الكراهة. ابن بشير: إن حكمنا بنجاسته، كره غسله بماء زمزم لكراهة استعماله في النجاسات، وعلى طهارته يجوز. ابن هارون: إلا أن يكون في جسده نجاسة.
وقد مر أن ابن شعبان قال: لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة، إن حمل على الكراهة كان وفاقا للمذهب، وعلى ذلك حمله بعضهم كما في حاشية الشيخ محمد بن الحسن، وإن حمل على المنع فلا وجه له عند ملك وأصحابه، قاله ابن أبي زيد. وأغرب منه فتوى ابن عبد السلام: أنه لا يكفن في ثوب غسل بماء زمزم، وقال الشيخ الأمير: وغسل ولو بزمزم، بل هو أبوك والآدمي طاهر. انتهى.
وزمزم بزايين بينهما ميم ساكنة: بير في المسجد الحرام، سميت بذلك لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم وزُمزُم وزُمازِم إذا كان كثيرا، وقيل: لضم هاجر ﵍ لمائها حين فجرت وزمه إليها؛ وقيل: لزمزمة جبريل ﵇ وكلامه.
والصلاة عليه؛ يعني أن شيوخ المذهب اختلفوا أيضا في حكم الصلاة على الميت، فمنهم من ذهب إلى وجوبها وجوب كفاية؛ وهو لسحنون، قال ابن ناجي: وعليه الأكثر، وشهره الفاكهاني، وإليه ذهب صاحب الرسالة، وعبد الوهاب. كدفنه، تشبيه في الوجوب فقط؛ يعني أن دفن الميت؛ أي مواراته في الأرض واجبة بلا خلاف؛ فلذا أتى بالكاف. وكفنه، عطف على مدخول الكاف قبله؛ يعني أن تكفين الميت واجب من غير خلاف أيضا، قاله اللخمي. وحكى ابن يونس سنية الكفن، ولم يحك خلافها فقوله: "كدفنه وكفنه"، بسكون الفاء فيهما أي مواراته في التراب وإدراجه في الكفن، وأما الكفن بفتح الفاء فهو ما يكفن به أي ما يوارى فيه من اللباس، يقال: كفن الخبز في الملة يكفنها واراها، والميت ألبسه الكفن ككفنه، قاله في القاموس، وليس بمراد هنا، وسيذكره المصنف بقوله: "وهو على المنفق بقرابة" الخ، وبقوله: "وهل الواجب ثوب يستره" الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: لا خلاف في وجوب ستر العورة، وما حكاه الشارح عن ابن يونس أنه سنة، يحمل على ما زاد على العورة؛ إذ لا خلاف في وجوب سترها.
وبما قررت علم أن قوله: "كدفنه وكفنه"، تشبيه في الوجوب فقط -كما مر- وسنيتهما؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن غسل الميت سنة وكذا الصلاة عليه؛ أي سنة كفاية فيهما. أما
стр. 1612
سنية الغسل فحكاها ابن أبي زيد وابن يونس والجلاب، وشهره ابن بزيزة، وأما سنية الصلاة فقول أصبغ، واستنبطه بعض المتأخرين من كلام الإمام مالك، وذكر الحطاب عن سند: أن المشهور فيها -أي في الصلاة- عدم الفريضة، ونقل كلامه فيها، قال الشيخ محمد بن الحسن: وهو يفيد تشهير السنية على ما فهمه عنه الحطاب. والله سبحانه أعلم. خلاف؛ مبتدأ تقدم خبره؛ أي في وجوب ما ذكر وسنيته خلاف في التشهير، والقول بوجوب الصلاة والغسل أرجح من القول بالسنية فيهما كما في الحطاب، فكان ينبغي للمصنف الاقتصار عليه. قاله الشيخ إبراهيم. وليس من شرطها الجماعة، خلافا لصاحب المقدمات، فإنه قال: وشرط صحتها الإمامة، فإن فعلت بغير إمام أعيدت، ما لم تفت، ولا يدخل بجنازة ثانية في صلاة الأولى، بل يكمل تكبير الأولى ويسلم، ويستأنفها للثانية، ولو نوى الإمام إحدى الجنازتين ونواهما المأموم، أعيدت على من لم ينوها الإمام. قاله الشيخ إبراهيم. وفي حديث صححه الحاكم، ورواه جماعة من طريق تفيد حسنه أنه ﷺ ، قال: (كان آدم رجلا أشعر طوالا كأنه نخلة سحوق، فلما حضره الموت نزلت الملائكة بحنوطه وكفنه من الجنة، فلما مات ﵇ غسلوه بالماء والسدر ثلاثا، وجعلوا في الثالثة كافورا، وكفنوه في وتر من الثياب، وحفروا له لحدا، وصلوا عليه، وقالوا لولده: هذه سنتكم من بعده، فكذاكم فافعلوا (١)) وبهذا يتبين أن الغسل، والتكفين، والصلاة، والسدر، والحنوط، والكافور، واللحد من الشرائع القديمة، وأخرج الطبراني عن أبي بن كعب مرفوعا: (أن الملائكة صلت على آدم فكبرت عليه أربعا، وقالوا: هذه سنتكم يا بني آدم (٢))، وهذا أحد قولين نقلهما الحطاب عن ابن الفاكهاني؛ أحدهما هذا، والآخر أن الغسل للميت مما اختصت به هذه الأمة كالصلاة على الميت، والغنائم، وثلث الأموال. وقوله: "خلاف"، سببه قوله ﵊ في ابنته: (اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر إن رأيتن ذلك (٣))، هل معناه: إن رأيتن الغسل أو الزيادة؛ المازري: وهذا على اختلاف الأصوليين في الاستثناء أو الشرط إذا تعقب جملا، هل يرجع إلى الجميع أو إلى الأخير؟ الشيخ: وعود التخيير إلى نفس الغسل
стр. 1613
بعيد جدا، قاله الشيخ الخرشي. وفي الشبراخيتي عن بعضهم: لم أر نصا صريحا في كون صلاة الجنازة شرعت بمكة أو بالمدينة، وظاهر حديث (أنه ﷺ صلى على قبر البراء بن معرور لما قدم المدينة وكان مات قبل قدومه لها بشهر (١))، كما قاله ابن إسحاق وغيره.
وما في الإصابة عن الواقدي، وأقره: أن الصلاة على الجنازة لم تكن شرعت يوم موت خديجة، وموتها بعد النبوءة بعشر سنين على الأصح أنها لم تشرع بمكة بل بالمدينة. انتهى.
وتلازما؛ يعني أن الغسل والصلاة متلازمان في الوجوب، فمن وجب غسله وجبت الصلاة عليه، ومن لا فلا، والغسل مقدم على الصلاة، فلو صلي عليه قبل غسله لم تجز، ولم تجز.
وحاصل المسألة أن من لا يغسل لشرفه، وهو الشهيد، لا يصلى عليه، ومن لا يغسل لكونه محكوما بكفره، أو لكونه سقطا لم يستهل، أو لكونه فقد جله لا يصلى عليه، فالذي يجب غسله والصلاة عليه من اجتمعت فيه أربعة أوصاف: الإسلام، وتقدم استقرار الحياة، وكونه غير شهيد معترك، وكونه لم يفقد جله؛ فالمراد بتلازم الغسل والصلاة تلازمهما في الطلب -كما قرره به غير واحد- وعلى هذا فكل من طلب فيه الغسل وتعذر غسله وتيممه لا تسقط الصلاة عليه؛ لأنه مطلوب ابتداء لكن تعذر، فإن فقد وصف من الأوصاف الأربعة سقط الطلب بالغسل، فسقط الطلب بالصلاة.
وبما قررت علم أن التيمم يقوم مقام الغسل عند تعذر الغسل، فييمم ويصلى عليه، ولا يعارض عدم تغسيل السقط ما يأتي من قوله: "وغسل دمه"؛ لأن معناه غسل على سبيل التنظيف وإزالة الأقذار، لا الغسل الذي هو كالجنابة.
وغسل كالجنابة؛ يعني أن غسل الميت كغسل الجنابة في الصفة، الإجزاء كالإجزاء، والكمال كالكمال؛ إلا ما يختص به الميت كالتكرار، ولا يكرر وضوءه بتكرر الغسل على أرجح قولين، كما قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. ابن بشير: وأما صفة الغسل، فإنه في صب الماء والتدلك على حكم غسل الجنابة. انتهى. الباجي: وينبغي على القول بتكرر الوضوء أن لا يغسل ثلاثا، بل مرة مرة حتى لا يوقع التكرار النهي عنه، وإذا لم نقل بتكريره أتيَ بثلاث أولا. قاله الشيخ محمد بن
стр. 1614
الحسن. وقال: تبع الزرقاني في أرجحية عدم تكرير الوضوء الأجهوري. قال أبو علي: ولم أر ذلك لغيره.
واعلم أنه لا ينتقض غسل الميتة بوطئها بعده، فلا يعاد. قوله: "وغسل كالجنابة"، وله الدلك هنا بخرقة يجعلها على يده كالدلك مباشرة، وقد فعل علي كذلك حين غسل رسول الله ﷺ : وقوله: "غسل كالجنابة"، أفاد وجوب التعميم والدلك، وأنه يسن أن يبدأ بغسل يدي الميت أولا؛ ثم يزيل الأذى عن جسده إن كان عليه أذى، ثم يوضئه، ثم يثلث رأسه، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن، ثم على الأيسر، كما مر ما يفيده.
وصرح في المدخل بأن فرائض غسل الجنابة وسننه وفضائله تأتي في هذا الباب. تعبدا؛ يعني أن غسل الميت غير معقول المعنى. فليس هو للنظافة، بل هو تعبد؛ بدليل تيممه عند عدم الماء، وقوله: "تعبدا"، مفعول لأجله أي غسل لأجل التعبد؛ أي امتثالا للأمر، مع أنا لم تظهر لنا حكمة الأمر به. وفي التوضيح: أن في الغسل فوائد منها: إكرام الملائكة؛ وتنبيه العبيد على أن المولى أكرمهم أحياء وأمواتا؛ وأن يعلموا أن من تأهب للقدوم على مولاه لم يقدم إلا طاهر القلب من المعاصي؛ متفرغا مما سوى الله تعالى؛ لأنه إذا اعتنى المولي بتطهير جسد يلقى في التراب، تهيأ العبد إلى تطهير ما هو باق؛ وهو النفس، فنسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من رعونات الشر، ويفرغها عن غيره: ويملأها من ذكره، ويقدمنا عليه وهو راض عنا. وقوله: "تعبدا"، وقيل: للنظافة، وعلى الأول لا يغسل المسلم الذمي، وعلى الثاني يغسله، والتعبد لمالك، والنظافة للشافعي؛ فإنه قال: لا بأس بغسل المسلم قرابته من المشركين ودفنهم، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور: وسبب الخلاف هو ما علمت. بلانية؛ يعني أن غسل الميت لا يفتقر لنية، بل يصح بدرنها، وإن كان التعبد لا بد له من النية؛ لأن ذلك في التعبد في النفس، وأما التعبد في الغير فلا يحتاج للنية كغسل الإناء من ولوغ الكلب، والنضح للثوب، كما قاله الباجي وابن رشد وغيرهما، ونقله في التوضيح وغيره. وقوله: "بلا نية"، متعلق بقوله: "غسل"، والباء للمصاحبة. والله سبحانه أعلم.
стр. 1615
وقدم الزوجان؛ يعني أن الحي من الزوجين يقضى له على غيره، بأن يقدم عليه في مباشرة تغسيل الميت منهما، ولو أوصى بخلافه لمن يرجى خيره، إلا أن يكون أحد الزوجين محرما. قال الإمام الحطاب عند قوله: "وقدم الزوجان": يريد إلا أن يكون أحدهما محرما، قال مالك ولا ينبغي أن يغسل أحد الزوجين المحرمين الآخر يرى عورته، فإن فعل وكان عن ذلك مذي فليهد، فإن لم يكن مذي فلا شيء عليه، ويكره ذلك، انتهى. وعبارة الشبراخيتي: ثم إن محل تقديم أحد الزوجين ما لم يكن الحي منهما محرما، فإن فعل كره، وأهدى إن أمذى. انتهى. وإنما قدم الحي من الزوجين في الغسل على العصبة. لتغسيل زوجة أبي موسى الأشعري له ﵁، ولتغسيل أسماء بنت عميس أبا بكر رضي الله تعالى عنهما، ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها؛ لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسل رسول الله ﷺ إلا أزواجه، ولتغسيل علي زوجته فاطمة رضي الله تعالى عنهما. والظاهر في زوجتين فأكثر القرعة، قاله الشيخ إبراهيم. وقال الأمير: وإن تعدد الزوجات، اشتركن، فلا حاجة للقرعة. انتهى.
وأما في الإنزال في القبر، فيقدم الزوج على الأولياء في إنزالها فيه، وفي لحدها، كما في النص. ويقضى له به فيما يظهر، وأما الزوجة فلا تقدم في ذلك فيما يظهر أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو طلب أهل الزوجة دفنها بمقبرتهم وطلب الزوج ذلك بمقبرته، أجيب أهل الزوجة، كما أفتى به ابن عرفة، قاله الشيخ إبراهيم. قال: قال شيخنا في شرحه: ويفهم منه أنهم لو طلبوا دفنها بمقبرة غير مقبرتهم، وغير مقبرة الزوج، وامتنع الزوج، فإنه يجاب الزوج. انتهى.
وأما الصلاة على الميت فسيذكر ذلك بقوله: "والأولى بالصلاة وصي رجي خيره" الخ. إن صح النكاح؛ يعني أن محل تقديم الحي من الزوجين في تغسيل صاحبه إنما هو حيث صح النكاح، دخل بها أو لا، وأما إن فسد النكاح فلا يقدم، بل لا تغسيل له، كما في الحطاب؛ لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، كنكاح المريضة والمريض؛ لأنهما لا يتوارثان. قال اللخمي: وهذا مع وجود من يجوز منه الغسل، فإن عدم وصار الأمر إلى التيمم، كان غسل أحدهما الآخر من تحت الثوب أحسن؛ لأن غير واحد من أهل العلم أجازه. انتهى. نقله الشيخ الخرشي. وقال: ضمير أجازه راجع للنكاح؛ فهو من الأنكحة المختلف فيها، وظاهر قوله: "إن صح النكاح"، ولو كان فيه
стр. 1616
خيار كنكاح المحجور من غير إذن وليه، ولو تنازع أولياؤها المتساوون فيمن تدفن معه، فقال بعضهم: ندفنها بتربة أبيها، وقال بعضهم: بتربة أمها، وكذا الرجل لو طلب بعضهم دفنه مع أولاده وبعضهم دفنه مع آبانه، من يجاب؟ والظاهر القرعة فيهما، وهل تقديم الزوجين في الغسل بالقضاء؟ وكذا من بعدهما إنما هو حيث كانوا مباشرين، لا إن أرادوا التوكيل، أو ولو أرادوا التوكيل، والأول هو ظاهر كلامه. انظر الخرشي.
إلا أن يفوت فاسده. مستثنى من المفهوم؛ أي فإن فسد النكاح فلا يقدم الحي من الزوجين في تغسيل صاحبه، إلا أن يفوت ذلك النكاح الفاسد بوجه من المفوتات الآتية، كالدخول في بعض الصور، والدخول والطول في بعض الصور، فيلحق بالصحيح حينئذ، ويقدم فيه الزوجان بالقضاء. ابن عرفة: والزوج أحق بإدخال زوجته في قبرها، فإن لم يكن فأقرب محارمها. ابن القاسم: فإن لم يكونوا فأهل الفضل. وقال سحنون: يلي المحارم النساء، ثم بعدهن أهل الفضل. وحاصل هذا أنه يجب على الأولياء أن يقدموا من طلب من الزوجين تغسيل صاحبه الميت، وليس المراد أنه يجب عليه هو الغسل: لأنه حق من حقوقه له إسقاطه وله القيام به. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ابن حبيب: وللزوج الاستعانة بذي محرم، فإن لم يكن فبذي الفضل عند أعلاها والزوج عند أسفلها، قالوا: ويستر قبرها. أشهب: ولا أكرهه في الرجل. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: بالقضاء متعلق بقوله: "وقدم"؛ يعني أن الحي من الزوجين يقضى له بتغسيل صاحبه، فيقدم فيه على غيره إن نازعه حيث باشر، وتندب لهما المباشرة.
وإن رقيقا؛ يعني أنه يقدم الحي من الزوجين بالقضاء في تغسيل صاحبه الميت؛ وإن كان الحي منهما رقيقا أذن: سيده؛ يعني أن محل تقديم الحي من الزوجين حيث كان رقيقا إنما هو إذا أذن السيد في تغسيله للميت؛ ولا يكفي الإذن في النكاح، فإن لم يأذن له في الغسل فلا؛ لأن فيه تضييع منفعة من منافعه؛ وهل يندب للسيد الإذن في ذلك أو يجوز؟ وظاهر المصنف: أنه يقدم بالقضاء مطلقا، وقاله ابن القاسم. وقال سحنون: إذا كان أحدهما أو كلاهما رقيقا قدم بغير قضاءة إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا كانت الزوجة حرة وهو رقيق، وأذن له سيده في الغسل؛ فيقضى له. والذي يوافق إطلاق المصنف قول ابن القاسم، وكلام الحطاب يفيد أن كلام سحنون
стр. 1617
مقابل، وكلام الشيخ يقتضي أنه الراجح. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. قوله: وقال سحنون: إذا كان أحدهما أو كلاهما رقيقا الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: يوهم أنهما إذا كانا حرين ومات الرجل، فإنه يقضى للزوجة عند سحنون وليس كذلك، بل سحنون يقول بعدم القضاء للزوجة مطلقا. انتهى.
وعلة عدم القضاء على ما لسحنون إذا كانا رقيقين انقطاع حق الزوجة بالموت، وقوة تعلق حق السيد، وقوله: "أذن سيده"، المراد إذن سيد الحي منهما -كما عرفت- والله سبحانه أعلم. وفي الحطاب عن ابن رشد: وأما الرجل فإنه يقضى له بغسل زوجته الحرة والأمة، وقيل: لا يقضى له بغسل زوجته إذا كانت أمة. انتهى. وذكر اللخمي عن سحنون: أنه لا يقضى للزوجة بغسل زوجها حرا كان أو عبدا، وأن الحر أولياؤه أحق به، فإن أسقط السيد حقه من الغسل، أو كان العبد ملكا لامرأة؛ كان الأمر إلى أولياء العبد. انتهى كلام الحطاب.
أو قبل بناء، عطف على المبالغة؛ يعني أن أحد الزوجين ثابت له القضاء بالتقديم في غسل صاحبه الميت، وإن كان موته قبل البناء، وأشار بالمبالغة في هذا إلى الخلاف. وقوله: "قبل بناء"، هذا في النكاح الصحيح -كما علمت- أو بأحدهما عيب؛ يعني أنه إذا كان بأحد الزوجين عيب يوجب الخيار في رد النكاح، ومات أحدهما قبل الاختيار، فإنه يقدم الحي منهما في تغسيل صاحبه الميت بالقضاء، سواء كان العيب بالحي أو بالميت، به أو بها، لانقطاع الخيار بالموت، هكذا حكاه اللخمي عن سحنون. وقال ابن عتاب: إن كان العيب بالحي لم يغسل الميت، وإن كان بالميت ففيه تنازع، وقوله: "أو بأحدهما عيب"، هو أيضا معطوف على المبالغة المشار بها إلى الخلاف.
أو وضعت بعد موته، عطف على المبالغة أيضا؛ يعني أن الزوجة إذا مات عنها زوجها وهي حامل؛ فوضعت قبل غسله، فإنها تقدم في تغسيله بالقضاء، كما لو لم تضع، وإن انقضت عدتها بالوضع؛ لأن ذلك حكم ثبت لها بالزوجية، فلا يتقيد بالعدة كالميراث، ويثبت للزوج أيضا مع عدم اعتداده، ولا يعلل بأن الغسل من توابع الحياة لاقتضائه جواز رؤيتها لفرجه بعد موته، مع أن ذلك ممنوع. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ البناني: هذا ظاهر المدونة، لكن سيأتي أن
стр. 1618
ابن ناجي حمله على الاستحباب، وقوله: "أو وضعت بعد موته"، المبالغة فيه أيضا إشارة للخلاف كالذين قبله. وقوله: "أو وضعت بعد موته"؛ سواء تزوجت أم لا، وقوله: والأحب نفيه إن تزوج أختها؛ معناه أن ابن حبيب قال في مسألة ما إذا كانت المرأة هي الميتة: أحب إلي إذا نكح أختها أن لا يغسلها، وقاله أشهب وابن القاسم، ومثل أختها من يحرم جمعه معها. قاله ابن القاسم، وأشهب. لأنه كجمع بين محرمتي الجمع، وقد تموت أختها، فيجمع بين غسلهما. وجمعهما محرم في الحياة فكره في الوفاة، وهذا يفيد أن فعله مكروه لا خلاف الأولى، ومقتضى العلة المذكورة أن وطء من يحرم جمعه معها بالملك كالتزوج، وظاهر المصنف خلافه، وظاهره أنه يقضى له به إذا ترك العمل بالمستحب؛ إذ هو الأصل في الزوجة، ولا يقضى عليه بنفيه الذي هو مندوب؛ إذ لا يقضى بمندوب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "والأحب نفيه"؛ أي الأفضل نفي غسل الزوج زوجته حيث تزوج بعد موتها أختها.
أو تزوجت غيره؛ يعني أن الأحب أيضا نفي تغسيل الزوجة لزوجها الميت حيث مات ووضعت بعد موته وتزوجت زوجا آخر، كان أخاه أم لا. قال الشيخ محمد بن الحسن: الاستحباب في هذه لابن يونس من عنده، وفي التي قبلها: لابن القاسم وأشهب، ولا نقل ابن يونس الاستحباب في الأولى قال في هذه ما نصه: وكذلك عندي إذا ولدت المرأة، وتزوجت غيره، أحب إلي أن لا تغسله. انتهى. وقال الحطاب: أما الاستحباب في الأولى، فصرح به غير واحد، وأما في الثانية فنقله ابن عرفة عن ابن يونس. انتهى.
لا رجعية؛ يعني أن الزوجة المطلقة طلاقا رجعيا إذا ماتت هي أو زوجها قبل انقضاء عدتها، فإنه لا يغسلها في الأولى، ولا تغسله في الثانية، والفرق بين الرجعية، ومن تزوجت غيره، أنها مباحة للموت، بخلاف الرجعية لحرمة استمتاعه بها والأكل معها، وأما الظاهر منها فيقضي له ولها بالتغسيل، كما للعجماوي. وأولى المولي منها؛ لأن السبب -وهو الزوجية- باقية في كل منهما للموت، بخلاف الرجعية، وإن كان مطلوبا بوطء الثانية دون الأولى فإنه ممنوع من وطئها قبل الكفارة. وقوله: "لا رجعية"، بالرفع، فاعل فعل محذوف، وهو وفعله معطوفان على: "قدم
стр. 1619
الزوجان" من عطف الجمل؛ أي لا تغسل رجعية، لكن "لا"، لا تعطف الجمل إلا على قول ضعيف عند النحويين. قاله الشيخ إبراهيم.
وكتابية؛ يعني أن الكتابية لا تغسل زوجها المسلم إن مات، كما لا يغسلها هو إن ماتت. إلا بحضرة مسلم؛ يعني أن محل عدم تغسيل الكتابية لزوجها المسلم حيث لم يكن ذلك بحضرة مسلم، وأما إن حضر لها عند التغسيل مسلم مميز عارف بأحكام الغسل ذكرا كان أو أنثى فإنها تغسله؛ وعبارة الشيخ إبراهيم عند قوله: "إلا بحضرة مسلم"، ذكرا كان أو أنثى، عارف بأحكام الغسل، وإلا فحضوره كالعدم. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "بحضرة مسلم"، مميز عارف بأحكام الغسل يؤمن معه إقرارها على خلاف ما يطلب في تغسيله فيما يظهر، وهذا كالمستثنى من قوله: "تعبدا"، فتقدم بالقضاء، كما نقله العجماوي عن شيخه الشيخ سليمان. وظاهر قول مالك: عدم القضاء لها، ولو ماتت هي لم يغسلها زوجها، كما صرحوا به. وينبغي: ولا يدخلها قبرها إلا أن تضيع فليوارها قياسا علىم سيأتي. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قوله: وهذا كالمستثنى من قوله: "تعبدا"، فيه نظر، بل هذا لا ينافي ما تقدم من أن الغسل تعبد، قال الرماصي: بدليل أنهم لم يعزوا النظافة إلا لابن شعبان، كما في ابن عرفة والتوضيح، والخلاف في غسل الذمية المسلم بين ملك وأشهب وسحنون، وهم يقولون بالتعبد وإباحة: أي حلية. الوطء، حلية أصلية فلا يضر تحريم عارض من حيض أو نفاس أو ظهار. قاله البساطي. قاله الشيخ إبراهيم. مستمرة للموت، حاصلة بسبب رق، كالقن، وأم الولد، والمدبرة، ولو كان السيد عبدا تبيح؛ أي تسوغ، والفاعل ضمير يعود على الإباحة، وهي مبتدأ، والخبر قوله: "تبيح"، الغسل مفعول تبيح، من الجانبين؛ أي يباح للسيد تغسيلها، ويباح لها هي تغسيله بذلك. ومعنى كلام المصنف أن السيد إذا كان مباحا له وطء أمته إباحة مستمرة إلى أن مات أو ماتت، كالقن وأم الولد والمدبرة، فإنه يباح لها أن تغسله، ولا يقضى لها بذلك، ويباح له هو أن يغسلها ويقضى له بذلك.
ودخل في كلام المصنف المحرمة لعارض من حيض أو نفاس، فيباح له تغسيلها، كما يباح لها تغسيله، وكذا الظاهر منها. قاله الشيخ إبراهيم عن البساطي. وكون الأمة لا يقضى لها على
стр. 1620
عصبة السيد متفق عليه، ولا بد من إذنهم لها، فإن لم يكونوا أو لم يمكنهم الغسل، فالظاهر أنها أحق إذا كانت تحسنه. وإنما أبيح لها مع انتقال الملك بالموت؛ لأنها لم تنتقل للوارث إلا وفيها حق للموروث؛ كالزوجة تضع بعد الموت. قاله في الطراز.
وخرج بالإباحة: المكاتبة، والمبعضة، والمعتقة لأجل، وأمة القراض، وأمة الشركة، وأمة المديان بعد الحجر عليه، وكذا الأمة المتزوجة. وفهم اللخمي من كلام سحنون أن الأمة المتزوجة يغسلها السيد، ولم يفهم من كلامه أنها تغسله. قاله الشيخ محمد بن الحسن. رادا على الشيخ عبد الباقي؛ حيث قال: إن اللخمي فهم من سحنون أن الأمة المتزوجة تغسل سيدها، قال الشيخ عبد الباقي: وينبغي منع غسل الخدمة كالمتزوجة، وقد مر عن البساطي أن الأمة المظاهر منها تغسل السيد ويغسلها، واستظهر الحطاب المنع، واستظهر الرماصي ما استظهره الحطاب من المنع، وتخرج أيضا الأمة المولى منها إن قيل بدخول الإيلاء في الإماء بمعنى الحلف على ترك الوطء، لا المبوب له. وفي كتاب الشيخ الأمير: والظهار والإيلاء يمنعان منه في الأمة لا الزوجة، والفرق بينهما أن الغسل في الأمة منوط بإباحة الوطء، وفي الزوجين بعقد الزوجية؛ وتخرج أيضا المستبرأة المواضعة، والمبيعة بخيار فليس لهما تغسيل بائع ولا مشتر. وينبغي أن للسيد تغسيل المبيعة بخيار، لانقطاع حق المشتري منها بالموت دون المستبرأة المواضعة، فتحصل من هذا أن جملة الإماء الممنوع تغسيلها للسيد اثنتا عشرة أمة، وهي: المكاتبة، والمبعضة، والمعتقة لأجل، وأمة القراض، وأمة الشركة. وأمة المديان بعد الحجر عليه، والمتزوجة، والمخدمة، والمظاهر منها، والمولى منها؛ والمواضعة، والمبيعة بخيار. والله سبحانه أعلم.
وأما المستبرأة التي لا تتواضع بأن كانت وخشا ولم يقر البائع بوطئها، فيغسلها السيد إن ماتت، وتغسله هي إن مات. ثم أقرب أوليائه، قوله: "أقرب"، عطف على الزوجان؛ يعني أنه إن لم يكن أحد الزوجين، أو كان، وأسقط حقه. أو غاب، فإن الميت إذا كان ذكرا يقدم في تغسيله بالقضاء أقرب أوليائه علي أبعدهم كالنكاح، فيقدم ابن، فابنه، فأب، فأخ، فابنه، فجد، فعم، فابنه؛ وقدم الشقيق على غيره، وكذا عاصب النسب، ويقرع بين المتساويين، ومن قدم قدم بالقضاء -كما مر- في أول الحل، وإذا كان الولي كافرا؛ فإن وجد مسلما ولو أجنبيا، فإن الكافر
стр. 1621
لا يجوز أن يغسله، وسيقول المصنف: "ولا يترك مسلم لوليه الكافر" الخ، فإن لم يوجد إلا النساء، فقال مالك: تعلمه النساء ويغسله، وقال أشهب في المجموعة: لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وكذلك الكافرة في المسلمة، ثم يحتاطون بالتيمم، وهذا التقرير للبناني، وهو الظاهر وإن ناقشه الرهوني. قوله: "ثم أقرب أوليائه"، نظم الشيخ علي الأجهوري ذلك، فقال:
بغسل وإيصاء ولاء جنازة … نكاح أخا وابنا على الجد قدم
وعقل ووسطه بباب حضانة .... وسوه مع الآباء في الإرث والدم
قوله: بغسل؛ أي في تغسيل الميت يقدم الأخ وابنه على الجد، وكذا في الوصية للأقارب، فيقدم الأخ وابنه على الجد، وكذا يقدم الأخ وابنه على الجد أيضا في الولاء، فإذا مات شخص وله معتق بالفتح، ثم مات المعتق بالفتح ولم يكن له وارث نسب، فيقدم في إرثه أخو المعتق بالكسر وابنه؛ أي أخي المعتق بالكسر على جد المعتق بالكسر. وقوله: جنازة؛ يعني به أن أخا الميت وابن أخيه أولى بالصلاة عليه من الجد عند اجتماعه مع واحد منهما، وقوله: نكاح، يشير به إلى قول المصنف: فأخ فابنه فجد، وقوله: وعقل؛ أي إذا تمت العاقلة بالأخ للميت وابنه في حمل دية الخطإ، فإن الجد لا شيء عليه، ويتوسط الجد للمحضون بين أخي المحضون وابن أخيه، فيقدم الأخ على الجد، ويقدم الجد على ابن الأخ، كما قال. ووسطه بباب حضانة. وقوله: وسوه مع الآباء في الإرث والدم؛ أي آباء أبناء الإخوة، وحينئذ فالمراد بالآباء الإخوة بأنفسهم، فإذا مات شخص وله مال، وله أخ وجد، اقتسما ماله، وكل واحد منهما يحجب ابن أخي الميت، وإن قتل شخص عمدا فالاستيفاء لأخيه وجده، وهما في رتبة واحدة، ولا كلام لابن أخي الميت مع وجودهما أو وجود أحدهما. والله تعالى أعلم.
ثم أجنبي؛ يعني أنه إذا لم يوجد أحد من أولياء الميت الذكر كما لو لم يكن أو غاب، فإنه يقدم في تغسيله بالقضاء على محارمه الإناث رجل أجنبي، وليس المراد ما يقتضية المصنف من أنه إذا لم يكن أقرب أوليائه يقدم الأجنبي على أوليائه غير الأقارب، بل المراد لم يكن أحد من الأولياء لا قريب ولا بعيد -كما قررت- والله سبحانه أعلم.
стр. 1622
ثم امرأة محرم. وهي من يحرم نكاحها، قال في القاموس: والحرمة بالضم وبضمتين: ما لا يحل انتهاكه، والذمة، والمهابة؛ والنصيب ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وحرمك بضم الحاء، نساؤك، وما تحمي، وهي المحارم الواحدة كمكرم، وتفتح راؤه؛ ورحم محرم محرم نكاحه. انتهى؛ يعني أنه إذا مات شخص ذكر ولم يحضر في ذلك الوقت رجل، وإنما حضره النساء، فإنه تغسله امرأة محرم بنسب أو رضاع أو صهر، كأم زوجته، أو زوجة أبيه أو ابنه؛ وتقدم عند التنازع محرم النسب، ثم الرضاع، ثم الصهر. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وينبغي عند التنازع تقديم محرم النسب، ثم الرضاع: ثم الصهر. وكذا يقال فيما يأتي في تغسيل المرأة الميتة. انتهى. وقال الشيخ الخرشي. عند قوله: "تم امرأة محرم": ولو كافرة. انتهى. وقال الإمام الحطاب: ظاهره أنه لا ينتقل للنساء المحارم إلا عند عدم الرجال الأجانب مسلمين كانوا أو كتابيين. وأنه لو وجد كتابي لغسله، قال ابن ناجي: وقد اختلف في ذلك، فقال مالك: يعلمه النساء ويغسله، وقال أشهب في المجموعة: لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وقال سحنون: يغسله الكافر، وكذلك الكافرة في المسلمة، ثم يحتاطون بالتيمم. والله أعلم. ونقله ابن هارون أيضا، وقال: إن الكتابية كذلك إذا كانت مع الأجانب فيعلمونها إلى آخره، ولا فرق بين محارم النسب والصهر على المنصوص، وكذلك في محارم المرأة على المشهور. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: كل من ذكر الخلاف في أن الكافر يغسل المسلم مقيد بما إذا لم يوجد معه إلا النساء الأجانب، وأما إن وجد معه مسلم ولو أجنبيا فلا يجوز أن يغسله الكافر ولو كان من أوليائه. انتهى، فما في شرح الشيخ عبد الباقي والحطاب من عدم التقييد بذلك غير ظاهر.
وهل تستره أو عورته؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول المدونة: من مات في سفر لا رجال معه ومعه نساء فيهن ذات محرم فإنها تغسله وتستره، هل معناه تستره كله؟ وهو فهم اللخمي. ومن وافقه، وهو الذي في الأمهات، واختصرها عليه المختصرون، ولابن القاسم في سماع عيسى بن معاوية مثله، أو معناه: تستر عورته فقط بالنسبة لها؟
стр. 1623
وقد مر أن عورته معها كرجل مع مثله؛ أي ما بين السرة والركبة، وهو فهم التونسي. عياض: وهو أصح في المعنى؛ لأن النظر في جسده غير ممنوع عليهن، ولهن أن يرين منه ما يراه سائر الرجال. انتهى. وفي الشبراخيتي: ويعضده؛ يعني هذا الأخير جواز رؤيتها لما عداها أي العورة في الحياة، وعلى هذا التأويل الثاني اقتصر صاحب الرسالة ومن وافقه، وقوله: تأويلان: مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، وهما في قول المدونة السابق: وتستره، فإن لم يوجد ساتر غسلته مع غض البصر، ولا يترك الغسل كذا ينبغي. قاله الشيخ أحمد، نقله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: إنها لا تباشر إلا بخرقة، وقوله: "تم امرأة محرم"؛ هو المعتمد.
قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر أن التأويل الأول أقوى من الثاني، والله سبحانه أعلم.
ثم يمم لمرفقيه؛ يعني أنه إذا لم يكن مع الميت الذكر رجل ولا امرأة محرم، بل أجنبية؛ فإن المرأة الأجنبية تيممه لمرفقيه، وهذا هو المشهور، وهو ورهب المدونة، وقيل: ييمم إلى الكوعين" ولا يفتقر هذا التيمم لنية كذا ينبغي. قاله غير واحد. والواجب من هذا التيمم ينتهي للكوعين، ومنهما للمرفقين سنة كالتيمم للحدث. الشبراخيتي: هذا على القول بالوجوب في الغسل، وأما على القول بسنية الغسل فإنما تيممه لكوعيه، وقال الشيخ عبد الباقي: ظاهر إطلاقهم هنا وجوب التيمم إلى المرفقين. انتهى. وقال حكم التيمم حكم الغسل، لكونه بدله. انتهى. وإذا يمم لمرفقيه ثم وجد رجل يغسله؛ فإن كان قبل الصلاة عليه غسله، وإن كان بعدها لم يغسل؛ لأن الصلاة لا تكرر، وينبغي عدم الإعادة إن جاء رجل حال الصلاة عليه، ويناسبه قوله في التيمم: وبوجود الماء قبل الصلاة لا فيها. كعدم الماء؛ يعني أن الميت إذا لم يوجد من الماء ما يغسل به، فإنه ييمم للمرفقين؛ فإن وجد الماء بعد الصلاة عليه لم يغسل، وكذا إن وجد فيها فيما يظهر، وإن وجد قبلها غسل قولا واحدا، وهذا مما يؤيد القول بأن غسله تعبد لا للنظافة، كما يقول ابن شعبان، وعلى ما لابن شعبان: لا ييمم، قاله الخرشي. وتقطيع الجسد؛ يعني أن الميت إذا خيف عليه أن يتقطع جسده من صب الماء عليه تقطعا فاحشا كما قاله الشيخ إبراهيم -فإنه ييمم لمرفقيه، وأما إذا خيف عليه ذلك من الدلك فإنه يترك الدلك ويصب عليه الماء، قال الشيخ عبد الباقي
стр. 1624
والشيخ إبرهيم: والظاهر أن المراد بالخوف الشك فما فوقه، لا ما يشمل الوهم، ويرجع في ذلك لأهل المعرفة. ومعنى تقطيع الجسد انفصال بعضه من بعض.
وعلم مما قررت أن المراد خيف تقطيع الجسد كما فسره به الشارح وغيره، وأما الجسد المقطع فإنه إذا اجتمع كله أو جلد غسل وصلي عليه، كما صرح به في سماع موسى. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب؛ وتزليعه؛ يعني أن الميت إذا خيف عليه من صب الماء أن يتزلع جلده؛ أي يتسلخ كالسموم والمحروق؛ فإنه ييمم للمرفقين، وأما إذا خيف عليه ذلك من الدلك؛ فإنه يترك الدلك ويصب عليه الماء، وخوف تقطع بعضه وتزلعه كخوف حصولهما في جملته، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: وتقطع وتزلع بلا ياء، قاله الخرشي. والظاهر أن المراد بالخوف هنا الشك فما فوقه؛ لا ما يشمل الوهم، قاله الشيخ عبد الباقي.
وصب على مجروح أمكن ماء، يعنى أن محل التيمم في قوله: "وتقطيع الجسد وتزليعه"، حيث لم يمكن صب الماء عليه لكونه إذا صب عليه الماء يخاف عليه من التزلع أو التقطع، وأما إن أمكن صب الماء عليه لكونه لم يخف عليه التزلع ولا التقطع من صب الماء عليه فإنه يصب عليه؛ فإذا كان بالشخص جراح لا يمكن معها الدلك ويمكن معها صب الماء فإنه يصب عليه الماء من غير دلك، ويصلى عليه ولا ييمم.
وقد علمت أن معنى الإمكان أن لا يخاف عليه التزلع ولا التقطع من ذلك، كما نص عليه الشيخ إبراهيم وغيره. والله سبحانه أعلم. وفاعل "أمكن"، ضمير يعود على الصب المفهوم من قوله: "وصب"؛ على حد قوله : ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُو﴾؛ أي العدل، وإلى ذلك الإشارة بقول الشيخ المختار بن بون الجكني ﵀:
واستغن عن مفسر الضمير … بالكل والجزء وبالنظير
كمجدور؛ يعني أن المجدور؛ وهو الذي أصابه الجدري داء معروف يصب عليه الماء، ولا ييمم. والمجدور بالدال المهملة والمعجمة وأول ما ظهر الجدري من قصة أصحاب الفيل، ولم يكن قبلها. قاله الشيخ الخرشي. وما ذكر من الإعجام تعقبه الرهوني؛ والجدري، بضم الجيم وفتح الدال المهملة وبفتحهما. إن لم يخف تزلعه؛ يعني أن محل صب الماء على المجدور وعدم كونه ييمم،
стр. 1625
إنما هو حيث لم يخف تزلعه، وأما إن خيف عليه التزلع من صب الماء عليه فإنه ييمم. قال الشيخ الخرشي والشيخ إبراهيم إن قوله: "إن لم يخف تزلعه"، راجع للمجدور وللمجروح، والخوف هنا. كما مر. الخرشي: لو قال: وصب على مجروح ومجدور ماء إن لم يخف تزلع كل، لكان أخصر وأحسن؛ لأن المراد بقوله: "أمكن"، أن لا يخاف تزلعه. انتهى. قال مؤلفه رحمه اللّد: والذي يظهر أن قوله: "إن لم يخف تزلعه"، راجع لمدخول الكاف، فقط. كما هو الأغلب في قاعدته من رجوع القيد لما بعد الكاف، وأما المجروح فلا يرجع له للاستغناء عنه، بقوله: "أمكن"، والله سبحانه أعلم.
وأعلم أن هذا الحكم لا يختص بالمجروح ولا بالمجدور، بل كل من يخشى عليه من ذلك مثله، وحاصل ما أشار إليه المصنف من قوله: "وتقطيع الجسد"، إلى قوله: "إن لم يخف تزلعه"، أن الميت لابد من تغسيله ودلكه إن أمكن، وإلا صب عليه الماء من غير دلك إن أمكن، وإلا يمم وذلك كالمجدور، والمجروح، وذي القروح، ومن تهشم تحت الهدم، والمسموم، والمحروق ونحوهم. وقال الأمير: ولم يذكروا هنا مسحا على جبيرة، وإلا لمسح على الكفن، وليس من عمل الناس. انتهى. والله تعالى أعلم.
والمرأة أقرب امرأة؛ يعني أن المرأة فيما تقدم كالرجل، فإذا امتنع زوجها أو سيدها من غسلها، أو لم يكن أو غاب، فإنها يغسلها الأقرب إليها من أهلها النساء على ترتيب العصبة، فتقدم البنت، ثم بنت الابن، ثم الأم، ثم الأخت، ثم بنت الأخ، ثم الجدة، ثم العمة، ثم بنت العم، وتقدم الشقيقة على غيرها. ثم إن لم يوجد من أقاربها النساء أحد، فإنها تغسلها أجنبية مسلمة، وكذا تغسلها كافرة بحضرة مسلم أجنبي، ومعناه أنه يعلمها، لا أنه يحضر الغسل. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وأما لو حضر مسلم محرم فلا تغسلها الكافرة، بل يغسلها هو -كما مر- فالرجل المحرم يقدم في غسل محرمه المسلمة على الكافرة، وتقدم عليه المسلمة الأجنبية. والله تعالى أعلم. قوله: "ثم أجنبية"، قال الشيخ عبد الباقي: وتباشر الأجنبية غسلها بلا خرقة حتى عورتها -كما هو ظاهر كلامهم- ولعل الفرق بين تغسيلها وتغسيل المحرم محرمه -وأحدهما ذكر والآخر أنثى- أن مس الذكر عورة الأنثى وعكسه أشد حرمة من مس عورة الأنثى للأنثى، وكذا
стр. 1626
يقال في النظر. انتهى. قوله: وتباشر الأجنبية غسلها بلا خرقة حتى عورتها، الظاهر أن هذا غير صحيح؛ لأنه إذا كان يمنع النظر، فمنع الجس من باب أولى، وفي المواق عن المازري ما نصه: وأما غسل المرأة؛ يعني المرأة فالظاهر من المذهب أنها تستر منها ما يستر الرجل؛ أي من الرجل من السرة إلى الركبة.
وبما قررت علم أن معنى قوله: "ثم"، [إن (١)] لم يوجد من أقاربها النساء أحد، وليس المراد إن لم تكن أقرب امرأة. كما هو واضح.
تنبيه: نقل الشيخ إبراهيم عن الدميري: أنه غسلت امرأة امرأة بالمدينة في زمن مالك، فالتصقت يدها بفرجها، فتحير الناس في أمرها، هل تقطع يد الغاسلة، أو فرج الميتة؟ فاستُفتِي مالك، فقال: سلوها ما قالت لما وضعت يدها عليها؟ فسألوها، فقالت: قلت طالما عصى هذا الفرج ربه، فقال مالك: هذا قذف اجلدوها ثمانين تخلص يدها، فجلدوها ذلك فخلصت يدها، فمن ثم قيل لا يفتى ومالك بالمدينة. انتهى.
ولف شعرها، يقال: لفه ضد نشر كلففه؛ يعني أن المرأة الميتة يلف شعرها أي يدار على رأسها كالعمامة، قاله الشيخ إبراهيم. وهو يقول ابن القاسم في العتبية، ويعمل بشعر المرأة ما أحبوا من لفه، وقوله: "ولف" مبني للمفعول.
ولا يضفر؛ يعني أن شعر المرأة الميتة لا يضفر لقول ابن القاسم: وأما الضفر فلا أعرفه. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وإن ضفر شعرها فحسن، والمنكر كونه أمراً لا بد منه، كما قال ابن رشد. انتهى. والضفر: نسج الشعر وغيره عريضا، وعقصه: ضفره وليه على الرأس. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي: ولا يضفر وجوباً، بل ندباً [لضفر أم عطية شعر بنت رسول الله ﷺ ؛ أي أم كلثوم بحضرته ﷺ ثلاث ضفائر، ناصيتها، وقرنيها، ثم ألقت الجميع خلفها] (٢) ابن رشد: وهو حسن، وقد روي: يصنع بالميت ما يصنع بالعروس، غير
стр. 1627
أنه لا يحلق ولا ينور لا رقية لموتها وهو ببدر، ولا فاطمة لموتها بعده بستة أشهر. انتهى. قوله: "ولا يضفر"، وجوباً، بل ندباً إلخ.
حمل كلام المصنف على هذا لأنه على هذا حمل ابن رشد قول ابن القاسم: يعملون بالشعر كيف شاءوا من لفه، وأما الضفر فلا أعرفه. انتهى. فقال ابن رشد: إنه لا يعرفه من الأمر الواجب؛ وهو إن شاء الله حسن من الفعل، وقوله: أي أم كلثوم، كونها أم كلثوم هو الذي نقله ابن حجر عن ابن التين، وذكر له طرقاً، لكن قال: المشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع. انتهى. ورجحه أيضًا النووي في شرح مسلم، وقوله: بحضرته ﷺ إلخ، اعترض هذا بأنه ليس في شيء من طرق الحديث ما يدل عليه، بل بحث الأبي في شرح مسلم في الاستدلال بهذا الحديث بأنه ﵊ لم يطلع على ما فعلته أم عطية؛ إذ ليس في الحديث أنه أمرها بذلك، ولا أنه علمه ووافق عليه، ولعل ابن القاسم لهذا أنكر الضفر. انتهى. قلت: ذكر القرطبي أن الحديث محتمل لاطلاعه ﷺ ، أو أنه شيء رأته ففعلته استحساناً، قال: لكن الأصل أن لا يفعل في الميت شيء من جنس القرب إلا بإذن من الشرع محقق. انتهى. نقله ابن حجر. ونقل عن النووي أنه قال: الظاهر اطلاع النبي ﷺ عليه وتقريره له، وذكر ابن حجر رواية بلفظ الأمر عن أم عطية، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : [اغسلنها وترا، واجعلن شعرها ضفائر (١)]. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشارح: قال ابن حبيب: لا بأس بالضفر. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: وقوله: "ولا يضفر"، ضعيف، والمعتمد أنه يضفر، انتهى المراد منه.
ثم محرم؛ يعني أنه إذا لم يكن أحد من النساء لا قريبة ولا بعيدة، أو غاب، ولم يوجد إلا الرجال؛ فإن المرأة الميتة يغسلها رجل من محارمها من النسب أو الرضاع أو الصهر، قال الشيخ إبراهيم: ويجري هنا في المحرم ما جرى فيما قبله؛ يعني من تقديم محرم النسب على محرم الرضاع، ثم محرم الرضاع على محرم الصهر. والله سبحانه أعلم. وإذا غسل الميتة رجل من
стр. 1628
محارمها؛ فإنه يلف على يده خرقة غليظة ليلا يباشر جسدها بيده، ويفضي بالخرقة لجسدها، ويجعل بينه وبينها حائلًا، كما أشار إليه بقوله: فوق ثوب؛ يعني أن الصب والإفضاء بالخرقة من تحت الثوب، ونظر الرجل المحرم الغاسل فوق الثوب، وقوله: "فوق ثوب"، الذي يظهر من كلامهم أن "فوق" خبر عن مبتدإ محذوف تقديره: نظره فوق ثوب. والله سبحانه أعلم. وقوله: "فوق ثوب"، صفته أن يعلى من السقف بينها وبين الغاسل ليمنع الغاسل النظر، ويلف على يده خرقة غليظة. وللشبراخيتي عن شيخه: أن عبارة المصنف كعبارة المدونة، وتأولها شراحها على أن معناها: يغسلها تحت ثوب، فتأول "فوق" في المصنف على أنها بمعنى: تحت، وفوق تأتي بمعنى تحت، وهو حال من فاعل يغسلها المقدر.
وما قررت به كلام المصنف أولاً نحوه للشَّيخ عبد الباقي وغيره، قال الشيخ محمد بن الحسن: هو قول ابن حبيب، وجعله أبو الحسن تفسيراً للمدونة، وقال في التوضيح: مذهب المدونة أنه يغسلها من فوق ثوب؛ وهو تأويل ابن رشد عليها. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وأما المرأة المحرم تغسل محرمها الرجل فإنها لا تباشر منه بيدها ما يجب عليها أن تستر منه؛ وهو جميع جسده على أحد القولين، وعورته على الآخر كما قدمه المصنف، وما عداه تباشر، لكن تجعل بينها وبينه ثوباً كما هنا. انتهى. وقد مر عن الأمير عند قول المصنف: "وهل تستره أو عورته" أنها: لا تباشر إلا بخرقة. والله سبحانه أعلم.
ثم يممت لكوعيها؛ يعني أنه إذا لم يوجد عند الميتة إلا الرجال الأجانب، فإنها ييممها واحد منهم؛ أي ييمم وجهها ويديها لكوعيها من غير حائل، ولا ييمم ذراعيها؛ لأن ذراعيها عورة اتفاقاً بخلاف وجهها وكفيها، وإنما جاز مسهما للأجنبي هنا دون الحياة لندور اللذة هنا، وفرق أبو الحسن بين الرجل تيممه المرأة لمرفقيه وهو ييممها لكوعيها؛ بأن تشوف الرجال للنساء أقوى من عكسه، ولا يتيمم المصلي إلا بعد الفراغ من تيمم الميت؛ لأنه وقت دخول الصلاة عليه، انظر التتائي. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: أظهر من هذا الفرق ما في المعيار عن ابن مرزوق: أن الوطء من الرجل الحي للميتة أمكن من عكسه لوصوله إلى ما يريده من جماعها على التمام دونها، فحرم عليه ما زاد على أقل ما يمكن في التَّيمم سدا للذريعة. انتهى.
стр. 1629
وإذا يممت المرأة لكوعيها، ثم وجدت امرأة تغسلها فإنها تجري على ما مر؛ أي فإن وجدت قبل الصلاة غسلتها، لا فيها، ولا بعدها. والله سبحانه أعلم.
وستر، بالبناء للفاعل أو للمفعول، كما للشَّيخ إبراهيم. من سرته لركبته؛ يعني أن الغاسل يجب عليه أن يستر من سرة الميت لركبته. وإن زوجا؛ يعني أنه لا فرق في وجوب ستر الغاسل من سرة المغسول لركبتيه بين أن يكون الغاسل زوجا أو سيداً، وبين غيرهما لانقطاع الزوجية بالموت، وقال ابن ناجي: إن ستر أحد الزوجين للآخر مستحب، إلا أن يكون معه معين، فيجب اتفاقاً. وأعلم أن ظاهر المدونة الوجوب حتى في الزوج، ويفيده الشادلي، وحمل ابن ناجي المدونة على الاستحباب في الزوج إلا أن يكون معه معين، فيجب اتفاقاً، فعلى ما هو مفاد الشارح: لا إشكال في كلام المصنف، وعلى كلام ابن ناجي: تشكل المبالغة؛ لأن ما قبلها يجب فيه الستر، إلا أن تحمل المبالغة على ما إذا كان مع أحد الزوجين معين قاله الشيخ الخرشي. ورد المصنف بالمبالغة على ابن حبيب القائل: يجوز أن يغسل كل واحد منهما صاحبه بادي العورة، إلا أن يحتاج الغاسل إلى معونة غيره فإنه يستر العورة باتفاق. قاله الشارح. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وعلى القول بالستر لا يطلب إلا ستر العورة خاصة لا ما ذكره المصنف، فتأمله. ذكره أبو زيد. انتهى. قوله: على القول بالستر؛ أي ستر أحد الزوجين لصاحبه، قاله مقيد هذا الشرح عفا الله عنه.
ولما قدم حكم الغسل والصلاة، وبين من يلي الغسل وكيفيته على سبيل الإجمال، شرع يبين أركان الصلاة، فقال: وركنها النية، الضمير في ركنها عائد على الصلاة المتقدم ذكرها في أول الباب، والركن بالضم في اللغة: جانب الشيء الأقوى، والمراد به عند العلماء جزء الشيء الذي ينعدم الشيء بانعدامه؛ يعني أن من أركان الصلاة على الجنازة النية؛ وهي قصد الصلاة على هذا الميت خاصة، واستحضار كونها فرض كفاية؛ فإن غفل عن هذا الأخير لم يضره، كما لا يضره ذلك في فرض العين. قاله غير واحد.
قال مؤلفه عفا الله عنه: وقضية هذا أنه يقصد الشفاعة للميت بهذه القربة المشتملة على تمجيد الله تعالى، والخضوع له بالدعاء لهذا البيت وغيره؛ أي الدعاء امتثالا لأمر الله تعالى ورسوله، لا أن المراد بالنية قصد البيت بالدعاء فقط؛ والله تعالى أعلم.
стр. 1630
تنبيهات: الأول: لو صلى على الجنازة على أنها أنثى فوجدت ذكراً أو بالعكس، أجزأت. قاله ابن يونس. قال التونسي: لأن القصد عين الشخص، فلا يضر جهل صفته، واغتفر الواقع على طبق اعتقاده المخالف لما في نفس الأمر، وكذا لو صُلّيَ عليها ولا يُدرَى أرجل هي أو أمرأة؟ فالصلاة مجزئة؛ لأنه إن شاء ذكر، ونوى الشخص أو الميت، وإن شاء أنث ونوى الجنازة، فإن علم أثناء الصلاة بتعيينه خصه فيما بقي بما يدعى له به، وإن حصل التعدد ولم يعلم، قال: من أصلي لوقوع من على المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، والخنثى المشكل حيث كان خنثى، ولو كانت الجنازة واحدة وظن الإمام والمأموم أنها جماعة فإن الصلاة تجزئ؛ لأن الجماعة تتضمن الواحد، وأما لو ظن الإمام أنها واحدة، وظن المأموم أنهم جماعة فإذا هم جماعة، فإنها تعاد حتى من المأموم؛ لأن صلاته مرتبطة بصلاة إمامه، وكذا تعاد إن كان في النعش اثنان وظنهما واحدًا ونوى الصلاة عليه فقط، فتعاد عليهما إن لم يعينه باسمه مثلاً، ليلاً يلزم الترجيح بلا مرجح، فإن عينه أعيدت على غيره. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الخرشي: لو صُلّيَ عليها على أنها جماعة فوجدت واحدًا فإنها تجزئ، سواء تبيّن له ذلك بعد الفراغ أو في أثنائها، غير أنه يدعو في الثانية لواحد في بقية الصلاة.
الثاني: يستحب أن يصف جماعتها ثلاثة صفوف، وعد المصنف أركانها أربعة: النية، وأربع تكبيرات، والدعاء، وتسليمة، وزاد سند وعياض: القيام، ولا يقال: إنما ينبغي عده فرضاً على القول بفرضية الصلاة؛ لأن سنداً شهر السنية وعده فرضاً، فمقتضاه أنه فرض على القولين، وأما الإمام فعند ابن رشد أنه شرط، وعند اللخمي أنه سنة؛ لأن الجماعة فيها مستحبة، فتركَ المصنف الإمام والقيام، وفي كل منهما قولان، والمعتمد في القيام الركنية، وفي الإمام السنية، وسكت المصنف عن شروطها لمساواتها لغيرها فيها، قال عياض: يشترط في صحتها ما يشترط في سائر الصلوات المفروضة، إلا أنه لا قراءة فيها، ولا ركوع، ولا سجود، ولا جلوس انتهى. وصفتها أن يكبِّر قائماً بنيَّة، يرفع يديه فيدعو، ثم يكبِّر فيدعو، ثم يكبِّر فيدعو، ثم يكبِّر. قيل: يدعو، وقيل: لا يدعو، ثم يسلم؛ وهو في هذا كله قائم لا يركع ولا يسجد ولا يجلس. والله سبحانه أعلم.
стр. 1631
الثالث: قال الشيخ الخرشي: إنما لم يقرأ في الجنازة؛ لأن ثواب القراءة للقارئ، فلا ينتفع بها الميت ما لم يقل: أوصل ثواب ذلك إلى فلان فيصل إليه. ولا يضره ذلك في الصلاة لأنه دعاء، وقد صرحوا بأن القراءة فيها مكروهة، والذي يفهم من كلام بعضهم أنه لا بد في صلاة الجنازة من كونها على الأرض لا على أعناق الرجال؛ لأنه ذكر أنه لو ترك بعض التَّكبير نسياناً أو جهلاً تركت وكملت، وإن بعد استأنف، ونحوه في المواق.
وفي الحطاب: ولا تستحب قراءة الفاتحة على المشهور، والشاذ استحبابها، وحكى في الجواهر عن أشهب: استحبابها عقب التكبيرة الأولى، قال ابن راشد: وكان شيخي القرافي يحكيه ويقول إنه يفعله. انتهى.
الرابع: لو ذكر إمام الجنازة أنه جنب أو رعف، فحكمه حكم إمام المكتوبة في الاستخلاف. قاله في العتبية. ولو ذكر بعد الفراغ أنه جنب لم يعد، وإن لم ترفع الجنازة، وإن كان هو ومن خلفه على غير طهارة أعادوا، ولو ذكر فيها منسية لم يقطع؛ إذ لا ترتيب بين الجنائز والفرائض، وفي الذخيرة: والترتيب إنما يدخل في الوقتيات؛ وهي آكد من النوافل، فلا تقطع. ولو جهلوا القبلة ثم علموا بذلك قبل دفنها أو بعده، فقال ابن القاسم: لا شيء عليهم، واستحسن إعادتها إن لم تدفن وليس بواجب، وقال أشهب: تعاد ما لم تدفن، وسحنون: لا تعاد لأن بالسلام منها خرج وقتها، وإعادة من جهل القبلة إنما هي في الوقت. قاله في توضيحه. قاله الخرشي. وأربع تكبيرات؛ يعني أن من أركان الصلاة على الجنازة أربع تكبيرات، قال الإمام الحطاب: الأولى منهن تكبيرة الإحرام، صرح به عياض في قواعده: قال القباب: لا فرق بين تكبيرة الإحرام هنا وفي سائر الصلوات صفة وحكما. والله أعلم. انتهى.
وما ذكره الشيخ من أن التَّكبير أربع، قال سند: هو قول أبي حنيفة أيضاً والشافعي وابن حنبل وجمهور العلماء؛ وهو مروي عن جماعة من التابعين، وذهب ابن سيرين وأبو الشعثاء إلى أنه يجزئ ثلاث، وروي ذلك عن ابن عباس، وروي عن زيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان أنه يكبِّر
стр. 1632
خمس تكبيرات، وقال زيد بن أرقم: [كان ﵊ يكبرها] (١). أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وهو في صحيح مسلم، وقال أبو إسحاق: يكبِّر ما يكبِّر الإمام ولا يزيد على تسع، وذلك مروي عن ابن مسعود أنه قال: كبر النبي ﷺ على النجاشي تسعاً، وخمسا، وأربعا، فكبروا كما كبر الإمام، ووجه ما اختاره الجماعة حديث الموطأ، وهو في الصحيحين (٢) عن أبي هريرة؛ وهو عمل أهل المدينة المتصل، فكان أرجح من كل ما يروى بخلافه. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله "أربع تكبيرات": كل تكبيرة بمنزلة ركعة، فهي كأكثر الصلاة، واختلف الصحابة فيه من ثلاث إلى تسع، ثم انعقد الإجماع في زمن عمر على أربع حتى صارت الزيادة عليها شعار أهل البدع. انتهى. ابن حبيب: استقر فعله ﵊ على الأربع، ومضى عليها عمل الصحابة، وقال الشيخ عبد الباقي: فإن أتي بجنازة والإمام يصلي على أخرى، وسبق فيها بالتكبيرة الأولى فقط نوى على الثانية أيضاً ويشركها في الدعاء الأول من غير تكبير على ما قال الزناتي على الرسالة، لكنَّه ضعيف، ففي التهذيب: أنه يتمادى في صلاته على الأولى ولا يشركها معها، وعلى الأول فإن لم يشركها في الدعاء مع الأولى صلى استقلالاً على الثانية، ويفهم منه أنه إن جيء بالثانية بعد تكبيرة ثانية لم يشركها. انتهى. وفي الخرشي: فإن قلت: صلاة جنازة لا يشرع فيها التَّكبير إلا ثلاثًا، قلت: هذه جنازة أتي بها بعد أن كبر الإمام في صلاة جنازة، ثم ذكر نحو ما مر، ثم قال: فإن ذلك يجزئه قاله الزناتي، ثم ذكر ما للتهذيب، قال أبو الحسن عند قول التهذيب: إنه يتمادى في صلاته على الأولى -انتهى-: لأنه لا يخلو من أن يقطع الصلاة ويبتدئ صلاة عليهما جميعًا، وهذا لا يصح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، أو لا يقطع ويتمادى عليهما إلى أن يتم تكبير الأولى ويسلم، وهذا يؤدي إلى أن يكبِّر على الثانية أقل من أربع، أو يتمادى إلى أن يتم التَّكبير على الثانية، فيكون قد كبر على الأولى أكثر من أربع، فلذا قال: لا يدخلها معها. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
стр. 1633
وإن زاد لم ينتظر؛ يعني أن الإمام إذا زاد على أربع تكبيرات، فإن المأموم لا ينتظرونه، بل يسلمون وتصح صلاتهم والزيادة مكروهة، وظاهر المصنف أن المأموم لا ينتظر الإمام إذا زاد، سواء زاد عمداً أو سهوا، كان يرى الزيادة مذهباً أم لا؛ وهو ظاهر المواق، ودخل في كلام المصنف المسبوق، فيأتي بما سبق به ويسلم، ولا ينتظر الإمام حتى يسلم، فبان من هذا أن التَّكبير ليس بمنزلة الركعات من كل وجه، فلا يرد أن الإمام لو قام لخامسة عمداً بطلت عليه وعليهم؛ إذ الخامسة في فرض العين زائدة إجماعاً، والزيادة هنا قيل بها للاختلاف في تكبيراتها من ثلاث إلى تسع، وإن انعقد الإجماع في زمان عمر ﵁ على الأربع -كما مر- وما قررت به كلام المصنف من شموله للعمد والسهو هو للشَّيخ إبراهيم، والشيخ الأمير، وعبارة الأمير: وإن زاد صح مطلقاً، ولا ينتظر، ورجح بعض انتظار الساهي. انتهى. وقرره الشيخ عبد الباقي على أنه زاد عمداً رأى ذلك مذهباً أم لا، فذلك هو محل عدم انتظاره، فإن انتظر، قال: ينبغي الصحة، فإن زاد سهواً، فقال الشيخ سالم: ينبغي انتظاره كقيام إمام لخامسة سهوا في رباعية. انتهى. وكذا جهلاً فيما يظهر، فإن لم ينتظر فينبغي الصحة. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. ولو لم يعلم، هل زاد عمداً أو سهواً؟ فالظاهر حمله على السَّهو، قاله الشيخ الخرشي. ومفهوم زاد أنه إن نقص انتظر حيث كان سهوا ولا يكلمونه، بل يسبحون له كما قال سحنون، فإن لم ينتبه وتركهم، كبروا وصحت صلاتهم إن تنبه عن قرب، وإلا بطلت صلاتهم تبعاً لبطلان صلاته كما هو الأصل؛ فإن نقص عمدا وهو يراه مذهباً لم يتبعوه، وأتوا بتمام الأربع، وإن نقص عمداً دون تقليد، فهل هو بمنزلة نقصه سهواً؟ لأن ثم من يقول بأن التَّكبير ثلاث، أو تبطل عليهم؟ ولو أتوا برابعة لبطلانها على الإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. والشيخ إبراهيم. قال الشيخ محمد بن الحسن: لا معنى لهذا التنظير مع قول المصنف الآتي: "أو سلم بعد ثلاث أعادَ"، وفيه أيضًا عن القلشاني ما نصه: من سلم بعد ثلاث تكبيرات عامدا، بطلت وأعيدت، وساهيا كمل بالقرب وتمت وإلا أعيدت ما لم تدفن، فتجري الأقوال فيمن دفن بغير صلاة، هل يصلى على قبره، أو يخرج ما لم يتغير، أو تترك الصلاة عليه؟ قوله: "وإلا أعيدت"، يفيد بطلان صلاة الجميع. انتهى.
стр. 1634
وما مر من أن الإجماع انعقد في زمن عمر ﵁ على الأربع مثله في التوضيح وأبي الحسن، والذي لابن ناجي أن: الإجماع انعقد بعد زمن الصحابة على أربع ما عدا ابن أبي ليلى، ومثله للنووي على مسلم، وعلى كل فهو مشكل مع ما ذكره ابن حجر، ونصه وقال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التَّكبير أربع، وذهب أبو بكر بن عبد الله المزني إلى أنه لا ينقص عن ثلاث، ولا يزاد على سبع، وقال أحمد مثله، لكن قال: لا ينقص عن أربع، قال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر، ثم ساق بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، قال: كان التَّكبير أربعًا أو خمسا، فجمع عمر الناس على أربع. انتهى. فإن كان مرادهم بالإجماع هذا المعنى الذي قال ابن المسيب، فلا إشكال. والله تعالى أعلم. قاله الشيخ البناني.
واختلف فيمن فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام، فقال أشهب: لا يكبِّر مع الإمام الخامسة، فإن فعل لم يعتد بها، ثم إذا سلم الإمام أتى بها، وقال أصبغ: يكبِّر معه الخامسة ويعتد بها، وعلى أصل مالك: لا ينتظر تسليمه، ويكبر لنفسه وينصرف. نقله في التوضيح. قاله الشيخ الخرشي. وعلى هذا الأصل شرحت المصنف، وقدمت ذلك في أول الحل، وقال في البيان: قول أشهب هو القياس على مذهب مالك، وقول أصبغ استحسان على غير قياس. انتهى.
وفي الحطاب: عد القاضي عياض في قواعده الزيادة على الأربع في الممنوعات، والظاهر أن مراده الكراهة، فإنه عد معها الصلاة على القبر، وعلى الغائب، وفى المسجد، وعلى المبتدع. والله أعلم. انتهى. والدعاء؛ يعني أن من أركان الصلاة على الميت الدعاء بعد كل تكبيرة حتى من المأموم، فليس كالفاتحة في حق المأموم؛ لأن القصد تكثير الدعاء للميت، والصحيح أن العاصي ينتفع بالدعاء، ولذلك يدعى للميت وإن كان عاصياً. قاله الحطاب. ولا قراءة فيها بفاتحة ولا بغيرها. ابن ناجي: ظاهر المذهب الكراهة، عبد الحق: لأن الميت لا ينتفع بالقراءة، فلا معنى للقراءة عليه، قال: لأن ثوابها للقارئ، وإذا قرأ ما فيه سجدة فلا يسجدها -كما مر- في فصل سجود التلاوة، وإذا قرأ الفاتحة للخروج من خلاف الشافعي فله ذلك، كما قاله الشيخ سيدي زروق، والظاهر بل المتعين طلبه بدعاء قبلها أو بعدها في التكبيرة التي قرأها فيها، وإلا لم يكن آتيا
стр. 1635
بالدعاء بين كل تكبيرتين. قاله الشيخ إبراهيم، ومثله للشَّيخ عبد الباقي، إلا أنه قال: ويحتمل الاكتفاء بها؛ لأنها دعاء وزيادة. انتهى.
فتحصل من كلامهما أن كونه مطلوبا بالدعاء لا إشكال فيه، وبأن من كلام عبد الباقي أن الاحتمال إنما هو في الاكتفاء بالفاتحة وعدمه حيث لم يدع. ابن الحاجب: ولا يستحب دعاء معين اتفاقاً. عياض: أقله بعد كل تكبيرة: اللهم اغفر له؛ أي أو ما في معناه، وقول عبد الحق عن إسماعيل القاضي: قدره بعد كل تكبيرة قدر الفاتحة وسورة، بيان للوجه الأكمل. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله عن ابن الحاجب: ولا يستحب دعاء معين اتفاقاً، قال الشيخ محمد بن الحسن: ذكر الحطاب أن ما لابن الحاجب تبع فيه ابن بشير، وتعقبه ابن عبد السلام بأن مالكًا في المدونة استحب دعاء أبي هريرة، وأجاب في التوضيح بجواب غير ظاهر. انتهى. ابن ناجي: ليس العمل عندنا على ما في الرسالة لطوله؛ أي وكان أبو هريرة يتبع الجنازة من محل أهلها، فإذا وضعت كبر وحمد الله وصلى على نبيه ﷺ ، وقال: (اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده (١)). مالك: هذا أحسن ما سمعت من الدعاء، ذكره في الموطإ. قاله المواق. الأبي: استحبه في المدونة، وظاهره بعد كل تكبيرة، هذا في الذكر الكبير. ويقول في الأنثى الكبيرة: اللهم إنها أمتك وبنت أمتك، كانت بالتأنيث إلى آخره، وفي الجماعة الذكور أو مع الإناث: اللهم إنهم عبيدك وأبناء عبيدك وأبناء إمائك، كانوا يشهدون إلخ. وفي الإناث فقط اللهم إنهن إمائك وبنات عبيدك وبنات إمائك كن يشهدن إلخ.
وأعلم أنه يدعى للمفرد بلفظ المفرد مذكرا أو مؤنثاً -كما مر- وللجمع بلفظ الجمع -كما مر- وللمثنى بلفظ التثنية، ويغلب المذكر في التثنية والجمع ولو كان النساء أربعين مع رجل واحد، ويقول في دعاء الصغير بعد الحمد والصلاة على رسول الله ﷺ : اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته، وأنت أمته وأنت تحييه، اللهم فاجعله لوالديه سلفا
стр. 1636
وذخرا وفرطا وأجرا، وثقل به موازينهم، وأعظم به أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده، اللهم ألحقه بصالح سلف أولاد المؤمنين في كفالة إبراهيم، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله، وعافه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم. تقول هذا بعد كل تكبيرة، وتقوله بعد الرابعة، وتزيد: اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ومن سبقنا بالإيمان، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، واغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ثم تسلم. وقيل: إنه يقول هذا الدعاء فقط بعد الرابعة ولا يذكر الدعاء السابق بعدها، وفي الرسالة: لوالديه بصيغة الجمع -كما قدمته- ولذا أعيد عليهم ضمير الجمع، وفي شرح الشيخ عبد الباقي وغيره: بالتثنية في الجميع، وإذا اجتمع الكبار والصغار قدم الدعاء للكبار، ويجعل دعاء الأطفال آخره لأحوجية الكبار إليه، أو يجمعهم معهم في دعاء واحد، ويقول عقب ذلك: اللهم اجعل الأولاد لوالديهم سلفا وذخرا، وفرطا وأجرا، وثقل بهم موازينهم، وأعظم بهم أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجرهم، ولا تفتنا وإياهم بعدهم، ويَخْتَصِرُ دعاءً لرجل مع صبي، وامرأة مع صبية، فيشملهم بدعاء واحد، ولو لم يدر هل الميت ذكر أو أنثى، أو مفرد أو غيره، أتى بمن، وأعيد الضمير عليها باعتبار لفظها لوقوعها على الجميع -كما مر- وإن لم يدر المأموم ما صلى عليه إمامه نوى ما صلى عليه إمامه، وما تقدم من أن الدعاء للطفل يقال فيه: اللهم فاجعله لوالديه إلخ، قال الشيخ عبد الباقي: ظاهر في صلاة غيرهما، وإلا قيل: اجعله لي ولوالدته سلفا وذخرا، وثقل به موازيننا، وأعظم به أجورنا، ولا تحرمنا ولا تفتنا، وهذا في غير من أسلم من أولاد الكفار، وغير من حكم بإسلامه تبعاً لإسلام سابيه، وإلا فلا يقال: أجعله لوالديه إلخ ويقال: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وقوله في دعاء الصغير: وابن عبدك، روي بالإفراد وبالتثنية، وهذا الدعاء؛ أي دعاء الصغير في ثابت النسب، وأما ابن الزنى والملاعن فيه، فهل يدعى لهما بأمهما فقط أو بأبيهما، أو ولد اللعان بأبيه لصحة استلحاقه والزنى بأمه؟ أقوال، وفي الخرشي: والدعاء كله هو الواجب إذا كان خاصا بالميت، وأما ما كان متعلقا بالغير فمستحب.
تنبيه: تقدم أن ظاهر ما مر أنه يقول الدعاء المتقدم بعد كل تكبيرة، وهو خلاف ما لابن يونس من أنه يقوله في الثانية، وكيفية الصلاة على الجنازة أن ينوي الصلاة؛ أي يقصد الصلاة على هذا
стр. 1637
الميت بصلاته هذه؛ أي يقصد أنه شافع للميت، متضرع إلى الله تعالى في العفو عن الميت، والإحسان إليه بهذه القربة المشتملة على أنواع من العبادة امتثالا لأمر الله تعالى، ويكبر بأن يقول: الله أكبر، ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيى الموتى له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والسناء وهو على كل شيء قدير، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، ثم تدعوا الدعاء المتقدم على ما مر، وعلى ما لابن يونس تقول: اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدل له دارا خيرًا من داره وأهلاً خيراً من أهله، وزوجا خيراً من زوجة، وقه من فتنة القبر وعذاب جهنم (١))، ثم تقول: الله أكبر ثانية، وتقول بعدها. ما تقدم من الحمد والصلاة على سيد الوجود ﷺ ، وتقول: على ما لابن يونس وغيره: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت إلى آخر ما مر، ثم تكبِّر تكبيرة ثالثة وتقول بعدها ما تقدم من حمد وصلاة على النبي ﷺ ، وتقول بعد ذلك على ما لابن يونس: اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته وأنت هديته للإسلام، وأنت قبضت روحه وأنت أعلم بسره وعلانيته، جئنا شفعاء له (٢))، اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له إنك ذو وفاء وذمة أعذه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم نور قلبه وألحقه بنبيك محمد ﷺ ، ثم تكبِّر تكبيرة رابعة، ثم تقول ما تقدم من الحمد والصلاة عليه ﷺ ، ثم تقول على ما لابن يونس (٣): اللهم اغفر لحينا وميتنا، وحاضرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا إنك تعلم متقلبنا ومثوانا،
стр. 1638
ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام: ومن توفيته [منا (١)]، فتوفه على الإيمان، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت واجعل فيه راحتنا. ابن حبيب: يقال في دعاء الطفل بعد الحمد والصلاة عليه ﷺ : اللهم إنه عبدك وابن عبدك، أنت خلقته، وأنت قبضته إليك: وأنت أعلم بما كان عاملا وصائرا إليه، اللهم جاف الأرض عن جثته، وافسح له في قبره، وافتح أبواب السماء لروحه، وأبدله دارا خيرا من داره، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار، وصيره إلى جنتك برحمتك وألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، واجعله لنا ولأبويه سلفا وذخرا، وفرطا وأجرا، وثقل به موازينهم، وأعظم به أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده، تقول ذلك إثر كل تكبيرة. قوله: حميد معناه محمود، وقوله: مجيد، معناه كريم: وقوله: ورزقته؛ أي من يوم خلقته إلى يوم أمته. قاله الشاذلي. وقوله: وأنت أعلم بسره وعلانيته؛ أي أنت أعلم منه ومن غيره بذلك، وقوله: جئنا شفعاء؛ أي نطلب له الشفاعة، وقوله: فشفعنا فيه؛ أي اقبل شفاعتنا فيه؛ أي اغفر له وأدخله الجنة بسبب طلبنا له ذلك، وقوله: نستجير؛ أي نطلب له الإجارة والأمن من عذابك، وقوله: بحبل؛ أي بعهد جوارك بكسر الجيم؛ أي أمانك؛ أي نطلب له الأمان من عذابك بسبب أنك عهدت إلينا؛ أي أخبرتنا أنك تجير من العذاب المؤبد من مات لا يشرك بك، أو هي باء الآلة، وقوله: إنك ذو وفاء؛ أي لا تخلف العهد، وقوله: وذمة؛ أي عهد، وقوله، أعذه؛ أي نجه، وقوله من فتنة القبر؛ أي مما ينشأ عن سؤال الملكين في القبر وهو عدم الثبات، وقوله: اغفر له؛ أي استر ذنوبه ولا تؤاخذه بها، وقوله: ارحمه: أي أنعم عليه، وقوله: واعف عنه؛ أي ضع عنه ذنوبه، وعافه؛ أي أذْهِبْ عنه ما يكره، وقوله: نزله بسكون الزاي، ما يهيأ للنزيل، وقوله: مدخله بفتح الميم وضمها، فبالفتح الدخول وموضع الدخول، وبالضم الإدخال، وقوله: واغسله بماء وثلج وبرد، ليس المراد بالغسل هنا ظاهره، بل هو استعارة للطهارة العظيمة من الذنوب، والبرد بفتح الراء. وقوله: نقه؛ أي طهره من الخطايا أي الذنوب. وفي الشاذلي: ولولا أن هذا ورد من الشارع ما اجترأ أحد أن يقوله. دارا؛ أي الجنة، خيرًا من داره؛ أي الدنيا،
стр. 1639
وأهلا؛ أي قرابة في الآخرة يوالونه من الأنبياء والصالحين، خيرًا من أهله؛ أي من قرابته في الدنيا، وزوجا؛ أي في الجنة، خيرًا من زوجة؛ أي في الدنيا، وهذا يشمل الأعزب الكبير؛ لأنه كان قابلاً للتزويج -كما في الحطاب- ولا تحرمنا أجره؛ أي أجر الصلاة عليه، ولا تفتنا؛ أي لا تشغلنا بسواك، فكل ما يشغل عن الله فهو فتنة. قاله الشاذلي. وقوله: متقلبنا؛ أي تصرفنا في جميع أمورنا، ومثوانا؛ أي إقامتنا في إحدى الدارين، وأسعدنا بلقائك؛ أي بدخول الجنة، وطيبنا للموت؛ أي طهرنا بالتوبة النصوح فنموت طاهرين من الذنوب، واجعل فيه راحتنا؛ أي بحصول ما يرضي ويسر.
وفي الرسالة: وإن كانت امرأة قلت اللهم إنها أمتك، وتتمادى بذكرها على التأنيث، غير أنك لا تقول: وأبدلها زوجا خيراً من زوجها؛ لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلاً، والرجل تكون له زوجات كثيرة في الجنة، ولا يكون للمرأة أزواج. انتهى. أي لأن اجتماع جماعة من الرجال على فرج واحد في الدنيا مما تنفر منه النفوس، وأخذ من هذا أن الرجل لا يتزوج امرأة من محارمه في الآخرة؛ وهو المشهور، قاله الشاذلي. ودعا بعد الرابعة؛ يعني أنه اختلف، هل يدعو المصلي على الجنازة بعد التكبيرة الرابعة، فقال سحنون: يدعوأي وجوباً، ثم يسلم، أو لا يدعو بعدها بل يسلم حين يكبِّر التكبيرة الرابعة، قال في النوادر: وفي موضع لأصحابنا إذا كبر من الرابعة سلم، وكذلك في كتاب ابن حبيب وغيره، ونحوه للخمي، قال: والأول أبين، وإلى استظهار اللخمي أشار بقوله: على المختار وخير في الرسالة بين الدعاء والسلام.
واعلم أن المشهور أنه لا يدعو بعد الرابعة وهو؛ مذهب الجمهور؛ لأن التكبيرات بمنزلة الركعات، فكما لا يقرأ بعد الرَّكعة الرابعة لا يدعو بعد التكبيرة الرابعة، وهذا التشهير لعبد الباقي تبعاً للأجهوري، وقال الشبراخيتي: إن ما اختاره اللخمي هو المذهب، واعترض الرماصي ما لعبد الباقي بأن المراد بالجمهور هنا خارج المذهب، كما يؤخذ من نقل المواق، قال محمد بن الحسن بناني: وفيه نظر، بل الظاهر ما قاله الزرقاني تبعاً للأجهوري من أن المشهور خلاف ما للخمي، لقول سند -كما في الحطاب-: وقال سائر أصحابنا لا يثبت بعد الرابعة. انتهى. ولقول
стр. 1640
الجزولي: أثبت سحنون الدعاء بعد الرابعة، وخالفه سائر الأصحاب. انتهى. ومثله في الذخيرة، وقول الرماصي: إن ذلك لا دليل فيه لعدم تعيين الأصحاب، فيه نظر. انتهى. وقال الشيخ الأمير: اللخمي: وإن بعد الرابعة، والأكثر على خلافه. وإن والاه؛ يعني أنه إذا والى التَّكبير ولم يدع بعد كل تكبيرة، أو دعا بعد الرابعة لكل تكبيرة، فإن الصلاة تعاد، وإنما أعيدت في الثانية لأن الدعاء بعد كل واحدة، وقد فات التدارك.
تنبيه: نقل الرهوني عن سيدي عبد القادر الفاسي ما نصه: لا يشك في أن الدعاء في صلاة الجنازة مطلوب في حق الإمام وغيره، فإذا ترك الدعاء رأساً بطلت الصلاة وأعيدت، وإن ترك البعض دون البعض؛ فإن كان التارك هو الإمام بطلت أيضاً وأعيدت، وإن كان التارك غيره صحت. أو سلم بعد ثلاث أعاد؛ يعني أنه إذا سلم بعد ثلاث تكبيرات، فإن كان عمداً بطلت وأعيدت، وإن كان جهلاً أو نسياناً فإنها تعاد أيضًا إن حصل طول يمنع البناء، وإلا رجع بالنية وأتم التَّكبير، ولا يرجع بتكبير ليلاً يلزم الزيادة في عدد التَّكبير، فإن كبر حسبه من الأربع. قاله ابن عبد السلام. قوله: ولا يرجع بتكبير؛ أي لا يحرم بتكبير، وصوب ابن ناجي رجوعه بتكبير كما في الفريضة العينية، ذكره التتائي في الثانية. ويجري مثله في الأولى حيث كانت الموالاة سهواً، قاله الشيخ عبد الباقي؛ أي حيث لم يتذكر حتى سلم، وإلا لم يتصور إجراؤها فيها، قاله الشيخ محمد بن الحسن، قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر فيها أي في الأولى أنه يبني على تكبيرة واحدة؛ لأن الرابعة صارت أولى ببطلان ما قبلها، كما في الصلوات الخمس، وقوله: "وإن والاه"، ينبغي أن محل البطلان فيه في العمد والجهل فقط كما يستفاد من الشارح، لا مطلقاً كما يفيده المواق، فإن قيل: حسبه من الأربع في مسألة الموالاة يشكل مع ركنية الدعاء حيث سلم ولم يدع عقب التكبيرة التي سلم بعدها؛ فالجواب: أن الدعاء وإن كان ركنا خففوه بالنسبة للمأموم، كما يأتي عند قوله: "وإلا والى"، قاله مقيده عفا الله عنه.
وبما قررت علم أن قوله: أعاد راجع للمسألتين؛ أي أعاد، وإن لم توضع على الأرض، وفي المواق: إذا ترك بعض التَّكبير جهلاً أو نسياناً، فإن كان بقرب ما رفعت أنزلت، فأتم بقية التَّكبير عليها مع الناس ثم يسلم، فإذا تطاول ذلك ولم تدفن أعاد الصلاة عليها. انتهى. وقد مر
стр. 1641
عن الخرشي أنه: يؤخذ من هذا أنه لا بد في صلاة الجنازة من كونها على الأرض. وإن دفن فعلى القبر؛ يعني أنه إذا سلم بعد ثلاث، وقلنا ببطلان الصلاة -على ما مر- فإنها تعاد سواء دفن الميت أو لم يدفن، لكن إن لم يدفن فالأمر واضح، وإن دفن فإنه يُصَلِّى على القبر ولا يخرج الميت، وإن لم يطل. قاله الشيخ عبد الباقي.
وبما قررت علم أن هذا خاص بالثانية، وأما الأولى فلا إعادة فيها بعد الدفن، كما نقله الشارح وغيره، خلافًا للتتائي، وما استدل به مما في العتبية لا يدل له، وما ذكره المصنف مذهب الجمهور كما في الشارح، وهو المشهور كما في الحطاب، وغفل المواق عما في الشارح، فاعترض المصنف بأنه خلاف ما نقله ابن يونس، كأنه المذهب من عدم الصلاة على القبر في الثانية. قاله الشيخ عبد الباقي.
وما ذكرته من رجوع قوله: "وإن دفن فعلى القبر"، للثانية فقط، وأن الأولى لا تعاد فيها الصلاة بعد الدفن، هو الذي قرره به الشيخ عبد الباقي، وقواه الرماصي والشيخ محمد بن الحسن غاية، وأبطلوا قول التتائي، وخصوا قوله: "وإن دفن فعلى القبر"، بالثانية، وأما قوله: إن ما ذكره المصنف مذهب الجمهور، وأنَّه المشهور، فقال الشيخ محمد بن الحسن: ما اعترض به المواق المسألة الثانية صحيح، وما نقله الشيخ عبد الباقي عن الشارح والحطاب لا يدفعه. قال: وحاصل ما في الحطاب أن الصلاة الناقصة بعض التكبير إما أن نجعلها كترك الصلاة أو لا؟ فإن جعلناها كتركها كما عند ابن شأس وابن الحاجب، فمذهب ابن القاسم في تركها وهو المعتمد أنه يخرج من القبر ليصلى عليه ما لم يخف تغيره، فيصلى على قبره. ابن عرفة: ابن رشد: من دفن بغير صلاة أخرج لها ما لم يفت، فإن فات ففي الصلاة على قبره قولان: الأول لابن القاسم وابن وهب، والثاني لسحنون وأشهب. ورواية المبسوط: وشرط الأول ما لم يطل حتى يذهب الميت بفناء أو غيره، وفي كون الفوت إهالة التراب عليه، أو الفراغ من دفنه، ثالثها خوف تغيره: الأول لأشهب، والثاني لسماع عيسى ابن وهب، والثالث لسحنون وعيسى وابن القاسم. انتهى. وإن جعلناها ليست كترك الصلاة وجب أن نقول فيها؛ أي في مسألة نقص التَّكبير بما نقله ابن يونس فيها كأنه المذهب من عدم الصلاة على القبر، وكلام المصنف مخالف لكل من الوجهين،
стр. 1642
ولا يندفع هذا الإشكال بما نقله الزرقاني عن الشارح من أن القول بالصلاة على القبر هو مذهب الجمهور، ولا بقول الحطاب: إنه المشهور؛ لأن كلام الجمهور والمشهور في إثبات الصلاة على القبر في الجملة خلافًا لمن ينفيها. ويعنون بالصلاة على القبر إذا فات الإخراج بخوف التغير، فقول الزرقاني: ولا يخرج وإن لم يطل غير صواب، وقال الرماصي: إن المصنف جرى على مختار اللخمي، فإنه في التوضيح بعد أن نقل الخلاف المتقدم، قال: والظاهر أنه لا يخرج مطلقاً كما هو اختيار اللخمي، لإمكان أن يكون حدث من الله تعالى شيء فهو مراده في مختصره، قال: لكن لا ينبغي له اعتماد اختيار اللخمي واستظهاره وترك المنصوص. والله سبحانه أعلم. وما أحسن كلام الرماصي فتأمله.
وبحث الرهوني في كلام عبد الباقي ومن تبعه، وقوى ما للتتائي. والله سبحانه أعلم.
تنبيهات: الأول: اختلف في المرأة تتزوج أزواجاً في الدنيا، لمن تكون منهم في الجنة؟ فقيل: للأول، وقيل: للآخر، وقيل: لأحسنهم خلقًا، وقيل: تخير، وقيل: يقرع بينهم فيها، فتلك خمسة أقوال، ومحلها إن ماتت في غير عصمة أحد، وإلا فلمن ماتت في عصمته قولاً واحدًا.
الثاني: في الرجل يتزوج في الدنيا نساء لم يتزوجن غيره فهن له في الجنة، كما هو ظاهر قول الرسالة، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلاً؛ أي نساء الدنيا التي يدخلن الجنة؛ وهو أيضًا ظاهر ما روى أبو نعيم عنه ﷺ : (يزوج كل رجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف أيم، ومائة حوراء (١)). نقله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا الحديث ضعيف حسبما ذكره المنذري (٢))، قال الحافظ ابن حجر على حديث البخاري: (ولكل منهم زوجتان (٣)) ما نصه: قال ابن القيم: ليس في الأحاديث الصحيحة زيادة على زوجتين سوى ما في حديث أبي موسى: (إن في الجنة للمؤمن لخيمة من لؤلؤة له فيها أهلون يطوف عليهم (٤))، ثم قال: والذي يظهر أن المراد أقل ما لكل واحد منهم زوجتان، قال:
стр. 1643
واستدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال، كما أخرجه مسلم، لكن يعارضه قوله ﷺ في حديث الكسوف: (رأيتكن أكثر أهل النار (١))، ويجاب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفي أكثريتهن في الجنة، لكن يشكل عليه قوله ﷺ في الحديث الآخر: (اطلعت في الجنة فرأيت أقل ساكنيها النساء (٢))، قال: ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة. والله سبحانه أعلم. انتهى.
الثالث: قال الشيخ عبد الباقي: انظر لو حيي بعد الدفن، هل تبقى زوجته على عصمته أم لا؟ وعلى بقائها، فهل تعود له إذا تزوجت بعد عدة الوفاة، أم تخير؟ وللشافعية: لا ترجع هي، ولا ماله من وارثه؛ لأنه مات موتا حقيقيا، وإحياؤه كرامة فقط.
الرابع: من أسخطه الله تعالى جمادا أو حيوانا غير ناطق، فهل تعتد زوجته عدة طلاق أو وفاة؟ نقل عن بعض الأئمة أنها تعتد عدة وفاة في الأولى، وعدة طلاق في الثانية، ونقل عن الشيخ الأكبر ابن عربي أنه أجاب بذلك هائشة طلعت له من البحر سألته عن ذلك، بعد سكوته مدة، وسئل الزيادي الشافعي عمن أسخط نصفه حجراً، ونصفه الآخر حيوانا غير ناطق؟ فأجاب إن كان الحيوان الأعلى فتعتد عدة طلاق، وإن كان الأسفل فعدة وفاة. انتهى.
وتسليمة يعني أن من أركان الصلاة على الجنازة تسليمة واحدة للإمام والمأموم والفذ خفيفة؛ يعني أن هذه التسليمة تكون خفيفة أي سراً، وظاهره أن الركن تسليمة خفيفة وليس كذلك، فإن الركن هو التسليمة والخفة مندوبة، فكان ينبغي له أن يقول: وتسليمة، وندب خفتها. قاله الشيخ إبراهيم. وسمع الإمام من يليه؛ يعني أنه يندب للإمام أن يسمع من يليه هذه التسليمة، فيسلمون بسلامه، والمراد بمن يليه: جميع من يقتدي به، كما يفيده كلام المواق، وقيل: المراد بمن يليه: من في الصف الأول الذي خلفه. قاله الشيخ إبراهيم. وظاهر المصنف كالرسالة: أن المأموم لا يرد على الإمام؛ وهو مذهب المدونة؛ وهو المشهور كما في الشاذلي، وقيل: يندب رده ثانية. وقول ابن رشد: هو تفسير لسائر الروايات طريقة ضعيفة، وقال الشيخ الأمير: وسمع الإمام
стр. 1644
المأمومين، ظاهر المواق: جميعهم، وقال الأجهوري: الصف الأول فقط. انتهى. والفرق بين العيني يرد فيه المأموم على الإمام، والكفاءي لا يرد على المشهور كما عرفت التعبد، وطلب الإسراع في الجنازة. والله سبحانه أعلم.
وصبر المسبوق للتكبير؛ يعني أن من جاء بعد أن سبق ببعض التَّكبير، ووجد القوم في الدعاء، يصبر للتكبير وجوباً؛ أي لا يكبِّر ويدخل معهم، بل ينتظر تكبير الإمام وجوباً، فيكبر بتكبيره؛ لأن كل تكبيرة كركعة، فيلزم القضاء في صلب الإمام، وإذا صبر للتكبير فينتظر تكبير الإمام ساكتاً أو داعيا. قاله سند. قوله: "وصبر المسبوق للتكبير"، فإن لم يصبر لم تبطل صلاته، ولكن لا يعتد بها عند الأكثر، وفي سماع أشهب: أنه يدخل معهم ولا تفوته كل تكبيرة إلا بالتي بعدها، فلا ينتظرها. قاله الشيخ محمد بن الحسن وغيره. وأما لو وجد الإمام قد كبر وأدرك المأمومين في التَّكبير، فإنه يكبِّر ويدخل معهم من غير صبر، وأشعر قوله: "للتكبير"، أنه لو سبقه الإمام والمأموم بجميعه ولم يبق إلا السلام لم يدخل، وصوبه ابن يونس. وعن مالك: يدخل ويكبر أربعا، وانظر لو شك هل هي رابعة أو ثالثة، هل يكبِّر أو يترك الدخول معه كما لو تحقق أنها رابعة؟ وعلى أنه لا يدخل ودخل، فانظر هل يقطع أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: تأمل كلامه، فإنه إن وجد المأمومين في التَّكبير يكبِّر، وإن وجدهم فرغوا من التَّكبير لم يكبِّر، فانظر ما وجه توقف هذا الرجل. والله سبحانه أعلم. ودعا إن تركت؛ يعني أن المسبوق يدعو بعد سلام الإمام وجوبا بين تكبيرات قضائه، وإنما يدعو بينها إن تركت له الجنازة، وأمهل في دعائه إن لم يخف رفعها، وإلا خففه. وإلا والى يعني أن المسبوق إذا لم تترك له الجنازة، بل رفعت فورا، فإنه يوالي التَّكبير؛ أي لا يدعو بينه ليلاً تصير صلاة على غائب، ويفهم من التعليل أن الدعاء حينئذ مكروه، وما ذكره المصنف من التفصيل مخالف لقول المدونة: يواليه مطلقاً. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: استُشْكِلَ هذا التعليل؛ يعني قوله: ليلاً تصير صلاة على غائب؛ بأن الصلاة على الغائب مكروهة -كما يأتي- والدعاء ركن -كما تقدم- وكيف يترك الركن خشية الوقوع في المكروه، وأجيب بأن الدعاء وإن كان ركنا خففوه بالنسبة للمأموم. انظر أبا الحسن. انتهى. وقال الشيخ الأمير: ووالى المسبوق
стр. 1645
التَّكبير، ولو تركت على ما ارتضاه شيخنا تبعاً للرماصي، وفي الأصل يدعو إن تركت وهو وجيه أنفع للميت، وأيده بناني انتهى وما أشار إليه عن الشيخ بناني هو قوله نص المدونة: ويقضي متتابعا. ابن يونس: ولا يدعو، وقال ابن حبيب: إن تأخر رفعها أمهل في دعائه، وإلا فإن دعا خفف. الباجي: يحتمل أن يكون ذلك خلافًا، وأن يكون وفاقاً. نقله أبو الحسن. ولعل المصنف فهمه على الوفاق، فليس كلامه مخالفاً لها، وبهذا يسقط ما في الرماصي من التهويل، والاعتراض على المصنف بمخالفة المدونة، ومثل ما لابن حبيب لابن الحاجب وابن شأس، وبقي على المصنف ركن خامس؛ وهو القيام -كما عند سند وعياض- إلا لعذر، وشهر سند سنية الصلاة، وعد القيام فرضاً فمقتضاه أنه فرض على القولين، قال الشيخ أحمد: إلا لعذر، قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الحطاب ما نصه: قال في الذخيرة: قال سند: قال أشهب: إن صلوا قعودا لا تجزئ إلا من عذر؛ وهو مبني على القول بوجوبها، وعلى القول بأنها من الرغائب، فينبغي أن تجزئهم. انتهى. وقال أشهب في المجموعة: إذا صلوا عليها وهم جلوس أو ركوب، فلا تجزئهم. الجواهر: ولا تصلى على الراحلة، وعد القاضي عياض من فروضها، طهارة الحدث والخبث، واستقبال القبلة، وترك الكلام، وستر العورة، قال: ويشترط في صحتها ما يشترط في سائر الصلوات المفروضة، وقال ابن هارون: هي فيما تفتقر إليه من الشروط كسائر الصلوات، والدعاء فيها كالقراءة في غيرها. انتهى. والدليل على اشتراط الطهارة فيها خلافًا لقوم: قوله ﵊: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور (١))، وفي التوضيح: أن الإمام إذا قهقه أو تكلم عمداً أبطل عليه وعليهم فيستأنفونها، قاله في العتبية. انتهى. وفي الشامل: واستأنف إن قهقه أو تكلم عمدا، وقال أشهب: يستخلف ويتأخر مؤتما، وإذا جهلوا القبلة ثم علموا بذلك قبل دفنها أو بعده، فقال في الشامل: وهل تستحب الإعادة إن تبيّن أنه صلى لغير القبلة قبل الدفن لا بعده، أو تجب فيهما، أولاً تعاد مطلقاً؟ أقوال. انتهى. وفي كون الجماعة فيها شرطًا أو سنة، قول ابن رشد واللخمي، وتقدم تشهير ندبها في الجماعة، خلافًا لقول اللخمي: سنة، ولقول ابن رشد: شرط، فإن دفن بدونها فاتت. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 1646
وكفن بملبوسه لجمعة؛ يعني أن الميت يكفن بملبوسه في الجمعة والعيد والإحرام، قال الشيخ عبد الباقي: ندباً، وقضي له بذلك عند اختلاف الورثة فيه، إلا أن يوصي بأقل من ذلك، فتتبع وصيّته. قاله في البيان. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، والظاهر من عباراتهم الوجوب، ولذا عبر بالفعل الدال عليه. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: إن قوله: "وكفن بملبوسه لجمعة"، يحتمل أنه بيان لصفة الكفن؛ أي إذا تشاح الورثة في الكفن، قضي بتكفينه بملبوسه في الجمعة، وعليه ففي الكلام مضاف مقدر؛ أي مثل ملبوسه لجمعة، ويحتمل أنه بيان لما يستحب أن يحرص على التكفين فيه، وعليه فكان ينبغي له أن يقول: لكجمعة، لتدخل ثياب الجمعة والعيد والإحرام، وما يشهد به مشاهد الخير رجاء بركته. وقد أوصى سعد بن أبي وقاص بتكفينه في جبة صوف شهد بها بدراً، والاحتمالان صحيحان. انتهى.
وقال الشيخ الأمير: وإن تنازع الورثة فقيمة ملبوس جمعة، وندب فيما شهد به الخير. انتهى. وقدم؛ يعني أن الكفن يقدم وجوبا من رأس مال الميت، لا بقيد كونه ملبوس جمعة على كل ما يتعلق بالذمة من الديون. كمؤنة الدفن؛ يعني أن مؤن الدفن؛ أي المواراة، من غسل، وحنوط، وحمل، وحفر، وحراسة إن احتيج إليها كالكفن في أنها تقدم على كل ما يتعلق بالذمة من الديون، قال الشبراخيتي: ولو عبر بمؤن التجهيز كان أولى. على دين غير المرتهن؛ يعني أن ما مر من تقديم الكفن وغيره من مؤن التجهيز على الديون المتعلِّقة بالذمة إنما هو في غير دين المرتهن الحائز لرهنه، وأما المرتهن الحائز لرهنه فإنه يكون أحق برهنه المحوز، فيقدم فيه على غيره من الغرماء وعلى مؤن التجهيز كلها حتى يستوفي دينه الذي فيه ذلك الرهن، فقوله: على "دين"، متعلق بقوله: "وقدم"، وقوله: "دين" بالإضافة، وكذا قوله: "غير"، وقوله: "المرتهن"، بصيغة اسم الفاعل؛ أي الشخص الآخذ للرهن. واحترز المصنف بقوله: "على دين غير المرتهن"، مما يتعلق بالأعيان، سواء انحصر فيها، كالإقرار بها، والعبد الجاني، وأم الولد، وزكاة الماشية والحرث، أو لم ينحصر فيها، كدين الرهن، فمقدم على الكفن، ومؤن التجهيز كلها. وقوله: ولو سرق، مبالغة في تقديم الكفن من رأس المال على غيره، قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أن الكفن يقدم من رأس المال على غيره، ولو سرق ما كفن به أولاً قبل الدفن أو بعده، فيقدم في كفن آخر، وإن
стр. 1647
كان عليه دين محيط ولو بَعْدَ قَسْمِ المال، ولا يعاد غسله ولا الصلاة عليه. انتهى. ونص ابن الحاجب: فلو سرق بعد دفنه فثالثها إن لم يقسم ماله أعيد، قال في التوضيح: القول بلزوم الإعادة لابن القاسم، ومقابله لأصبغ، والثالث لسحنون. انتهى. فرد المصنف بالمبالغة قول أصبغ وقول سحنون. ثم إن وجد وعوض ورث؛ يعني أنه إذا كفن الميت ثم سرق كفنه فإنه يقدم في كفن آخر -كما علمت- فإذا فعل به ذلك ثم وجد الكفن الأول الذي سرق فإنه يورث ذلك الكفن على فرائض الله ، فقوله: "وعوض"، جملة حالية؛ أي والحال أنه عوض أي جعل كفن ثان في مكانه: وسواء كان التعويض من الوارث أو غيره. قاله الشيخ إبراهيم.
إن فقد الدين؛ يعني أن محل إرث الكفن الأول حيث وجد، إنما هو حيث لم يكن على الميت دين، وأما إن كان على الميت دين فإنه يكون للغرماء إلى أن يستوفى دينهم، فإن فضل منه فضلة ورثت على كتاب الله تعالى. قال الشيخ عبد الباقي: ورجع المتبرع بالكفن حال السرقة بعد وجود الأصلي، ومفهوم قوله: "عوض"، أنه لو وجد قبل أن يعوض لكفن فيه، البساطي: إن أمكن تداركه وإلا ورث، ولو جمع له ثمن كفن فكفنه رجل، رد ما جمع لأربابه، ولا تأخذه الورثة ولا الغرماء، إلا أن يدعه أربابه لهم، كمن أخرج مالا لمن ينكح به فمات قبل النكاح، أو فسخ، أو طلق قبل الدخول، فإن المال يرجع لمخرجه، فإن لم يعرف أربابه تصدق به عنهم، كقول مالك فيمن عليه دين، لا يعرف صاحبه: يتصدق به عنه. وقوله: "إن فقد الدين"، أتى به، وإن كان من المعلوم أنه لا ميراث إلا بعد الدين خشية أن يتوهم أن هذا الكفن لما لم يكن للغرماء المنع منه ويقدم على ديونهم، لا يتعلق لهم به حق، ولو استغنى عنه. فنبه على ذلك. قاله الإمام الحطاب. كأكل السبع الميت، هذه عكس التي قبلها؛ يعني أنه إذا فقد الميت وبقي الكفن كما لو أكل السبع الميت، فإن الكفن يورث إن فقد الدين، وإلا جعل فيه، ولو خيف على الميت من النبش كانت حراسته من رأس المال. قاله الحطاب. وقد مر ذلك عند قوله: "كمئونة الدفن".
وهو على المنفق بقرابة؛ يعني أن ما ذكر من الكفن ومؤن التجهيز يجب على تلزمه نفقة الميت بسبب قرابة، كأب، أو ابن، -مثلاً- فلو اجتمعا كما لو هلك زمن بفتح الزاي وكسر الميم وله ابن وأب، لم تسقط نفقته عنه لزمانته، فكفنه على ابنه. قاله الجزولي. نقله غير واحد. قال
стр. 1648
الشيخ عبد الباقي: وهو يفيد أن من تجب نفقته على أبيه بعد بلوغه لعجزه عن الكسب أو جنونه، ثم حدث له ولد موسر [بحيث (١)]، تجب نفقته عليه أن لو لم تكن نفقته على أبيه، فإن نفقته تنتقل على ابنه المذكور. انتهى.
قال مؤلفه عفا الله عنه: ويؤخذ منه بطريق القياس أن من أعتق مملوكاً له ولم تسقط نفقته عنه لعجزه عن الإنفاق على نفسه، ثم حدث له ولد موسر بحيث تجب نفقته عليه أن لو لم تكن نفقته على من أعتقه، فإن نفقته تنتقل على ابنه المذكور. والله سبحانه أعلم. انتهى. فقوله: "وهو"؛ أي ما ذكر من الكفن ومؤن التجهيز، ولو مات والد شخص وولده، فقال الشارح وغيره في النفقات: قيل يتحاصان، وقيل: يقدم الابن، ثم إن التحاص في الكفن محله حيث كان يحصل لكل مما يكفن به ما يستر عورته، وإلا كمل من بيت المال إن أمكن، وإلا فعلى المسلمين. أو رق؛ يعني أن العبد إذا مات يجب على سيده تكفينه ومؤن تجهيزه، قوله: "أو رق"، عطف على قوله: "بقرابة"؛ أي يجب الكفن ومؤن التجهيز على من تجب عليه نفقة الميت بسبب قرابة أو بسبب رق، وقوله: "أو رق"، سواء في ذلك القن وذو الشائبة ولو مكاتباً أو كافراً، وإن مات شخص ومن في رقه معاً، أو ترتبا وجهل السابق أو سبق العبد، وليس للسيد إلا ما يكفي مؤنة أحدهما، قدم العبد في الصور الثلاث؛ لأنه لا حق له في بيت المال، بخلاف السيد، فإن سبق السيد وعلم قدم، وكفن العبد من يملكه بعد موت سيده. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: قدم العبد في الصور الثلاث، قال الشيخ محمد بن الحسن: نظر اللقاني في هذا بعد أن نقله عن شيوخ الجزولي بقول المصنف أول الفرائض، ثم مؤن تجهيزه بالمعروف، قاله ابن عاشر، والتنظير ظاهر. انتهى.
قال مؤلفه عفا الله عنه: ومقتضى تعليل هذا القول المنظر فيه: أنه إذا لم يوجد بيت مال ولا من يقوم مقامه كما لو وجدهما في الخلاء من ليس عنده إلا ما يستتر به كفن السيد، والله سبحانه أعلم. وفهم من قوله: "برق"، أنه لا يلزم كفن خادم زوجته، ولا العبد المخدم. قاله الشيخ إبراهيم.
стр. 1649
وأعلم أن مالك البعض يلزمه من الكفن بقدر ملكه من العبد، ويجوز للشخص أن يستعد الكفن قبل الموت، وكذا القبر وإن احتاج إليه انتفع به. لا زوجية؛ يعني أن من تجب نفقته بسبب الزوجية لا يلزم المنفق تكفينه، ولا غيره من مؤن التجهيز؛ ومعنى ذلك أن الزوج لا تلزمه مؤن تجهيز زوجته من كفن وغيره إذا ماتت، سواء كانت موسرة أو معسرة عند ابن القاسم، واستحسنه اللخمي، ونسبه في الجواهر لسحنون نظرا لانقطاع العصمة، ولمالك: يلزمه؛ لأنه من لوازم العصمة، وله أيضًا: إن كانت موسرة فعليها، وإلا فعلى الزوج، ونسبه في الرسالة لسحنون، ومحل الخلاف إذا دخل أو دعي إلى الدخول وهي مطيقة، وإلا فهو عليها باتفاق. قاله الشيخ إبراهيم.
وتحصل مما مر أن الكفن على المنفق إلا الزوج، فليس عليه أعسرت أو أيسرت على المعتمد.
والفقير من بيت المال؛ يعني أن مؤن التجهيز من كفن ودفن وغيرهما إذا كان الميت فقيرا لا قريب له تلزمه نفقته ولا مالك له، تكون من بيت المال، إن كان، وأمكن الوصول إلية. وإلا فعلى المسلمين؛ يعني أنه إذا مات فقير، ولم يكن بيت المال، أو كان ولم يمكن الوصول إليه فإن ذلك الميت الفقير تكون مؤن تجهيزه على المسلمين كفاية، إن لم يكن ثم وقف مرصد على ذلك، وقد مر أنه يجوز للشخص أن يعد الكفن والقبر قبل الموت، وأنَّه إن احتاج إليه انتفع به، ومحله في غير المحبسة للدفن، وأما هي فلا يجوز فيها ذلك، فلا تعد فيها المقابر قبل الموت.
تنبيه: يلزم رب الدابة الميتة في السوق حملها إلى حيث تطرح، بخلاف ما لو دخلت دار شخص فماتت. اللخمي: إن فقد ساتر كله بدئ بساتر سرته إلى ركبتيه، وما فضل لما فوق ذلك إلى صدره.
ولما أنهى الكلام على الواجبات شرع في المندوبات، فقال: وندب تحسين ظنه بالله، تحسين الظن هو عقد الضمير على توقّع الجميل؛ يعني أنه يندب للمريض تحسين ظنه؛ أي زيادة تحسين ظنه بالله تعالى، قال الشيخ عبد الباقي: وحملناه على ذلك؛ لأنه يندب للصحيح أيضًا تحسين ظنه بالله تعالى للحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء إن ظن خيرًا
стр. 1650
فله وإن ظن شراً فله (١))، ونحوه قول محيي الدين بن عربي: حسن ظنك بربك على كل حال؛ أي صحة ومرضا، ولا تسئ الظن به فإنك في كل نفس يخرج منك لا تدري، هل هو آخرها أم لا؟ ودع قول من قال: أسئ الظن في حياتك وحسن الظن عند موتك.
وندب للمريض زيادته لخبر مسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله تعالى الظن (٢)) الخطابي إنما يحسن الظن بالله تعالى من حسن عمله، فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن ظنكم بالله، فإن من ساء عمله ساء ظنه، وهذا بديع جدًّا، وقد يكون أيضاً حسن الظن بالله من ناحية الرجاء وتأميل العفو، والله تعالى جواد كريم، ويوافق الأول خبر: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (٣)). ويستعين في حسن الظن بالتفكر في سعة رحمته وعفوه وحلمه، ويجتهد في الدعاء لخبر: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى (٤) ولا يتمن الموت لخبر (لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل به، ولكن يقول: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي (٥)). وقد مر أنه يندب للصحيح تحسين ظنه بالله تعالى، قال الشيخ محمد بن الحسن: ذكر ابن حجر في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: وهو الذي لابن عربي، وقيل: يعتدل عنده جانب الخوف والرجاء، والثالث أنه: يطلب منه غلبة الخوف، قال: وهذا هو التحقيق، وحمل حديث: (أنا عند ظن عبدي بي (٦)) على المحتضر بدليل حديث مسلم: لا يموتن أحدكم إلخ. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وندب تحسين ظنه بالله زيادة له ولمن حضره، وقال الشبراخيتي، والخرشي في قوله: "ظنه"؛ أي الميت؛ أي الذي حضرته أسباب الموت وعلاماته، وأطلق عليه ميتا، وأعاد عليه ضمير الميت باعتبار المآل، وقوله: "بالله"؛ أي في الله. انتهى. وقال الخرشي في قوله: "وندب تحسين ظنه بالله"، والمعنى