تنبيهات: الأول: قد تقدم قول المصنف: "وندب قراءة البقرة" الخ، وقال ابن عرفة في تحديد طول القيام الأول: بقراءة البقرة ثم ما بعدها مرتبا لكل قيام سورة، أو بمطلق الطول نقلا اللخمي عن مالك والقاضي، وفي إعادة الفاتحة في القيام الثاني والرابع قولا المشهور وابن مسلمة، وفي إطالة السجود روايتان لها ولابن عبد الحكم، وروى ابن عبد الحكم: يستقبل الناس بعد سلامه يعظهم ويأمرهم بالدعاء والتكبير والصدقة والعتق.
الثاني: إذا زالت الشمس في أثنائها، فانظر هل تكون كما لو انجلت في أثنائها فيجري فيها الخلاف؟ أو يتمها على سنتها إن أدرك ركعة؛ لأن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت، فإن أدرك دون ركعة قطع.
الثالث: إذا كسفت الشمس وقد بقي للزوال ما يسع منها ركعة بسجدتيها إن صليت على سنتها وطولت، وإن ترك تطويلها صلاها بتمامها بصفتها، فإنه يسن تقصيرها ليدركها كلها في الوقت، وأما إذا لم يدرك منها إلا ركعة واحدة إن صلاها بزيادة قيامين وركوعين بلا تطويل، وإن صلاها كالنوافل صلى الركعتين معا قبل الزوال، فانظر هل لا يطلب بصلاتها أصلا، أو يطلب بصلاتها؟ وعليه فالظاهر أنه يتمها على صفتها بلا تطويل، فيأتي بالركعتين على هيئة صلاة الكسوف بلا تطويل فيهما، والثانية أقصر، الأولى قبل الزوال، والثانية بعده. والله سبحانه أعلم. قاله الشيخ عبد الباقي.
وقدم فرض خيف فواته؛ يعني أن الفرض إذا خيف فواته فإنه يقدم وجوبا على صلاة الكسوف كجنازة خيف تغيرها، أو فائتة يخشى إن لم يفعلها فواتها بنحو قتل أو ظن موت، ومفهومه أن لو لم يخف فواته لم يجب تقديمه.
وقد مر أن قضاء الفوائت يجب فورا، وعليه فلا يتنفل من عليه فوائت، خلافا لابن العربي إلا ما خف من الصلوات المسنونة، وفجر يومه، والشفع المتصل بالوتر، وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن: عن ابن رشد ليس وقت المنسية مضيقا، فلا يجوز تأخيرها عنه بحال، كغروب الشمس للعصر، وطلوعها للصبح لقولهم: إذا ذكرها مأموم تمادى، وكذا الفذ عند ابن حبيب، وفيها أيضا
стр. 1577
عنه: يؤمر بتعجيلها إن خاف معاجلة الموت، فيجوز تأخيرها حيث يغلب على الظن أداؤها، ونقله ابن ناجي في شرح الرسالة. انتهى.
واعلم أنه إن حمل الفرض في كلامه على الصلاة، فيمثل بما ذكرت، ويتصور أيضا على الشاذ؛ وهو صلاتها إن كسفت بعد الزوال، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا الجواب هو المعتبر؛ لأن عبد الحق إنما فرضها في اجتماع الكسوف والجمعة، ونحوه لابن شأس وأبي الحسن، ونص عبد الحق: إذا اجتمع كسوف وجمعة قدمت الجمعة عند خوف الفوات، وإن أمن منه قدمت صلاة الكسوف، ولو اجتمعت جنازة مع هاتين الصلاتين فهي مقدمة، إلا أن يضيق وقت الجمعة؛ فإنها تقدم عند ضيق وقتها. انتهى. نقله أبو الحسن. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. وأورد على التمثيل بالجنازة المخشية التغير أنه يمكن دفنها بلا صلاة، ثم بعد صلاة الكسوف يصلَّى عليها -كما يأتي للمصنف- ورد بأن ما يأتي محمول على ما بعد الوقوع، أو على ما إذا لم يوجد مصل عليها، وأما إن حمل قوله: "فرض خيف فواته"، على غير الصلاة، فيمثل بإنقاذ أعمى، وصون ما خيف تلفه، وبفجء عدو وقت حل نافلة؛ إذ يجب الجهاد حينئذ عينا، وبهذه الأجوبة يجاب عما يقال: ليس بعد طلوع الشمس للزوال وقت من أوقات الصلاة المفروضة حتى يتصور اجتماعه مع كسوف.
ثم كسوف؛ ثم هنا للترتيب الإخباري؛ يعني أن صلاة الكسوف تقدم ندبا -كما في الخرشي- على صلاة العيدين، وإن كانت صلاة العيد آكد من صلاة الكسوف خوف انجلائها، كما أنها لم توقع بالمصلى كذلك. قاله الشيخ الأمير. والله سبحانه أعلم، ونظير ذلك قطع قراءة القرآن مع شرفه لحكاية الأذان لخوف فواتها، فلا بدعة (١) في تقديم المفضول على الفاضل.
واعلم أن لله تعالى أن يخلق الكسوف في أي وقت شاء، فلا معنى لاستشكال اجتماع العيد والكسوف بأنه إنما يكون يوم التاسع والعشرين من الشهر، كما قاله أهل الهيئة، والعيد لا يكون فيه؛ إذ هو إما أول يوم من الشهر أو عاشره، ويبطل ما ذكروا في ذلك (أن كسوف الشمس يوم موت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه
стр. 1578
وسلم ثابت في البخاري (١))، قال ابن حجر: وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في العاشر من الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشرة، قال: وفيه رد على أهل الهيئة. ونقل الإمام الرافعي أن الشمس كسفت يوم موت الحسين ﵁، وكان يوم عاشوراء قاله الشيخ بناني. ثم عيد؛ يعني أن صلاة العيد تقدم على صلاة الاستسقاء.
وأخر الاستسقاء ليوم آخر؛ يعني أنه يستحب تأخير الاستسقاء عن العيد إلى يوم آخر؛ أي إذا صلوا صلاة العيد، يندب لهم أن يؤخروا صلاة الاستسقاء عن ذلك اليوم الذي صليت فيه العيد، فيصلونها في يوم آخر بعده، وهذا إن لم يضطر له بسببه الآتي، ما لا فعل مع العيد قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: فإن احتاجوا جدا؛ أي احتياجا شديدا صلوا الاستسقاء، وقال: وأما إذا اجتمع الكسوف والاستسقاء فيفعلان معا، ويؤخر الاستسقاء ما لم تشتد الحاجة، وإلا قدم. انتهى. وقوله: "وأخر الاستسقاء" الخ، إنما أخر ليوم آخر؛ لأن العيد يوم زينة وتجمل، والاستسقاء على الضد منه. قاله الشيخ إبراهيم.
ولما ذكر المؤلف الاستسقاء في الفصل السابق، ناسب أن يعقد له فصلا يذكر فيه حكم صلاته، وسببها، وما يتعلق بذلك، فلهذا قال: فصل ذكر فيه حكم صلاة الاستسقاء، وسببها.
стр. 1579
فصل: ذكر فيه حكم صلاة الاستسقاء، وسببها، وما يتعلق بذلك.
والاستسقاء بالد لغة طلب السقي؛ إذ الاستفعال غالبا لطلب الفعل كالاستفهام، والاسترشاد لطلب الفهم والرشد، ويقال: سقى وأسقى لغتان بمعنى ناوله الشرب، قال تعالى: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾؛ وقال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾، ويقال: أسقاه رباعيا دعا له بالسقي، قال الشاعر:
سقى الله جيرانا بأكثبة الحلمى … من العارض الهتان صوب عهاد
وإني متى أسقيتها أو بكيتها … هياما فما أسقيت غير فؤادي
والاستسقاء شرعا: طلب السقي من الله تعالى لقحط نزل بهم، أو غيره. اللخمي: الاستسقاء يكون لأربع: الأول للمحْل والجدب، الثاني عند الحاجة إلى الشرب لشفاههم أو دوابهم أو مواشيهم في سفر في صحراء أو في سفينة أو في المصر، الثالث استسقاء من لم يكن في محْلِ ولا حاجة إلى الشرب وقد أتاهم من الغيث ما إذا اقتصروا عليه كانوا في دون السعة فلهم أن يسَتسقوا ويسألوا الله المزيد من فضله، والرابع استسقاء من كان في خصب لمن كان في محل جدب، وصلاة الاستسقاء في الوجهين الأولين سنة، وفي الثالث من المباح، وفي الرابع من المندوب، انتهى. وأشار المؤلف إلى بيان حكم صلاة الاستسقاء بقوله:
سن الاستسقاء؛ يعني أن صلاة الاستسقاء سنة، هذا هو مذهب الجمهور، خلافا لأبي حنيفة، قال: لا يصلى في الاستسقاء، والحجة عليه ما في الصحيحين (أنه ﵊ خرج إلى الاستسقاء وصلى فيه ركعتين جهر فيهما بالقراءة (١))، وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄: (كما يصلي العيد (٢))، وروى أيضا عن عائشة ﵂: (أنه ﵊ صلى فيه ركعتين (٣))، وروى أبو جعفر: أنه ﵊ والخلفاء الأربعة بعده كانوا يصلون صلاة الاستسقاء. فالاستسقاء بالدعاء مأمور به إذا احتيج له، ولا خلاف بين الأمة في
стр. 1580
جوازه، وإنما الخلاف في أصل الصلاة، ومذهب الجمهور هو ما علمت، وقوله: سن أي عينا لذكر بالغ ولو عبدا، وأما الصبي الأمور بالصلاة والمتجالة فتندب لهما، وقوله: الاستسقاء، نائب "سن"، وأشار إلى بيان السبب بقوله: لزرع، ظرف لغو متعلق بالاستسقاء؛ أي سن صلاة الاستسقاء لأجل احتياج زرع، سواء كان لإنباته أو بقائه. ويقال له: محل وجدب بدال مهملة، ولا يستعملان في احتياج الحيوان، والجدب ضد الخصب بكسر الخاء المعجمة. قاله الخرشي، وغيره. وقوله: ولا يستعملان الخ، انظره فإنه غير ظاهر، والظاهر بل التعين استعمالهما في الجميع، وفي القاموس: وفلاة جَدْبَاءُ مُجْدِبَةٌ، والمجداب الأرض لما تكاد تخصب، وحينئذ فالاستسقاء لاحتياج الحيوان والزرع.
ولله در الأمير حيث قال: سن الاستسقاء لحاجة، وإن لشرب، وأبيح لتوسعة، قيل: المراد الإذن؛ إذ ليس ثم عبادة مستوية الطرفين، وإن كانت المدونة عبرت بالجواز. انتهى. وقوله: لحاجة، ظاهره عموم الحاجة في الزرع والحيوان، ولا ينافيه ما مر عن الخرشي وغيره -كما هو ظاهر والله سبحانه أعلم. أو شرب؛ قال في القاموس: شرب كسمع شربا ويثلث، ومشربا وتشرابا جرع وأشربته أنا، والشرب مصدر، وبالضم والكسر اسمان، وبالفتح القوم يشربون، وبالكسر الماء والحظ منه. انتهى. وقال في مادة جرع: جرع الماء كسمع ومنع بلعه. انتهى؛ يعني أنه يسن الاستسقاء أي صلاته لأجل الاحتياج إلى شرب آدمي أو غيره من الحيوان، وهذان الأمران؛ أعني قوله: "لزرع أو شرب"، هما اللذان تقدما في كلام اللخمي، وقد مر أن الاستسقاء لهما سنة وقد مر أن الاستسقاء لطلب السعة والمزيد من فضل الله تعالى مباح، والفرق بين هذا وندب الصيد لسعة: إِتْعَابُ خلق كثير هنا، والصيد ليس فيه إتعاب غير الصائد، وقال ابن رشد: إن صلاة الاستسقاء إنما تكون عن شدة الحاجة للغيث.
وقوله: بنهر أو غيره؛ جعل الشارح ومن تبعه الباء فيه للسببية؛ أي سن الاستسقاء لأجل الاحتياج إلى الشرب بسبب تخلف نهر أو غيره من مطر أو عين، وعلى هذا فالظاهر أنه متعلق
стр. 1581
بالاحتياج المفهوم من سياق الكلام، وقال الشبراخيتي: إن الباء بمعنى "من "، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾؛ أي من نهر بسبب تخلفه كتوقف النيل. انتهى. وعليه، فقوله "بنهر"، متعلق "بشرب" وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن قوله: "بنهر" الصواب أنه متعلق بما في الاستسقاء من معنى السقي؛ أي سن طلب السقي بنهر الخ، كالنيل لأهل مصر. وقوله: "بنهر"، قال في القاموس: النهر ويحرك: مجرى الماء، جمعه أنهار ونُهُرٌ ونهور وأنهر. انتهى. والمراد هنا الماء، وسمي النهر بذلك؛ لأن الماء ينهره أي يحفره. والله سبحانه أعلم.
وإن بسفينة يعني أن صلاة الاستسقاء لا تختص بمن كان في القرى والمدن والصحاري بل تشرع لمن في السفينة على ظهر الماء عند حصول سببها كما لو كانوا ببحر ملح أو عذب لا يصلون إليه، وقوله: "سن الاستسقاء"؛ أي ولا تقام الصلاة للاستصحاء حيث أضر المطر بالناس لكثرته، بل يدعون ويتضرعون، قال السهيلي: وإذا اضطروا من كثرة المطر فليسألوا الاستصحاء. انتهى. وفي قوله ﷺ : (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم منابت الشجر وبطون الأودية وظهور الآكام (١)): تعليم كيفية الاستصحاء أي طلب الصحو، ولم يقل: ارفعه عنا؛ لأنه رحمة ونعمة لما يطلب رفعه، ولم يقل: اصرفها إلى منابت الشجر فقط؛ لأنه سبحانه أعلم بوجه اللطف وطريق المصلحة، ومما ورد في الاستصحاء ما رواه الشيخان من قوله ﷺ : (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآجام والآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر (٢))، قوله: الآكام بالفتح والمد ويروى بالكسر والقصر جمع أكمة، وهي الرابية أي التل، وقيل: شرافة بالرابية وهي ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، وربما غلظ وربما لم يغلظ، والأجمة بالتحريك: الشجر الكثير الملتف، جمعها أجم بالضم وبضمتين وبالتحريك، وآجام وإجام وأجمات، والحديث مروي على الإجام والآجام مثل الإكام والآكام، والظراب بكسر الظاء ما نتأ من الحجارة البوادي الكبار والجبال الصغار واحدها ظرب بكسر الراء. قاله غير واحد، وقوله: "الاستسقاء"، مبدو بهمزة الوصل مكسورة، ولأحمد بن يوسف في همزة الوصل:
стр. 1582
لتحريك همز الوصل حالات اشكلت … فدونكها نظما بديع الآساس
فإن تك في حرف تعين فتحها … وإن تك في فعل فغير خماسي
إذا كان كاكتب فاحكمن بضمها … كما كان للمفعول وهو سداسي
كذاك الخماسي ما عدا اختير عندهم … فجوز غير الفتح كل أناس
وفتحكها يختار لا العكس في ايمن … ويعكس ذا في اسم بغير التباس
وإن شئت فاضممها كما هو راجح … بكاغزي أو اكسرها خلافا لناس
وقل كسرها فيما عدا ذاك واجب … وقد تم فاحفظها بغير تناس
يسأل عبد الله أحمد ربه … من الصبر والتقوى جميل لباس
قوله: ركعتان بدل من الاستسقاء، أو خبر مبتدإ محذوف؛ أي سن صلاة الاستسقاء، وهي ركعتان؛ وفي بعض النسخ: للاستسقاء بلام الجر، وحينئذ فقوله: "ركعتان" نائب "سن" ولا أذان لصلاة الاستسقاء، ولا إقامة لها، ويقرأ فيها بك ﴿سَبِّحْ﴾ و ﴿الشَّمْسَ﴾. جهرا، الجهر إعلان الكلام، يقال: جهر بالكلام وأجهر به: أعلن، قاله في القاموس؛ يعني أن صلاة الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة وإن كانت نهارية؛ لأنها ذات خطبة كالعيدين، ويتأكد ندب الجهر بالاستسقاء كهو بوتر، وليس فيها؛ أي صلاة الاستسقاء زيادة تكبير كالعيد، ولا يكبرون في غدوهم. ابن الماجشون: ليس في الغدو لها جهر بتكبير ولا استغفار. ابن حبيب: من فاتته صلاها إن شاء. وكرر إن تأخر؛ يعني أنه إذا تأخر حصول المطلوب بأن لم يحصل من المطر شيء أو حصل منه دون الكفاية؛ فإنه يجوز أن تكرر صلاة الاستسقاء في أيام لما في يوم واحد، وقال الشيخ عبد الباقي: وكرر استنانا لسببه المار، وندبا فيما يندب فيه، واعترضه الرماصي بأنه: خلاف قول المدونة: وجائز أن يستسقى في الستة مرارا، وخلاف ما في النوادر عن ابن حبيب، لا بأس به أياما، واقتصر عليه ابن عرفة وصاحب الجواهر.
قال الشيخ محمد بن الحسن: فيحمل كلام المصنف على الجواز. أصبغ: استسقي عندنا بمصر خمسة وعشرين يوما متوالية على سُنَّة صلاة الاستسقاء، وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب
стр. 1583
ورجال صالحون فلم ينكروه. السوداني: إن الله يبتلي العبد وهو يحبه، ويؤخر إجابته ليسمع تضرعه ودعاءه، ويعجل إجابة الكافر بغضا لذكره. انتهى. وفي الحطاب ما نصه: قال ابن حبيب: ولا بأس أن يستسقى أياما متوالية، ولا بأس أن يستسقى من إبطاء النيل. وبحت الرهوني في كلام مصطفى ومن تبعه، وقوى ما لعبد الباقي من السنة.
وخرجوا ضحى؛ يعني أنه يندب لهم إيقاع صلاة الاستسقاء بالمصلى كما في العيدين، فيخرجون إليه وقت الضحى؛ أي لأن وقت صلاة الاستسقاء من حل النفل للزوال، كما قاله ابن حبيب. واستظهر في توضيحه أنه تفسير لقول المدونة، وإنما تصلى ضحوة. انتهى. لا خلافٌ لها، وفهمها الباجي على أن وقتها ذلك ولا تصلى بعده، وتردد سند في كونه تفسيرا لها؛ والظاهر أن أهل مكة يصلون الاستسقاء في المسجد الحرام كالعيد. انتهى. قال الإمام الحطاب: وقد ذكر ابن جبير في رحلته -وكانت في سنة تسع وسبعين وخمس مائة- أن أهل مكة صلوا صلاة الاستسقاء بالمسجد الحرام، وأن الإمام صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثم خطب على المنبر، وقد ألصق بالبيت على العادة، وأنهم كرروا ذلك ثلاثة أيام. والله أعلم.
مشاة؛ يعني أنهم يخرجون إلى المصلي مشاة جمع ماش، ولا يخرجون ركبانا. ابن حبيب: من سنتها أن يخرج الناس إليها مشاة. ببذلة، بكسر الباء وسكون الذال المعجمة وهي: ما يمتهن من الثياب ويستعمل للمهنة بالفتح والكسر والتحريك؛ أي الخدمة بالنسبة للابس، قال في القاموس في مادة بذل: والابتذال ضد الصيانة، وكمكنسة ما لا يصان من الثياب كالبذلة بالكسر؛ يعني أنهم يخرجون ماشين على أقدامهم لا بسين ثياب الذل والمسكنة، ولا يلبسون ثياب الجمعة. وتخشع؛ يعني أنهم يخرجون مع ذلك متخشعين أي متكلفين للخشوع أي الخضوع أي التواضع، ينشأ عن ذلك ظهور الخشوع؛ لأن الخشوع هو المطلوب من الناس، فإذا لم يخشعوا تكلفوا الخشوع. ابن حبيب: من سنتها أن يخرجوا إليها مشاة في بذلتهم لا يلبسون ثياب الجمعة، بسكينة ووقار، متواضعين متخشعين متضرعين وجلين إلى مصلاهم، فإذا ارتفعت الشمس خرج الإمام ماشيا متواضعا في بذلة؛ لأن العيد إذا رأى مخايل العقوبة لم يأت مولاه إلا بمصفة الذل. مشايخ؛ يعني أنه يخرج إلى المصلي لصلاة الاستسقاء الشايخ، والظاهر أن المراد بهم
стр. 1584
الرجال البالغون، لا المشايخ بالمعنى المذكور في باب الوقف، قوله: "مشايخُ"، يجوز نصبه على الحال؛ ويجوز رفعه على أنه بدل من الواو في قوله: "وخرجوا". ومتجالة؛ أي وكذلك تخرج المتجالة إلى المصلي لصلاة العيد؛ وهي التي لا أرب للرجال فيها لكبر سنها، يقال: جل يجل جلالة وجلالا: أسن واحتنى، ويقال: تجال عنه تعاظم، فإن لم تكن متجالة بأن كانت شابة غير ناعمة لم تؤمر بالخروج؛ فإن خرجت لم تمنع، وأما الشابة الناعمة فلا تخرج لمنافاته للخشوع، وقوله: "ومتجالة"؛ مكرر مع ما قدمه في الجماعة.
وصبية؛ يعني أن الصبية الذين يعقلون الصلاة يخرجون إلى المصلي لصلاة الاستسقاء، وليس في قول المدونة: ولا يؤمر النساء والصبيان بالخروج إليها، فإن خرجوا لم يمنعوا -انتهى- ما يدل على خروج من ذكر، وإنما اعتمد المصنف قول اللخمي: يخرج إلى الاستسقاء ثلاثة: الرجال ومن يعقل الصلاة من الصبيان والمتجالات من النساء، لا من يعقل منهم؛ يعني أنه لا يخرج إلى المصلي لصلاة الاستسقاء من لا يعقل القربة من الصبيان.
واعلم أن العبيد كالأحرار. وبهيمة، قال في القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حي لما يميز؛ يعني أن البهائم لا تخرج في الاستسقاء كالصبية الذين لا يعقلون القربة، فليس ذلك بمشروع، وجنح ابن حبيب كالشافعي لخروجهم، لخبر: (لولا أطفال رضع وشيوخ ركع ودواب رتع لصب عليكم العذاب صبا (١))، ويجاب للمشهور بأن المعنى: لولا وجودهم لا حضورهم. وحائض؛ يعني أن الحائض والنفساء حال جريان دمهن لا يخرجن إلى المصلي، وكذا بعد انقطاعه وقبل الغسل. عبد الحق: بل هي الآن أشد في المنع لقدرتها على الاغتسال، وأما الجنب فإنه يخرج إن كان فرضه التيمم أو وجد ما يغتسل به، وإلا فلا. قاله الشيخ إبراهيم. وعلل منع الحائض بنجاستها، وبنفرة الملائكة الطوافين غير الحفظة عن مجلس به حائض. وفي الحديث: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه حائض أو جنب (٢))، وفي الحديث: (لا تدخل اللائكة بيتا فيه كلب أو تمثال (٣)). ولا يمنع ذمي؛ يعني أن الذمي لا يمنع من الخروج للاستسقاء؛ أي يكره منعه من
стр. 1585
الخروج، وإذا لم يمنع الذمي من الخروج كما هو المستحب، انفرد بمكان عن المسلمين ندبا. لا بيوم؛ يعني أن أهل الذمة لا ينفردون بيوم يخرجون فيه للاستسقاء، وإنما ينفردون بمكان، وإنما لم ينفرد الذمي بيوم خشية سبق القدر بالسقي في يومهم فيفتتن بذلك ضعفاء المسلمين، وانفراد الذمي بيوم مكروه، والعلة تقتضي التحريم. وقوله: "لا بيوم"، هو قول ابن حبيب وهو المشهور. قال: ويخرجون وقت خروج الناس ويعتزلون ناحية ولا يخرجون قبل الناس ولا بعدهم. انتهى. ورد المصنف قول القاضي أبي محمد: لا بأس بانفرادهم بيوم. قال الشيخ محمد بن الحسن: لو قال المصنف: "لا بوقت"، كان أولى لقول ابن حبيب: يخرجون وقت خروج الناس ويعتزلون ناحية ولا يخرجون قبل الناس ولا بعدهم. انتهى من المواق. انتهى؛ أي لاقتضاء المصنف أنهم لا يمنعون من الانفراد بوقت حيث كان الاستسقاء منهم، ومن المسلمين في يوم واحد، ونحوه للشيخ إبراهيم؛ فإنه قال: لو قال بزمان لكان أحسن؛ لأنه لا يخرج قبلنا ولا بعدنا، بل مقارنا لنا. وكلامه يصدق بما إذا خرج قبلنا أو بعدنا للمصلى ولم ينفرد بيوم، والظاهر أن المصنف إنما قصد التنصيص على رد قول أبي محمد -كما مر- على أن اليوم يقال لجزء من الزمن ولو قل: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ والله سبحانه أعلم.
وأعلم أن الأقسام ثلاثة: قسم يخرجون باتفاق؛ وهم الرجال والصبيان الذين يعقلون الصلاة والعبيد والمتجالات من النساء، وقسم لا يخرجون باتفاق، وهو النساء في حال حيضهن ونفاسهن لنجاستهن وكذلك الشابة الناعمة لأن خروجها ينافي الخشوع، وقسم اختلف فيهم؛ وهم البهائم والصبي الذي لا يعقل والشابة التي ليست بناعمة وأهل الكتاب. قاله الجزولي في شرح الرسالة، قاله الخرشي.
والمشهور أن إخراج الصبيان والبهائم غير مشروع، وقيل: يخرجون، وكذلك الشابة التي لا تخشى منها الفتنة، وأباح في المدونة خروج أهل الذمة، ومنعه أشهب، ولا يمنع الذميون من إظهار صليبهم إذا تنحوا به كن الجماعة والتطوف به وشركهم وقت الاستسقاء، ويمنعون من إظهار ذلك في أسواق المسلمين في الاستسقاء وغيره، كما يمنعون من إظهار الزنى وشرب الخمر. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 1586
ثم خطب؛ يعني أن الإمام إذا صلى بالناس صلاة الاستسقاء، فإنه يخطب، فقوله: "ثم"؛ أي بعد صلاة الاستسقاء ركعتين "يخطب" كالعيد" أي يخطب خطبتين بعد الصلاة يجلس في أولهما ووسطهما، ويتوكأ على كعصا. ابن بشير: ولا يدعو في هذه إلا بكشف ما نزل بهم، لا لأحد من المخلوقين أي حتى السلطان، ولعله إن لم يخش منه أو من نوابه. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو أسقطت الخطبة هنا لم تفسد الصلاة بذلك إجماعا، وما ذكره المصنف من تقديم الصلاة على الخطبة هو المشهور، ودليله ما خرجه أصحاب الصحاح (أنه ﵊ قدم الصلاة في الاستسقاء (١))، ولأن تقدم الصلاة أنجح في الدعاء فإنها أعظم الوسائل، وكان ﵊ إذا أراد حاجة توضأ وصلى ثم يسأل الله، وما ذكره من أن لها خطبتين كالعيد هو المذهب؛ لأن النبي ﷺ (خطب خطبتين وجلس بينهما (٢))، فوجب اتباع ذلك، ولا حد فيه، ولكنه وسط. قاله الأقفهسي. وقال ابن عمر: الجلوس بين الخطبتين على قدر الجلوس بين السجدتين، ويدعو في خطبته بكشف ما نزل بهم، ولا يدعو لأمير المؤمنين، ولا لأحد من المخلوقين. القرافي: من أدرك الخطبة وفاتته الصلاة جلس لها ولا يصلي وهو بالخيار بعد ذلك في الصلاة؛ لأنها بقيت نافلة مطلقة. وقال في الكتاب: وإن أحدث في الخطبة تمادى لعدم اشتراط الطهارة في الخطبة، وقوله: "ثم خطب كالعيد"، قال في الرسالة وشرحها لأبي الحسن: ثم إذا سلم فإنه يستقبل الناس بوجهه وهو على الأرض لا يرقى منبرا على المشهور، فإذا استقبلهم يجلس جلسة ليأخذ الناس أمكنتهم، فإذا اطمأن الناس في أماكنهم، قام الإمام على جهة الاستحباب متوكئا على قوس عربي أو عصا أو سيف ليلا يعبث بلحيته، فخطب ثم جلس، ثم قام فخطب.
وبدل التكبير بالاستغفار؛ يعني أن التكبير المطلوب فعله في خطبة العيد والخروج له، يبدله ندبا في خطبة الاستسقاء والخروج له الإمام والناس معه بالاستغفار، بأن يستفتح الخطبتين بالاستغفار
стр. 1587
ويخللهما به، ويستغفروا في الخروج، لقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، والباء في قوله: "بالاستغفار"، داخلة على المأخوذ لا المتروك، ويتعدى بدل لواحد: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾؛ أي غيره، ولمفعولين بنفسه نحو: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، وبالباء لثان نحو: بدلت العصيان بالتوبة، ولثالث نحو: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾، والباء في الثاني داخلة على المأخوذ، وفي الثالث على المتروك دائما، وكذا تبدل كذا بكذات واستبدل كذا بكذا، فالباء داخلة على المتروك، نحو: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾؛ أي لا تتركوا الطيب وتأخذوا الخبيث: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي يترك الإيمان ويأخذ الكفر، وقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؛ أي تتركون الذي هو خير وتأخذون الذي هو أدنى، وإلى هذا أشار الشيخ علي الأجهوري بقوله:
وما لاصقته الباء في استبدل الردي … بجيد المتروك مثل تبدلا
وبالعكس بدلنا وعَدِّ لواحِدٍ … فغير معناه فكن متأملا
وعد لمفعولين والثان مبدل … ويبدل منه ما نصبناه أولا
وعد لمفعولين أيضا بنفسه … وبالبا لمذهوب به يا أخا العلا
كذا قال سعد الدين قدس سره … بحاشية الكشاف هذا مفصلا
وقوله: "وبدل التكبير بالاستغفار"، قد مر أن ذلك في الخطبة والخروج، وأما التكبير الذي في صلاة العيد فإنه لا يأتي في صلاة الاستسقاء ببدله من الاستغفار، ولا يأتي منه فيها إلا بتكبيرة الإحرام وتكبير الخفض والرفع على المذهب، خلافا للشافعي القائل بأنه: يكبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا كالعيد.
وبالغ في اك عاء آخر الثانية؛ يعني أن الإمام ومن بعد عنه يستحب له أن يبالغ في الدعاء آخر الخطبة الثانية، وأمام قرب من الإمام فيستحب له أن يؤمن على دعاء الإمام، ثم إنه يحتمل أن يريد بالمبالغة في الدعاء الإطالة فيه كما لابن حبيب، ويحتمل أن يريد به الإتيان بأجوده
стр. 1588
ويحتملهما معا، والمراد بالثاني ما جاء عنه ﷺ ، ومنه خبر الموطإ: (كان إذا استسقى قال: اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت (١))، والميت: بمثناة تحتية ساكنة وتشدد، وأما الحي فبالتثقيل لا غير؛ أي وصف الحي بأنه ميت حكما، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، وروى ابن عمر أنه ﷺ كان يقول: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا مجللا عاما طبقا سحا دائما، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم بالعباد والبلاد من الأذى والضنك والجهد ما لا يشكى إلا إليك، أنبت لنا الزرع وأدرَّ لنا الضرع وأسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك فإنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا (٢)). انتهى. قاله الشيخ إبراهيم.
والمغيث: الذي يحيي الناس وينجيهم من الشدة، والمَريع: المخصب الناجع في المال والماشية من المراعة، مرع المكان كثر نبته، والغدق: الكثير، والمجلل: الذي يستر الأرض بمائه أو بالنبات؛ أي الذي ينبت كأنه يكسوا الأرض، والطبق: الذي يطبق الأرض أي يعم وجهها. وقوله: دائما؛ وفي بعض الروايات: ديما، جعع ديمة، وهو مطر يدوم مع سكون، وفي رواية: غير رائث؛ أي غير بطيء، ويكون الدعاء جهرا كما في الطراز. وذكر الزرقاني: أنه يدعو سرا؛ ولا يرفع يديه لسماع ابن القاسم: لا يعجبني رفع يديه في الدعاء. قاله الشيخ إبراهيم. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وندب جهر الإمام بالدعاء، خلافا للشافعي، ويؤمن من قرب منه على دعائه. انتهى. ويرد على ما للشيخ إبراهيم ما رواه في التيسير عن الستة إلا الترمذي عن أنس ﵁ قال: (أصابت الناس سنة، فبينا النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، [إذ قام (٣)] أعرابي، فقال: يا رسول الله هلك الماء وضاع العيال فادع لنا فرفع يديه -وما نرى في السماء قزعة- فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم يزل على المنبر حتى رأيت السحاب يتحادر عن لحيته؛ فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه
стр. 1589
حتى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو غيره، فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت (١)).
وفي رواية: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال: فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس (٢)). وروى في التيسير عن أبي داود عن عائشة ﵂: (شكي إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلي، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، قالت: فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله تعالى، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله تعالى أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قرة وبلاغا إلى حين، ثم رفع يديه حتى ريء بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وحول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل وصلى ركعتين، فأنشأ الله تعالى سحابا فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم نأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبده ورسوله (٣)). انتهى. وفي هذا الحديث دليل لمقابل المشهور أن الخطبة قبل الصلاة. والله سبحانه أعلم. وعن أنس ﵁ قال: (أصابنا مطر ونحن مع رسول الله ﷺ ، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعت هذا؛ قال: إنه حديث عهد بربه (٤)). أخرجه أبو داود، قاله في التيسير.
وقد مر أن مراده بالستة: الإمام مالك، والشيخان: مسلم والبخاري، وأصحاب السنن: الترمذي وأبو داود والنسائي. والله تعالى أعلم. مستقبلا، حال من الضمير في قوله: "وبالغ"؛ يعني أن
стр. 1590
الإمام في صلاة الاستسقاء إذا كان يدعو فإنه يستقبل القبلة في دعائه وظهره إلى الناس. ثم بعد الفراغ من الخطبة واستقباله للقبلة على المشهور، وقيل: إذا أشرف على فراغها، وقيل: بين ظهرانيها، وقيل: بعد صدر منها. قاله الشيخ الراهيم.
حول رداءه يمينه يساره؛ يعني أن الإمام إذا فرغ من الخطبة واستقبل القبلة يحول رداءه: بأن يجعل ما على اليمين على اليسار، وما على اليسار على اليمين، ويبدأ في ذلك بيمينه، فيأخذ ما على عاتقه الأيسر مارًا به من ورائه، ويجعله على عاتقه الأيمن، وما على الأيمن على الأيسر تفاؤلا بتحويل حالهم من جدب إلى خصب، ويلزم من هذا التحويل قلبه، فيصير ما يلي ظهره للسماء وما يليها على ظهره.
بلا تنكيس؛ أي يكره تحويله على التنكيس، يجَعْلِ حاشيته التي على كتفيه جهة عجزه، وحاشيته السفلى على كتفيه، وكره ذلك خوف التفاؤل بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾، وسواء على هذا المكروه بقي ما لجهة السماء على حاله أو جعله لجهة ظهره. واستظهر الشارح نصب يمينه يساره بعامل محذوف؛ أي يجعل يمينه يساره وجوز فيه البدلية؛ أي بدلية البعض من الكل؛ وجَوَّزَ نصبه بإسقاط الخافض أي بجعل ما على يمينه على يساره، وعليه فالضمير لفاعل التحويل؛ وعلى الأولين للرداء. قاله الشيخ سالم. قاله الشيخ عبد الباقي. واعلم أن الإمام إذا فرغ من خطبته استقبل القبلة قائما، وجعل ظهره للناس، ويحول رداءه، ثم يدعو فالدعاء بعد التحويل، والتحويل بعد الاستقبال، وكلام المصنف كالصريح في أن التحويل بعد الدعاء، وهو قول، لكنه ضعيف، وهو المناسب لكون التحويل من الجدب إلى الخصب بعد الدعاء الراد للقضاء، كما في الخبر (١)). والمذهب تأخير الدعاء عن التحويل، فيخطب، ثم يستقبل، ثم يحول، ثم يدعو، وهذه الأربعة مرتبة، وحيتئذ "فثم" هنا للترتيب الذكري، وهذا الذي ذكرت أنه المذهب: هو الذي في المدونة والرسالة وغيرهما، قال البناني: ويمكن أن يجاب عن المصنف، بأن قوله: "ثم حول"، عطف على قوله: "مستقبلا"؛ أي ثم بعد الاستقبال حول رداءه.
قال جامعه عفا الله عنه: انظر هذا الجواب، فإنه فيه ما فيه. والله سبحانه أعلم.
стр. 1591
وقال الشيخ إبراهيم: قال شيخنا الأجهوري في شرحه: ومما جرب لنزول الغيث ودفع كل مهم، استغاثة الشيخ العارف بالله تعالى شعيبب أبي مدين على ما أخبرنا به الشيخ سيدي علي البهلول، وهي:
يا من يغيث الورى من بعد ما قنطوا … ارحم عبيدا أكف الفقر قد بسطوا
واسترسلوا جودك المعهود فاسقهم .... ريا يريهم رضا لم يثنه سخط
وعامل الكل بالفضل الذي ألفوا … يا عادلا لا يرى في حكمه شطط
إن البهائم أضحى الترب مرتعها … والطير تغدو من الحصباء تلتقط
والأرض من حلة الأزهار عارية … كأنها ما تحلت بالنبات قط
وأنت أكرم مفضال تمد له … أيدي العصاة وإن جاروا وإن قسطوا
ناجوك والليل جلاه الصباح سنا … كما يجلي سواد اللمة الشمط
فشارب بذنوب الذنب غص به … وآخرون كما أخبرتنا خلطوا
ومنعم في لفيف العيش وهو يرى … في سلك من حام حول العرش ينخرط
وملحد يدعي ربا سواك له … حيران في شرك الإشراك يختبط
كل ينال من المقدور قسمته … قوم ترقوا وقوم في الهوى سقطوا
حكم من الله عدل في بريئته … فرض علينا له التسليم مشترط
وما ذنوب الورى في جنب رحمته … وهل يقاس بفيض الأبحر النقط؟
فما لنا ملجأ غير الكريم ومن … يلفى على الحوض وهو السابق الفرط
ذاك الرسول الذي كل الأنام به … يوم القيامة مسرور ومغتبط
صلى عليه صلاة لا نفاد لها … من اسمه باسمه في الذكر مرتبط
وكذا الرجال؛ يعني أن الرجال كالإمام يحولون أرديتهم على نحو ما مر في تحويل الإمام فقط؛ يعني أن التحويل للأردية إنما هو في حق الإمام والرجال الحاضرين، وأما النساء الحاضرات فلا يحولن أرديتهن بلا خلاف؛ لأن ذلك يؤدي إلى كشفهن. قعودا؛ يعني أن الرجال يحولون
стр. 1592
أرديتهم في حال كونهم قعودا، ولا يكرر الإمام ولا هم التحويل، ولا تحول البرانس والغفائر ما لم تلبس كالرداء. والغفائر جمع غفارة ككتابة: خرقة تقي المرأة بها خمارها من الدهن، هذا معناه لغة، وفي الاصطلاح: شيء يجعل على شكل البرانس. الشيخ أبو محمد: وأما البربر فلا تحول الأكسية. لأن في ذلك كشفا لهم. انتهى. وفي الحطاب ما نصه: واختلف في البرانس والغفائر على قولين، والشهور لا تحول. ونص أبو محمد صالح على أنه لا يحول من لم يكن له إلا ثوب واحد. انتهى. ومقتضى قوله: "قعودا"، أن الإمام لا يطلب منه القعود في حال تحويله للرداء، وهو كذلك. كما في المدونة وغيرها. والله تعالى أعلم.
وندب خطبة بالأرض؛ يعني أن الخطبة في الاستسقاء يندب أن تكون بالأرض لا على المنبر؛ فيكره لطلب لزيد التواضع حال الاستسقاء، ولم يثبت عند الإمام مالك خبر عائشة ﵂: (أمر ﷺ بمنبر فوضع له (١))، بل قال: لم يكن له منبر يخرج به، ولا لأبي بكر؛ ولا لعمر.
وأول من أحدث له منبر في العبد: عثمان، من طين أحدثه له كثير بن الصلت، وعلى ثبوته فهو أعظم خلق الله تواضعا، وفعله لبيان الجواز مخافة أنها لا تكون إلا بالأرض للتواضع. قاله الشيخ إبراهيم؛ وصيام ثلاثة أيام قبله؛ يعني أنه يندب صوم ثلاثة أيام قبل الخروج إلى الاستسقاء، لترق القلوب، ويذهب غلظها، فتقبل الموعظة؛ وهل يخرجون بعد الثالث مفطرين؟ للتقوي على الدعاء، كيوم عرفة، وهو ظاهر كلام المصنف، وبه قرره التتائي في صغيره، وبعض الشراح، أو يخرجون في الثالث صائمين؟ وعليه التتائي في كبيره لخبر: (دعوة الصائم لا ترد عليه (٢))، وقوله: "قبله"؛ قال في الحاشية: الصواب إسقاطه؛ لأن النص خروجهم في الثالث صائمين، وقال بعد ذلك: والمذهب أنهم يخرجون صائمين. قاله الشيخ إبراهيم.
وصدقة؛ يعني أنه يندب أيضا التصدق قبل صلاة الاستسقاء رجاء مجازاتهم بجنس فعلهم، فإنه جاء: من أطعم أطعم ومن أحسن أحسن إليه. ولا يأمر بهما الإمام؛ يعني أنه يكره للإمام أن
стр. 1593
يأمر بصيام الأيام الثلاثة والصدقة المأتي بهما قبل صلاة الاستسقاء ليلا يكون فعلهما لأجل الإمام أي السلطان، فلا ينجحان. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: أي لأنهما حينئذ فعلا لطاعة المخلوق لا لطاعة الخالق، فلا يكون فيهما إخلاص، وفيه نظر ظاهر. انتهى. وما ذكره من أنه لا يأمر بالصدقة، خلاف قول ابن شأس واللخمي والمازري إنه يأمر بها؛ وحكى عليه الجزولي الاتفاق، فأقل مراتبه أن يكون هو المعول عليه. قال الشيخ عبد الباقي: وإذا أمر بهما وجبت طاعته، قال الشيخ البناني: فيه نظر في نحو هذا مما ليس من المصالح العامة. انتهى. ابن عرفة: إن أمر بمباح وجب، وإن أمر بمكروه فقولان، وعبارة الشيخ أحمد زروق: تجب طاعة الإمام في كل ما يأمر به ما لم يأمر بمحرم مجمع عليه. انتهى. وفي الحطاب ما نصه: قال ابن عرفة: ابن حبيب: ويحض على الصدقة ويأمر فيها بالطاعة، ويحذر من المعصية. انتهى. وأما ما ذكره في الصوم فمسلم لأنه موافق لما في الجواهر، واستحب ابن حبيب الأمر به؛ وهو قول مالك والمغيرة. قاله الشبراخيتي. الرماصي: لم يقل أحد فيما علمت أنه لا يأمر بالصدقة، وأما الصوم فقد علمت أنه لم يقل أحد باستحبابه، إلا ابن حبيب، وقد تقدم أنه قال: يأمر به الإمام. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
بل بتوبة؛ يعني أن الإمام يستحب له أن يأمر بالتوبة من الذنوب قبل صلاة الاستسقاء، والتوبة هي الندم على المعصية لقبحها شرعا ولا يضره استحسانها طبعا. التفتازاني: وقع التردد في الندم لخوف النار أو لطمع الجنة، هل يكون توبة أم لا؟ ومعنى ذلك هل هو ندم عليها لقبحها شرعا، أو لكونها معصية، أم لا؟ وكذا وقع التردد في التوبة عند مرض مخوف بناء على أن ذلك الندم، هل هو لقبح المعصية؟ أو للخوف لما في الآخرة من معاينة النار. ومعنى الندم تحزن وتوجع على أن فعل، وتمني كونه لم يفعل.
واعلم أن توبة الكافر بإسلامه مقبولة قطعا، وكذا المسلم من عصيانه على المشهور كما ذكره ابن عمر؛ وظنا عند معظم أهل الأصول ولو أذنب بعدها لا تعود ذنوبه على الصحيح. ومحل القطع بقبول توبة البالغ الكافر إن لم يغرغر؛ أي يشاهد ملائكة العذاب، ولم تطلع الشمس من مغربها وإلا لم يقبل إسلامه فيهما، بخلاف المؤمن يتوب بعد طلوع الشمس من مغربها، والصغير يسلم
стр. 1594
حينئذ فمقبولة فيهما، وهل كذا توبة المؤمن من ذنبه عند الغرغرة؛ وعليه جماعة، أو لا؟ وعليه النووي؛ وهو ظاهر خبر: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر (١))، خلاف قوله: وكذا المسلم الخ. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا قول الشيخ أبي الحسن الأشعري، ونسبه ابن جزي لجمهور العلماء، ومقابله عدم القطع للقاضي أبي بكر الباقلاني، وقوله: بخلاف المؤمن يتوب بعد طلوعها إلى قوله فمقبولة الخ، ما ذكره من التفصيل به، قال: جمع من الحنفية حملوا ما ورد من عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس وعند الغرغرة على الكافر دون المؤمن والذي عليه الجمهور عدم قبول التوبة من المعصية ومن الكفر عند الغرغرة، وكذا عند طلوع الشمس من مغربها، وبه فسر ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية. الجزولي: التوبة مما خصت به هذه الأمة؛ لأنه كان من قبلنا إذا أذنب العبد ذنبا يجدد مكتوبا على باب داره وكفارته كذا اقتل نفسك (٢) أو افعل كذا. انتهى وفي ابن زكري، والنصيحة الكافية للشيخ سيدي زروق: والتوبة هي الندم والخروج عن الذنب، فالندم تألم القلب بسبب فوات المحبوب، والخروج عن الذنب تركه ومباعدته تعظيما لله سبحانه وامتثالا لأمره، أو رغبة فيما وعد الله به التائبين من تكفير السيئات، ورفع الدرجات، فالخروج عن الذنب لغرض أخروي لم يمنع ذلك كونه توبة، وإن كان أحط من قصد التعظيم والإجلال على تردد في ذلك، وقد وقع المتردد أيضا في التوبة عند مرض مخوف، والظاهر من كلام النبي ﷺ قبول التوبة ما لم تظهر علامات الموت، والخروج يكون عن نفس الذنب ويكون ذلك حال التلبس به، وعقبه باتصال وقد يكون عن اختياره والميل إليه، وذلك بعد مضيه والانفصال عنه بزمان. فالشيخ الفاني تصح توبته مما سبق له أوان الشبوبة من الزنى وقطع الطريق، وإن كان عاجزا عن التلبس بذلك الآن، فلو خرج عن الذنب أي تركه لخوف خلق كترك القتل خوفا من القصاص، وشرب الخمر والزنى خوف الحد، ولولا الخوف من ذلك لفعل لم يكن ذلك توبة، كما لو ترك العاصي لطلب الرزق كأن
стр. 1595
يعطى من الأوقاف والصدقات بذلك، فلا يكون توبة، ووجب عليه رد المظالم وليس بشرط، وكذا اجتناب المحارم، وكذا تعميم القصد، فهذه الثلاثة فروض تاركها عاص ولا تنتقض التوبة بتركها. انتهى. وقوله: فهذه الثلاثة؛ يعني رد المظالم، واجتناب المحارم، وتعميم القصد. والله سبحانه أعلم. قال ابن زكري: وأما النية أن لا يعود فلا تصح التوبة بدونها، وكون رد المظالم غير شرط مقيد بما إذا لم تكن التوبة من الغصب مع وجود المغصوب بيد الغاصب، وإلا فرد المغصوب حينئذ شرط في صحة التوبة. قال ابن عرفة: ونَقْلُ المسيلي في تذكرته صحة التوبة في الغصب مع بقاء المغصوب بيد غاصبه التائب لا أعرفه، وما هلك من المغصوبات وصار متعلقا بذمة الغاصب فرد عوضه حينئذ ليس بشرط في صحة التوبة عند الجمهور، وإنما هو واجب آخر مستقل، كما صرح به السنوسي في شرح الجزائري.
والمظالم مالية، وعرضية، ودينية، وحرمية، فالمالية كالغصب والسرقة يجب ردها إجماعا حيث أمكن الرد، وفي منهاج العابدين: وإن عجزت عن رد المظالم لعدم أو فقر فتستحل منه، وإن عجزت عن ذلك لغيبة الرجل أو موته وأمكن التصدق فافعل وإن لم يمكن فعليك بتكثير حسناتك والرجوع إلى الله تعالى بالتضرع والابتهال أن يرضيه عنك يوم القيامة.
واختلف في التحليل لمن له حق، فقيل: مندوب ورجحه جماعة وعليه العمل لحديث أبي ضمضم: (أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان يتصدق بعرضه كل يوم على المسلمين (١))، وقيل: لا يجوز مطلقا، وثالثها قول مالك ﵀: إن كان حقا لا ظلم فيه جاز وإن كان عن ظلم فلا. انتهى. والظاهر أن المراد بعدم الجواز في هذين القولين الكراهة كما يدل له نقل الشيخ عبد الباقي في الإقرار. والله سبحانه أعلم. وقال ابن زكري: قال النووي: تضافرت نصوص الكتاب والسنة على استحباب العفو وإسقاط الحقوق المختصة بالمسقط، ومعنى قول أبي ضمضم: تصدقت بعرضي الخ، لا أطلب مظلمتي ممن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا ينفع في إسقاط مظلمة كانت؛ موجودة قبل الإبراء، فأما ما يحدث بعده فلا بد من إبراء جديد. انتهى. وقال في النصيحة: وفي العرضية خلاف مشهوره وجوب الاستحلال. انتهى. قال شارحها ابن
стр. 1596
زكري: ما يتعلق بالعرض قسمان، أحدهما: ما يلحق ضررا بالمقول فيه كالنميمة والشهادة عليه بصفة ذميمة، قال المصنف: فيتعين عليك تكذيب نفسك عند من قلت ذلك عنده والرجوع عن الشهادة إن كانت زورا، هذا مع استحلاله وإظهار الرجوع. انتهى. وقد يقع بعض هذا القسم من الدينية، كالشهادة عليه بصفة ذميمة شرعا، والثاني: أن يكون ذلك بوجود الغيبة، وذكر ما فيه تنقيص أو ريبة؛ والتحلل فيه واجب إن لم تلحق منه ضرورة، وإلا فإبداله بالثناء والاستغفار والخدمة فِعْلَةٌ مشكورة، وقد قيل: إن التحلل فيه غير واجب كالتحليل، وفي منهاج العابدين: إذا خشيت من الاستحلال فيما يتعلق بالعرض زيادة غيظ وهيج فتنة فالرجوع إلى الله ليرضيه عنك والاستغفار الكثير لصاحبه: وفي النفسية خلاف، قاله في النصيحة. ابن زكري: قال في شرح الرسالة، وفي منهاج العابدين: يمكن نفسه من القود والقصاص؛ وظاهر الأحاديت بخلافه وإليه مال ابن رشدة قال: وينبغي أن يعتق ويحمل نفسه على الجهاد ونحوه ليكون كفارة له، ومحل الخلاف في النفسية إن لم تكن مما يتعين فيه الدية كالخطإ، قال في الإحياء: وتوبته تسليم الدية ووصولها إلى المستحق، إما منه أو من عاقلته، وهو في عهدة ذلك قبل الوصول، ويَتَعَيَّنُ في الحرمية عدم الاستحلال كما إذا زنى بوليته، فهذه بلية الله أولى بالعذر فيها، ويجب عليك تصحيح العزم في التنصل منها لأن إعلامه قذف للمزني بها وفضيحة لنفسك.
واختلف في الزنى، هل هو من حق الله أو من حق المخلوقات؟ ثالثها: الفرج المملوك كالزوجة والأمة لمالكه، وما عداه حق لله، ولا يمكن الاستحلال منه لخوف الفتنة، وفي الدِّينِئةِ تختلف الأحوال، قاله في النصيحة؛ يعني فإن كان ذكر ذلك يعظم أذاه مهما شرحه كالتكفير والتفسيق والتبديع في غالب الأحوال، فالله أولى بالعذر، وإلا وجب الاستحلال، فإن عدم في المظالم من وجب له الحق انتقل لوارثه، فإن أدى برئ وبقي حق المطل إن كان غنيا، فإن عدم وارثه انتقل الحق إلى المسكين إن كان مما ينتقل إليه بخلاف العرضية والحرمية والدينية، واختلف إذا لم يؤد في الدنيا حتى اجتمع مَعَ الوَارِثِ والأَصْلِي في الآخرة لمن يكون الحق، هل للورثة أو للموروث؟ على قولين، واختلف أيضا فيمن لم يجد ما يؤدي به حتى مات؟ هل يسقط عنه أو يطالب به في الآخرة؟ وعن أبي عمران: فإن مات صاحب الحق أو لم يتعين فالتصدق
стр. 1597
بمقداره قد تعين، والاحتياط في التقدير هنا أهم، والأخذ بالاحتياط أحسن وأتم. انتهى. وقد ذكر بعض العلماء: أن من استغفر لمظلومه دبر كل صلاة خمسا فقد وفى حقه، وهذا في باب الغيبة لا فيما له عين، والذمي كالمسلم في عرضه وماله ونفسه وأهله؛ لأنه على ذلك عُوهِدَ، ويجزئ في السيئات المجردة عن المظالم وتضييع الأعمال الواجبة الاستغفار، ولا يكفي في غيرها إلا الإتيان به، كالفوائت من الصلوات والزكاة والصيام، وغير ذلك فيأتي به على وجه لا ينقطع، فلا يتكلف ما لا يطيق الدوام عليه، والحج المبرور كالتوبة يسقط المخالفة لا الحقوق، ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما أوجب الله من الصلاة والزكاة فإنه يمستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي من دم أو مال أو عرض بالحج إجماعا، وفي الحديث: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (١))، والتوبة واجبة على الفور بلا خلاف، ولا قائل إنها على التراخي فيجب من تأخيرها التوبة، فيلزم بتأخير التوبة عن معصية لحظة ذنب آخر، وهو ذنب التأخير المحرم بالإجماع، فتجب التوبة من هذا التأخير أيضا. فبتأخير التوبة عن الكبيرة زمنا واحدا تلزم كبيرتان: المعصية، وترك التوبة منها، وزمنين أربع: الأوليان، وترك التوبة من كل منهما، وثلاثة أزمان ثمان كبائر، وأربعة أزمان ست عشرة كبيرة، وخمسة أزمان اثنان وثلاثون كبيرة؛ وهكذا تتضاعف الكبائر. قاله السنوسي. وقال في شرح الجوهرة: قضية كلام أئمتنا ﵃ أن تأخير التوبة معصية واحدة تجب منها التوبة، ولا تتعدد بتعدد أزمنة الاستمرار عليها، لكن لم أقف على التصريح به في كلام من وقفت على كلامه منهم. انتهى. قال ابن زكري: وبه يزول ما يحصل من ضيق الصدر عند سماع كلام السنوسي ولله الحمد.
وتجب على مدمن الخمر التوبة منه ومن عدم النكير على جلسائه، وذكر الذنب لا يوجب التوبة منه، بل ندبها على الصحيح إن لم يكن فرحا به، فتجب التوبة من فرحه به ورضاه بوقوعه. وأوجب القاضي تجديد الندم كلما ذكر المعصية، ووجه الندب الخروج من خلاف القاضي عياض هذا؛ والخروج من الخلاف مطلوب، واختلف هل الأفضل كثرة ذكر الذنب أو نسيانه؟ انتهى
стр. 1598
كلام ابن زكري، وسيأتي في فصل الجنائز إن شاء الله ذكر ما يعد به العاق لوالديه أو أحدهما بعد الموت من البارين.
ورد تبعة؛ يعني أن الإمام أي السلطان كما يأمر بالتوبة قبل الاستسقاء، يأمر أيضا قبله برد التبعة إلى أهلها، والتبعة بفتح التاء المثناة فوق، وكسر الموحدة: المظلمة، فيأمر بردها إلى أهلها، أو التحلل منها مخافة أن تكون معاصيهم سببا لمنع الغيث، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، قال في الجواهر: ويستحب أن يأمر الإمام قبله بالتوبة والإقلاع عن الذنوب والآثام والمظالم، وأن يتحلل الناس بعضهم من بعض مخافة أن تكون معاصيهم سبب منع الغيث؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ وأيضا تمنع المظالم من إجابة الدعاء كما في الحديث الصحيح (١))، ويأمر بالتقرب بالصدقات لعلهم إذا أطعموا فقراءهم أطعمهم الله، فإن الجميع فقراء [إليه (٢)] وقولهَ "تبعة": يقال أيضا: تباعة بكسر التاء ككتابة، كما قاله اليوسي في حواشي الكبرى، قال الشاعر يهجو بني حنيفة حين أكلوا صنمهم عند مجاعة أصابتهم:
أكلت حنيفة ربها … زمن التقحم والمجاعة
لم يحذروا من ربهم … سوء العواقب والتباعه
وجاز تنقل قبلها؛ أي صلاة الاستسقاء؛ يعني أنه يجوز التنفل قبل صلاة الاستسقاء، صليت في المصلي أو في المسجد، بخلاف العيد بالمصلى -كما مر- وبعدها؛ يعني أنه كما يجوز التنفل قبل صلاة الاستسقاء، يجوز بعدها صليت في المصلي أو في المسجد، بخلاف العيد بالمصلى -كما مر- وفَرَّقَ الإمام بأن صلاة العيد شعيرة من شعائر الإسلام مخصوصة بيومها، فكان اختصاصها بمحلها في يومها من خصوص حكمها.
стр. 1599
ومقصود الاستسقاء: الإقلاع عن الخطايا، والإقبال على الله، والإكثار من فعل الخير، ولذا استحب فيه العتق، والصدقة، والصوم، والتذلل، والخشوع، والدعاء فكان التقرب بالنفل أليق به. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. وقال الإمام الحطاب: من فاتته صلاة الاستسقاء. قال مالك: إن شاء صلاها، وإن شاء ترك. انتهى. والله أعلم. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عن سند: إن من فاتته الصلاة وأدرك الخطبة فليجلس لها، ولا يصلي لفوات سنة الاستسقاء التي اجتمع الناس لها، وإذا فرغوا إن شاء صلى، وإن شاء ترك. انتهى.
واختار إقامة غير المحتاج لمحتاج؛ يعني أن اللخمي اختار من عند نفسه أن غير المحتاج لكونه في خصب وسعة يندب له أن يقيم صلاة الاستسقاء لمن هو محتاج، ولو بعد مكانه عنه أقامها معه، أم لا. وقاله الشافعي. لأنه من التعاون على البر والتقوى، ولخبر: (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل (١))، (ودعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مستجابة (٢)). قال: وفيه نظر؛ يعني أن الإمام المازري قدح في كلام شيخه وخالة اللخمي من إقامة غير المحتاج للمحتاج، فقال: فيه نظر؛ أي بحث، وتأمل لإشكاله لعدم فعل السلف الصلاة في ذلك، فلا تجوز أو تكره، ويقع الدعاء له وينطبق على ما مر مما استدل به اللخمي. المازري: وأما دعاؤهم لهم فمندوب.
واعلم أن كلام المؤلف في إقامة غير المحتاج للمحتاج حيث لم يأت محل المحتاج، فإن أتى محله بنية الإقامة فهوم أهل محله، وإلا فهو كمن لم يأت محل المحتاج. انتهى. قاله الشيخ الخرشي، وغيره.
ولما فرغ من الكلام على الصلاة المطلوبة عينا فرضا أو نفلا، شرع في الكلام على ما يطلب كفاية، وهو ما يحتاج إليه الموتي من غسل وغيره، ولم يرتبها، بل بدأ بحكم غسله، والصلاة عليه، ودفنه، وكفنه، فقال:
стр. 1600
فصل يذكر فيه أحكام الموتى ؛ وما يتعلق بذلك.
واعلم أن صلاة الجنازة تدخل في تعريف ابن عرفة للصلاة؛ وهو قربة فعلية ذات إحرام وسلام؛ ولا يرد على هذا أن تكبيراتها بمنزلة الركعات، فإذا سبق الإمام المأموم بتكبيرة أو أكثر، فلا يكبر حتى يكبر الإمام؛ لأنه لو كبر قبله كان قاضيا في صلبه، فصح من هذا أن فيها تسليما فقط لا إحراما وتسليما، فلا تدخل تحت التعريف المذكور؛ لأنه يقال: لا يصح إيراد هذا؛ لأن تكبيرة الإحرام غير الإحرام، والإحرام والسلام موجودان في هذه الصلاة على كل قول، وإن لم يكن لها تكبيرة إحرام.
واختلف هل الموت وجودي أو عدمي؟ ومذهب الأشعري أنه: كيفية وجودية تضاد الحياة، وتمسك القائل بأنه وجودي بقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، وأجاب القائل بأنه عدمي، بأن معنى الخلق في الآية التقدير، وعلى أنه عدمي فهو عدم الحياة، وفي بعض الأحاديث: أنه معنى خلقه الله في كف ملك الموت، وفي بعضها (أن الله خلقه في صورة كبش لا يمر بشيء يجد ريحه إلاَّ مات (١)) قال ابن عرفة: والروح ذو جسد ويدين ورجلين وعينين ورأس. انتهى. وقال ابن عباس: وأكثر السلف أن حقيقتها غير معلومة؛ وهي مما استأثر الله جل وعز بعلمه. قاله الشاذلي. ومذهب أهل السنة من المتكلمين، والمحدثين، والفقهاء، والصوفية أن الروح جسم لطيف متخلل للبدن، تذهب الحياة بذهابها، وعبارة بعض المحققين هي: جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، وعن العلماء الموت ليس بعدم محض، ولا بفناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقة وحيلولة بينهما، وتبدل حال بحال، وانتقال من دار إلى دار، وهو من أعظم الصائب، وأعظم منه الغفلة عنه.
واعلم أن الجنازة اسم للميت أو للنعش، وهي من جنز أي ستر وقيل بالفتح اسم للميت وبالكسر اسم للنعش.
стр. 1601
واعلم أن مقر الأرواح بعد الموت البرزخ، وأصل البرزخ الحاجز بين الشيئين، وأريد به هنا الحاجز بين الدنيا والآخرة؛ وله زمان ومكان وحال. فزمانه من حين الموت إلي يوم القيامة، وحاله الأرواح، ومكانه من القبر إلى عليين لأروح أهل السعادة، وأما أرواح أهل الشقاء فلا تفتح لهم أبواب السماء؛ بل هي بسجين.
ويكون الإيمان بعد الموت مع الروح لكن لا ينقطع من الجسد، فيكون بينهم عمود من نور معلق مثل الشمس لو طلعت في السماء فضوءها في الأرض لا ينقطع عن الخلائق والهواء والأرض. قاله الشيخ الخرشي. وفي كلام بعضهم أن السُّورَ في قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾؛ هو البرزخ، وبطنه ما يلي الجنة، وظاهره ما يلي النار، وفيه ثقب بعدد أرواح الخلائق، ومثلوه بهذا (١).
فالصورة التي فوقه مثال الجنة، والتي تحته مثال للنار تقريبا.
واعلم أن كل جنة فوق جنة هي أوسع منها، كما في المثال، إلي أن يكون للأدني منها دار السلام، والنار بالعكس ما دامت تسفل فهي تتسع، وكل جنة يقابلها موضع من النار إلا دار المزيد وهي العليا التي مسكن الأنبياء ومن ورثهم، جعلنا الله تعالي منهم بمنه وكرمه وما ذلك علي الله بعزيز. والنقط التي في كلا جانبيه مواضع أرواح الناس، فالمؤمنون مما يلي الجنة مقابلون لمنازلهم في الجنة وغيرهم بالعكس، ولبعضهم في ترتيب الجنات الثمانية:
стр. 1602
مزيد وعليون فردوس عدنها … وخلد ومأوى والنعيم سلام
ولبعضهم في نظم أبواب النار السبعة -نعوذ بالله منها-:
وذكروا في السبعة الأبواب … نعوذ بالله من العذاب
جهنم الأعلى لظى والحطمه … ثم الجحيم والسعير المؤلمه
وسقر من بعدها والهاويه … ليس لمن ينزلها من واقيه
تنبيهات: الأول: اعلم أن الروح مخلوقة بإجماع أهل السنة، واختلف هل مخلوقة قبل الجسد أو بعده؟ على قولين مشهورين، قاله الشاذلي، قال: ومقرها في حال الحياة القلب، وبعد الممات مختلف، فأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الجنة، وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وتشرب لمن أنهارها، وأرواح أهل السعادة من المؤمنين على أفنية القبور تسرح حيث شاءت.
واعلم أن مما يجب اعتقاده أن أرواح أهل السعادة؛ أي أهل الجنة وهم المؤمنون محسنهم ومسيئهم باقية؛ أي غير فانية ناعمة أي منعمة برؤيتها لقعدها في الجنة إلى يوم القيامة، وأن أرواح أهل الشقاء؛ وهم الكفار معذبة إلى يوم القيامة، قال الشاذلي: معذبة برؤيتها لمقعدها في النار وغير ذلك من أنواع العذاب.
واعلم أن أرواح الشهداء بعد قتلهم أحياء في الجنة يرزقون مثل ما يرزق الأحياء، يأكلون ويشربون، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وسموا شهداء لأن أرواحهم أحضرت دار السلام بخلاف غيرهم، فإن أرواحهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للخير، وخصوا بأشياء منها أن الله تعالى يغفر لهم في أول الملاقاة، وأن الأرض لا تأكل أجسامهم كالأنبياء والعلماء والمؤذنين، وأنهم لا يسألون في قبورهم، انتهى كلام الشاذلي. وفي الكتاب العزيز: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾. فقبض الروح بالوفاة إخراجه، وفي النوم منعه الحس والمميز والإدراك،
стр. 1603
وتظاهرت الأحاديث بأن أرواح المؤمنين تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، تعلق من شجر الجنة؛ أي تأكل، وحديث: في حواصل طير خضر، صححه مسلم في أرواح الشهداء فقط.
واعلم أن فتنة القبر، وهي سؤال الملكين بإجماع العلماء وعذابه ونعيمه حق، قاله ابن عرفة. وفي الخرشي: أن أول ميت: آدم ﵇، وأول من تمنى الموت: يوسف ﵇، وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات، عمر ﵁، وأول من دفن بالبقيع: عثمان بن مظعون، وأول من دفن في جوف داره: الأشعث بن قيس، وأول ما ينتن من الإنسان إذا مات: بطنه، وأول من نقل من قبر إلى قبر: علي بن أبي طالب ﵁، وقيل: إن قابيل قتل هابيل في حياة آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
الثاني: روى أبو الليث السمرقندي بسنده عن البراء بن عازب أنه قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر -ولم يلحد بعد- فجلس رسول الله ﷺ ، وجلسنا حوله -كأنا على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رسول الله ﷺ رأسه، وقال: استعيذوا بالته من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزلت عليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل من جسده كما يسيل القطر من السقاء، فيأخذها، فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذونها فيجعلونها في ذلك الكفن والحنوط، فيخرج مها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون لها فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله ﵎: اكتبوا كتابه في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى،
стр. 1604
فيعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: م ربك؟ فيقول ربي الله تعالى، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان له: وما علمك به؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى وآمنت به وصدقته، قال: فينادي مناد من السماء: صدق عبدي، فافرشوا له فراشا من الجنة، وألبسوه لباسا من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من ريحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي وعدت في دار الدنيا، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح في دار الدنيا، فيقول: رب أقم الساعة، شوقا لما يرى من النعيم، قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة أنزل الله تعالى إليه ملائكة من السماء سود الوجوه، معهم المسوح من شعر، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله تعالى وغضبه، فتتفرق في الأعضاء كلها فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول، فتنقطع منه العروق والعصب، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين؛ حتى يأخذونها، فيجعلونها في ذلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾، ويقول الله ﵎: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقته، وفيها نعيده، ومنها نخرجه تارة أخرى، قال: فيطرح روحه طرحا، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ها ها لا أدري، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ها ها لا أدري، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: ها ها لا أدري، فينادي مناد من السماء كذب عبدي، فأفرشوه فراشا من النار، وألبسوه
стр. 1605
من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيدخل عليه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى يختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الذي يجئ بالشر، فيقول: أنا عملك السيء في دار الدنيا، فيقول: يا رب لا تقم الساعة (١)). انتهى. قوله: كأنما على رؤوسنا الطير؛ أي من السكون والوقار، ولم يكن فيهم طيش ولا خفة؛ لأن الطير لا يكاد يقع إلا على ساكن كما في العذق المنضود، وفي بعض طرق هذا الحديث عن البراء عن النبي ﷺ قال: (فيقيض له أصم أبكم ومعه مرزبة لو ضرب بها جبل صار ترابا، أو قال: رمادا، فيضربه ضربة يسمعها الخلائق إلا الثقلين، ثم تعاد فيه الروح فيضربه ضربة أخرى (٢)). وفي بعض طرقه: (فإذا أخرجت روحه لعنه كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض (٣)).
وروى أبو الليث السمرقندي بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة من الجنة فيها مسك ومن سائر الريحان، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين، ويقال لها: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى ربك راضية مرضية ومرضيا عنك إلى روح الله تعالى وكرامته، فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان، وطويت عليه الحريرة، وبعث بها إلى عليين، وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسوح فيها جمرة، فتنزع روحه انتزاعا شديدا، ويقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى هوان الله وعذابه، فإذا خرج روحه وضع على تلك الجمرة، وأن لها نشيجا كنشيج الغليان، ويطوى عليه المسوح ويذهب بها إلى سجين (٤)).
والمسوح، قال في القاموس: المسوح المنديل الأخشن، وروى أبو جعفر بإسناده عن ابن عمر (أن: المؤمن إذا وضع في القبر وسع عليه قبره سبعين ذراعا طولا، ومثله عرضا، وينشر عليه الرياحين، ويستر بالحرير، وإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن جعل له نور كنور الشمس
стр. 1606
في قبره، ويكون مثله كمثل العروس تنام فلا يوقظها إلا أحب أهلها إليها، فتقوم من نومها كأن لم تشبع منه، وأن الكافر يضيق عليه قبره حتى تدخل أضلاعه في جوفه، ويرسل عليه حيات كأمثال أعناق البخت؛ فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحما، ويرسل عليه ملائكة صم بكم عمي معهم فطاطيس من حديد؛ فيضربونه بها لا يسمعون صوته فيرحمونه، ولا يبصرون ما هو فيه فيرفعون عليه، ويعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيا (١)). وروى أبو الليث السمرقندي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: (ما من ميت يموت إلا وله خوار تسمعه كل دابة عنده إلا الإنس والجن لو سمعه لصعق، فإذا انطلق به إلى قبره، فإن كان صالحا قال: عجلوا بي عجلوا بي لو تعلمون ماذا أمامي من الخير، وإن كان غير ذلك، قال: لا تعجلوا بي لو تعلمون ماذا أمامي (٢))، وقوله: فطاطيس، الفطيس كسكين: المطرقة العظيمة، قاله في القاموس. وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق (٣))، نقله في الرياض.
الثالث: قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك (٤)). وقد جمع ﷺ في هذا الحديث علما كثيرا، فقوله: شبابك قبل هرمك؛ أي أن الرجل يقدر على الأعمال في حال شبابه ما لا يقدر في حال هرمه؛ لأن الشباب إذا تعود المعصية شق عليه الامتناع في حال هرمه، فينبغي له أن يحمل نفسه في حال شبابه على طاعة الله تعالى لتسهل عليه في حال هرمه، وقوله ﵊: وصحتك قبل سقمك، معناه أن الصحيح نافذ الأمر في ماله ونفسه، فعليه بالجد في مصلحة أمره لآخرته، قبل أن يضعف عن طاعة الله
стр. 1607
تعالى، وتقصر يداه عن التصرف في ماله حاشا ثلثه، فيقل عمله ويطول ندمه، ومعنى فراغك قبل شغلك؛ يعني فراغه في آناء ليله وأطراف نهاره، فيقدم من الأعمال الصالحة ما يجده في يوم شغله وكربه. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الشتاء غنيمة المؤمن، طال ليله فقامه، وقصر يومه فصامه (١))، فاغتنم ذلك، ومعنى: غناك قبل فقرك، أراد إن كنت راضيا بالذي أعطاك الله من القوت، فاغتنم ذلك، ولا تطمع في شيء مما في أيدي الناس.
الرابع: روي عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى، أنه قيل له: لو جلست حتى نسمع منك شيئا، فقال: إني مشغول بأربعة أشياء لو فرغت منها لجلست لكم، قيل: وما هي؟ قال: إني تفكرت حين أخذ الله الميثاق من بني آدم، فقال : هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فلم أدر من أي الفريقين كنت أنا؟ وتفكرت في الولد إذا قضى الله تعالى أن يخلقه في بطن أمه، ونفخ فيه الروح، ويقول الملك الموكل به: يا رب أشقي أم سعيد؟ فلم أدر كيف خرج جوابي في ذلك الوقت؟ والثالث: حين ينزل ملك الموت لقبض روحي، فيقول: يا رب مع أهل الإسلام أو مع أهل الكفر؟ فلا أدري كيف خرج جوابي في ذلك؟ والرابع: تفكرت في قول الله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، فلا أدري من أي الفريقين أكون؟ نقله أبو الليث السمرقندي.
وذكر عن عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه أنه كان يحيي الموتي بإذن الله تعالى، فقال له بعض الكفرة: إنك قد أحييت من كان حديث الموت، فلعله لم يكن مات، فأحي لنا من كان مات في الزمن الأول، فقال لهم: اختاروا من شئتم، فقالوا له: أحي لنا سام بن نوح ﵊، قال: فأروني قبره، فجاء إليه، فصلى ركعتين، ودعا الله تعالى، فحيي سام، فإذا رأسه ولحيته قد ابيضا، فقال عيسى ﵊: ما هذا الشيب إن الشيب لم يكن في زمانك؟ قال: لما سمعت النداء ظننت أن القيامة قد قامت، فشاب رأسي ولحيتي من الهيبة، فقال عيسى: مذ كم أنت ميت؟ قال منذ أربعة آلاف عام، فما ذهبت عني سكرات الموت إلى الآن.
стр. 1608
الخامس: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، ومعنى استقاموا: أدوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم. فقال يحيى بن معاذ الرازي: استقاموا أفعالا مثل ما استقاموا أقوالا، وقيل: استقاموا على السنة. وقوله: ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة، يقال: البشارة عند الموت على خمسة أوجه، فعامة المؤمنين يقال لهم: لا تخافوا تأبيد العذاب، ويشفع لكم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحون، ولا تخافوا فوات الثواب، وأبشروا بالجنة؛ يعني مرجعكم إليها. والثانية للمخلصين، يقال لهم: لا تخافوا رد أعمالكم فإنها مقبولة؛ ولا تحزنوا على فوات الثواب فإنه قد ضوعف لكم، والثالثة للتائبين، ويقال لهم: لا تخافوا من ذنوبكم، فإنها مغفورة لكم، ولا تخافوا فوات الثواب على ما فعلتم بعد التوبة. والرابعة للزاهدين، يقال: لا تخافوا حبس الحساب، ولا تحزنوا مخافة نقصان التضعيف، وأبشروا بالجنة بلا حساب ولا عذاب. والخامسة للعلماء الذين يعلمون الناس الخير، وعملوا بالعلم، يقال لهم: لا تخافوا أهوال يوم القيامة ولا تحزنوا؛ فإنه يجزيكم بما عملتم، وأبشروا بالجنة أنتم ومن اقتدى بكم. نقله أبو الليث السمرقندي. وروى البخاري عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله (١)). ولله در القائل:
تزود قرينا من فعالك إنما … قرين الفتى في القبر ما كان يفعل
ولن يصحب الإنسان من بعد موته … إلى قبره غير الذي كان يعمل
السادس: قال الفقيه أحمد بن عيسي البجائي: أرواح العباد مأواها على أربعة أقسام: أما أرواح السعداء غير الشهداء، ففي عليين، وهو موضع في الجنة، وأما أرواح الشهداء فإنها تسرح في الجنة فتأوي إلى قناديل من نور تحت العرش، وأما أرواح من أراد الله إنفاذ الوعيد فيه من العصاة، ففي سجين مع أرواح الكفار. الوانشريسي: قال بعض الأشياخ: وفي إلحاق العاصي
стр. 1609
بالكافر إشكال. انتهى. الرهوني: وفي قوله: قال بعض الأشياخ الخ، نظر؛ لأن الإشكال إنما يتجه إذا كان المستند في ذلك العقل، وهذا من الأمور التي لا مجال للعقل فيها، وإنما تتلقى من قبل الوحي، والله سبحانه لا يسأل عما يفعل. انتهى. وقال ابن برجان: وذكر ابن حبيب عن علمائنا: أن المؤمن إذا دخل قبره يذهب روحه إلى عليين، وبها تجتمع أرواح المؤمنين، وهي على صورة طير بيض إلى يوم القيامة بالغداة والعشي، ثم تأوي إلى جنة المأوى في ظل، إلى قناديل من نور معلقة بالعرش.
وإنما سميت جنة المأوي لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها، وأما أرواح الكفار والفساق فيذهب بها إلى سجين، وهي صخرة عظيمة على شفير جهنم فيها تجمع أرواح الأشقياء والفجار والكفار، في أجواف طير سود تعرض على النار بالغداة والعشي، والأشقياء الذكورون مع الكفار الذين لا يعرفون جواب الحق عن سؤال الملكين في القبر. والله أعلم. الرهوني: يؤخذ من هذين الجوابين أن من ينفذ فيهم الوعيد من المؤمنين لا تلتقي أرواحهم مع أرواح أقاربهم السعداء، وقد صرح بذالك أبو عبد الله الحفار. انتهى.
السابع: نقل الثعالبي عن شبيب بن إبراهيم: أن المنعمين على جهات مختلفات، منها ما هو كطائر يعلق من شجر الجنة، ومها ما هو في حواصل طير خضر، ومنها ما يأوي في قناديل تحت العرش، ومنها ما هو في حواصل طير بيض، ومنها ما هو في حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو في أشخاص من صور الجنة، ومنها ما هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم، ومنها ما يسرح ويتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يتلقى أرواح المقبوضين، ومنها ما هو في كفالة ميكائيل، ومنها ما هو في كفالة آدم، ومنها ما هو في كفالة إبراهيم ﵇، قال القرطبي: وهذا قول حسن؛ فإنه يجمع الأخبار حتى لا تدافع. والله أعلم. قال الثعالبي: قلت: ونحو هذا لابن عطية، ولفظه روي عن النبي ﷺ : أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة، وروي في قبة خضراء، وروي أنهم في قناديل من ذهب إلى كثير من هذا، ولا مخالفة فإنها أحوال الطوائف أو للجميع أوقات متغايرة. انتهى. وهو حسن في غاية
стр. 1610
الوضوح. وقوله: في حواصل طير خضر، سيأتي الكلام عليه في آخر الفصل عند قوله: "ولا يغسل شهيد معترك" الخ.
الثامن: ذكر الغزالي عن النبي ﷺ في المؤمن: يعني العالم: أن الملكين بعد سؤالهما له يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة، ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه؛ ثم يفرشان له من حريرها، ويدخل عليه من نسيمها وروحها وريحانها، ويأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه يؤنسه ويحدثه، ويملأ قبره نورا، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة، فليس شيء أحب إليه من قيامها. قوله: في وجوب غسل الميت؛ يعني به أن الشيوخ اختلفوا في حكم تغسيل الميت المسلم المتقدم له استقرار حياة، وليس بشهيد، ووجد جله، فمنهم من ذهب إلى وجوبه وجوب كفاية؛ وهو قول عبد الوهاب، وابن محرز، وابن عبد البر؛ وشهره ابن راشد، وابن فرحون، وقوله: "الميت"، قال الأمير: كلا أو بعضا، كما إذا سقطت عليه صخرة لم يمكن إزالتها عنه، وظهر قدمه، فيغسل، ويلف، ويصلى عليه، ويوارى عملا بحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم (١))، كذا يظهر ولا ينافي، "ولا دون الجل" لانعدام باقيه، ولا يخرج على ما سبق في الجبيرة من إلغاء الصحيح إذا قل جدا لوجود البدل هناك، أعني التيمم. انتهى.
بمطهر بكسر الهاء مشددة، متعلق بغسل. قاله الخرشي؛ يعني أن تغسيل الميت إنما يكون بماء مطهر؛ أي مطلق، وقد مر تعريفه، وهذا هو المشهور بناء على أن غسل الميت تعبد، ومقابل المشهور هو لابن شعبان، فإنه اختار غسله بماء الورد والقرنفل بناء على أن الغسل للنظافة.
ولو بزمزم؛ يعني أن ماء زمزم يغسل به الميت فهو كغيره من المياه في ذلك، خلافا لقول ابن شعبان: لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة، وعليه رد المصنف "بلو"، وقوله: "ولو بزمزم"، هذا إن لم يوجد غيره، وكذا إن وجد على القول بطهارة الميت، وكذا على الآخر، لكن مع
стр. 1611
الكراهة. ابن بشير: إن حكمنا بنجاسته، كره غسله بماء زمزم لكراهة استعماله في النجاسات، وعلى طهارته يجوز. ابن هارون: إلا أن يكون في جسده نجاسة.
وقد مر أن ابن شعبان قال: لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة، إن حمل على الكراهة كان وفاقا للمذهب، وعلى ذلك حمله بعضهم كما في حاشية الشيخ محمد بن الحسن، وإن حمل على المنع فلا وجه له عند ملك وأصحابه، قاله ابن أبي زيد. وأغرب منه فتوى ابن عبد السلام: أنه لا يكفن في ثوب غسل بماء زمزم، وقال الشيخ الأمير: وغسل ولو بزمزم، بل هو أبوك والآدمي طاهر. انتهى.
وزمزم بزايين بينهما ميم ساكنة: بير في المسجد الحرام، سميت بذلك لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم وزُمزُم وزُمازِم إذا كان كثيرا، وقيل: لضم هاجر ﵍ لمائها حين فجرت وزمه إليها؛ وقيل: لزمزمة جبريل ﵇ وكلامه.
والصلاة عليه؛ يعني أن شيوخ المذهب اختلفوا أيضا في حكم الصلاة على الميت، فمنهم من ذهب إلى وجوبها وجوب كفاية؛ وهو لسحنون، قال ابن ناجي: وعليه الأكثر، وشهره الفاكهاني، وإليه ذهب صاحب الرسالة، وعبد الوهاب. كدفنه، تشبيه في الوجوب فقط؛ يعني أن دفن الميت؛ أي مواراته في الأرض واجبة بلا خلاف؛ فلذا أتى بالكاف. وكفنه، عطف على مدخول الكاف قبله؛ يعني أن تكفين الميت واجب من غير خلاف أيضا، قاله اللخمي. وحكى ابن يونس سنية الكفن، ولم يحك خلافها فقوله: "كدفنه وكفنه"، بسكون الفاء فيهما أي مواراته في التراب وإدراجه في الكفن، وأما الكفن بفتح الفاء فهو ما يكفن به أي ما يوارى فيه من اللباس، يقال: كفن الخبز في الملة يكفنها واراها، والميت ألبسه الكفن ككفنه، قاله في القاموس، وليس بمراد هنا، وسيذكره المصنف بقوله: "وهو على المنفق بقرابة" الخ، وبقوله: "وهل الواجب ثوب يستره" الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: لا خلاف في وجوب ستر العورة، وما حكاه الشارح عن ابن يونس أنه سنة، يحمل على ما زاد على العورة؛ إذ لا خلاف في وجوب سترها.
وبما قررت علم أن قوله: "كدفنه وكفنه"، تشبيه في الوجوب فقط -كما مر- وسنيتهما؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن غسل الميت سنة وكذا الصلاة عليه؛ أي سنة كفاية فيهما. أما
стр. 1612
سنية الغسل فحكاها ابن أبي زيد وابن يونس والجلاب، وشهره ابن بزيزة، وأما سنية الصلاة فقول أصبغ، واستنبطه بعض المتأخرين من كلام الإمام مالك، وذكر الحطاب عن سند: أن المشهور فيها -أي في الصلاة- عدم الفريضة، ونقل كلامه فيها، قال الشيخ محمد بن الحسن: وهو يفيد تشهير السنية على ما فهمه عنه الحطاب. والله سبحانه أعلم. خلاف؛ مبتدأ تقدم خبره؛ أي في وجوب ما ذكر وسنيته خلاف في التشهير، والقول بوجوب الصلاة والغسل أرجح من القول بالسنية فيهما كما في الحطاب، فكان ينبغي للمصنف الاقتصار عليه. قاله الشيخ إبراهيم. وليس من شرطها الجماعة، خلافا لصاحب المقدمات، فإنه قال: وشرط صحتها الإمامة، فإن فعلت بغير إمام أعيدت، ما لم تفت، ولا يدخل بجنازة ثانية في صلاة الأولى، بل يكمل تكبير الأولى ويسلم، ويستأنفها للثانية، ولو نوى الإمام إحدى الجنازتين ونواهما المأموم، أعيدت على من لم ينوها الإمام. قاله الشيخ إبراهيم. وفي حديث صححه الحاكم، ورواه جماعة من طريق تفيد حسنه أنه ﷺ ، قال: (كان آدم رجلا أشعر طوالا كأنه نخلة سحوق، فلما حضره الموت نزلت الملائكة بحنوطه وكفنه من الجنة، فلما مات ﵇ غسلوه بالماء والسدر ثلاثا، وجعلوا في الثالثة كافورا، وكفنوه في وتر من الثياب، وحفروا له لحدا، وصلوا عليه، وقالوا لولده: هذه سنتكم من بعده، فكذاكم فافعلوا (١)) وبهذا يتبين أن الغسل، والتكفين، والصلاة، والسدر، والحنوط، والكافور، واللحد من الشرائع القديمة، وأخرج الطبراني عن أبي بن كعب مرفوعا: (أن الملائكة صلت على آدم فكبرت عليه أربعا، وقالوا: هذه سنتكم يا بني آدم (٢))، وهذا أحد قولين نقلهما الحطاب عن ابن الفاكهاني؛ أحدهما هذا، والآخر أن الغسل للميت مما اختصت به هذه الأمة كالصلاة على الميت، والغنائم، وثلث الأموال. وقوله: "خلاف"، سببه قوله ﵊ في ابنته: (اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر إن رأيتن ذلك (٣))، هل معناه: إن رأيتن الغسل أو الزيادة؛ المازري: وهذا على اختلاف الأصوليين في الاستثناء أو الشرط إذا تعقب جملا، هل يرجع إلى الجميع أو إلى الأخير؟ الشيخ: وعود التخيير إلى نفس الغسل
стр. 1613
بعيد جدا، قاله الشيخ الخرشي. وفي الشبراخيتي عن بعضهم: لم أر نصا صريحا في كون صلاة الجنازة شرعت بمكة أو بالمدينة، وظاهر حديث (أنه ﷺ صلى على قبر البراء بن معرور لما قدم المدينة وكان مات قبل قدومه لها بشهر (١))، كما قاله ابن إسحاق وغيره.
وما في الإصابة عن الواقدي، وأقره: أن الصلاة على الجنازة لم تكن شرعت يوم موت خديجة، وموتها بعد النبوءة بعشر سنين على الأصح أنها لم تشرع بمكة بل بالمدينة. انتهى.
وتلازما؛ يعني أن الغسل والصلاة متلازمان في الوجوب، فمن وجب غسله وجبت الصلاة عليه، ومن لا فلا، والغسل مقدم على الصلاة، فلو صلي عليه قبل غسله لم تجز، ولم تجز.
وحاصل المسألة أن من لا يغسل لشرفه، وهو الشهيد، لا يصلى عليه، ومن لا يغسل لكونه محكوما بكفره، أو لكونه سقطا لم يستهل، أو لكونه فقد جله لا يصلى عليه، فالذي يجب غسله والصلاة عليه من اجتمعت فيه أربعة أوصاف: الإسلام، وتقدم استقرار الحياة، وكونه غير شهيد معترك، وكونه لم يفقد جله؛ فالمراد بتلازم الغسل والصلاة تلازمهما في الطلب -كما قرره به غير واحد- وعلى هذا فكل من طلب فيه الغسل وتعذر غسله وتيممه لا تسقط الصلاة عليه؛ لأنه مطلوب ابتداء لكن تعذر، فإن فقد وصف من الأوصاف الأربعة سقط الطلب بالغسل، فسقط الطلب بالصلاة.
وبما قررت علم أن التيمم يقوم مقام الغسل عند تعذر الغسل، فييمم ويصلى عليه، ولا يعارض عدم تغسيل السقط ما يأتي من قوله: "وغسل دمه"؛ لأن معناه غسل على سبيل التنظيف وإزالة الأقذار، لا الغسل الذي هو كالجنابة.
وغسل كالجنابة؛ يعني أن غسل الميت كغسل الجنابة في الصفة، الإجزاء كالإجزاء، والكمال كالكمال؛ إلا ما يختص به الميت كالتكرار، ولا يكرر وضوءه بتكرر الغسل على أرجح قولين، كما قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. ابن بشير: وأما صفة الغسل، فإنه في صب الماء والتدلك على حكم غسل الجنابة. انتهى. الباجي: وينبغي على القول بتكرر الوضوء أن لا يغسل ثلاثا، بل مرة مرة حتى لا يوقع التكرار النهي عنه، وإذا لم نقل بتكريره أتيَ بثلاث أولا. قاله الشيخ محمد بن
стр. 1614
الحسن. وقال: تبع الزرقاني في أرجحية عدم تكرير الوضوء الأجهوري. قال أبو علي: ولم أر ذلك لغيره.
واعلم أنه لا ينتقض غسل الميتة بوطئها بعده، فلا يعاد. قوله: "وغسل كالجنابة"، وله الدلك هنا بخرقة يجعلها على يده كالدلك مباشرة، وقد فعل علي كذلك حين غسل رسول الله ﷺ : وقوله: "غسل كالجنابة"، أفاد وجوب التعميم والدلك، وأنه يسن أن يبدأ بغسل يدي الميت أولا؛ ثم يزيل الأذى عن جسده إن كان عليه أذى، ثم يوضئه، ثم يثلث رأسه، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن، ثم على الأيسر، كما مر ما يفيده.
وصرح في المدخل بأن فرائض غسل الجنابة وسننه وفضائله تأتي في هذا الباب. تعبدا؛ يعني أن غسل الميت غير معقول المعنى. فليس هو للنظافة، بل هو تعبد؛ بدليل تيممه عند عدم الماء، وقوله: "تعبدا"، مفعول لأجله أي غسل لأجل التعبد؛ أي امتثالا للأمر، مع أنا لم تظهر لنا حكمة الأمر به. وفي التوضيح: أن في الغسل فوائد منها: إكرام الملائكة؛ وتنبيه العبيد على أن المولى أكرمهم أحياء وأمواتا؛ وأن يعلموا أن من تأهب للقدوم على مولاه لم يقدم إلا طاهر القلب من المعاصي؛ متفرغا مما سوى الله تعالى؛ لأنه إذا اعتنى المولي بتطهير جسد يلقى في التراب، تهيأ العبد إلى تطهير ما هو باق؛ وهو النفس، فنسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من رعونات الشر، ويفرغها عن غيره: ويملأها من ذكره، ويقدمنا عليه وهو راض عنا. وقوله: "تعبدا"، وقيل: للنظافة، وعلى الأول لا يغسل المسلم الذمي، وعلى الثاني يغسله، والتعبد لمالك، والنظافة للشافعي؛ فإنه قال: لا بأس بغسل المسلم قرابته من المشركين ودفنهم، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور: وسبب الخلاف هو ما علمت. بلانية؛ يعني أن غسل الميت لا يفتقر لنية، بل يصح بدرنها، وإن كان التعبد لا بد له من النية؛ لأن ذلك في التعبد في النفس، وأما التعبد في الغير فلا يحتاج للنية كغسل الإناء من ولوغ الكلب، والنضح للثوب، كما قاله الباجي وابن رشد وغيرهما، ونقله في التوضيح وغيره. وقوله: "بلا نية"، متعلق بقوله: "غسل"، والباء للمصاحبة. والله سبحانه أعلم.
стр. 1615
وقدم الزوجان؛ يعني أن الحي من الزوجين يقضى له على غيره، بأن يقدم عليه في مباشرة تغسيل الميت منهما، ولو أوصى بخلافه لمن يرجى خيره، إلا أن يكون أحد الزوجين محرما. قال الإمام الحطاب عند قوله: "وقدم الزوجان": يريد إلا أن يكون أحدهما محرما، قال مالك ولا ينبغي أن يغسل أحد الزوجين المحرمين الآخر يرى عورته، فإن فعل وكان عن ذلك مذي فليهد، فإن لم يكن مذي فلا شيء عليه، ويكره ذلك، انتهى. وعبارة الشبراخيتي: ثم إن محل تقديم أحد الزوجين ما لم يكن الحي منهما محرما، فإن فعل كره، وأهدى إن أمذى. انتهى. وإنما قدم الحي من الزوجين في الغسل على العصبة. لتغسيل زوجة أبي موسى الأشعري له ﵁، ولتغسيل أسماء بنت عميس أبا بكر رضي الله تعالى عنهما، ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها؛ لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسل رسول الله ﷺ إلا أزواجه، ولتغسيل علي زوجته فاطمة رضي الله تعالى عنهما. والظاهر في زوجتين فأكثر القرعة، قاله الشيخ إبراهيم. وقال الأمير: وإن تعدد الزوجات، اشتركن، فلا حاجة للقرعة. انتهى.
وأما في الإنزال في القبر، فيقدم الزوج على الأولياء في إنزالها فيه، وفي لحدها، كما في النص. ويقضى له به فيما يظهر، وأما الزوجة فلا تقدم في ذلك فيما يظهر أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو طلب أهل الزوجة دفنها بمقبرتهم وطلب الزوج ذلك بمقبرته، أجيب أهل الزوجة، كما أفتى به ابن عرفة، قاله الشيخ إبراهيم. قال: قال شيخنا في شرحه: ويفهم منه أنهم لو طلبوا دفنها بمقبرة غير مقبرتهم، وغير مقبرة الزوج، وامتنع الزوج، فإنه يجاب الزوج. انتهى.
وأما الصلاة على الميت فسيذكر ذلك بقوله: "والأولى بالصلاة وصي رجي خيره" الخ. إن صح النكاح؛ يعني أن محل تقديم الحي من الزوجين في تغسيل صاحبه إنما هو حيث صح النكاح، دخل بها أو لا، وأما إن فسد النكاح فلا يقدم، بل لا تغسيل له، كما في الحطاب؛ لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، كنكاح المريضة والمريض؛ لأنهما لا يتوارثان. قال اللخمي: وهذا مع وجود من يجوز منه الغسل، فإن عدم وصار الأمر إلى التيمم، كان غسل أحدهما الآخر من تحت الثوب أحسن؛ لأن غير واحد من أهل العلم أجازه. انتهى. نقله الشيخ الخرشي. وقال: ضمير أجازه راجع للنكاح؛ فهو من الأنكحة المختلف فيها، وظاهر قوله: "إن صح النكاح"، ولو كان فيه