← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

وكفن بملبوسه لجمعة؛ يعني أن الميت يكفن بملبوسه في الجمعة والعيد والإحرام، قال الشيخ عبد الباقي: ندباً، وقضي له بذلك عند اختلاف الورثة فيه، إلا أن يوصي بأقل من ذلك، فتتبع وصيّته. قاله في البيان. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، والظاهر من عباراتهم الوجوب، ولذا عبر بالفعل الدال عليه. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: إن قوله: "وكفن بملبوسه لجمعة"، يحتمل أنه بيان لصفة الكفن؛ أي إذا تشاح الورثة في الكفن، قضي بتكفينه بملبوسه في الجمعة، وعليه ففي الكلام مضاف مقدر؛ أي مثل ملبوسه لجمعة، ويحتمل أنه بيان لما يستحب أن يحرص على التكفين فيه، وعليه فكان ينبغي له أن يقول: لكجمعة، لتدخل ثياب الجمعة والعيد والإحرام، وما يشهد به مشاهد الخير رجاء بركته. وقد أوصى سعد بن أبي وقاص بتكفينه في جبة صوف شهد بها بدراً، والاحتمالان صحيحان. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وإن تنازع الورثة فقيمة ملبوس جمعة، وندب فيما شهد به الخير. انتهى. وقدم؛ يعني أن الكفن يقدم وجوبا من رأس مال الميت، لا بقيد كونه ملبوس جمعة على كل ما يتعلق بالذمة من الديون. كمؤنة الدفن؛ يعني أن مؤن الدفن؛ أي المواراة، من غسل، وحنوط، وحمل، وحفر، وحراسة إن احتيج إليها كالكفن في أنها تقدم على كل ما يتعلق بالذمة من الديون، قال الشبراخيتي: ولو عبر بمؤن التجهيز كان أولى. على دين غير المرتهن؛ يعني أن ما مر من تقديم الكفن وغيره من مؤن التجهيز على الديون المتعلِّقة بالذمة إنما هو في غير دين المرتهن الحائز لرهنه، وأما المرتهن الحائز لرهنه فإنه يكون أحق برهنه المحوز، فيقدم فيه على غيره من الغرماء وعلى مؤن التجهيز كلها حتى يستوفي دينه الذي فيه ذلك الرهن، فقوله: على "دين"، متعلق بقوله: "وقدم"، وقوله: "دين" بالإضافة، وكذا قوله: "غير"، وقوله: "المرتهن"، بصيغة اسم الفاعل؛ أي الشخص الآخذ للرهن. واحترز المصنف بقوله: "على دين غير المرتهن"، مما يتعلق بالأعيان، سواء انحصر فيها، كالإقرار بها، والعبد الجاني، وأم الولد، وزكاة الماشية والحرث، أو لم ينحصر فيها، كدين الرهن، فمقدم على الكفن، ومؤن التجهيز كلها. وقوله: ولو سرق، مبالغة في تقديم الكفن من رأس المال على غيره، قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أن الكفن يقدم من رأس المال على غيره، ولو سرق ما كفن به أولاً قبل الدفن أو بعده، فيقدم في كفن آخر، وإن

стр. 1647

كان عليه دين محيط ولو بَعْدَ قَسْمِ المال، ولا يعاد غسله ولا الصلاة عليه. انتهى. ونص ابن الحاجب: فلو سرق بعد دفنه فثالثها إن لم يقسم ماله أعيد، قال في التوضيح: القول بلزوم الإعادة لابن القاسم، ومقابله لأصبغ، والثالث لسحنون. انتهى. فرد المصنف بالمبالغة قول أصبغ وقول سحنون. ثم إن وجد وعوض ورث؛ يعني أنه إذا كفن الميت ثم سرق كفنه فإنه يقدم في كفن آخر -كما علمت- فإذا فعل به ذلك ثم وجد الكفن الأول الذي سرق فإنه يورث ذلك الكفن على فرائض الله ، فقوله: "وعوض"، جملة حالية؛ أي والحال أنه عوض أي جعل كفن ثان في مكانه: وسواء كان التعويض من الوارث أو غيره. قاله الشيخ إبراهيم. إن فقد الدين؛ يعني أن محل إرث الكفن الأول حيث وجد، إنما هو حيث لم يكن على الميت دين، وأما إن كان على الميت دين فإنه يكون للغرماء إلى أن يستوفى دينهم، فإن فضل منه فضلة ورثت على كتاب الله تعالى. قال الشيخ عبد الباقي: ورجع المتبرع بالكفن حال السرقة بعد وجود الأصلي، ومفهوم قوله: "عوض"، أنه لو وجد قبل أن يعوض لكفن فيه، البساطي: إن أمكن تداركه وإلا ورث، ولو جمع له ثمن كفن فكفنه رجل، رد ما جمع لأربابه، ولا تأخذه الورثة ولا الغرماء، إلا أن يدعه أربابه لهم، كمن أخرج مالا لمن ينكح به فمات قبل النكاح، أو فسخ، أو طلق قبل الدخول، فإن المال يرجع لمخرجه، فإن لم يعرف أربابه تصدق به عنهم، كقول مالك فيمن عليه دين، لا يعرف صاحبه: يتصدق به عنه. وقوله: "إن فقد الدين"، أتى به، وإن كان من المعلوم أنه لا ميراث إلا بعد الدين خشية أن يتوهم أن هذا الكفن لما لم يكن للغرماء المنع منه ويقدم على ديونهم، لا يتعلق لهم به حق، ولو استغنى عنه. فنبه على ذلك. قاله الإمام الحطاب. كأكل السبع الميت، هذه عكس التي قبلها؛ يعني أنه إذا فقد الميت وبقي الكفن كما لو أكل السبع الميت، فإن الكفن يورث إن فقد الدين، وإلا جعل فيه، ولو خيف على الميت من النبش كانت حراسته من رأس المال. قاله الحطاب. وقد مر ذلك عند قوله: "كمئونة الدفن". وهو على المنفق بقرابة؛ يعني أن ما ذكر من الكفن ومؤن التجهيز يجب على تلزمه نفقة الميت بسبب قرابة، كأب، أو ابن، -مثلاً- فلو اجتمعا كما لو هلك زمن بفتح الزاي وكسر الميم وله ابن وأب، لم تسقط نفقته عنه لزمانته، فكفنه على ابنه. قاله الجزولي. نقله غير واحد. قال

стр. 1648

الشيخ عبد الباقي: وهو يفيد أن من تجب نفقته على أبيه بعد بلوغه لعجزه عن الكسب أو جنونه، ثم حدث له ولد موسر [بحيث (١)]، تجب نفقته عليه أن لو لم تكن نفقته على أبيه، فإن نفقته تنتقل على ابنه المذكور. انتهى. قال مؤلفه عفا الله عنه: ويؤخذ منه بطريق القياس أن من أعتق مملوكاً له ولم تسقط نفقته عنه لعجزه عن الإنفاق على نفسه، ثم حدث له ولد موسر بحيث تجب نفقته عليه أن لو لم تكن نفقته على من أعتقه، فإن نفقته تنتقل على ابنه المذكور. والله سبحانه أعلم. انتهى. فقوله: "وهو"؛ أي ما ذكر من الكفن ومؤن التجهيز، ولو مات والد شخص وولده، فقال الشارح وغيره في النفقات: قيل يتحاصان، وقيل: يقدم الابن، ثم إن التحاص في الكفن محله حيث كان يحصل لكل مما يكفن به ما يستر عورته، وإلا كمل من بيت المال إن أمكن، وإلا فعلى المسلمين. أو رق؛ يعني أن العبد إذا مات يجب على سيده تكفينه ومؤن تجهيزه، قوله: "أو رق"، عطف على قوله: "بقرابة"؛ أي يجب الكفن ومؤن التجهيز على من تجب عليه نفقة الميت بسبب قرابة أو بسبب رق، وقوله: "أو رق"، سواء في ذلك القن وذو الشائبة ولو مكاتباً أو كافراً، وإن مات شخص ومن في رقه معاً، أو ترتبا وجهل السابق أو سبق العبد، وليس للسيد إلا ما يكفي مؤنة أحدهما، قدم العبد في الصور الثلاث؛ لأنه لا حق له في بيت المال، بخلاف السيد، فإن سبق السيد وعلم قدم، وكفن العبد من يملكه بعد موت سيده. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: قدم العبد في الصور الثلاث، قال الشيخ محمد بن الحسن: نظر اللقاني في هذا بعد أن نقله عن شيوخ الجزولي بقول المصنف أول الفرائض، ثم مؤن تجهيزه بالمعروف، قاله ابن عاشر، والتنظير ظاهر. انتهى. قال مؤلفه عفا الله عنه: ومقتضى تعليل هذا القول المنظر فيه: أنه إذا لم يوجد بيت مال ولا من يقوم مقامه كما لو وجدهما في الخلاء من ليس عنده إلا ما يستتر به كفن السيد، والله سبحانه أعلم. وفهم من قوله: "برق"، أنه لا يلزم كفن خادم زوجته، ولا العبد المخدم. قاله الشيخ إبراهيم.

стр. 1649

وأعلم أن مالك البعض يلزمه من الكفن بقدر ملكه من العبد، ويجوز للشخص أن يستعد الكفن قبل الموت، وكذا القبر وإن احتاج إليه انتفع به. لا زوجية؛ يعني أن من تجب نفقته بسبب الزوجية لا يلزم المنفق تكفينه، ولا غيره من مؤن التجهيز؛ ومعنى ذلك أن الزوج لا تلزمه مؤن تجهيز زوجته من كفن وغيره إذا ماتت، سواء كانت موسرة أو معسرة عند ابن القاسم، واستحسنه اللخمي، ونسبه في الجواهر لسحنون نظرا لانقطاع العصمة، ولمالك: يلزمه؛ لأنه من لوازم العصمة، وله أيضًا: إن كانت موسرة فعليها، وإلا فعلى الزوج، ونسبه في الرسالة لسحنون، ومحل الخلاف إذا دخل أو دعي إلى الدخول وهي مطيقة، وإلا فهو عليها باتفاق. قاله الشيخ إبراهيم. وتحصل مما مر أن الكفن على المنفق إلا الزوج، فليس عليه أعسرت أو أيسرت على المعتمد. والفقير من بيت المال؛ يعني أن مؤن التجهيز من كفن ودفن وغيرهما إذا كان الميت فقيرا لا قريب له تلزمه نفقته ولا مالك له، تكون من بيت المال، إن كان، وأمكن الوصول إلية. وإلا فعلى المسلمين؛ يعني أنه إذا مات فقير، ولم يكن بيت المال، أو كان ولم يمكن الوصول إليه فإن ذلك الميت الفقير تكون مؤن تجهيزه على المسلمين كفاية، إن لم يكن ثم وقف مرصد على ذلك، وقد مر أنه يجوز للشخص أن يعد الكفن والقبر قبل الموت، وأنَّه إن احتاج إليه انتفع به، ومحله في غير المحبسة للدفن، وأما هي فلا يجوز فيها ذلك، فلا تعد فيها المقابر قبل الموت. تنبيه: يلزم رب الدابة الميتة في السوق حملها إلى حيث تطرح، بخلاف ما لو دخلت دار شخص فماتت. اللخمي: إن فقد ساتر كله بدئ بساتر سرته إلى ركبتيه، وما فضل لما فوق ذلك إلى صدره. ولما أنهى الكلام على الواجبات شرع في المندوبات، فقال: وندب تحسين ظنه بالله، تحسين الظن هو عقد الضمير على توقّع الجميل؛ يعني أنه يندب للمريض تحسين ظنه؛ أي زيادة تحسين ظنه بالله تعالى، قال الشيخ عبد الباقي: وحملناه على ذلك؛ لأنه يندب للصحيح أيضًا تحسين ظنه بالله تعالى للحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء إن ظن خيرًا

стр. 1650

فله وإن ظن شراً فله (١))، ونحوه قول محيي الدين بن عربي: حسن ظنك بربك على كل حال؛ أي صحة ومرضا، ولا تسئ الظن به فإنك في كل نفس يخرج منك لا تدري، هل هو آخرها أم لا؟ ودع قول من قال: أسئ الظن في حياتك وحسن الظن عند موتك. وندب للمريض زيادته لخبر مسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله تعالى الظن (٢)) الخطابي إنما يحسن الظن بالله تعالى من حسن عمله، فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن ظنكم بالله، فإن من ساء عمله ساء ظنه، وهذا بديع جدًّا، وقد يكون أيضاً حسن الظن بالله من ناحية الرجاء وتأميل العفو، والله تعالى جواد كريم، ويوافق الأول خبر: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (٣)). ويستعين في حسن الظن بالتفكر في سعة رحمته وعفوه وحلمه، ويجتهد في الدعاء لخبر: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى (٤) ولا يتمن الموت لخبر (لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل به، ولكن يقول: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي (٥)). وقد مر أنه يندب للصحيح تحسين ظنه بالله تعالى، قال الشيخ محمد بن الحسن: ذكر ابن حجر في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: وهو الذي لابن عربي، وقيل: يعتدل عنده جانب الخوف والرجاء، والثالث أنه: يطلب منه غلبة الخوف، قال: وهذا هو التحقيق، وحمل حديث: (أنا عند ظن عبدي بي (٦)) على المحتضر بدليل حديث مسلم: لا يموتن أحدكم إلخ. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وندب تحسين ظنه بالله زيادة له ولمن حضره، وقال الشبراخيتي، والخرشي في قوله: "ظنه"؛ أي الميت؛ أي الذي حضرته أسباب الموت وعلاماته، وأطلق عليه ميتا، وأعاد عليه ضمير الميت باعتبار المآل، وقوله: "بالله"؛ أي في الله. انتهى. وقال الخرشي في قوله: "وندب تحسين ظنه بالله"، والمعنى

стр. 1651

أنه يندب لمن حضرته أسباب الموت وعلاماته أن يحسن ظنه بالله تعالى، لما في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ ، قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله (١)). وأعلم أنه إنما يحمد مقام الخوف إذا لم يؤد إلى يأس وقنوط من رحمة الله وإلا كان مذموما، وربما كان كفرا. انتهى. وفي الشبراخيتي: وهل الأفضل للشخص تغليب الرجاء ليلاً يغلب عليه اليأس من رحمة الله، أو الخوف ليلاً يغلب عليه الأمن من مكر الله، أو إن كان عاصياً فالخوف أفضل، أو إن كان صحيحاً فالخوف؟ وهو المختار عندنا، والذي عند الشافعية أن يكون خوفه ورجاؤه مستويين، وإن كان مريضاً فالرجاء لقوله ﷺ : (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى. أخرجه ابن أبي الدنيا. في كتاب حسن الظن، وزاد: فإن قوما قد أرداهم سوء الظن بالله، فقال لهم ﵎: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢)﴾، الحسن: هؤلاء قوم شغلتهم شهواتهم، وألهتهم الأماني، واتكلوا على رحمة الله. وقال عمر: هؤلاء قوم كانوا يديمون الذنوب، ويتكلون على مغفرة الله . انتهى. تنبيهان: الأول: قال ابن عرفة حضور المحتضر: كتمريضه فرض كفاية يتأكد على أوليائه. الثاني: أخرج النسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا حضر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك إلى روح الله وريحان ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً حتى يأتوا به أبواب السماء، فيقولون ما أطيب هذه الرِّيح التي جاءت من قبل الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه قدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: فلان قد مات ما أتاكم، قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية. وإن الكافر إذا حضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الرِّيح حتى يأتون به أرواح الكفار (٣)). رواه في التيسير.

стр. 1652

وتقبيله؛ يعني أنه يستحب أن يقبل الميت؛ أي يوجه إلى القبلة عند الجمهور؛ لأنها أفضل الجهات، وروى ابن القاسم كراهته؛ لأنه لم يفعل به ﷺ . عند إحداده؛ يعني أن التوجيه إلى القبلة إنما يكون عند الإحداد أي شخوص البصر إلى السماء، وذلك إنما يكون بعد الموت. وعبارة الأمير: وتقبيله عند شخوص بصره، لا قبله ليلاً يفزعه. انتهى. الشبراخيتي: وسببه نظر السلم الذي تنزل فيه الملائكة لقبض الروح، أو لأن الروح إذا خرج يتبعه البصر كما ورد في الخبر. انتهى. وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ألم تروا إلى الإنسان إذا مات شخص بصره؟ قالوا: بلى، قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه (١)). رواه في التيسير. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن أمنا أم سلمة ﵂، أنها قالت: (دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة، وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين (٢)). رواه في التيسير. قوله: "عند إحداده"، قال الشبراخيتي، والخرشي: كان ينبغي له أن يقول: وعند إحداده بالواو؛ لأنه مندوب ثان، وزاد الخرشي: لا قبله؛ لأن فيه إيذاء له. على أيمن؛ يعني أنه يجعل على شقه الأيمن عند توجيهه إلى القبلة إن أمكن ذلك، ويأتي أنه يجعل في اللحد على شقه الأيمن مستقبلاً، بخلاف وضعه للغسل، فالأفضل وضعه على شقه الأيسر، ليبدأ بغسل الأيمن، ثم على الأيمن، ثم ظهر؛ يعني أنه إذا لم يمكن جعله على شقه الأيمن فإنه يجعل على ظهره ورجلاه للقبلة، وظاهره أنه لا يجعل على شقه الأيسر، ونحوه في الطراز، وإنما أسقط الأيسر واقتصر على الأيمن تفاؤلا بأنه من أصحاب اليمين لا من أصحاب اليسار، وكلام سند هو: ويكون في توجيهه على شقه الأيمن إن أمكن، وإن لم يقدر فعلى ظهره ورجلاه إلى القبلة. انتهى. قوله: "على أيمن ثم ظهر"، رواه ابن القاسم في المجموعة، وقاله ابن وهب.

стр. 1653

وتجنب حائض؛ يعني أنه يندب تجنب الحائض له إذا احتضر كما نص عليه غير واحد؛ أي بعدها عن البيت الذي هو فيه. ابن حبيب: يستحب أن لا تحضر الحائض ولا الكافرة. وجنب؛ يعني أنه يندب تجنب أي بعد الجنب أيضًا عن البيت الذي هو فيه، فقوله: له، متعلق بقوله: "تجنب"، فهو راجع للحائض والجنب، وقد مر أن الضمير في قوله: "ظنه"، عائد على الميت، وكذا ما بعده، أما بعد الموت فظاهر، وأما قبله فباعتبار المئال. والعلة في طلب تجنب الحائض والجنب له أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب أو حائض، قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أن النفساء كالحائض، وكذا يندب أن يجنب البيت كلباً غير مأذون في اتخاذه، أو مطلقاً على الخلاف في ذلك، وتمثالا وآلة لهو، وكل شيء تكرهه الملائكة، وكذا يندب تجنب نجس له أي بعده عنه فقط لا عن البيت، وكذا تجنب صبي يعبث ولا يكف إذا نهي، وكونه طاهرا وما عليه طاهرا، وحضور طيب عنده، وأحسن أهله وأصحابه سمتا وخَلْقا وخُلُقا ودينا. ابن حبيب: ويستحب أن لا يجلس عنده إلا أفضل أهله وأحسنهم فعلاً وقولا، وقال الشيخ الأمير عاطفا على الندب: وبعد من لا يصبر، والنساء، وجنب، وتمثال، وكل ما تكرهه الملائكة من كلب ورائحة خبيثة. انتهى. وندب كثرة الدعاء له وللحاضرين؛ لأن الملائكة يحضرون ويؤمنون؟؛ وهو من مواطن الإجابة، وأن لا يُبْكَى أو يسترجع عنده بحيث يعلم به، فمن كان باكياً فليبك بموضع لا يسمعه. وقوله: "وتجنب حائض وجنب له"، هو كقول الرسالة: ويستحب أن لا تقربه حائض ولا جنب. وفي المختصر: لا بأس أن تغمضه الحائض أو الجنب. وفي الخرشي: المراد بتجنب الحائض والجنب له أن لا يكونا في البيت الذي هو فيه، وكذا يقال في تجنب الكلب والتمثال له، وأما الثوب النجس والصبي الذي يعبث ولا يكف إذا نهي، فالمراد بتجنبهما: بعدهما عنه، وكذا يقال فيما أشبههما. انتهى. ويندب أيضًا قول: (إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها (١))، لخبر: من قال ذلك أبدله الله خيرا منها، وفي الحديث: (من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفًا صالحا يرضاه (٢))، نقله الشيخ

стр. 1654

إبراهيم. ويندب أيضًا إبعاد النساء لقلة صبرهن. وإظهار التجلد لمن حضر من الرجال، وفي كتاب الشيخ الأمير: أنه تندب طهارة ملابسه كفراشه وحضور الصالحين. انتهى. وفي الحطاب: ينبغي أن لا يترك أحد يبكي حوله برفع صوت، وينبغي لمن حضر من الرجال أن لا يظهر الجزع. انتهى. تنبيهات: الأول: روى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: (تحضر الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان، فلا يزال يقال له ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان بن فلان، فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، وإذا كان رجل سوء، قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال، فلان، فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر (١)). وهذا حديث صحيح، قاله الثعالبي. وروى ابن ماجه عن البراء ﵁، قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فجلس على شفير قبر، فبكى وأبكى حتى بل الثرا، ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا (٢)). ولله در القائل: لاه بدنياه والأيام تنعاه … والقبر غايته واللحد مأواه يلهو فلو كان يدري ما أعد له … إذا لأحزنه ما كان ألهاه وما جنت يده لوقد تعرفه … ويلاه مما جنت يداه ويلاه

стр. 1655

الثاني: روى مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين، لا أدري أيوما أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً؟ الشك من الراوي، قال: فيبعث الله عيسى ابن مريم ﵇ كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستحيون؟ فيقولون ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، قال: فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصغي ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال: ينزل مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (١)). قوله: أصغى؛ أي أمال، ليتا؛ يعني صفحة العنق؛ يلوط: يطين ويصلح. القرطبي: وقد جاء أن بين النفختين أربعين عاماً، وفي صحيح مسلم: (ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة (٢)). قال عبد الحق: فبينما روحك مع الأرواح إذ أمر الله بها أن تجمع فتقبل أرواح المؤمنين تتلألأ نورا وأرواح الكافرين تسود ظلمة فيقبضها جميعًا فيجعلها في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، وعجب الذنب، قيل: يا رسول الله وما هو؟ قال: (مثل حبة خردل منه تنبتون (٣))، قيل: وهو آخر فقرات الظهر، والصور: قرن من نور، وفي حديث أبي هريرة ﵁: والذي نفسي بيده إن عظم دارة فيه لكعرض السماء والأرض، قال العلماء: والنفخة الأولى للفناء؛ وهي نفخة الصعق، ويكون معها نقر لقوله تعالى:

стр. 1656

﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾؛ أي في الصور لتكون الصيحة أعظم، والنفخة الثانية للبعث من غير نقر؛ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها، لا تنفيرها من أجسادها، وفي حديث علي بن معبد الطويل عن أبي هريرة: (فينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين (١))؛ يعني نفخة البعث. الثالث: أعلم أن الناس يبعثون على ما ماتوا عليه، روي عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يبعث كل عبد على ما مات عليه (٢))، وروى البخاري عنه ﷺ ، أنه قال: (إذا أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم (٣))، وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر، أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال: يا عبد الله إن قتلت صابرا محتسبا بعثت صابرا محتسبا، وإن قتلت مرائيا مكاثرا بعثت مكاثرا، على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله بتلك الحال (٤)). نقله الثعالبي. قال: والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. الرابع: قال الغزالي: إن المعاني في الآخرة تستتبع الصور ولا تتبعها. انتهى. فلكل صاحب ذنب علامة يعرف بها، فالغادر ينصب له لواء عند استه يوم القيامة يشتهر بها على جميع العوالم هناك، وشاهد الزور يبعث مدلعا لسانه بالنار، وآكل الرِّبا يتخبط مثل صاحب الجنون في الدنيا، والذي يطلب وليس بذي حاجة ليس في وجهه مزعة لحم، والنائحة لها سربالان سربال من جرب والثاني من قطران، وحابس الزكاة إن كانت إبلا بطح لها بقاع قرقر فجاءت أوفر ما كانت تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها وإن كانت غنماً مثل ذلك، إلا أنه قال: تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، وإن كان ماله ذهباً أو فضة مثل له شجاع أقرع، والمتكبرون يبعثون مثل الذر، وآكل أموال اليتامى ألسنة النار تخرج من منافس جسده، وشارب الخمر الكوز معلق في عنقه، والكذاب

стр. 1657

يشق شدقه، قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾، أعاذنا الله من الذنوب والفضيحة، ولو لم يكن فيها إلا هذا المقدار لكان كافياً في الردع والازدجار. وكذلك يعرف أهل الخير والطاعة بسيماهم، كالشهيد يبعث وكلمه يدمى؛ اللون لون دم، والريح ريم مسك، وكالمحرم يبعث ملبياً، وفي رواية ملبدا، ومن هذا المعنى أن هذه الأمة يبعثون غرا محجلين من أثر الوضوء يعرفهم من رآهم أنهم من أمة النبي ﷺ . وأعلم أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك وأحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا،﴾ وأن الكافر يستقبله في أقبح صورة وأنتن ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول لا إلا أن الله تعالى قبح صورتك، ونتَّن ريحك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك السيء، طالما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك، قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾. الخامس: قال الله سبحانه: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾؛ يعني أنه ينادي على صخرة بيت المقدس؛ وهي أقرب موضع من الأرض إلى السماء، يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. واعلم أن الحشر على أربعة أوجه: اثنان في الدنيا، واثنان في الآخرة، أما الأول من الذيْنِ في الدنيا فهو المشار إليه في الدنيا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾، كان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام. قاله الزهري وغيره. والثاني منهما: ما رواه مسلم والبخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: (يحشر الناس على ثلاثة طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا (١)؛ وهذا الحشر في الدنيا وهو آخر أشراط الساعة كما في الحديث، (وآخر ذلك نار تخرج

стр. 1658

من قعر عدن تطرد الناس (١))، وفي حديث آخر: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز (٢)). وأما اللذان في الآخرة، فأولهما حشرهم إلى الموقف كما قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، والثاني منهما: حشرهم إلى الجنة والنار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، والوفد ركبان النجب، وقيل على الأعمال -كما مر- ومعنى وردا عطاش، ويساقون كما تساق الإبل وغيرها من الأنعام تسوقهم الملائكة بسياط النار إلى النار نجانا الله من عذابه. السادس: روى القرطبي عنه ﷺ ، أنه قال: (تحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله من جماعات المسلمين وبدل صورهم، فمنهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسين أرجلهم فوق رؤوسهم ويسحبون على وجوههم، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبين على جذوع من النار، وبعضهم أشد نتنا من الجيفة، وبعضهم يلبس جلابيب سابغة من قطران، فأمَّا الذين على صورة القرد فالقتات من الناس؛ يعني النمام، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت والحرام والمكس، وأما المنكسون رؤوسهم ووجوههم فأكلة الرِّبا، وأما العمي فمن يجور في الحكم، والصم البكم هم الذين يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم فالذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالنَّاس إلى السلطان، والذين أشد نتنا من الجيفة الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله من أموالهم، والذين يلبسون الجلابيب فأهل الكبر والفخر والخيلاء (٣))، وسيأتي ذكر شيء من هذا المعنى آخر الفصل إن شاء الله تعالى.

стр. 1659

يا أخي تفكر فيما تصير إليه واستعد له، فالموت أمر كُبارٌ؛ قد أنجد وأغار، وكأس يدار، فيمن أقام وسار، وباب تسوق إليه يد الأقدار. قاله الثعالبي. وتلقينه الشهادة؛ يعني أنه يستحب أن يلقن المحتضر الشهادة ويستحب أن يكون ذلك برفق، والأصل فيما ذكره المصنف خبر: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله (١))؛ أي ذكروا من حضره الموت بحضور أسبابه، فهو من باب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، وأراد بالشهادة الشهادتين فاكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى، كقوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله (٢))، وقد علم أنها لا تكفي بدون محمد رسول الله ﷺ ، وهل ندب ذلك ليكون آخر كلامه، أو ليطرد به الشياطين الذين يحضرونه لدعوى التبديل؟ -والعياذ بالله تعالى- وجهان ذكرهما المازري في المعلم. ابن ناجي: والصَّواب هما معاً، وظاهر المصنف والخبر: أنه يلقن كان المريض صغيراً أو كبيراً، وخصصه النووي بالثاني، ولا يلح عليه، بل يسكت بعد كل تلقينة سكتة، الأبي: ولا يقال له: قل؛ لأنه تكليف، وليس بمحل تكليف، وإنما يعرض بذكر الشهادتين تعريضا حتى يقولها؛ أي ولأنه لو قيل له: قل، لربما قال: لا، جوابًا لرد فتنة الفتانين، قال الأبي: وَرُدَّ بقوله ﵊ لأبي طالب وهو في النزع - (يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله (٣))، وفيه نظر: إذ هي لم يسبق منه قولها لكفره، والكلام هنا في المسلم، ثم إذا قالها المحتضر بعد التلقين لا يعاد عليه إلا أن يتكلم بكلام أجنبي، فيعاد، لتكون آخر كلامه، لخبر: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة (٤))، ويكون الملقن له غير وارث إن وجد، وإلا فأرفقهم به، ولا يضجر من عدم قبول المحتضر لما يلقن؛ لأنه يشاهد ما لا يشاهدون، وفي المدخل: وإن كانوا جماعة فيلقنونه واحدًا بعد واحد، ولا يلقنونه جميعًا؛ لأن ذلك يحرجه ويقلقه، ومن خرس لسانه أو أذهب المرض عقله فلم ينطق قبل الموت، حكم له بما كان عليه قبل من الإسلام، بل بالقطبانية أو بالصديقية العظمى، ولا يضره عدم الإيمان الفعلي، كما أن الكافر يحكم له بما كان عليه من

стр. 1660

الكفر، فحكمه عند الله كحكم الذين استحضروا الكفر في تلك الحال بالفعل، فالمعتبر ما تقدم من كفر وإيمان. انتهى ملخصا من شرحي الإمام الحطاب والشيخ عبد الباقي. تنبيهات: الأول: (ورد أن جبريل ﵇ يحضر كل من مات من أمة محمد ﷺ (١))، وما اشتهر على ألسنة الناس أنه لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي ﷺ لا أصل له، ومن الدليل على بطلانه ما للطبراني في الكبير: عن ميمونة بنت سعد، قالت: قلت يا رسول الله: (هل يرقد الجنب؟ قال ما أحب أن يرقد حتى يتوضأ، فإنِّي أخاف أن يتوفى، ولا يحضره جبريل (٢))، وله ولنعيم بن حماد عن النبي ﷺ في وصف الدجال، قال: (فيمر بمكة فإذا هو بخلق عظيم، فيقول: من أنت؟ فيقول، أنا ميكائيل بعثني الله لأمنعه من حرمه، ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا جبريل بعثني الله لأمنعه من حرم رسول الله، وفي تفسير: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾، فيها أن المراد به جبريل. قاله السيوطي. في كتابه الإعلام بنزول عيسى ﵇ (٣)). وروى الثعالبي في رياض الصالحين: أن رسول الله ﷺ ، قال: (من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره، وأمن من ضغط القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة (٤)). الثاني: أولاد الأنبياء في الجنة إجماعاً، وكذا أولاد المؤمنين عند الجمهور، وقيل: في المشيئة، وأنكر. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: هذا يعني كون أولاد المؤمنين في الجنة، حكى النووي الإجماع عليه، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾، قال المفسرون: حقيقة إن كانوا كبارا، وحكما إن كانوا صغارا، ونقل الإجماع عليه في الفتح، وسلمه، ونقله ابن عرفة عن النوادر. انظر المواق عند قوله: "كإن أسلم ونفر من أبويه". انتهى. الثالث: قال الشيخ عبد الباقي: وفي أن أولاد الكفار في الجنة: وعزي للجمهور وصححه النووي، أو تحت المشيئة. ابن عبد البر: صرح به أصحاب مالك، ولا نص عنه في المسألة، أو تبع

стр. 1661

لآبائهم، أو بين الجنة والنار غير معذبين، أو خدم أهل الجنة، أو يصيرون تراباً، أو يمتحنون برفع نار لهم فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاماً ومن أبي عذب، أو في النار، أو الوقف، أو الإمساك، وفي الفرق بينهما دِقَّةٌ. أقوال عشرة بسطها في الفتح، ونقلها العلقمي في خبر أطفال المشركين. الرابع: ظاهر الرسالة؛ وهو المتبادر من كلام المصنف أن الميت لا يلقن بعد الدفن، وبه قال العز بن عبد السلام، وحمل خبر: (لقنوا موتاكم (١)) على من دنا موته، وليس العمل عند مالك على التلقين بعد الدفن، وجزم النووي بندبه، ووافقه على ندبه صاحب المدخل، والقرطبي، والثعالبي، وغير واحد. قال ابن الطلاع من المالكية: وهو الذي نختاره ونعمل به، وقد روينا حديثًا عن أبي أمامة ليس بالقوي، ولكنه اعتضد بالقواعد، وعمل أهل الشام؛ وهو ما رواه عنه سعيد بن عبد الله الأزدي، قال: شهدت أبا أمامة؛ وهو في النزع، قال: (إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة الثانية فإنه يستوي قاعداً، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعون، فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا، وبالقرآن إمامًا، فإن منكراً ونكيرا يتأخران عنه، كل واحد منهما يقول لصاحبه: انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته، ويكون الله حجيجهما دونه، فإن لم يعرف أمه فلينسبه إلى أمه حواء (٢))، وقال آخرون: يا فلان بن أمة الله، وما يفعله كثير من الناس في هذا الزمان من رفع الصوت بالتلقين بحضور الناس أو بعد انصرافهم، فليس من السنة، بل هو بدعة. وفي المدخل: وينبغي أن يتفقده بعد انصراف الناس عنه من كان من أهل الدين والفضل، فيقف عند قبره تلقاء وجهه، ويلقنه؛ لأن الملكين ﵉؛ إذ ذاك يسألانه؛ وهو يسمع قرع نعال المنصرفين، وكان سيدي أبو حامد بن البقال -وكان من كبار العلماء والصلحاء- إذا حضر

стр. 1662

جنازة عزى وليها بعد الدفن وانصرف مع من ينصرف، فيتوارى هنيئة حتى ينصرف الناس، ثم يأتي إلى القبر فيذكر الميت بما يجاوب به الملكين ﵉ -ويكون التلقين بصوت فوق السر ودون الجهر- فيقول: يا فلان لا تنس ما كنت عليه في دار الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا جاءك الملكان ﵉ وسألاك، فقل لهما: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، والكعبة قبلتي، وما زاد على ذلك أو نقص فخفيف. وفي الشبراخيتي عن شيخه الأجهوري: ونحوه للزرقاني، والحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال بشروط ولم توجد في هذا الحديث، قال الشيخ عبد الباقي: لأنه لم يندرج تحت أصل كلي، بل فيه ابتداء شرع فلا يعمل به، وإن كان في المقاصد تقويته. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: أما شروط العمل بالضعيف فهي ثلاثة: الأول وهو متفق عليه أن يكون الضعف غير شديد، الثاني: أن يكون مندرجا تحت أصل عام، الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته ليلاً ينسب إلى النبي ما لم يقله. انتهى. وقوله: لأنه لم يندرج تحت أصل كلي إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل هو مندرج تحت قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، كما في المواق عن ابن العربي عند قوله: وعلى قبره، وللإمام السيوطي رحمه الله تعالى: قد أمر النبي بالتلقين … من بعد شن الترب للمدفون وقيل قبل أن يهال الترب … وإن يعد ثلاثة فندب الأبي: اتفق أن ابن عرفة مرض مرضا أشرف فيه على الموت، ثم نقِه -بكسر القاف أي طاب - فدخلت عليه مع بعض الطلبة، فأخذ يحضنا على الطلب، ويقول: العلم ينفع في الدنيا والآخرة، ثم قال: غشي علي في مرضي هذا فتمثلت لي طائفتان إحداهما عن يميني؛ وهي الصغرى، والأخرى عن شمالي؛ وهي الكبرى، والتي عن يميني ترجح الإيمان بالله تعالى، والتي عن شمالي ترجح الكفر به وتورد شبها فوفقني الله للجواب عنها بما أعرفه من قواعد العقائد، فلما سري عني علمت أن توفيقي لذلك إنما هو من بركة العلم، وأن الله ينفع به في الدنيا والآخرة. وأوصت أم شيبة بن أبي شيبة ابنها شيبة عند الموت، فقالت: يا بني إذا دفنتني فقم عند

стр. 1663

قبري، وقل: يا أم شيبة قولي: لا إله إلا الله، قال: ففعلت، ثم انصرفت، فلما كان من الليل رأيتها في المنام، فقالت: يا بني كدت أن أهلك لولا أن تداركتني لا إله إلا الله، فقد حفظت وصيتي، وقال المتيوي: يستحب أن يجلس إنسان عند رأس الميت عقيب دفنه يقول: يا فلان بن فلان، أو يا عبد الله أو يا أمة الله اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا وهو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ورضيت بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا، ربي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. نقله الإمام الحطاب. وتغميضه؛ يعني أنه يستحب تغميض بصر الميت؛ لأن فتح عينيه يحصل به قبح منظره، وفي مسلم وأبي داود: عن أم سلمة، قالت: (دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، وقال: أن الروح إذا قبض اتبعه البصر (١))، ابن حبيب: من السنة إغماض الميت حين الموت، وينبغي أن يلي ذلك أرفق أوليائه بأسهل ما يقدر عليه، ويقال عند ذلك: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ ، اللهم يسر عليه أمره، وسهل عليه موته، وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج إليه خيرًا مما خرج عنه، ويستحب أن يقال عند ذلك: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾، ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، قوله: وسهل عليه موته، المراد منه الدعاء بتسهيل ما بعد الموت؛ إذ لا يغمض إلا بعد الموت. وعن الثوري: من لم يغمض عند موته وبقي مفتوح الأجفان والشفتين. فليأخذ واحد بعضديه، وآخر بإبهامي رجليه ويجذبانه، فإنه ينغمض. مجرب صحيح. قاله الخرشي، وغيره. وشد لحييه؛ يعني أنه يستحب شد لحيي الميت الأسفل مع الأعلى بعصابة، وتربط فوق رأسه ليلاً ينفتح فوه فتدخله الهوام ويقبح منظره، واللحي الأسفل هو منبت اللحية. إذا قضى؛ يعني أن التغميض وشد اللحيين محلهما إذا قضى الإنسان؛ أي مات، فقوله: "قضى" قيد في المسألتين، وإنما عبر بإذا دون إن؛ لأن إذا للتحقيق. قاله الشيخ إبراهيم.

стр. 1664

وعلامات الموت أربع: انقطاع نفسه، وإحداد بصره، وانفراج شفتيه -فلا ينطبقان-، وسقوط قدميه -فلا ينتصبان- فعند هذه الأربع يغمض الميت، لا قبل ذلك، كما نقله الحطاب. قال بعضهم: غمضت جعفراً المعلم -وكان رجلاً عابداً- فرأيته في منامي ليلة مات، يقول: أعظم ما كان علي تغميضك لي قبل أن أموت. قاله غير واحد. ومن علامات البشرى للميت: أن يصفر وجهه، ويعرق جبينه، وتذرف عيناه دموعا، ومن علامات السوء أن تحمر عيناه، وتربَدَّ شفتاه، ويغط كغطيط البكر، وتربد بالباء الموحدة بعدها دال مشددة، قال في القاموس: الربدة بالضم لون إلى الغبرة. قاله الخرشي. وتليين مفاصله؛ يعني أنه يستحب تليين مفاصل الميت، كرد ذراعيه لعضديه، وفخذيه لبطنه، وساقيه لفخذيه، ويمدهما ويكون ذلك برفق ليسهل غسله على غاسله، وإذا لينت المفاصل تستمر لينة النهار كله وأكثر، خصوصًا مع استحباب الفقهاء إسراع تجهيزه. ورفعه عن الأرض؛ يعني أن الميت يستحب أن يرفع عن الأرض بأن يجعل على كسرير ليلاً تسرع إليه الهوام فيحصل له التشويه: ونحن مأمورون بحفظه قبل الدفن، والتعليل بإسراع الفساد إليه غير بين. انظر الشبراخيتي. وكذا يستحب جعله في مكان خال. قاله الشيخ ميارة. وستره بثوب؛ يعني أنه يستحب ستر الميت حتى وجهه بثوب بعد نزع ما عليه من الثياب. قاله سند. وفي المدخل: ينزع ما عليه من الثياب ما عدا القميص، ويمكن حمل كلام سند عليه، قاله الحطاب. وتبعه الشيخ سالم، وإنما ندب ستر وجهه لأنه ربَّما تغير وجهه من المرض تغيراً وحيشا، فيظن من لا معرفة له ما لا يجوز. وفي خبر عائشة ﵂: (أنه ﵇ سجي بثوب حبرة (١))، بكسر الحاء وفتح الباء كعنبة؛ وهي مفردة والجمع حبرات كعنبة وعنبات، وقالوا: بردٌ حبرةٌ على الوصف؛ وبردُ حبرة على الإضافة وهو أكثر في استعمالهم، ويقال برد حبير على الوصف وهو ثوب يمان يكون من قطن أو كتان محبر أي مزين، والتحبير

стр. 1665

التزيين، ومنه: (لحبرته لك تحبيرا (١)) والحبر الذي يكتب به مكسور الحاء، وأما العالم فبفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان. ووضع ثقيل على بطنه؛ يعني أنه يستحب وضع شيء ثقيل على بطن الميت كسيف وحديدة وحجر، وشبه ذلك ليلاً ينتفخ، فإن لم يكن فطين مبلول. وقال حلولو: قوله: "وتليين مفاصله برفق ورفعه عن الأرض ووضع ثقيل على بطنه"، ما ذكره من هذه المندوبات لم أر الآن من نبه عليه من الأصحاب؛ وهي منصوصة للشافعية، وأنكر ابن عرفة ما ذكره ابن عبد السلام عن المذهب من وضع الحديد على بطنه. انتهى. وإنكار ابن عرفة مردود بأنه مذكور لابن حبيب. قاله الشيخ إبراهيم. وإسراع تجهيزه؛ يعني أنه يندب الإسراع بتجهيز الميت؛ أي بدفنه فما قبله من المؤن فيعجل بغسله إثر موته، وبسائر المؤن خيفة تغيره، وفي الحديث: (لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهلها (٢))، قاله الشبراخيتي. وغيره. والحديث الذي أشار إليه رواه في التيسير عن أبي داود عن الحصين بن وحوح، قال: لما مرض طلحة بن البراء أتاه رسول الله ﷺ ، فقال: (إني لا أراه إلا قد حدث به حادث الموت فآذنوا به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهلها (٣))، وروى في التيسير عن الستة؛ أي الإمام مالك، والشيخين: مسلم والبخاري، وأصحاب السنن: الترمذي، وأبي داود، والنسائي، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوف ذلك فشر تضعونه عن رقابكم (٤))، قوله، "تجهيزه"، جهاز الميت والعروس والمسافر بالكسر والفتح: ما يحتاجون إليه، وقد جهزه تجهيزا فتجهز: جمعه، أجهزة جمع جمعه: أجهزات. انتهى.

стр. 1666

قال مؤلفه عفا الله عنه: والذي يظهر أن هذا من قولهم: تجهزت للأمر؛ بمعنى تهيأت له. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإسراع تجهيزه"، وأما تأخير تجهيزه ﷺ ، فللأمن من التغير، أو للشك في موته، أو للاهتمام بعقد الخلافة، أو ليبلغ خبر موته النواحي القريبة فيحضروا للصلاة عليه ﷺ لاغتنام الثواب الجزيل. وأعلم أنه يجوز الدفن ليلاً كما فعل بسيدتنا فاطمة ﵂، وبخليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق، وغيرهما من السلف ﵃ أجمعين. وفي الحطاب: الدفن ليلاً جائز. نقله في النوادر. قال النووي في دفن فاطمة ليلاً: جواز الدفن بالليل وهو مجمع عليه، لكن النهار أفضل إذا لم يكن عذر. انتهى. وفي النسائي من حديث عقبة بن عامر الجهني، قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشَّمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب (١))، وفيه أيضًا، (خطب رسول الله ﷺ ، فذكر رجلاً من أصحابه أنه مات فقبر ليلاً وكفن في كفن [غير طويل (٢)]، فزجر رسول الله ﷺ أن يقبر إنسان ليلاً إلا أن يضطر إلى ذلك (٣))، انتهى كلام الحطاب. وأعلم أن العجلة من الشيطان إلا في ست: التوبة، والصلاة إذا دخل وقتها، وتجهيز الميت، وإنكاح البكر إذا بلغت، وتقديم الطَّعام للضيف إذا قدم، وقضاء الدين إذا حل، قاله الشيخ ميارة. تنبيه: أعلم أن أول من صلى على رسول الله ﷺ عمة العباس، ثم بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم أهل القرى. وجملة من صلى عليه من الملائكة ستون ألفاً، ومن غيرهم ثلاثون ألفاً، وصلوا عليه فرادى؛ لأنه لم يكن خليفة يجعل إمامًا، وكان موته ﷺ ضحوة الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء، ومن قال إنهم صلوا عليه ثلاثة أيام محمول على أنه سمى الليلة يومًا تغليباً، قاله الشيخ إبراهيم.

стр. 1667

إلا الغرق؛ يعني أن الذي غرق في الماء لا يندب الإسراع بتجهيزه، ومثله الصعق، ومن يموت فجأة، ومن به مرض السكتة، ومن مات تحت الهدم، فلا يندب الإسراع بالجميع، بل في كلامهم ما يفيد وجوب تأخيرهم ولو أتى عليهم يوم أو يومان أو ثلاثة حتى يتيقن الموت أو يظهر التغير. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الخرشي: مفاد الاستثناء أنه لا يندب إسراع تجهيزه، وهو صادق بندب تأخيره ووجوبه، وفي كلامهم ما يفيد الثاني بل رأيت التصريح بذلك. وحكى الكمال الدميري عن ابن عساكر، أنه قال: مات الماجشون جد عبد الملك صاحب ملك، فحضر الناس للصلاة، وجاء الغاسل فرأى في باطن رجله عرقا يضرب، فقال: اتركوه لغد، ثم جاء فوجده كذلك إلى أن أتى عليه ثلاثة أيام، فقعد وقال: اسقوني سويقا، وحكى أنه عرج بروحه إلى السماء الدنيا ثم الثانية ثم الثالثة حتى وصل السابعة ورأى النبي ﷺ جالسا وعن يمينه أبو بكر وعن يساره عمر وعمر بن عبد العزيز أقرب إليه منهما، فقلت: بم نال هذه المرتبة؟ فقال: كان يحكم بالحق في زمن الباطل، وكانا يحكمان به زمن الحق، ثم قالوا: ردوا الرجل فقد بقي من عمره كذا وكذا شهرا وكذا يومًا، فعاش تلك المدة، ومات رحمه الله تعالى. انتهى. وفي الشبراخيتي: ولو أدخل الكاف على الغرق لكان أشمل ليدخل الصعق ومن مات تحت الهدم، أو كان محمولاً عليه بعذاب أو حريقا أو فجأة أو من به مرض السكتة، بل في كلامهم ما يفيد وجوب تأخيرهم ولو أتى عليهم يومان أو ثلاثة أو يظهر التغير. انتهى. قال الشبراخيتي: ونحوه للشَّيخ الخرشي. ولما أنهى الكلام علي ما يفعل بالمحتضر حال احتضاره، وما قرب منه مما يكون قبل غسله، شرع في مندوبات الغسل، بقوله: وللغسل سدر؛ يعني أنه يندب أن يغسل الميت بماء وسدر، والمراد بالسدر هنا ورق شجر النبق، وقيل: نبت باليمن له رائحة ذكية، ومعنى ذلك أن يطحن الورق ويجعل في الماء ويخض حتى تبدو له رغوة، ويعرك به جسد الميت، وليس معناه عند كافتهم أن يلقى الورق في الماء، فإنه منكر ومن فعل الجاهلية. وأعلم أن الغسلة الأولى تكون عند الجمهور بالماء القراح؛ أي المطلق للتطهير، والثانية بالماء والسدر للتنظيف، وفي شرح الشيخ عبد الباقي تبعاً للتوضيح: أن ابن حبيب عكس، قال الشيخ محمد بن

стр. 1668

الحسن: وفيه نظر، بل ما نقله قبله عن الجمهور هو عين ما نقله أبو الحسن وغيره عن ابن حبيب. انتهى. والثالثة بالماء والطيب للتطييب، وفي الخرشي أن كون الثالثة بالماء والكافور متفق عليه، والسدر مقدم على غيره إن وجد، وإلا فغيره من كل غاسول يقوم مقامه، كالحرض بضمتين؛ وهو الأشنان بضم الهمزة، قال الشيخ الخرشي وغيره: وإنما خص السدر بالذكر وإن كان غيره عند عدمه من كل غاسول يقوم مقامه، تفاؤلا بعروج روحه إلى سدرة المنتهى التي تنتهي إليها أرواح المؤمنين. وقوله: "وللغسل سدر"؛ أي في غير الأولى كما نص عليه غير واحد، وفي غير الأخيرة كما يأتي للمصنف "وكافور في الأخيرة". واعلم أن في المدونة: أن الميت يغسل بالماء والسدر، وتؤول كلامها على ثلاث تأويلات: أحدها للخمي فإنه أخذ منه غسله بالماء المضاف كما يقوله ابن شعبان، ثانيها أنه لا يخلط الماء بالسدر بل يحك الميت بالسدر ويصب عليه الماء، ابن ناجي: هو متجه؛ وهو اختيار أشياخي، قال: لأن الماء الطهور إذا ورد على العضو طهورا وانضاف فيه لا يضره. ثالثها كقول ابن حبيب والجمهور: أن الأولى بالماء وحده، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور. وقد مر عن التوضيح وعبد الباقي أن ابن حبيب، قال: إن الأولى بالماء والسدر، والثانية بالماء القراح أي الماء وحده، فلعل لابن حبيب قولين. قاله الشيخ بناني. وتجريده؛ يعني أنه يستحب تجريد الميت من الثياب التي مات فيها لأجل الغسل لأنه أمكن، إلا مما يستتر به. قال الشارح: وينزع قميص الرجل، ويستر عورته، وكذا المرأة مع النساء؛ وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، والمستحب عند أصحابه تغسيله في قميصه؛ لأنه الذي فعل برسول الله ﷺ ، والجواب: أنه لم يجرد ﷺ تعظيماً له وتوقيرا، ولما سمعوا حين ألقي عليهم النوم، فكل منهم يضرب صدرَه ذقنُه من صوت قائل لا يرونه: لا تنزعوا عنه قميصه، واغسلوه فيه فيكون من خصوصياته، وقول الصحابة: هل تجردونه كما تجرد موتانا؟ دليل لنا، وأن الشأن عندهم في زمنه ﷺ التجريد. واعلم أن الذين غسلوه ﷺ خمسة: علي والفضل، وشقران كعثمان، قاله الأمير، مولاه ﷺ لقبه واسمه: صالح، وأسامة، والعباس. وكانت أعينهم معصوبة إلا

стр. 1669

علياً ﵁؛ لأنه أوصى له بتغسيله كما في المواهب، وسمع قائلاً يقول: ارفع بصرك إلى السماء ليلاً يحد النظر إليه. انتهى. قاله الأمير وعلي والعباس هما اللذان يغسلان، والآخرون يصبون، وعبقت عليهم رائحة طيبة ملأت البيت. وقوله: "وتجريده"؛ يعني ولو أنحل المرض جسمه، خلافًا لعياض القائل: استحب العلماء غسله تحت الثوب لتغيره بالمرض، وكراهته حيًّا أن يطلع عليه بتلك الصفة، وظاهر قوله: العلماء، دخول مالك فيهم. قاله الشيخ الخرشي. وينبغي إذا جرد للغسل ألا يطلع عليه إلا الغاسل ومن يليه، وتستر عورته بمئزر، ويستحب أن يجعل على صدره ووجهه خرقة أخرى. قاله الحطاب. عن ابن سحنون. ووضعه على مرتفع؛ يعني أنه يستحب أن يوضع الميت حال غسله على مرتفع؛ لأنه أمكن في الغسل. وليلا يقع من غسله على غاسله شيء، وليس من سنة غسل الميت استقبال القبلة، فليست حالة الغسل كالإحداد -لما مر- كما في الحطاب، بل المستحب حينئذ البخور ليلاً يشم منه الرِّيح الكريهة، واشتغال الغاسل بالتفكر والاعتبار، لا هذه الأذكار المبتدعة لكل عضو، لما علمت من كونها بدعة، ويشتغل بما ذكر عن سائر العبادة ذكراً أو غيره. قاله في المدخل، وانظره مع قول ابن شعبان: ويكثر الغاسل من ذكر الله حال الغسل. انتهى. ويكره وقوفه على الدكة، ويجعل الميت بين رجليه، بل يقف بالأرض ويقلبه حين غسله. والدكة مكان مرتفع يكون بباب الدار. وعلم مما قررت أن الارتفاع هنا غير الارتفاع السابق؛ لأن ذلك ليلاً تناله الهوام، وهذا ليلاً يقع شيء من غسله على غاسله؛ ولأنَّه أمكن للغاسل. والله سبحانه أعلم. وإيتاره؛ يعني: أنه يستحب إيتار الغسل ثلاثًا أو خمسا إن حصل إنقاء بما قبله. الخرشي: ومما يستحب أيضًا إيتار الغسل لما روي أنه ﵊، قال في أمر ابنته: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسا أو أكثر إن رأيتن ذلك (١))، بماء وسدر ويجعل في الأخيرة كافور إن تيسر. ابن حبيب: السنة أن يكون الغسل وترا، وكذلك فعل برسول الله ﷺ ، ولا يقتصر الغاسل على أقل من ثلاث؛ لأن الاقتصار على الاثنتين خلاف ما ضمنه الحديث من أنه يكون وترا.

стр. 1670

كالكفن؛ يعني أنه يستحب في الكفن الإيتار، فالكاف للتشبيه في الإيتار فقط لا فيه، وفي السبع خلافًا للتتائي؛ إذ لا يتأتى في الرجل؛ لأن كفنه خمسة فقط. قاله الشيخ إبراهيم. وإنما يستحب الإيتار فيما زاد على اثنين، بدليل قوله فيما سيأتي: والاثنان على الواحد. وقوله: لسبع، متعلق بقوله: "وإيتاره"، ولو قدمه لتوهم أن قوله كالكفن تشبيه فيه وفي الإيتار، وقد مر ما يمنع ذلك. انظر الشبراخيتي. ومعنى كلامه أنه يندب إيتار الغسل حيث حصل إنقاء بما قبل الإيتار، وينتهي ذلك لسبع، فإن أنقى بالثانية استحبت الثالثة، وإن أنقى بالرابعة استحبت الخامسة، وإن أنقى بالسادسة استحبت السابعة، فإن لم يحصل الإنقاء بالغسلة السابعة، فالمطلوب الإنقاء، فإن حصل بالثامنة فلا تندب تاسعة، وهكذا قال معناه غير واحد. وقال الشيخ محمد بن الحسن: انظر ابن عرفة، فقد ذكر أنه لم ير تحديده؛ أي الغسل بسبع لأحد، وأما اللخمي فقد ذكر أنه إن لم ينق بست سبع كما في المواق، ولم يقل: لا يراعي الوتر بعد ذلك. انتهى. ولم يعد؛ يعني أن الغسل لا يعاد لخروج نجاسة من الميت من قبله أو دبره اتفاقا؛ أي يكره؛ لأنه تعمق فيما يظهر. قاله غير واحد. وكذا لا يعاد غسل الميتة إذا وطئت. كالوضوء؛ يعني أن وضوء الميت لا يعاد لخروج نجاسة من قبله أو دبره، ولا يعاد أيضًا لوطء الميتة. وبما قررت علم أن قوله: لنجاسة راجع للأمرين، ولم يعادا لذلك لانقطاع التكليف بالموت، والقدر المأمور به تعبدا قد فعل. وغسلت؛ يعني أنه لا يعاد الوضوء والغسل لأجل خروج نجاسة من الميت -كما عرفت- لكن تغسل النجاسة من بدنه وكفنه وجوباً أو استنانا، على ما مر في إزالة النجاسة. ابن حبيب: ولا ينبغي أن يغسل إلا بأن يحمل بإثر ذلك، وإن تأخر حمله عن غسله إلى غد فلا يعاد. قاله الشيخ إبراهيم. وعصر بطنه؛ يعني أنه يستحب عصر بطن الميت حال التغسيل. برفق؛ أي يكون العصر المذكور برفق أي خفيفاً، قال في المدونة: ويعصر بطنه عصرا خفيفاً ليلاً يخرج شيء من أمعائه، ويكره العصر المذكور قبل التغسيل، وندب صب الماء؛ يعني أنه يندب صب الماء صبا متتابعا، في حال غسل مخرجيه؛ أي الميت. أشهب: إذا عصر بطن الميت فإنه: يأمر من يصب عليه أن لا يقطع صبّه ما دام يغسل مخرجيه القبل والدبر. بخرقة، متعلق بمحذوف؛ وهو يغسل لا بالندب المقدر في المعطوف؛ لأن الغسل بالخرقة واجب

стр. 1671

لا مندوب؛ يعني أنه يجب عليه في حال غسل المخرجين أن يلف خرقة كثيفة على يده لفات بحيث لا يجد معها لين ما يمر يده عليه، وتحرم مباشرة العورة، ويغسل المخرجين بيساره وبقية الجسد بيمينه. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الخرشي: ومن كلام أشهب: وإذا عصر بطنه فليأمر من يصب الماء عليه أن لا يقطع ما دام يغسل ذلك، ويلف على يديه شيئًا كثيفاً لا يجد معه لين ما تمر عليه اليد، ثم يغسل تلك الخرقة، ويغسل يده، ثم يأخذ خرقة أخرى يلفها على يده ويدخلها في فمه لينظف أسنانه. ابن حبيب: ويدخل الماء في أنفه ثلاثًا، وقال الحطاب عند قوله: "بخرقة"، قال في الطراز: وأيضًا بقية بدنه، فإن شاء غسلها بيديه، وإن شاء غسلها بخرقة. وقد استحب الشافعي أن يغسله بخرقة، وقال: يعد خرقتين نظيفتين يغسل بإحداهما أعالي بدنه ووجهه وصدره، ثم مذاكيره وبين رجليه، ثم يلقيها، ويفعل بالأخرى مثل ذلك. وله الإفضاء إن اضطر؛ يعني أن محل وجوب الغسل للمخرجين بالخرقة المذكورة إنما هو مع الإمكان، وأيضًا مع الاضطرار كما إذا لم يجد خرقة فإنه يباح له الإفضاء؛ أي مباشرة العورة من غير حائل، وظاهره يشمل ما إذا غسل المحرم المرأة من محارمه، أو غسلت المرأة الرجل من محارمها. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: "إن اضطر"، هذا مثل قوله في المدونة: وإن احتاج أن يباشر بيده فعل. انتهى. قال اللخمي: ومنعه ابن حبيب وهو أحسن، ولا يكون الميت في إزالة تلك النجاسة بأعلى من الحي إذا كان لا يستطيع إزالتها لعلة أو غيرها، إلا بمباشرة غيره ذلك الموضع؛ فإنه لا يجوز أن يوكل من يمس فرجه لإزالة ذلك منه، ويجوز أن يصلي على حاله فهو في الموت أخف، ولا يكشف ويباشر ذلك منه. انتهى. نقله أبو الحسن. قاله الشيخ محمد بن الحسن. تنبيه: أعلم أن الضرورة تجيز النظر إلى عورة الحي للمداواة. والله سبحانه أعلم. وتوضئته؛ يعني أنه يندب توضئة الميت قبل الغسلة الأولى وبعد إزالة الأذى مرة مرة، ولا يكرر الوضوء، وقيل: يكرر بتكرر الغسل كما مر. وتعهد أسنانه وأنفه بخرقة؛ يعني أنه يستحب أيضًا تعهد؛ أي تفقد أسنان الميت وأنفه بخرقة مبلولة يزيل بها ما يكره ريحه أو رؤيته. وأعلم أن الخرقة التي يتعهد بها الأنف خرقة أخرى غير خرقة الأسنان. ابن حبيب: ويدخل الماء في أنفه ثلاثًا. وإمالة رأسه لمضمضة؛ يعني أنه يستحب للغاسل أن يميل رأس الميت

стр. 1672

للمضمضة برفق -كما في بعض النسخ- ليخرج الماء بما فيه من الأذى، واللام في قوله: "لمضمضة"، تعليلية، وفي بعض النسخ: وأمال؛ أي استحباباً. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وإمالة"، قال الشارح: إذ لا يمكن أن يمضمض إلا على هذا الوجه، وهكذا قال أشهب إنه يمضمض. انتهى. وقال الأمير: وإمالة رأسه لصدره بمضمضة، وتنشيفه. وعدم حضور غير معين؛ يعني أنه يستحب أيضًا أن لا يحضر الميت إلا من يعين الغاسل، وحضور غير المعين مكروه. قال الشبراخيتي: وكلام المصنف لا يفيد ذلك؛ إذ لا يلزم من مخالفة المندوب الكراهة لأنه صادق به وبخلاف الأولى، ولو قال: وكره حضور غير معين لأفاد المراد. انتهى. وقد قدمت عن الإمام الحطاب: أن نقيض المندوب بالمعنى الأعم الشامل للسنة وغيرها مرجوح مطلوب الترك، والأكثر من العلماء يعبر عن جميع ذلك بالكراهة، قال: وهو الظاهر لصدق حد المكروه عليه، وهو ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله. غاية الأمر أن الكراهة تتفاوت على قدر تفاوت الطلب، ويحمل ما يقع في عبارة المصنف وغيره من نفي الكراهة على نفي الكراهة الشديدة، لا مطلق الكراهة لما تقدم. وقال في الطراز: وترك الأحسن من غير عذر مكروه، ومنهم من يقول: نقيض ما لم يتأكد طلبه خلاف الأولى، ونقيض ما تأكد طلبه مكروه، وقيل: ما طلب تركه بنهي مخصوص مكروه، وما طلب تركه بنهي غير مخصوص؛ وهو النهي عن ترك المندوبات خلاف الأولى. انتهى. تنبيه: لا ينبغي أن يكون الغاسل إلا ثقة، أمينا، صالحا، يخفي ما يراه من عيب، وإن استغنى عن أن يكون معه أحد أحسن. وكافور في الأخيرة؛ يعني أنه يستحب في الغسلة الأخيرة أن تكون بماء وكافور إن تيسر، وصفة ذلك أن يأخذ شيئًا من الكافور فيجعله في إناء فيه ماء ويذيبه فيه، ثم يغسل الميت به، فإن لم يتيسر فغيره من الطيب. نقله الخرشي. وندب الكافور لسده مسام البدن لبرودته ومنعه سرعة التغير، ولتطييبه رائحة الميت للمصلين والملائكة عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه جمع بين العطرية، ومضادة العفن، وشدة الأعضاء، ومن هذا يؤخذ أن الأرض التي لا تبلي أفضل من غيرها، خلافًا للشافعية. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المندوب: وطيب بالأخيرة، وأفضله الكافور؛ لأنه أمسك للجلد، فاستنبط منه أن الأرض التي لا

стр. 1673

تبلي أفضل وعكس الشافعية. وفي المدخل: ينبغي أن يشتغل بما ذكر من التغسيل وما يتعلق به عن سائر العبادات ذكراً كانت أو غيرها، وانظره مع قول ابن شعبان في الزاهي: ويكثر الغاسل من ذكر الله تعالى حال الغسل. قاله الخرشي. وقال الشيخ عبد الباقي: لا ينافيه لحمل ما لابن شعبان على ذكر لا يشغل عما يتعلق بالميت، وما في المدخل: على ما يشغل عن ذلك. انتهى. وما تقدم أنه يؤخذ من التعليل في الكافور أن الأرض التي لا تبلي أفضل من عكسها، هو للشَّيخ الأجهوري، قال الشيخ عبد الباقي: فيه أن مجرد الأخذ من شيء لا يثبت به حكم حتى يقال فيه خلافًا للشافعية. انتهى. والكافور نوع من الطيب شجرته عظيمة تظل أكثر من مائة فارس. قاله غير واحد. وفي القاموس: الكافور طيب معروف يكون من شجر من جبال الهند والصين يظل خلقًا كثيرا وتألفه النمورة، وخشبه أبيض هش يوجد في أجوافه الكافور؛ وهو أنواع، ولونها أحمر، وإنما بيض بالتصعيد. انتهى. ونشف؛ يعني أنه يستحب تنشيف الميت بعد غسله، وقبل تكفينه، وهل ينجس الثوب المنشف به أم لا؟ قولان لابن عبد الحكم، وسحنون. والراجح طهارته، ولو قلنا: إن ميتة الآدمي نجسة؛ قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الخرشي: اللخمي: وعلى قول ابن القاسم بنجاسة الميت ينجس ثوب التنشيف. ابن عرفة: ونقل الشيخ: لا يصلى به ولا بما أصابه من مائة، خلاف قولهم في الغسالة غير المتغيرة. انتهى. التونسي ولا يصلي به؛ يعني الثوب المنشف به حتى يغسل، وكذلك كل ما أصابه ماؤه. نقله الحطاب. واغتسال غاسله؛ يعني أنه يستحب لغاسل الميت أن يغتسل بعد فراغه من غسل الميت؛ وهو مذهب ابن القاسم. أبو محمد وقاله مالك في المختصر وروى عنه أنه رأى أن يغتسل وقال عليه أدركت الناس وقال ابن حبيب لا غسل عليه ولا وضوء وقاله جماعة من الصحابة والتابعين وقاله مالك قاله الشارح وقال غير واحد إن العلة في الاغتسال مخافة أن يتوقى ما يصيبه منه فلا يكاد يبالغ في أمره لتحفظه فإذا وطن نفسه على الغسل بالغ في تنظيفه فيكون تمكنه أكثر وليس المراد اغتساله كالجنابة بل المراد غسل جميع جسده للتنظيف فلا يحتاج لنية ولا دلك، وفي حاشية

стр. 1674

الشيخ محمد بن الحسن أن هذه العلة ذكرها الشارح وغيره، قال: وفي المسألة خلاف ذكره ابن رشد في البيان ونصه (١) بعد كلام فمن أوجب الغسل على الغاسل جعل أمر النبي ﷺ به كما في حديث أبي هريرة الذي جعله في الموطأ [من غسل ميتا فليغتسل (٢)] عبادة لا لعلة وحمله على مقتضاه من الوجوب ومن استحبه ولم يوجبه جعل أمر النبي به ﷺ لعلة واختلفوا ما هي، فمنهم من قال إنما أمره بالغسل ليبالغ في غسل الميت لأنه إذا غسل الميت موطناً نفسه على الغسل لم يبال بما ينتضح عليه منه فكان سببًا لمبالغته في غسله، ومنهم من قال: ليس معنى أمره بالغسل أن يغسل جميع بدنه كالجنابة وإنما معناه أن يغسل ما باشره أو انتضح عليه منه لأنه ينجس بالموت وإلى هذا ذهب ابن شعبان. انتهى. وما قاله ابن شعبان ظاهر. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: أن اغتسال الغاسل كالعلة الغائية وهي التي تحمل على العمل، ويتقدم تصورها عليه ذهنا، ويتأخر وجودها عنه في الخارج كالجلوس على السرير، فإن تصوره ذهنا مقدم على السرير، ويتأخر الجلوس بالفعل عليه في الخارج. قال الشاعر: نعم ما قال سادة الأول … أول الفكر آخر العمل قوله: "واغتسال غاسله"؛ يعني ولو حائضاً كما في الخرشي، وفيه أيضًا: وجد عندي ما نصه: واغتسال غاسله بأن يغسل جسده، ولا يغسل ثيابه للمشقة. وفي الأمير: واغتسال غاسله بعده للنظافة، والماء طاهر. ولما فرغ من مستحبات الغسل، شرع في مستحبات التكفين، فقال: وبياض الكفن؛ يعني أنه يستحب أن يكون كفن الميت أبيض، وقاله في الجواهر، والأصل في هذا قوله ﵊: (البسوا من ثيابكم البيض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم (٣)). قاله الشارح. وقوله: "وبياض الكفن"، قال الشبراخيتي: وأفضله الأبيض من القطن أو الكتان، والقطن أفضل

стр. 1675

من الكتان لأنه ﷺ كفن فيه، لا لكونه أستر، خلافًا للطخيخي. انتهى. وفي الحطاب عن الطراز: وما كان في الثوب من علم أو حاشية فلا يخرجه ذلك عن جنس ثياب البياض، والأحسن في ذلك التأسي بالنبي ﷺ ، إنما كفن في أثواب قطن لا حرير فيها، والكتان في معنى القطن، ولا يخرج عن هذين الجنسين، والقطن أفضل؛ لأنه أستر. انتهى. وقوله: لأنه أستر، فيه نظر؛ لأن من الكتان ما يكون أستر من القطن، والظاهر أن يقال؛ لأن النبي ﷺ كفن فيه، وفهم من كلامه أن التكفين في الصوف غير مطلوب. انتهى. البساطي: وكان الأحسن أن يقول: وللكفن بياض، كما قال: للغسل سدر، وفي كلام بعضهم أنه: عدل عن ذلك لعدم حسنه فيما عطف عليه؛ وهو قوله: وتجميره، وفيه شيء. قاله الشيخ الخرشي والشيخ عبد الباقي. وإتيان المصنف بمندوبات الكفن عقب مندوبات الغسل بديع في التَّرتيب، وعبارة الشيخ الأمير: وللكفن بياض وتجمير، (وقد كفن ﷺ في ثلاثة أثواب [بيض سحولية (١)] قطن بيض سحولية (٢))، ولم يثبت خصوص عدد غسله إلا الوترية، والسحولية بضم الحاء المهملة وبفتح السين وهو قول الأكثر وبضمها نسبة إلى سحول: مدينة في ناحية اليمن يحمل منها الثياب، فيقال لها: السحولية. وتجميره؛ يعني أن يستحب تجمير الكفن بالجيم؛ أي تبخيره وترا ثلاثًا أو خمسا أو سبعا بعود أو غيره مما يتبخر به، واستحبه بعضهم بعنبر، وقال الشيخ الأمير عاطفا على المندوبات: وتخمير بالخاء؛ أي جعل الثياب بعضها فوق بعض، ويدرج فيها لقوله في الحديث: (أدرج فيها إدراجا (٣)). ويندب التبخير أيضاً حال الغسل ليلاً يشم أنَّه رائحة كريهة، ويزاد في البخور عند عصر بطنه. وقوله: "وتجميره"؛ أي بأن تجعل الثياب على شيء عال كعيدان مثلاً يقرن رؤوسهن بخيط وتنصب وتركب عليها الثياب. وقوله: "وتجميره"، قال أشهب في المجموعة:

стр. 1676

يجمر وترا، وحكاه ابن حبيب عن النخعي، وعن ابن عمر: أنه كان يجمر ثيابه يوم الجمعة وترا، وأخذ ذلك بعض المحدثين من قوله ﷺ : (من استجمر فليوتر (١))، وإنما استحب أشهب إيتار التجمير لأن غسله وتر وكفنه وتر والتجمير يتعلق بذلك، فكان وترا. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وتجميره"، ضبطه البساطي بالخاء المعجمة، قال: والمراد منه أن تجعل الثياب بعضها فوق بعض، ويدرج فيها الميت، لقوله في الحديث: أدرج فيها. انتهى. وهو تصحيف ظاهر. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وعدم تأخره عن الغسل؛ يعني أنه يندب أن لا يؤخر التكفين، بل يدرج الميت في الكفن عقب التغسيل، وتأخر الكفن عن الغسل مكروه خوف التغير، والضمير في تأخره عائد على الكفن بمعنى التكفين؛ أي الإدراج في الكفن. والزيادة على الواحد؛ يعني أنه تندب الزيادة على الكفن الواحد، فتكفينه في أكثر من كفن واحد مندوب، فالواحد مفضول بالنسبة لجميع المراتب، والاثنان فيها مستحب واحد من حيث الزيادة على الواحد، والثلاثة والخمسة فيها مستحبان الزيادة على الواحد والوترية وكذا السبعة بالنسبة للمرأة. قال مالك في المجموعة: وإذا لم تجد المرأة إلا ثوبين كفنت فيهما، وكذلك من لم يبلغ من صبى وصبية. أشهب وسحنون: هذا فيمن راهق، وأما الصغير فالخرقة تكفيه. ولا يقضي بالزائد إن شح الوارث؛ يعني أنه لا يقضي على ورثة الميت بأن يكفن بما هو زائد في الصفة على ما يلبسه في جمعه وأعياده حيث شحوا؛ أي ضنوا بذلك الزائد، وأما الزائد على الواحد في العدد فيقضى به لثلاثة؛ أي يقضي للميت على الورثة والغرماء أن يكفن الميت في ثلاثة أثواب كما يلبسه في جمعه وأعياده، وحملت المصنف على هذا لأن ابن عرفة نقل أن الورثة والغرماء يجبرون على ثلاثة أثواب، وكذا نقل ابن يونس أيضًا: أن الرجل لا ينقص عن ثلاثة أثواب إن شح الوارث، وهذا الذي حملته عليه هو المعتمد، وأما تمشيته على ظاهره فهو قول اللخمي: ولا يقضي على الوارث بما زاد على الثوب الواحد إن شح؛ وهو خلاف الراجح. وقوله: إن شح الوارث، "مستغنى عنه بقوله: "ولا يقضى بالزائد": إلا أن يوصي يعني أن محلَّ عدم

стр. 1677

القضاء مع شح الوارث إنما هو حيث لم يوص الميت بأن يكفن في أزيد من واحد وإلا كفن في أزيد من واحد، تنفيذًا لغرض الموصي. وقال عبد الباقي: ولا يقضي بالزائد في الصفة حيث لم يوص الميت بأن يكفن بزائد في الصفة على ذلك. انتهى. وأما إن أوصى أن يكفن بزائد في الصفة على ما يلبسه في جمعه وأعياده، فإنه يقضي عليهم بذلك الزائد لكن إنما يقضي به في ثلثه؛ أي الميت الموصي، فإن لم يحمل الزائد الثُّلث لم يقض عليهم بما لم يحمله الثُّلث. وقوله: "إلا أن يوصي ففي ثلثه": خلاف الراجح، والراجح بطلان الوصيَّة؛ وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب؛ وهو الصواب. فإن قيل الوصيَّة التي يحملها الثُّلث نافذة، فالجواب أنها إنما تنفذ إذا كانت بقربة، وهذا غير قربة هنا فإن أوصى بما نقص عن ثلاثة كواحد لم يعمل بوصيته عند ابن يونس وابن رشد، وعمل بها عند بعضهم. وعليه فلو زاد بعض الورثة على وصيّته بواحد بغير إذن باقيهم لم يضمن؛ لأن على وارث الميت في الواحد وصما؛ أي عيبا؛ قاله سحنون. فإن أوصى بأنقص في الصفة، فقد قال ابن رشد: وتتبع وصيّته إن أوصى بشيء يسير في قيمة الأكفان دون أن ينقص في العدد من الثلاثة، وقال ابن شعبان: إن أوصى بشيء يسير في كفنه لم يكن لبعض الورثة زيادة من غير ممالأة من جميعهم. ابن رشد: يريد في صفته. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي الحطاب: عن سند عن سحنون في الذي يكون من الغرباء الذين لا يعرف لهم وارث: وترك شيئًا كالدينارين: فينبغي في مثل هذا اليسير أن يجعل كله في كفنه وحنوطه وقبره. انتهى. وظاهره أنه يصرف كله في ذلك وإن لم يوص به. انتهى. وقال الشيخ ميارة: قال ابن يونس: وجميع مؤن الميت في إقباره إلى أن يوارى من رأس المال، ويستحب له أن يوصي بأن يكفن في ثياب جمعته وإحرام حجة رجاء بركة ذلك، وقد أوصى سعد بن أبي وقاص أن يكفن في جبة صوف شهد بها بدراً. وهل الواجب ثوب يستره؛ يعني أنه اختلف فيما يجب في تكفين الرجل، فمن الشيوخ من ذهب إلى أن الواجب أن يكفن الميت في ثوب يستر جميع جسده. أو ستر العورة؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن الواجب من الكفن إنما هو ما يستر عورة الميت كالحي؛ أي ما بين السرة والركبة، وإذا قلنا بأن الواجب من الكفن ما يستر عورته، فالباقي من بدنه بعد العورة ستره سنة كما في التّقييد والتقسيم في ذلك خلاف، والأول هو المذهب؛ وهو ظاهر كلامهم، كما في

стр. 1678

التوضيح. قال الشيخ علي الأجهوري: هما قولان لم يشهرا، فكان على المصنف أن يقول: قولان. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: أصله قول ابن غازي سلم في التوضيح أن الأول ظاهر كلامهم، ونسب الثاني للتقييد والتقسيم، ومقتضى كلامه هنا أن الخلاف في التشهير. انتهى. وقال ابن عرفة: قال أبو عمر وابن رشد: الفرض من الكفن ساتر العورة، والزائد لستر غيرها سنة، وقال ابن بشير: أقله ثوب يستر كله. انتهى. وصرح ابن بشير بنفي الخلاف عنه، وأنَّه بخلاف الحي. وأعلم أنه قد مر قول المؤلف: والزيادة على الواحد عاطفا له على المندوب، وتقدم أنه يقضي بثلاثة أثواب، وقال هنا: وهل الواجب ثوب يستره أو ستر العورة؟ إلخ، وذكروا ما يشعر بأن الاقتصار على الواحد منهي عنه، فوقع في ذلك التَّدافع بحسب ظاهره، وتحرير ذلك ما ذكره الشيخ محمد بن الحسن بعد جلب نقول، ونصه: قال -يعني الرماصي-: فعلم منه أن ما يستره أو عورته حق لله -حسبما يأتي- لا يجوز تركه، والثلاثة حق للميت يقضي له بذلك على الورثة والغرماء عند التشاح. انتهى. فتبين أن الميت إن كانت له تركة تحمل ثلاثة أثواب، قضي له بها، ويجب على الورثة وغيرهم تكفينه فيها؛ لأن ذلك حق للميت في ماله، وهذا محل القضاء الذي ذكره، وإن لم يترك ما لا يكفن منه فالواجب على الناس لحق الله تعالى ثوب يستره أو عورته على الخلاف، ويستحب لهم الزيادة على الواحد، وهذا محل ما تقدم من استحباب الزيادة على الواحد، وما يأتي من قوله: "وهل الواجب ثوب يستره" إلخ. واندفع بذلك التعارض بين استحباب الزيادة والقضاء بها. والله الموفق. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. قاله عند قول المصنف: "ولا يقضي بالزائد". قال جامعه عفا الله عنه: تأمل هذا التحرير الرفيع والإيضاح البديع، فلله در هذا الرجل ما أدق نظره وما أحسن ما سطره. وفي التيسير عن مالك عن ابن عمرو بن العاص ﵄، قال: الميت يُقَمَّصُ ويؤَزَّرُ ويُلَف في الثوب الثالث، فإن لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه (١)). ووتره؛ يعني أنه يستحب في الأكفان أن تكون وترا ثلاثة أو خمسة، كالسبعة في حق المرأة، ولا يتناول كلامه

стр. 1679

الواحد، بدليل قوله: والاثنان على الواحد؛ يعني أن التكفين في ثوبين أفضل من التكفين في ثوب واحد، وقوله: "ووتره"، تكرار مع قوله: "كالكفن"، وقوله: "والاثنان على الواحد"، تكرار مع قوله: "والزيادة على الواحد"، إلا أن ما مر أعم. والله سبحانه أعلم. وفضل الاثنان على الواحد لأنهما أستر، وصرح الجزولي بكراهة الاقتصار على الواحد. قاله الإمام الحطاب. والثلاثة على الأربعة؛ يعني أن التكفين في ثلاثة أثواب أفضل من التكفين في أربعة أثواب، لحصول الستر، والوترية، والعلة تقتضي أن الثلاثة أفضل من الستة؛ وهو الظاهر. قاله الشيخ إبراهيم. والخمسة أفضل من الستة، وفي كلام المصنف إشعار بأن في الأربعة فضيلة بالنسبة للاثنين، وأولى للواحد. قاله الشيخ عبد الباقي. وتقميصه؛ يعني أنه يندب تقميص الميت بأن يجعل له قميص من جملة أكفانه. وتعميمه؛ يعني أنه يستحب تعميم الميت الذكر، ويجعل للمرأة مكان العمامة خمار، قال فيها: والشأن في الميت أن يعمم؛ مطرف: ويعمم تحت لحيته، ويترك منها قدر الذراع تطرح على وجهه، ويترك من خمار الميتة كذلك، كذا نقله في النوادر. قاله الشارح. والمراد بالشأن: المستحب. (وقد كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب ليس فيهن قميص ولا عمامة (١))، وهذا الحديث فهمه بعض الشافعية على نفيهما من أصلهما، وبعضهم على أنَّهما زائدان على الثلاثة. قاله الأمير. وعذبة فيها؛ أي في العمامة المدلول عليها بتعميمه؛ يعني أنه يستحب أن تكون في عمامة الميت عذبة بالذال المعجمة يغطى بها وجهه، وعذبة كل شيء طرفه، مطرف: يجعل من العمامة تحت حلقه كالحي، ويكون منها قدر الذراع يغطى بها وجهه، وكذلك يترك من خمار الميتة. وأكثر العذبة ذراع، وأوسطها شبر، وأقلها أربع أصابع. انتهى. وفي الشبراخيتي: ولا يختص استحباب العذبة بالميت؛ إذ الحي كذلك، وقال بعضهم: صارت العذبة اليوم شعار قوم يسمون الصوفية فلا ينبغي أن يتخذها إلا من يكون على طريقتهم، وإلا كان كاذباً. انتهى. وتحصل مما مر أن كل واحد من هذه الثلاثة مندوب مستقل، ونقل الشيخ محمد بن الحسن عن التوضيح أن المشهور من المذهب أن الميت يقمص ويعمم، قال: أما استحباب التعميم فهو في

стр. 1680

المدونة، وأما التقميص فتعقَّبه البساطي بقول ابن الحاجب: إنه مباح، ورواية يحيى بن يحيى: يستحب أن لا يقمص ولا يعمم، ورواية ابن القصار: كراهة التقميص عن مالك. نقله التتائي. وفيه: أن استحباب التقميص نقله المواق عن الواضحة. وأما قول المصنف: إنه المشهور من المذهب فهو في عهدته، لكن من حفظ حجة. انتهى. وأزرة؛ يعني أنه يستحب أن يجعل للميت إزرة في أكفانه، والأزرة بالضم عند الأكثر، وصوب الكسر المراد بها هنا: المئزر؛ وهو ما يستر من حقويه إلى أنصاف ساقيه، وتكون الأزرة تحت القميص، ولو جعل بدل الأزرة سراويل كان أستر، فالأزرة يحصل بها الندب، وكذا السراويل؛ وهو أستر. واعلم أن ما مر من أن الأزرة بالضم عند الأكثر إنما ذلك في الأزرة: بمعنى ما يؤتزر به كما هو المراد هنا، وأما إذا أريد بها الهيئة فبالكسر لا غير. ولفافتان بالكسر تثنية لفافة بكسر اللام. والمراد بها هنا الثوب الذي يدرج فيه الميت، قال في القاموس: اللفافة بالكسر ما يلف به على الرجل وغيرها، جمعه لفائف؛ يعني أنه يستحب في حق الرجل لفافتان تتم بهما أثوابه الخمسة التي هي: قميص، وعمامة، وأزرة، أو سراويل، ولفافتان يدرج فيهما، وتجعل العليا أوسع من السفلى. وفي التيسير: عن أبي داود عن ليلى الثقفية ﵂، قالت: (كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ عند الباب معه كفنها يناولنا ثوباً ثوباً، فأول ما أعطانا الحقو، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت في ثوب آخر (١)). والحقو: الإزار. والسبع للمرءة؛ يعني أنه يستحب في أكفان المرأة أن تكون سبعة الخمسة المتقدمة في الرجل إلا أنه يجعل بدل العمامة خمار -كما مر- وتزاد لفافتان فأكفانها قميص وخمار، وتجعل منه عذبة يغطى به وجهها، وأزرة أو سراويل، وأربع لفائف، ولا يحسب في شيء من ذلك الخرق والعصائب التي تشد على الوجه والوسط وغيرهما، وتبسط اللفائف ويجعل أسفلها؛ أي الموالي للأرض أحسنها؛ لأن أحسن ثياب الحي يكون ظاهرها، ثم يعطف الثوب الذي يلي جسد الميت بضم الأيسر إلى الأيمن، ثم الأيمن إلى الأيسر، كما يلتحف في حياته يفعل هكذا في كل ثوب، ولا

стр. 1681

تخاط اللفائف إجماعاً، خلافًا لابن شعبان. أشهب: يشد الكفن من عند رأسه ورجليه ثم يحل ذلك في القبر، وإن ترك عقده فلا بأس ما لم تنتثر أكفانه. انتهى. وقد مر قريبًا أنه يشد في الوسط. وحنوط داخل كل لفافة؛ يعني أنه يستحب في الميت حنوط يجعل داخل كل لفافة يذر عليها، والحنوط بفتح الحاء كصبور وحناط كركاب: ما يطيب به الميت. وعلى قطن؛ يعني أنه يذر من الحنوط على قطن، وإذا ذر عليه فإنه، يلصق؛ أي ذاك القطن الذي ذر عليه الحنوط. بمنافذه؛ أي الميت بذال معجمة، عينيه، وأذنيه، وأنفه، وفمه، ومخرجي الذكر، ومخرجي الأنثى. وعبر بقوله: "يلصق"؛ لأنه لا يدخل في المنافذ. ففي التوضيح: الحذر الحذر مما يفعله بعض الجهلة من إدخال القطن داخل دبره، وكذلك يحشون أنفه وفمه، وذلك لا يجوز، ولا ينافيه قول سحنون: يسد دبره بقطن فيه ذريرة، وقول ابن حبيب: تسد أذناه ومنخراه بقطن بكافور؛ إذ لا يلزم من السد الإدخال. قاله الشيخ إبراهيم. والكافور فيه؛ يعني أنه يندب الكافور في الحنوط؛ أي يندب كون الحنوط كافورا كما في المدونة وغيرها، وليس معناه ما هو ظاهره، وعليه قرره التتائي: أنه يندب جعل الكافور في الحنوط، فلو قال: وحنوط وكونه كافورا داخل كل لفافة إلخ، كان أولى. وفي الشارح: وإذا فرغ الغاسل من غسله ذر على لفافته حنوطا، ويوضع الميت عليها، ويجعل قطن عليه كافور على المنافذ، ثم يلف الكفن عليه بعد أن يبخر. المازري: ومواضع الحنوط خمسة: [على (١)] ظاهر الجسد، وبين الأكفان، ومساجده السبعة: الجبهة، والأنف، واليدين؛ أي الكفين، والركبتين، وأطراف أصابع الرجلين، وهذا معنى قوله: وفي مساجده، ويكون الحنوط في المساجد من غير قطن، والاثنان الباقيان من كلام المازري: المنافذ والمغابن؛ أي المراق. وحواسه؛ يعني أنه يذر الحنوط على قطن يلصق في محل حواس الميت الأذنين، والعينين، والفم، والأنف، وهي أخص من المنافذ لشمول الأول للمخرجين، فلو اقتصر على الأول لكفى، ولا تدخل هنا حاسة اللمس، والحواس خمس: حاسة السمع، وحاسة البصر، وحاسة الشم، وحاسة الذوق، وحاسة اللمس، ومراقه؛ بفتح الميم وشد القاف: ما رق من جلده؛

стр. 1682

يعني أن الحنوط يجعل أيضًا في مراق الميت من غير قطن، كإبطيه ومرفقيه، وعكن بطنه، ومرجع ركبتيه. أبو عمر: وجميع جسده إن أكثر الحنوط، فإن ضاق الطيب، فالمساجد. قاله الخرشي. ومن المراق: الرفغان تثنية رفغ بضم الراء وفتحها، باطن الفخذ؛ وقيل: ما بين الذكر والدبر، ومنها ما خلف الأذنين، وما تحت الحلق والسرة وقعر القدمين، وما بين الفخذين. وإنما اختصت هذه المواضع بالحنوط على الوجه المذكور مع تعميم غسل جسده بالكافور لما فيها من إسراع التغير لها دون غيرها من باقي الجسد. وبما قررت علم أن الحنوط يجعل في مساجده ومراقه من غير قطن، وبقطن في حواسه، وما بقي من منافذه. وإن محرما؛ يعني أنه يطلب تحنيط الميت بكلِّ نوع من أنواع الطيب، وإن كان الميت قد مات محرماً بحج أو عمرة. ومعتدة؛ يعني أنه يطلب تحنيط الميت بكلِّ نوع من أنواع الطيب وإن كان هذا الميت معتدة من وفاة. وحاصل ما أشار إليه أن الإحرام والإحداد لا يمنعان من تطييب الميت الذي مات، وهو متصف بهما لانقطاع التكليف بالموت، وفي شرح عبد الباقي عند قوله: "وإن محرما ومعتدة"، للعمل، وهو مقدم عند مالك على خبر الآحاد وإن صح. ولا يتولياه، ضمير التثنية يرجع للمحرم والمعتدة، لكن هما ميتان في الأولى وحيان في الثانية، ففيه استخدام، ونظيره قول الشاعر: وللغَزَالَةِ شيء من تَلَفُّتِه … ونُورُها من ضِيَا خديه مكتسَب ومعنى كلام المصنف أن المحرم والمعتدة من وفاة إذا كانا حيين لا يتوليان تحنيط الميت لبقاء التكليف، ولو كان الميت زوج المعتدة؛ لأنها حاد، بل تغسله وتكفنه فقط، ويحنطه غيرها، وهذا إن لم تكن وضعت بعد موته، وأما إن وضعت بعد موته فتمسه وتحنطه وقوله: "ولا يتولياه"، محله أيضًا إن كان هناك من يتولى تحنيط الميت غيرهما وإلا حنطاه، واحتالا واحتاطا بعود أو غيره في عدم المس فإن لم يمكن عدم المس، مسته المعتدة دون المحرم. قاله الشبراخيتي. وذهب الشافعي إلى أن الميت إذا مات محرماً لا يطيب، لما رواه الخمسة: (أن رجلا وقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال ﵊: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا

стр. 1683

تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا (١)). رواه في التيسير. ومعنى وقصته: ألقته عن ظهرها فوقع على الأرض واندقت عنقه، والتخمير التغطية، والحديث مع الشافعي لأن النهي عن مس الطيب إنما هو لكونه محرماً، والجواب ما تقدم من أن الإمام مالكًا استند للعمل وهو عنده مقدم على خبر الآحاد. تنبيهات: الأول: قال في المدخل: فإذا فرغ من غسله فأول شيء يفعله أن يأخذ قطنة ويجعل عليها شيئًا من الكافور أو غيره من الطيب، والكافور أحسن لأنه يردع المواد فيجعلها أي القطنة المذكورة على فمه، ثم يأخذ قطنة أخرى فيفعل فيها ما تقدم ويسد بها أنفه، ثم أخرى من الناحية الأخرى ويرسلها في أنفه قليلًا، ثم يأخذ خرقة فيشدها على الفم والأنف، ثم يعقدها من خلف عنقه عقدا وثيقاً فتبقى كأنها اللثام، ثم يجعل على عينيه وأذنيه خرقة ثانية بعد وضع القطن مع الكافور على عينيه وأذنيه ويعقدها عقدا جيداً فتصير كالعصابة، ثم يأخذ خرقة ثالثة فيشد بها وسطه، ثم يأخذ خرقة رابعة فيعقدها في هذه الخرقة المشدود بها وسطه، ثم يلحمه بها بعد أن يأخذ قطنة ويجعل عليها شيئًا من الطيب والكافور -وهو أحسن لأنه يشد العضو ويسده- فيجعلها على باب الدبر ويرسل ذلك قليلًا برفق، ويزيد للمرأة سد القبل بقطنة أخرى، ويفعل فيه كما تقدم في الدبر سواء ثم يلحم عليه بالخرقة المذكورة ثم يربطها ربطا وثيقاً، وليحذر مما يفعلونه من إدخالهم في دبره، قلنا: وكذلك في حلقه وأنفه لما في ذلك من مخالفة السنة وإخراق حرمة الميت، ثم يأخذ في تكفينه فيشد على وسطه مئزرا، أو يلبسه سراويل وهو أستر له، ثم يلبسه القميص، ثم يعممه فيجعل له من العمامة ذؤابة وتحنيكا إلا أنها هنا لا ترخى بل يشد ذلك عليه ويستوثق في عقده ليلاً يسترخي من ذقنه وينفتح فوه، ثم يعممه بباقي العمامة ويشدها شدا وثيقاً، ثم يبسط الذؤابة على وجهه فيستر وجهه بها، ثم ينقله إلى موضع الكفن فيجعله عليه ويحنطه. ومواضع الحنوط خمس: الأول: ظاهر جسد الميت، الثاني: بين أكفانه ولا يجعل على ظاهر الكفن، الثالث: المساجد السبعة؛ وهي الجبهة والأنف والكفان مع الأصابع والركبتان وأطراف

стр. 1684

أصابع الرجلين. الرابع: المنافذ المتقدم ذكرها، الخامس: الأرفاغ؛ وهي مغابن الجسد خلف أذنيه وتحت حلقه وإبطيه وفي سرته وفيما بين فخذيه وأسافل ركبتيه وقعر قدميه وذلك بحسب ما يكون معه من الطيب، فإن قل عن استيعاب ذلك فيقتصر على الأرفاغ والمساجد السبعة المتقدم ذكرها، ثم يأخذ طرف أحد كميه فيربطه بطرف الكم الآخر ربطا وثيقاً، ثم يأخذ خرقة طويلة فيربطها في موضع رباط الكمين، ثم يمدها إلى إبهامي رجليه فيربطها فيهما ربطا جيدا وثيقا ليلاً تتحرك أطرافه وتتفرق، هذا إذا لبس القميص. وأما إن أدرج فلا حاجة إلى فعل ذلك، ثم يربط الكفن من عند رأسه وعند رجليه ربطا وثيقاً، ثم يأخذ في نقله وإخراجه من البيت إلى النعش وذلك كله برفق وحسن سمت ووقار. انتهى. قاله الحطاب. الثاني: قال في النوادر: ومن الواضحة ونحوه لأشهب في المجموعة: فإذا فرغت من غسل الميت نشفت بلله بثوب وعورته مستورة، وقد أجمرت ثيابه قبل ذلك وترا، وإن أجمرتها شفعا فلا حرج، ثم تبسط الثوب الأعلى، قال أشهب: اللفافة التي هي أوسع أكفانه، ثم الأوسع فالأوسع من باقيها، قال ابن حبيب: فيذر على الأول من الحنوط ثم على الذي يليه هكذا إلى الذي يلي جسد الميت فيذر عليه أيضًا، ثم ذكر صفة جعل الحنوط في مساجده ومسامه ومراقه، ثم قال: ثم يعطف الثوب الذي يلي جسده ويضم الأيسر إلى الأيمن ثم الأيمن عليه كما يلتحف الحي، وإن عطفت الأيمن أولاً فلا بأس، ويفعل هكذا في كل ثوب، ويجعل عليه الحنوط إلا الثوب الأخير فلا يجعل على ظاهره حنوط. انتهى المراد منه. نقله الإمام الحطاب. الثالث: أعلم يا أخي أنك ميت، وأنك ستصير إلى ما صار إليه من تقدم من أسلافك، كما قال الشاعر: فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب … لعلك تهديك القرون الأوائل فسبحان من أسكنهم بعد ما حركهم، وسبحان من أسكتهم بعدما أنطقهم، وسبحان من صيرهم عظاما نخرة من بعد ما كانت أبدانهم بهجة نضرة، وسبحان من أوحشهم بعد ما أنسهم. ومشي مشيع؛ يعني أنه يندب لمشيع الجنازة أي الذاهب معها لمحل صلاة أو دفن أو لهما أن يمشي

стр. 1685

على رجليه، ويكره له الركوب، وجاز أن يرجع راكبًا بعد الدفن، لخبر أبي داود: (أنه ﵊ أتي بدابة ليركبها فأبى، ثم لما انصرف أتي بدابة فركبها (١))، وفي التيسير عن أبي داود والترمذي عن ثوبان ﵁، قال: (خرج رسول الله ﷺ في جنازة فرأى ناساً ركبانا، فقال: ألا تستحيون؟ إن ملائكة الله تعالى على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب (٢))، وروى أيضًا عن الخمسة إلا البخاري عن جابر بن سمرة ﵁، قال: (اتبع رسول الله ﷺ جنازة أبي الدحداح ماشيا ورجع على فرسه (٣))، وقوله: "مشيع"، بالكسر، قال، مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: الظاهر أنه وصفه باسم مفعوله المشيع بالفتح؛ بمعنى الملحق بمن تقدمه لا المشيع بالفتح بمعنى المتبوع. والله سبحانه أعلم. وفي الحديث: (نهى النبي ﷺ عن المشيعة في الأضاحي بالفتح؛ أي التي تحتاج إلى من يشيعها (٤))، أي يتبعها الغنم لضعفها، وبالكسر وهي التي تشيع الغنم أي تتبعها. والله سبحانه. أعلم وإسراعه؛ أي عجلته في ذهابه؛ يعني أنه يندب إسراع المشيع حاملا للجنازة أم لا بلا خبب إن لم يخف بعدم الخبب تغير، وإلا كان الخبب أولى بل يجب إن غلب على الظن التغير بعدمه، وندب إسراع المشيع لخبر أبي هريرة: (أسرعوا بجنائزكم فإنما هو خير تقدمونها إليه أو شر تضعونه عن رقابكم (٥))، وروى الطبراني في الكبير والبيهقي عنه ﵊ أنه، قال: (عليكم بالسكينة عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم (٦))، فالمراد بالإسراع: ما فوق المشي المعتاد، ودون الخبب وهذا هو المراد بالقصد في حديث الطبراني والبيهقي، فلا منافاة بين الحديثين، وليس المراد بالإسراع ما يشمل الخبب لأن في شموله للخبب منافاة لحديث الطبراني والبيهقي؛ ولأن فيه إضرارا بالميت وإضرارا بالمشيعين. وفي المدخل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: السنة في المشي بالجنازة أن يكون كالشاب المسرع في حاجته. انتهى. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.
следующие страницы →