانه بعيدا بحيث إن لم يسْعَ عند المؤذن الأول فاتته الصلاة، وجب عليه حينئذ، وإن كان قريبا لم يجب عليه: ولو كان مكانه بعيدا جدا وجب عليه السعي بمقدار ما إذا وصل إليها حانت الصلاة.
وقد تقدم أن الفسخ للبيع إنما هو إذا كان المتبايعان أو أحدهما ممن تلزمه الجمعة، وأما إن لم تلزم الجممة واحدا منهما فلا يفسخ البيع، وإن كانوا يمنعون من البيع في الأسواق كما في الحطاب، حيث قال: إن الأسواق يمنع أن يبيع فيها العبيد وغيرهم ممن لا تجب عليه الجمعة، كما يمنع من ذلك من تجب عليه الجمعة سدا للذريعة، ولا يفسخ البيع إلا ممن تلزمه الجمعة، وقال الشيخ محمد بن الحسن: وإنما أطلق المصنف هنا لأنه حكم بالكراهة -فيما مر- على من لا تجب عليه الجمعة، وذلك يستلزم عدم الفسخ فأطلق فاتكل عليه هنا، وإن كانت الكراهة مبحوثا فيها. انتهى.
стр. 1506
واعلم أنه كان للنبي ﵊ مؤذنون ثلاثة؛ إذا زالت الشمس خرج ورقي المنبر وقاموا فأذنوا بالمئذنة، واحدا، بعد واحد وتلاه على ذلك أبو بكر وعمر، وزاد عثمان ثانيا بالزوراء قبل جلوسه على المنبر؛ لما كثر الناس ليرتفع منه الناس، فإذا خرج وجلس على المنبر أذن المؤذنون على المنار كما كان يفعل في زمنه ﷺ ، والزوراء موضع بالسوق. المنجور على المنهج: واختلف في هذا الذي أحدثه عثمان ﵁، فمنهم من قال: إنه كان يقول قبل الزوال: الصلاة حضرت رحمكم الله، لا الأذان المجموع المعهود ويكون قبل الزوال، وروي عن ابن حبيب أنه أجاز الأذان قبل الزوال يوم الجمعة، والذي قبله حكاه بعض شراح الرسالة عن عثمان. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: مقتضى هذا أو صريحه أنه اختلف حمل الذي أحدثه السيد عثمان ﵁: الصلاة حضرت رحمكم الله؟ أو الألفاظ المخصوصة التي هي: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، وترجيع الشهادتين -على ما مر- ثم تقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح: الله أكبر اللهّ أكبر، لا إله إلا الله؟ وفي المواهب اللدنية للقسطلاني، قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعوا الناس، ولا يؤذن غير أذان واحد. انتهى. لكن عطاء لم يدرك عثمان بن عفان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة، ويمكن الجمع بأن الذي كان في زمن عمر بن الخطاب استمر على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله وأن يكون على مكان عال، فنسب إلى عثمان لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان يفعله عمر لكونه مجرد إعلام.
ومن تأمل ما قدمت علم أن الأذان الذي أحدثه عثمان إنما هو الأذان المعهود: الله أكبر الله أكبر الخ، هذا هو المعول عليه والمتفق عليه. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وفسخ بيع" الخ هو من خصوصية الجمعة على المعول عليه، فلا يفسخ بيع من ضاق عليه وقت غيرها؛ لأن السعي
стр. 1507
للجماعة هنا مقصود، وإلا لزم فسخ بيع من عليه فوائت، بل الغصاب لوجوب اشتغالهم برد ما عليهم. قاله الشيخ الأمير عن الإمام الحطاب.
فإن فات فالقيمة؛ يعني أن محل الفسخ في هذه المذكورات ورد العوض فيها إنما هو إن لم تفت بأن كان العوض قائما لم يفت، وأما إن فات بأحد المفوتات الآتية في باب المبيع من خروج عن يد وغيره. فإنه يلزم رد قيمة العوض. حين القبض؛ يعني أن المعتبر في القيمة حيث فات العوض قيمته حين قبض، هذا هو المشهور، وقيل: المعتبر قيمته حين المبيع، وقيل: يمضي العقد بالفوات. انظر الخرشي. كالبيع الفاسد، فيه حذف الصفة؛ أي كالبيع الفاسد المتفق على فساده؛ أي أن هذا العقد إذا فات بمفوت البيع يلزم رد قيمة المبيع فيه، وإن كان مختلفا في فساده فحكمه حكم المبيع الفاسد المتفق على فساده؛ إذا فات يلزم رد قيمة المبيع، فليس فيه تشبيه الشيء بنفسه. وبما قررت علم أن الخلاف إنما هو في الفسخ والمضي، وأما الإقدام عليه حيث يشغل عن السعي الواجب فلا يجيزه أحد، كما نقله الحطاب. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وعلم مما قررت أيضا استثناء البيع هنا من قوله في المبيع: "فإن فات مضى المختلف فيه بالثمن". تنبيه: قال المشاور: للأجير أن يحضر الجمعة، كانت إجارته يوما أو أياما أو أشهرا، ويقضى بذلد على المستأجر، وكذا يحكم عليه بحضور سائر الصلوات في المساجد. انتهى. الوانوغي: في قوله: في المساجد، نظر. لا نكاح، عطف على قوله: "بيع"؛ يعني أن النكاح إذا عقد عند أذان الجمعة الثاني، فإنه لا يفسخ مع أنه حرام ابتداء ولو لم يدخل. وقول ابن القاسم: يجوز، يحتمل أن يحمل على المضي فلا ينافي المنع ابتداء، وفسخ البيع وما معه لرجوع عوض كُلٍّ له، فلا كبير ضرر عليه بخلاف ما لا عوض فيه، فإنه لو فسخ لبطل من أصله، ولوجود الضرر بفسخ النكاح؛ إذ ربما تعلق أحد الزوجين بصاحبه، وهذا مبني على أن النكاح من العبادات لا من البياعات، خلافا لأصبغ، فإنه قال: يفسخ وإن فات بالدخول، ويكون لها الصداق المسمى. قاله الحطاب. وهبة؛ يعني أنه إذا وقعت الهبة لغير ثواب عند أذان الجمعة الثاني، فإنها لا تفسخ، وأما الهبة للثواب فإنها بيع يجري فيها ما جرى فيه، والله سبحانه أعلم.
стр. 1508
وصدقة؛ يعني أن الصدقة إذا وقعت عند أذان الجمعة الثاني فإنها لا تفسخ، والهبة هي العطية لوجه المعطى بالفتح، والصدقة هي العطية لثواب الآخرة، ونَفَى المصنف عن هذه الثلاث؛ يعني النكاح والهبة والصدقة الفسخ؛ وذلك لا يستلزم نفي الحرمة ولا ثبوتها، ومقتضى كلامهم أنها محرمة ولكن لا تفسخ، أشار له الشيخ الحطاب، والشيخ إبراهيم. ومثل الهبة والصدقة، الكتابة، مراعاة لجانب العتق لا المال، ومثلهما الخلع فيما يظهر فيمضي على مقتضى العلة المتقدمة، قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: فيمضي على مقتضى العلة المتقدمة؛ أي لعدم رجوع عوض كان له؛ لأن الطلاق نافذ لا يرد. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال ابن العربي -بعد أن ذكر عن ابن القاسم عدم فسخ النكاح وعدم فسخ الهبة والصدقة: - والصحيح فسخ الجميع؛ لأن المبيع إنما منع منه للاشتغال به، فكل أمر شغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا. انتهى. نقله الإمام الحطاب.
ولما ورد في الخبر: (من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه (١)) بطابع النفاق (٢))، بين الأعذار المبيحة لتركها؛ وهي أربعة: ما يتعلق بالنفس، وما يتعلق بالأهل، وما يتعلق بالدين، وما يتعلق بالمال، فقال: وعذر تركها؛ يعني أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة شدة الوحل بالتحريك على الأفصح؛ وهو الطين الرقيق الذي يحمل الناس على ترك المداس، هكذا فسره أهل اللغة، وغير الرقيق أولى. قاله الشيخ إبراهيم. والجماعة؛ يعني أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة في الصلوات الخمس غير الجمعة: شدة الوحل.
وبما قررت علم أن قوله: "شدة وحل"، خبر عن قوله: "وعذر"، ومطر بالجر، عطف على وحل؛ أي شدة مطر؛ يعني أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة في الصلوات الخمس غير الجمعة شدة المطر؛ أي الذي يحمل الناس على تغطية رؤوسهم، والواو فيه بمعنى" أو، قاله الشيخ إبراهيم. أو جذام بالجر، عطف على "وحل"؛ أي شدة جذام؛ يعني أن من
стр. 1509
الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة في غير الجمعة، شدة الجذام، ففي التوضيح: واختلف في الأجذم، فقال سحنون: تسقط عنه، وقال ابن حبيب: لا تسقط والتحقيق الفرق بين ما تضر رائحته وبين ما لا تضر. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن. ورَدَّ على من قال: إن الجذام عذر وإن لم يشتد. المازري بعد ذكره الخلاف المذكور: وهذا على أنهم لا يجدون موضعا يتميزون فيه، وأما لو وجدوه بحيث لا يلحق ضررهم بالناس وجبت عليهم إذا كان المكان الذي يتميزون فيه تجزئ فيه الجمعة.
ومثل الجذام ما ألحق به من المضرات كالبرص، وفي الشبراخيتي عند قوله: "أو جذام": وإن لم يشتد، كما هو ظاهر نقل المواق عن سحنون، ولذا غير المصنف الأسلوب، وعطف "بأو". انتهى. ومرض؛ يعني أن شدة المرض من الأعذار التي تبيح التخلف عن الجمعة والجماعة في غير الجمعة.
وبما قررت علم أن قوله: "ومرض"، بالجر عطف على وحل، والمرض الشديد هو الذي يشق معه الوصول إلى محل الصلاة، ومثله كِبَرُ السن، لقول مالك: ليس على شيخ فَانٍ جمعة. وينبغي لزومها لقادر على مركوب لا يجحف كالحج. قاله سيدي عبد الله المنوفي. وأصل المرض الضعف وكل شيء ضعف فقد مرض. وقال ابن الأعرابي: أصل المرض النقصان، يقال: بدن مريض أي ناقص القوة، وقلب مريض أي ناقص الدين، وقيل: المرض اختلال الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها.
وتمريض؛ يعني أن التمريض من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة في الصلوات الخمس غير الجمعة مطلقا إن كان المريض قريبا خاصا كولد أو أب أو زوج، وأما الأجنبي فإنما يبيح تمريضه التخلف عن الجمعة والجماعة حيث لم يكن له من يقوم به، وخشي عليه بترك تمريضه الضيعة، وأما القريب غير الخاص فهو كالأجنبي عند ابن عرفة، ولابن الحاجب أنه كالقريب الخاص، فلا يشترط فيه القيدان المتقدمان في الأجنبي. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الشبراخيتي: وقيد ابن الحاجب التمريض بالقريب تبعا لابن بشير: قال: وفي معناه الزوجة والملوك. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي في ابن الحاجب: أو تمريض قريب، فقال
стр. 1510
في التوضيح: حكاه الباجي مطلقا؛ وهو ظاهر إذا لم يكن من يقوم به، قال: وقد صرح اللخمي بذلك. ابن عاشر: وإذا أريد تطبيق الكلام بكلام ابن الحاجب والتوضيح قرئ تمريض بترك التنوين بتقدير إضافته لقريب كالذي بعده، فتأمله. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وتمريض محبوب خاص وإن صديقا ولو وجد من يعوله لما يدهم به، أو من خيف ضياعه، وتجهيز ميت. ابن الحاج: ولو لم يخش، ولبعضهم خلافه، وما أشار إليه عن ابن الحاج هو قوله في المدخل.
وقد وردت السنة أن من إكرام الميت تعجيل الصلاة عليه ودفنه، فقد كان بعض العلماء ﵀ ممن يحافظ على السنة إذا جاءوا بالميت إلى المسجد صلى عليه قبل الخطبة، ويأمر أهله أن يخرجوا إلى دفنه، ويعلمهم أن الجمعة ساقطة عنهم إن لم يدركوها بعد دفنه -فجزاه الله خيرا- انتهى. وظاهره: وإن لم يخش تغير الميت، ولا خيف عليه الضيعة. وكلامه يفيد أنهم إذا دخلوا وقت الخطبة يأمرهم بالصلاة عليه والذهاب لدفنه. قاله الأجهوري. وقال الحطاب: وفي رسم حلف ليدفعن من سماع ابن القاسم عن مالك: أنه يجوز أن يتخلف عن الجمعة لينظر في أمر الميت من إخوانه مما يكون من شأن الميت. ابن رشد: معناه إذا لم يكن له من يكفيه، وخاف عليه التغير، هكذا ذكره في البيان بالواو، ونقله ابن عرفة بأو. ولفظه ابن رشد: إن خاف ضياعه أو تغيره. ومن بلغة وهو في الجامع أن أباه أصابه وجع يخشى عليه الموت، فله أن يخرج إليه والإمام يخطب. وقد استُصرخَ ابن عمر على سعيد بن زيد بعد أن تأهب للجمعة، فتركها وخرج إليه بالعقيق. قاله سند، والمازري.
وإشراف قريب، إشراف عطف على "شدة"؛ يعني أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة في غير الجمعة، إشراف القريب على الموت وإن لم يمرضه؛ لأن هذا ليس لأجل التمريض، بل لما يدهم الشخص من شدة المصيبة بإشراف قريبه، وله أن يخرج إليه من الجامع والإمام يخطب. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وإشراف قريب"، وأولى موته. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: وكذا شدة مرض القريب أيضا، ولقريبه الخروج من المسجد. انتهى. ونحوه بالجر عطف على قريب؛ يعني أن نحو القريب من صديق وشيخ وزوجة ومملوك كالقريب، فيبيح إشرافه على