← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مع ذلك نصيحة أخرى فسألهم أن ينظروا كتابه أيضا بعين من يميز بين الخطإ والصواب يعرف الحق بالحق لا بالرجال يصدع بما أمر الله به ولا تأخذه في الله لومة لائم فالمص سألهم أمرين ترك الاعتراض عليه لأن ذلك يصور الحق بصورة الباطل ولأن من طلب عثرة أخيه ليهتكه طلب الله عثرته فيهتكه، وأن يميزوا الصواب من الخطإ ويتبعوا الحق حيث كان ويصدعوا به ويبينوه ولا يكتموه لأن الحق لابد من تبيينه ومن كتم شيئا من العلم لا تقبل توبته إلا بتبيين ما كتم بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فلله در المص ما أشد نصيحته لهذه الأمة وقد قال ﷺ : (الدين النصيحة (١)) وهذا الذي قررت به المص أشار له الشيخ عبد الباقي. وقوله بعين الرضى صحب رجل إبراهيم بن أدهم فلما أراد أن يفارقه قال لو نبهتني على ما في من العيب فقال له يا أخي لم أر لك عيبا لأني لاحظتك بعين الوداد فاستحسنت منك ما رأيت فأسأل غيري عن عيبك. وقال بعضهم: فلست براء عيب ذي الود كله … ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا وقال آخر: فعفوا جميلا عن خطاي فإنني … أقول كما قد قال من كان شاكيا فعين الرضى عن كل عيب كليلة … ولكن عين السخط تبدي المساويا وقال آخر: وعين السخط تنظر كل عيب … وعين أخي الرضى عن ذاك عميا وقال آخر:

стр. 177

لا تلتمس من مساوى الناس ما ستروا … فيهتك الله سترا عن مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا … ولا تعب أحدا منهم بما فيكا وقال آخر: يا ناظرا فيه إن لاقيت فائدة … فاشكر عليها ولا تجنح إلى الحسد وإن عثرت لنا فيه على خطإ … فاعذر فلست بمحبوس على الرشد فما كان من نقص كملوه هذا نتيجة النظر بعين الصواب فهو مفرع عليه، يعني أنه أذن لذوي العقول الذين ينظرون بعين الصواب فيميزون بين الخطإ والصواب أن يكملوا اللفظ الناقص أي المحذوف منه شيء اختل لذلك معناه فيكملونه بما يتم به معناه، والكمال هو التمام. قوله كملوه مثاله ما وقع له في الغصب حيث قال: "وإن ادعت استكراها" هذا وقع من غير زيادة فكمله تلميذه الأقفهسي بقوله: "على غير لائق بلا تعلق حدت له" ومعنى كان وجد، وما شرطية وشرطها كان التامة وفاعلها، وقوله من نقص بيان لما وجزاء الشرط كملوه وهو فعل ماض معناه الاستقبال والضمير المرفوع فيه عائد على ذوي الألباب والهاء التي هي مفعوله عائدة على ما التي هي في المعنى نقص ومن خطا أصلحوه يعني أنه أذن للذين ينظرون بعين الصواب أن يصلحوا ما وجد من الخطا في إعراب الألفاظ فيردوه إلى الصواب؛ أي وما كان من خطإ أصلحوه. ويقال فيه ما قيل فيما قبله، والمرتضى عندهم في إصلاح ما يقف عليه الناظر في كلام غيره التنبيه على ذلك بالكتابة في حاشيته أو غيرها لا المحو ولا الإثبات من الأصل؛ إذ لعل الصواب ما في الأصل. والتخطئة خطأ ابن مرزوق ولا أظنه يأذن في هذا، ولا أظن جوازه لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى نسخ الكتاب بالكلية، ولا يصح أن يكون كملوه وأصلحوه فعلي أمر لقوله في الألفية: واقرن بفا حتما جوابا لو جعل … شرطا وإن أو غيرها لم ينجعل

стр. 178

هكذا قالوا وقد ورد ما يدل على جواز ذلك نحو (فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها (١)) وقولهم إن ذلك يكتب في الحواشي والشروح وغير ذلك لا في المتن قال الشيخ عبد الباقي ما لم يكن محض لحن أو خطأ صريحا في الحديث فالراجح إصلاحه: وإن أتى في الأصل لحن أو خطا … فقيل يروى مثل ما جا غلطا ومذهب المحصلين يصلح … ويقرأ الصواب وهو الأرجح قوله فما كان من نقص إلى آخره ليس المراد به نقص أحكام ومسائل لم تذكر كما علمت لأن ذلك لا غاية له ولا يقدر بشر على تكميله فقلما يخلص مصنف من الهفوات علة في الاعتذار يعني أنه إنما اعتذر مع أنه لم يظهر له في كتابه إلا الكمال لأنه مصنف وكل مصنف لا يخلو من الهفوات، والهفوات هي خطأ طريق الصواب، وهي جمع هفوة وهي الزلة فقل بمعنى النفي الصرف كما قررته، وما مصدرية، وفاعل قل المصدر الأول منها ومن الفعل بعدها وهو يخلص، ومعنى يخلص ينجو، وقيل إن ما كافة لقل عن طلب الفاعل فلا فاعل لها ومثلها طال وكثر، ولا تتصل ما إلا بهذه الأفعال الثلاثة. وحكى الدماميني عن أبي علي الفارسي أن قل بمعنى النفي الصرف وهو ما قدمته، ثم قال وتجيء بمعنى إثبات الشيء القليل ويوافق الأول هنا قول الإمام مالك ما منا إلا من ردورد عليه إلا صاحب هذا القبر الشريف، والمعنى الثاني ينافيه أو ينجو مؤلف من العثرات أي وإنما اعتذرت لأني مؤلف وكل مؤلف لا ينجو من العثرات بفتح المثلثة جمع عثرة وهي الزلة. وعلم مما قررته ترادف الهفوة والعثرة وترادف المؤلف والمصنف، وقيل إن التأليف التركيب مع إبقاء الألفة بين الأجزاء المركبة كالحكم بطهارة شيء وصحة بيعه وابتياعه، والتصنيف جعل الشيء أصنافا كجعل باب ثلاثة أصناف طهارة وشركة ومساقاة كما للشيخ عبد الباقي، ويجوز في مصنف ومؤلف الكسر والفتح، ولما فرغ الناصر اللقاني من شرح خطبة المختصر ختم كلامه بقوله

стр. 179

والله أعلم بالصواب قال الشيخ عبد الباقي فيه تصريح بجواز استعمال هذا اللفظ قيل مطلقا وقيل للإعلام بختم الدروس، وزعم بعض الحنفية أنه لا ينبغي استعماله لإيهامه الشك في الحكم الذي قبله ورد بأنه لا إيهام فيه بل فيه التعظيم المطلوب، وفي البخاري في قصة موسى (فعتب الله على موسى (١)). أي حيث سئل عن أعلم الناس فقال أنا إذ لم يرد العلم إليه، ورده إليه صادق بأن يقول الله أعلم وفي القرآن ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ قال علي: وابَرْدَها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم. ولا ينافيه ما في البخاري (أن عمر سأل الصحابة عن سورة النصر فقالوا الله أعلم فغضب وقال قولوا نعم أولا (٢)) لتعين حمله على أنه فيمن جعل الجواب ذريعة إلى عدم إخباره عما سئل عنه وهو يعلم، وقد قال تعالى ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أي ما أبصره وما أسمعه، وقال قتادة لا أحد أبصر من الله ولا أسمع وهذا فيه غاية الإجلال، ومثله ما أقدر الله وما أعلمه ولا يغتر بما ادعاه بعضهم من المنع نظرا لتقدير النحاة في التعجب لما فيه من معنى الجعل لأن تقدير النحاة بيان لمعناه في الأصل ثم نقل إلى إنشاء التعجب، ونحي عنه معنى الجعل فجاز استعماله في شيء يستحيل كونه لجعل جاعل، قوله فقلما يخلص مصنف إلى آخره؛ قال الحطاب: "ولقد صدق المص ﵀ فلا يخلو مصنف عن ذلك" انتهى. وكلام المصنف مقتضب من آخر وجيز ابن غلاب فإنه قال: "ثم أعتذر لذوي الألباب من التقصير الواقع في هذا الكتاب" ثم قال: "ونحن نسأل بلسان التضرع والخضوع وخطاب الاعتراف والخشوع للمتصفحين هذا الكتاب أن ينظروا بعين الرضى والصواب" إلى آخر كلامه، وقديما خاف الناس من سقطة التأليف وخافوا من زلة التصنيف، حتى قيل من صنف فقد استهدف، ومن ألف فقد استقذف ومعنى استهدف جعل نفسه هدفا أي غرضا لمن يرميه بالعيب كما يرمى الغرض بالنبل، ومعنى استقذف طلب أن يقذف أي يرمى وهو قريب من الأول ﴿ويقذفون من كل جانب دحورا﴾ وهو مصدر دحره أي طرده، وكان بعض الشيوخ كثيرا ما يقول:

стр. 180

"من صنف فقد استهدف فإن أحسن فقد استعطف وإن أساء فقد استقذف". قيل معنى استهدف ارتفع على أقرانه فإن أحسن فقد ميل القلوب إليه وإن قصر فقد تعرض للقذف، والمعنيان صحيحان وللمؤلفين العذر في ذلك فإن الجواد يكبو والعضب ينبو: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه ولابن دريد: إذا بلوت السيف محمودا فلا … تذممه يوما أن تراه قد نبا فالطِرف يجتاز المدى وربما … عن لمعداه عثار فكبا قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه لا بد من افتتاح ذكر الأحكام العملية بذكر عقيدة تشتمل على ما يجب على المكلف اعتقاده مما يجب في حق مولانا وما يجوز وما يستحيل، ومثل ذلك في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام فأقول ومن الله أستمد على حصول المأمول:

стр. 181

العقيدة: ما علم أنه يجب شرعا على كل مكلف أن يعرف ما يجب في حق مولانا جل وعز وما يجوز وما يستحيل، ويجب عليه أيضا مثل ذلك في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام. فالواجب ما لا يقبل النفي بحال والمستحيل ما أبى الثبوت عقلا، والجائز ما قبل الأمرين. فيجب عليك أيها المكلف أن تعتقد أن لك ربا ثابتا له كل كمال: منتفيا عنه كل نقص، فمما يجب في حقه جل وعز: الوجود إذ لو لم يكن موجودا لما وجد شيء من العالم وهو صفة نفسية، والقِدَمُ وإلا كان حادثا فيفتقر إلى محدث فيلزم الدور أو التسلسل وكلاهما محال. وَالبَقَاءُ وإلا كان وجوده جائزا فيلزم الحدوث وقد عرفت أنه محال، والمُخَالَفَةُ للْحَوَادِثِ فتنتفي عنه الجرمية ولوازمها من الاتصاف بالأعراض فليست له جهة ولا هو في جهة للجرم ولا يحويه مكان ولا زمان فعند رؤيته يرتفع المكان والزمان فلا ماضي ولا حال ولا مستقبل إلى غير ذلك من خواص الحوادث، والغِنَى المُطْلَقُ؛ أي كونه قائما بنفسه غنيا عن محل يقوم به وعن مخصص فلو احتاج إلى المخصص لكان حادثا ولو احتاج إلى ذات يقوم بها لكان صفة وذلك باطل لأن الصفة لا بد لها من ذات تقوم بها ولا تكون هذه الذات إلا حادثة لما ستعرف من وجوب الحدوث لغيرد فيلزم وجود المحل الذي يقوم به قبل وجوده عن ذلك علوا كبيرا، ويلزم أيضا أن لا يتصف بصفات المعاني الآتية فهو ليس بصفة، وَالوَحْدَانِيَةُ أي لا مثل له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وإلا لما كان واجب الوجود. فهذه ست صفات الأولى منها نفسية كما عرفت، والخمسة بعدها سلبية؛ أي ليست بمعان قائمة بالذات العلية وإنما هي عبارة عن نفي النقائص من الحدوث، والفناء، والمماثلة، للحوادث، والافتقار، والتعدد، والمشاركة. ويجب له مع هذه الصفات الست سبع صفات تسمى صفات المعاني وهي: الْقُدْرَةُ وَالإرَادَةُ المتعلقتان بكل ممكن فلو لم يكن قادرا لكان عاجزا فلا يوجد كون من الأكوان، ولو لم يكنَ مريدا لا تخصصت الحوادث بما هي عليه وذلك باطل بالمشاهدة. والْعِلْمُ المتعلق بكل الواجبات والجائزات والمستحيلات وتخصيصه بالبعض يلزم منه الحدوث وهو سبحانه صفاته قديمة كما أن ذاته قديمة أعني بذلك غير الصفات الفعلية كالخلق والرزق والإماتة والإحياء، والإِرَادَةُ القصد إلى الشيء ولا قصد لمن لا علم له والْحَيَاةُ وهي لا تتعلق بشيء.

стр. 182

ويجب له تعالى بالنقل: السَّمْعُ وَالبَصَرُ المتعلقان بجميع الموجودات وإلا لزم قدم الحوادث، والْكَلامُ المتعلق بما يتعلق به العلم المنزه عن الحرف والصوت والتقديم والتأخير والكل والبعض والإعراب واللحن والتجدد والسكوت. ويستحيل في حقه تعالى أضداد هذه الصفات الثلاثة عشر وهي: العدم، والحدوث، والفناء، والمماثلة للحوادث من الجرمية ولوازمها، وأن لا يكون قائما بنفسه، والتعدد بأن يكون لذاته أجزاء أو تكون لها ذات مشاكلة أو يتصف بصفاته غيره أو تتعدد صفة من صفاته أو يكون معه مؤثر، والعجز وعدم الإرادة بأن تكون الأفعال غير صادرة عن اختياره وقصده، والجهل وما في معناه من الظن والشك والوهم والسهو، والموت، والصمم، والعمى، والبكم. وَيجوز في حقه تعالى فعل كل ممكن وتركه فيجوز أن تُرى ذاته، وأن يسمع كلامه، وأن يفعل ما نهى عنه، وأن يأمر بما لم يرده، وتعذيب المطيع، وإثابة العاصي إلى غير ذلك من الممكنات. وَيجب في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام: الصِّدقُ أي مطابقة كل ما أخبروا به لما في نفس الأمر لتصديقه لهم بالمعجزة التي خصوا بها فهي نازلة منزلة قوله: صدق عبدي في كل ما يبلغه عني وقد مثلوا ذلك بملك جالس على كرسيه مع جماعة، فأتى رجل بمرأى من الملك ومسمع فقال لهم: إن الملك يأمركم أن تطيعوني وتمتثلوا أمري وتصدقوني فيما أقول لكم عنه وآية ذلك أن ينزل الملك عن سريره وأجلس عليه، فنزل ذلك الملك عن سريره وجلس عليه ذلك الرجل وذلك الملك يرى ويسمع فهذا لا يشك عاقل في أنه بمنزلة قول الملك صدق هذا الرجل في كل ما قال لكم، وَتجب لهم الأَمَانَةُ أيضا أي حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمحرم أو مكروه لأمره تعالى بالاقتداء بهم في جميع أفعالهم وأقوالهم فهم معصومون من كل منهي عنه، وَيجب لهم أيضا تَبْلِيغُ كل ما أمروا بتبليغه فلم يتركوا منه شيئا لا عمدا لما سبق في الأمانة ولا سهوا وهو مجمع عليه، فالصدق يزيد على الأمانة بمنع الكذب سهوا ويزيد على التبليغ بمنع الزيادة على ما أمروا بتبليغه عمدا أو نسيانا وتزيد الأمانة على الصدق بمنع وقوع المخالفة في غير كذب اللسان وعلى التبليغ بمنع المخالفة في غير التبليغ، ويزيد التبليغ على الصدق بمنع ترك شيء مما أمروا بتبليغه عمدا أو نسيانا مع لزوم الصدق فيما بلغوا من ذلك ويزيد على الأمانة بمنع ترك شيء مما أمروا بتبليغه نسيانا، وتشترك الثلاثة في نفي التبديل

стр. 183

عمدا والصدق والأمانة في نفي الكذب عمدا في الزائد على الأمور بتبليغه، والصدق والتبليغ في منع التبديل نسيانا والأمانة والتبليغ في منع نقص شيء من الأمور بتبليغه، وينفرد الصدق بمنع الكذب نسيانا في غير المأمور بتبليغه والأمانة بمنع المعصية في غير الكذب وعدم التبليغ كالسرقة مثلا والتبليغ بمنع نقص شيء من الأمور بتبليغه نسيانا. وَيستحيل في حقهم صلوات الله وسلامه عليهم أضداد هذه الصفات الثلاثة: الكذب، والتلبس بمنهي عنه نهي كراهة أو تحريم، وكتمان شيء مما أمروا بتبليغه. ويجوز في حقهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كل عرض لا يؤدي إلى نقص كالجوع، والعطش، والمرض، والبيع، والشراء، وغير ذلك من الأوصاف البشرية التي لا تؤدي إلى نقص. واعلم أنه يجمع هذه العقائد كلها قول لا إله إلا الله محمد رسول الله لأن مَعْنَى لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لا ثابتا له جميع الكمال ومنتفيا عنه كل نقص إلا الله مولانا جل وعز فأثبتنا له بقولها كل كمال فتضمن ذلك أنه موجود قديم باق غني الغنى المطلق مخالف للحوادث واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله قادر مريد عالم أوجد الأشياء بقدرته وإرادته القديمتين على وفق ما سبق في علمه فما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه وأثبتنا له أنه حي وأنه المتصف بكل كمال ونفينا عنه أضداد هذه الصفات وكل نقص. وَمُحَمَدٌ رَسُولُ اللهِ يتضمن أنه تعالى سميع بصير متكلم، وَيتضمن الإيمان بالله وبالملائكة وأنهم معصومون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والكتب السماوية وأن جميع ما فيها حق وأنها من عند الله، وبالرسل والأنبياء وأنهم صادقون مبلغون لجميع ما أمروا بتبليغه، وأنهم يجوز في حقهم من الأعراض البشرية ما لا يؤدي إلى نقص، واليوم الآخر وجميع ما فيه من حشر ونشر وصراط وميزان. وَيتضمن أيضا الإيمان بأن الجنة والنار موجودتان الآن وأن محمدا خاتم النبيئين وأفضل الخلائق أجمعين إلى غير ذلك مما ورد به الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة ككونه تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، ونفوذ الوعيد في طائفة من العصاة، وكون أرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم البعث، وكون أرواح أهل الشقاء باقية معذبة إلى يوم الدين، وسؤال الملكين وإعادة الأجسام بعينها، وأخذ الصحف باليمين وبالشمال إلى غير ذلك مما لا ينحصر.

стр. 184

وها أنا أذكر لك الحديث الشريف الجامع لأمور الدين وأشرحه لك لتتم الفائدة فأقول معترفا بالتقصير معتصما باللطيف الخبير: اعلم أنه ورد في الحديث الصحيح عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: [بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبثت ثلاثا، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل ﵇ أتاكم يعلمكم دينكم] (١). انتهى. وهذا الحديث علومُ الشريعة كلها راجعةٌ إليه ومتشعبةٌ منه فهو جامع لطاعات الجوارح والقلب أصولا وفروعا، حقيق بأن يسمى أم السنة كما سميت الفاتحة أم القرآن لتضمنها جل معانيه، فلو لم يكن في السنة جميعها غيره لكان وافيا بأحكام الشريعة لاشتماله على جملتها مطابقة وعلى تفصيلها تضمنا، فهو جامع لها علما ومعرفة وأدبا ونطقا ومرجعه من القرآن والسنة كل ءاية أو حديث تضمن ذكر الإسلام أو الإيمان أو الإحسان أو الإخلاص أو المراقبة أو نحو ذلك. وجعل النبي ﷺ الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال والإيمانَ اسما لما بطن من الاعتقاد والإيمانُ لغة التصديق، والإسلام في اللغة الانقياد والإذعان ويطلق كل منهما على الآخر في الشرع مجازا، والمعتمد أن جبريل سلم فلم ينقله الراوي ويحتمل أن يكون ذلك مبالغة في

стр. 185

التعمية لأمره أو ليبين أن ذلك غير واجب، ودل الجواب على أنه سأل عن متعلقات الإسلام والإيمان والإحسان لا عن معنى الألفاظ وإلا لقال الإيمان التصديق ونحو ذلك، وبدأ بالإسلام في هذه الرواية لأنه الأمر الظاهر، وثنى بالإيمان لأنه الأمر الباطن، وثلث بالإحسان وهو النهاية. وقوله: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله" ظاهره أنه لا بد في الإسلام من لفظ أشهد واعتمده بعضهم فلو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ لم يكن مسلما عند بعضهم والمعتمد خلافه. وقوله: "وتقيم الصلاة" هو وما بعده بالنصب عطف على تَشْهَدَ. ومعنى إقامة الصلاة أن يأتي بها محافظا على أركانها وشروطها أو يداوم عليها فتقيم من التقويم أي التعديل أو من الإقامة أى الملازمة والاستمرار، وقوله: "أن تؤمن بالله" أي بأنه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له في ألوهيته؛ أى استحقاق العبادة وأنه منفرد بخلق الذوات بصفاتها وأفعالها وبقدم ذاته وصفاته الذاتية وبأن ذاته تعالى لها صفة حياة منزهة عن الروح، وصفة علم وقدرة وإرادة وسمع وبصر وكلام وكل صفة من صفاته لا تكثر فيها وإنما التكثر في متعلقاتها لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فالطاعات بإرادته وأمره والمعاصي بإرادته دون أمره، والكل من ذلك وغيره من الكائنات بقضائه وقدره سمعه من غير صماخ وبصره من غير حدقة وكلامه من غير صوت ولا حرف، منزه عن البكم منزه عن أن يقوم به حادث من حركة أو سكون أو تحيز فصفاته ليست أعراضا، أحدث العالم باختياره من غير أن يحصل له به كمال لم يكن له قبل ذلك، لم يتجدد له بإيجاده اسم ولا صفة، منزه عن الجهة والجسمية وصفاتهما ولوازمهما وكل سمة نقص أو لا كمال فيها، وبأنه لا يكون في ملكه إلا ما يشاء من خير وشر ونفع وضر فلا تقع لمحة ناظر ولا خطرة خاطر إلا بإرادته تعالى. وهو المنفرد بأنه الغني الغنى المطلق فكل موجود مفتقر إليه في وجوده وبقائه وسائر ما يمد به، وبأنه باق لا يلحقه فناء وحياته دائمة لا يعقبها موت ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وحاصل ما أشار إليه الحديث أعني قوله بالله أنه تعالى متصف بكل كمال منزه عن كل وصف لا كمال فيه، وقوله: "وملائكته" هم أجسام نورانية مبرأة من الكدورات قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ليسوا ذكورا ولا إناثا ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون ولا يتوالدون كما في ابن حجر

стр. 186

عن سعيد بن المسيب في باب ذكر الملائكة. ومعنى الإيمان بهم أن تؤمن بأنهم عباد الله لا كما زعم المشركون من تألههم، مكرمون لا كما زعم اليهود من تنقصهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وبأنهم سفراء الله بينه وبين خلقه متصرفون فيهم كما أذن صادقون فيما أخبروا به عنه وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [أطت السماء وحق لها أن تئط ما من موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع] (١) وقوله وكتبه أي بأنها كلام الله القديم الأزلي القائم بذاته المنزه عن الحرف والصوت واللحن والإعراب، وبأنه تعالى أنزلها على بعض رسله بألفاظ حادثة في ألواح أو على لسان الملك وبأن كل ما تضمنته حق وصدق وبأن بعض أحكامها نسخ وبعضها لم ينسخ، وورد عن غير واحد أنها مائة كتاب وأربعة كتب أنزل منها خمسون على شئث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على آدم، وعشرة على إبراهيم والله أعلم. الزركشي اختلف العلماء في نسخ المنزل على النبي ﷺ قيل إنه اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به وأنه ذكر بعضهم أن حروف القرءان في اللوح كل حرف منها بقدر جبل قاف، وقيل إنه المعنى خاصة نزل به جبريل وعلمه النبي ﷺ فعبر عنه بلغة العرب لقوله تعالى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾، وذكر السيوطي في الحاوي أنه اختلف في كيفية تلقي الوحي من الله تعالى قيل ألهمه وقيل سمعه منه تعالى، وقيل حفظه من اللوح المحفوظ، وقيل سمعه جبريل من إسرافيل وإسرافيل من اللوح المحفوظ، واختلف هل نزول جبريل على النبي ﷺ باللفظ أو بالمعنى فعبر ﷺ عنه. نقله اليوسي في حاشيته على شرح الكبرى، وقوله: "ورسله" أي بأنه أرسلهم إلى الخلق لهدايتهم وتكميل معاشهم ومعادهم وأيدهم بالمعجزة الدالة على صدقهم فبلغوا عنه رسالته وبينوا ما أمروا ببيانه، وأنه يجب احترام جميعهم ولا نفرق بين أحد منهم، وأنه تعالى نزههم عن كل وصمة ونقص فهم معصومون من الكبائر والصغائر قبل النبوءة وبعدها هذا هو الصواب، وما وقع في قصص يذكرها المفسرون وفي كتب قصص الأنبياء مما يخالف ذلك لا يعتمد

стр. 187

عليه ولا يلتفت إليه وإن جل ناقلوه كالبغوي والواحدي وما جاء في القرآن من إثبات العصيان لآدم ومن معاتبة جماعة منهم على أمور فعلوها فهو من باب أن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبة غيره على المعصية، وهم أفضل من جميع الملائكة فإذا فضلوا على المعصومين لزم كونهم معصومين بالأولى. وقوله: "وتؤمن بالقدر" القدر في اللغة مصدر قدرت الشيء بتخفيف الدال وفتحها أقدره بكسر الدال وضمها إذا أحطت بمقداره والمراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر قاله ابن حجر. قال وقد حكى المصنفون عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ عالما بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم وإنما يعلمها بعد كونها قال القرطبي وغيره وقد انقرض هذا المذهب ولا يعرف أحد انتسب إليه من المتأخرين. قال والقدرية الآن مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها وإنما خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال دمرهم الله تعالى نقله الشيخ ميارة وفي نوازل ابن هلال ما نصه القدر في عرف المتكلمين عبارة عن تعلق علم الله تعالى وإرادته أزلا بالكائنات قبل وجودها فلا حادث إلا وقد قدره الله أزلا أي سبق به علمه وتعلقت به إرادته انتهى. وفي مطالع المسرات أنه اختلف في القضاء والقدر هل هما بمعنى واحد وعليه فقيل هما بمعنى الإرادة، وقيل بمعنى القدرة والإرادة والعلم، وقيل هما متباينان، وعليه فقيل القضاء سابق فهو عند الأشاعرة إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، وقدره إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها، وقيل القدر سابق فهو عبارة عن تعلق علم الله تعالى وإرادته أزلا بالكائنات والقضاء إبراز الكائنات على وفق القدر، وقيل القدر الإرادة المقرونة بالحكم الخبري فلا تقديم ولا تأخير فإن اعتبرت الكلام قلت قضاء وإن لم تعتبره قلت قدر، وفي كلام لبعضهم أن القدرية مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها وإنما خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مقدورة لهم واقعة منهم على جهة الاستقلال دمرهم الله تعالى. وقدم الملائكة على الكتب والرسل نظرا

стр. 188

للترتيب الواقع لأنه أرسل الملك بالكتب إلى الرسل وليس فيه متمسك لمن فضل الملك على الرسول، وليس المراد بمخاطبة الأفراد اختصاصه بذلك بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم وحق من أشبههم من المكلفين، وقد تبين لك ذلك بقوله أتاكم يعلمكم دينكم. وقوله: "الإحسان" مصدر أحسن يحسن يتعدى بنفسه وبغيره تقول أحسنت كذا إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع والأول هو المراد لأن المقصود هو إتقان العبادة، وقد يلاحظ الثاني لأن المخلص مثلا يحسن بإخلاصه إلى نفسه وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود، وأشار في هذا الجواب إلى حالتين أرفعهما أن تغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه بعينه وهو قوله: "كأنك تراه" أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل ما يعمل وهو قوله: "فإنه يراك"، وهاتان الحالتان تثمرهما معرفة الله تعالى وخشيته وقوله: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" هذا وإن كان مشعرا بالتساوي في العلم لكن المراد التساوي في العلم بأن الله سبحانه استأثر بعلمها. النووي يستنبط منه أن العالم إذا سئل عما لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته بل يكون دليلا على مزيد ورعه. وقوله: "أن تلد الأمة ربتها" المراد كثرة العقوق في الأولاد فيعامل [الولد] (١) أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب والضرب والاستخدام، وقيل المراد اتخاذ السراري فمن أولد أمة كان ولده منها بمنزلة ربها لأنه ولد سيدها، وقيل المراد كثرة السبي فقد يسبى الولد أولا وهو صغير ثم يعتق ويكبر ويصير رئيسا بل ملكا ثم تسبى أمه فيما بعد فيشتريها عارفا بها أو هو لا يشعر أنها أمه فيستخدمها أو يتخذها موطوءة، وقد جاء في بعض الروايات [أن تلد الأمة بعلها] (٢) فحمل على هذه الصورة، وقوله: "وأن ترى الحفاة" الخ المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر ويملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به. وقوله: "يتطاولون" التطاول في البنيان التفاخر فيه ويدل

стр. 189

على هذا حديث: [إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة] (١) والحديث الآخر [لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس لكع بن لكع] (٢). القرطبي: علامات الساعة على قسمين معتاد وغيره والمذكور هنا الأول وأما غير المعتاد مثل طلوع الشمس من مغربها فتلك مقارنة لها أو مضايقة والمراد هنا العلامات السابقة على ذلك. ابن حجر: دلت الروايات على أن النبي ﷺ ما عرف أن السائل جبريل إلا في آخر الحال. ابن المنير: في قوله يعلمكم دينكم دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علما وتعليما لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال ومع ذلك سماه معلما وقد اشتهر: "حسن السؤال نصف العلم"، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث أن الفائدة فيه مبنية على السؤال والجواب معا وقوله: "يا محمد" استشكل بحرمة ندائه ﷺ باسمه لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ الآية ويجاب بأنا لا نسلم حرمة ذلك على الملائكة على أنه يحتمل أن حرمة ذلك إنما عرضت بعد فلا إشكال، وأجاب بعضهم بأنه قصد مزيد التعمية عليهم فناداه بما كان يناديه به أجلاف الأعراب وفيه جواز نداء العالم باسمه ولو من المتعلم ومحله إن لم يعلم كراهته لذلك وإلا كان على سبيل الوضع من القدر لمخالفته ما اعتيد لأولئك بالألقاب المعظمة. واعلم أنه يجب الإيمان بجميع الملائكة والكتب والرسل إيمانا كليا فمن ثبت بعينه كجبريل والإنجيل وموسى وجب الإيمان به علينا حتى أن من لم يصدق بمعين من ذلك فهو كافر ومن لم يُعرف اسمه ءامنا به إجمالا وإذا كان كذلك فينبغي ويتأكد أو يجب الاعتناء بمن سمى بذلك ليؤمن بعينه نقله الشيخ ميارة وله رحمه الله تعالى: وفي الذكر من أسماء كتب تنزلت … لأربعة فاعلم هديت مبجلا فالإنجيل والتورية ثم زبورها … ومن بعدها فرقان أحمد كَمَّلا

стр. 190

والإنجيل للسيد عيسى، والتورية للسيد موسى، والزبور للسيد داود صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم، وجملة الأنبياء المذكورين في القرآن خمسة وعشرون: سيدنا محمد ﷺ وءادم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم الخليل ولوط وإسحاق وإسماعيل ويعقوب ويوسف ويونس ذو النون وأيوب وشعيب وموسى وهارون وإلياس واليسع وذو الكفل وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والمذكور في القرآن من الملائكة ثلاثة جبريل وميكائيل ومالك؛ والروح المذكور في القرءان جبريل والله تعالى أعلم. ولم يتعرض المصنف للإيمان والإحسان ولا لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وإنما تعرض للدعائم الأربع ونحوها وقدم الصلاة مبتدئا بشرطها من الطهارة فقال:

стр. 191

باب الطهارة باب الباب في اللغة فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج ومن خارج إلى داخل، وفي اصطلاح العلماء اسم لطائفة من مسائل العلم مشتركة في حكم وحينئذ فالباب حقيقة في الأجسام كباب الدار، ومجاز في المعاني ك باب الطهارة مثلا فالساتر هو الجهل بالطهارة والباب هو المسائل التي يتوصل بها إلى معرفة أحكام الطهارة مثلا، والمسائل جمع مسألة وهي لغة السؤال واصطلاحا مطلوب خبري يبرهن عليه في ذلك العلم؛ أي يقام عليه الدليل ولا تكون إلا كسبية أي مكتسبة لقولهم: "ضروريات العلم ليست من مسائله" ولذا صرحوا بأن الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة ليست من الفقه والظاهر أن قولهم لا تكون إلا كسبية ليس من تمام التعريف وإنما هو كلام مستأنف قصد به بيان الحاصل من تعريفها فلا يعترض عليه بأنه مستغنى عنه بقولهم يبرهن عليه، وقد يعبر عن الباب بالكتاب وبالفصل وقد يجمع بين الثلاثة فيقدم الكتاب ثم الباب ثم الفصل فيزاد في تعريف الكتاب ذات أبواب، وفي تعريف الباب ذات فصول، وقد يفصل الكتاب بالفصول كما يفصل بالأبواب ولم يستعملوا تفصيل الباب بالكتاب والفصل بالأبواب. والكتاب في اللغة المكتوب كالرهن بمعنى المرهون والمص استعمل الباب مفصلا بالفصول واستعمله غير مفصل بها، والفصل لغة القطع وحكمة تفصيل المصنفات بالكتب والأبواب والفصول تنشيط النفس وبعثها على الحفظ والتحصيل لما يحصل لها من السرور بالختم والابتداء بخلاف ما لو لم يكن كذلك ومن ثم فصل القرءان العظيم سورا وجزأه القُرَّاءُ أحزابا وأسباعا وعشورا ولأن فيه تسهيلا للمراجعة والكشف عن المسائل. واعلم أن الكتاب يقع مضافا إلى الترجمة ككتاب الطهارة مثلا وكذا الباب والمص حذف التراجم التي تضاف إليها الأبواب اختصارا، والترجمة المضاف إليها الباب هنا الطهارة، وقوله باب خبر مبتدإ محذوف أي هذا باب الطهارة، وهي لغة النظافة والنزاهة أي الخلوص من الأقذار الحسية كالنجاسات والأوساخ، والخلوص من العيوب المعنوية كالطمع واللؤم ونحو ذلك فهي حقيقة في المعنيين وقيل مجاز في الثاني قال الله ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ على أن المراد بالثياب القلب، وشرعا لها معنيان أحدهما رفع الحدث وإزالة النجاسة كما في قولهم الطهارة واجبة قال القرافي: "وهي بهذا المعنى مجاز"، ثانيهما ما عرفها به ابن عرفة حيث قال: "الطهارة صفة

стр. 192

حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أوله فالأوليان من خبث والأخيرة من حدث" انتهى، والثاني هو الحقيقة ونظر الحطاب في كون الأول مجازا وقال الظاهر أن الأول حقيقة أيضا، وقول ابن عرفة صفة جنس يتناول جميع الصفات، وقوله: "حكمية" معناه أنه يحكم بها ويقدر قيامها بمحلها قيام الأوصاف الحسية وليست معنى وجوديا قائما بمحله ولا معنوية، وقوله: "لموصوفها" يتناول الثوب والمكان والشخص، ومعنى توجب تثبت وتصحح وقوله: "جواز" معناه إباحة، ومعنى قوله: "استباحة" فعل الصلاة والإقدام عليها كما يقال فلان يستبيح الدماء كما أشار له الأمير فظهر بذلك تغاير المضاف والمضاف إليه ويكون للجمع بينهما فائدة خلاف ما للشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "به" أي بملابسته فيشمل الثوب والماء وكل ما يجوز للمصلي ملابسته فاندفع أنه لا يتناول الماء المضاف، وليست الباء للسببية حتى يقتضي ذلك، وقوله: "فيه" يريد به المكان، وقوله: "له" شامل لطهارة المصلي من الحدث والخبث إلا أن قوله: "والأخيرة من حدث" يخصه به، وأورد على حد ابن عرفة أنه لا يشمل طهارة غسل الميت فإنها تبيح الصلاة عليه، والذمية من الحيض ليطأها زوجها وأجيب بأنها تبيح الصلاة له لولا المانع من الموت والكفر، وبمثل هذا أيضا يجاب عما يقال من عدم شموله للطهارة المستحبة فيقال: "تبيح لولا المانع". وعرف ابن عرفة النجاسة بقوله: "صفة حكمية توجب لموصوفها منع الصلاة به أو فيه" واعترض بأنه غير مانع لشموله للمكان والثوب المغصوبين، وأجيب بحمل المنع على عدم الصحة فيندفع الاعتراض، وقد علم معنى حكمية مما تقدم وكذا قوله: "توجب"، وكذا قوله: "لموصوفها" وباقي التعريف ظاهر وبالله تعالى التوفيق، وإدخال البدن في قوله به في الحدين بعيد. والطهورية بفتح الطاء صفة حكمية توجب لموصوفها كونه بحيث يصير المزال به نجاسته طاهرا، وأما الطُّهورية بالضم فهي فضلة ما يتطهر به فتلك أربعة: الطهارة، والطَّهورية بالفتح فيهما والطُّهورية بضم الطاء والنجاسة وقد عرفت حقائقها، ويقال أيضا الطهارة بضم الطاء بمعنى الطهورية بضمها. وقدم المص كغيره ربع العبادات لعموم الحاجة إليها وبدأ بالصلاة لأنها

стр. 193

أوكد العبادات وأفضلها بعد الإيمان ولتقديمها على بقية القواعد في حديث [بني الإسلام على خمس] (١) ما عدا الشهادتين ولم يتكلم المص وكثير من الفقهاء على الشهادتين لأنهما أفردتا بعلم مستقل، وقدم الكلام على الطهارة لأنها أوكد شروط الصلاة التي يطلب المكلف بتحصيلها لسقوط الصلاة عند فقد ما يتطهر به من ماء وصعيد على المشهور وبدأ بالكلام على الماء لأن الطهارة المائية هي الأصل ولا تحصل إلا بالماء المطلق فاحتاج إلى تمييزه من غيره فقال: يرفع الحدث يعني أن الحدث يرفع عن الشخص بسبب استعماله للمطلق والحدث بفتحتين لغة وجود الشيء بعد أن لم يكن، وشرعا يطلق على أربعة معان أحدها الخارج المعتاد نحو قوله: "نقض الوضوء بحدث" ثانيها الخروج كما في قولهم: من آداب الحدث الاعتماد على الرجل اليسرى والفرق بين هذين كالفرق بين القائم والقيام: ثالثها الوصف الحكمي المقدر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية نحو قوله: "ومنع حدث صلاة وطوافا". رابعها المنع المرتب على الأعضاء كلا كالأكبر أو بعضا كالأصغر والفرق بين هذين كالفرق بين الذين قبلهما. قال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر أن المنع في الأصغر متعلق بجميع الجسد لا بالبعض وإلا لاقتضى جواز حمل المحدث المصحف على ظهره وهو لا يجوز قوله يرفع الحدث يصح فيه إرادة المعنى الثالث كما تصح فيه إرادة المعنى الرابع، وقد أنكر ابن دقيق العيد المعنى الثالث وقال ذكره بعض الفقهاء وهم مطالبون بدليل شرعي على ثبوته فإنه منفي بالحقيقة والأصل موافقة الشرع لها قوله يرفع الحدث يقدر برفع استمرارُ الحدثِ لا يرفع وقوعُه لأنه لا يرتفع، وبنى المص يرفع للمفعول للعلم بفاعله وهو الله أو النبي ﷺ بواسطة ما أوحى إليه وحكم الخبث بفتحتين هو عين النجاسة يعني أن حكم الخبث يرفع بالماء المطلق: وحكم الخبث هو الصفة الحكمية التي توجب لموصوفها منع الصلاة به أو فيه فإذا غسل المحل النجس بالماء المطلق حتى زالت العين واللون والريح على ما يأتي فقد أبيحت الصلاة بذلك الثوب مثلا، وإنما قال حكم الخبث لأن عين النجاسة تزول بغير الماء المطلق بخلاف الحكم وإذا زال الحكم زالت العين لا

стр. 194

محالة، وأما موضع الاستجمار والسيف الصقيل ونحوه إذا مسح والخف والنعل إذا دلكا من أبوال الدواب وأرواثها فالمحل محكوم له بالنجاسة وإنما عفي عنه للضرورة بالمطلق متعلق بيرفع يعني أن الحدث وحكم الخبث إنما يرفعان بالماء المطلق وقيل يزال حكم الخبث بالماء المضاف، وقيل يزال بكل مائع قلاع كالخل، ابن عبد السلام قولهم لا تزال النجاسة إلا بالمطلق عند الأكثر يدل على أن إزالتها تعبد، وقولهم لا يفتقر زوالها إلى نية يدل على أنها معقولة المعنى فهو تناقض والجواب عما قال أن إزالة النجاسة فيها شائبة المعقولية والتعبد فأعمل الإمام الشائبتين معا فأسقط النية لإعمال شائبة المعقولية واشترط المطلق لشائبة التعبد نقله الشيخ ميارة، ولم يقل المص حكم الحدث لما تقدم أن الحدث هو الوصف الحكمي أو منعه، ومثل الحدث وحكم الخبث في ذلك كل طهارة شرعية من غسل أو وضوء وإن لم تكن واجبة فلا يصح شيء من ذلك إلا بالماء المطلق كالأوضئة المستحبة والاغتسالات المسنونة والمستحبة قال في التلقين ولا يجوز التطهر من حدث ولا لنجس ولا لشيء من المسنونات والقرب بمائع سوى الماء المطلق، والباء في قوله بالمطلق للسببية وإذا كانت للسببية أشعرت بالعلية فيكون في كلامه ما يفيد الحصر لأن السبب يلزم من عدمه العدم، وفي حاشية الشيخ بناني أن كلام المص لا يفيد الحصر والله أعلم، ولم يقل المص رافع الحدث وحكم الخبث المطلق لأن نسبة الرفع للماء مجاز. والمطلق في اللغة ما أزيل منه القيد الحسي أو المعنوي كما في قول الأخنس بن شهاب التغلبي: أرى كل قوم قاربوا قيد فحلهم … ونحن خلعنا قيده فهو سارب وفي استعمال الفقهاء هو ما بالقصر أي شيء أو الشيء الذي صدق أي صح أن يطلق عليه أي يقال له ماء فالإضافة في قوله اسم ماء بيانية أي اسم هو ماء والماء هو الجوهر السيال فيشمل ماء الورد والزرجون والماء المضاف وغير ذلك. بلا قيد يعني أن المطلق هو الذي يقال له ماء ولم يقيد بشيء يحبسه أي يكون الماء بعضه ولا بشيء يخالطه من مغير مفارق غالبا فخرج بالقيد الأول الماء المستقر في نبات أو حيوان، وبالقيد الثاني الماء الذي تغير بما يفارقه غالبا فيشمل المص ما إضافته بيانية كماء المطر وماء الندى وما أضيف لمحله كماء الآبار وكذا ماء البحر فلا خلاف في جواز التطهير به وإن كان حكي عن ابن عمر

стр. 195

كراهة الوضوء به فقد انعقد الإجماع على خلافه، وما قررت به قوله بلا قيد يفيده الحطاب والله سبحانه أعلم، وقرره غيري على أن معناه بلا قيد لازم وعليه فيشمل أيضا الماء الذي نبع بين أصابعه ﷺ . روى النسائي وابن خزيمة عن أنس [أن النبي ﷺ وضع يده في إناء وقال توضئوا باسم الله حتى توضؤوا عن آخرهم وكانوا نحوا من سبعين] (١) وأكثر أهل العلم على أن الماء نبع من ذاته ﷺ ؛ أي أنه خارج من عظمه وعصبه ولحمه ودمه ويؤيده قول جابر [فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه] (٢)، وفي رواية [ينبع] (٣) وهو مراد من قال إنه إيجاد معدوم وهو الصحيح. قال القرطبي لم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا ﷺ حيث نبع الماء من ذاته من عظمها وعصبها ولحمها ودمها الشريف، ونقله عنه ابن حجر في علامات النبوءة وقال في القبس ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ خصيصة لم تكن لأحد قبله، قال النووي في كيفية هذا النبع قولان حكاهما القاضي عياض وغيره أحدهما ونقله القاضي عن المزني وأكثر العلماء أن الماء كان يخرج من بين أصابعه ﷺ وينبع من ذاتها قالوا وهو أعظم من المعجزة التي هي نبعه من حجر، والثاني أن الله كثر الماء في نفسه فصار يفور من بين أصابعه ﷺ قال غير واحد وعلى الأول فهو أشرف مياه الدنيا والآخرة. وقد ذكر صاحب المواهب عن البلقيني وذكره أيضا تقي الدين القابسي (٤) المالكي عن شيخه شيخ الإسلام البلقيني أن ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر لغسل قلبه ﷺ به ليلة الإسراء فكيف بماء خرج من ذاته ﷺ وعلى أن الماء كثر في نفسه فهو أشرف مياه الدنيا والآخرة أيضا إلا أنه يحتمل أن كلا من الكوثر وماء زمزم أفضل منه. ودخل في ماء الآبار ماء زمزم ويستحب الوضوء بماء زمزم والاغتسال به إذا كان طاهر الأعضاء والاستكثار من شربه ويكره أن تزال به النجاسة احتراما له فإن أزيلت به طهر المحل،

стр. 196

والنظر إلى زمزم عبادة والتطهر به يحبط الخطايا. ابن شعبان لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة. ابن أبي زيد ما ذكره في ماء زمزم لا وجه له عند ملك وأصحابه والمشهور أن ماء زمزم تزال به النجاسة ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن ابن شعبان لا تزال به النجاسة تشريفا له. قال الحطاب وأما إزالة النجاسة بماء زمزم فالظاهر أن ذلك مكروه ابتداء فإن أزيلت به طهر المحل انتهى. ثم قال بعد جلب نقول ولا ينبغي أن يختلف في كراهة غسل النجاسة به والاستنجاء به قد قيل إنه يورث البواسير. واعلم أن موضع زمزم وحريمها سابق على المسجد فلا يدخل في تحبيس المسجد فقد ذكر صاحب المدخل وغيره أن البئر إذا كانت سابقة على المسجد لا يدخل حريمها في تحبيس المسجد، ويستثنى من الآبار آبار ثمود فلا يجوز الوضوء بمائها ولا الانتفاع به لأنه ﷺ أمر الصحابة ﵃ حين مروا بها أن لا يشربوا إلا من البئر التي كانت تردها الناقة وأمرهم أن يطرحوا ما عجنوا من تلك الآبار ويريقوا الماء [والحديث في الصحيحين] (١)، وأمرهم أن يعلفوا العجين للإبل، والنهي عنه لأنه ماء سخط وغضب لا لنجاسته فلو صلى به لصحت الصلاة كما للأجهوري بالأولى من صحة الصلاة بالماء المغصوب المتوضإ به، وقيل إنه نجس إذ هذا الذي أمرهم به ﷺ من إراقة ما استقوا وتعليف العجين للإبل حكم على ذلك الماء بالنجاسة ولولا ذلك لما أتلف الطعام المحترم شرعا، وكما منع الوضوء بمائها منع التيمم بأرضها وهي مسيرة خمسة أميال وفي أمره ﷺ لهم بالاستقاء من البئر التي كانت تردها الناقة دليل على التبرك بآثار الصالحين وإن تقادمت أعصارهم، وفي كتاب الشيخ الأمير ومنع الانتفاع بماء ثمود وهو مطلق، والصلاة به باطلة كما في الشبراخيتي عن الرصاع وبأرضها فلا يؤخذ منها إناء ولا بناء، واستظهر الأجهوري صحة الصلاة بمائها ويؤيده أنه قيل بكراهته انتهى. ابن حجر الذي يظهر أن النبي ﷺ أعلم بئر الناقة بالوحي وقال البلقيني بالتواتر إذ لا يشترط فيه الإسلام انتهى. ونقل ابن أبي شريف من الشافعية عن الزركشي أنه

стр. 197

يلحق بماء آبار ثمود كل ماء مغضوب عليه كماء ديار قوم لوط وماء ديار بابل لحديث أبي داود [إنها أرض ملعونة] (١) وماء بئر ذروان التي وضع فيها السحر للنبي ﷺ ، وماء بئر برهوت وهي بئر باليمن لحديث ابن حبان [شر بئر في الأرض بئر برهوت] (٢) انتهى. بابل بالعراق وهي المذكورة في القرآن العزيز، وذروان بفتح الذال المعجمة وسكون الراء بئر بالمدينة، وفي القاموس بئر ذروان بالمدينة أو هو ذو أروان بسكون الراء وقيل بتحريكه أصح اهـ ويدخل في المطلق الماء العذب لقوله تعالى ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ ولا شك أنه عذب ومن قال لا يستنجى بالماء العذب رأى أنه طعام وهو بمكان من الشذوذ، ويدخل في حد المطلق أيضا جميع المياه المكروهة الآتي ذكرها. واعلم أن المطلق مرادف للطهور وقيل المطلق أخص من الطهور وعلى هذا يأتي حد ابن عرفة للمطلق بأنه الماء الباقي على أوصاف خلقته غير مستخرج من نبات ولا حيوان فما تغير بقراره طهور غير مطلق على هذه الطريقة والله سبحانه أعلم وإن جمع من ندى يعني أن المطلق يرفع به الحدث وحكم الخبث وإن كان مجموعا من الندى والمراد به ما ينزل من السماء لَيْلًا على الأرض وأوراق الشجر، والضمير في جمع عائد على المطلق، والمبالغة راجعة لقوله يرفع كما قررت ولا يضره تغير شيء من أوصافه بما جمع عليه من النبات لأنه له كالقرار، وما أحسن عبارة الشيخ الأمير: الماء طهور وإن ندى غيره الشجر انتهى. وقوله جمع أي ولو في يد المتوضئ أو المغتسل، وقوله من ندى بالقصر وهو لغة المطر والبلل والمراد به هنا ما تقدم ونبه المصنف بهذا وما بعده على أن المطلق تعرض له أحوال لا تسلبه الإطلاق لكن منها ما لا يقتضي الكراهة وهو ما نبه عليه بقوله وإن جمع من ندى إلى قوله أو بمطروح، ومنها ما يقتضي الكراهة وهو ما سيذكره بقوله وكره ماء مستعمل الخ أو ذاب بعد جمود الضمير في ذاب يعود على المطلق والجمود مصدر جمد ضد ذاب؛ يعني أن المطلق يرفع به الحدث وحكم الخبث وإن ذاب بعد الجمود فيرفع الحدث

стр. 198

وحكم الخبث بالثلج والبرد والملح إذا ذاب كل منها، وإذا ذاب الملح بموضعه فلا خلاف في رفعه للحدث وحكم الخبث، وإن ذاب بغير موضعه فالمشهور أنه يرفع الحدث وحكم الخبث فلا يؤثر فيه الجمود رعيا لأصله. وقيل حكمه حكم الطعام لا يتطهر به وينضاف به ما غيره من المياه، وقيل إن كان جموده بصنعة أثر وإلا فلا. وإذا ذاب البرد ونحوه ووجد في داخله شيء طاهر أو نجس فالظاهر أن يقال ينظر له بعد سيلانه فإن غير أحد أوصافه سلب طهوريته وبعد ذلك حكمه كمغيره وإن لم يغير أحد أوصافه كان طهورا على حاله قاله الشيخ إبراهيم، وعبارة الأمير فإن وجد داخله شيء فعلى حكمه. أو كان سؤر بهيمة يعني أن المطلق يرفع به الحدث وحكم الخبث وإن كان سؤر بهيمة أي بقية شربها، بضم السين مهموزا، قال الشيخ الحطاب السؤر بضم السين المهملة وسكون الهمزة وقد تسهل بقية شرب الدواب وغيرها ويقال أيضا في بقية الطعام هكذا فسره أهل اللغة والمحدثون والفقهاء. وقال النووي سؤر الحيوان مهموز وهو ما بقي في الإناء بعد شربه أو أكله، ومراد الفقهاء بقولهم سؤر الحيوان طاهر أو نجس لعابه ورطوبة فمه انتهى. الحطاب الذي يظهر من كلام أصحابنا أن السؤر بقية شرب الحيوان إلا أن يكون مراد النووي أنهم إنما يحكمون بطهارة بقية الشرب أو نجاسته لطهارة لعاب الحيوان أو نجاسته فتأمله انتهى، وفي المدونة يجوز الوضوء بسؤر الدواب وهو وغيره سواء. اللخمي وفي سماع ابن وهب في الوضوء بفضل الحمار والبغل والفرس وغير ذلك من الدواب غيره أحب إلي منه ولا بأس به إن اضطر له فمشى المصنف على ظاهر المدونة، وأشار بالمبالغة لرواية ابن وهب قاله الحطاب. والبهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء وكل حي ليس من شأنه التمييز وفي الحديث عنه ﷺ [سؤر المؤمن شفاء] (١) قوله بهيمة أي ولو جلالة إلا أنه يكره استعمال سؤرها في الحدث وحكم الخبث كما يأتي في قوله وما لا يتوقى نجسا من ماء وذلك لا ينافي الإطلاق، وفي الحطاب عن سند أن الدابة التي تعيش بأكل روثها بعض الأحايين لا بأس بسؤرها ما لم ير في

стр. 199

أفواهها ذلك عند شربها وإنما لم يكن به بأس لأن أكثر الدواب تفعل ذلك، وأما الجلالة فيكره التطهير بسؤرها أو حائض وجنب يعني أن الماء المطلق يرفع به الحدث وحكم الخبث وإن كان بقية شرب الحائض والجنب أي شربا منه معا وأحرى سؤر أحدهما فنص على الصورة المتوهمة وهي سؤرهما معا والمنفرد أولى بالحكم قاله الشبراخيتي، ولا خلاف في طهارة سؤر الحائض والجنب إذا لم يكن في أفواههما نجاسة وإنما نبه عليه ليلا يتوهم عدم طهارته قاله الحطاب. قوله أو حائض أو جنب مسلمين أو كافرين شاربي خمر أم لا وسيأتي: "وسؤر شارب خمر". أو فضلة طهارتهما يعني أن الماء الذى يفضل من طهارة الحائض والجنب طاهر مطهر قاله في الأم وصرح به غير واحد من أهل المذهب، وذكر الش قولا بأنه لا يتطهر بفضل طهور الحائض قال ولا يبعد جريه في طهارة الجنب. وحصل ابن رشد في وضوء الرجل بفضل المرأة وعكسه خمسة أقوال أحدها قول مالك وجميع أصحابه أنه يجوز وضوء الرجل بفضلة وضوء المرأة وعكسه لا خلاف بينهم في ذلك، والثاني لا يتوضأ أحدهما بفضلة صاحبه مطلقا. والثالث تتوضأ المرأة بفضلة الرجل لا العكس، والرابع يتوضأ أحدهما بفضل صاحبه إذا شرعا جميعا، والخامس يتوضأ أحدهما بفضل صاحبه ما لم يكن الرجل جنبا والمرأة حائضا أو جنبا انتهى. وفي المدونة لا بأس بما انتضح من غسل الجنب في إنائه ولا يستطيع الناس الامتناع من هذا، قال صاحب الطراز في شرح هذه المسألة الماء الذي ينتضح في إناء المغتسل على وجهين ما تطاير من جسده وما تطاير من الأرض وكلاهما لا يضر إذا لم يكن تطاير نجاسة انتهى. فقد خالط الماء المستعمل في الحدث إناء المغتسل واغتفره ضرورة والله سبحانه أعلم. ابن ناجي قال بعض شيوخنا يحمل قولها عندي بأن المراد بما انتضح من غسل الجنب ما يكون في بدنه من نجاسة فإن إمرار يديه مع الماء للتدلك ثم ردهما إلى الإناء عفو وإن كانت النجاسة في يديه وهو تأويل بعيد انتهى. وعادته إذا قال بعض شيوخنا أنه يشير به إلى ابن عرفة قاله الحطاب وقال لم أقف على ما ذكره في كلام ابن عرفة وسيأتي إن شاء الله في آخر هذا الفصل وفي فرائض الوضوء عن ابن رشد نحو ما ذكره ابن ناجي عن بعض شيوخه انتهى. ومن توضأ على بلاط نجس وطار عليه ماء من البلاط فإن كانت النجاسة رطبة غسل ما تطاير عليه منها إلا أن يتوالى البلل حتى يغلب على الظن أنها

стр. 200

انماعت وذهبت قاله الحطاب: وقوله أو فضلة طهارتهما سواء نزلا في الماء أو اغترفا منه، وفي مسلم عن عائشة ﵂ قالت [كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد بيني وبينه فيبادرني حتى أقول له دع لي دع لي وهما جنبان] (١)، وكذا الحائض بالقياس ويصدق على الماء الذي نزلا فيه أنه فضلة طهارة باعتبار ما علق بظاهر الجسد فالباقي فضلة قطعا كما قاله الشيخ محمد بن الحسن والله سبحانه أعلم أو كثيرا خلط بنجس لم يغير يعني أن الماء الكثير إذا خالطه شيء نجس ولم يغيره فإنه باق على طهوريته والكثير ما فوق آنية الغسل، واشتمل كلام المصنف منطوقا ومفهوما على ثمان صور وهي: كثير خلط بنجس لم يغير أو غير خلط بطاهر لم يغير أو غير فتلك أربعة، قليل خلط بنجس لم يغير أو غير خلط بطاهر لم يغير أو غير فتلك أربعة أيضا. واعلم أن ما اتفقت الأمة على أنه كثير ولم يتغير لا خلاف في طهوريته سواء خلط بنجس أو طاهر وإن كان مختلفا في كونه كثيرا فالمشهور أنه طهور ولا يكره، وقيل يكره، وقيل غير طهور وهي رواية ابن نافع ابن رشد وهي رواية حائلة خارجة عن الأصول. الحطاب لا ينبغي أن تجعل رواية ابن نافع ناقضة للاتفاق. والنجس بالفتح والكسر والتحريك وككتف وعضد ضد الطاهر نجس كسمع وكرم وأنجسه ونجسه فتنجس. أو شك في مغيره هل يضر يعني أن الماء إذا تحقق تغيره وشك في الذي غيره هل هو مما يسلب طهوريته أو مما لا يسلب طهوريته كقراره فالأصل بقاؤه على الطهورية فما وجد في الفلوات مثلا من بئر أو غدير قد أنتن ولا يدرى لم أنتن فلا بأس بالتطهر به. وقوله شك أي تردد في ذلك على حد السواء وأحرى إن ترجح جانب الطهورية فإن ترجح جانب النجاسة أو سلب الطهورية عمل على ما ترجح عنده فيعمل على ظنه وإن لم يقو، ويكون الماء طهورا أيضا إذا شك في مغيره هل هو من جنس ما يضر أم لا وعلى أنه يضر لا يدري هل هو نجس أو طاهر، وكذا يكون طهورا أيضا إذا شك هل تغير الماء أم لا والقاعدة أن الشيء إذا شك فيه رد إلى أصله والأصل في الماء

стр. 201

الطهورية: وإذا تحقق تغير الماء بمفارق وشك هل هو نجس أو طاهر فإن ذلك الماء طاهر غير طهور، وإذا تغير الماء وعلم أنه من نجس صب فيه أو من مجاورة مرحاض فمتنجس قطعا في ماء البئر والخليج وإن علم أنه من غيره أو شك فطهور فيهما، وإن ظن أن تغيره مما صب فيه أو جاوره فمتنجس في ماء البير قطعا. واختلف في ماء الخليج هل هو كذلك وهو ما لابن رشد وهو الجاري على القواعد في الظن أو هو طهور وهو ما قال الباجي إنه ظاهر السماع أي لكثرته ولكنه يكره استعماله، والسماع الذي عينه الباجي هو سماع أشهب عن مالك فإنه قيل له إن خليج الاسكندرية تجري فيه السفن إلا أنه إذا جرى فيه النيل كان صافيا أبيض وإذا ذهب النيل تغير لونه وطعمه وريحه مع جري السفن فيه والمراحيض تصب فيه فقال: "لا يعجبني أن يتوضأ منه إلا أن يعلم أن التغير الحاصل فيه ليس من المراحيض فإن علم أنه منها كان نجسا إجماعا وإن لم يعلم واحد منهما وظن أن التغير من النجس كان الاحتياط أن يحمل على النجاسة انتهى. ابن مرزوق الأولى ترك استعمال ما شك في مغيره" انتهى. وإذا ظن المستعمل أنه يضر ولم يعارضه ظن أهل المعرفة فإنه يعمل بظنه قطعا كما مر. قال الشيخ إبراهيم: "والظاهر بل الواجب العمل بظن أهل المعرفة عند التعارض" انتهى. قال مقيده عفا الله عنه وإذا كان هو من أهل المعرفة وعارضه ظنهم فالذى يظهر أن هذا من باب ما إذا شك في مغيره هل يضر فيكون الماء مطلقا والله سبحانه أعلم. أو تغير بمجاورة يعني أن الماء المطلق إذا تغير ريحه بمجاورة شيء له منفصل عنه فإن تغيره ذلك لا يسلبه الطهورية، والباء للسببية أي تغير ريحه بسبب مجاورة شيء منفصل عنه له رائحة طيبة كنبت مجاور له، أو خبيثة كالجيفة، ولا خلاف في تغير الريح بالمجاور للماء المنفصل عنه أنه لا يضر، وأما اللون والطعم فلا يمكن تغيرهما بذلك لكن إن فرض تغيرهما به من غير مماسة لم يضر أيضا وإن بدهن لاصق يعني أن التغير بالمجاور لا يضر سواء كان هذا المجاور منفصلا كما مر أو ملاصقا، ومثلوه بالدهن الملاصق لسطح الماء ولم يمازجه فيتغير ريح الماء لذلك فلا يضره بل يبقى على إطلاقه. قوله: "وإن بدهن لاصق" قال الشيخ عبد الباقي: ضعيف والمذهب أنه يضر لقول ابن عرفة ظاهر الروايات وأقوالهم أن كل تغير بحال معتبر وإن لم يمازج. انتهى. وارتضاه ابن مرزوق وبحث فيه الحطاب بقوله الظاهر تسليم ما للمصنف كابن الحاجب، وفي ابن بشير

стр. 202

إشارة له حيث قال المغير بمخالطة الأدهان غير طهور فقوله بمخالطة يفيد أن تغيره بملاصقه فقط لا يضر كالمصنف انتهى. قلت هذا لا يعارض ما لابن عرفة عن ظاهر الروايات الخ، ولا ما نقله عن الشيخ القابسي ما استقي بدلو دهن بزيت؛ أي أو غيره مما غير أحد أوصاف الماء غير طهور غير أنه يشكل على ابن عرفة ومن وافقه ما ذكره سند كما في الحطاب من أنه إذا تغير ريح أعلى الماء من قَطِرَانِ رسب بأسفله لا يضر حتى تتحقق ممازجته للماء بتغير لونه أو طعمه إلا أن يكون ابن عرفة لا يوافق سندا على ذلك كما هو ظاهره قاله الأجهوري انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما نقله ابن عرفة عن الشيخ القابسي أجاب عنه الحطاب بأنه لا دليل لابن عرفة فيه لما ذكره صاحب الجمع من أن مسألة الدلو كل جزء من أجزاء الماء فيها مازجه جزء من أجزائه ينشغ من قعر الدلو وأجنابه بخلاف الدهن الواقع في الماء فإنه يطفو على وجهه ويبقى ما تحته سالما انتهى. وقوله ينشغ هو بالنون والشين والغين المعجمتين أي يرتفع انتهى. قوله: "وإن بدهن لاصق" هذا إذا تغير ريح الماء فقط فلو تغير لونه أو طعمه بملاصقة دهن فإنه يضر حتى على ما مشى عليه المصنف، ويحمل حين تغير أحدهما على أنه مازج قاله الشيخ عبد الباقي وإذا بنينا على ما مشى عليه المصنف في الدهن الملاصق فلا يستعمل الماء حتى يلفظ الدهن من على وجه الماء وهذا في الكثير، وأما القليل كنقطة في آنية الوضوء فالظاهر أنه لا يحتاج إلى لفظه وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستعملون أوانيهم في الأكل والشرب والوضوء أو برائحة قطران وعاء مسافر عطف على قوله بدهن فهو من التغير بالمجاورة يعني؛ أن الماء إذا جعل في وعاء المسافر وتغير ريحه فقط برائحة قطران ألقي جرمه في ذلك الوعاء فإن ذلك الماء طهور وأما لو تغير لونه أو طعمه فيضر ويكون غير طهور، وهذا التفصيل ما لم يكن القطران دباغا فإن كان دباغا لم يضر تغير أحد أوصافه أو الجميع إلا إذا كان بينا، وقيل يضر مطلقا وقيل لا يضر مطلقا وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى عند قول المصنف: "ويضر بين التغير". قوله: "وعاء مسافر" لا مفهوم للمسافر عن غيره فكذلك الحضري والبادي، وإذا شك في كون القطران دباغا أم لا فالظاهر أنه يجري فيه نحو ما تقدم في قوله: "أو شك في مغيره هل يضر" قال الحطاب بعد جلب نقول: والحاصل مما تقدم أن تغير ريح الماء فقط من القطران من باب

стр. 203

التغير بالمجاور فيجوز استعماله ولا يتقيد ذلك بالضرورة ولا بالسفر وإن تغير لونه أو طعمه فإن ذلك يسلبه الطهورية، ولا يجوز استعماله لا في الحضر ولا في السفر إلا على ظاهر ما نقله ابن راشد عن بعض المتأخرين ويتقيد ذلك حينئذ بالسفر والضرورة إليه ولا يصح مع وجود غيره والله أعلم انتهى. والقطران بفتح القاف وكسر الطاء المهملة وبكسرهما وبكسر القاف وسكون الطاء عصارة شجر الأبهل وهو العرعر وشجر الأرز يطبخ فيتحلل منه القطران ويقال في المطلى به مقطور ومقطرن، ولا يضر تغير الماء بطول مكثه وإقامته وما انقلب من العذوبة إلى الملوحة لأنه من أرضه وطول إقامته كما في شرح الشيخ ميارة وغيره أو بمتولد منه يعني أن الماء إذا تغير بمتولد منه فإن ذلك لا يضر بل هو طهور سواء تغير في لونه أو طعمه أو ريحه أو في الجميع، وذلك كالطحلب بضم الطاء واللام ويفتح اللام أيضا وهو الخضرة التي تعلو الماء والخز بفتح الخاء المعجمة والزاي وهو ما ينبت في جوانب الجدر الملاصقة للماء والزغلان وهو حيوان صغير يتولد من الماء والضريع، وفي القاموس أنه نبات في الماء الآجن أي المتغير اللون والطعم له عروق لا تصل إلى الأرض، أو نبات منتن يرمي به البحر. والحاصل أن كل ما تولد منه مما ذكر ومما لم يذكر لا يضر سواء غيره في حال اتصاله أو ألقي فيه بعد انفصاله أو فصل من ماء وألقي في آخر، وسواء كان التغير بينا أم لا ومحل كونه لا يضر ما لم يطبخ فيه فإن طبخ في الماء سلب طهوريته مطلقا لأنه كالطعام حينئذ، ويدخل في كلام المصنف التغير بالسمك الحي والميت مفارق غالبا فيضر والظاهر أن التغير بجزء السمك الحي مضر خلافا لاستظهار الحطاب أنه لا يضر وحكى صاحب الطراز قولا عن مالك بكراهة المتغير بالطحلب مع وجود غيره أو بقراره يعني أن الماء إذا تغير بقراره أي بشيء من أجزاء الأرض فإن ذلك لا يسلبه الطهورية، ومثل للقرار بقوله: كملح وزرنيخ بكسر الزاء وشب ومغرة وهي تراب أحمر، والكحل والزاج والنؤرة والكبريت والحمأة وهي طين أسود منتن، والحديد والنحاس وسواء تغير الماء بذلك وهو في قراره أو صنع منه إناء فتغير منه الماء، وقد ثبت

стр. 204

[أنه ﷺ توضأ من إناء صفر] (١)، ومعلوم أنه يغير طعم الماء، وكان ابن عمر يسخن له الماء في إناء من صفر ولم يكره أحد الوضوء من إناء الحديد على سرعة تغير الماء فيه، وظاهر قوله: "كملح" ولو طبخ به خلافا لما استظهره الحطاب، وطبخ الماء بالكبريت ونحوه كطبخه بالملح فلا يضر، وإنما كان الكبريت وما معه غير مضر للماء ولو نقل، ومنع التيمم به وما معه حيث نقل؛ لأن التيمم طهارة ضعيفة، ووجه تمثيل المص بالملح دون غيره أنه لما كان من جنس الطعام كان أشد مما هو من جنس الأرض فلذا اعتنى به أو بمطروح فيه يعني أن الماء إذا تغير بشيء طرح فيه من أجزاء الأرض كتراب أو ملح ونحوهما فإن ذلك لا يسلبه الطهورية، وهذا واضح إذا لم يكن الطرح قصدا بل ولو كان الطرح قصدا فإن ذلك لا يضر وهذا هو المشهور، وبين المطروح بقوله من تراب أو ملح يعني أن ما طرح في الماء من أجزاء الأرض لا يسلب الطهورية إذا غيره، ولا فرق في ذلك بين أن يطرح قصدا أولا على المشهور وقيل إن طرح ذلك في الماء قصدا سلبه الطهورية وأما ما ألقته الريح فإنه لا خلاف أنه لا يضر. ولله در المص حيث اكتفى بذكر أقرب الأشياء إلى الماء وهو التراب، وأبعدها عنه وهو الملح فعلم بذكر الخلاف فيهما أن الخلاف جار فيما بينهما كالكبريت والزرنيخ والمغرة ونحوها، وأن المشهور في الجميع عدم سلب الطهورية، وهذا الذي ذكره المص في الملح هو الذى ذهب إليه ابن أبي زيد وابن القصار وهو المشهور كما مر دون قوله: والأرجح السلب بالملح يعني أن ابن يونس لما ذكر الخلاف في التغير بالملح المطروح في الماء قصدا قال: الصواب أنه لا يجوز الوضوء به لأنه إذا فارق الأرض صار طعاما لا يجوز التيمم عليه فهو بخلاف التراب لا يتغير حكمه ولا تخلو بقعة فيها الماء منه انتهى. والله تعالى أعلم، والمراد بسلب الطهورية هنا إذهابها والسلب عند المتكلمين سلبان سلب فيما يقبله المسلوب عنه ويعبر عنه بالعدم، ومقابل بالملكة كسلب البصر عن الإنسان وإن كان فيما لا يقبله كسلب البصر عن الحائط فيعبر عنه بالسلب المقابل بالإيجاب وفي الاتفاق على السلب به إن صنع تردد هذا أول موضع جرى فيه ذكر التردد وهو لتردد المتأخرين في النقل؛ يعني أن

стр. 205

المتأخرين اختلفوا هل الملح المطروح قصدا كالتراب فلا ينقل حكم الماء وهو المشهور كما مر، أو كالطعام فينقله إلى غيره، أو المعدني كالتراب والمصنوع كالطعام. قال ابن بشير: واختلف من بعدهم هل ترجع هذه الأقوال إلى قول واحد فيكون من جعله كالتراب يريد المعدني، ومن جعله كالطعام يريد المصنوع، أو يرجع ذلك إلى ثلاثة أقوال قوله: صنع أي من أجزاء الأرض وعلم أنه إذا لم يصنع يبقى الخلاف لأنه إذا كان الخلاف جاريا في التراب الذى هو أقرب الأشياء إلى الماء فأحرى الملح المعدني وحينئذ فتقرير المص أن يقال: وفي الاتفاق على السلب بالملح المطروح في الماء قصدا إن صنع. وأما إن لم يصنع فالاتفاق على عدم السلب به: ويراد بالاتفاق حينئذ اتفاق القائلين بأن التراب المطروح قصدا لا يسلب الطهورية، فترجع الأقوال الثلاثة إلى قول واحد وعدم اتفاقهم على ذلك فتكون الأقوال ثلاثة: قول بأن الملح كالطعام مطلقا، وقول بأنه كالتراب مطلقا، وقول بالتفصيل إن كان مصنوعا فهو كالطعام وإن كان معدنيا فهو كالتراب والله تعالى أعلم. والمتقدمون في الاصطلاح من هو قبل ابن أبي زيد والمتأخرون من بعدهم، وإذا تأملت ما تقدم علمت أن مراد المص بالمتقدمين والمتأخرين هنا من تقدم على غيره ومن تأخر عن غيره وإن كانوا كلهم متأخرين، وتحصل مما مر أن التردد هنا لاختلاف المتأخرين في فهم كلام من تقدمهم، ويمكن أن يقرر المص هنا بأنه في الاتفاق على السلب بالملح المطروح قصدا إن صنع، وإن لم يصنع فلا اتفاق بل يبقى الخلاف المشار إليه بقوله ولو قصدا، وعدم اتفاقهم على السلب بالمصنوع بل يجري فيه الخلاف الجاري في غير المصنوع والله أعلم ومؤدى التقريرين واحد لكن الأول هو المناسب لأول الحل. واعلم أن أقسام الملح أربعة: معدني وهو ما يؤخذ من معدنه حجارة، وما أصله ماء وجمد وهذا الثاني يتفق على عدم السلب به، وما صنع من أجزاء الأرض وهذا الثالث والأول هما محل الخلاف، والرابع ما صنع من النبات فيتفق فيه على السلب ولا يدخل في قوله إن صنع والله أعلم. لا بمتغير لونا يعني أنه لا يرفع الحدث وحكم الخبث بماء قد تغير لونه اتفاقا. أو طعما يعني أنه لا يرفع الحدث وحكم الخبث بماء قد تغير طعمه اتفاقا. أو ريحا يعني أنه لا يرفع الحدث وحكم الخبث بما قد تغير ريحه على المشهور خلافا لابن الماجشون في عدم اعتبار تغير

стр. 206

الريح، ورُدَّ جواب ابن الحاجب عنه بقوله: ولعله قصد التغير بالمجاورة بما يفارقه غالبا يعني أن محل كون الماء المتغير أحد أوصافه لا يرفع به الحدث وحكم الخبث إنما هو إذا تغير بما؛ أي بشيء أو بالشيء الذي يفارقه غالبا أي كثيرا فلا يضر التغير بما لا يفارقه أصلا كالسمك الحي، أو نادرا كمغرة قاله الشيخ إبراهيم وغيره، والضمير البارز في يفارقه عائد على الماء، والمستتر فيه عائد على ما، ومن المفارق كثيرا السمك الميت وكذا خرء السمك الحي كما مر. من طاهر أو نجس بيان لما يعني أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بما يفارقه كثيرا فإن ذلك يسلبه الطهورية سواء كان ذلك المفارق طاهرا كطعام ونبات، أو نجسا كبول محرم أو مكروه ودم مسفوح قوله لا بمتغير أي تحقق أنه تغير أو غلب على الظن، وما تقدم أنه يعمل على الظن فيما إذا شك في مغيره هل يضر مع أنه تحقق التغير وما هنا لم يتحقق التغير فلذلك اشترط غلبة ظن التغير والله أعلم. قوله: لا بمتغير عطف على قوله: بالمطلق، وقوله: لونا تمييز محول عن الفاعل، قوله: أو نجس يجوز أن يقرأ بفتح الجيم فيكون المراد عين النجاسة ويصح أن يقرأ بكسرها فيكون المراد به الشيء المتنجس قاله غير واحد، وفي القاموس النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتف وعضد ضد الطاهر انتهى وقد مر ومثل للمفارق بقوله كدهن خالط هذا مفهوم قوله لاصق يعني أن الدهن وهو كل ما يدهن به كزيت وسمن وودك ونحو ذلك إذا خالط الماء وغيره فإنه يسلب طهورية الماء بلا خلاف وبخار مصطكى يعني أن الماء إذا تغير ببخار المصطكى فإن ذلك يسلب طهوريته، ودخل بالكاف المقدرة بخار غيره وهذا إن لاقى نفس الماء لا محله قبل وضعه فيه حيث كان التغير في الريح فإن تغير لونه أو طعمه بتبخير محل الماء قبل وضع الماء فيه فإنه يضر، وفي الأمير أثبتوا للماء لونا وهو الحق ولونه البياض لا قولهم لا لون له، وقول السيدة عائشة [ما هو إلا الأسودان الماء والتمر] (١) تغليب للتمر أو للون الإناء. قوله وبخار مصطكى هذا هو الراجح، وقيل لا يسلب البخار الطهورية، والقولان مبنيان على أنه مجاور فلا يسلب الطهورية أو مخالط فيسلبها وهذا الخلاف جار في المبخر بالعود ونحوه، والبخار هو الدخان، والبخور اسم

стр. 207

لما يتبخر به وسواء كان التغير بينا أم لا. قال عبد الباقي: وانظر تبخير الماء بالكبريت هل هو كطبخه بجزء من أجزاء الأرض فلا يضر قطعا أو كطرحه فيه، وتقدم أنه لا يضر إما قطعا وإما على المشهور والمصطكي بضم الميم وفتحها مقصور ويمد مع الفتح: علك رومي وقوله "لا بمتغير" الخ علم منه أن التغير يسلب الطهورية مطلقا بينا أو خفيا وهو كذلك إلا ما سيذكره وهذا هو المعروف من المذهب، وقيل باغتفار التغير اليسير وهو غير معروف في المذهب، وأما ما ذكره الأبياري أن خفي التغير معفو عنه من جهة الشارع وذلك أن أواني العرب لا تنفك عن طعم يسير أو رائحة يسيرة، وكانوا لا يتحرجون عن استعمالها فقال ابن هارون يحمل عندي على ما تغير بما لا ينفك عنه الماء غالبا لا على أن التغير اليسير مغتفر لأن ذلك غير معروف في المذهب. قال الشيخ الحطاب: قلت وما قاله ابن هارون هو الذي يقتضيه كلام أهل المذهب، وأما ما استدل به الأبياري فلا دليل فيه لأن ذلك بمنزلة ما لا ينفك عنه الماء غالبا وذكر الوانوغي عن أبي عمران في الإناء يصب منه الودك أو الزيت ثم يصب فيه الماء فتعلوه شبابة هل يتوضأ به؟ فقال: أما اليسير فلا يضر انتهى. قلت: وهذا كله فيما تغير بطاهر وأما ما تغير بنجس فلا فرق فيه بين اليسير والفاحش قليلا كان أو كثيرا جاريا أو راكدا، وحكى النووي: عليه الإجماع، قال: وسواء تغير لونه أو طعمه أو ريحه، وفي حكاية الإجماع على ما تغير ريحه نظر لأن ابن الماجشون تغير الريح عنده لا يضر انتهى كلام الحطاب. وإذا تغير الماء بمفارق فلا فرق بين أن يكون المفارق أقل من الماء أو أكثر على المعروف، وقيل إذا كانت أجزاء الطاهر المخالط أقل من أجزاء الماء فهو مطهر روي ذلك عن مالك. وعلم من المص أن العبرة بالتغير بالفعل لا بمجرد المخالطة فلو وقع في الماء جلد أو ثوب فأخرج ولم يتغير لم يضره وهذا هو المعروف في المذهب، وعن أصبغ أنه لا يتوضأ بماء بل فيه شيء من الطعام أو غسل فيه ثوب طاهر تغير الماء أم لا فإن توضأ به وصلي أعاد أبدا انتهى. واعلم بأن القول بأن التغير اليسير لا يضر يتناول الطعم واللون كما يتناول الريح. وأعلم أيضا بأن ابن الماجشون ناقض قوله في موضع آخر إذا أنتن الماء واشتدت رائحته فنجس اتفاقا قاله الشيخ الحطاب، وقال الشيخ الأمير: إن التغير بالدخان مضر ولو كان دخان

стр. 208

كبريت ونحوه من أجزاء الأرض، وما قاله الشيخ الأمير خلاف ما مر عن عبد الباقي والله سبحانه أعلم. وحكمه كمغيره يعني أن الماء إذا تغير بطاهر فحكمه أي صفته أنه طاهر، وإذا تغير بنجس فهو نجس، وإطلاق الحكم على الصفة فيه تسامح إذ الحكم الشرعي ليس مرادا هنا لأن المتنجس ينتفع به كما يأتي بخلاف النجس، وإذا شك في نجاسة مغير الماء فهو طاهر غير مطهر إلا أن يشك في المغير هل هو مما يسلب الطهورية أم لا فيكون حينئذ طاهرا مطهرًا كما مر. والنجس بفتح الجيم يصح الإخبار به عن المفرد وغيره كعدل، ويقال نجس بكسر الجيم ينجس بفتحها على اللغة الفصحى، وينجس بضمها في لغة ضعيفة نقله الشيخ ميارة ويضر بين التغير بحبل سانية يعني أن الماء إذا تغير بالحبل الذي يستقي به فإن ذلك يسلبه الطهورية بشرط أن يكون التغير بينا أي فاحشا عند أهل المعرفة، والسانية الجمل الذي يستقي عليه، وحبله هو السبب الذي يربط به وبالدلو فينزع به الماء، وفي المثل: "سيرا لسواني سير لا ينقطع"، ومثل الحبل غيره من آلات الاستقاء فلو عبر بها لكان أولى، وفي القاموس: السانية الغرب وآلته والناقة يستقي عليها، وعلم مما قررت أن المراد آلة الاستقاء دلوا أو حبلا أو غيرهما ككوب وهو إناء من خشب لا أذن له، وسواء كانت هناك سانية أم لا فالمراد بالسانية ما يخرج الماء، وإذا كان الوعاء الذي يخرج به الماء من أجزاء الأرض لم يضر تغير الماء به كما هو واضح مما تقدم كان من حجر أو حرق بالنار كآنية الفخار، وقال غير واحد: ولا يضر التغير بالدباغ ولو بينا طعما أو لونا أو ريحا، وقال الأمير: إلا الدباغ مطلقا فلا يضر ولو بينا كما في عبد الباقي والشبراخيتي وحاشية شيخنا خلافا لبحث الحطاب أنه كمسألة السانية انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: واعلم أن التغير إما بملازم غالبا فيغتفر، أو بمفارق غالبا ولم تدع ضرورة إليه فلا يغتفر، أو بمفارق غالبا ودعت إليه الضرورة كحبل الاستسقاء ففيه ثلاثة أقوال ذكرها ابن عرفة: الأولى لابن زرقون طهور، الثاني لابن الحاج ليس بطهور، الثالث لابن رشد التفصيل بين التغير الفاحش وغيره وهو الراجح ولذا اقتصر عليه المصنف لكن لو عبر بآلة الاستقاء كما فعل ابن عرفة ليشمل الحبل والكوب والسانية وغيرها كان أحسن. وفي أجوبة أبي محمد سيدي عبد القادر الفاسي عن شيخه

стр. 209

سيدي عبد الرحمن العارف تغير الماء بنشارة الأرز إنما يضر إن كان تغيرا بينا كما قيل في الدباغ للقربة والطي للبير بالتبن ونحو ذلك من ضروريات الماء ومصلحاته، وكأن ابن رشد لم يفصل في النشارة تفصيله في الحبل والإناء لأن التغير يسرع إليه من النشارة دون الحبل انتهى. كغدير بروث ماشية يعني أن الغدير إذا تغير بروث الماشية أو بولها فإن ذلك يسلبه الطهورية سواء كان التغير بينا أم لا، وهذا علم من قوله لا بمتغير أتي به لرد القول بطهوريته وهو رواية في المجموعة تدل على أنه طهور مطلقا وأن تركه مع وجود غيره إنما هو استحسان، ورواية المجموعة ما يعجبني أن يتوضأ به من غير أن أحرمه انتهى أو بير بورق شجر أو تبن يعني أن ماء البئر إذا تغير بورق شجر أو تبن فإن ذلك يسلبه الطهورية، وإن لم يكن التغير بينا. اللخمي: هذا هو المعروف من المذهب والأظهر في بير البادية بهما الجواز يعني أنه إذا سقط ورق الشجر أو الحشيش في الماء فتغير فإنه لا يمنع الوضوء به هذا هو قول العراقيين وهو الذي اختاره ابن رشد. الباجي: وإذا سقط ورق الشجر أو الحشيش في الماء فتغير فإن مذهب شيوخنا العراقيين أنه لا يمنع الوضوء به انتهى، وبهذا تعلم أن قول المصنف بئر البادية خرج مخرج الغالب ولا مفهوم له عن بئر الحضرية ولا غيره من المياه، وإنما المعتبر في ذلك ما يعسر الاحتراز منه وهذا القول هو المشهور. فكان على المصنف أن يقتصر عليه ويقدمه لكن المصنف ﵀ اعتمد على ما يفهم من كلام اللخمي أنه هو المعروف في المذهب لكنه ضعيف، وليس في كلامه التفريق بين التغير البين وغيره. قال الشيخ محمد بن الحسن: واعلم أن في قول المصنف بهما بحثا لأن ابن رشد إنما ذكر ذلك في الخشب والعشب اللذين يقع بهما طي بئر البادية لعدم غيرهما وأنهما كالطحلب، وإنما ذكر ورق الشجر والتبن في الأنهار والغدر، والفرق بينهما وبين البئر ظاهر لأنهما لا يمكن تغطيتهما بخلاف البئر، ولا يصح قياس التبن والورق على الخشب والعشب اللذين وقع الطي بهما لإمكان التحفظ من الورق والتبن بخلاف الخشب والعشب فصارا كالطحلب انتهي. والفقه في هذا أن المدار علي عسر الاحتراز، قال الزهري في قواعده: إن كانت الشجرة لا تنفك عن السقوط فالمشهور أنه يلحق بالمطلق وإن كان السقوط في وقت دون وقت فالمشهور أنه يلحق بالمضاف انتهى. ولا تضر شجرة في الماء تغير بعروقها مثمرة أم لا كما في الحطاب.

стр. 210

وفي جعل المخالط الموافق كالمخالف نظر يعني أن الماء المطلق سواء تغير بقراره أم لا إذا خالطه شيء أجنبي ينفك عنه غالبا، ولكنه يوافق أوصاف الماء الثلاثة أعني: اللون، والطعم، والريح، فلم يغيره فهل يجعل ذلك المخالط للماء الموافق له في أوصافه كأنه مخالف للماء؟ فيسلبه الطهورية أو لا يجعل مخالفا فلا يسلبها لأنه يصدق على الماء أنه باق على أوصاف خلقته؟ وذلك يقتضي استعماله. في ذلك نظر أي توقف وإشكال وهو في الجعل وعدمه كذا قال ابن عطاء الله إنه لم يقف في هذه المسألة على شيء قال: والذي أراه أنه إذا وجد غيره لم يستعمله وإن لم يجد غيره تيمم وتوضأ، وأخذ منه ذلك ابن الحاجب فقال: وفي تقدير موافق صفة الماء مخالفا نظر والنظر جار فيما إذا كان المخالط ذا صفة مفارقة وزالت منه بحيث وافق الماء في أوصافه الثلاثة، وفيما إذا كان موافقا للماء في أوصافه كماء الزرجون قال الشيخ محمد بن الحسن: والظاهر أن لا محل للنظر أصلا بل صورة الشك تدخل فيما سبق يعني قوله: أو شك في مغيره هل يضر وإن تحقق أو غلب على الظن شيء عمل عليه كما قال الحطاب، ولفظ الحطاب: وأما حيث يغلب على الظن شيء فينبغي أن يعمل عليه فإن كان الماء كثيرا والمخالط يسيرا بحيث يغلب على الظن أنه لو كان باقيا على صفاته لم يغير الماء فإن كان طاهرا فلا إشكال في جواز استعماله ولو كان غيره موجودا، وإن كان نجسا فينظر إلى كثرة الماء وقلته فإن كان الماء كثيرا أكثر من آنية الوضوء والغسل فهو طهور بلا كراهة وإلا فهو مكروه لأنه ماء يسير حلته نجاسة ولم تغيره، وإن كان الماء قليلا والمخالط كثيرا بحيث يغلب على الظن أن لو كان باقيا على أوصافه لغير الماء فإن كان المخالط طاهرا كان الماء طاهرا غير مطهر وإن كان نجسا كان الماء نجسا، وفي كلام سند في مسألة الزرجون إشارة إلى هذا، وكذا في كلام ابن عرفة وتردد سند هو فيمن وجد من الماء دون كفاية فخلطه بماء الزرجون أو غيره مما لا يتغير به هل يتطهر به لأنه ماء لم يتغير أو لا يتطهر به لأنه تطهر بغير الماء جزما؟ قال: والظاهر أنه لا يتطهر به، وفي كتاب الشيخ الأمير: والوجه تقدير الموافق مخالفا.

стр. 211

واعلم أن قول ابن عرفة: تقدير الموافق مخالفا قلب الحقائق الخ معترض بأن المستحيل إنما هو ثبوت المحال وتحققه لا تقدير ثبوته ففي صدوره من ابن عرفة عجب قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي التطهير بماء جعل في الفم قولان يعني أنه اختلف في جواز التطهير بماء جعل في الفم وعدم جوازه على قولين: الأول لابن القاسم، والثاني رواية لأشهب عن مالك قال الشيخ الحطاب: والظاهر القول بالجواز. ونقل الش في الصغير عن المصنف أنه قال: والظاهر الطهورية لأنها الأصل انتهى. قوله وفي التطهير هو رفع مانع الصلاة والخلاف في حال فالمجيز نظر إلى أنه يمكن انفكاك الماء عما يغيره والمانع نظر إلى أنه لا يمكن الانفكاك، واتفق القولان على أنه لو تحقق التغير لأثر قاله في التوضيح، قال الحطاب: وكأنه يعني والله أعلم أنه لو تحقق أنه حصل من الريق قدر لو كان من غير الريق لغير الماء لاتفق القولان على المنع لأن الريق لا يغير الماء إلا أن يكثر جدا حتى تظهر لعابيته في الماء فالظاهر أنه إنما أراد ما ذكرنا، وهكذا قال ابن الإمام: إنه لو طال مكث الماء في الفم أو حصل منه مضمضة لانتفى الخلاف لغلبة الريق. قال الشيخ محمد بن الحسن: وهذا نص في جعل المخالط الموافق كالمخالف فلا وجه للنظر السابق. قوله: "وفي التطهير" الخ. اعلم أن الشيوخ متفقون على أن الخلاف في حال وليس بحقيقي ولذا قال الشيخ الأمير: وماء الفم ينظر فيه لممازجة الريق فإن حصلت ضرت ليسارة الماء جدا وعليه يحمل كلام أشهب، وإلا فلا وعليه كلام ابن القاسم فالحق أن الخلاف لفظي كما في الحطاب والرماصي فليست هذه من مسألة الموافق؛ لأن تلك جزم فيها بالمخالطة وهذا أولى ما يقال انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي في الفرق بين المسألتين أن المخالط في الأولى ممازج لا مجاور، وفي الثانية خلاف في حال هل هو ممازج أو مجاور، ومفهوم قوله جعل في الفم أنه لو بصق فيه وهو في إناء لم يضر وهو كذلك ما لم يكثر البصاق حتى يغير الماء، وفي الشبراخيتي البصاق مستقذر وإن كان طاهرا فلذا اشتد نكير ابن العربي على من يلطخ صفحات أوراق مصحف أو كتاب ليسهل قلبها قائلا: إنا لله وإنا إليه راجعون على غلبة الجهل المودي إلى الكفر. ابن الحاج: لا يجوز مسح لوح القرآن أو بعضه

стр. 212

بالبصاق ويتعين على معلم الصبيان أن يمنعهم من ذلك. وقال الأمير: في الشبراخيتي هنا تشديد زائد في قلب الورق بالريق حتى نقل عن ابن العربي أنه يخشى منه الكفر ولا يبلغ به هذا الحد فقد اغتفر الشافعية مثل هذا انتهى. وكره ماء مستعمل في حدث لما فرغ من بيان الماء الذي يباح التطهر به والذي يمنع التطهر به ذكر ما حكمه الكراهة المتوسطة بينهما؛ يعني أن الماء الذي استعمل في رفع حدث أصغر أو أكبر يكره استعماله مع وجود غيره في حدث أو حكم خبث، وفي كل طهارة لا تفعل إلا بطهور كان يصلَّى بها أم لا، كوضوء لزيارة الأولياء، ولنوم جنب قاله الشيخ عبد الباقي، ومثل المستعمل في رفع حدثٍ المستعملُ في رفع حكم خبث فيكره استعماله في كل طهارة لا تفعل إلا بطهور كان يصلى بها أم لا، ومحل كراهة المستعمل في حدث أو حكم خبث حيث وجد غيره فإن لم يجد غيره تطهر به، ولا يتمم مع وجوده فإن تركه وتيمم أعاد أبدا هذا هو المشهور في المذهب كما صرح بذلك غير واحد، ومقابل المشهور في الماء المستعمل في الحدث قولان: أحدهما أنه غير طهور فيتركه ويتيمم إن لم يجد غيره فإن توضأ به وصلى أعاد أبدا رواه أصبغ عن مالك وابن القصار عن ابن القاسم، ثانيهما أنه مشكوك فيه فيتوضأ به ويتيمم لصلاة واحدة. والمستعمل في الحدث يشمل ثلاثة أشياء: أحدها ما تقاطر من الأعضاء ولا بد أن يكون يسيرا وأما إن كان كثيرا فلا يكره، ثانيها المتصل بالأعضاء أي الباقي على العضو بعد كمال غسله كالباقي على ظهر ذراعيه مثلا ولا يكون إلا يسيرا؛ ثالثها الماء الذي أدخل عضوا من أعضائه فيه وغسله فيه وكذا لو أدخل أعضاءه في الماء وغسلها فيه فالباقي مستعمل في حدث ولا بد أن يكون يسيرا، وأما الكثير فلا يكره فإن غمس العضو في الماء ودلكه خارج الماء لم يكن مستعملا في حدث فلا يكره. واعلم أن ما تقاطر من العضو الأخير أو اتصل به مستعمل قطعا فيكره، وأما ما تقاطر من غير الأخير أو اتصل به فإن استعمله بعد تمام هذه الطهارة في متوقف على الطهارة كره أيضا، فإن استعمله في باقيها كما لو مسح رأسه بما في لحيته فكذلك يكره إن قلنا إن الحدث يرتفع عن كل عضو بانفراده فإن قلنا لا يطهر إلا بالكمال لم يكره بباقيها، والمتصل يشمل القسمين الأخيرين من أقسام المستعمل الثلاثة التي قدمت ذكرها كما قاله عبد الباقي.

стр. 213

واعلم أنه لا خلاف أن الماء ما دام في العضو غير مستعمل بالنسبة لذلك العضو المتصل. وقوله: وكره ماء مستعمل الخ محل الكراهة حيث وجد غيره كما مر ومحلها أيضا ما لم يصب عليه مطلق غير مستعمل في حدث ونحوه قدره أوأقل أو أكثر حتى يصير المجموع أزيد من آنية غسل، وإلا فلا يكره فإن صب عليه مستعمل في حدث مثله فاستظهر ابن عبد السلام انتفاء الكراهة، وابن الإمام والحطاب بقاءها؛ لأن ما ثبت لكل جزء بانفراده يثبت للكل، فإن فرق هذا الكثير حتى صار كل جزء يسيرا فلا تعود الكراهة على ما لابن عبد السلام فإن صب علي المستعمل في حدث مستعمل في غيره لم يكره بالأولى عند ابن عبد السلام، وأما على ما لابن الإمام والحطاب فالظاهر خفته بالنسبة لما خلط بمستعمل في حدث. وقوله: وكره ماء مستعمل في حدث فإن استعمله مع وجود غيره وصلى فالظاهر أنه لا يعيد في الوقت. واعلم أن الإعادة في الوقت تقتضي الكراهة كما في الحطاب والكراهة لا تقتضي الإعادة في الوقت. وقوله: وكره ماء مستعمل الخ ولو من صبي، وقد مر عن الشيخ عبد الباقي أن الماء المستعمل في حدث يكره مع وجود الغير في طهارة لا تفعل إلا بطهور كان يصلَّي بها أم لا. قال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر إذا لم يجد غيره وأراد الوضوء المستحب أن يكره استعماله فيه بل يؤمر بتركه. وقوله: وكره ماء مستعمل الخ اختلف في علة الكراهة أو المنع منه على أقوال فقيل: لأنه أديت به عبادة فقد ذهبت قوته فيها فلا يقوى لعبادة أخرى، وقيل لكونه أزال المانع، وقيل لكونه لا يعلم سلامته من الأوساخ، وقيل لأنه ماء الذنوب، وقيل لأنه لم ينقل عن السلف جمع ذلك واستعماله، والراجح في تعليل الكراهة كونه مختلفا في طهوريته. واعلم أن لفظ المدونة: ولا يتوضأ بماء قد توضئ به ولا خير فيه، ابن القاسم وإن لم يجد غيره توضأ به أحب إلي إذا كان الذي توضأ به أولا طاهر الأعضاء فتأول الأكثر قول الإمام: ولا خير فيه على الكراهة فيكون وفاقا لقول ابن القاسم، ولذلك ينبغي إسقاط لفظ أحب إلي كما اختصرها ابن أبي زيد، وحملها على الوجوب كما قال صاحب الاستيعاب، وحمل ابن رشد قول الإمام على المنع فيكون خلافا لابن القاسم، واختاره ابن عبد السلام، انظر الحطاب وحاشية الشيخ محمد بن الحسن، وفي الحطاب بعد جلب نقول: والحاصل أن من وجد من الماء ما يستعمله في

стр. 214

بعض أعضاء وضوئه وأمكنه أن يجمع ذلك ويستعمله في بقية الأعضاء تعين عليه ذلك ولا يجوز له التيمم ولا يغتر بقول ابن فرحون إنه لم ير في ذلك نصا انتهى المراد منه. ومن نسي مسح رأسه فمسحه ببلل ذراعيه لم يجزه لأنه لا يتعلق بذراعيه ما يمكنه به المسح، وقوله: وكره ماء أخرج به التراب فلا يكره التيمم عليه مرة بعد أخرى نص عليه في العتبية ابن رشد، والفرق بينه وبين الماء أن الماء لابد أن يتعلق به شيء من البدن والله أعلم. وقوله: وكره ماء مستعمل في حدث أي ويجوز استعماله في العادات من طبخ وعجن وشرب وتنقية بدن أو غيره من الوسخ ونحو ذلك مما لا يتوقف على الطهور وفي غيره تردد يعني أن الماء المستعمل في غير حدث وحكم خبث مما يتوقف على مطلق كغسل جمعة وعيد اختلف المتأخرون في نقل المذهب في حكمه هل هو مكروه كالمستعمل في حدث وهو لابن بشير وصاحب الإرشاد، أو لا كراهة فيه وهو لسند وابن شأس وابن الحاجب، وأما ماء غسل الذمية النقية الجسد من الحيض ليطأها زوجها أو مالكها فيكره استعماله في متوقف على الطهارة كما استظهره الحطاب بلا تردد، وأما ماء الغسلة الرابعة وماء وضوء الجنب للنوم ونحوهما مما لا يصلي به فلا يكره استعماله في متوقف على طهور قطعا كماء غسل به إناء طاهر، وأما ماء غسلة ثانية أو ثالثة ففيه الكراهة بلا تردد لأن صاحب الطراز هو المرجح للكراهة، وقد صرح بأن الظاهر كراهة ذلك لأنه من تمام غسل رفع الحدث انظر الحطاب ومحل التردد فيمن سلمت أعضاؤه من النجاسة والأوساخ؛ أما نجسها فماء حلته نجاسة، وأما وسخها فماء حلته أوساخ فإن كانت الأوساخ من أجزاء الأرض لم يضر التغير بها، وإلا ضر، ومحل التردد أيضا إذا وجد مطلق غيره وإلا تعين استعماله، وتحصل مما تقدم أن الأقسام ثلاثة: مكروه بلا تردد وهو المستعمل في حدث وفي حكمه غسلة ثانية أو ثالثة لأنها من تمام غسل رفع الحدث، وفي حكم ذلك أيضا غسل الذمية من الحيض لتوطأ، ومثل المستعمل في حدث المستعمل في حكم خبث. وما لا يكره من غير تردد وهو ماء غسلة رابعة فأكثر وما استعمل في عادي وماء وضوء الجنب للنوم ونحوه مما لا يصلى به، وما فيه التردد المذكور وهو ماء الغسل الذي لا يجب كغسل عيد وجمعة وهذا الذي ذكرته من أن وضوء الجنب للنوم ونحوه مما لا يصلي به خارج عن التردد ما استعمل فيه فلا يكره صرح به الشيخ عبد الباقي وغيره وفي كتاب الشيخ الأمير وأما

стр. 215

الأوضئة المستحبة فلا تكره على الأظهر من التردد في الأصل انتهى. وفي الشبراختي أن وضوء التجديد مما فيه التردد وخالف أصبغ فقال: من توضأ بالماء المستعمل أعاد أبدا، وسواء عنده توضأ به الأول محدثا أو مجددا، أو غسل به ثوبا طاهرا قاله الحطاب. ويسير كآنية وضوء أو غسل بنجس لم يغير يعني أن الماء اليسير إذا خالطته نجاسة ولم تغيره فإن المشهور من أربعة أقوال: أنه يكره مع وجود الغير فإن لم يجد غيره وجب استعماله وهذا مفهوم قوله: أو كثيرا خلط بنجس لم يغير، ولا يكره الاستعمال به أي بالكثير الذي خلط بنجس لم يغيره، وقيل إن اليسير الذي خلط بنجس لم يغير نجس واقتصر عليه في الرسالة وهي رواية المصريين عن مالك والأول هو الذي عليه العراقيون وهو المشهور في قول مالك، وقيل إنه ماء مشكوك فيه فيجمع بين الوضوء به والتيمم، وقيل طهور من غير كراهة. واعلم أن آنية الوضوء تؤثر فيها القطرة فتصير من المختلف فيه بين الكراهة والنجاسة لا ما دون القطرة، وآنية الغسل لا يؤثر فيها إلا ما فوق القطرة والظاهر الرجوع في قدر ذلك لأهل المعرفة؛ فالنجس بالنسبة لآنية الوضوء والغسل مختلف ولا إعادة على مستعمل هذا اليسير على المشهور الذي مشى عليه المص، وأما على مذهب ابن القاسم أنه نجس فيعيد في الوقت لا أبدا خلاف ما للشيخ عبد الباقي، ووجه ذلك مراعاة الخلاف، ومحل الكراهة التي عليها المص إنما هو فيما يتوقف على طهور لا في العادات، ومفهوم قوله: بنجس أن ما خالطه طاهر لم يغيره لا يكره وهو كذلك خلافا للقابسي ومحل الكراهة أيضا أن لا تكون له مادةٌ كبير وأن لا يكون جاريا، وأما الجاري فحكمه حكم الكثير كما للمازري وابن رشد. وقوله: ويسير كآنية وضوء الخ دليلنا على أن الماء طهور حديث أبي سعيد قيل يا رسول الله أتتوضأ من بُضاعة وهي بئر يلقى فيها الحِيَض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ [إن الماء طهور لا ينجسه شيء] (١) رواه أبو داود والترمذي وصححه. وقوله: أتتوضأ بمثناتين فوقيتين خطاب للنبي ﷺ قاله النووي وغلط من رواه بالنون في أوله، وبضاعة بضم الموحدة وكسرها والأول أشهر قيل إنه
следующие страницы →