← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

واعلم أنه كان للنبي ﵊ مؤذنون ثلاثة؛ إذا زالت الشمس خرج ورقي المنبر وقاموا فأذنوا بالمئذنة، واحدا، بعد واحد وتلاه على ذلك أبو بكر وعمر، وزاد عثمان ثانيا بالزوراء قبل جلوسه على المنبر؛ لما كثر الناس ليرتفع منه الناس، فإذا خرج وجلس على المنبر أذن المؤذنون على المنار كما كان يفعل في زمنه ﷺ ، والزوراء موضع بالسوق. المنجور على المنهج: واختلف في هذا الذي أحدثه عثمان ﵁، فمنهم من قال: إنه كان يقول قبل الزوال: الصلاة حضرت رحمكم الله، لا الأذان المجموع المعهود ويكون قبل الزوال، وروي عن ابن حبيب أنه أجاز الأذان قبل الزوال يوم الجمعة، والذي قبله حكاه بعض شراح الرسالة عن عثمان. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: مقتضى هذا أو صريحه أنه اختلف حمل الذي أحدثه السيد عثمان ﵁: الصلاة حضرت رحمكم الله؟ أو الألفاظ المخصوصة التي هي: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، وترجيع الشهادتين -على ما مر- ثم تقول: حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح: الله أكبر اللهّ أكبر، لا إله إلا الله؟ وفي المواهب اللدنية للقسطلاني، قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان، فقال عطاء: كلا، إنما كان يدعوا الناس، ولا يؤذن غير أذان واحد. انتهى. لكن عطاء لم يدرك عثمان بن عفان، فرواية من أثبت ذلك عنه مقدمة، ويمكن الجمع بأن الذي كان في زمن عمر بن الخطاب استمر على عهد عثمان، ثم رأى أن يجعله وأن يكون على مكان عال، فنسب إلى عثمان لكونه بألفاظ الأذان، وترك ما كان يفعله عمر لكونه مجرد إعلام. ومن تأمل ما قدمت علم أن الأذان الذي أحدثه عثمان إنما هو الأذان المعهود: الله أكبر الله أكبر الخ، هذا هو المعول عليه والمتفق عليه. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وفسخ بيع" الخ هو من خصوصية الجمعة على المعول عليه، فلا يفسخ بيع من ضاق عليه وقت غيرها؛ لأن السعي

стр. 1507

للجماعة هنا مقصود، وإلا لزم فسخ بيع من عليه فوائت، بل الغصاب لوجوب اشتغالهم برد ما عليهم. قاله الشيخ الأمير عن الإمام الحطاب. فإن فات فالقيمة؛ يعني أن محل الفسخ في هذه المذكورات ورد العوض فيها إنما هو إن لم تفت بأن كان العوض قائما لم يفت، وأما إن فات بأحد المفوتات الآتية في باب المبيع من خروج عن يد وغيره. فإنه يلزم رد قيمة العوض. حين القبض؛ يعني أن المعتبر في القيمة حيث فات العوض قيمته حين قبض، هذا هو المشهور، وقيل: المعتبر قيمته حين المبيع، وقيل: يمضي العقد بالفوات. انظر الخرشي. كالبيع الفاسد، فيه حذف الصفة؛ أي كالبيع الفاسد المتفق على فساده؛ أي أن هذا العقد إذا فات بمفوت البيع يلزم رد قيمة المبيع فيه، وإن كان مختلفا في فساده فحكمه حكم المبيع الفاسد المتفق على فساده؛ إذا فات يلزم رد قيمة المبيع، فليس فيه تشبيه الشيء بنفسه. وبما قررت علم أن الخلاف إنما هو في الفسخ والمضي، وأما الإقدام عليه حيث يشغل عن السعي الواجب فلا يجيزه أحد، كما نقله الحطاب. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وعلم مما قررت أيضا استثناء البيع هنا من قوله في المبيع: "فإن فات مضى المختلف فيه بالثمن". تنبيه: قال المشاور: للأجير أن يحضر الجمعة، كانت إجارته يوما أو أياما أو أشهرا، ويقضى بذلد على المستأجر، وكذا يحكم عليه بحضور سائر الصلوات في المساجد. انتهى. الوانوغي: في قوله: في المساجد، نظر. لا نكاح، عطف على قوله: "بيع"؛ يعني أن النكاح إذا عقد عند أذان الجمعة الثاني، فإنه لا يفسخ مع أنه حرام ابتداء ولو لم يدخل. وقول ابن القاسم: يجوز، يحتمل أن يحمل على المضي فلا ينافي المنع ابتداء، وفسخ البيع وما معه لرجوع عوض كُلٍّ له، فلا كبير ضرر عليه بخلاف ما لا عوض فيه، فإنه لو فسخ لبطل من أصله، ولوجود الضرر بفسخ النكاح؛ إذ ربما تعلق أحد الزوجين بصاحبه، وهذا مبني على أن النكاح من العبادات لا من البياعات، خلافا لأصبغ، فإنه قال: يفسخ وإن فات بالدخول، ويكون لها الصداق المسمى. قاله الحطاب. وهبة؛ يعني أنه إذا وقعت الهبة لغير ثواب عند أذان الجمعة الثاني، فإنها لا تفسخ، وأما الهبة للثواب فإنها بيع يجري فيها ما جرى فيه، والله سبحانه أعلم.

стр. 1508

وصدقة؛ يعني أن الصدقة إذا وقعت عند أذان الجمعة الثاني فإنها لا تفسخ، والهبة هي العطية لوجه المعطى بالفتح، والصدقة هي العطية لثواب الآخرة، ونَفَى المصنف عن هذه الثلاث؛ يعني النكاح والهبة والصدقة الفسخ؛ وذلك لا يستلزم نفي الحرمة ولا ثبوتها، ومقتضى كلامهم أنها محرمة ولكن لا تفسخ، أشار له الشيخ الحطاب، والشيخ إبراهيم. ومثل الهبة والصدقة، الكتابة، مراعاة لجانب العتق لا المال، ومثلهما الخلع فيما يظهر فيمضي على مقتضى العلة المتقدمة، قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: فيمضي على مقتضى العلة المتقدمة؛ أي لعدم رجوع عوض كان له؛ لأن الطلاق نافذ لا يرد. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال ابن العربي -بعد أن ذكر عن ابن القاسم عدم فسخ النكاح وعدم فسخ الهبة والصدقة: - والصحيح فسخ الجميع؛ لأن المبيع إنما منع منه للاشتغال به، فكل أمر شغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا. انتهى. نقله الإمام الحطاب. ولما ورد في الخبر: (من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه (١)) بطابع النفاق (٢))، بين الأعذار المبيحة لتركها؛ وهي أربعة: ما يتعلق بالنفس، وما يتعلق بالأهل، وما يتعلق بالدين، وما يتعلق بالمال، فقال: وعذر تركها؛ يعني أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة شدة الوحل بالتحريك على الأفصح؛ وهو الطين الرقيق الذي يحمل الناس على ترك المداس، هكذا فسره أهل اللغة، وغير الرقيق أولى. قاله الشيخ إبراهيم. والجماعة؛ يعني أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة في الصلوات الخمس غير الجمعة: شدة الوحل. وبما قررت علم أن قوله: "شدة وحل"، خبر عن قوله: "وعذر"، ومطر بالجر، عطف على وحل؛ أي شدة مطر؛ يعني أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة في الصلوات الخمس غير الجمعة شدة المطر؛ أي الذي يحمل الناس على تغطية رؤوسهم، والواو فيه بمعنى" أو، قاله الشيخ إبراهيم. أو جذام بالجر، عطف على "وحل"؛ أي شدة جذام؛ يعني أن من

стр. 1509

الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة في غير الجمعة، شدة الجذام، ففي التوضيح: واختلف في الأجذم، فقال سحنون: تسقط عنه، وقال ابن حبيب: لا تسقط والتحقيق الفرق بين ما تضر رائحته وبين ما لا تضر. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن. ورَدَّ على من قال: إن الجذام عذر وإن لم يشتد. المازري بعد ذكره الخلاف المذكور: وهذا على أنهم لا يجدون موضعا يتميزون فيه، وأما لو وجدوه بحيث لا يلحق ضررهم بالناس وجبت عليهم إذا كان المكان الذي يتميزون فيه تجزئ فيه الجمعة. ومثل الجذام ما ألحق به من المضرات كالبرص، وفي الشبراخيتي عند قوله: "أو جذام": وإن لم يشتد، كما هو ظاهر نقل المواق عن سحنون، ولذا غير المصنف الأسلوب، وعطف "بأو". انتهى. ومرض؛ يعني أن شدة المرض من الأعذار التي تبيح التخلف عن الجمعة والجماعة في غير الجمعة. وبما قررت علم أن قوله: "ومرض"، بالجر عطف على وحل، والمرض الشديد هو الذي يشق معه الوصول إلى محل الصلاة، ومثله كِبَرُ السن، لقول مالك: ليس على شيخ فَانٍ جمعة. وينبغي لزومها لقادر على مركوب لا يجحف كالحج. قاله سيدي عبد الله المنوفي. وأصل المرض الضعف وكل شيء ضعف فقد مرض. وقال ابن الأعرابي: أصل المرض النقصان، يقال: بدن مريض أي ناقص القوة، وقلب مريض أي ناقص الدين، وقيل: المرض اختلال الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها. وتمريض؛ يعني أن التمريض من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة في الصلوات الخمس غير الجمعة مطلقا إن كان المريض قريبا خاصا كولد أو أب أو زوج، وأما الأجنبي فإنما يبيح تمريضه التخلف عن الجمعة والجماعة حيث لم يكن له من يقوم به، وخشي عليه بترك تمريضه الضيعة، وأما القريب غير الخاص فهو كالأجنبي عند ابن عرفة، ولابن الحاجب أنه كالقريب الخاص، فلا يشترط فيه القيدان المتقدمان في الأجنبي. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الشبراخيتي: وقيد ابن الحاجب التمريض بالقريب تبعا لابن بشير: قال: وفي معناه الزوجة والملوك. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي في ابن الحاجب: أو تمريض قريب، فقال

стр. 1510

في التوضيح: حكاه الباجي مطلقا؛ وهو ظاهر إذا لم يكن من يقوم به، قال: وقد صرح اللخمي بذلك. ابن عاشر: وإذا أريد تطبيق الكلام بكلام ابن الحاجب والتوضيح قرئ تمريض بترك التنوين بتقدير إضافته لقريب كالذي بعده، فتأمله. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وتمريض محبوب خاص وإن صديقا ولو وجد من يعوله لما يدهم به، أو من خيف ضياعه، وتجهيز ميت. ابن الحاج: ولو لم يخش، ولبعضهم خلافه، وما أشار إليه عن ابن الحاج هو قوله في المدخل. وقد وردت السنة أن من إكرام الميت تعجيل الصلاة عليه ودفنه، فقد كان بعض العلماء ﵀ ممن يحافظ على السنة إذا جاءوا بالميت إلى المسجد صلى عليه قبل الخطبة، ويأمر أهله أن يخرجوا إلى دفنه، ويعلمهم أن الجمعة ساقطة عنهم إن لم يدركوها بعد دفنه -فجزاه الله خيرا- انتهى. وظاهره: وإن لم يخش تغير الميت، ولا خيف عليه الضيعة. وكلامه يفيد أنهم إذا دخلوا وقت الخطبة يأمرهم بالصلاة عليه والذهاب لدفنه. قاله الأجهوري. وقال الحطاب: وفي رسم حلف ليدفعن من سماع ابن القاسم عن مالك: أنه يجوز أن يتخلف عن الجمعة لينظر في أمر الميت من إخوانه مما يكون من شأن الميت. ابن رشد: معناه إذا لم يكن له من يكفيه، وخاف عليه التغير، هكذا ذكره في البيان بالواو، ونقله ابن عرفة بأو. ولفظه ابن رشد: إن خاف ضياعه أو تغيره. ومن بلغة وهو في الجامع أن أباه أصابه وجع يخشى عليه الموت، فله أن يخرج إليه والإمام يخطب. وقد استُصرخَ ابن عمر على سعيد بن زيد بعد أن تأهب للجمعة، فتركها وخرج إليه بالعقيق. قاله سند، والمازري. وإشراف قريب، إشراف عطف على "شدة"؛ يعني أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة في غير الجمعة، إشراف القريب على الموت وإن لم يمرضه؛ لأن هذا ليس لأجل التمريض، بل لما يدهم الشخص من شدة المصيبة بإشراف قريبه، وله أن يخرج إليه من الجامع والإمام يخطب. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وإشراف قريب"، وأولى موته. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: وكذا شدة مرض القريب أيضا، ولقريبه الخروج من المسجد. انتهى. ونحوه بالجر عطف على قريب؛ يعني أن نحو القريب من صديق وشيخ وزوجة ومملوك كالقريب، فيبيح إشرافه على

стр. 1511

الموت التخلف عن الجمعة، والجماعة في غير الجمعة وإن لم يمرضه لما يدهم من شدة المصيبة بإشراف من ذكر. قال الشيخ عبد الباقي: وأولى موته. انتهى. وخوف على مال؛ يعني أن الخوف على المال من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة في غير الجمعة، وقوله: "مال"، له بال كان له أو لغيره، وكذا خوف على عرض أو دين، كخوفه إلزام قتل رجل أو ضربه ظلما، وبيعة الأمير الظالم ولو تحقق الخوف على نفسه من لصوص أو غاصب أو ما في معناهم، كان له التخلف بإجماع. قاله ابن بشير. نقله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الخرشي: من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة: الخوف من ظالم، أو غاصب، أو نار على مال له أو لغيره، ولابد أن يكون له بال، بأن يجحف به. وقوله: "وخوف" عطف على شدة. أو حبس؛ يعني أن الخوف من الحبس من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة، وقوله: "أو حبس"، هو وما بعده عطف على "خوف" بحذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي خوف حبس. أو ضرب؛ يعني أن الخوف من الضرب من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة في غير الجمعة. وقوله: "أوضرب"، قال الشيخ إبراهيم: من ظالم. والأظهر والأصح أو حبس معسر؛ يعني أن من هو معسر في الباطن؛ وهو ظاهر الملاء ككونه لابسا الثياب الفاخرة ويخاف إن ذهب للجمعة والجماعة أن يسجن، فإنه يباح له المتخلف عنهما لذلك، وخالف سحنون، فقال: إذا خاف غريما أن يحبسه لم يسعه التخلف كان له مال أم لا، والأول هو الأظهر عند ابن رشد، كما قال المصنف، والأصح عند اللخمي، فلو قال المص: والمختار، بدل الأصح، لكان صوابا، وقوله: "أو حبس معسر"، عطف على حبس، وقوله: "والأظهر والأصح"، خبر لمبتدإ محذوف؛ أي وهو الأظهر والأصح، والجملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. وعري؛ يعني أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة العري عما يستر العورة، وأما لو وجد لا يستر به عورته، فإنه يجب عليه الحضور لهما ولو كان لا يليق به قاله الشبراخيتي وقال الشيخ الأمير في العري: الأليق بالحنيفية السمحاء أن لا يجد اللباس اللائق بمثله، وقال

стр. 1512

الشيخ محمد بن الحسن عن ابن عاشر: ولا يبعد مراعاة ما يليق بأهل المروءة، بعد أن نقل عن الشارح والبساطي تصويره للعري هنا بأنه: العري عما يستر العورة، وقال الشيخ عبد الباقي: وعري عما يستر العورة، قال بعض: وربما يقال: لا يجوز له الخروج، وهل عليه أن يستعير أو يستتر بالنجس؟ كما تقدم في قوله: "وإن بإعارة أو طلب أو نجس وحده". أو لا لكونها لها بدل؛ فهو أخف مما تقدم، وإذا أعطي له ما يستتر به ولو إعارة من غير طلب فالظاهر وجوب القبول. قاله غير واحد. وقال الشيخ الأمير: والظاهر أنه لا يخرج لها بالنجس لأن لها بدلا كما قالوا لا يتيمم لها. ورجاء عفو قود؛ يعني أن من ترتب عليه قصاص في نفس أو طرف، أو ترتب عليه حد يفيد فيه العفو كقذف، ورجا أنه إن تخلف عن الجمعة والجماعة يشفع له أو يعفى عنه بمال أو غيره، وخشي إن خرج إلى الجمعة أو الجماعة أن يقام عليه ذلك، يباح له التخلف لرجائه لذلك، وأما ما لا يفيد فيه العفو، فلا. وأكل كثوم؛ يعني أن من الأعذار المبيحة لمن اتصف بها التخلف عن الجمعة والجماعة، أكل ماله رائحة كريهة كالثوم، والبصل النيين، والكراث، والفجل، ونحوها. وفي الحديث: الثوم والبصل والكراث من سك إبليس؛ أي طيبه؛ وهو بسين مهملة مضمومة. وحرم في المسجد إجماعا؛ أي أكل ما له رائحة خبيثة، ومن أكل منه شيئا خارج المسجد، ففي جواز دخوله للمسجد لغير جمعة وجماعة، وكراهته قولان، ويحرم أكله بغير المسجد لمن يريد جمعة، أو جماعة، أو مجلس علم أو ذكر، أو وليمة، أو مصلى عيدين، أو جنائز وتأذوا برائحته إلا أن يقدر على إزالته بمزيل. وانظر، وهل ولو لاستياك بجوزاء أو لا؟ لحرمتها على الرجل على الأصح. وقيل: يكره أو يستاك بها للجمعة فقط للاتفاق عليها لا لغيرها، وفي الفيشي على العزية: ويحرم على آكله إتيان المساجد، كما صرح به ابن رشد في المقدمات والبيان وغيرهما، وظاهر الرسالة الكراهة. قاله الشيخ عبد الباقي، قاله المازري، وألحق أهل المذهب بذلك أهل الصنائع المنتنة كالحواتين أي السماكين، والجزارين. ومن المبيح أيضا الصنان والبرص المتأذى بريحه. وفي الحديث: (من أكل

стр. 1513

من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذنا بريح الثوم (١)). فيه من الفقه أن حضور الجماعة ليس بفرض، وإلا لما أبيح ما يحبس عن الفرض. وقد أباحت السنة لآكل الثوم التأخر عن الجماعة، وإذا كانت العلة في إخراج آكل الثوم من المسجد أنه يتأذى به، ففي القياس أن كل من يتأذى به جيرانه في المسجد؛ بأن يكون ذرب اللسان سفيها مستطيلا، أو كان ذا رائحة لا تؤلمه لسوء صنعة، أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه، وأرادوا إخراجه من المسجد وإيعاده عنهم، كان لهم ما دامت العلة موجودة فيه حتى تزول، فإذا زالت بأي وجه كان له مراجعة المسجد. قاله الحطاب. وقال الأمير عاطفا على الأعذار المسقطة لحضور الجمعة والجماعة: وأكل كثوم، ولا مزيل، وحرم بالمسجد والمحافل كدخول آكله على الراجح. انتهى. ومما يزيل رائحة الثوم مضغ السعف والسعتر. قاله الخرشي. ثم شبه بمسقطات الجمعة والجماعة ما يخص الجماعة بقوله: كريح عاصفة بليل؛ يعني أن الريح العاصفة؛ أي الشديدة إذا كانت بالليل، فإنها تبيح التخلف عن الجماعة لاجتماعها مع الظلمة بخلافها نهارا، فلا تسقط الجمعة ولا الجماعة، وليس من الأعذار شدة البرد ولا شدة الحر إلا أن تكون ريح حارة تذهب بماء القرب والأسقية، فتكون عذرا لمن هو خارج المصر. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الإمام الحطاب عن سند: أما الحر والشمس فليس بعذر قاطع، وقد كان النبي ﷺ يقيمها في أرض الحجاز بأصحابه. (قال سلمة بن الأكوع: كنا نُجَمِّع مع النبي ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نبتغي الفيء، أوقال: الظل، وما نجد للحيطان فيئا نستظل به (٢)). خرجه البخاري. انتهى. وقوله: "بليل"، ظاهره ولو مقمرا. لا عرس؛ يعني أن الابتناء بالعرس بالكسر، وهي امرأة الرجل، لا يبيح التخلف عن الجمعة والجماعة.

стр. 1514

وبما قررت علم أن قوله: "لا عرس"، على حذف مضاف؛ أي ابتناء عرس، ويقال: العرس بالكسر للرجل أيضا، ويقال للبوة الأسد. والعرس بالضم: طعام الوليمة، وبضم الراء وسكونها: الابتناء، فإن قرئ المصنف بالضم فليس على حذف مضاف، والعروس نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث ما داما. يقال: رجل عروس ورجال عرس، وامرأة عروس ونساء عرائس. أو عمى؛ يعني أن العمى ليس بعذر يبيح التخلف عن الجمعة والجماعة، وهذا إذا كان الأعمى ممن يهتدي للجامع، أو عنده من يقوده إليه، وأما إذا لم يجد قائدا -والحال أنه لا يهتدي للجامع- فإنه يباح له التخلف. وفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة ﵁ (أن رجلا أعمى أتى النبي ﷺ ، فقال: إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، وسأله أن يرخص له في بيته فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب (١)). انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقال الخرشي: ولو وجد الأعمى قائدا بأجرة، وجبت عليه حيث كانت الأجرة أجرة المثل، وإلا فلا. انتهى. وشهود عيد؛ يعني أن من شهد صلاة العيد يوم جمعة لا تنوبه صلاته للعيد عن حضور الجمعة ولا الجماعة، فلا يباح ترك الجمعة أو الظهر لأجل شهود العيد. وإن أذن الإمام؛ يعني أن شهود صلاة العيد إذا كان يوم جمعة، فإنه لا يبيح التخلف عن صلاة الجمعة، سواء أذن الإمام في التخلف أم لا، خلافا لابن وهب والأخوين مطرف وابن الماجشون. والحاصل أنه إن لم يأذن الإمام في التخلف، فلابد حضور الجمعة، خلافا لعطاء، وإن أذن في التخلف فكذلك، خلافا لعطاء وابن وهب والأخوين، وعبارة الشيخ الأمير: لا عرس أو عمى يهتدي معه وإن بأجرة مثل، ولا يبيح تركهما حضورُ صلاة عيد، فلا تنوب عنهما وإن أذن الإمام. انتهى.

стр. 1515

ولما كان الخوف من جملة ما يغير صفة الصلاة ذكره عقب الجمعة التي هي من المغيرات أيضا وجمعهما لاشتراط الجماعة فيهما وأخره عنها لشدة تغييره وإياحته ما لم يبح لغيره من مفارقة الإمام ونحو ذلك، فقال:

стр. 1516

فصل: ذكر فيه حكم صلاة الخوف وصفتها وما يتعلق بها، وليس المراد بقولهم: صلاة الخوف، أن له صلاة تخصه كالعيد ونحوه، وإنما المراد الصلاة التي سببها الخوف، وهي إن كانت في الحضر حضرية وفي السفر سفرية؛ فهو من إضافة الشيء إلى سببه، والخوف والخيفة ضد الأمن. واختلف في أول صلاة في الخوف، هل صلاها رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة؟ وحكاه في النوادر عن الواضحة، أو في عسفان؟ حين كان على المشركين خالد بن الوليد وصلى المسلمون الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بهم رسول الله ﷺ العصر صلاة الخوف. قاله في الطراز، أو في غزوة جهينة، أو في غزوة بني مخارق ببطن نخيل على قرب من المدينة، أو في غزوة نجد وغطفان. قاله غير واحد من الرواة. وهل سميت ذات الرقاع لأن أقدام المسلمين تنقبت فيها من الحفاء فلفوا عليها الخروق؟ أو تخرقت نعالهم فألقوا الرقاع على أرجلهم؟ أو لجبل يقال له الرقاع؛ لأن فيه بياضا وسوادا وحمرة؟ أو شجرة هناك يقال لها ذات الرقاع؟ أو لأن المسلمين رقعوا راياتهم؟ أقوال، والصحيح الأول. النووي: ويحتمل وجدان هذه الأمور كلها، قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ محمد بن الحسن: قال ابن بشير: قال ابن القصار: المروي عن النبي ﷺ (أنه صلاها في ثلاثة مواضع: ذات الرقاع، وعسفان، وذات النخيل). اهـ. وفي الشبراخيتي: وهل صلاها رسول الله ﷺ أربعا وعشرين مرة كما في القبس؟ أو عشر مرات؟ قولان، واستقر عند الفقهاء ثلاثة: بطن نخيل، وعسفان. وذات الرقاع؛ وهي مستمرة بعده ﷺ عند مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وجمهور أهل العلم. وقال ابن القصار وأبو يوسف: خاصة به ﷺ ، ودعوى المزني أنها نسخت (بتأخيره ﷺ يوم الخندق أربع صلوات اشتغالا بالقتال ولم يصلها)، مردودة؛ بأنه كان قبل صلاة الخوف. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. ولما كانت صلاة الخوف نوعين كما قال ابن الحاجب، أشار إلى الأول منهما بقوله: رخص؛ يعني أن صلاة الخوف على هذا الوجه الذي سيذكره رخصة، ولم يذكر المصنف حكم هذه الرخصة،

стр. 1517

وذكره أبو محمد في الرسالة، فقال: وصلاة الخوف واجبة. انتهى. أي واجبة وجوب السنن، وذكر الشارح عن ابن المواز أنها مستحبة، وقول المصنف: ولو صلوا بإمامين أو بعض فذا جاز، يقتضي الإباحة، وهذا هو الذي يقتضيه ما نقله سند عن ابن المواز. لقتال؛ يعني أنه يرخص لأجل القتال أن يقسم الإمام الناس قسمين، يصلي بطائفة منهم بعض الصلاة، وبالطائفة الأخرى بعض الصلاة الآخر على الوجه الذي سيذكره، ولابد أن يكون هذا القتال جائزا، كما أشار إلى ذلك بقوله: جائز؛ يعني أن الصلاة على الوجه الذي يذكر إنما يرخص فيها لأجل القتال الجائز؛ أي المأذون فيه، واجبا كان كقتال المشركين أو المحاربين أو البغاة أو مريد دم من آدمي أو سبع، أو مباحا كقتال مريد المال والهزيمة الجائزة، واحترز بالجائز عن المحظور كقتال الإمام العادل، وقطع الطريق، وقتال المسلمين ظلما. وقوله: "رخص"؛ يعني في سفر أو حضر، ببر أو بحر، والجمعة وغيرها سواء على الأشهر. وما نقل عن مالك من منع صلاة الخوف في الحضر لا يعرف. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الإمام الحطاب: سند: إقامة هذه الصلاة رخصة ليست سنة ولا فريضة، قاله ابن المواز، والذي قاله صحيح؛ فإن ذلك لو كان واجبا لكان شرطا ولا كان يجزئ غيره، ولا خلاف في أن الصلاة تجزئهم على خلاف هذا الترتيب. انتهى. فإن حصل الخوف في البحر وهم في مركب واحد فهم كأهل البر، وإن تعددت المراكب صلى أهل كل مركب بإمام وقسمهم، وإن أمنوا صلوا بإمام واحد، وقسم أهل كل مركب قسمين، أو قسم المراكب قسمين؛ فصلى بنصفهم ويحرس النصف الآخر، وأما المركب الذي فيه الإمام فيقسم طائفتين. قاله في الذخيرة. أمكن تركه لبعض؛ يعني أن هذا القسم الذي يذكر، محله حيث كان يمكن لبعض الجيش ترك القتال؛ بأن كان في البعض الآخر مقاومة للعدو، وسواء في هذه الحالة رجى انكشاف العدو قبل خروج الوقت أولا. وقوله: "لبعض"، يصح تعلقه "بأمكن"، "وبتركه"، وعلى الأول اللام للتعدية ويكون البعض تاركا، وعلى الثاني للتعليل ويكون البعض متروكا لأجله على حذف مضاف؛ أي أمكن تركه لأجل قيام بعض به. انظر الشبراخيتي. قسمهم، نائب رخص؛ وهو مصدر مضاف إلى مفعوله؛ يعني أنه يرخص للإمام أن يقسمهم قسمين مع الإمكان، حيث كان العدو يمنة أو يسرة أو خلف كما كان في ذات الرقاع، بل وإن كان من يقسم؛ وهو الإمام والمسلمون. قاله الشيخ

стр. 1518

إبراهيم. وجاه بكسر الواو وضمها؛ أي مواجه. القبلة؛ أي الكعبة؛ وهي المسجد الحرام؛ أي جاعلا لها أمامه والعدو فيها كما في عسفان وغيرها. قاله أشهب. خلافا لقول أحمد: إذا كان العدو بها صلوا مع الإمام جميعا من غير قسم لنظرهم لعدوهم. أو على دوابهم؛ يعني أنه يرخص للإمام أن يقسمهم مع استيفاء الشروط، وإن كانوا ركبانا على دوابهم حيث احتاجوا إلى الركوب عليها، وإلا فلا ويصلون على دوابهم إيماء. وتقدم أن المومئ لا يقتدي بالمومئ، فتبطل على المقتدي، فيستثنى هذا مما تقدم لضرورة احتياجهم للدواب. قسمين مفعول مطلق، والعامل فيه قسمهم، قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أن الإمام يجعلهم فرقتين تساوى القسمان أم لا. مسافرين، أو حاضرين أو مختلفين ببر أو بحر، وإذا كان الخوف في الحضر ومعهم مسافرون، فيستحب أن يكون الإمام من المسافرين ليلا يتغير حكم صلاتهم لأنهم يصلون ركعتين، ولو كان أهل السفر الاثنين والثلاثة يقدم الحضري. قاله الشيخ الخرشي. ونحوه للشيخ عبد الباقي عن اللخمي، ولا تتأتى الهيئة المذكورة فيما إذا كان المقاتل واحدا أو اثنين، وإنما تمكن مع ثلاثة فأعلى، وتجوز في ثلاثة خلافا للشافعي، والواحد يجري فيه تأخيرها لآخر الاختياري أو صلاته صلاة مسايف، كما بحثه ابن ناجي والشارح فيمن ذهبت دابته وهو في الصلاة. قاله الشيخ عبد الباقي. قال جامعه عفا الله عنه: (وقضية عبد الله بن أنيس ﵁ صريحة في أن الواحد يصلي صلاة المسايف، فإنه فعلها حين أتى الذي يريد أن يجمع الجموع للنبي ﷺ ، فوجده يرتاد منزلا لظعنه وقد أدركه الوقت، فصلى صلاة المسايف وهو ماش معه، وأتاه مظهرا أنه يريد أن يكون معه في الجموع التي يجمعها لرسول الله ﷺ ، فاحتال في قتله، فقتله (١))، وفي ذلك يقول عبد الله بن أنيس ﵁: أقول له والسيف يعجم رأسه … أنا ابن أنيس فارسا غير قعدد

стр. 1519

والظاهر أنه لا فرق بين الواحد والاثنين، واقتضى قوله: "قسمين"، أنه لا يقسمهم أكثر من ذلك. وسيأتي (١) إن وقع. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "رخص لقتال" الخ: الأصل فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، والمعنى إذا كنت أيها النبيء مع المؤمنين في بعض غزواتهم وخوفهم، فابتدأت لهم الصلاة إماما، فليقم بعضهم يصلون معك وليأخذ الباقون أسلحتهم، فإذا سجد الذين معك فليكن الذين أمروا بأخذ السلاح من ورائكم، ولتأت الطائفة الذين لم يكونوا صلوا فليصلوا معك، وليأخذ الذين صلوا أولا حذرهم وأسلحتهم. ومن السنة ما روي عمن صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف: (أن طائفة صفت مع النبي ﷺ . وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما: وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم (٢)). قاله الشيخ إبراهيم. والحديث لا يدل على الهيئة التي ذكر المصنف من جهة أنه ﵊ ثبت جالسا حتى أتموا ثم سلم بهم -كما لا يخفى-؛ لأن المصنف ذكر أنه يسلم فيتمون بعد سلامه. وقال ابن عرفة: أبو عمر: عن بعض أصحابنا تحرم الطائفتان معا وتركعان معا ولا يختلفان إلا في السجود، على حديث ابن عباس (٣))، واستحسنه اللخمي لحديث مسلم، (وفيه: بعد ركوع الصفين ثم سجد وسجد الصف الذي يليه خاصة، ثم قام هو والصف الذي سجد وسجد الصف المؤخر، وقاموا وتقدم المؤخر وتأخر المقدم، ثم بعد ركوعهما سجد المقدم، ثم المؤخر، ثم سلم بهم (٤))، وظن موجبها كعلمه. انتهى كلام ابن عرفة. وقال ابن غازي: قال اللخمي: واختلف إذا كان العدو في القبلة، هل يصلي بهم جميعا أو

стр. 1520

طائفتين؟ فقال أشهب في مدونته: لا يفعل لأنه يتعرض أن يفتنه العدو أو يشغله، فإن فعل أجزأه وأجزأهم، وفي كتاب مسلم: (أن العدو لما كان في القبلة صف النبي ﷺ الناس خلفه صفين، كبر وكبروا معه، وركع وركعوا معه، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه خاصة، ثم قام وقام الصف الذي سجد معه، وانحدر الصف المؤخر فسجد، ثم قاموا وتقدم الصف المؤخر وتأخر الصف القدم، ثم ركع النبي ﷺ وركع جميعهم معه، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه الذي كان مؤخرا، وأقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ بهم جميعا (١))، وهذه صفة حسنة وليس يخشى فيها ما يخشى إذا كان سجودهم كلهم معا. انتهى. ونقله أبو عمر في الكافي. انتهى كلام ابن غازي. وقوله: "رخص لقتال" الخ، هذه الرخصة إحدى خمس سنن في الفرض، وهي: الجمع برفة، وبمزدلفة، والقصر، وصلاة الخوف، والجماعة. وعلمهم، الواو للاستئناف واللام مشددة؛ يعني أنه يجب على الإمام أن يعلمهم كيف يفعلون في صلاتهم خوف التخليط لعدم إلفها؛ ولأن المحل محل دهش والخوف يشمل الشك والوهم، ويندب التعليم إن تحقق علمهم بكيفيتها لاحتمال نسيانهم في تلك الحالة الفظيعة؛ إذ هي حالة شديدة، قال الشاعر: في موضع ذرب الشبا وكأنما … فيه الكماة لدى الهياج على لظى وصلى بأذان وإقامة، هذه الجملة عطف على قوله: "وعلمهم"؛ يعني أن الإمام يصلي بأذان وإقامة لكل صلاة، أما الإقامة فسنة، وأما الأذان فسنة في الحضر كالسفر إن كثروا وطلبوا غيرهم، وإلا فندب. قاله الشيخ عبد الباقي. بالأولى في الثنائية ركعة؛ يعني أن كيفية صلاة الخوف هي: أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة حيث كانت الصلاة ثنائية؛ أي ركعتين أصالة كالصبح، والجمعة

стр. 1521

أو لقصر ولو باعتبار الإمام المسافر، فإذا كان الإمام مسافرا، وفي المأموم حاضر ومسافر، صلى ركعة ثم يأتي المسافر بركعة والحاضر بثلاث، والظاهر أن الطائفة الأولى يصلون الركعة الثانية من الجمعة أفذاذا ولا يستخلفون؛ لأنه بمنزلة من حصل له رعاف بناء في الثانية حتى فاته فعلها مع الإمام، فإنه يأتي بها وحده. والظاهر أنه لابد أن تكون كل طائفة اثني عشر غير الإمام ممن تنعقد بهم: ولا يكفي أن يكون في الطائفتين اثنا عشر؛ لأن الإمام بقيامه للثانية انقطع تعلقه بالأولى، بحيث لو تعمد مبطلا لم تبطل صلاتهم، والظاهر أنه يسري الخلل في صلاتهم لصلاة الإمام؛ لأنه إمام لكلتا الطائفتين. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: بحيث لو تعمد مبطلا الخ؛ يعني في غير الجمعة، كما في شرح الشيخ عبد الباقي. والله سبحانه أعلم. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: أن الظاهر أنه لابد من حضور الأربعة والعشرين للخطبة. وإلا فلا تقام خلاف ما جزم به الأجهوري من أنه يكتفى بحضور الطائفة الأولى الخطبة دون الثانية: إن قلنا إنه لابد في كل طائفة من اثني عشر رجلا، واستظهر الشيخ محمد بن الحسن ما للأجهوري، وفي شرح الشيخ عبد الباقي أيضا: أنه لابد أن تصح صلاة الأربعة والعشرين، فإن حصل الخلل في صلاتهم سرى لصلاة الإمام، ولابد من بقاء المأمومين للسلام ونزل سلام الطائفة الأولى قبل الإمام بمنزلة سلامه، كما أن الظاهر سريان خلل صلاته لصلاة الأولى بعد مفارقتها لها (١)؛ إذ لا ينقطع التعلق حقيقة في الجمعة. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: إذا كان التعلق في الجمعة لا ينقطع، فالظاهر أنه يكفي اثنا عشر في مجموع الطائفتين. انتهى. وإلا؛ أي وإن لم يكن الإمام يصلي ثنائية بل ثلاثية أو رباعية بالنسبة إليه؛ إذ المسافر خلفه يتم. فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين؛ ثم إذا صلى بهم ركعة في الثنائية، أو ركعتين في الرباعية أو الثلاثية قام ويأتمون به في حال قيامه إلى أن يستقل، ثم يفارقونه، فإن أحدث قبل استقلاله عمدا بطلت ضليه وعليهم، وسهوا أو غلبة استخلف هو أو هم من يقوم بهم، ثم يثبت المستخلف

стр. 1522

ويتم من خلفه، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ويسلم، وأما لو أحدث بعد تمام قيامه ولو عمدا فصلاتهم صحيحة تامة، فلا يستخلف عليهم لانقطاع تعلقه بهم، فإذا أتموا وذهبوا أتت الطائفة الأخرى بإمام يقدمونه كما في الحطاب. ساكتا أو داعيا أو قارئا؛ أحوال من فاعل قام؛ يعني أنه إذا صلى ركعة وقام، فإنه بالخيار بين أن يسكت وبين أن يدعو بما عَنَّ له، والأولى أن يدعو بالنصر والفتح وبين أن يقرأ بما يعلم أنه لا يتمه حتى تأتي الطائفة الثانية، وهل يقرأ الفاتحة أو يؤخر قراءتها حتى تجيء الطائفة الثانية؟ خلاف، وقوله: "أو داعيا"، قال في التوضيح: ولا يتعين الدعاء، بل وكذلك التسبيح والتهليل وبذلك صرح ابن بشير. نقله الإمام الحطاب. وقوله: في الثنائية، متعلق بقام؛ أي يقوم في الثنائية حال كونه مخيرا بين الأمور الثلاثة، وأشار إلى ما يفعله في غير الثنائية بقوله: وفي قيامه بغيرها تردد؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما يفعل الإمام إذا صلى ركعتين في الرباعية أو الثلاثية، فقال ابن القاسم ومطرف: يقوم منتظرا الطائفة الثانية وهو المشهور ومذهب المدونة، وقيل: يجلس حتى تفرغ الطائفة الأولى من بقية صلاتها أفذاذا؛ وهو لابن وهب، وابن كنانة، وابن عبد الحكم، حكى هذين القولين ابن بشير، وصاحب الإكمال، وحكيا الاتفاق على قيامه في الثنائية، وعكس ابن بزيزة فحكى الاتفاق على استمراره جالسا في غير الثنائية. وفي قيامه في الثنائية قولين، وإلى هذين الطريقين؛ أي طريق ابن بشير وصاحب الإكمال الذين حكيا الاتفاق على قيامه في الثنائية والخلاف في غيرها، وطريق ابن بزيزة الذي حكى الخلاف في الثنائية والاتفاق على استمراره جالسا في غيرها، أشار المصنف بالتردد؛ فهو تردد للمتأخرين في النقل، والطريقة الأولى أصح لموافقتها المدونة. واعلم أنه إن قام في الثنائية خير في الثلاثة التي ذكر المصنف، وإن قام في غيرها خير بين السكوت والدعاء، ولا يقرأ؛ لأن قراءته بأم القرآن فقط، فقد يفرغ منها قبل مجيء الطائفة الثانية، وهي لا تكرر في ركعة، وأما على القول بالجلوس فلا تتوهم القراءة ولا الدعاء؛ لأنه لا دعاء في الجلوس الأول، وإنما يخير بين الذكر والسكوت. كما قاله الباجي. وذكر بعض الشراح

стр. 1523

أنه يجلس ساكتا أو داعيا فيكون ما هنا مستثنى. انظر الشبراخيتي. وانظر ما حكم القيام في المسألتين والجلوس على القول به، وعلى القول بالجلوس في غير الثنائية فمفارقة الأولى بتمام التشهد، ويعلمهم ذلك بإشارة أو جهر بآخره، وأما على القول بالقيام، فالذي يدل عليه كلام الشبراخيتي إن لم يكن صريحه، أن مفارقة الأولى تحصل بتمام قيامه -كما مر في الثنائية- والله سبحانه أعلم. ومن أدرك الثانية من المغرب أو من صلاة الرباعية، أو أدرك الثالثة من الرباعية فإنه يجتمع له البناء والقضاء، ولكن من أدرك الثانية من المغرب أو الرباعية، هل يقوم للبناء والقضاء إذا أتمت الطائفة الأولى، أو يمهل بالقضاء حتى يفرغ الإمام من سائر الصلاة؟ فيه قولان، نقله ابن بشير. قاله الحطاب. وقوله: "وفي قيامه بغيرها تردد"، تقدم أنه أشار بالتردد إلى طريقين، وبقى طريقان أخريان ذكرهما ابن ناجي، فقال: ظاهر كلام الباجي أن الخلاف في المسألتين، ثم قال: ولابن حارث طريقة رابعة: قال: اتفقوا على أنه ينتظر الطائفة الثانية قائما في الصلوات كلها حاشى المغرب، قاله الإمام الحطاب. وقال: وإذا قلنا ينتظرهم جالسا. فقال في الطراز عن الباجي: هو مخير بين أن يسكت أو يذكر الله تعالى، قال: ومتى يقوم، فإن سبق إليه الواحد والاثنان لم يقم، وإن جاءت جماعة قام فكبر بهم. والله أعلم. وأتموا لأنفسهم؛ يعني أنه إذا قام في الثنائية، أو قام في غيرها، أو جلس -على ما مر- فإن الطائفة الأولى يتمون لأنفسهم بعد ما صلوا معه ركعة أو ركعتين، ويتمون أفذاذا، فإن أمهم أحدهم فصلاته تامة، وصلاتهم فاسدة قاله سند. وما في التتائي على الرسالة: يتمون أفذاذا أو بإمام، فيه نظر؛ إذ لا تصلى صلاة بإمامين في غير الاستخلاف، قاله الشيخ إبراهيم. وانصرفوا؛ يعنى أن الطائفة الأولى إذا أتموا صلاتهم فإنهم ينصرفون؛ أي يذهبون فيقفون وُجاه العدو، والمعتبر إتمام من دخل معه من الطائفة أول صلاته، ولا ينتظر بصلاته بالثانية المسبوق من الأولى، ثم إن المأموم من الطائفة الأولى لا يسلم على الإمام؛ لأنه لم يسلم عليه. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ الأمير: وهل يسلمون على الإمام وهو الظاهر، وذكر شيخنا في حاشية أبي الحسن عدمه، ويردون على من باليسار. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وإذا اجتمع بناء وقضاء لمسبوق قدم البناء -كما مر للمصنف- وإذا كان من الطائفة الأولى قضى ركعة القضاء بعد البناء قبل

стр. 1524

مجيء الطائفة الثانية للإمام. انتهى. وقيل: يؤخرها لسلامه ليلا يكون قاضيا في صلبه، ويرد بانقطاع الأولى عند مفارقتهم له. انتهى. وقد مر نحوه للحطاب. ثم صلى بالثانية ما بقي؛ يعني أنه إذا أتمت الأولى وانصرفت تجاه العدو، فإنه يأتي الذين كانوا مواجهين للعدو؛ وهم الطائفة الثانية، فيصلي بهم ما بقي من الصلاة؛ وهو ركعة في الثنائية والثلاثية، وركعتان في الرباعية. وسلم؛ يعني أن الإمام إذا صلى بالطائفة الثانية ما بقي من الصلاة، فإنه يسلم: فإذا سلم لنفسه أتموا لأنفسهم؛ أي فلا يأتون بما عليهم إلا بعد سلام إمامهم، هذا هو المشهور، ومقابله أنه إذا أتم الصلاة لا يسلم، بل يشير لهم أن يتموا، فإذا أتموا سلم بهم، وما تأتي به الطائفة الثانية بعد مفارقة الإمام قضاء لا بناء، كما ذكره المواق وغيره. فيقرءون فيه بالفاتحة وسورة. قاله الشيخ إبراهيم. ولو صلوا بإمامين؛ يعني أن الناس إذا انقسموا طائفتين، فصلت إحداهما الصلاة كلها بإمام والأخرى تحرس، فلما فرغوا من الصلاة انصرفوا تجاه العدو، وصلت الطائفة الثانية صلاة كاملة بإمام آخر، جاز ذلك أي مضى وصحت صلاتهم مع أنه مكروه لمخالفته سنتها السابقة. أو بعض فذا؛ يعني وكذاك لو صلى بعضهم ولو كثر فذا وطائفة قبله أو بعده جاز ذلك؛ أي مضى وصحت صلاتهم، مع أنه مكروه لمخالفته سنتها السابقة. وقوله: جاز، جواب لو، فهو راجع للمسألتين، كما علم مما قررت. وقوله: "بإمامين"، لا مفهوم له؛ أي أو بأئمة، وقوله: "ولو صلوا بإمامين"، هذا الفرع ليس بمنصوص، وإنما هو مخرج خرجه اللخمي على ما إذا صلى بعض فذا وبعض بإمام، كما في الجواهر، وابن عرفة، وغيرهما. ونازع المازري في التخريج المذكور بأن إمامة إمامين أثقل من تأخير بعض الناس عن الصلاة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وإن لم يمكن أخروا لآخر الاختياري؛ هذا هو النوع الثاني من نوعي صلاة الخوف؛ وهو مفهوم قوله: "أمكن تركه"؛ يعني أنه إذا لم يمكن ترك القتال لبعض الجيش، لكثرة العدو، أو لالتحام القتال، ورجوا انكشافه قبل خروج الوقت المختار بحيث يدركون الصلاة فيه؛ فإنهم يؤخرون الصلاة لآخر الوقت المختار بحيث يبقى منه ما يسعها، وقوله: "أخروا"، قال الشيخ عبد

стр. 1525

الباقي: ندبا فيما يظهر، قياسا على راجي الماء، وما يأتي من أن هذه المسألة مشابهة لمسألة الرعاف يفيد وجوب التأخير. انتهى. وقوله: "لآخر الاختياري"، قال الشيخ عبد الباقي: الذي في النص لآخر: "الوقت"، قال المصنف: والظاهر أنه الاختياري، قياسا على راجي الماء في التيمم بجامع رجاء كل إيقاع الصلاة على الوجه الجائز، واستظهر ابن هارون الضروري، فكان ينبغي للمصنف أن يبين ما به الفتوى المنصوص أولا، ثم يذكر بحثه؛ كأن يقول: لآخر الوقت، والظاهر الاختياري، كقوله في فصل الجزية: "سنة والظاهر آخرها"، ولا يجعل بحثه مما به الفتوى. اهـ كلام الشيخ عبد الباقي، قال الشيخ محمد بن الحسن: وفي كلام الذخيرة ما يفيد ما اختاره المصنف من أنه الاختياري، انظره في الحطاب عند قوله: "وإن أمنوا بها" الخ. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. ونقل عن ابن ناجي: لا يبعد أن تكون المسألة ذات قولين كالخلاف في الراعف إذا تمادى به الدم وخاف خروج الوقت؛ فإنه يعتبر الاختياري، ونقل ابن رشد قولا أنه: يعتبر الضروري، وقوله: أخروا لآخر الاختياري، قال الشيخ إبراهيم: فيه دليل على أن مصلحة الوقت الاختياري أعظم من مصالح استيفاء الأركان والشروط إذا بقي منه قدر ما يسع ركعة. انتهى. وصلوا إيماء؛ يعني أنهم إذا أخروا لآخر الاختياري بحيث بقي منه قدر ما يسع الصلاة فإنهم يصلون حينئذ إيماء أفذاذا ومحل الإيماء حيث لم يمكنهم الركوع والسجود، وتنظير بعض الشراح في كونهم يصلون أفذاذا قصور؛ لأن مشقة الاقتداء هنا أقوى منها وهم على دوابهم، وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين كونهم طالبين أو مطلوبين وهو كذلك، قاله ابن حبيب. وقال ابن عبد الحكم: إن كانوا طالبين لم يصلوا إلا بالأرض صلاة أمن، وقوله: كإن دهمهم عدو بها؛ تشبيه في النوعين إمكان الترك لبعض وعدمه؛ يعني أنهم إذا افتتحوا صلاتهم آمنين؛ أي ابتدءوها جميعا من غير قسم، ثم دهمهم العدو وهم في صلاتهم أي بغتهم بكسر الهاء وفتحها، فإن الإمام يقسمهم قسمين إن أمكن، ولابد من الركوع والسجود مع إمكانهما، فإن لم يمكن ذلك صلوا على حسب ما يستطيعون، وقوله: "بها"، الباء للظرفية. وعلم من التشبيه أنه إذا لم يمكن القسم صلوا صلاة المسايف، وأنه إذا أمكن القسم وجب القطع على طائفة، سواء شرع في النصف الثاني بعقد ركعة منه، أو كان النصف الأول، فإذا دهمهم

стр. 1526

العدو في النصف الأول، وقطعت طائفة ووقفت وجاه العدو، فيصلي بمن بقى معه تمام ركعة أو ركعتين، ثم يبقى حتى يسلموا، ثم تأتي الطائفة التي قطعت فيصلي بها ما بقي من الصلاة، وتقف التي سلمت وجاه العدو، وكذا إذا دهمهم وهم قائمون في الثالثة، فإن طائفة منهم تقطع وتقف تجاه العدو، ويبقى الإمام قائما حتى يتم الذين لم يقطعوا ويسلموا، ثم تأتي الطائفة التي قطعت فيصلي بها ما بقي من الصلاة، وتقف التي سلمت وجاه العدو، وإذا دهمهم في النصف الثاني بعد عقد ركعة منه وقطعت طائفة وأتم بمن بقي معه، فلمن قطع أن يصلوا أفذاذا أو بإمام، كما لابن بشير. قاله الشيخ عبد الباقي، بإدخال شيء فيه من كلام الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقال الإمام الحطاب ما حاصله أنهم: إذا دهمهم العدو وهم في الصلاة، يصلون صلاة المسايف إن لم يمكنهم القسم، وأما لو أمكنهم القسم فإنهم يقتسمون، قال ابن بشير: ولو صلى بهم صلاة أمن فطرأ الخوف، فالحكم أن تقطع طائفة وتكون وجاه العدو، ويصلي الإمام بالذين معه، ثم يفعل على ترتيب صلاة الخوف، وهذا إن لم يشرع في النصف الثاني من الصلاة، وأما إن شرع فيه حتى ركع أو سجد فلابد من قطع طائفة، ويتم بالأولى وتصلي الثانية لنفسها إما أفذاذا أو بإمام آخر. انتهى. وهو نحو ما قدمته عن الشيخ عبد الباقي والشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وحل للضرورة مشي؛ هذا راجع لقوله: "وإن لم يمكن"؛ يعني أنه يحل في صلاة المسايفة ما هو محرم في غيرها لأجل الضرورة، فيحل مشي كثيرا أكثر من كالصفين، وكذلك يحل ركض؛ وهو أشد من المشي ولذا عطفه. عليه والركض تحريك الرجل، يقال: ركض الفرس إذا استحثه برجله ليعدو، وكذا يحل لأجل الضرورة طعن بالرمح ورمي بالنبل، وكذا يحل لأجل الضرورة عدم توجه للقبلة، وكذا يحل لأجل الضرورة كلام لغير إصلاحها ولو كثر إن احتيج له كتحذير غيره ممن يريده أوأمره بقتله، وكتشجيع وافتخار عند الرمي ورجز إن ترتب على ذلك توهين العدو، وإلا لم يكن من المحتاج له.

стр. 1527

وأما الكلام لإصلاح الصلاة فلا يختص بصلاة الخوف وكذا يحل لأجل الضرورة إمساك ملطخ من سلاح أو غيره؛ أي ملطخ بدم أو غيره من النجاسات كالعذرة، إلا أن يستغنى عنه ولم يخش عليه. قاله الشيخ عبد الباقي. وقدمت المحافظة على الوقت في هذا المفصل على الأركان والشروط غير الوقت للضرورة، وما أحسن عبارة الشيخ الأمير، حيث قال: وحل للضرورة كل فعل احتيج له، كإمساك ملطخ بدم، وإنشاد شر يقوي القوم. انتهى. وقوله: "ملطخ"، بفتح الطاء المشددة. وفي الشبراخيتي وهو مقصور على السلاح، وظاهره: سواء كان بدم أو غيره، كان في غنية عنه أم لا؛ لأن المحل محل ضرورة، لكن قال ابن شاس وغيره: إلا أن يكون في غنية عنه، ولا يخشى عليه، وقصر الش على الملطخ بالدم؛ لأنه الغالب، وإلا فالملطخ بالنجاسة كذلك؛ إذ القاعدة ارتكاب أخف الضررين؛ إذ ارتكاب حمل النجس أخف من لقائه العدو بلا سلاح. انتهى. وإن أمنوا بها أتمت صلاة أمن؛ يعني أنهم إذا افتتحوا صلاة الخوف مسايفة أو قسما، ثم أمنوا بها؛ فإنهم يتمونها صلاة أمن، فيتم كل واحد صلاته في المسايفة على حدته راكعا ساجدا، وأما في صلاة القسم؛ فإن حصل الأمن مع الأولى قبل مفارقتها استمرت معه، ورجع ابن القاسم إلى أنه لا بأس بدخول الثانية معه بعد أن قال: يصلون بإمام ولا يدخلون معه. ابن رشد: ولا وجه له ووجَّهه في الطراز بما فيه تكلف، ومن فارقه من الطائفة الأولى ولم يفعل لنفسه شيئا فإنه يرجع إليه، ومن أتم منهم صلاته أجزأته، ومن صلى بعد الصلاة؛ أي عقد ركعة، أمهل حتى يصلي الإمام ما صلاه، ثم يقتدي به فيما بقي، ولو السلام. قاله اللخمي. وانظره مع قولهم: "وإذا فرق الريح السفن ثم اجتمعوا فلا يرجع إلى الإمام من عمل لنفسه شيئا أو استخلف، ويمكن الفرق بأنه لما لم يمكن الاستخلاف كان ارتباطهم بالإمام أشد ممن فرقهم الريح في السفن، فإن لم يمهل بأن خالف وفعل ما بقي عليه أو سلم قبله بطلت صلاته، وكذا لو أعاد مع الإمام ما فعله حال المفارقة عمدا أو جهلا لا سهوا فيحمله عنه الإمام. وإذا حصل للطائفة الأولى سهو بعد مفارقته، ثم رجعوا له بعد الأمن فالظاهر أنه لا يحمله عنهم لمفارقتهم له، ويدل له قوله: "ولا سهو على مؤتم حالة القدوة"، وحينئذ فيسجدون القبلي بعد سلام الإمام وقبل سلامهم، والبعدي بعد سلامهم، ويلغز بها، فيقال: جماعة اقتدوا بإمام ولم

стр. 1528

يحمل ما ترتب عليهم من سجود سهو، ولا خوطب به. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ بناني: الظاهر أنه يحمله عنهم، وقال الشبراخيتي: وانظر لو سها الإمام وحده بعد مفارقتهم، ثم رجعوا إليه، هل يسجدون معه تبعا له، أم لا؟ انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر على ما قدمته قريبا عن الشيخ محمد بن الحسن أنهم: يسجدون معه تبعا له، وقوله: "أتمت صلاة أمن"، إن سفرية فسفرية، وإن حضرية فحضرية، وقوله: "أتمت صلاة أمن"، هو قول ابن عبد الحكم، وقال ابن حبيب: هم في سعة؛ لأنهم مع عدوهم ولو وصلوا إلى حقيقة الأمن، وقيل: إن أمنوا كرة العدو أتمت صلاة أمن، وإلا فالثاني. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "صلاة أمن"، انظره مع قولهم في جمع العشاءين للمطر لو انقطع بعد الشروع تمادوا على الجمع، وفي صلاة الكسوف وإن انجلت في أثنائها ففي إتمامها كالنوافل قولان. قاله الإمام الحطاب. وأجاب عنه عبد الباقي بما لم يظهر لي وجهه. والله سبحانه أعلم. وبعدها لا إعادة؛ يعني أنه إذا لم يحصل إلا بعد كمال الصلاة، فإنهم لا يطالبون بالإعادة في وقت ولا في غيره على المشهور، خلافا للمغيرة: يعيدون كخائف لص أو سبع. وأجاب بعضهم للمشهور، بأن الفرق أن صلاة الخوف من العدو لما كانت بنص القرآن لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية، لذلك سقطت عنه الإعادة بخلاف غيره -تأمل- قاله الشيخ محمد بن الحسن، وأجاب الباجي أيضا: بأن خوف العدو متيقن بخلاف اللص والسبع، ولو استوى الخوف فيهما لاستوى الحكم، ولكنه حكم في كل قسم بأغلب حاله، وأجاب عبد الحق أيضا: بأن العدو يطلب النفس، واللص يطلب المال غالبا، وحرمة النفس أقوى من حرمة المال، وضعف بأن السبع يطلب النفس، وقد جعلوه كاللص. وقد يفرق بأن السبع، وإن كان يطلب النفس لكن يمكن دفعه بأمور، ففي حياة الحيوان: أنه يفر من صوت الديك، ومن نقر الطست، ومن السنور؛ أي الهر، ويتحير عند رؤية النار، ولا يدنو

стр. 1529

من المرأة الطامث، ولو بلغة الجهد، وكذا يدفع بغض البصر مع التخشع كما أخبر بذلك عارف به، وبإعطاء ما يشغله من اللحم، وبجر حبل بين يديه. قاله الشيخ عبد الباقي. كسواد ظن عدوا فظهر نفيه، تشبيه وعدم الإعادة؛ يعني أنه لا فرق في عدم الإعادة فيما إذا حصل الأمن بعد الصلاة بين كون الخوف محققا أو مظنونا، كما لو رأوا سوادا فظنوه عدوا يخاف، فصلوا صلاة خوف مسايفة أو قسما، ثم بعد كمال الصلاة ظهر نفيه أي الظن أو الخوف؛ بأن تبين أن بينهما نهرا أو خندقا لا يمكن قطعه؛ فإنه لا إعادة عليهم، واعتبر هنا الظن المتبين خطؤه؛ لأنه لم يؤد لترك أصل الفعل: وإنما أدى إلى تغيير كيفيته. وقوله: "كسواد"، فسر بالشخص: وبالعدد الكثير: وبالعامة من الناس. قاله غير واحد. وإن سها مع الأولى سجدت بعد إكمالها؛ يعني أن إمام صلاة الخوف إذا حصل له سهو يوجب سجودا مع الطائفة الأولى؛ فإنهم يسجدون القبلي بعد إكمال صلاتهم وقبل سلامهم، ويسجدون البعدي بعد سلامهم، فإن كان موجب السجود مما لا يخفى كالكلام وزيادة الركوع أو السجود أو شبه ذلك فلا يحتاج لإشارته لهم، وإن كان مما يخفى أشار لهم. فإن لم يفهموا بالإشارة سبح لهم، فإن لم يفهموا به كلمهم إن كان النقص يوجب البطلان، وإلا فلا -كذا ينبغي- كذا قرره الأجهوري. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: كلمهم، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ لأن هذا الكلام لإصلاح صلاة الغير: تأمل. انتهى. فإن كان السجود قبليا مرتبا عن ثلاث سنن ولم يسجدوه وطال، بطلت صلاتهم، وإن ترتب عليهم بعد مفارقته قبلي وسهوه هو بعدي، غلب جانب النقص. ولبعضهم: ومن له القبلي مع بعدي … إمامه اجتزأ بالقبلي وإلا؛ أي وإن لم يسه مع الطائفة الأولى، بل سها مع الثانية. سجدت؛ أي الطائفة الثانية السجود القبلي معه؛ أي مع الإمام قبل إتمامها لصلاتها، وسجدت السجود البعدي بعد القضاء؛ لما فاتها قبل الدخول مع الإمام وبعد سلامها، ولا يلزم الأولى سجود سهوه مع الثانية لمفارقتها له، وتسجد الثانية لسهوه مع الأولى أيضا القبلي معه والبعدي بعد القضاء، كما يفيد ذلك قوله:

стр. 1530

أو لم يدرك موجبه، وقوله: سجدت القبلي معه؛ يعني ولو تركه إمامهم، وتبطل صلاته فقط إن ترتب عن ثلاث سنن وطال، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: أنه إذا صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعة في السفر، ثم ثبت قائما وأتمت لأنفسهم، ثم أتت الطائفة الثانية فصلى بهم الركعة الثانية فلما جلس ذكر سجدة لا يدري من الأولى أو من الثانية فليسجدها وتسجد معه الطائفة الثانية، ثم يثبت قائما وتصلي الطائفة الثانية ركعة بقية صلاتهم أفذاذا، ويسجدون بعد سلامهم، وتأتي الطائفة الأولى فتحرم خلفه ويصلي بهم الإمام هذه الركعة التي احتاط بها وسجد بعد السلام، وتقوم الطائفة الأولى فتتم ركعة لنفسها؛ لأنها إن كانت السجدة التي نسي الإمام من الركعة الأولى فقد كانت صلاتهم باطلة، وهذه الصلاة التي صلوها مع الإمام أول صلاتهم، وهي فريضة، وإن كانت السجدة من الركعة الثانية فقد كانت صلاتهم الأولى تامة، وهذه نافلة. قاله الناصر اللقاني على التوضيح. انتهى. قوله: وتأتي الطائفة الأولى فتحرم خلفه، هذا إنما يظهر إن حصل للطائفة الأولى شك؛ إذ الشك في النقص كتحققة وقد فاتهم التدارك بالسلام وفاتهم البناء على ركعة بالطول، فإن بقوا على التحقق فصلاتهم صحيحة، وقوله: قاله الناصر اللقاني على التوضيح، لم أر هذا الفرع في التوضيح، ولا في الناصر عليه. قاله الشيخ بناني. وقوله: "والبعدي بعد القضاء"، فإن سجدته معه بطلت صلاتهم فيما يظهر -كما تقدم في المسبوق- قاله الشيخ عبد الباقي. وإن صلى في ثلاثية؛ يعني أن الإمام إذا خالف السنة في صلاة الخوف، بأن صلى في المغرب بكل طائفة ركعة؛ أي قسمهم ثلاث طوائف، فصلى بكل طائفة ركعة، فإن صلاة الطائفة الأولى تبطل؛ لمفارقتهم الإمام في غير محل المفارقة. ابن يونس: لأن السنة أن يصلى بها ركعتين، وأيضا فقد صاروا يصلون الركعة الثانية أفذاذا، وقد وجب أن يصلوها مأمومين. قاله المواق. أو رباعية؛ يعني أن الإمام إذا خالف السنة في صلاة الخوف، بأن صلى في الرباعية بكل طائفة ركعة؛ أي قسمهم أربع طوائف فصلى بكل طائفة ركعة فإن صلاة الطائفة الأولى تبطل لمفارقتهم الإمام في غير محل الفارقة. ابن يونس: لأن السنة أن يصلي بها ركعتين، وأيضا فقد صاروا يصلون الركعة الثانية أفذاذا وقد وجب أن يصلوها مأمومين. قاله المواق. وبما قررت علم أن قوله

стр. 1531

بكل ركعة: متعلق بصلى، فهو راجع لمسألتي الرباعية والثلاثية، وأن قوله: بطلت، صلاة الطائفة الأولى جواب الشرط؛ فهو راجع لمسألتي الثلاثية والرباعية. والثالثة في الرباعية؛ يعني أنه كما تبطل صلاة الطائفة الأولى في الثلاثية والرباعية، تبطل صلاة الطائفة الثالثة في الرباعية لما ذكر من التعليل، وتصح صلاة الإمام والطائفة الثانية في المسألتين؛ أي في مسألتي الثلاثية والرباعية؛ إذ صاروا كمن فاتته ركعة من الطائفة الأولى وأدرك الثانية، وكذا تصح للطائفة الثالثة في الثلاثية لموافقته سنة صلاة الخوف، وكذا تصح للطائفة الرابعة في الرباعية؛ لأنه كمن فاتته ركعة من الطائفة الثانية، فيأتي بالركعات الثلاث قضاء. هذا قول الأخوين وأصبغ، وصححه ابن الحاجب. وقال سحنون: تبطل صلاة الجميع؛ الإمام وبقية الطوائف لمخالفة السنة. ابن يونس: وهو الصواب، وإليه أشار بقوله: مشبها في البطلان. كغيرها. أي كما تبطل للطائفة الأولى والثالثة في الرباعية تبطل لغيرهما؛ أي الطائفتين المذكورتين من الطوائف الثلاث والإمام على القول الأرجح، أشار به إلى تصويب ابن يونس كما علمت، قال الشيخ أحمد: وجه بطلان صلاة الطائفة الثانية في الثلاثية مع أنها فارقت الإمام في محل المفارقة، أن صلاة إمامها باطلة. فتبطل عليها أيضا. انتهى. وأما وجه بطلان صلاة الإمام على ما صوبه ابن يونس، فقال الشيخ محمد بن الحسن في التوضيح عن ابن يونس: أنها بطلت على الإمام؛ لأنه وقف في غير موضع قيام. انتهى. وإلى تصحيح ابن الحاجب المتقدم أشار بقوله: وصحح خلافه؛ يعني أن ابن الحاجب صحح خلاف قول سحنون، وهو قول الأخوين، وأصبغ. فتَحَصَّل من هذا أن ابن يونس رجح قول سحنون بالبطلان، وأن ابن الحاجب صحح قول الأخوين وأصبغ، وتقديمه له يقتضي أنه عنده هو المذهب، قاله الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم. وزاد الشيخ إبراهيم ما نصه: لكن قال في توضيحه: وتصحيح ابن يونس أظهر من تصحيح المصنف؛ يعني ابن الحاجب.

стр. 1532

ولما كان العيد بينه وبين الجمعة مناسبة؛ لأن كلا منهما يوم فرح وسرور، وفي الفعل؛ لأن كلا منهما ركعتان، وذكر الخوف عقبها لاشتراط الجماعة فيهما ولاشتراكهما في الفرضية، أتبع العيد لهما، فقال:

стр. 1533

فصل: ذكر فيه حكم صلاة العيد، وكيفيتها، ومن يؤمر بها، ووقتها، ومندوباتها، وموضع إيقاعها، وخطبتها، وما يتعلق بذلك: وهو مشتق من العود؛ وهو الرجوع لتكرره، ولا يرد أن أيام الأسبوع، والمشهور، وعرفة، وعاشوراء، ونحوها تتكرر ولم تسم بذلك، وإن كان قد سمي به يوم الجمعة، فقد جاء: (أن يوم الجمعة عيد المؤمنين (١))، فمن باب التشبيه بدليل أنه لا يتبادر إليه عند الإطلاق. وإنما لم يرد عليه ذلك؛ لأن هذه مناسبة ولا يلزم اطرادها، وقال عياض: لعوده على الناس بالفرح، وقيل: تفاؤلا بأن يعود على من أدركه من الناس، كتسمية القافلة في ابتداء خروجها، واللديغ سليما، وقيل: لأن فيه فوائد الامتنان والإحسان من الله تعالى. قال الشيخ إبراهيم: والظاهر أن هذه ليست أقوالا متباينة لجواز أن يقال بجميعها، والعيد أيضا ما عاد من هم أو غيره، وهو من ذوات الواو، قلبت واوه ياء كالميزان من الوزن، وإنما يجمع بالياء للزومها في المفرد، أو للفرق بينه وبين أعواد الخشب: وأول عيد صلاها رسول الله ﷺ : عيد الفطر، في السنة الثانية من الهجرة، واستمر مواظبا عليها حتى فارق الدنيا ﷺ وبين المص حكم صلاة العيد: بقوله: سن العيد ركعتان؛ يعني أنه يسن صلاة ركعتين في يوم العيد، وقوله: "لعيد"؛ أي جنسه فطرا أو أضحى، وليس أحدهما آكد من الآخر، واللام في قوله: "لعيد"؛ بمعنى، في أو للتعليل؛ وهو متعلق "بسن". قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ محمد بن الحسن: أي سن في عيد أو لأجله ركعتان: والظرف يتعلق بركعتان، ووجود التاء لا يمنع من ذلك لاكتفاء المجرور برائحة الفعل. انتهى. وقوله: "سن"؛ أي عينا على المشهور، وقيل: فرض عين، وهو ما نقله ابن حارث عن ابن حبيب. وقيل: فرض كفاية، حكاه ابن رشد في المقدمات، وقال الشيخ إبراهيم: ويؤخذ من قوله فيما سيأتي: "أو فائتة"، أنه سنة كفاية، ولكن المذهب أنها سنة عين على من يؤمر بالجمعة وجوبا. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن بناني: قد تقدم أول الجماعة أن الجماعة

стр. 1534

في السنن غير الوتر سنة، وتقدم أن ما ذكره عبد الباقي من الندب هنا وهناك غير صحيح، وقال الشيخ عبد الباقي: ويشكل على جعلها سنة عين ندبها لمن فاتته، كما سيذكره المصنف، إلا أن يقال: سنيتها عينا مشروطة بإيقاعها جماعة. لمأمور الجمعة. المجرور متعلق "بسن"، والمراد: المأمور بها وجوبا؛ يعني أن صلاة العيد إنما تسن لمن يؤمر بالجمعة، يريد على وجه الوجوب، فتسن لمن على كفرسخ من المنار فأحرى دونه، بشرط أن يكون كل من المتوطنين الأحرار الذكور البالغين، لا عبد، وصبي، وامرأة، ومسافر، وخارج عن كفرسخ؛ فتندب لهم صلاتها، كما يأتي في قوله: "وإقامة من لم يؤمر بها"، وتندب أيضا لذوي الأعذار من المصر، ولا تشرع لحاج من أهل منى أو غيرها لا استنانا ولا ندبا؛ لأن وقوفه بالمشعر الحرام يقوم مقامها، وكذا لا تشرع إقامة صلاة الأضحى جماعة لأهل منى وليسوا بحجاج؛ لأنه ذريعة إلى دخول المسافرين معهم، فليسوا كأهل بلد غيرهم، وليسوا كالمسافرين لندبها للمسافر دونهم. قاله الشيخ عبد الباقي وقال الشيخ إبراهيم: ولا تشرع إقامتها جماعة لأهل منى المقيمين بها وليسوا بحجاج، ولو صلاها مصل لنفسه لم أو به بأسا. قاله أشهب. انتهى: ونحوه للحطاب. ابن العربي: ولا يقاتل أهل بلد على تركها، ولعل الفرق بينها وبين الأذان كثرة تكرره وإعلامه بدخول الوقت. ابن عرفة: سمع ابن القاسم: لا يعجبني السفر بعد فجر يوم العيد قبل صلاته إلا لعذر. ابن رشد: لو طلعت الشمس حرم سفره. ابن ناجي على المدونة: الصواب حمل الرواية على ظاهرها؛ لأن صلاة العيد سنة، والجمعة فرض. انتهى. وهذا هو الظاهر. وما ذكره ابن رشد يقتضي إثم من تركها لغير عذر يبيح التخلف عن الجمعة، ولم أو من قال به. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأجهوري: قد يقال: قول ابن رشد مبني على القول بأنها فرض عين أو كفاية، حيث لم يقم بها غيره، كما قيل بكل عندنا، ولا غرابة في بناء مشهور على ضعيف. نقله الشيخ عبد الباقي. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر هنا ما للحطاب لا ما للأجهوري، والله سبحانه أعلم.

стр. 1535

واعلم أن جمهور المفسرين على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، صلاة العيد ونحر الأضحية: وقال البيضاوي: ليس المراد بصل صلاة العيد، ولا بالنحر نحر الأضحية، بل دُمْ على الصلاة خالصا لوجه الله تعالى شكرا لإنعامه؛ فإن الصلاة جامعة لأنواع الشكر، خلاف الساهي عنها المراءي فيها. وانحر البدن التي هي خيار أموال العرب: وتصدق على المحاويج، خلافا لمن يَدُعُّهُم. من حل النافلة للزوال؛ يعني أن أول وقت صلاة العيد فطرا أو أضحى، من ارتفاع الشمس قيد رمح: وهو الوقت الذي تحل فيه صلاة النفل: ويمتد وقتها إلى أن تزول الشمس عن كبد السماء، فإذا زالت خرج وقتها فلا تقضى بعد الزوال؛ أي بمجرد الزوال ينقضي وقتها ولو أدرك منها ركعة قبله؛ وهذا مذهب أحمد والجمهور. وقال الشافعي: أول وقتها بعد طلوع الشمس، وإن لم ترتفع قيد رمح، ويسن تأخيرها عنده إلى أن ترتفع قيد رمح، ولم يقل إن وقتها طلوع الشمس، كما ظن ذلك. ويجوز الاقتداء بشافعي صلاها عقب الطلوع بمنزلة الاقتداء بالمخالف في الفروع، ولا أذان لها، ولا إقامة لا في مسلم وأبي داوود والترمذي: (عن جابر بن سمرة ﵁ أنه قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة بغير أذان ولا إقامة (١))، وقوله: "من حل النافلة"، مقتضى كلام غير واحد أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي وأول وقتها من حل النافلة، ولا ينادى الصلاة جامعة: يعني أنه يكره أن ينادى لأجل إقامة صلاة العيد بهذا اللفظ، أعني: الصلاة جامعة، وصرح بالكراهة في التوضيح والشامل والجزولي، وصرح ابن ناجي وابن عمر وغيرهما بأنه بدعة، فما في الخرشي وغيره من أن قول ابن ناجي: إنها بدعة، يرده الحديث؛ لأنه صح أنه ﵊ نادى فيها: (الصلاة جامعة) (٢) -انتهى- غير صواب؛ وهو

стр. 1536

مردود بأن الحديث لم يرد في العيد، وإنما ورد في الكسوف (١))، كما في المواق، والتوضيح، وغيرهما عن الإكمال، وقياس العيد عليه غير ظاهر لتكرر العيد وشهرته وندور الكسوف. وفي المواق أول باب الأذان: أن عياضا استحسن أن يقال عند كل صلاة لا يؤذن لها: الصلاة جامعة، لكن لم يعرج عليه المصنف. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "الصلاة جامعة"، يصح في اللفظين الرفع على الابتداء والخبرية، ونصبهما على الإغراء في الأول والحال في الثاني، ورفع الأول ونصب الثاني على أن الأول مبتدأ حذف خبره، والثاني حال؛ أي الصلاة حضرت حال كونها جامعة، وعكسه على أن الأول منصوب على الإغراء، والثاني على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي الزموا الصلاة؛ وهي جامعة، وقوله: "الصلاة جامعة"، نائب فاعل "ينادى"، مرفوع بضمة مقدرة على آخر جزء منه، منع من ظهورها وجوب الحكاية. انظر الخرشي. وافتتح بسبع تكبيرات؛ يعني أن المصلي صلاة العيد يأتي بسبع تكبيرات قبل القراءة في الركعة الأولى، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: أن تقديم التكبير على القراءة سنة، فإنه قال: وافتتح استنانا فيما يظهر، وفي الشبراخيتي: الظاهر أنه مستحب، وجزم به في الحاشية، فقال: الاستفتاح بالتكبيرات السبع مستحب. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: فإن قيل قوله: "بسبع"، لا يظهر؛ لأن تكبيرة الإحرام إحدى السبع، ولا يصح أن يقال إن تقديمها سنة أو مستحب كما هو ظاهر، قيل: معناه مجموع السبع، فلا ينافي أن تكبيرة الإحرام يجب الافتتاح بها. والله سبحانه أعلم. بالإحرام؛ يعني أن التكبيرات السبع من جملتها الإحرام، فليست سبعا غيرها، خلافا للشافعي، والأوزاعي، وإسحاق في أن السبع غيرها. وقوله: "بالإحرام"، قال الشيخ إبراهيم: متعلق "بسبع"، والباء باء الصيرورة؛ أي صيرورتها سبعا بالإحرام، ولا يصح أن تكون للسببية؛ لأن الإحرام ليس سببا للسبع، ولا للمعية، ولا للملاصقة، ولا للملابسة؛ لأنه يقتضي أن تكون

стр. 1537

التكبيرات ثمانية كالشافعي، وقوله: "افتتح بسبع تكبيرات بالإحرام"، تكبيرة الإحرام، هي الأولى منهن كما صرح به غير واحد؛ وهو بين ظاهر. تنبيهات: الأول: قال أشهب: وإن كبر الإمام في الأولى أكثر من سبع، وفي الثانية أكثر من خمس، لم يتبع. قاله في النوادر. عن كتاب محمد، ونقله اللخمي والمصنف في التوضيح، وصاحب الشامل، وابن عرفة وغيرهم: ولم يحك أحد من أهل المذهب في ذلك خلافات وظاهر كلامهم: سواء زاد ذلك عمدا أو سهوا؛ وهو ظاهر كلام سند. ونصه: إذا زاد لا يتبع لأنه غير صواب، والخطأ لا يتبع فيه. انتهى. قاله الحطاب. الثاني: قال في مختصر الواضحة: لو جهل الإمام أو سها أو قصر فلم يكبر السبع أو الخمس، لوجب على الناس أن يكبروا. قاله الحطاب. الثالث: لو كان الإمام يرى التكبير في الثانية بعد الركوع كالحنفية، فالظاهر أن المأموم يؤخر التكبير تبعا للإمام، كما إذا أخر القنوت أو السجود القبلي. قاله الإمام الحطاب. وسيأتي عن الشيخ عبد الباقي خلافه، وبحث معه الشيخ بناني، واستظهر ما للحطاب. والله سبحانه أعلم. الرابع: قال في النوادر: قال ابن حبيب: وليجهر من خلفه بالتكبير جهرا يسمع من يليه انتهى. قاله الحطاب. الخامس: قال المازري في شرح التلقين: قال بعض أصحاب الشافعي: إذا نسي تكبيرة من تكبيرات العيد لم يسجد للسهو، وذكر أن مالكا وأبا ثور قالا: يسجد، واحتج علينا بأنها هيئة من هيئات الصلاة، فلا يسجد لتركها كوضع اليمين على الشمال، وقال مالك في مختصر ابن شعبان: من سها في العيد فزاد تكبيرة واحدة سجد بعد السلام: ولم يراع مالك في هذه الرواية خفة السهو، فانظره. قاله الحطاب. السادس. قال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "وافتتح بسبع تكبيرات بالإحرام"، فليس سبعا غيرها، خلافا للشافعي، ولو اقتدى المالكي به: قال أحمد: -قياسا على عدم وجوب الفاتحة- علينا باقتدائنا به. انتهى.

стр. 1538

ثم بخمس؛ يعني أن المصلي صلاة العيد يأتي بخمس تكبيرات في الركعة الثانية قبل القراءة، يأتي بها بعد تمام قيامه، فلذا قال: غير القيام، ولم يقل: بست بالقيام؛ لأن تكبير القيام يفعل حال القيام؛ لأنه تكبير الرفع من السجود، والخمس بعد تمام القيام، قال عبد الباقي: ويكبرها قبل القراءة، ولو ائتم بحنفي يؤخرها بعد القراءة في الركعة الثانية، هذا هو الظاهر، لا ما استظهره الحطاب من تأخيره، قياسا على تأخير المالكي القنوت خلف شافعي يقنت بعد الركوع، للفرق بأن مخالفته فيه يلزم عليه عدم تبعيته في ركن فعلي؛ وهو الركوع بخلاف ما هنا. انتهى. وهذا الذي ذكرفى عبد الباقي هو الصواب، كما دعمه الرهوني بالنقول، فانظره إن شئت، لا ما للحطاب وبناني. والله سبحانه أعلم. وقد نص غير واحد على أن كل واحدة من تكبير العيد سنة مؤكدة، يسجد الإمام والفذ لنقص واحدة منه سهوا قبل السلام، وكذا يسجد بعد السلام لزيادتها. والله أعلم. وقد علمت أنه لا يتبع الإمام إن زاد على السبع أو الخمس، كما لا يتبع إن نقص عن ذلك. والله سبحانه أعلم. واعلم أن جملة تكبير العيد في كلتا الركعتين إحدى عشرة، كتكبير الصلاة في ركعتين، فالجملة اثنان وعشرون تكبيرة قدر ما في الرباعية من التكبير. واختلف، هل مشروعيته تعبد أو معلل؟ (بأن الحسن والحسين لما أبطآ بالكلام، خرج بهما رسول الله ﷺ إلى المصلى يوم عيد، فلما كبر تكبيرة الإحرام للعيد كبرا، فكرر رسول الله ﷺ التكبير لينطلقا في الكلام، فتابعا في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا، واستمرت السنة على ذلك). قاله التتائي على الرسالة، نقله الشيخ عبد الباقي. والأصل فيما ذكر المصنف ما في الترمذي (أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الثانية خمسا قبل القراءة (١))، ويجهر من خلف الإمام بقدر إسماع

стр. 1539

من يليه، ولا بأس بالزيادة لإسماع من لا يسمع الإمام أو يجهل التكبير. موالى حال من التكبير في الأولى والثانية، أو معمول لمقدر؛ أي يكون التكبير موالى؛ أي لا يفصل بين آحاد التكبير ندبا، فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. إلا بتكبير المؤتم؛ يعني أن المصلي لصلاة العيد يوالي التكبيرات السبع في الأولى والخمس في الثانية، إلا الإمام؛ فإنه يستحب له أن يسكت بقدر تكبير المؤتم، ولا يتابعه خشية التخليط على المأموم، وندب للمأموم متابعة الإمام فيه، وفهم من المصنف أن من صلى وحده يتابع التكبيرة وهو كذلك كما صرح به الحطاب عن ابن فرحون؛ فإنه نقل عنه ما نصه: من صلى وحده، فإنه يتابع التكبير؛ لأن الإمام إنما يتربص خشية التخليط على من خلفه. انتهى. بلا قول؛ يعني أن المصلي لصلاة العيد لا يقول في خلال تكبيره تسبيحا ولا تحميدا ولا تهليلا؛ لأنه لم ينقل عنه ﷺ فيه شيء؛ وهو مكروه. أو خلاف الأولى، وقالت الشافعية: يهلل ويحمد بين كل تكبيرتين بقدر آية معتدلة. وتحراه مؤتم لم يسمع؛ يعني أن المأموم إذا لم يسمع التكبير في صلاة العيد من إمام ولا مأموم ولا مسمع؛ فإنه يتحرى تكبير الإمام، وفاعل "تحراه": "مؤتم"، والضمير البارز عائد على التكبير، ومعنى التحري أن يقدر في نفسه أن الإمام كبر على حسب ما أداه إليه اجتهاده، فيتابعه في تكبيره. وكبر ناسيه؛ يعني أن من نسي التكبير في صلاة العيد فذا أو إماما أو مأموما، يأتي به على سبيل السنية في غير الإحرام، وقوله: "وكبر ناسيه"، لا مفهوم للناسي، فتاركه عمدا يأتي به كالناسي له، ومحل الإتيان بالتكبير المتروك عمدا أو سهوا إن لم يفت؛ بأن لم يركع، فإن ركع فات فعله كما يذكره قريبا. وسجد بعده؛ يعني أن المصلي لصلاة العيد إذا نسي التكبير حتى قرأ، فإنه يعيد القراءة ويسجد بعد السلام لزيادة القراءة التي أعادها إن كان فذا أو إماما، لا إن كان مأموما لحمل الإمام عنه، واستغنى المصنف عن ذكر إعادة القراءة لأنه لا سبب للسجود غير إعادتها. وذكر الشيخ محمد بن الحسن هنا عن القلشاني: أن من قدم السورة على الفاتحة يعيد السورة بعد الفاتحة، ولا سجود عليه. انتهى. وفي الشبراخيتي عند قوله: "وسجد بعده": وانظر ما حكم

стр. 1540

إعادة القراءة؟ فإن ترك إعادتها لم تبطل صلاته، وانظر إذا نسي بعض التكبير حتى قرأ، هل يبني على ما فعله قبلها، أو يبتدئ؟ وهو الظاهر. انتهى وفي الخرشي: وانظر إذا ذكره في أثناء القراءة وفعله، هل يبني على ما قرأ أو يبتدئ؟ وهو الظاهر. انتهى. وقد مر أن المصنف استغنى عن ذكر إعادة القراءة؛ لأنه لا سبب للسجود غير إعادتها، قال الإمام الحطاب: ولله دره ما ألطف اختصاره، ولم يقيد السجود بغير المؤتم هنا، كما قيد المسألة التي قبلها لأنه لا يتصور هنا ترتب السجود على المؤتم؛ لأن السجود إنما يترتب فيها على إعادة القراءة، والمؤتم لا تطلب منه القراءة وهو واضح. انتهى. وأيضا لا سهو على مؤتم حالة القدوة، وسيأتي قريبا عن عبد الباقي وغيره أن قوله: "غير المؤتم"، يتنازعه قوله: "وسجد بعده"، وقوله: "وسجد". وإلا؛ بأن لم يذكر التكبير حتى ركع بأن انحنى، كما تقدم في قوله: كسر وتكبير عيد، تهادف على ترك التكبير، فلا يأتي به خلافا لأبي حنيفة، فلو رجع له فالظاهر البطلان، وليس كمن رجع للجلوس الأول؛ لأن القراءة ركن مختلف فيه، وأما الركوع فهو متفق عليه. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وإلا تمادى"، وأحرى في التمادي إذا رفع رأسه. قال في النوادر: ومن سها عن شيء من التكبير سجد قبل السلام، ولا يقضي تكبير ركعة في ركعة أخرى. وسجد غير المؤتم قبله؛ يعني أن من نسي التكبير في العيد أو شيئا منه حتى ركع، فاته فعله ويتمادى على -تركه كما علمت- ويسجد قبل السلام لنقصه التكبير إن كان فذا أو إماما، وقوله: "غير المؤتم"، قال عبد الباقي وغيره: يتنازع فيه "وسجد بعده"، "وسجد"، هذه. وقال الرهوني: إن ذلك غير صحيح؛ لأن قوله: "وسجد بعده"، قد أخذ فاعله، وهو الضمير العائد على ناسيه، وأما المؤتم فمن العلوم أن الإمام يحمل عنه ذلك. وهنا واقعة وهي: شافعي أو حنفي إمام عيد، ترك تكبيرة في الركعة الثانية، وعند كل منهما صلاته صحيحة، ولا سجود عليه، فللمالكي المقتدي ثلاث حالات: الأولى إتيانه به وصحة صلاته ظاهرة، الثانية تركه سهوا فلا سجود عليه لقوله: "ولا سهو على مؤتم حالة القدوة"، ولا

стр. 1541

يأتي فيه قوله: "وإلا سجد ولو ترك إمامه". قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر أنه يسجد في هذه والله سبحانه أعلم. الثالثة: تركه عمدا وصلاته صحيحة؛ لأنه لا مفهوم لقوله: "ولا سهو على مؤتم حالة القدوة"، ولا يدخل في قوله: "وهل بتعمد ترك سنة"؛ الخ لأن محل الخلاف في الإمام والنفرد -كما مر- وصحة صلاته أيضا ظاهرة من صحة الاقتداء بالمخالف مع رؤية المنافي لصحة الصلاة. ومدرك القراءة يكبر؛ يعني أن من أدرك قراءة الإمام في صلاة العيدين في الركعة الأولى أو الثانية، يكبر والإمام يقرأ. ولا يصبر حتى يفرغ الإمام من القراءة، وكذا من أدرك بعض التكبير بالأولى، فيتابعه فيما أدركه، ثم يأتي بما فاته، ولا يأتي بما فاته من التكبير في حال تكبير الإمام. وقوله: "ومدرك القراءة يكبر" كلام لعجمل فصَّله بما بعده. ولما شمل قوله: "ومدرك القراءة يكبر"، مدرك الأولى، والأمر فيه واضح من أنه يكبر سبعا بالإحرام، ومدرك الثانية وفيه خلاف، بيَّن مختاره منه بقوله: فمدرك الثانية يكبر خمسا؛ يعني أن من أدرك قراءة الإمام في الركعة الثانية من صلاة العيد يكبر خمس تكبيرات غير تكبيرة الإحرام؛ أي يكبر ستا بالإحرام بناء على أن ما أدرك مع الإمام آخر صلاته. ثم بعد سلام الإمام يقوم لقضاء ما عليه ويكبر سبعا. أي سبع تكبيرات بالقيام؛ يعني أن تكبيرة القيام هي تمام التكبيرات السبع، ويشكل على هذا ما تقدم من أن من أدرك مع الإمام ركعة لا يقوم بالتكبير. وأجيب بأن لابن القاسم في هذا الأصل قولين، أحدهما السابق، والآخر أنه يقوم بالتكبير مطلقا. قاله الشبراخيتي. ومعنى قوله: مطلقا، أدرك شفعا أو وترا. والله سبحانه أعلم. وأما على أن ما أدرك مع الإمام أول صلاته، فإنه يكبر سبعا ويقضي خمسا فإن لم يدر هل الإمام في الأولى أو الثانية؟ فالظاهر تكبيره سبعا بالإحرام: ثم إن تبين أنها الأولى فظاهر، وإن تبين أنها الثانية قضى الأولى بست، ويجري فيه ما يأتي، ولا يحتسب بما كبره حين دخوله للاحتياط. قاله

стр. 1542

الشيخ عبد الباقي. وفي الشبراخيتي: والقياس أنه يسأل عن (١) المأمومين، فيشيرون له، فإن فهم فلا إشكال، وإلا بنى على أنها الأولى احتياطا. انتهى. وإن فاتت قضى الأولى بست؛ يعني أن من فاتته صلاة العيد مع الإمام إلا أنه أدرك دون ركعة، يكبر تكبيرة الإحرام، ويتبعه فيما يفعل، فإذا سلم الإمام قام لقضاء صلاته، ويكبر للركعة الأولى ست تكبيرات، وهل بغير القيام؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا، هل يقوم بتكبير كما يفعل كل من أدرك دون ركعة؟ وعليه فيكون تكبيره بعد سلام الإمام وقبل القراءة سبعا؛ وهو فهم ابن رشد، وابن راشد، وسند، أو لا يكبر؟ بل يقوم من غير تكبير، وعليه فيأتي بست تكبيرات فقط، ويعتد بالتكبيرة التي كبرها قبل جلوسه، فلا يعيدها؛ وهو فهم عبد الحق في ذلك، تأويلان، وقد علمت صاحب كل تأويل، وسكت المصنف عن عدد تكبيره في قضاء الثانية، وهو خمس غير القيام لوضوحه، والفرق على أنه لا يكبر للقيام هنا، مع أن من أدرك دون ركعة من الصلاة مع الإمام يقوم بتكبير، أن تكبيره للعيد بعد قيامه قام مقام ذلك، فلم يخل انتهاء قيامه من تكبير، وكلام المصنف يقتضي أنه يكبر للقيام قطعا. والخلاف في كونها من الست أو زائدة عليها وليس كذلك، بل التكبيرات ست، واختلف، هل يزيد عليها سابعة؛ لأن مدرك دون ركعة يقوم بتكبير، أو لا يزيد عليها للقيام سابعة؟ بل يقتصر على التكبيرات الست، ولا يكبر للقيام؛ لأن التكبير الحاصل بعد قيامه يقوم مقام تكبيرة القيام، فلم يخل انتهاء قيامه من تكبير. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإن فاتت قضى الأولى بست" الخ، خلافا لابن وهب، قال: لا يدخل من فاتته الثانية. قاله الأمير، وعليه فإن دخل قطع كما في الخرشي. ولما فرغ من كيفية صلاة العيدين، شرع في مندوباتها، فقال: وندب إحياء ليلته؛ يعني أنه يستحب إحياء ليلة العيد فطرا أو أضحى بكل ما هو خير، ففي نقل الحطاب: استحب إحياء ليلتي العيد بذكر الله تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات. انتهى. وقوله: "وندب إحياء ليلته"،

стр. 1543

لخبر: (من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب (١))، وفي لفظ: (من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة ليلة العروبة وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر (٢))، وفي لفظ سنده ضعيف: (من أحيا ليلتي العيد محتسبا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب (٣)) قوله: لم يمت قلبه؛ أي بمحبة الدنيا حتى تصده عن الآخرة، كما جاء: (لا تجالسوا الموتى؛ أي أهل الدنيا). وقال بعضهم: المراد لا يتحير قلبه عند النزع، ولا عند سؤال الملكين، ولا في القيامة: والمراد باليوم على المعنى الثاني: الزمن الشامل لوقت النزع، وزمن القبر، ويوم القيامة. وأما على المعنى الأول، فالمراد به الزمن الذي يحصل به موت القلوب بحب الدنيا؛ أي لم يمت قلبه بحب الدنيا في زمن موت القلوب بحبها. واختلف العلماء فيما يحصل به الإحياء. ابن الفرات: الأظهر لا يحصل إلا بمعظم الليل. وقيل: بساعة. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وظاهر المصنف كالخبر أن الندب لإحياء جميعه، وألحق معظمه به بعضهم، واستظهره ابن الفرات، وقيل: بساعة، ونحوه للنووي في الأذكار: وقيل: يحصل بصلاة الصبح والعشاء في جماعة. انتهى. وفي الجامع الكبير للسيوطي: (من صلى العشاء الآخرة في جماعة فكأنما صلى الليل، ومن صلى الغداة في جماعة فكأنما صلى النهار كله (٤)). انتهى. وغسل؛ يعني أنه يندب الاغتسال للعيدين؛ أي يستحب، وكلما وقع في المختصر ندب فمعناه الاستحباب. قاله الخرشي. ومبدأ وقت اغتسال العيدين من السدس الأخير من الليل، وما ذكره المصنف من ندب الغسل للعيدين هو المشهور: ورجح اللخمي وسند سنيته، وقال الفاكهاني: المشهور أنه سنة، وفي الحطاب وغيره: ومن كان ذا ريح وأحب شهود العيد، وجب عليه الاغتسال لإزالة ذلك. انتهى. وندب أيضا كون غسل العيدين بعد صلاة الصبح؛ فهو مستحب

стр. 1544

ثان فإن اغتسل قبل الصلاة في وقته فاتته هذه الفضيلة، وحصل فضيلة الغسل، ولا يشترط في غسل العيدين اتصاله بالذهاب إلى المصلى، لكن يستحب، فإن لم يتصل فلا يعاد، وروى ابن القاسم: إن دخل منزلة بعد صلاة الصبح لم يجزه قياسا على الجمعة. انتهى. وتطيب؛ يعني أنه يستحب التطيب في العيدين؛ بأي طيب كان. وتزين؛ يعني أنه يستحب في العيدين التزين بالثياب الجديدة، وتحسين الهيئة من قص شارب ونحوه؛ فإنه من كمال التطيب، بل لا تظهر للتطيب فائدة إذا كان البدن دنسا، وهذا في غير النساء. وأما النساء إذا خرجن فلا يتطيبن، ولا يتزيَّنَّ وإن كن عجائز، خوف الافتتان بهن، ومن قدر على شيء من إظهار الزينة في الأعياد بالطيب فلا ينبغي له تركه زهدا وتقشفا ويرى أن تركه أحسن، فمن ترك ذلك رغبة عنه مع القدرة عليه فهو مبتدع. قاله الحطاب. وفيه عن الطراز: ولا ينكر فيه نحو لعب الصبيان والضرب بالدف، فقد ورد (١)). قاله الشيخ الأمير. وإن لغير مصل؛ يعني أن التطيب والتزين في العيدين يندبان للمصلي صلاة العيدين وغيره، فالمبالغة راجعة للتطيب والتزين، هذا ما عليه جمهور الشارحين. وعليه فلا يغتسل إلا المصلي، وفي الحطاب: والظاهر رجوعه للغسل أيضا، لقول الجزولي في باب العيدين: يغتسل من يؤمر بالخروج إلى الصلاة، ومن لا يؤمر بها لأن الغسل لليوم لا للصلاة، بخلاف الجمعة، ونحوه لابن فرحون. قال الشيخ عبد الباقي: وعلى ما استظهره الحطاب، فندب الإحياء خاص بالمصلي. انتهى. وفي الشبراخيتي: وأما الإحياء، فالظاهر أنه لا يخاطب به إلا من يخاطب بالعيد على وجه السنية أو الاستحباب. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وكتب الوالد ينبغي أن يرجع للإحياء أيضا. ومشي في ذهابه؛ يعني أنه يستحب أن يكون في ذهابه إلى العيد ماشيا على رجليه؛ لأنه عبد ذاهب إلى ربه ليتقرب إليه، فينبغي أن يكون راجلا متذللا؛ وهو سير العبد إلى مولاه، فإن ركب

стр. 1545

خالف الأوْلَى فقط من غير كراهة، إلا أن يشق عليه المشي لعلة ونحوها. وفي الحطاب عن سند: اتفق الكافة على استحباب المشي، ولا يستحب المشي في رجوعه لفراغ القربة. وندب رجوعه من طريق غير التي ذهب منها، (لما صح أنه ﷺ كان يفعل ذلك (١)) لتعم بركته الناس من كل جهة، ولشهود الطريقين له بذلك، وروي عن النبي ﷺ (أنه كان يخرج إلى العيد ماشيا) (٢): وفي أبي داوود عن ابن عمر ﵄، قال: (كان رسول الله ﷺ يأخذ يوم العيد في طريق، ثم يرجع في طريق (٣))، وفي الترمذي: عن علي ﵁، قال: (من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج (٤))، ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى: وفطر قبله في الفطر؛ يعني أنه يستحب للشخص أن يفطر قبل ذهابه إلى صلاة العيد في يوم الفطر، قال الشيخ عبد الباقي: على تمر وترا، وفي البخاري والترمذي: عن أنس ﵁: قال: (كان النبي ﷺ لا يغدو على الصلاة يوم الفطر حتى يأكل تمرات وترا (٥))، رواه في التيسير، وفي كتاب الشيخ الأمير: والأفضل بوتر رطب ثم تمرت وفي مختصر الوقار) (٦): أن يطعم يوم الفطر بعد صلاة الصبح شيئا من الحلو (٧) إن أمكن قبل صعوده المصلى. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وبما قررت علم أن الضمير في قوله: "قبله"، عائد على الذهاب، وتأخيره في النحر؛ يعني أنه يندب تأخير الفطر في النحر عن الصلاة، وفي التلقين: يستحب في الأضحى تأخير الفطر إلى الرجوع من المصلى. المازري: وليكن، وفي بعض النسخ ليكون أول طعامه من لحم قربته: وقال
следующие страницы →