← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

يأتي فيه قوله: "وإلا سجد ولو ترك إمامه". قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر أنه يسجد في هذه والله سبحانه أعلم. الثالثة: تركه عمدا وصلاته صحيحة؛ لأنه لا مفهوم لقوله: "ولا سهو على مؤتم حالة القدوة"، ولا يدخل في قوله: "وهل بتعمد ترك سنة"؛ الخ لأن محل الخلاف في الإمام والنفرد -كما مر- وصحة صلاته أيضا ظاهرة من صحة الاقتداء بالمخالف مع رؤية المنافي لصحة الصلاة. ومدرك القراءة يكبر؛ يعني أن من أدرك قراءة الإمام في صلاة العيدين في الركعة الأولى أو الثانية، يكبر والإمام يقرأ. ولا يصبر حتى يفرغ الإمام من القراءة، وكذا من أدرك بعض التكبير بالأولى، فيتابعه فيما أدركه، ثم يأتي بما فاته، ولا يأتي بما فاته من التكبير في حال تكبير الإمام. وقوله: "ومدرك القراءة يكبر" كلام لعجمل فصَّله بما بعده. ولما شمل قوله: "ومدرك القراءة يكبر"، مدرك الأولى، والأمر فيه واضح من أنه يكبر سبعا بالإحرام، ومدرك الثانية وفيه خلاف، بيَّن مختاره منه بقوله: فمدرك الثانية يكبر خمسا؛ يعني أن من أدرك قراءة الإمام في الركعة الثانية من صلاة العيد يكبر خمس تكبيرات غير تكبيرة الإحرام؛ أي يكبر ستا بالإحرام بناء على أن ما أدرك مع الإمام آخر صلاته. ثم بعد سلام الإمام يقوم لقضاء ما عليه ويكبر سبعا. أي سبع تكبيرات بالقيام؛ يعني أن تكبيرة القيام هي تمام التكبيرات السبع، ويشكل على هذا ما تقدم من أن من أدرك مع الإمام ركعة لا يقوم بالتكبير. وأجيب بأن لابن القاسم في هذا الأصل قولين، أحدهما السابق، والآخر أنه يقوم بالتكبير مطلقا. قاله الشبراخيتي. ومعنى قوله: مطلقا، أدرك شفعا أو وترا. والله سبحانه أعلم. وأما على أن ما أدرك مع الإمام أول صلاته، فإنه يكبر سبعا ويقضي خمسا فإن لم يدر هل الإمام في الأولى أو الثانية؟ فالظاهر تكبيره سبعا بالإحرام: ثم إن تبين أنها الأولى فظاهر، وإن تبين أنها الثانية قضى الأولى بست، ويجري فيه ما يأتي، ولا يحتسب بما كبره حين دخوله للاحتياط. قاله

стр. 1542

الشيخ عبد الباقي. وفي الشبراخيتي: والقياس أنه يسأل عن (١) المأمومين، فيشيرون له، فإن فهم فلا إشكال، وإلا بنى على أنها الأولى احتياطا. انتهى. وإن فاتت قضى الأولى بست؛ يعني أن من فاتته صلاة العيد مع الإمام إلا أنه أدرك دون ركعة، يكبر تكبيرة الإحرام، ويتبعه فيما يفعل، فإذا سلم الإمام قام لقضاء صلاته، ويكبر للركعة الأولى ست تكبيرات، وهل بغير القيام؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا، هل يقوم بتكبير كما يفعل كل من أدرك دون ركعة؟ وعليه فيكون تكبيره بعد سلام الإمام وقبل القراءة سبعا؛ وهو فهم ابن رشد، وابن راشد، وسند، أو لا يكبر؟ بل يقوم من غير تكبير، وعليه فيأتي بست تكبيرات فقط، ويعتد بالتكبيرة التي كبرها قبل جلوسه، فلا يعيدها؛ وهو فهم عبد الحق في ذلك، تأويلان، وقد علمت صاحب كل تأويل، وسكت المصنف عن عدد تكبيره في قضاء الثانية، وهو خمس غير القيام لوضوحه، والفرق على أنه لا يكبر للقيام هنا، مع أن من أدرك دون ركعة من الصلاة مع الإمام يقوم بتكبير، أن تكبيره للعيد بعد قيامه قام مقام ذلك، فلم يخل انتهاء قيامه من تكبير، وكلام المصنف يقتضي أنه يكبر للقيام قطعا. والخلاف في كونها من الست أو زائدة عليها وليس كذلك، بل التكبيرات ست، واختلف، هل يزيد عليها سابعة؛ لأن مدرك دون ركعة يقوم بتكبير، أو لا يزيد عليها للقيام سابعة؟ بل يقتصر على التكبيرات الست، ولا يكبر للقيام؛ لأن التكبير الحاصل بعد قيامه يقوم مقام تكبيرة القيام، فلم يخل انتهاء قيامه من تكبير. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإن فاتت قضى الأولى بست" الخ، خلافا لابن وهب، قال: لا يدخل من فاتته الثانية. قاله الأمير، وعليه فإن دخل قطع كما في الخرشي. ولما فرغ من كيفية صلاة العيدين، شرع في مندوباتها، فقال: وندب إحياء ليلته؛ يعني أنه يستحب إحياء ليلة العيد فطرا أو أضحى بكل ما هو خير، ففي نقل الحطاب: استحب إحياء ليلتي العيد بذكر الله تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات. انتهى. وقوله: "وندب إحياء ليلته"،

стр. 1543

لخبر: (من أحيا ليلتي العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب (١))، وفي لفظ: (من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة ليلة العروبة وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر (٢))، وفي لفظ سنده ضعيف: (من أحيا ليلتي العيد محتسبا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب (٣)) قوله: لم يمت قلبه؛ أي بمحبة الدنيا حتى تصده عن الآخرة، كما جاء: (لا تجالسوا الموتى؛ أي أهل الدنيا). وقال بعضهم: المراد لا يتحير قلبه عند النزع، ولا عند سؤال الملكين، ولا في القيامة: والمراد باليوم على المعنى الثاني: الزمن الشامل لوقت النزع، وزمن القبر، ويوم القيامة. وأما على المعنى الأول، فالمراد به الزمن الذي يحصل به موت القلوب بحب الدنيا؛ أي لم يمت قلبه بحب الدنيا في زمن موت القلوب بحبها. واختلف العلماء فيما يحصل به الإحياء. ابن الفرات: الأظهر لا يحصل إلا بمعظم الليل. وقيل: بساعة. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وظاهر المصنف كالخبر أن الندب لإحياء جميعه، وألحق معظمه به بعضهم، واستظهره ابن الفرات، وقيل: بساعة، ونحوه للنووي في الأذكار: وقيل: يحصل بصلاة الصبح والعشاء في جماعة. انتهى. وفي الجامع الكبير للسيوطي: (من صلى العشاء الآخرة في جماعة فكأنما صلى الليل، ومن صلى الغداة في جماعة فكأنما صلى النهار كله (٤)). انتهى. وغسل؛ يعني أنه يندب الاغتسال للعيدين؛ أي يستحب، وكلما وقع في المختصر ندب فمعناه الاستحباب. قاله الخرشي. ومبدأ وقت اغتسال العيدين من السدس الأخير من الليل، وما ذكره المصنف من ندب الغسل للعيدين هو المشهور: ورجح اللخمي وسند سنيته، وقال الفاكهاني: المشهور أنه سنة، وفي الحطاب وغيره: ومن كان ذا ريح وأحب شهود العيد، وجب عليه الاغتسال لإزالة ذلك. انتهى. وندب أيضا كون غسل العيدين بعد صلاة الصبح؛ فهو مستحب

стр. 1544

ثان فإن اغتسل قبل الصلاة في وقته فاتته هذه الفضيلة، وحصل فضيلة الغسل، ولا يشترط في غسل العيدين اتصاله بالذهاب إلى المصلى، لكن يستحب، فإن لم يتصل فلا يعاد، وروى ابن القاسم: إن دخل منزلة بعد صلاة الصبح لم يجزه قياسا على الجمعة. انتهى. وتطيب؛ يعني أنه يستحب التطيب في العيدين؛ بأي طيب كان. وتزين؛ يعني أنه يستحب في العيدين التزين بالثياب الجديدة، وتحسين الهيئة من قص شارب ونحوه؛ فإنه من كمال التطيب، بل لا تظهر للتطيب فائدة إذا كان البدن دنسا، وهذا في غير النساء. وأما النساء إذا خرجن فلا يتطيبن، ولا يتزيَّنَّ وإن كن عجائز، خوف الافتتان بهن، ومن قدر على شيء من إظهار الزينة في الأعياد بالطيب فلا ينبغي له تركه زهدا وتقشفا ويرى أن تركه أحسن، فمن ترك ذلك رغبة عنه مع القدرة عليه فهو مبتدع. قاله الحطاب. وفيه عن الطراز: ولا ينكر فيه نحو لعب الصبيان والضرب بالدف، فقد ورد (١)). قاله الشيخ الأمير. وإن لغير مصل؛ يعني أن التطيب والتزين في العيدين يندبان للمصلي صلاة العيدين وغيره، فالمبالغة راجعة للتطيب والتزين، هذا ما عليه جمهور الشارحين. وعليه فلا يغتسل إلا المصلي، وفي الحطاب: والظاهر رجوعه للغسل أيضا، لقول الجزولي في باب العيدين: يغتسل من يؤمر بالخروج إلى الصلاة، ومن لا يؤمر بها لأن الغسل لليوم لا للصلاة، بخلاف الجمعة، ونحوه لابن فرحون. قال الشيخ عبد الباقي: وعلى ما استظهره الحطاب، فندب الإحياء خاص بالمصلي. انتهى. وفي الشبراخيتي: وأما الإحياء، فالظاهر أنه لا يخاطب به إلا من يخاطب بالعيد على وجه السنية أو الاستحباب. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وكتب الوالد ينبغي أن يرجع للإحياء أيضا. ومشي في ذهابه؛ يعني أنه يستحب أن يكون في ذهابه إلى العيد ماشيا على رجليه؛ لأنه عبد ذاهب إلى ربه ليتقرب إليه، فينبغي أن يكون راجلا متذللا؛ وهو سير العبد إلى مولاه، فإن ركب

стр. 1545

خالف الأوْلَى فقط من غير كراهة، إلا أن يشق عليه المشي لعلة ونحوها. وفي الحطاب عن سند: اتفق الكافة على استحباب المشي، ولا يستحب المشي في رجوعه لفراغ القربة. وندب رجوعه من طريق غير التي ذهب منها، (لما صح أنه ﷺ كان يفعل ذلك (١)) لتعم بركته الناس من كل جهة، ولشهود الطريقين له بذلك، وروي عن النبي ﷺ (أنه كان يخرج إلى العيد ماشيا) (٢): وفي أبي داوود عن ابن عمر ﵄، قال: (كان رسول الله ﷺ يأخذ يوم العيد في طريق، ثم يرجع في طريق (٣))، وفي الترمذي: عن علي ﵁، قال: (من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج (٤))، ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى: وفطر قبله في الفطر؛ يعني أنه يستحب للشخص أن يفطر قبل ذهابه إلى صلاة العيد في يوم الفطر، قال الشيخ عبد الباقي: على تمر وترا، وفي البخاري والترمذي: عن أنس ﵁: قال: (كان النبي ﷺ لا يغدو على الصلاة يوم الفطر حتى يأكل تمرات وترا (٥))، رواه في التيسير، وفي كتاب الشيخ الأمير: والأفضل بوتر رطب ثم تمرت وفي مختصر الوقار) (٦): أن يطعم يوم الفطر بعد صلاة الصبح شيئا من الحلو (٧) إن أمكن قبل صعوده المصلى. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وبما قررت علم أن الضمير في قوله: "قبله"، عائد على الذهاب، وتأخيره في النحر؛ يعني أنه يندب تأخير الفطر في النحر عن الصلاة، وفي التلقين: يستحب في الأضحى تأخير الفطر إلى الرجوع من المصلى. المازري: وليكن، وفي بعض النسخ ليكون أول طعامه من لحم قربته: وقال

стр. 1546

التتائي في شرح الرسالة: وصرح في التلقين باستحباب التأخير: لخبر الدارقطني: (أنه ﵊ لم يكن يفطر يوم النحر حتى يرجع ليأكل من كبد أضحيته (١))، وهل ذلك لأن الكبد أيسر من غيره؛ أي أسرع نضجا من غيره؟ أو تفاؤلا؟ لما (جاء أن أول ما يأكل أهل الجنة عند دخولها كبد الثور الذي عليه الأرض، فتذهب عنهم مرارة الموت). انتهى. وقوله: الثور. وكذا النون أي الحوت كما ذكره أبو الحسن في الحديث: (نزل أهل الجنة زيادة كبد النون (٢))، والنزل بضم النون والزاي: ما يهيأ للنزيل، وفي التنزيل: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾، وقوله: "وتأخيره في النحر"، قال الشيخ عبد الباقي: وإن لم يُضَحِّ فيما يظهر حفظا لتأخير ﵊، وفي التيسير عن الترمذي عن بريدة ﵁، قال: (كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي (٣)). وفي حاشية الشيخ بناني ما يفيد أن التأخير عن الصلاة مستحب، وأن تأخيره إلى كبد أضحيته مستحب ثان. والله سبحانه أعلم. وقد صرح هو بذلك عن ظاهر ما في المواق عن المازري. والفرق بين الفطر والأضحى: أن الأول تقدمه صوم فشرع الأكل فيه قبل الغدو للمصلى لإظهار التمييز، قوله: "في الفطر" سبحان من بيده ملكوت كل شيء، فأوجب صوم يوم وحرم صوم يوم يليه. وخروج بعد الشمس؛ يعني أنه يندب للمصلي في العيد أن يخرج لصلاة العيد بعد طلوع الشمس لمن قرب منزلة، وإلا فقبلها بقدر ما يكون وصوله المصلى قبل الإمام. قاله اللخمي. وأما الإمام، فالسنة أن يؤخر حتى ترتفع الشمس وتحل النافلة، وقبل ذلك قليلا إذا كان أرفق بالناس؛ لأن للمأمومين أن ينتظروه في المصلى، ولا ينبغي له هو أن ينتظر أحدا، بل إذا وصل

стр. 1547

صلَّى. قاله الشيخ إبراهيم. ولو قال المؤلف: وخروج وبعد الشمس بالواو لكان أحسن؛ لأنه مندوب ثان. قاله الشيخ الخرشي. وفي كتاب الأمير: أن خروج الإمام، حين يجتمع الناس. وقال الشيخ عبد الباقي: وخروج بعد الشمس لإمام ومصل إن قربت داره، وإلا خرج بقدر إدراكها، وندب له تأخير خروجه عن خروج المأمومين، كما يدل عليه قوله: وهل لمجيء الإمام. وفي الحطاب عند قوله: "وخروج بعد الشمس". هذا في حق من كان منزلة قريبا. وقال ابن ناجي: وأما من بعد، فيأتي بحيث ما يكون وصوله قبل وصول الإمام، نص عليه اللخمي انتهى. ونقله ابن عرفة في حق المأمومين قال ابن عرفة: وغدو الإمام، روى أبو عمر: قدر ما يصل (١) له صلى وقد برزت الشمس، وروى اللخمي: قدر ما يصل له حلت الصلاة. ابن حبيب: إذا حل النفل وفوقه إن كان أرفق بالناس. انتهى. وقال الشبيبي: والسنة في وقت الخروج في حق الإمام أن يؤخر حتى ترتفع الشمس وتحل النافلة: وقبل ذلك قليلا إن كان ذلك أرفق بالناس، وأما في المصلين فبحسب قرب منازلهم وبعدها، وإن كان منزل الإمام بعيدا من المصلى أمر بالخروج بقدر ما إذا وصل حانت الصلاة انتهى. (وتكبير فيه) يعني أنه يندب لمن خرج لصلاة العيد أن يكبر في خروجه، هذا إذا كان خروجه (حينئذ) أي أن استحباب التكبير في الخروج لصلاة العيد فطرا أو أضحى إنما هو لمن خرج بعد طلوع الشمس؛ لأنه الوارد عن السلف، وإن خرج قبل طلوع الشمس فإنه يؤخر التكبير إلى أن تطلع الشمس على مذهب المدونة: قال عبد الباقي: لأنه ذكر شرع للصلاة، فلا يؤتى به قبل وقتها؛ إذ وقتها من حل النفل للزوال: وإلى هذا أشار بقوله: لا قبله؛ أي لا إن خرج قبل طلوع الشمس، فلا يستحب له التكبير في خروجه، بل يؤخره إلى أن تطلع الشمس؛ لأنه ذكر شرع لصلاة، فلا يؤتى به قبل وقتها: وتعقب بناني هذا التعليل بأن طلوع الشمس ليس وقت صلاة العيد. وصحح خلافه؛ يعني أن في المبسوط عن مالك: أن من خرج بعد صلاة الصبح لصلاة العيد

стр. 1548

يكبر: خلاف قوله: "لا قبله"، وقال ابن عبد السلام: إنه الأولى، فأشار بالتصحيح إلى قول ابن عبد السلام إنه الأولى. واعلم أن في المسألة أربعة أقوال ذكرها ابن عرفة بقوله: وفي ابتدائه بطلوع الشمس، والإسفار، أو انصراف صلاة الصبح، رابعها وقت غدو الإمام تحريا، الأول للخمي عنها، والثاني لابن حبيب، والثالث لرواية المبسوط، والرابع لابن مسلمة. وكلام المصنف صادق بما إذا كان خروجه بعد الإسفار أو قبله، لكن التصحيح إنما وقع في رواية المبسوط، فلذا حمل المصنف عليها؛ وهي مفروضة فيمن خرج بعد صلاة الناس، وإن لم يكن صلاها. قاله الشيخ إبراهيم. وعلم من هذا النقل أن ابتداء التكبير على الصحيح إنما هو بعد صلاة الصبح، ويكره أن يتقدم بالتكبير ويجيبه آخرون، ولا بأس بالتحزين فيه، ويكره التطريب. وجهر به؛ يعني أنه يستحب الجهر بهذا التكبير قدر ما يسمع نفسه ومن يليه وفوق ذلك، والزيادة على ذلك حتى يعقر حلقه من البدع، ويخرج عن حد السمت والوقار، وعلة كونه جهرا التنبيه للغير، وإظهار الشريعة، (١) وبذلك فارق تكبير الصلاة، ومعلوم أن المرأة لا تبلغ فيه الرجل بل تسمع نفسها ليس إلا، وقال التتائي في شرح الرسالة: ويكبر كل واحد في الطريق على حدته لا جماعة، فإنه بدعة. نقله الشيخ إبراهيم، وغيره. وهل لمجيء الإمام، قال الشيخ عبد الباقي. ولما بين ابتداءه ذكر الخلاف في انتهائه، فكأنه قال: وتكبيره في خروجه، وبعد دخوله المصلى، ولا يزال كذلك. انتهى؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في فهم قول المدونة: ويكبر في الطريق ويسمع نفسه ومن يليه، وفي المصلى حتى يخرج الإمام فيقطع، ففهمه ابن يونس على أن التكبير ينتهي عند مجيء الإمام. وهل المراد بمجيء الإمام ظهوره للمصلين أو دخوله المصلى قولان، قاله الشبراخيتي وغيره، وسيأتي عن بناني الكلام في ذلك. أو لقيام للصلاة؛ يعني أن من الشيوخ من فهم كلام المدونة على أن معناه أن التكبير ينتهي عند قيام الإمام للصلاة؛ أي دخوله فيها، قاله

стр. 1549

الأجهوري، ومن تبعه، لا عند مجيئه، وهو تأويل اللخمي، وعليه فيستمر يكبر، ولو جاء الإمام إلى المصلى حتى يقوم للصلاة في ذلك تأويلان جاريان في تكبير الإمام وغيره، قاله الشيخ محمد بن الحسن. وما مر من أن المراد بمجيء الإمام ظهوره على قول، وأن المراد بالقيام للصلاة الدخول فيهات قال الشيخ محمد بن الحسن: هو مخالف للمنصوص، قال ابن الحاجب: والقطع بحلول الإمام محل الصلاة، وقيل محل العيد التوضيح: أي محل صلاة الإمام نفسه، ومحل العيد هو المصلى أي محل اجتماع الناس. انتهى ومثله لابن عبد السلام. قال الرماصي: فقول الأجهوري ومن تبعه: المراد بقيامه للصلاة دخوله فيها غير ظاهر. انتهى. وكذا قوله: لظهوره لهم مخالف لذلك، فانظر من ذكره. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: فانظر من ذكره، قال الشيخ الخرشي: قال الشادلي في شرح الرسالة: وهل المراد بمجيء الإمام ظهوره للمصلين، أو دخوله المصلى؟ وهما قولان. وقد ذكر ابن عمر الأقوال الثلاثة، فقال: وقد اختلف في قطعه، فقيل: يقطعون إذا ظهر الإمام لهم، وقيل: بدخوله في المصلى، وقيل: بدخوله في الصلاة؛ فهذه ثلاثة أقوال في المذهب. انتهى. وما ذكره عن الشادلي ذكره عنه الشيخ إبراهيم. ابن عرفة: وفي كفه بوصول الإمام المصلى، أو بصلاته، ثالثها برقيه المنبر، للخمي عنها وعن ابن مسلمة، ورواية العتبي. انتهى. وقد تقدم عن التتائي أنه يكبر كل واحد في الطريق على حدته لا جماعة، فإنه بدعة، وأما في المصلى، فقال ابن ناجي: افترقت الناس بالقيروان فرقتين؛ أي بالمصلى بمحضر أبي عمران الفاسي، وأبي بكر بن عبد الرحمن، فإذا فرغت إحداهما من التكبير سكتت وأجابت الأخرى بمثل ذلك، فسئلا عن ذلك؟ فقالا: إنه لحسن، واستمر العمل عندنا على ذلك بإفريقية بمحضر غير واحد من أكابر الشيوخ، قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وتكبير فيه". ابن حبيب: والأحب إلي من التكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد على ما هدينا، اللهم اجعلنا لك من الشاكرين، لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وكان أصبغ يزيد: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما زدت أو نقصت فلا حرج. انتهى. نقله الخرشي وغيره. وفي ابن

стр. 1550

عرفة: الشيخ: واستحب ابن حبيب: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد على ما هدينا: اللهم اجعلنا لك من الشاكرين، وزاد أصبغ: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. انتهى. وقوله: "وجهر به"، إماما أو مؤذنا أو غيرهما، بخلاف ما يفعله بعض الناس اليوم، فكأن التكبير إنما شرع في حق المؤذن، فتجد المؤذنين يرفعون أصواتهم بالتكبير: وأكثر الناس يستمعون لهم ولا يكبرون، وينظرون إليهم كأن التكبير إنما شرع لهم، وهذه بدعة محدثة، ثم إنهم يمشون على صوت واحد وذلك بدعة؛ لأن المشروع أن يكبر كل إنسان لنفسه، ولا يمشي على صوت غيره انظر المدخل. ونحره أضحيته بالمصلى؛ يعني أنه يندب للإمام أن ينحر أو يذبح أضحيته بالمصلى ليقتدي به الناس، بخلاف غيره، فيجوز فقط، ففي المدونة ولو أن غير الإمام ذبح أضحيته في المصلى بعد ذبح الإمام جاز وكان صوابا، وقد فعله ابن عمر ﵄، قال أحمد: ابن عمر: الندب للإمام في الأمصار الكبار، وأما القرى الصغار فليس عليه ذلك؛ لأن الناس يعلمون ذبحه لها، ولو لم يخرجها؛ أي ليس عليه على جهة الندب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي وسيأتي في باب الأضحية: وأعاد سابقه إلا المتحري أقرب إمام، ومقتضاه أن المتحري ذبح إمامه إذا سبقه، يعيد مطلقا وهو كذلك، لكن محله إذا أخرج الإمام أضحيته، فإن لم يخرجها فلا يعيد سابقه حيث تحرى، وإذا لم يكن للإمام أضحية، فهل يتحرى أقرب الأئمة إليه؟ وهو ما عليه ابن عمر، أو يتحرى ذبح إمامه لو كان ذبح؟ وهو ما عليه الفاكهاني، وعبد الوهاب. وإيقاعها به؛ يعني أنه يستحب إيقاع صلاة العيد فطرا أو أضحى بالمصلى، والمراد به الفضاء والصحراء، وصلاتها بالمسجد من غير ضرورة داعية بدعة لم يفعله ﷺ ، ولا الخلف بعده. قاله الشبراخيتي. وفيها: قال مالك لا تصلى في موضعين. سند: يريد لا تقام الخطبة بموضعين في المصر الواحد، وقد علمت أن المراد بالمصلى: الفضاء والصحراء، وأما البناء المتخذ فيه فبدعة، قال في المدخل: ينبغي أن يترك الموضع مكشوفا لا بناء فيه، فإن كان لا يقدر على إزالة هذا المنكر فيترك الصلاة فيما حواه البنيان ويصلي خارجه في البراح، فهو الأفضل

стр. 1551

والأولى في حقه، بل هو المتعين اليوم، وإذا خرج الإمام إلى الصحراء وخطب، فليكن على الأرض لا على المنبر، فإنه بدعة. انتهى. وقال في الشامل: ولا يخرج إليها بمنبر، وهذا خلاف ما قاله ابن بشير، ونصه: فإذا فرغ من الصلاة صعد المنبر إن كان هناك منبر: والأولى في الاستسقاء أن يخطب بالأرض لقصد الذلة والخضوع، ولا بأس في العيدين باتخاذ المنبر كما فعله عثمان؛ لأن المقصود فيهما إقامة أبَّهَة الإسلام. انتهى. ابن حبيب: وإذا كان المطر والطين ولم يستطيعوا أن يخرجوا إلى المصلى، فلا بأس أن يصلوا في المسجد الجامع على سنة العيد في المصلى، قاله ابن فرحون. نقله الإمام الحطاب. وقوله: "وإيقاعها به". هذا الحكم جار في كل مكان، ولو بالمدينة. إلا ما استثناه بقوله: إلا بمكة؛ يعني أنه يستحب إيقاع صلاة العيدين بالمصلى الصحراوي إلا في مكة. فالأفضل لمن بها إيقاعها بمسجد مكة لا للقطع بقبلتها، ولا لفضلها لانتقاض ذلك بمسجد المدينة: بل لمشاهدة الكعبة وهي عبادة مفقودة في غيرها، لخبر: (ينزل على البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة، ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين إليه (١))، أخرجه الطبراني: والأزرقي: والبيهقي. والحارث؛ أي يقسم على جميع الطائفين، وإن اختلف قدر طواف كل ستون، وعلله القلشاني؛ بعلة أخرى وهي أن المسجد الحرام كالصحراء لعدم سقفه، ولاتساعه؛ أي بخلاف مسجد المدينة فيهما. وفي الحديث: (أنه ينزل على كل متصافحين مائة رحمة، تسعون للبادئ، وعشر للآخر). الشبراخيتي: وإنما استحب البروز في غير مكة إلى المصلى لأمره ﷺ بذلك حتى النساء من الحيَّض، وربات الخدور، فقالت إحداهن: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، فقال: (تعيرها أختها من جلبابها يشهدن الخير ودعوة المسلمين (٢)). انتهى. وأخرج البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبو دود، والنسائي، عن أم عطية ﵂، قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج في العيد العواتق وذوات الخدور والحيض، فأما الحيض فيشهدن جماعة المسلمين ودعاءهم ويعتزلن

стр. 1552

مصلاهم (١))، رواه في التيسير، وروى عن هؤلاء إلا الترمذي عن جابر ﵁، قال: (شهدت العيد مع رسول الله ﷺ ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال ﵁، فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم: ثم أتى النساء فوعظهن فذكرهن، وقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير. فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال (٢)). وسطة النساء أوساطهن حسبا ونسبا، والسفعة السواد، والشكاة بفتح الشين الشكوى، والعشير الزوج. انتهى. وفهم من قوله: ثم أتى النساء الخ، أنهن في بعد من محل الرجال، وقد قال ﷺ : (باعدوا بين أنفاس النساء وأنفاس الرجال (٣))، ولو كان النساء قريبا لسمعن الخطبة، ولا احتجن إلى تذكيره بعد الخطبة. ورفع يديه في أولاه؛ يعني أنه يستحب للمصلي في العيدين أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى من تكبيره، وهي تكبيرة الإحرام، فالضمير في أولاه راجع لمطلق التكبير الواقع في صلاة العيد الشامل للمزيد والأصل، وحينئذ فأولاه هي تكبيرة الإحرام حقيقة. قاله الشيخ بناني والله سبحانه أعلم. وليس أولى التكبير المزيد، فيرفع في أولى كل من التكبير المزيد في الركعتين، خلافا للتتائي. فقط؛ يعني أنه إنما يرفع يديه في تكبيرة الإحرام لا في غيرها من التكبير، لا في الركعة الأولى، ولا في الثانية؛ فإنه مكروه أو خلاف الأولى. وعن مالك استحباب الرفع في الجميع. وقراءتها بكسبح والشمس؛ يعني أنه يندب في صلاة العيدين قراءة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، في الركعة الأولى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، في الركعة الثانية، وواضح أن ذلك بعد الإتيان بأم القرآن، وقوله: "بكسبح والشمس"؛ يعني أو نحوهما من قصار المفصل، ولذلك أتى بالكاف، وإنما ندب ذلك (لفعله ﵊، كما في الخرشي. وفي الشبراخيتي: عند قوله:

стр. 1553

"بكسبح والشمس" ما نصه: ونحوهما من قصار المفصل على المشهور. ابن حبيب: و ﴿اقتربت الساعة﴾. وكلاهما في الموطإ ومسلم انتهى. وفي الجلاب قدر قراءتها بفاتحة الكتاب، وسورة من قصار الفصل في كل ركعة من: ﴿الضحى﴾، و ﴿ألم نشرح﴾، وما أشبه ذلك من السور. انتهى. وروى الستة إلا البخاري أنه ﷺ (كان يقرأ في الفطر والأضحى ب: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ و ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ (١))، وروى الستة أيضا إلا البخاري عن النعمان بن بشير ﵄: قال (كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة: بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾، وربما اجتمعا يوم واحد: فقرأ بهما (٢)). وخطبتان كالجمعة؛ يعني أنه يستحب في العيدين خطبتان كالجمعة؛ أي كخطبتي الجمعة في الصفة من الجلوس أولا وبينهما: والجهر فيهما، وتقصيرهما، وإسرارهما كعدمهما. وبما قررت علم أن التشبيه في الصفة لا في الحكم؛ إذ الخطبتان هنا مندوبتان، وفي الجمعة واجبتان، ويذكر في خطبة الفطر الفطرة، وفي الأضحى الضحية وما يتعلق بهما، ويتمادى إذا أحدث فيهما أو قبلهما بعد الصلاة ولا يستخلف، وهل هما مندوب واحد؟ أو كل واحد مندوب مستقل؟ وحد بعضهم الجلوس بين الخطبتين بقدر الجلوس بين السجدتين، وهل يندب قيامه لهما. أم لا؟ واقتصر ابن عرفة على سنية الخطبتين، ونصه: خطبة العيد إثر الصلاة سنة، ولا يخرج إليها منبر. قاله في الشامل. وهذا خلاف ما قاله. ابن بشير، ونصه: فإذا فرغ من الصلاة صعد المنبر إن كان هناك منبر، والأولى في الاستسقاء أن يخطب بالأرض لقصد الذلة والخضوع، ولا بأس في العيدين باتخاذ المنبر، كما فعله عثمان؛ لأن المقصود فيهما. إقامة أبهة الإسلام. انتهى. وقد مر هذا. وفي المدخل: والمنبر بدعة. انتهى ملخصا من الخرشي، والشبراخيتي، وشرح عبد الباقي: وحاشية بناني. وسئل الشيخ علي الأجهوري عن خطيب قال: إن إبراهيم

стр. 1554

عليه السلام أمَرَّ آلة الذبح على محل النحر من ولده، ثم حصل الفداء، هل يجوز له ذلك أم لا؟ لأنه جار على قول المعتزلة: إن النسخ قبل التمكن من الفعل ممتنع. فأجاب: بأن نسخ الفعل بعد التمكن منه أو بعد حصوله جائز عندنا وعند المعتزلة، وأما قبل التمكن من الفعل فجائز عندنا وممتنع عند المعتزلة، وذكر في ذلك ما نسخ مما فرض من الصلوات ليلة العراج. واختلف في قصة الخليل مع ولده، هل وقع النسخ فيها قبل التمكن؟ وعليه الجلال المحلي في شرح جمع الجوامع، أو وقع بعد التمكن من الفعل؛ أي إمرار السكين على محل الذبح منه، وعليه غير واحد من المفسرين منهم الجلال المذكور، ثم قال: فقول الخطيب المذكور ليس خارجا عن الصواب، فمن خطأه أو قال إن قوله هذا إنما يأتي على قول المعتزلة، فهو غير مصيب. انتهى. وسماعهما؛ يعني أنه يستحب سماع خطبتي العيد أي الإنصات فيهما والإصغاء لهما، وإن كان لا يسمعهما، ولو عبر بالاستماع لكان أولى؛ لأن السماع ليس من قدرته. قاله الخرشي، وليس من تكلم فيهما كمن تكلم في خطبة الجمعة. وفي التوضيح: الخطب على ثلاثة أقسام، قسم ينصت فيه؛ وهو خطب الجمعة، وقسم لا ينصت فيه؛ وهو خطب الحج كلها، وقسم اختلف فيه؛ وهو خطب العيد والاستسقاء، واستحبه إمامنا مالك فيها، ولا بأس أن يصلي الذي تفوته صلاة العيدين في المصلى أو في غيره، وإن صلى في المصلى فلينظر حتى يفرغ الإمام من خطبته. انتهى. وهذا متفق عليه لأنه إذا اشتغل بقضائها ترك استماع الخطبة. الباجي: الخطبة من سنة الصلاة، فمن شهد الصلاة ممن تلزمه أو لا تلزمه من صبي أو امرأة لم يكن له أن يترك سنتها، كطواف النفل ليس له أن يترك ركوعه؛ لأنه من سنته. قاله الخرشي. وقال بناني: ما ذكره المصنف من استحباب الاستماع هو الذي يأتي على رواية القرويين (١) وابن وهب، وعلي أن الكلام فيهما (٢) كالجمعة، وظاهر سماع ابن القاسم (٣) ينصت في العيدين والاستسقاء كالجمعة، وقرر ابن

стр. 1555

رشد السماع المذكور على ظاهره من الوجوب، وتأوله الحطاب على أن المراد: يطلب لها الإنصات كما يطلب لخطبة الجمعة، وإن اختلف الطلب فيهما، قال الرماصي: وهذا تأويل بعيد. انتهى. وقال الشبراخيتي: ثم إن من جاء والإمام يخطب يجلس ندبا ولا يصلي كان في المسجد أو المصلى؛ لأن سماع الخطبة مندوب. انتهى. وروي عن عبد الله بن السائب، قال: (شهدت العيد مع رسول الله ﷺ ، فلما صلى قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يرجع فليرجع (١)). نقله الإمام الحطاب. واستدل به الطحاوي على أن خطبة العيدين للتعليم كخطب الحج، فلا ينصت لها، وقال الشيخ الأمير عاطفا على المندوب. والحضور والإصغاء بأن لا يشغل فكره، وأما الكلام وقتهما، فهل هو مكروه أو حرام بعد الحضور المندوب ابتداء؛ وهو ظاهر النقل على ما أفاده الرماصي. انتهى. واستقباله؛ يعني أنه يندب استقبال وجه الإمام في حال الخطبة، لا جهته كما في الجمعة، وفيه بحث؛ إذ حديث الجمعة يقتضي استقبال ذاته، قاله الشيخ الخرشي، وقوله: "واستقباله"؛ يعني؛ ولو الصف الأول. وبعديتهما؛ يعني أنه يستحب كون الخطبتين في العيد بعد صلاة العيدين، قال الشيخ عبد الباقي: وما ذكره المصنف من ندب البعدية خلاف ما ذكره ابن عرفة، واقتصر عليه أن البعدية سنة. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، فإن ابن عرفة إنما قال ما نصه: خطبة العيد إثر الصلاة سنة، فهو إنما أخبر بالسنة عن الخطبة في نفسها، لا عن كونها إثر الصلاة. انتهى. وأعيدتا إن قدمتا؛ يعني أن خطبتي العيد إذا قدمتا على الصلاة، فإنه يستحب أن تعادا بعدها لتقعا موقعهما، وهذا إن قرب ذلك، والظاهر أن القرب هنا كالقرب الذي يبني معه في الصلاة، وقوله: "وأعيدتا إن قدمتا"، فإن لم يعد أساء وأجزأته صلاته كمن تركهما جملة، قاله غير واحد. واستفتاح بتكبير؛ يعني أنه يستحب للخطيب في العيدين أن يستفتح الخطبتين بالتكبير؛ بأن يكبر أول الأولى وأول الثانية، وهذا مما تخالف فيه خطبة العيد خطبة الجمعة؛ لأن استفتاحها

стр. 1556

وتخليلها بالتحميد. وتخللهما به؛ يعني أنه يستحب له أيضا أن يخلل خطبتيه بالتكبير؛ بأن يكبر خلال كل فصل من الخطبتين، ويندب لمستمع التكبير أن يكبر بتكبير الإمام، وفي الجلاب: وينصتون فيما سوى ذلك. بلا حد؛ يعني أن التكبير المستفتح به الخطبتان ليس محدودا بسبع تكبيرات، وأن التكبير الذي تخلل به الخطبتان ليس محدودا بثلاث، واستحب ابن حبيب، وأصبغ، وابن عبد الحكم، والأخوان أولها سبعا سبعا نسقا، ثم ثلاثا ثلاثا. ابن رشد: عن ابن حبيب: يكبر أول الأولى سبعا، وأول الثانية سبعا، وخلال كل فصل ثلاثا. وفي الشبراخيتي. ما نصه: ويستحب للمأمومين أن يكبروا بتكبير الإمام حال الخطبة، لكن سرا، كما في شرح الجلاب للقرافي. انتهى. وإقامة من لم يؤمر بها: الضمير المجرور بالباء عائد على الجمعة في قوله: لمأمور الجمعة، وهذا مفهوم ذلك؛ يعني أن صلاة العيد تندب إقامتها لمن لا يؤمر بالجمعة على جهة الوجوب، من صبي، وعبد، وامرأة، ومسافر، وهل في جماعة أو أفذاذا؟ قولان، قاله: الشبراخيتي. ويندب لسيد العبد الإذن، ويستثنى من كلام المصنف، أعني قوله: "سن لعيد ركعتان"، وقوله: "وإقامة من لم يؤمر بها. أو فاتته"، الحجاج، فلا يؤمرون بها استنانا، ولا ندبا، وكذا أهل منى غير الحجاج، فلا يقيمونها جماعة ولو صلاها مصل لنفسه فلا بأس، كما مر أول الفصل. سند: قال مالك في النساء إذا لم يشهدن العيد: فليصلين مثل صلاة الإمام فرادى إذا لم يكن معهن رجل تخلف لعذر، فإن كان، فهل يجمع بهن؟ يختلف فيه كما يختلف في جمع من تخلف عنها لعذر، وهل يتحرى فراغ الإمام؟ يتخرج على قولين فيمن لا تجب عليه الجمعة إذا جمع الظهر، فإنه يتحرى صلاة الإمام، ويؤخر حتى يصلي. قاله الشيخ الخرشي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن قوله: "وإقامة من لم يؤمر بها"، يشمل النساء، والعبيد، والصبيان، والمسافرين، وأهل القرى الصغار وأطلق المصنف فلم يبين، هل جماعة أو أفذاذا، وحصل اللخمي في ذلك ثلاثة أقوال: الأول يقيمونها جماعة وأفذاذا، والثاني: لا يقيمونها جماعة ولا أفذاذا، والثالث: يقيمونها جماعة لا أفذاذا، وتبعه على حكاية الأقوال هكذا ابن الحاجب وابن شاس معبرين

стр. 1557

بالكراهة فيما عبر عنه بالنفي، وقال ابن عرفة بعد حكايتها: عياض: الثالث وإن قبله المازري وهم أو تغيير من النقلة. والمتوجه ضده لقوله فيها: لا يؤم النساء فيها أحد، ويصلينها أفذاذا، ومثله في التوضيح، وأبي الحسن: فيؤخذ منه أن الراجح فعلها فذا لا جماعة، خلافا لتصحيح القول بفعلها جماعة. ولا فرق بين الرجال والنساء فيما ذكر من الخلاف. أو فاتته؛ يعني أن من فاتته صلاة العيد مع الإمام، يندب له أن يقيم صلاة العيد، وهل يقيمها فذا أو جماعة؟ قولان، ومقتضى كلام الذخيرة أن الأول هو الراجح، وعلى إقامتها جماعة فلا يخطبون. قاله الشبراخيتي. وكذا قال بناني: إن الراجح صلاة من فاتته لها فذا لا جماعة. وهو ممن تسن في حقه. وفي الحطاب: قال في الشامل: وإقامتها لمن فاتته، ولمن لا تلزمه فذا، وكذا في جماعة على الأصح فيهما انتهى. ويظهر من كلام صاحب الطراز ترجيح جواز الجمع، وعلى جواز الجمع فمن فاتته من أهل المصر لا يخطب بلا خلاف، وكذا من تخلف عنه لعذر، وكذا العبيد، والمسافرون. واختلف في أهل القرى الصغار على قولين. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب: وقال الحطاب فلو أراد أن يجمعها محن فاتته في المسجد أو في المصلى فالظاهر أنهم يمنعون من ذلك، ويدل لذلك قول ابن حبيب: من فاته العيد فلا بأس أن يجمعها مع نفر من أهله. والله سبحانه أعلم. انتهى. وقال سحنون. لا أرى أن يجمعوا؛ يعني من فاتته صلاة العيد وإن أحبوا صلوا أفذاذا، وفي الأجوبة الناصرية: أن أهل البادية يقيمون الصلاة ولا يخطبون. وتكبيره إثر خمس عشرة فريضة؛ يعني أنه يستحب للمصلي صلاة الفرض أن يكبر عقب كل فرض في عيد النحر إلى أن تنقضي خمس عشرة فريضة، وهذا التكبير إنما يكون إثر سجودها؛ أي الخمس عشرة فريضة، البعدي بالجر نعت لسجودها فيقدمه على التسبيح، وآية الكرسي كما يشعر به قوله: إثر وقوله: "وسجودها"، عطف على قوله: "خمس"، ويبتدأ هذا التكبير الواقع إثر خمس عشرة فريضة. من ظهر يوم النحر؛ فيبتدئه عقب السلام إن لم يترتب عليه بعدي، وإثر البعدي إن ترتب عليه، وهذا التكبير يندب لكل مصل صلى مع جماعة أو وحده، أمر بالجمعة أم لا، ولو صبيا وامرأة، وينتهي هذا التكبير عقب صلاة الصبح من اليوم الرابع، وقال ابن عرفة: الشيخ عن ابن الجهم: واللخمي عن بعض أصحاب سحنون: إثر ست عشرة،

стр. 1558

وفيها: قال ابن القاسم: سألته عن التكبير ولم يحد فيه حدا، وقوله: "وتكبيره إثر خمس"، الخ يكون هذا التكبير بقدر ما يسمع نفسه ومن يليه، قال في المدخل: وقد مضت السنة أن أهل الآفاق يكبرون دبر كل صلاة من الصلوات الخمس في أيام إقامة الجمع بمنى، فإذا سلم الإمام من صلاة الفرض في تلك الأيام كبر تكبيرا يسمع نفسه ومن يليه، وكبر الحاضرون بتكبيره كل واحد يكبر لنفسه لا يمشي على صوت غيره، على ما وصف من أنه يسمع نفسه ومن يليه؛ فهذه هي السنة. نقله الإمام الحطاب. لا نافلة؛ يعني أنه لا يستحب التكبير إثر صلاة نافلة في أيام النحر، وإنما يستحب إثر الفرائض كما علمت. ومقضية؛ يعني أن التكبير المذكور إنما يستحب إثر الفريضة الحاضر وقتها، وأما الفريضة التي خرج وقتها وقضيت فيها؛ أي في الأيام التي يكبر فيها إثر الفرائض فلا يندب إثرها. مطلقا؛ يعني سواء كانت الفائتة من أيام العيد أو من غيرها، وكذا لا يكبر بالأحرى بعد فائتة من أيام التشريق قضاها في غيرها اتفاقا، ولا يكبر بعد النافلة في أيام النحر -كما علمت- سواء كانت تابعة للفرض أم لا، فقوله: "مطلقا": راجع للنافلة والقضية، ومعناه بالنسبة للمقضية: كانت من أيام العيد أم لا: ومعناه بالنسبة للنافلة: كانت تابعة للفرض أم لا، كما في الشبراخيتي. وقوله: لا نافلة، ظاهر كلام الشارح الكراهة، وكذا يقال في قوله: مقضية. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "لا نافلة" ومقضية"؛ أي يكره. انتهى. وقوله: "مطلقا"، الظاهر أنه حال سوغ مجيئه من النكرة وقوعها بعد نفي. والله سبحانه أعلم. وما ذكر المصنف هو المشهور، وقيل: بالتكبير دبر الفرض والنفل على الرجال والنساء، وفي غير الصلاة، وفي الطريق، وفي غير ذلك، وفي المختصر: لا يكبر النساء، وقيل بالتكبير في الفائتة من أيام النحر المقضية فيها. وفي المدونة منع التكبير أيام منى في غير دبر الصلوات، وروى اللخمي: لا بأس به، وصوبه وعزاه الصقلي لابن حبيب، وسمع أشهب إجازته في غير دبرها بحضرة العدو وغيرها. ابن حبيب: استحبه العلماء في العساكر والرباطات دبر صلاة العشاء أو الصبح تكبيرا عاليا ثلاثا، وكرهوا أن يتقدم واحد بالتكبير ويجيبه الباقون، ولا بأس بالتحزين فيه، ويكره التطريب، وقول يوم العيد:

стр. 1559

تقبل الله منا ومنك وغفر لنا ولك. وروى ابن حبيب: لا أعرفه ولا أنكره، ورأيت أصحابي لا يبتدئون به ويعيدنه (١) على قائله، ولا بأس بابتدائه، وكرهه مكحول، (وروى عبادة عن النبي ﷺ أنه من فعل اليهود)، وحكى بعضهم الاتفاق على كراهة قول الرجل لصاحبه: أطال الله بقاءك، وقال هي تحية الزنادقة. وفي الاستيعاب لابن عبد البر أن عمر قال لعلي صدقت، أطال الله بقاءك: فإن صح فهو مبطل للاتفاق. سند: ولا ينكر في العيدين لعب الغلمان بالسلاح والنظر إليهم، ولا لعب الصبية بالدفوف. وكبر ناسيه؛ يعني أن من نسي هذا التكبير الذي يوقع إثر الفرائض في أيام النحر، يستحب له أن يفعله إن قرب زمن تذكره له من سلامه من الفريضة التي يفعل إثرها: وهل القرب هنا كالمتقدم في البناء كما لأبي الحسن وسند، واستظهره الحطاب؟ أو عدم القيام من موضعه، وإن بعد كما لابن فرحون، واقتصر عليه التتائي؛ وهو لمالك في الواضحة، وقول المدونة: إن كان بالقرب رجع فكبر أي رجع للتكبير لا للموضع الذي صلى فيه، قاله أبو الحسن؛ أي لا يشترط. وقوله: ناسيه لا مفهوم له وكذا متعمد تركه، فإنه يكبر إن قرب. والمؤتم إن تركه إمامه؛ يعني أن التكبير الذي يوقع عقب الفرائض أيام النحر إذا تركه الإمام، فإن المأموم يأتي به، وندب له تنبيه إمامه عليه بالكلام لا بالتسبيح لخروجه من الصلاة، كما في الأمهات. قاله الشيخ إبراهيم. وظاهر قوله: "إن تركه إمامه"، كان الترك عمدا أو سهوا، وإنما كبر المؤتم مع أن إمامه تركه؛ لأنه يندب لكل منهما. ولفظه؛ يعني أنه يندب للمصلي إيقاع هذا التكبير المذكور باللفظ الوارد فيه وبين اللفظ الوارد في الحديث بقوله: وهو؛ أي اللفظ الوارد في الحديث: الله أكبر ثلاثا؛ أي يقول الله أكبر ثلاث مرات متواليات، ويخرج من عهدة الندب بذلك وإن لم يعد الثلاث مرة أخرى؛ وهو ظاهر النقل والحديث وعليه جمهور الشراح، وذكر السنهوري أنه يكررها المرة بعد المرة.

стр. 1560

واعلم أن التكبير دبر الصلوات مستحب وهذا اللفظ مستحب ثان، فمن أتى به أتى بمستحبين. وإن قال بعد تكبيرتين لا إله إلا الله ثم تكبيرتين ولله الحمد فحسن؛ يعني أن المصلي إذا كبر عقب الفرائض تكبيرتين بأن يقول: الله أكبر الله أكبر، ويزيد بعدهما لا إله إلا الله، ثم يكبر بعد ذلك تكبيرتين بإدخال الواو على أولاهما؛ أي الواو العاطفة لأولى التكبيرتين على الهيللة، ويقول بعدهما: ولله الحمد بالواو، فإن ذلك حسن، لما روي أن الله تعالى لما أمر جبريل ﵇ أن يذهب إلى إبراهيم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- بالفداء، فرآه أضجع ابنه للذبح، فقال: الله أكبر الله أكبر، لا يعجل بالذبح، فلما سمع إبراهيم صوته علم أنه يأتيه بالبشارة، فقال: لا إله إلا الله والله أكبر، فلما سمع إسماعيل كلامهما، قال: الله أكبر ولله الحمد، فلا ينبغي أن يترك بعضه، كذا في المحيط، انظر ابن مالك شارح مجمع البحرين. والجمهور على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق، وقوله: "فحسن"، قال في الحاشية: والأول أحسن، وقال التتائي. في صغيره: إن الثاني أفضل، وذكر شيخنا في شرحه أن في تعيين الأفضل قولين، ففي المدونة. ما يفيد أن أفضله الله أكبر ثلاثا، وفي غيرها ما يفيد أن أفضله ما أشار له بقوله: "وإن قال بعد تكبيرتين" الخ، قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "فحسن": والأول أحسن لأنه الذي في المدونة، والثاني في مختصر ابن عبد الحكم. انتهى. وقال الخرشي عند قوله: "فحسن"، هذا في مختصر ابن عبد الحكم، والمذهب الأول. انتهى. وكره تنفل بمصلى قبلها وبعدها؛ يعني أنه يكره التنفل بالمصلى الذي صليت فيه العيد قبل صلاة العيد وبعدها؛ أي يكره للإمام والمأموم، لما في الصحيحين (أن رسول الله ﷺ خرج يوم الأضحى فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما (١))، وقال ابن شهاب: لم يبلغني أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ صلى يوم الفطر ولا يوم النحر لا قبل الصلاة ولا بعدها، ونقل عن ابن وهب إجازة ذلك، ووجه كراهة التنفل في المصلى قبل صلاتي العيدين،

стр. 1561

أن الخروج لصلاة العيد بمنزلة طلوع الفجر بالنسبة لصلاة الفجر فكما لا تصلى بعد الفجر، نافلة غير صلاة الفجر: لا تصلى قبل العيد نافلة غيرها، وأما وجه الكراهة بعدها فخشية أن يكون ذلك ذريعة لإعادة أهل البدع لها القائلين بعدم صحتها، كغيرها خلف إمام غير معصوم، ولا يقال: كل من هذين يجري في التنفل قبلها وبعدها في المسجد مع أنه لا يكره التنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها حيث صليت في المسجد؛ لأنا نقول: لا نسلم ذلك؛ إذ المسجد تطلب تحيته ولو في وقت النهي عند جمع من العلماء، وأما جوازه بعدها في المسجد؛ فلأنه يندر حضور أهل البدع لصلاة الجماعة في المسجد. قاله الشيخ علي الأجهوري. وقوله: "بمصلى"، وأما التنفل في البيوت، فقال سند: وأما التنفل في البيوت يوم العيد فيختلف فيه، فذهب الجمهور إلى جوازه من غير كراهة: وقال: قوم صلاة العيد سبحة ذلك اليوم، فليقتصر عليها إلى الزوال، وجنح إلى ذلك ابن حبيب. فقال: أحب إلي أن تكون صلاة العيد حظه من النافلة ذلك اليوم إلى صلاة الظهر، وهذا مذهب مردود باتفاق أرباب المذاهب. انتهى قاله الإمام الحطاب. لا بمسجد فيهما؛ يعني أنه إذا صليت العيد في المسجد، فإنه لا تكره النافلة قبلها ولا بعدها؛ وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، وقال في الشامل: لم يعرف مالك قول الناس: تقبل الله منا ومنكم، وغفر الله لنا ولكم، ولم ينكره وأجازه ابن حبيب، وكرهه بعضهم، وقال الرهوني: في فتح الباري: روينا في المحامليات بسند حسن عن جبير بن نفير، قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد، يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك (١)). انتهى. وقال في المسائل الملقوطة: حكى النحاس أبو جعفر وغيره الاتفاق على كراهة قول الرجل لصاحبه: أطال الله بقاءك، وقال بعضهم: هي تحية الزنادقة. وفي كتاب الاستيعاب لابن عبد البر: أن عمر قال لعلي ﵄ صدقت، أطال الله بقاءك، فإن صح بطل ما ذكره من الاتفاق. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وفي الطراز: ولا ينكر في العيدين اللعب للغلمان بالسلاح والنظر إليهم، وكذا لعب الصبية بالدفوف وشبه ذلك. انتهى. ثم

стр. 1562

ذكر لعب الحبشة، قال (١): وقد ذكره مالك، ومحصل الحديث أن السيدة عائشة ﵂ كانت في المسجد تراهم. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقوله: "لا بمسجد فيهما"، قال الإمام الحطاب وهذا في حق غير الإمام، قال في الطراز: ونحن إذا قلنا بجواز التنفل في المسجد قبلها لم نطلقه للإمام، بل سنته إذا قدم أن يبدأ بصلاة العيد إلا أن يقدم قبل الوقت، فليس ذلك بوقت التنفل. انتهى. وقال الإمام الحطاب: وإذا قلنا إن النافلة جائزة في المسجد قبل الصلاة، فهل تحرم أو تكره بخروج الإمام على الناس، أو تباح؟ لم أو في ذلك نصا. والله أعلم. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: يشهد للإباحة ظاهر المصنف كغيره، والله سبحانه أعلم. وللاندزالي ﵀ ناظما لبدع الأعياد: ويحرمن فاعلم على الرجال … صبغ يد بالصبغ للجمال كذا تصافح الرجال للنسا … فمن يكن فعله فقد أسا وجمعهم عيشا لدى المساجد … في عيدهم من أقبح العوائد كذاك ما يطلبه الإمام … بعد صلاة العيد يا كرام وكرهوا زيارة القبور … لما بها من عدم السرور قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: تأمل هذه البدعة أعني قوله: كذاك ما يطلبه الإمام الخ. ولما أنهى الكلام على صلاة العيدين وما يتعلق بها، أتبعه بالكلام على الكسوف والخسوف، فقال:

стр. 1563

فصل: في حكم صلاة الكسوف، وصلاة الخسوف، وصفتهما، وما يتصل بذلك، وهل الكسوف والخسوف مترادفان؟ وعليه الأكثر، أو الكسوف للشمس والخسوف للقمر؟ قال في القاموس: وهو المختار، وقيل: بالعكس، ورد بقوله تعالى: ﴿وخسف القمر﴾، وقيل: الكسوف لذهاب بعض الضوء، والخسوف لجميعه، وقيل: الخسوف ذهاب الضوء كله والكسوف تغير اللون، ويقال: كسفا وخسفا مبنيين للفاعل والمفعول، وروى البخاري في تاريخه عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الشمس والقمر إذا رآى أحدهما من عظمة الله شيئا حاد عن مجراه فانكسف (١))، وفي الشبراخيتي أن سبب الكسوف للشمس: أنه إذا أراد الله أن يخوف عباده حبس عنهم ضوء الشمس ليرجعوا إلى الطاعة؛ لأن هذه النعمة إذا حبست لم ينبت زرع ولم يجف تمر، وقيل: سببه ما ورد في الحديث (أن الله تعالى ما تجلى لشيء إلا خضع له)، وقد تجلى للجبل فجعله دكا، فإذا تجلى للشمس ذهب ضوءها، وقيل: سبب الكسوف أن الملائكة تجر الشمس وهي تسير بسير الملائكة لأنها جماد، وفي السماء بحر إذا وقعت فيه الشمس أو بعضها استتر نورها بالماء. انتهى. وفي الحديث: (وكل بالشمس تسعة أملاك يرمونها بالثلج كل يوم ولولا ذلك ما أتت على شيء إلا أحرقته (٢)). وأشار المصنف إلى حكم صلاة كسوف الشمس بقوله "سنَّ" يعني أنه يسن لأجل كسوف الشمس صلاة ركعتين على الهيئة التي تذكر بعد، وهي سنة عين حتى لامرأة وعبد وصبي مميز، وكونه يؤمر بالخمس ندبا وبالكسوف استنانا، مما يستغرب، ويستغرب أيضا أمره بالعيد ندبا مع أنه أوكد من الكسوف، ويجاب عن الأول بأن الخمس لتكرارها خف طلبها منه، وعن الثاني بتكرر العيد أيضا بالنسبة للكسوف.

стр. 1564

وبأنه لما كان آية من آيات الله يخوف الله بها عباده -كما في الخبر (١) - تأكد طلبها منه حيث عقل الصلاة رجاء قبول فعله، ولم يخاطب بخسوف القمر مع أنه آية أيضا -كما في الخبر- لغلبة نومه من الغروب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: لم أر من ذكر السنية في حق الصبي إلا ما نقله الحطاب عن ابن حبيب، وهو يحتمل أن يكون إنما عبر بالسنية تغليبا لغير الصبي عليه، وإنما عبر ابن بشير وابن شاس وابن عرفة بلفظ: يؤمر، وإذا صح هذا سقط الاغتراب (٢) المذكور. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الأمير: سن لمأمور الصلاة ولو صبيا، ولا يستبعد كونه له أعلى من الخمس لأنها محل خوف وهو مقبول، ولا يرد الخسوف فإنه مندوب مع أنه يأتي وهو نائم، ولا يلحق مصيبة الشمس، وكذا الاستسقاء فإنه دونها في التأكد مع أنه لا يعم العالم ويغني عنه نحو العيون. انتهى. وفي الطراز، وسئل ابن القاسم، هل كان مالك يرى أن صلاة الكسوف سنة لا تترك مثل صلاة العيد سنة لا تترك؟ قال: نعم قال سند: وهذا مما لا يختلف فيه، وأبو حنيفة وصفها بالوجوب ونحن لا نتحاشى أن نقول تجب وجوب السنن المؤكدة على معنى أنه لا ينبغي تركها؛ لأن النبي ﷺ فعلها بالجماعة وأمر بها، وهي من شعار الدين وشعار الإسلام يجب إظهارها؛ إلا أنها غير مفروضة لما بينا في مسألة (٣) الوتر أنه لا مفروض إلا الخمس الصلوات. وإن لعمودي؛ يعني أن صلاة الكسوف سنة في حق الحضري والعمودي؛ أي البدوي، ولا فرق بينهما في ذلك، وقال ابن عرفة وسمع ابن القاسم إن تطوع من يصلي بأهل البادية بصلاة الكسوف: فلا بأس به. ابن رشد: يريد الذين لا تجب عليهم الجمعة، وأما من تجب عليهم فلا رخصة في تركهم الجمع للكسوف. انتهى. قاله الإمام الحطاب. أي: وأما من لا تجب عليهم الجمعة فإن شاءوا جمعوا وإن شاءوا صلوها منفردين، أما أن يتركوها، فلا كما قاله سند. وأشار

стр. 1565

المصنف بالمبالغة لرد ما نسبه اللخمي لمالك في مختصر ما ليس في المختصر من أنه: لا يؤمر بها إلا من تلزمه الجمعة، وإنما لم يرتض المصنف نسبته لمالك، فيشير إليه بلو المشيرة إلى خلاف في المذهب؛ لأن صاحب الطراز وغيره اعترضوا ذلك على اللخمي. وقد علمت أن العمودي هو ساكن البادية، وفي عبارة المصنف قلق لتقدير كان واسمها؛ أي وإن كان الخطاب لعمودي، والأسلس لو قال: وإن عموديا. قاله الشبراخيتي وغيره. وعبارة الشيخ عبد الباقي: وإن حصل الكسوف لعمودي. ومسافر، عطف على قوله: "لعمودي" يعني؛ أن صلاة الكسوف تسن في حق المسافر كما تسن في حق الحضري. لم يجد سيره؛ يعني أن المسافر إنما تسن في حقه صلاة كسوف الشمس حيث لم يجد سيره، وأما لو جد به السير فإنه يسقط عنه الخطاب حيث كان لإدراك أمر يخاف فواته، فالصور ثلاث: لم يجد به السير، جد به لقطع المسافة تسن في حقه صلاة الكسوف فيهما، جد به لإدراك أمر يخاف فواته سقط عنه الخطاب. وفي الشبراخيتي عن الشارح والمواق: أنه لا يخاطب بها من جد به السير، ولو لقطع المسافة لكسوف الشمس. متعلق بقوله: "سن". قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أنه يسن لكسوف الشمس -أي ذهاب ضوئها أو بعضه- ركعتان إلا أن يقل البعض المذاهب جدا بحيث لا يدركه إلا أهل المعرفة بذلك، فلا يصلى له قاله الإمام الحطاب. واعلم أنه لا خلاف بين أهل اللغة في استعمال الكسوف في الشمس، وإنما اختلفوا في استعماله في القمر. ركعتان. نائب فاعل سن؛ يعني أنه يسن لكسوف الشمس ركعتان قبل انجلائها، قال الشيخ إبراهيم: والأصل سن صلاة ركعتين لأجل زوال كسوف الشمس، فحذف المضاف، وهو صلاة، وأقيم المضاف إليه مقامه اختصارا، وفي الخرشي نحوه. إلا أنه جعل قوله: "لكسوف الشمس"، متعلقا بركعتان: باعتبار المضاف المقدر الذي أقيم هذا مقامه؛ أي صلاة ركعتين لأجل زوال كسوف الشمس. وفي الذخيرة: ولا يصلى للزلازل وغيرها من الآيات، وحكى اللخمي الصلاة عن أشهب، واختاره. قاله الإمام الحطاب. سرا؛ يعني أن القراءة في صلاة كسوف الشمس يندب إسرارها ندبا متأكدا كندب الجهر بوتر، وهذا هو المشهور؛ إذ لا خطبة لها، ولخبر ابن مسعود

стр. 1566

ورفاعة أنه أسر، وخبر ابن عباس: (كنت لجنبه فما سمعت منه حرفا). الطراز: وعليه إجماع أهل المدينة، وقد كانت الصحابة فيها موفورين يصلونها معه ﷺ ، وبعده كذلك، ونقل ذلك الأبناء عن الآباء ولم يعرف بينهم خلاف في الإسرار بقراءتها، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أنه قرأ جهرا (١)) فمحمول على خسوف القمر جمعا بين الروايتين، وليس شرطها الجماعة على المشهور، بل هي مستحبة، وشرطها ابن حبيب. قاله الشبراخيتي. وهو يخالف ما تقدم عن الشيخ محمد بن الحسن: أن الجماعة في السنن غير الوتر سنة، ويقرأ في صلاة الكسوف المأموم مع الإمام كما هو الجاري على أصل المذهب خلافا لأشهب. وعن مالك: أن صلاة الكسوف يقرأ فيها جهرا، واستحسنه اللخمي ابن ناجي، وبه عمل بعض شيوخنا بجامع الزيتونة. قاله الشيخ الخرشي. وعبارة الحطاب عند قوله: "سرا"، وعليه فاختلف في قراءة المأموم خلف إمامه، فقال أشهب: لا يقرأ، وقال أصبغ: يقرأ، ابن ناجي: وهو الجاري على أصل المذهب. انتهى. بزيادة، متعلق بالكون؛ لأنه في موضع الصفة لركعتين أو الحال، والباء للمصاحبة؛ أي سن ركعتان مصحوبتان بزيادة. قيامين وركوعين، عطف على قيامين؛ يعني أن صلاة الكسوف تخالف غيرها من الصلوات؛ لأنه يزيد في كل ركعة من الركعتين قياما وركوعا، فيحصل بذلك زيادة قيامين وركوعين، وذلك بأن يقوم، فيكبر تكبيرة الإحرام، ويقرأ الفاتحة وسورة، ثم يركع، ويرفع من ركوعه مكبرا في الركوع قائلا: سمع الله لمن حمده في الرفع من الركوع، وحين يرفع من الركوع يثبت قائما، فيقرأ الفاتحة وسورة، ثم يركع قائلا: الله أكبر، ويرفع من ركوعه قائلا سمع الله لمن حمده على الهيئة المعهودة في غيرها من عدم طول القيام، ثم يهوي ساجدا، ثم يرفع من السجود ولا يطيل الجلوس. بل يأتي به على ما عهد في غيرها من الصلوات، ثم يهوي

стр. 1567

ساجدا، ثم يرفع من السجود، ويستوي قائما فيقرأ الفاتحة وسورة، ثم يركع، ثم يقوم فيقرأ الفاتحة وسورة، ثم يركع، ثم يرفع ويستوي قائما ولا يطيل القيام بل يأتي به على ما عهد في غيرهامن عدم الإطالة، ويهوي ساجدا، ثم يرفع ويستوي جالسا ولا يطيل الجلوس كما تقدم في الأولى، ويهوي ساجدا، ثم يرفع بأن يستوي جالسا، ويتشهد، ويسلم. وغير ذلك من أمرها كغيرها من الصلوات، وذلك كالتكبير والتسميع وهيئة الجلوس وغير ذلك. الشبراخيتي: وهذه الزيادة سنة مؤكدة؛ لأن سندا نص على أنه إذا ترك القيام أو الركوع الزائد سهوا سجد قبل السلام، وأما القيام والركوع الأصلي فهو فرض فلا ينجبر بالسجود. انتهى. ونحوه للخرشي. إلا أنه زاد: والمذهب أن الزائد القيام الأول من الركعة الأولى والثانية، والركوع الأول من الركعة الأولى والثانية، فإن قيل: كيف يكون القيام الأول سنة والثاني واجب؟ مع أنهم اتفقوا على وجوب الفاتحة في الأول من الركعتين، واختلفوا في تكريرها في الثاني، فالجواب: أنه لا يلزم من وجوب القيام وجوب القراءة. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وحاصل ما أفاده شيخنا وغيره أن الواجب الركوع الثاني؛ لأنه على الشأن بعد قراءة وقبل سجود، والأول في أثناء القراءة؛ وهي ساقطة عن المأموم، وكذا قال: الواجب القيام الثاني والأول سنة، مع القول بأن الفاتحة واجبة في القيام الأول والثاني على المشهور، وقيل: سنة في الثاني، وقيل: لا تكرر، مع أن الظاهر أن قيام الفاتحة تابع لها. انتهى. وركعتان ركعتان لخسوف قمر؛ يعني أن صلاة خسوف القمر سنة، هذا قول الجلاب واللخمي، وشهره ابن عطاء الله، وإنما قال: "وركعتان ركعتان"، مكررا؛ لأنه لو اقتصر على لفظ واحد من ذلك لأوهم أنها ركعتان فقط، وليس كذلك، فذكر أنها تصلى كذلك وتكرر ركعتين ركعتين حتى ينجلي، ففيه حذف حرف عطف؛ أي وركعتان وركعتان، وهكذا. وحذف عاطف ومعطوف وهو حتى ينجلي، وظاهره أن السنة لا تحصل بصلاة ركعتين فقط، لكن في شرح الأجهوري أن النقل

стр. 1568

يفيد حصولها بصلاة ركعتين فقط، وقال الشيخ إبراهيم: وظاهر كلام المصنف أن السنة أو الندب إنما يحصل بتكرير ركعتين لا بصلاة ركعتين فقط، والنقل يفيد حصوله بصلاة ركعتين فقط كما في المدونة واللخمي والبرزلي. وقال ابن بشير، والتلقين: إن صلاة خسوف القمر فضيلة. الشبراخيتي: وهو الأرجح، وما شهره ابن عطاء الله من السنية ضعيف، وقال الشيخ عبد الباقي إن المعتمد القول بالندب، قال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره من أن الاستحباب هو المعتمد هو الظاهر من كلامهم، فإن الذي لابن عرفة: وصلاة خسوف القمر اللخمي والجلاب سنة، ابن بشير: والتلقين فضيلة. وفي الحطاب: أن الأول شهره ابن عطاء الله، والثاني اقتصر عليه في التوضيح، وصححه غير واحد، وصرح القلشاني بأنه المشهور. انتهى. وعلى ما قررت به المصنف يكون قوله: "وركعتان"، معطوفا على نائب فاعل "سن"؛ وهو ركعتان، ويمكن تمشيته على الثاني، فيكون قوله: "وركعتان"، مبتدأ، وخبره: كالنوافل، فيكون التشبيه في الصفة والحكم، فالصفة الهيئة، والحكم الندب. وعلى ما قررت أولا يكون التشبيه في قوله: "كالنوافل"، في الصفة فقط لا في الحكم؛ إذ الحكم السنية والله سبحانه أعلم. ومعنى كون التشبيه في الصفة أن صلاة خسوف القمر لا يزاد فيها قيامان ولا ركوعان بل هي على ما عهد في غيرها من الصلوات غير الكسوف من عدم زيادة ذلك، وعلى أن التشبيه في الصفة لا في الحكم يكون قوله: "كالنوافل"، حالا. جهرا؛ يعني أن صلاة خسوف القمر يستحب فيها الجهر لأنها نفل ليل، فهو غير ضروري الذكر لدخوله في قوله: وجهر ليلا، قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وهو مستغنى عنه بقوله فيما سبق: وجهر ليلا. بلا جمع؛ يعني أن صلاة الخسوف يكره أن تصلى جماعة، ويندب فعلها أفذاذا في البيوت على المشهور، لخبر ابن عباس ﵄: خسف القمر على عهد رسول الله ﷺ فلم يجمعنا إلى الصلاة كما فعل في كسوف الشمس. وكلام المصنف لا يفيد أنها إنما تفعل في البيوت، قال ابن عرفة والمشهور كونها في البيوت ولا تجمع، ووقتها الليل كله، فإن طلع مكسوفا بدأ بالمغرب، وإن خسف عند الفجر لم يصلوا، وكذا لو خسف فلم يصلوا

стр. 1569

حتى غاب بليل، خلافا للشافعي فيهما. قاله الشبراخيتي. وإن شرعوا فيها قبل غيبوبته وغاب قبل إتمامها، أتموها، ولو طلعت الشمس وهو منكسف، فقالت الشافعية: لا يصلى له لأن سلطانه قد ذهب، والذي يقتضيه المذهب أن يصلى له لوجود السبب، ونقله المصنف في شرح المدونة عن سند، ولو طلع بعد الفجر كأواخر الشهر منخسفا، فهل يجري فيه الخلاف المذكور، بناء على أن الليل عندهم في هذه المسألة ينتهي بطلوع الفجر، أو إنما ينتهي عندهم بطلوع الشمس؟ وعليه فيتفق المذهبان على أنه يصلى له حينئذ. قاله الأجهوري وفي كون مذهبنا كذلك نظر لما مر من عدم التنفل بعد الفجر إلا ما استثنى المصنف هناك، وفي التتائي في صغيره: إذا طلع الفجر وهو منخسف لم يصل خلافا للشافعية، وكذا في بعض نسخ كبيره. وهو شامل لطلوع الفجر في وقت يطلع القمر عنده كأواخر الشهر، ولا إذا كان يطلع قبله فهو نص فيما نظر فيه الأجهوري. قاله الشيخ عبد الباقي، والشبراخيتي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: انظر كيف يكون كلام التتائي نصا، وقال عند قول عبد الباقي: وفي كون مذهبنا كذلك الخ: في الحطاب أن الجزولي ذكر في فعله بعد الفجر قولين، وأن التلمساني اقتصر على الجواز، وأن صاحب الذخيرة اقتصر على عدم الجواز. انتهى. وقوله: "بلا جمع"، رد به على أشهب، فإنه أجاز الجمع. وقوله: "بلا جمع"، قال في الطراز: فإن جمعوا أجزأهم؛ لأن سائر النوافل إذا وقعت جماعة صحت، وإنما الخلاف هل الجماعة من سنتها أو لا؟ قاله. الإمام الحطاب. وندب بالمسجد هذا راجع لكسوف الشمس؛ يعني أنه يندب إيقاع صلاة كسوف الشمس بالمسجد، لا في المصلى مخافة انجلائها قبل وصول المصلى، ولا أذان لها ولا إقامة؛ لأنهما من خواص الفرض. ابن عمر: ولا يقول: الصلاة جامعة. ابن ناجي: نقل ابن هارون أنه لو نادى الصلاة جامعة، لم يكن به بأس؛ وهو قول الشافعي وغيره. واستحسنه عياض في الإكمال لما في الصحيحين (أنه ﵊ بعث مناديا ينادي فيها: الصلاة جامعة (١)). قاله الشيخ

стр. 1570

إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وصح أنه ﷺ نادى فيها: الصلاة جامعة. واستحسنه صاحب الإكمال وغيره، وقوله: "وندب بالمسجد"، قال ابن حبيب: إن شاءوا فعلوها في المصلى أو في المسجد الشيخ خليل: وهذا إذا وقعت جماعة كما هو المستحب، فأما الفذ فله أن يفعلها في بيته. انتهى. وقال في صلاة خسوف القمر: المعروف من المذهب أن الناس يصلون في بيوتهم، ولا يكلفون الخروج ليلا يشق عليهم، واختلف هل يمنعون من الخروج؟ فقال في المدونة: لا يجمعون، وأجاز أشهب الجمع. انتهى. وقال ابن عرفة في صلاة خسوف القمر: والمشهور كونها في البيوت، ولا يجمع، وروى علي: يفزعون للجامع يصلون أفذاذا ويكبرون ويدعون، وصوب اللخمي قول أشهب: يجمعون، وقال في الطراز: وهل يستحب فيها المسجد؟ اختلف فيه، قال مالك في المجموعة: ويفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع فيصلون أفذاذا ويكبرون ويدعون، وقال ابن الجلاب: ويصليها الناس في منازلهم فرادى، وهكذا قال أبو حنيفة. انتهى. قاله الحطاب. وقراءة البقرة؛ يعني أنه يندب للمصلي في صلاة الكسوف أن يقرأ سورة البقرة في القيام الأول. ثم موالياتها؛ يعني أنه كما يندب له أن يقرأ سورة البقرة في القيام الأول، يندب له أن يقرأ بالسور الثلاث التي تليها. في القيامات الثلاث الباقية، فيقرأ بالفاتحة والبقرة في القيام الأول، وبالفاتحة وآل عمران في القيام الثاني، وبالفاتحة وسورة النساء في القيام الثالث؛ أى القيام الأول من الركعة الثانية، وبالفاتحة والمائدة في القيام الرابع. وعلم مما قررت: أنه يقرأ الفاتحة في كل قيام؛ وهو المشهور كما في التوضيح وابن عرفة والحطاب، ونص ابن عرفة: وفي إعادة الفاتحة في القيام الثاني والرابع قول المشهور وابن مسلمة، فقول الخرشي: إن ما لابن مسلمة هو المشهور غير صحيح، قاله الشيخ محمد بن الحسن. ووجه المشهور أن كل قيام تشرع فيه القراءة تجب فيه الفاتحة، ولا يرد على المصنف أنه يقتضي أن يكون القيام الثالث أطول من الثاني، مع أن النص ندب كون كل قيام أقصر مما قبله؛ لأن سورة النساء مع إسراع قراءتها يكون قيامها أقصر من قيام آل عمران مع الترتيل، كما قال بعض الشراح. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: مع أن النص ندب كون كل قيام أقصر مما قبله صحيح،

стр. 1571

نقله في التوضيح عن صاحب الإكمال وغيره. وقد ذكر في المدونة أن تطويل السجود مستحب، والتطويل في القيام والركوع كذلك كما يدل عليه كلام المواق، وذكر صاحب اللباب والشامل وغيرهما أنه إذا ترك التطويل في القيام أو الركوع أو السجود سجد، وهذا يدل على أن التطويل فيها سنة مؤكدة، وأما عمدا فيجري على تارك السنن متعمدا كذا في الحاشية. قاله الشبراخيتي. وقد أشار الحطاب إلى أن السجود في ترك التطويل في القيام أو في الركوع أو في السجود مبني على القول بسنية كل واحد منها على وجه التأكيد. واعلم أن ندب التطويل مقيد بما إذا لم يضر بمن خلفه تحقيقا، وبما إذا لم يخف خروج الوقت. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وظاهر المصنف أن الندب لا يحصل إلا بقراءة البقرة ثم موالياتها، وليس كذلك، بل مذهب المدونة والرسالة أنه إذا قرأ قدرها من غيرها أتى بالمطلوب. انتهى. وعبارة الشيخ الأمير: وندب البقرة فموالياتها في القيامات، وقرب الركوع من القراءة والسجود منه إن لم يضر بالمأمومين. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: أنه ليس ثم قول بأن تطويل القراءة سنة، وفي قراءة المأموم خلف إمامه قولان لأصبغ وأشهب. ابن ناجي: وإذا فرعنا على قولها: إنه يقرأ فيها سرا، فقال أشهب: لا يقرأ مأموم خلف الإمام، وقال أصبغ: يقرأ. انتهى. وقد مر هذا. ووعظ بعدها؛ يعني أنه يستحب أن يعظ الإمام الناس بعد صلاة كسوف الشمس، فيذكرهم بالعواقب، وينصحهم ويأمرهم بالصلاة والصيام والصدقة والعتق ونحو ذلك. ويقال السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ به غيره. ويفعل ما ذكر من غير خطبة، وقد صح (أنه ﷺ أقبل على الناس بوجهه فحمد الله وأثنى عليه)، فحمله مالك على الوعظ لا على الخطبة، واستحب ذلك لأن الوعظ إذا وردت الآيات يرجى تأثيره، وإنما لم يقل بالخطبة، وإن كانت السيدة عائشة ﵂ سمت ما ذكره ﵊ خطبة؛ لأن الجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم علي بن أبي طالب، والنعمان بن بشير، وابن عباس، وجابر، وأبو هريرة ﵃ نقلوا صفة صلاة الكسوف، ولم يذكر أحد منهم أنه ﵊ خطب فيها، ولا يجوز أن يكون خطب وغفل هؤلاء كلهم، مع نقل كل

стр. 1572

واحد ما يتعلق بتلك الحال، فوجب حمل تسمية عائشة ﵂ خطبته على معنى أنه أتى بكلام منظوم، فيه حمد الله تعالى وصلاة على الرسول ﷺ . روى في التيسير عن عائشة ﵂ أنها: قالت (كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام فصلى بالناس فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فأطال القراءة؛ وهي دون قراءته الأولى، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه، ثم سجد سجدتين، ثم قام فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم سلم. وقد تجلت الشمس، ثم قام فخطب الناس، فقال: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله تعالى يريهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة (١)) [أخرجه الستة] (٢))، ومراده بالستة: الإمام مالك، والشيخان: مسلم والبخاري، وأصحاب السنن: أبو داوود والنسائي والترمذي. وقوله: "ووعظ بعدها"، الوعظ التخويف، والعظة الاسم منه، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له قلبه، وقال الجوهري: الوعظ النصح والتذكير بالعواقب، يقال: وعظه وعظا وعظة فاتعظ؛ أي قبل الموعظة، وقال الزبيدي: الوعظ والموعظة والعظة سواء. انتهى. قاله الشيخ الخرشي. وركع كالقراءة؛ يعني أنه يندب للمصلي في الكسوف أن يطيل الركوع بحيث يقرب من القراءة في الطول؛ أي يندب أن يكون كل ركوع كالقراءة التي قبله؛ أي قريبا منها في الطول ولا يساويها فيه؛ إذ المشبه دون المشبه به، ويسبح فيه ولا يقرأ ولا يدعو. وقوله: "وركع كالقراءة". هو كقوله في المدونة: ثم يركع ركوعا طويلا كنحو قيامه. انتهى. البساطي: قوة كلام المؤلف تعطي أن هذه صفة الكسوف، لا أنه مندوب، وإلا لقال: وركوع كالقيام. انتهى. قال الرماصي: وفيه نظر لاقتضائه أنه لابد منه، وتبطل بتركه، وليس كذلك، قال: وإنما غير المصنف الأسلوب إشارة إلى تصريح سند بأن التطويل سنة ويترتب السجود على تركه. وقال ابن بشير: ليجعل طوله دون قراءته، قال: ولا يقرأ في الركوع، بل يسبح، وهل يدعو؟ يجري على الخلاف في جواز الدعاء في

стр. 1573

الركوع، وقال: ثم يرفع رأسه، ويقول: سمع الله لمن حمده، ويقول المقتدون: ربنا ولك الحمد، ثم قال: إذا رفع رأسه من الركوع الثاني اعتدل كسائر الصلوات ولم يزد. انتهى. وسجد كالركوع؛ يعني أنه يندب للمصلي في الكسوف أن يطيل السجود بحيث يقرب من الركوع، فالحاصل أنه يركع كل ركوع كالقراءة التي تليه قبله، ويسجد كل سجود كالركوع الذي يليه قبله؛ أي يندب أن يقرب الركوع من القراءة، والسجود من الركوع قبله من غير مساواة، بل يطيل القيام قليلا عن الركوع، والركوع عن السجود قليلا، والسجدة الثانية تكون دون الأولى، ولا يطيل الفصل بين السجدتين إجماعا قال الشيخ عبد الباقي: فإن ترك التطويل المندوب فيها كله أو بعضه من قيام أو ركوع أو سجود سهوا لم يسجد بناء على ما مر من ندبه، وقيل: يسجد بناء على سنيته، وليس ثم قول بأن تطويل القراءة سنة انتهى. وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن: أن القول بندب التطويل لعبد الوهاب كما في المواق. والقول بالسنة والسجود لسند، واقتصر عليه الشيخ الحطاب والشيخ زروق. ووقتها كالعيد؛ يعني أن وقت صلاة الكسوف من حل النفل للزوال كالعيد، فإن طلعت مكسوفة لم تصل حتى تحل النافلة، خلافا للشافعية للنهي عن الصلاة حينئذ، وهل يقفون للذكر والدعاء؟ قولان لمالك، فعلى الأول ذلك مسنون مندوب إليه، وعلى الثاني جائز، ولا يعد بدعة. وحيث فرعنا على المذهب من أنها إن طلعت مكسوفة لم تصل حتى تحل النافلة، فإذا انجلت حمدوا الله تعالى، ولا يصلونها ولا تصلى إن كسفت بعد الزوال على المشهور وعند الغروب إجماعا، وقال ابن حجر: إن وقتها عند الشافعي من الطلوع إلى الغروب، وقال: لأن الصلاة علقت برؤيته أي الكسوف، وهي ممكنة في كل وقت من النهار، وقال أبو الحسن: قال ابن الجلاب في وقتها عن مالك ثلاث روايات: إحداها أنها كصلاة العيدين والاستسقاء، والأخرى أن وقتها من طلوع الشمس إلى غروبها، الثالثة أن وقتها من طلوع الشمس إلى العصر. انتهى. والأولى هي التي في المدونة. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقال الإمام الحطاب: قال في الجلاب: روى ابن القاسم: وقتها وقت العيدين قياسا عليهما، وعلى الاستسقاء بجامع أن هذا وقت ليس

стр. 1574

لشيء من الفرائض، فجعل للسنن المستقلة تمييزا لها عن النوافل المتابعة. انتهى من الذخيرة. انتهى كلام الحطاب. وتدرك الركعة بالركوع؛ يعني أن كلا من الركعتين تدرك بالركوع الثاني من الركوعين، فيدرك الركعة الأولى بالركوع الثاني، كما أن الركعة الثانية تدرك بالركوع الثاني، فلا يقضي من أدركه؛ أي الركوع الثاني في الركعة الأولى شيئا لإدراكه الصلاة كلها، ويقضي من أدرك الركوع الثاني من الركعة الثانية الركعة الأولى فقط بقياميها وركوعيها، ولا يقضي القيام الثالث؛ والركوع الثالث لأنه أدرك الركعة الثانية بسبب إدراكه للركوع الثاني، قال الشيخ عبد الباقي: ومثل فريضة الركوع الثاني القيام الذي قبله. والركوع الأول سنة كما في الشيخ سالم كالقيام الذي قبله، وظاهر كلام سند أن الفاتحة كذلك سنة في الأول وفرض في الثاني، وظاهر كلام المواق وابن ناجي فرضيتها في أول كل قيام من الركعتين، والخلاف في سنيتها في كل قيام ثان وفرضيتها، فإن ركع الأول بنية الثاني، وسها عن كونه الأول اعتد بهذا الركوع وجعله الفرض، ولم يرجع منه لفوات التدارك بالانحناء بنية الثاني الفرض، ويسجد قبل السلام سجدتين من غير تطويل فيهما بل كصفة السجود للسهو، ولو أدرك الركوع الأول وفاته الثاني برعاف بناء أو زحام أو نحوه، فإن كان الفائت ثاني الركعة الأولى فاتت بالرفع بمنزلة من زوحم عن ركوع أولاه وقضاه بعد سلام الإمام، وإن كان ثاني الركعة الثانية أتى به ما لم يرفع من سجودها كمن زوحم عن ركوع غير أولاه. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قوله: وظاهر كلام سند الخ، قال الشيخ بناني: غير صحيح، بل الذي يظهر مما نقله الحطاب عن سند خلافه؛ وهو وجوب الفاتحة في كل قيام من القيامات الأربعة، وهو ظاهر نقل المواق عن ابن يونس، وقوله: والخلاف في سنيتها في كل الخ، ظاهره أن مقابل المشهور القول بسنيتها في القيام الثاني وليس كذلك، فإن الذي في التوضيح والمواق والحطاب وغيرهم أن ابن مسلمة ينفي قراءتها في القيام الثاني من كل ركعة، لا أنه يثبته على وجه السنية -كما ذكر- ونص التوضيح: ووجه الشاذ وهو قول ابن مسلمة أنها ركعتان،

стр. 1575

والركعة الواحدة لا تكرر فيها الفاتحة. انتهى. وفي النوادر: ومن فاتته مع الإمام فليس عليه أن يصليها، فإن فعلت ما دامت الشمس منكسفة فلا بأس به. قاله الحطاب. ولا تكرر؛ يعني أنه يمنع أن تكرر صلاة الكسوف إن أتموها قبل الانجلاء في يوم واحد، وأما إذا كسفت بيوم وفعلت ولم تنجل واستمرت مكسوفة، فإنها تصلى في اليوم الآخر، وكذا لو تكرر الكسوف في يوم واحد قبل الزوال بأن كُسِفت فصلي لها فانجلت، ثم كسفت ثانيا قبل الزوال فتكررت وإنما منع تكريرها في يوم واحد؛ بسبب واحد؛ لأنها صلاة مشتملة على فعل لو فعل في غيرها لأبطلها لزيادة القيام والركوع، فلا يجوز فعلها إلا في محل ورودها. قاله الشيخ إبراهيم. وإذا لم تكرر في يوم واحد لسبب واحد فيدعون، ومن شاء تنفل. قاله في المدونة. وفي الحطاب: ولو خسفت الشمس والقمر مرارا في السنة، فإنهم يصلون الكسوف كل مرة. انتهى. وإن انجلت في أثنانها؛ يعني أنه إذا كسفت الشمس فدخلوا في الصلاة لها فتجلت الشمس كلها؛ فإن الشيوخ اختلفوا في الحكم حينئذ، فمنهم من قال: تتم كالنوافل أي بلا زيادة قيامين وركوعين بلا تطويل، سواء تجلت قبل تمام شطرها أو بعده، وإلى هذا أشار بقوله: ففي إتمامها، بقيام وركوع فقط من غير تطويل. كالهيئة المعهودة في النوافل؛ أي لا تكون بزيادة قيامين وركوعين ولا تطويل. ومنهم من قال: تتم على سنتها بلا طول إن تجلت بعد تمام ركعة بسجدتيها، فإن تجلت، قبل ذلك قطعت في ذلك قولان، والحاصل من كلامهم هنا أنها إذا تجلت كلها بعد تمام ركعة بسجدتيها فإنه لا خلاف في أنها لا تقطع، وإنما الخلاف في إتمامها كالنوافل، وإتمامها على هيئتها مخففة، وأما لو تجلت قبل تمام ركعة بسجدتيها؛ فإنه لا خلاف في أنه لا يتمها على هيئتها، وإنما الخلاف في إتمامها كالنوافل وهو الراجح، لحكاية ابن محرز: عليه الاتفاق وقطعها. وعلم مما قررت أن التفصيل إنما هو في القول المطوي لا في القول الذي نص عليه المصنف، وأن في كل من الصورتين قولين، والقول بإتمامها على هيئتها لأصبغ. ابن عبد السلام: معناه من غير إطالة، والقول بإتمامها كالنوافل لسحنون، وأما لو تجلى بعضها فقط أتمها على هيئتها باتفاق، كما لو تجلى بعضها قبل الدخول. قاله في الطراز.

стр. 1576

تنبيهات: الأول: قد تقدم قول المصنف: "وندب قراءة البقرة" الخ، وقال ابن عرفة في تحديد طول القيام الأول: بقراءة البقرة ثم ما بعدها مرتبا لكل قيام سورة، أو بمطلق الطول نقلا اللخمي عن مالك والقاضي، وفي إعادة الفاتحة في القيام الثاني والرابع قولا المشهور وابن مسلمة، وفي إطالة السجود روايتان لها ولابن عبد الحكم، وروى ابن عبد الحكم: يستقبل الناس بعد سلامه يعظهم ويأمرهم بالدعاء والتكبير والصدقة والعتق. الثاني: إذا زالت الشمس في أثنائها، فانظر هل تكون كما لو انجلت في أثنائها فيجري فيها الخلاف؟ أو يتمها على سنتها إن أدرك ركعة؛ لأن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت، فإن أدرك دون ركعة قطع. الثالث: إذا كسفت الشمس وقد بقي للزوال ما يسع منها ركعة بسجدتيها إن صليت على سنتها وطولت، وإن ترك تطويلها صلاها بتمامها بصفتها، فإنه يسن تقصيرها ليدركها كلها في الوقت، وأما إذا لم يدرك منها إلا ركعة واحدة إن صلاها بزيادة قيامين وركوعين بلا تطويل، وإن صلاها كالنوافل صلى الركعتين معا قبل الزوال، فانظر هل لا يطلب بصلاتها أصلا، أو يطلب بصلاتها؟ وعليه فالظاهر أنه يتمها على صفتها بلا تطويل، فيأتي بالركعتين على هيئة صلاة الكسوف بلا تطويل فيهما، والثانية أقصر، الأولى قبل الزوال، والثانية بعده. والله سبحانه أعلم. قاله الشيخ عبد الباقي. وقدم فرض خيف فواته؛ يعني أن الفرض إذا خيف فواته فإنه يقدم وجوبا على صلاة الكسوف كجنازة خيف تغيرها، أو فائتة يخشى إن لم يفعلها فواتها بنحو قتل أو ظن موت، ومفهومه أن لو لم يخف فواته لم يجب تقديمه. وقد مر أن قضاء الفوائت يجب فورا، وعليه فلا يتنفل من عليه فوائت، خلافا لابن العربي إلا ما خف من الصلوات المسنونة، وفجر يومه، والشفع المتصل بالوتر، وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن: عن ابن رشد ليس وقت المنسية مضيقا، فلا يجوز تأخيرها عنه بحال، كغروب الشمس للعصر، وطلوعها للصبح لقولهم: إذا ذكرها مأموم تمادى، وكذا الفذ عند ابن حبيب، وفيها أيضا

стр. 1577

عنه: يؤمر بتعجيلها إن خاف معاجلة الموت، فيجوز تأخيرها حيث يغلب على الظن أداؤها، ونقله ابن ناجي في شرح الرسالة. انتهى. واعلم أنه إن حمل الفرض في كلامه على الصلاة، فيمثل بما ذكرت، ويتصور أيضا على الشاذ؛ وهو صلاتها إن كسفت بعد الزوال، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا الجواب هو المعتبر؛ لأن عبد الحق إنما فرضها في اجتماع الكسوف والجمعة، ونحوه لابن شأس وأبي الحسن، ونص عبد الحق: إذا اجتمع كسوف وجمعة قدمت الجمعة عند خوف الفوات، وإن أمن منه قدمت صلاة الكسوف، ولو اجتمعت جنازة مع هاتين الصلاتين فهي مقدمة، إلا أن يضيق وقت الجمعة؛ فإنها تقدم عند ضيق وقتها. انتهى. نقله أبو الحسن. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. وأورد على التمثيل بالجنازة المخشية التغير أنه يمكن دفنها بلا صلاة، ثم بعد صلاة الكسوف يصلَّى عليها -كما يأتي للمصنف- ورد بأن ما يأتي محمول على ما بعد الوقوع، أو على ما إذا لم يوجد مصل عليها، وأما إن حمل قوله: "فرض خيف فواته"، على غير الصلاة، فيمثل بإنقاذ أعمى، وصون ما خيف تلفه، وبفجء عدو وقت حل نافلة؛ إذ يجب الجهاد حينئذ عينا، وبهذه الأجوبة يجاب عما يقال: ليس بعد طلوع الشمس للزوال وقت من أوقات الصلاة المفروضة حتى يتصور اجتماعه مع كسوف. ثم كسوف؛ ثم هنا للترتيب الإخباري؛ يعني أن صلاة الكسوف تقدم ندبا -كما في الخرشي- على صلاة العيدين، وإن كانت صلاة العيد آكد من صلاة الكسوف خوف انجلائها، كما أنها لم توقع بالمصلى كذلك. قاله الشيخ الأمير. والله سبحانه أعلم، ونظير ذلك قطع قراءة القرآن مع شرفه لحكاية الأذان لخوف فواتها، فلا بدعة (١) في تقديم المفضول على الفاضل. واعلم أن لله تعالى أن يخلق الكسوف في أي وقت شاء، فلا معنى لاستشكال اجتماع العيد والكسوف بأنه إنما يكون يوم التاسع والعشرين من الشهر، كما قاله أهل الهيئة، والعيد لا يكون فيه؛ إذ هو إما أول يوم من الشهر أو عاشره، ويبطل ما ذكروا في ذلك (أن كسوف الشمس يوم موت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه

стр. 1578

وسلم ثابت في البخاري (١))، قال ابن حجر: وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في العاشر من الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشرة، قال: وفيه رد على أهل الهيئة. ونقل الإمام الرافعي أن الشمس كسفت يوم موت الحسين ﵁، وكان يوم عاشوراء قاله الشيخ بناني. ثم عيد؛ يعني أن صلاة العيد تقدم على صلاة الاستسقاء. وأخر الاستسقاء ليوم آخر؛ يعني أنه يستحب تأخير الاستسقاء عن العيد إلى يوم آخر؛ أي إذا صلوا صلاة العيد، يندب لهم أن يؤخروا صلاة الاستسقاء عن ذلك اليوم الذي صليت فيه العيد، فيصلونها في يوم آخر بعده، وهذا إن لم يضطر له بسببه الآتي، ما لا فعل مع العيد قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: فإن احتاجوا جدا؛ أي احتياجا شديدا صلوا الاستسقاء، وقال: وأما إذا اجتمع الكسوف والاستسقاء فيفعلان معا، ويؤخر الاستسقاء ما لم تشتد الحاجة، وإلا قدم. انتهى. وقوله: "وأخر الاستسقاء" الخ، إنما أخر ليوم آخر؛ لأن العيد يوم زينة وتجمل، والاستسقاء على الضد منه. قاله الشيخ إبراهيم. ولما ذكر المؤلف الاستسقاء في الفصل السابق، ناسب أن يعقد له فصلا يذكر فيه حكم صلاته، وسببها، وما يتعلق بذلك، فلهذا قال: فصل ذكر فيه حكم صلاة الاستسقاء، وسببها.

стр. 1579

فصل: ذكر فيه حكم صلاة الاستسقاء، وسببها، وما يتعلق بذلك. والاستسقاء بالد لغة طلب السقي؛ إذ الاستفعال غالبا لطلب الفعل كالاستفهام، والاسترشاد لطلب الفهم والرشد، ويقال: سقى وأسقى لغتان بمعنى ناوله الشرب، قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾؛ وقال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، ويقال: أسقاه رباعيا دعا له بالسقي، قال الشاعر: سقى الله جيرانا بأكثبة الحلمى … من العارض الهتان صوب عهاد وإني متى أسقيتها أو بكيتها … هياما فما أسقيت غير فؤادي والاستسقاء شرعا: طلب السقي من الله تعالى لقحط نزل بهم، أو غيره. اللخمي: الاستسقاء يكون لأربع: الأول للمحْل والجدب، الثاني عند الحاجة إلى الشرب لشفاههم أو دوابهم أو مواشيهم في سفر في صحراء أو في سفينة أو في المصر، الثالث استسقاء من لم يكن في محْلِ ولا حاجة إلى الشرب وقد أتاهم من الغيث ما إذا اقتصروا عليه كانوا في دون السعة فلهم أن يسَتسقوا ويسألوا الله المزيد من فضله، والرابع استسقاء من كان في خصب لمن كان في محل جدب، وصلاة الاستسقاء في الوجهين الأولين سنة، وفي الثالث من المباح، وفي الرابع من المندوب، انتهى. وأشار المؤلف إلى بيان حكم صلاة الاستسقاء بقوله: سن الاستسقاء؛ يعني أن صلاة الاستسقاء سنة، هذا هو مذهب الجمهور، خلافا لأبي حنيفة، قال: لا يصلى في الاستسقاء، والحجة عليه ما في الصحيحين (أنه ﵊ خرج إلى الاستسقاء وصلى فيه ركعتين جهر فيهما بالقراءة (١))، وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄: (كما يصلي العيد (٢))، وروى أيضا عن عائشة ﵂: (أنه ﵊ صلى فيه ركعتين (٣))، وروى أبو جعفر: أنه ﵊ والخلفاء الأربعة بعده كانوا يصلون صلاة الاستسقاء. فالاستسقاء بالدعاء مأمور به إذا احتيج له، ولا خلاف بين الأمة في

стр. 1580

جوازه، وإنما الخلاف في أصل الصلاة، ومذهب الجمهور هو ما علمت، وقوله: سن أي عينا لذكر بالغ ولو عبدا، وأما الصبي الأمور بالصلاة والمتجالة فتندب لهما، وقوله: الاستسقاء، نائب "سن"، وأشار إلى بيان السبب بقوله: لزرع، ظرف لغو متعلق بالاستسقاء؛ أي سن صلاة الاستسقاء لأجل احتياج زرع، سواء كان لإنباته أو بقائه. ويقال له: محل وجدب بدال مهملة، ولا يستعملان في احتياج الحيوان، والجدب ضد الخصب بكسر الخاء المعجمة. قاله الخرشي، وغيره. وقوله: ولا يستعملان الخ، انظره فإنه غير ظاهر، والظاهر بل التعين استعمالهما في الجميع، وفي القاموس: وفلاة جَدْبَاءُ مُجْدِبَةٌ، والمجداب الأرض لما تكاد تخصب، وحينئذ فالاستسقاء لاحتياج الحيوان والزرع. ولله در الأمير حيث قال: سن الاستسقاء لحاجة، وإن لشرب، وأبيح لتوسعة، قيل: المراد الإذن؛ إذ ليس ثم عبادة مستوية الطرفين، وإن كانت المدونة عبرت بالجواز. انتهى. وقوله: لحاجة، ظاهره عموم الحاجة في الزرع والحيوان، ولا ينافيه ما مر عن الخرشي وغيره -كما هو ظاهر والله سبحانه أعلم. أو شرب؛ قال في القاموس: شرب كسمع شربا ويثلث، ومشربا وتشرابا جرع وأشربته أنا، والشرب مصدر، وبالضم والكسر اسمان، وبالفتح القوم يشربون، وبالكسر الماء والحظ منه. انتهى. وقال في مادة جرع: جرع الماء كسمع ومنع بلعه. انتهى؛ يعني أنه يسن الاستسقاء أي صلاته لأجل الاحتياج إلى شرب آدمي أو غيره من الحيوان، وهذان الأمران؛ أعني قوله: "لزرع أو شرب"، هما اللذان تقدما في كلام اللخمي، وقد مر أن الاستسقاء لهما سنة وقد مر أن الاستسقاء لطلب السعة والمزيد من فضل الله تعالى مباح، والفرق بين هذا وندب الصيد لسعة: إِتْعَابُ خلق كثير هنا، والصيد ليس فيه إتعاب غير الصائد، وقال ابن رشد: إن صلاة الاستسقاء إنما تكون عن شدة الحاجة للغيث. وقوله: بنهر أو غيره؛ جعل الشارح ومن تبعه الباء فيه للسببية؛ أي سن الاستسقاء لأجل الاحتياج إلى الشرب بسبب تخلف نهر أو غيره من مطر أو عين، وعلى هذا فالظاهر أنه متعلق
следующие страницы →