تخاط اللفائف إجماعاً، خلافًا لابن شعبان. أشهب: يشد الكفن من عند رأسه ورجليه ثم يحل ذلك في القبر، وإن ترك عقده فلا بأس ما لم تنتثر أكفانه. انتهى. وقد مر قريبًا أنه يشد في الوسط.
وحنوط داخل كل لفافة؛ يعني أنه يستحب في الميت حنوط يجعل داخل كل لفافة يذر عليها، والحنوط بفتح الحاء كصبور وحناط كركاب: ما يطيب به الميت. وعلى قطن؛ يعني أنه يذر من الحنوط على قطن، وإذا ذر عليه فإنه، يلصق؛ أي ذاك القطن الذي ذر عليه الحنوط. بمنافذه؛ أي الميت بذال معجمة، عينيه، وأذنيه، وأنفه، وفمه، ومخرجي الذكر، ومخرجي الأنثى. وعبر بقوله: "يلصق"؛ لأنه لا يدخل في المنافذ. ففي التوضيح: الحذر الحذر مما يفعله بعض الجهلة من إدخال القطن داخل دبره، وكذلك يحشون أنفه وفمه، وذلك لا يجوز، ولا ينافيه قول سحنون: يسد دبره بقطن فيه ذريرة، وقول ابن حبيب: تسد أذناه ومنخراه بقطن بكافور؛ إذ لا يلزم من السد الإدخال. قاله الشيخ إبراهيم. والكافور فيه؛ يعني أنه يندب الكافور في الحنوط؛ أي يندب كون الحنوط كافورا كما في المدونة وغيرها، وليس معناه ما هو ظاهره، وعليه قرره التتائي: أنه يندب جعل الكافور في الحنوط، فلو قال: وحنوط وكونه كافورا داخل كل لفافة إلخ، كان أولى. وفي الشارح: وإذا فرغ الغاسل من غسله ذر على لفافته حنوطا، ويوضع الميت عليها، ويجعل قطن عليه كافور على المنافذ، ثم يلف الكفن عليه بعد أن يبخر. المازري: ومواضع الحنوط خمسة: [على (١)] ظاهر الجسد، وبين الأكفان، ومساجده السبعة: الجبهة، والأنف، واليدين؛ أي الكفين، والركبتين، وأطراف أصابع الرجلين، وهذا معنى قوله: وفي مساجده، ويكون الحنوط في المساجد من غير قطن، والاثنان الباقيان من كلام المازري: المنافذ والمغابن؛ أي المراق. وحواسه؛ يعني أنه يذر الحنوط على قطن يلصق في محل حواس الميت الأذنين، والعينين، والفم، والأنف، وهي أخص من المنافذ لشمول الأول للمخرجين، فلو اقتصر على الأول لكفى، ولا تدخل هنا حاسة اللمس، والحواس خمس: حاسة السمع، وحاسة البصر، وحاسة الشم، وحاسة الذوق، وحاسة اللمس، ومراقه؛ بفتح الميم وشد القاف: ما رق من جلده؛
стр. 1682
يعني أن الحنوط يجعل أيضًا في مراق الميت من غير قطن، كإبطيه ومرفقيه، وعكن بطنه، ومرجع ركبتيه. أبو عمر: وجميع جسده إن أكثر الحنوط، فإن ضاق الطيب، فالمساجد. قاله الخرشي. ومن المراق: الرفغان تثنية رفغ بضم الراء وفتحها، باطن الفخذ؛ وقيل: ما بين الذكر والدبر، ومنها ما خلف الأذنين، وما تحت الحلق والسرة وقعر القدمين، وما بين الفخذين. وإنما اختصت هذه المواضع بالحنوط على الوجه المذكور مع تعميم غسل جسده بالكافور لما فيها من إسراع التغير لها دون غيرها من باقي الجسد.
وبما قررت علم أن الحنوط يجعل في مساجده ومراقه من غير قطن، وبقطن في حواسه، وما بقي من منافذه. وإن محرما؛ يعني أنه يطلب تحنيط الميت بكلِّ نوع من أنواع الطيب، وإن كان الميت قد مات محرماً بحج أو عمرة. ومعتدة؛ يعني أنه يطلب تحنيط الميت بكلِّ نوع من أنواع الطيب وإن كان هذا الميت معتدة من وفاة.
وحاصل ما أشار إليه أن الإحرام والإحداد لا يمنعان من تطييب الميت الذي مات، وهو متصف بهما لانقطاع التكليف بالموت، وفي شرح عبد الباقي عند قوله: "وإن محرما ومعتدة"، للعمل، وهو مقدم عند مالك على خبر الآحاد وإن صح. ولا يتولياه، ضمير التثنية يرجع للمحرم والمعتدة، لكن هما ميتان في الأولى وحيان في الثانية، ففيه استخدام، ونظيره قول الشاعر:
وللغَزَالَةِ شيء من تَلَفُّتِه … ونُورُها من ضِيَا خديه مكتسَب
ومعنى كلام المصنف أن المحرم والمعتدة من وفاة إذا كانا حيين لا يتوليان تحنيط الميت لبقاء التكليف، ولو كان الميت زوج المعتدة؛ لأنها حاد، بل تغسله وتكفنه فقط، ويحنطه غيرها، وهذا إن لم تكن وضعت بعد موته، وأما إن وضعت بعد موته فتمسه وتحنطه وقوله: "ولا يتولياه"، محله أيضًا إن كان هناك من يتولى تحنيط الميت غيرهما وإلا حنطاه، واحتالا واحتاطا بعود أو غيره في عدم المس فإن لم يمكن عدم المس، مسته المعتدة دون المحرم. قاله الشبراخيتي. وذهب الشافعي إلى أن الميت إذا مات محرماً لا يطيب، لما رواه الخمسة: (أن رجلا وقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال ﵊: اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا
стр. 1683
تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا (١)). رواه في التيسير. ومعنى وقصته: ألقته عن ظهرها فوقع على الأرض واندقت عنقه، والتخمير التغطية، والحديث مع الشافعي لأن النهي عن مس الطيب إنما هو لكونه محرماً، والجواب ما تقدم من أن الإمام مالكًا استند للعمل وهو عنده مقدم على خبر الآحاد.
تنبيهات: الأول: قال في المدخل: فإذا فرغ من غسله فأول شيء يفعله أن يأخذ قطنة ويجعل عليها شيئًا من الكافور أو غيره من الطيب، والكافور أحسن لأنه يردع المواد فيجعلها أي القطنة المذكورة على فمه، ثم يأخذ قطنة أخرى فيفعل فيها ما تقدم ويسد بها أنفه، ثم أخرى من الناحية الأخرى ويرسلها في أنفه قليلًا، ثم يأخذ خرقة فيشدها على الفم والأنف، ثم يعقدها من خلف عنقه عقدا وثيقاً فتبقى كأنها اللثام، ثم يجعل على عينيه وأذنيه خرقة ثانية بعد وضع القطن مع الكافور على عينيه وأذنيه ويعقدها عقدا جيداً فتصير كالعصابة، ثم يأخذ خرقة ثالثة فيشد بها وسطه، ثم يأخذ خرقة رابعة فيعقدها في هذه الخرقة المشدود بها وسطه، ثم يلحمه بها بعد أن يأخذ قطنة ويجعل عليها شيئًا من الطيب والكافور -وهو أحسن لأنه يشد العضو ويسده- فيجعلها على باب الدبر ويرسل ذلك قليلًا برفق، ويزيد للمرأة سد القبل بقطنة أخرى، ويفعل فيه كما تقدم في الدبر سواء ثم يلحم عليه بالخرقة المذكورة ثم يربطها ربطا وثيقاً، وليحذر مما يفعلونه من إدخالهم في دبره، قلنا: وكذلك في حلقه وأنفه لما في ذلك من مخالفة السنة وإخراق حرمة الميت، ثم يأخذ في تكفينه فيشد على وسطه مئزرا، أو يلبسه سراويل وهو أستر له، ثم يلبسه القميص، ثم يعممه فيجعل له من العمامة ذؤابة وتحنيكا إلا أنها هنا لا ترخى بل يشد ذلك عليه ويستوثق في عقده ليلاً يسترخي من ذقنه وينفتح فوه، ثم يعممه بباقي العمامة ويشدها شدا وثيقاً، ثم يبسط الذؤابة على وجهه فيستر وجهه بها، ثم ينقله إلى موضع الكفن فيجعله عليه ويحنطه.
ومواضع الحنوط خمس: الأول: ظاهر جسد الميت، الثاني: بين أكفانه ولا يجعل على ظاهر الكفن، الثالث: المساجد السبعة؛ وهي الجبهة والأنف والكفان مع الأصابع والركبتان وأطراف
стр. 1684
أصابع الرجلين. الرابع: المنافذ المتقدم ذكرها، الخامس: الأرفاغ؛ وهي مغابن الجسد خلف أذنيه وتحت حلقه وإبطيه وفي سرته وفيما بين فخذيه وأسافل ركبتيه وقعر قدميه وذلك بحسب ما يكون معه من الطيب، فإن قل عن استيعاب ذلك فيقتصر على الأرفاغ والمساجد السبعة المتقدم ذكرها، ثم يأخذ طرف أحد كميه فيربطه بطرف الكم الآخر ربطا وثيقاً، ثم يأخذ خرقة طويلة فيربطها في موضع رباط الكمين، ثم يمدها إلى إبهامي رجليه فيربطها فيهما ربطا جيدا وثيقا ليلاً تتحرك أطرافه وتتفرق، هذا إذا لبس القميص. وأما إن أدرج فلا حاجة إلى فعل ذلك، ثم يربط الكفن من عند رأسه وعند رجليه ربطا وثيقاً، ثم يأخذ في نقله وإخراجه من البيت إلى النعش وذلك كله برفق وحسن سمت ووقار. انتهى. قاله الحطاب.
الثاني: قال في النوادر: ومن الواضحة ونحوه لأشهب في المجموعة: فإذا فرغت من غسل الميت نشفت بلله بثوب وعورته مستورة، وقد أجمرت ثيابه قبل ذلك وترا، وإن أجمرتها شفعا فلا حرج، ثم تبسط الثوب الأعلى، قال أشهب: اللفافة التي هي أوسع أكفانه، ثم الأوسع فالأوسع من باقيها، قال ابن حبيب: فيذر على الأول من الحنوط ثم على الذي يليه هكذا إلى الذي يلي جسد الميت فيذر عليه أيضًا، ثم ذكر صفة جعل الحنوط في مساجده ومسامه ومراقه، ثم قال: ثم يعطف الثوب الذي يلي جسده ويضم الأيسر إلى الأيمن ثم الأيمن عليه كما يلتحف الحي، وإن عطفت الأيمن أولاً فلا بأس، ويفعل هكذا في كل ثوب، ويجعل عليه الحنوط إلا الثوب الأخير فلا يجعل على ظاهره حنوط. انتهى المراد منه. نقله الإمام الحطاب.
الثالث: أعلم يا أخي أنك ميت، وأنك ستصير إلى ما صار إليه من تقدم من أسلافك، كما قال الشاعر:
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب … لعلك تهديك القرون الأوائل
فسبحان من أسكنهم بعد ما حركهم، وسبحان من أسكتهم بعدما أنطقهم، وسبحان من صيرهم عظاما نخرة من بعد ما كانت أبدانهم بهجة نضرة، وسبحان من أوحشهم بعد ما أنسهم. ومشي مشيع؛ يعني أنه يندب لمشيع الجنازة أي الذاهب معها لمحل صلاة أو دفن أو لهما أن يمشي
стр. 1685
على رجليه، ويكره له الركوب، وجاز أن يرجع راكبًا بعد الدفن، لخبر أبي داود: (أنه ﵊ أتي بدابة ليركبها فأبى، ثم لما انصرف أتي بدابة فركبها (١))، وفي التيسير عن أبي داود والترمذي عن ثوبان ﵁، قال: (خرج رسول الله ﷺ في جنازة فرأى ناساً ركبانا، فقال: ألا تستحيون؟ إن ملائكة الله تعالى على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب (٢))، وروى أيضًا عن الخمسة إلا البخاري عن جابر بن سمرة ﵁، قال: (اتبع رسول الله ﷺ جنازة أبي الدحداح ماشيا ورجع على فرسه (٣))، وقوله: "مشيع"، بالكسر، قال، مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: الظاهر أنه وصفه باسم مفعوله المشيع بالفتح؛ بمعنى الملحق بمن تقدمه لا المشيع بالفتح بمعنى المتبوع. والله سبحانه أعلم. وفي الحديث: (نهى النبي ﷺ عن المشيعة في الأضاحي بالفتح؛ أي التي تحتاج إلى من يشيعها (٤))، أي يتبعها الغنم لضعفها، وبالكسر وهي التي تشيع الغنم أي تتبعها. والله سبحانه. أعلم وإسراعه؛ أي عجلته في ذهابه؛ يعني أنه يندب إسراع المشيع حاملا للجنازة أم لا بلا خبب إن لم يخف بعدم الخبب تغير، وإلا كان الخبب أولى بل يجب إن غلب على الظن التغير بعدمه، وندب إسراع المشيع لخبر أبي هريرة: (أسرعوا بجنائزكم فإنما هو خير تقدمونها إليه أو شر تضعونه عن رقابكم (٥))، وروى الطبراني في الكبير والبيهقي عنه ﵊ أنه، قال: (عليكم بالسكينة عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم (٦))، فالمراد بالإسراع: ما فوق المشي المعتاد، ودون الخبب وهذا هو المراد بالقصد في حديث الطبراني والبيهقي، فلا منافاة بين الحديثين، وليس المراد بالإسراع ما يشمل الخبب لأن في شموله للخبب منافاة لحديث الطبراني والبيهقي؛ ولأن فيه إضرارا بالميت وإضرارا بالمشيعين. وفي المدخل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: السنة في المشي بالجنازة أن يكون كالشاب المسرع في حاجته. انتهى. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب.
стр. 1686
وتقدمه؛ يعني أنه يندب تقدم المشيع للجنازة الماشي بأن يمشي أمام الجنازة؛ لأنه شفيع وحق الشفيع أن يتقدم، ولا يكره للمشيع الماشي أن يمشي خلف الجنازة، كما في الحطاب عن الطراز، ونظيره من قدر أن يجلس في الصلاة في الصف الأول فلم يفعل وجلس في غيره فإنه جائز، والأول أفضل، وفي التيسير عن الترمذي عن أنس ﵁، قال: (كان رسول الله ﷺ يمشي أمام الجنازة وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ (١))، وفيه أيضًا عن أصحاب السنن عن ابن عمر ﵄، قال: (رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة (٢))، وإذا مشى المشيع وأسرع وتقدم أمام الجنازة، حصل له ثلاث فضائل. قال الإمام مالك: المشي أمامها هو السنة، زاد ابن شهاب: خلفها من خطإ السنة، وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل. وليس من شروط صحة صلاتها تقدم الميت على المصلي، بل شرط كمال فيكره لمنفرد أو إمام أو مأموم تقدمه عليها، فإن تقدم المأموم عليها وعلى إمامه المتأخر عنها فقد فعل مكروهين: تقدمه على الإمام وتقدمه على الجنازة، كما يستفاد من كلام الحطاب عن المدخل. قاله الشيخ إبراهيم.
وتأخر راكب؛ يعني أنه يندب للراكب المشيع للجنازة أن يتأخر حتى عن الجنازة؛ لأنه خالف شرعه، فحقه أن يتأخر، وقد تقدم أنه يكره ركوب المشيع. الشبراخيتي: يندب تأخر الراكب ليخفف عن الناس، ولخبر أبي داود: (الراكب يمشي خلف الجنازة (٣)). ابن شعبان: ولأنَّه خالف السنة فلم يكن له أن يماشي من هو على السنة، فإن تأخر الراكب حصل له فضيلتان، وإن تقدم حصل له فضيلة التشييع. وامرأة؛ يعني أنه يندب تأخر المرأة المشيعة للميت حتى عن الراكب فيتقدم عليها، فتتأخر عن الجنازة والماشي والراكب، وعبارة الشبراخيتي: وامرأة عن الجميع. انتهى. وسترها؛ أي المرأة الميتة، والمتقدمة بلصقه حية، ففيه استخدام، كقول الشاعر:
إني على صافن آتيك مدرعا … بالسيف أقطعه ساقا من الشجر
стр. 1687
بقية، تقال للبناء المعروف، والمراد بها هنا ما يشاكله من حيث إنه يستر المرأة؛ يعني أنه يندب ستر المرأة الميتة بقبة تجعل على ظهر النعش؛ لأنه أبلغ في الستر، ولا بأس بذلك في نعش رجل، لكن فعله بالرجل يلبس على المصلي، وأول من فعل به ذلك فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، كما قال الواقدي وهو الصحيح؛ لأنها شكت لأسماء بنت عميس، وقالت: إن المرض أنحل جسمي ولا أحب أن يرى الناس شخصي، فقالت أسماء: إني رأيت شيئًا يفعل بالحبشة فلا يرى شخص المرأة، فأحبت فاطمة رؤية ذلك، فذهبت أسماء إلى البقيع وأتت بجريدة وشقتها نصفين ورشقت طرفي نصفها بالأرض ثم تباعدت قليلًا، وفعلت كذلك بالآخرين وألقت عليها ثوباً، فأمرتها فاطمة بفعل ذلك لها، وقيل: أول من فعل بها ذلك زينب بنت جحش، وسئل أحمد بن الحسن القاضي لم خصت المرأة بذلك وهي في حياتها لا يلزم إخفاء شخصها بل يستر جسدها؟ فقال: علة ذلك أنها لما حملت على الأعناق وتعين شخصها زيد في سترها حتى لا يعلم طولها من قصرها ولا سمنها من هزالها، وأجاب أبو عمران: بأنها لا تملك من أمرها شيئًا فجعل لها أتم الستر. قاله الشيخ إبراهيم. وفي الشارح عند قوله. "وسترها بقبة": أي ومما يستحب أن يجعل على المرأة إذا جعلت في النعش قبة تسترها عن أعين الناس. ابن القاسم في العتبية: سواء كانت في حضر أو سفر، وقد صنع بزينب ذلك واستحسنه عمر ﵁؛ وهي أول من فعل بها ذلك. قاله مالك. وقال الواقدي: أول من فعل بها ذلك فاطمة بنت رسول الله ﷺ . انتهى. قال الشيخ عبد الباقي: وبينهما يسير مع تأخر زينب ﵄، وفي المواق عن ابن حبيب: لا بأس أن يجعل على النعش للمرأة البكر أو الثيب إشاح ورداء الوشي ما لم يجعل مثل الأخمرة الملونة فلا أحبه، ولا بأس أن يستر الكفن بثوب ساج، وفي النوادر: ويستر قبرها بثوب، وكذلك فعل بزينب بنت جحش ﵂، وهي أول من مات من أزواج النبي ﷺ . أشهب: وما أكره أن يستر القبر في دفن الرجال، وأما المرأة فهو الذي ينبغي. وفي العتبية: وستر المرأة بثوب مما ينبغي. قاله الإمام الحطاب.
ورفع اليدين بأولى التَّكبير؛ يعني أنه يستحب رفع اليدين عند التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة، وقوله: "فقط"، معناه دون غيرها من باقي التَّكبير، فالرفع فيه خلاف الأولى، وسواء في ذلك
стр. 1688
الإمام والمأموم والمنفرد، وما مشى عليه المصنف نحوه في المدونة، وعن مالك أنه: يعجبه الرفع في كل تكبيرة، وروي عن ابن القاسم أنه لا يرفع في شيء منها، وفي سماع أشهب: إن شاء رفع بعد الأولى، وإن شاء ترك. فتلك أربعة أقوال.
وابتداء بحمد؛ يعني أنه يستحب للمصلي على الجنازة أن يبتدئ بالحمد قبل الدعاء بعد كل تكبيرة، والمراد بالحمد: الثناء على الله ﵎. وصلاة على نبيه ﷺ ، عطف على قوله: "بحمد"؛ يعني أنه يستحب للمصلي على الجنازة الابتداء بالحمد والصلاة على النبي ﷺ عقب كل تكبيرة، يفتتح بهما قبل الدعاء، وتكون الصلاة على النبي ﷺ عقب الحمد، وقد مر كيفية الصلاة فراجعها إن شئت، وظاهر المذهب قراءة الفاتحة. القرافي: يقرؤها ورعا للخروج من الخلاف، وما مر من أن الابتداء بهما عقب كل تكبيرة هو المشهور، وفي الطراز: أنه لا يقولهما إلا عقب التكبيرة الأولى ويدعو في غيرها، قال الشيخ عبد الباقي: وعزاه في النوادر للصقلي، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا غلط واضح، فإن النوادر لابن أبي زيد، وقد تقدمت وفاته على وفاة ابن يونس الصقلى بأزيد من خمسين عاماً، والصَّواب لو عكس، وقال: عزاه الصقلي للنوادر.
وإسرار دعاء؛ يعني أنه يندب للمصلي على الجنازة من إمام ومأموم وفذ أن يسر بالدعاء. ابن شأس: ولا يجهر به في ليل أو نهار، وينبغي أن يسمع نفسه للخروج من خلاف الشافعي؛ لأنه يقول: إن ما لم يسمع نفسه فيه كالعدم. ابن عرفة: يدعى للميت ولو كان ابن زنى؛ لأن أمور الآخرة تنبني على الحقائق، وأمور الدنيا محمولة على الظواهر. انتهى. وقد جاء أن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم ليلاً يفتضحوا ولا يصح ذلك. البرزلي: الصواب يدعون بآبائهم لجري الأحكام كلها على ذلك من جهة ما يتعلق بالسنة. قاله الشيخ إبراهيم.
ورفع صغير علي أكف؛ يعني أنه يندب أن يحمل الصغير على الأكف. أشهب في سماع ابن غانم: وحمل جنازة الصبي على الأيدي أحب إلي من الدابة والنعش. الشبراخيتي: يندب رفع صغير في الذهاب إلى المصلى والقبر على الأكف، والمراد بالصغير من يمكن حمله على اليدين من غير مشقة فادحة، لا من لم يبلغ. قاله الشيخ إبراهيم. ولا يحمل على دابة أو نعش لأن في حمله
стр. 1689
على النعش ضربا من المفاخرة، ولو ذكر قوله: "ورفع صغير على أكف" في مستحبات التشييع كان أولى. ابن حبيب: لا بأس بحمل الجنازة على الدابة إن لم يوجد من يحملها.
ووقوف إمام بالوسط؛ يعني أنه يستحب للإمام أن يقف حال صلاته على الجنازة عند وسط الميت الذكر، قوله: "بالوسط"، قال الشيخ: بفتح السين، وفي الحطاب: قال في المدونة: وكان ابن مسعود يقف عند وسط الرجل، وفي المرأة عند منكبيها. قال في التنبيهات: قيدناه عن بعض شيوخنا بسكون السين، وقال ابن دريد: وسط الدار ووسطها سواء، وفي النهاية: الوسط بالسكون يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب وغير ذلك، وإن كان متصل الأجزاء كالدار فهو بالفتح، وقيل: كل ما يصلح فيه بين فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه بين فهو بالفتح، وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر وكأنه الأشبه. انتهى. نقله الإمام الحطاب.
ومنكبي المرأة؛ يعني أنه يستحب للإمام حال الصلاة على الجنازة أن يقف عند منكبي المرأة؛ وهكذا قال في الرسالة إن الإمام يقف في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها؛ وهو المشهور، ودليله ما مر عن ابن مسعود. وعن مالك: أنه يقف عند وسط المرأة كالرجل، وفي الصحيحين: (أنه ﷺ قام عند وسط امرأة (١))، وقال ابن شعبان: وحيث وقف في الرجل والمرأة جاز، وقال أشهب: يقف عند وسط الميت أحب إلي وذلك واسع، والباء في قوله: "بالوسط"؛ بمعنى: عند؛ أي عند وسط الرجل ومنكبي المرأة. قاله الشارح. وفي الشبراخيتي عند قوله: "ومنكبي المرأة": ليلاً يتذكر إن وقف عند وسطها ما يشغله أو يفسد صلاته، ووقوفه ﷺ بذلك لعصمته، وقوله: "ووقوف إمام"، أما الفذِّ فوقوفه كوقوف الإمام، وأما المأموم فوقوفه على ما تقدم في صلاة الجماعة عند قوله: كوقوف ذكر عن يمينه إلخ، وأما المرأة إذا صلت على امرأة فتقف حيث شاءت، وأما على الرجل فظاهر كلامهم أنها كذلك، والتعليل يقتضي أنها تقف عند منكبي الرجل، وقوله: "منكبي"، تثنية منكب بفتح الميم وكسر الكاف: مجمع عظمي العضد والكتف والجمع مناكب، وإنما حذف المصنف الرجل استغناء عنه بذكر مقابله؛ وهو المرأة، وقوله: "بالوسط ومنكبي المرأة"، أجمعوا على أن الإمام لا يلاصق الجنازة، بل تكون
стр. 1690
بينهما فرجة، قيل: قدر شبر، وقيل: قدر ذراع، وليس بينهما كبير تفاوت؛ لأن المراد بالذراع عظم الذراع. قاله الشيخ الخرشي.
رأس الميت عن يمينه، جملة حالية؛ يعني أن رأس الميت ذكراً كان الميت أو أنثى يستحب أن يكون عن يمين المصلي عليه، فالضمير في يمينه للمصلي، ومحله في غير الروضة الشريفة، وإلا جعل رأس الميت عن يساره، لتكون رجلاه لغير جهة القبر الشريف كما يؤخذ من كلام أئمتنا. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله رأس الميت عن يمينه، "فلو صلي عليه منكوسا رأسه عند رجليه أجزأت لما علمت أن هذا على جهة الاستحباب، وفي المدخل: تقدم المصلي على الإمام والجنازة فيه مكروهان: أحدهما تقدمه على الإمام، والثاني تقدمه على الجنازة، فعلى هذا يكون التقدم على الجنازة مكروهاً فقط، وتصح الصلاة سواء كان المتقدم إمامًا أو مأموما، ومن سنن الصلاة أن يقوم الإمام وبينه وبين السرير فرجة. قاله القاضي عياض. نقله الإمام الحطاب. وسيأتي ما هو كالصريح في أن الميت يجعل في وضعه على السرير على ظهره فيكون وجهه إلى السماء، وحينئذ فيصلى على الميت مستلقيا على ظهره ووجهه إلى السماء، ولا يستقبل به القبلة بل رأيت لبعضهم أن ذلك بدعة. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير: واستحب الشافعية القرب منه للاعتبار، والحنفية التأخر في صفوف الصلاة تواضعا في الشفاعة.
ورفع قبر؛ يعني أنه يندب رفع القبر عن الأرض ليعرف، ويكون الرفع كشبر؛ أي نحوه حال كون القبر مسنما؛ أي مجعولا له سنام عند وسطه كسنام البعير، وكراهة مالك لرفعه محمولة على رفعه بالبناء لا رفع ترابه عن الأرض، وعلى هذا تأول المدونة عياض؛ لأن قبره ﵊ مسنم كما في البخاري (١))، وكذا قبر أبي بكر وقبر عمر (٢)؛ وهو أثبت من رواية تسطيحها لأنه زي أهل الكتاب وشعار الروافض. وفهم اللخمي المدونة على كراهة التسنيم، وإليه أشار بقوله: وتؤولت أيضا على كراهته؛ أي التسنيم؛ يعني أن المدونة كما تؤولت على استحباب التسنيم تؤولت أيضًا على كراهته على ذلك، تأولها اللخمي وضعف تأويلَه عياضٌ، وقال:
стр. 1691
المعروف من مذهبنا جواز التسنيم بل هو سنة، ولم ينص في الأمهات على خلافه. فيسطح؛ أي فبسبب أن التسنيم مكروه يسطح القبر ولا يسنم وسطه وهذا من تتمّة تأويل اللخمي، وفي الجلاب: يسطح ولا يسنم لأنه سطح قبر ولده إبراهيم وقبور المهاجرين والأنصار مسطحة، وقوله: "فيسطح"؛ أي مع رفعه عن الأرض كشبر أيضًا على المذهب، وقيل: قليلًا بقدر ما يعرف. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله: "فيسطح": أي مع رفعه عن الأرض، وهل كشبر أو قليلًا بقدر ما يعرف، خلاف مستفاد مما ذكره المواق وحلولو. وقوله: "ورفع قبر كشبر" إلخ، هو المذهب دون قوله: "وتؤولت أيضًا على كراهته" إلخ، وحثو قريب فيه ثلاثًا؛ يعني أنه يندب أن يحثو القريب من القبر فيه ثلاث حثوات، والقريب من القبر من هو على شفيره، وليس المراد به قريب الميت، ويكون الحثو بيديه معاً، يقول في الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ وفي الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، لوروده في خبر (١))، قاله الشيخ سالم. ابن حبيب، وقد فعله ﵊ في قبر ابن مظعون، مالك: لا أعرف حثيات التراب عليها ثلاثًا، ولا أقل ولا أكثر، ولا سمعت من أمر به، والذين يلون دفنها يلون رد التراب عليها، فانظر كيف اقتصر المصنف على قول غير مالك؟ قال بعض: وإنما نفى مالك معرفته وسماعه فلو سمعه لم ينكره، وفي النوادر: من الشأن صب الماء على القبر ليشتد، وفعل ذلك بقبره ﵊، وقوله: "وحثو"، مصدر حثا يحثو وسمع حثى يحثي، وفي الخرشي والشبراخيتي: قال بعض: (ويكره مس القبر بعد رش الماء عليه (٢))، ونسبه الحطاب لابن أبي شيبة عن زياد بن جبير.
وتهيئة طعام لأهله؛ يعني أنه يستحب أن يهيأ لأهل الميت طعام لاشتغالهم بميتهم، قال الشيخ الخرشي ابن رشد: إرسال الطَّعام إلى أهل الميت لاشتغالهم بميتهم إذا لم يكونوا اجتمعوا للنياحة، من الفعل الحسن المرغب فيه المندوب إليه. روي أن رسول الله ﷺ
стр. 1692
قال لأهله لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب: (اصنعوا لآل جعفر طعاما وابعثوا به إليهم فقد جاء ما يشغلهم عنه (١))؛ ولأن ذلك من زيادة بر وتودد للجيران.
أما جمع الناس على طعام لبيت الميت فهو بدعة مكروهة لم ينقل فيه شيء وليس ذلك موضع ولائم، وأما عقر البهائم وذبحها على القبر فهو من أمر الجاهلية مخالف لقوله ﵊: (لا عقر في الإسلام (٢))، قال العلماء: العقر الذبح عند القبر. انتهى كلام الخرشي. وفي المدخل: وليحذر من البدعة التي يفعلها بعضهم؛ وهي حمل الخرفان والخبز أمام الجنازة، ويسمون ذلك عشاء القبر فإذا جاءوا القبر ذبحوا ما أتوا به وفرقوه مع الخبز، ويقع بسببه زحام وضرب ومنع مستحقه، وأخذ من لا يستحقه وهو من فعل الجاهلية ورياء وسمعة ومباهاة وفخر، والمشي به أمام الجنازة جمع بين إظهار الصدقة والرياء، ولو تصدق في البيت سراً لكان عملًا صالحا لو سلم من البدعة، ومن أن يتخذ ذلك سنة أو عادة لأنه ليس بفعل من مضى، والخير كله في اتباعهم ﵃. نقله الشيخ إبراهيم.
وبما مر علم أنهم إذا اجتمعوا لنياحة لا يندب تهيئة الطَّعام لهم. والله سبحانه أعلم. وقال الإمام الحطاب: "وتهيئة طعام لأهله": أي ويستحب أن يهيأ لأهل الميت طعام، قال في الطراز: ويجوز حمل الطَّعام لأهل الميت في يومهم وليلتهم، واستحبه الشافعي، والأصل فيه ما رواه عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ ، قال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم أمر شغلهم (٣))، خرجه أبو داود؛ لأن ذلك زيادة في البر والتودد للأهل والجيران، أما إصلاح أهل الميت طعاماً وجمع الناس عليه، فقد كرهه جماعة وعدوه من البدع، وأما ما يذبحه الإنسان في بيته ويطعمه للفقراء صدقة عن الميت فلا بأس به إذا لم يقصد به رياء ولا سمعة ولا مفاخرة ولم يجمع عليه الناس. انتهى.
стр. 1693
وتعزية؛ يعني أن التعزية مندوبة، وقيل: سنة، والتعزية هي الحمل على العزاء؛ أي الصبر بوعد الأجر والدعاء للميت وللمصاب، لخبر: (عظم الله أجْرَك وأحسن عزاءك وغفر لميتك (١))، وندبت التعزية لخبر: إن الله يلبس الذي عزاه لباس التقوى، ولخبر: (من عزى مصابا فله مثل أجره (٢))، ولخبر: (من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة (٣))، وتكون في كل ميت صغيراً أو كبيراً، حرا أو عبداً، رجلاً أو امرأة، هذا هو المعتمد. ولمالك: يعزى من النساء بالأم خاصة والمعتمد خلافه كما قاله الشيخ عبد الباقي، ويعزى المميز صغيراً أو كبيراً لا غيره ولا الشابة. الشافعي: إلا أن تكون ذا رحم محرم. ابن عرفة: وتعزى المتجالة، وتركه أحسن كالسلام عليها، ويعزى الرجل بقرينه الصالح وزوجته الصالحة؛ لأنها من المصائب؛ ولا يعزى مسلم بكافر عند مالك خلافًا للشافعي، واختار ابن رشد تعزية المسلم بأبيه الكافر مخالفاً لمالك، قائلاً: ليس منع الدعاء للميت الكافر والترحم عليه والاستغفار بالذي يمنع من تعزية أبيه المسلم أو ابنه المسلم بمصابه؛ إذ لا مصيبة على الرجل أعظم من أن يموت أبوه الذي كان يحن عليه وينفعه في دنياه كافراً، فلا يجتمع به في الآخرة فيهون عليه مصيبته ويسليه عنها ويعزيه بمن مات للأنبياء والأبرار عليهم الصلاة والسلام من القرابة والآباء الكفار، ويحضه على الرضا بقدر الله ويدعو له بجزيل الثواب؛ إذ لا يمنع أن يؤجر المسلم بموت أبيه الكافر إذا شكر الله وسلم لأمره ورضي بقضائه، فقد قال ﵊: (لا يزال المؤمن يصاب في أهله وولده حتى يلقى الله وليست له خطيئة (٤))، وهل يشك أحد في أن النبي ﷺ أجر بموت عمه أبي طالب، لما وجد عليه من الحزن والإشفاق؟ انتهى كلام ابن رشد. قال الشيخ عبد الباقي: وقول مالك هو الأصح. ابن عرفة: في التعزية بمن مات للأنبياء نظر. انتهى؛ يعني بمن مات من قرابتهم كافراً، ويعزى الكافر الجار لحق الجوار حتى بكافر، قال مالك: يقول له: بلغني ما
стр. 1694
أصاب ابنك ألحقه الله بكبار أهل دينه وخيار ذوي ملته. ابن عرفة: فيه إيهام كون أهل ملته بعد هذه الملة في سعادة، وإلا كان دعا عليه. انتهى.
ويقصد بالتعزية من أهل الميت أجزعهم وأضعفهم عن احتمال المصيبة؛ لأن الثواب في تعزيتهم أكثر، والأولى في التعزية أن تكون في بيت المصاب، وواسع كونها عند القبر وتسوية التراب في الدين لا في الأدب. النخعي: كانوا يكرهون التعزية عند القبور، وتجوز بعد الدفن وقبله إن لم يحصل للميت بسببها تأخير عن مواراته، وقال الثوري: لا يعزى بعد الدفن، وما قاله ﵀ مخالف لظاهر الحديث فإنه عام؛ أعني قوله ﵊: (من عزى مصابا كان له مثل أجره (١))، قاله الإمام الحطاب. وندب لمصاب استرجاع للآية ولخبر: (من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحا يرضيه (٢))، ويقول عقب الاسترجاع: (اللهم آجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها (٣))، لحديث في ذلك: وفي أجرني ثلاث لغات؛ مد الهمزة، وكسر الجيم، وسكون الهمزة مع كسر الجيم أو ضمها، وانظر ما الرواية. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: وانظر ما الرواية، في المشارق ما نصه: اللهم آجرني في مصيبتي، رويناه بالمد للهمزة وبكسر الجيم وبالقصر وتسهيل الهمزة أو تسكينها وضم الجيم. انتهى. منها بلفظها. قاله الرهوني.
واعلم أن الاسترجاع يندب عند المصيبة دينية أو دنيوية في نفسه أو من يعز عليه، وفي التعزية تهوين المصيبة والتسلية عنها والحث على الصبر والرضا بالقدر، وفي الحطاب عن ابن رشد: أن التعزية لثلاثة أشياء؛ أحدها: تهوين المصيبة على المعزى، وتسليته عنها، وتحضيضه على التزام الصبر واحتساب الأجر والرضا بقدر الله والتسليم لأمره. والثاني: الدعاء بأن يعوضه الله من مصابه جزيل الثواب ويحسن له العقبى والمآب. والثالث: الدعاء للميت والترحم عليه والاستغفار له. انتهى.
стр. 1695
وألفاظ التعزية بقدر ما يحضر الرجل وأحسنها ما في الحديث: آجركم الله في مصيبتكم وأعقبكم خيرًا منها إنا لله وإنا إليه راجعون، ويجوز أن يجلس الرجل للتعزية، (وقد جلس رسول الله ﷺ يعرف الحزن في وجهه حين جاءه خبر جعفر وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ومن قتل معهم بمؤتة (١))، وكان ﷺ إذا عزى قال: بارك الله لك في الباقي وآجرك في الفاني، وقال ﷺ لامرأة في ابنها: (إن لله ما أخذ وله ما أبقى ولكل أجل مسمى، وكل إليه راجعون فاحتسبي واصبري وإنما الصبر عند الصدمة الأولى (٢))، وقال ﷺ : (إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر المصيبة بي فإنها من أعظم المصائب (٣)). ولما مات العباس ﵁ عظم مصابه على ولده عبد الله، وأحجم الناس عن تعزيته فجاء أعرابي بعد شهر وسأل عنه، فقيل له: ما تريد؟ قال: أعزيه، فقاموا معه على أن يفتح لهم الباب، فلما رآه قال: سلام عليك يا أبا الفضل، فرد عليه، فأنشده:
اصبر نكن بك صابرين فإنما … صبر الرعية عند صبر الراس
خير من العباس أجرك بعده … والله خير منك للعباس.
فلما استوعب شعره سري عنه عظيم ما كان به، وكتب ابن عبد الحكم للشافعي يعزيه في ميت:
إنا معزوك لا أنا على ثقة … من الحياة ولكن سنة الدين
فلا المعزى بباق بعد ميته … ولا المعزي ولو عاشا إلى حين
وأمد التعزية ثلاثة أيام، ولا يعزى بعدها إلا أن يكون غائبا، ومن ألفاظ التعزية ما في الحطاب: أعظم الله أجرك على مصيبتك، وأحسن عزاءك عنها وعقبك منها، غفر الله لميتك ورحمه، وجعل ما خرج إليه خيرًا مما خرج منه. وكان محمد بن سيرين إذا عزى قال: أعظم الله أجرك،
стр. 1696
وأعقبك عقبا نافعا لدنياك وأخراك، (وروي أنه لما مات النبي ﷺ سمعوا صوتاً من جانب البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب (١)). انتهى.
وعدم عمقه؛ يعني أنه يستحب عدم عمق أي بعد قعر القبر. مالك: أحب إلي أن تكون الحفرة مقتصدة لا عميقة جدا ولا قريبة من أعلى الأرض جدًّا. ابن حبيب: لا يعمق جدا ولكن قدر عظم الذراع. الباجي: لعله يريد اللحد، وإلا فالقبر أكثر من ذلك، وسيأتي أن أقل القبر ما منع رائحة الميت وحرسه، وقال عمر بن عبد العزيز: لا تعمقوا قبري فإن خير الأرض أعلاها وشرها أسفلها، قال العدوي: لأن أعلى الأرض محل الذكر والطاعات فيحصل للميت بالقرب منه بركة ذلك. واللحد؛ يعني أن اللحد مندوب فهو أفضل من الشق، واللحد هو الحفر في حائط قبلة الأرض؛ يعني قبلة القبر، والشق بفتح الشين أن يحفر أسفل القبر أضيق من أعلاه بقدر ما يسع الميت قاله الشبراخيتي. وقال ابن عرفة: اللحد الحفر في قبلة القبر، والشق في وسطه. انتهى. وقال الشيخ ميارة: قال ابن حبيب: اللحد أفضل من الشق إن أمكن، وقال مالك: كل ذلك واسع، واللحد أحب؛ وهو الحفر في قبلة القبر، والشق في وسطه. انتهى. وقال الشاذلي: وفسر اللحد؛ يعني أبا محمد، ولم يفسر الشق؛ وهو أن يحفر حفرة كالنهر، ويبنى جانباها باللبن أو غيره، ويجعل بينهما شق يوضع الميت فيه ويسقف قليلًا بحيث لا يمس الميت ويجعل في شقوقه قطع اللبن، ويوضع عليه التراب. انتهى. قوله: وهو أن يحفر لخ.
حاصله: أن يحفر في أسفل القبر أضيق من أعلاه بقدر ما يسع الميت. وقوله: ويجعل بينهما شق. لا حاجة له، قاله العدوي.
وإنما كان اللحد أفضل، لخبر: (اللحد لنا والشق لغيرنا (٢))، ولأن اللحد هو الذي اختاره الله لنبيه ﷺ حين كان بالمدينة رجلان؛ أحدهما أبو عبيدة يلحد، والآخر أبو طلحة
стр. 1697
يشق، فاتفق الصحابة أن يحفر له السابق منهما أي الذي يجيء أولا كما في الشاذلي، فسبق الذي يلحد. ومحل قوله: "واللحد"، في أرض صلبة لا يخاف تهيلها، وإلا فالشق أفضل.
سند: يوضع النعش على طرف القبر، يكون رأس الجنازة على جانبه عند رجل القبر، ويسل الميت من قبل رأسه لأنه أفضل الأعضاء، وبه قال الشافعي وأحمد ولا يدخل معترضا من قبلته خلافًا لأبي حنيفة، وظاهر المذهب: لا حد لمن يدخل الميت القبر بعدد مخصوص، بل بما تيسر، وقال الإمام الشافعي: يكونون ثلاثة أو خمسة إن احتيج إلى ذلك، لما روي أن الذين أدخلوا النبي ﷺ قبره ثلاثة.
وضجع فيه على أيمن مقبلا؛ يعني أنه يستحب أن يوضع الميت في القبر لحدا أو شقا على جانبه الأيمن موجها إلى القبلة، هكذا في النوادر عن ابن حبيب، ونحوه في الرسالة: ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن. أبو الحسن. إلى القبلة وتمد يده اليمنى على جسده ويعدل رأسه بالتراب أي ليلاً يتصوب ورجلاه برفق، ويجعل التراب خلفه وأمامه ليلاً ينقلب، فإن لم يتمكن من جعله على شقه الأيمن فعلى ظهره مستقبل القبلة بوجهه، فإن لم يمكن فعلى حسب الإمكان. انتهى.
ويقول واضع الميت: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ ، اللهم تقبله بأحسن قبول. وإن دعا بغيره أو ترك فواسع، وذكر أبو حامد الأندلسي في كتاب تحقيق الألباب: أن في آخر بلاد الإسلام في الشمال بلدا يكون النهار عندهم في الصيف عشرين ساعة والليل أربع ساعات وتشتد الأرض عندهم في زمن البرد حتى لا يقدر أحد أن يدفن الميت ستة أشهر من شدة البرد؛ لأن الأرض تصير كالحديد لا يمكن أن يحفر فيها قبر، قال ولقد مات لي ولد بها في آخر الشتاء فلم أستطع دفنه إلا بعد ثلاثة أشهر. نقله الشيخ الخرشي.
وتدورك إن خولف؛ يعني أن الميت إذا خولف الوجه المطلوب في وضعه في قبره، كما إذا جعل في لحده لغير القبلة أو على شقه الأيسر، فإنه يتدارك ندبا بأن يحول إلى الحالة المطلوبة، فيوجه إلى القبلة ويجعل على شقه الأيمن، وإنما يتدارك بالحضرة؛ وهي عدم تسوية التراب عليه أو إلقاء يسير منه عليه قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 1698
ومثل للمخالفة بقوله: كتنكيس رجليه؛ أي جعلهما موضع رأسه، ويلزم من ذلك أن يكون لغير القبلة، أو على شقه الأيسر فيتدارك فيهما بالحضرة لما في ذلك من مخالفة الندب، فالتدارك في ذلك مندوب -كما مر- واحترز بقوله: "بالحضرة"، عما لو طال الأمر بأن سوي عليه التراب، ويعبر عن ذلك بالفراغ من دفنه فإنه لا يتدارك بل يترك على حاله. قاله ابن القاسم وأشهب وسحنون. قال الشيخ عبد الباقي: وما في كفاية الطالب من جعل الطول بالفراغ من وضعه في قبره غير ظاهر، وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما في كفاية الطالب غير صحيح لقول ابن عرفة: سمع موسى: إن ذكروا بعد أن ألقوا عليه يسير تراب أن وضعه على شقه الأيسر لغير القبلة حُوِّلَ لها وبعد فراغ دفنه لم ينبش. ابن رشد: لأن وضعه للقبلة غير واجب. الشيخ: وقاله أشهب وسحنون. انتهى. ولم يقل المصنف: كتنكيس رأسه، ليلاً يحصل به التشاؤم، وفي وصف قوم إبراهيم، قال الله : ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، وكترك الغسل؛ يعني أن الميت إذا دفن بغير غسل، فإنه يخرج من قبره ويغسل ويصلى عليه إن لم يخف تغيره، وكذا لو دفن بغير صلاة، فإنه يخرج إن لم يخف تغيره ويصلى عليه. وكذا لو دفن بغير غسل وصلاة، فإنه يخرج إن لم يخف تغيره ويغسل ويصلى عليه. قال الشبراخيتي والخرشي: أعاد الكاف لأنها للتشبيه، ولا يغني عنها كاف التمثيل. انتهى. والتدارك فيما تقدم بالحضرة وهو مندوب، والتدارك في هذه يكون بعد الفراغ من الدفن ما لم يخف تغير الميت في قبره لوجوبها، فالتدارك فيها واجب -كما نصوا عليه- والله سبحانه أعلم. ودفن من أسلم بمقبرة الكفار، عطف على قوله: "كترك الغسل"؛ يعني أن المسلم إذا دفن بمقبرة الكفار فإنه يتدارك وجوبا بأن ينبش ويدفن في مقابر المسلمين إن لم يخف تغيره، وفي الشارح: أشار بهذا إلى ما رواه محمد بن خالد عن ابن القاسم في غائب يقدم فيجد امرأته النصرانية قد دفنت ولدها منه بمقبرة النصارى: فإن كان بحضرة ذلك ولم يخف تغيره أخرج إلى مقابر المسلمين وإلا ترك، وروى عيسى عنه في نصرانية عرض عليها الإسلام فأجابت، وقالت: كيف أقول؟ فلقنت كلمة الشهادة: فقالتها، ثم ماتت، فدفنت في قبور النصارى، فقال: أرى أن تنبش وتغسل ويصلى عليها وتدفن في مقابر المسلمين، إلا أن تكون قد تغيرت.
стр. 1699
وبما قررت علم أن قوله: إن لم يخف التغير، قيد في كل من المسألتين؛ أي في قوله: "وكترك الغسل"، وفي قوله: "ودفن من أسلم بمقبرة الكفار"، كما قرر بذلك الشيخ عبد الباقي، قال الشيخ محمد بن الحسن: هو الصواب وعليه المواق؛ لأنه قول سحنون وعيسى، وروايته عن ابن القاسم. ابن رشد: ترك الغسل والصلاة معاً، أو الغسل دون الصلاة، أو الصلاة دون الغسل سواء في الحكم، وتقدم نقل ابن رشد: أن الفوات الذي يمنع من إخراج الميت من قبره للصلاة عليه هو أن يخشى عليه التغير. انتهى. قال الرماصي: والعجب من الحطاب كيف جعل القيد خاصا بالأخيرة، وأن بقية المسائل تفوت بالفراغ من الدفن. وقال: انظر ابن عرفة، ولم يتنبه أن ذلك قول ابن وهب فقط، وحمل عليه أيضًا قوله: "إلا أن يدفن بغيرها"، والله الموفق. وقال الرماصي: إنما كان قيد خوف التغير خاصا بالأخيرتين دون ما قبلهما للزوم التدارك فيهما واستحبابه فيما قبلهما. انتهى. وقوله: "إن لم يخف التغير"؛ أي تحقيقاً أو ظنًّا، واحترز بقوله: "إن لم يخف التغير"، عما إذا خيف التغير فإنه لا يخرج في المسألتين، ويصلى على القبر فيما إذا دفن بغير صلاة كما يأتي، قال الشيخ عبد الباقي: إن غسل وإلا فلا لقوله: وتلازما. انتهى. ورده الرماصي بما تقدم من أن المراد تلازمهما طلباً؛ أي من طلب غسله طلبت الصلاة عليه ومن لا فلا، لا أنَّهما إن لم يفعل أحدهما لعدم إمكانه لم يفعل الآخر. انتهى. وقال الشيخ الأمير: فإن دفن بمقبرة الكفار أو بلا غسل أو صلاة أخرج إن لم يتغير، فيصلى على القبر فيهما. انتهى.
وسده بلبن، اللبن ككتف: الطوب الني، قاله الخرشي والشبراخيتي. وفي القاموس: اللبن ما يعمل من الطين بالتبن، وربما عمل بدونه. ومعنى كلام المصنف أنه يندب سد اللحد باللبن، كما فعل به ﷺ وأبي بكر وعمر (١))، ويندب سد الخلل بين اللبن، وقد أمر به ﵊ في ولده إبراهيم، وقال: (إن ذلك لا يغني ولكنه أقر لعين الحي (٢))، وقال: (إن الله يحب إذا عمل العبد عملًا أن يحسنه (٣))، وفي رواية: يتقنه.
стр. 1700
ثم لوح؛ يعني أنه يلي اللبن في الندبية اللوح، فإذا لم يوجد لبن فإنه يندب سده بالألواح. ثم قرمود؛ يعني أنه يلي ما مر في الندبية القرمود، فإذا لم يوجد اللبن والألواح فإنه يندب سد اللحد بالقرمود واحد القراميد؛ وهي شيء يعمل من الطين يابس لم يحرق يشبه وجوه الخيل. ثم آجر؛ يعني أنه يلي ما مر في الندبية الآجر، فإذا لم يوجد اللبن والألواح والقرمود، فإنه يندب سده بالآجر بهمزة ممدودة فجيم مضمومة: الطوب المحروق. قاله الشبراخيتي وغيره. ويلي الآجر الحجر فمرتبته بين الآجر والقصب، وأسقطه المصنف. ثم قصب؛ يعني أنه يلي ما مر في الندبية القصب، فإذا لم يوجد شيء مما ذكر فإنه يندب سد اللحد بالقصب.
وسن التراب أول من التابوت؛ يعني أنه إذا لم يوجد شيء مما مر -كما في الشبراخيتي- فإن سد اللحد بالتراب أولى من الصندوق يدفن فيه الميت. ابن عات: التابوت مكروه عند أهل العلم وليس هو من عادة العرب، بل من زي الأعاجم وأهل الكتاب، قيل لسعد بن أبي وقاص: نتخذ لك شبه الصندوق من خشب، فقال: اصنعوا بي كما صنعتم بالنبي ﷺ ، انصبوا علي اللبن وأهيلوا علي التراب فليس جنبي الأيمن بأحق من التراب [بجنبي (١)] الأيسر. ويكره جعل مخدة تحت رأس الميت لأنه لم ينقل عن السلف، وما يروى من جعل قطيفة حمراء في قبره ﷺ (٢))، فالأثبت أنها أخرجت.
وبما قررت علم أن قوله: "وسده بلبن ثم لوح" إلخ، كل مرتبة فيه بعد مرتبة تلي التي قبلها في الفضل، فالتراب يلي القصب في الفضل، وكذا قوله: "سن التراب"، بفتح السين مهملة ومعجمة وشد النون؛ أي صب التراب بباب اللحد عند عدم ما تقدم، أولى أي أفضل من جعل الميت في التابوت.
تنبيهات: الأول: قال الأبي عن عياض في شرح حديث عمرو بن العاصي: وسنوا علي التراب سناً، السن والشن: الصب، وقيل: هو بالمهملة الصب بسهولة وبالمعجمة التفريق، وهذه سنة في صب التراب على الميت، وكره مالك في العتبية الترصيص على القبر بالحجارة والطين والطوب، قال الإمام الحطاب: قلت سن التراب في القبر: صب فيه دون لحد يمنع من وصوله إلى الكفن، فإن عنى بكونه
стр. 1701
سنة السنة عرفا، فلم يرد فيه إلا وصية عمرو هذه، وغايتها أنها مذهب صحابي، وقد يريد بالسن أن يصب التراب فوق اللحد لا أن يعقد القبر كله بناء، ويؤيده ما ذكره في العتبية من كراهة الترصيص. وفي طرر ابن عات: قال بعض الصالحين: ما شقي الأيمن أحق بالتراب من الأيسر، وأوصى أن يحثى عليه التراب دون غطاء. انتهى.
الثاني: أعلم أن سؤال الملكين حق، وأنَّه مما يجب الإيمان به، كما قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى:
اعلم هداك الله للرشاد … موفقا لطرق السداد
أن الذي عليه أهل السنة … لحجج أمضى من الأسنه
أن سؤال الملكين من قبر … حق والإيمان به فرض شهر
أتى به القرآن في الإشارة … ووافقت آياته الإثاره (١)
تواترت به الأحاديث التي … قد بلغت سبعين عند العدة
والآية السؤال فيها كامن … يثبت الله الذين آمنوا
إلى أن قال:
وإنما المنكر للسؤال … ذوو ابتداع وذوو اعتزال
ومقتضى كلامه ﵀: أن المنكر للسؤال فاسق مبتدع، وأنَّه لا يبلغ به حد التكفير، ومقتضى ابن يونس تكفيره، ونصه: ابن حبيب: وفتنة القبر وعذابه قوي عند أهل العلم والسنة، وإنما يكذب به زنديق، ومن لا يؤمن بالبعث بعد الموت. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وفي التيسير عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه -وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا- أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ فأمَّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به
стр. 1702
مقعدا من الجنة، فيراهما جميعًا ويفتح الله له من قبره إليه، وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطراق من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة فيسمعها من يليه إلا الثقلين (١))، قوله: ولا تليت؛ أي ولا اتبعت الناس، فقلت مثل ما قالوا خرج من التصحيح إلى الإعلال للمجاورة.
وللسيوطي ﵀:
إذا تولى الناس من بعد الدفن … ردت إليه روحه إلى البدن
وكله يحيا لدى الجمهور … لا جزؤه لظاهر المأثور
وجاءه المنكر والنكير … وصفهما بين الورى شهير
جعدان أزرقان أسودان … شعرهما تصحبه الرجلان
صوتهما كمثل رعد قاصف … والعين يروى مثل برق خاطف
أو كقدور وهي من نحاس … وكاللهيب شبه الأنفاس
فينهرانه ويقعدانه … وبعد ما يقعد يسألانه
عن ربه ودينه سليبا … وعن نبيه لكي يجيبا
قد حفرا الأرض بأنياب ترى … مثل صياصي بقر قد أثرا
وليس عن غير اعتقاد يسأل … أتى بهذا خبر مفصل
وثرثراه ثم تلتلاه … ووهلاه ثم هولاه
وكررا سؤاله في المجلس … ثلاث مرات بلا تأنس
وهي أشد فتنة يلقاها … العبد طوبى للذي يوقاها
يبدو له هنالك الشيطان … يومي إليه قاله سفيان
стр. 1703
الثالث: قال رسول الله ﷺ ، (ما من أحد يموت إلا ندم، إن كان محسنًا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع (١))، رواه في التيسير عن الترمذي عن أبي هريرة ﵁، وكان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتذكر القبر فتبكي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه (٢))، وقال ﷺ : (ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه (٣))، زاد رزين: قال: هانئ: سمعت عثمان ﵁ ينشد:
فإن تنج منه تنج من ذي عظيمة … وإلافإني لا إخالك ناجيا
رواه في التيسير عن الترمذي عن هانئ مولى عثمان ﵁.
وقد علمت أن البيت من زيادة رزين، وفي التيسير أيضاً عن الترمذي عن علي ﵁، قال: (ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (٤))، وفيه أيضًا عن عائشة ﵂ أنها دخلت عليها يهودية فذكرت عذاب القبر، فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر، فقال: (نعم إن عذاب القبر حق وإنهم يعذبون في قبورهم عذاباً تسمعة البهائم، قالت: فما رأيته بعد صلى صلاة إلا تعوذ فيها من عذاب القبر. رواه عن الشيخين والنسائي. وفيه أيضًا: (أن رسول الله ﷺ مر على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه، ثم دعا بعسيب رطب فشقه اثنين فغرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا، ثم قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا (٥)). رواه عن الخمسة. عن ابن عباس.
стр. 1704
وروى أيضًا عن الستة: إلا أبا داود عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة (١))، وفيه أيضًا عن النسائي: عن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ : (أنه سمع صوتاً في قبر، فقال: متى مات هذا؟ قالوا: مات في الجاهلية، فسر بذلك، وقال: لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر (٢)). وفيه أيضًا: أنه ﷺ خرج بعد ما غربت الشَّمس، فسمع صوتاً، فقال: (يهود تعذب في قبورها (٣))، رواه عن الشيخين والنسائي عن أبي أيوب ﵁، وفيه أيضًا: عن مسلم عن زيد بن ثابت ﵁، قال: (بينما رسول الله ﷺ في حائط لبني النجار ونحن معه؛ إذ جالت به بغلته وكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة، فقال ﷺ : من يعرف أصحاب هذه القبور، فقال رجل: أنا، قال: متى ماتوا؟ قال: في الشرك، قال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع منه، ثم قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا، نعوذ بالله من عذاب النار، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال (٤)). وفيه أنه ﷺ ، قال: (الميت مستريح أو مستراح منه، قالوا يا رسول الله: ما المستريح والمستراح منه؟ قال: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا ووصبها، والفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب (٥))، رواه عن الثلاثة، والنسائي. قوله: العباد؛ أي لأنه يظلمهم، وقوله: والبلاد؛ أي لأنه يغصب البقاع، وقوله: الشجر؛ أي لأنه يغصبها، وقوله: والدواب؛ أي لأنه يتجاوز حق الله فيها، وفيه عن مالك وأبي
стр. 1705
داود عن عائشة ﵂ أنها، قالت: (كسر عظم الميت ككسره وهو حي (١))؛ يعني في الإثم، وفيه عن مالك: عن علي ﵁ (أنه كان يتوسد القبور ويضطجع عليها (٢))، وفيه عن مسلم وأبي داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جسده خير له من أن يجلس على قبر (٣))، وفيه: عن البخاري عن زيد بن ثابت، (أنه قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليها (٤)). وجاز غسلِّ امرأة ابن كسبع؛ يعني أنه يجوز أن تغسل المرأة صبياً ذكراً ابن ثمان سنين فأقل، فالكاف مدخلة للسنة الثامنة لا أزيد من ثمانية، وأما رواية ابن وهب أنها تغسل ابن تسع سنين فضعيفة، ويجوز لها أن تنظر الصغير ما لم يناهز، وأما المناهز فكالكبير. والفرق بين الغسل يمنع بعد ثمان، والنظر يجوز لها في حياته ما لم يناهز، المباشرة الحاصلة في الغسل دون النظر، والمناهز هو الذي قارب الحلم، وأما نظر غير المناهز لها ففي القرطبي ما يفيد أن له نظر ما عدا الوجه والكفين منها.
ورجل كرضيعة؛ يعني أنه يجوز أن يغسل الرجل الرضيعة، وأدخلت الكاف شهرين زائدين إما على الحولين وإما على الشهرين الملحقين بمدة الرضاع.
واعلم أنه يجوز للرجل نظر الصغيرة ما لم تطق، وفي التوضيح أنه: إذا كانت الصبية مطيقة للوطء لا يجوز للرجل تغسيلها اتفاقاً، وإن كانت رضيعة جاز تغسيله لها اتفاقاً، واختلف فيما بينهما فمذهب المدونة المنع، ومذهب أشهب أنه يغسلها. انتهى. قال الشيخ بناني، وهو مشكل مع نقل المواق عن ابن القاسم: لا يغسل الرجل الصبية وإن صغرت جدًّا، وقال عيسى: إذا صغرت جدًّا فلا بأس أن يغسلها الأجنبي، قاله مالك في الواضحة. انتهى. فتحصل ثلاثة أقوال: المنع لابن القاسم مطلقاً، والجواز ما لم تشته لأشهب، والتفصيل بين الرضيعة وغيرها لمالك. انتهى. وقال الشيخ الأمير: إن المحرم في الأنثيين أو الذكرين البلوغ أو فتنة بالغ، وقد مر أنه يجوز لغير
стр. 1706
المراهق نظر بدن المرأة حتى ما بين السرة والركبة، ويجوز للبالغ والصغير نظر من لا تشتهى، ويمنع لبالغ نظر من تشتهى كمنع مراهق نظر بدن امرأة.
والماء السخن؛ يعني أن الماء السخن؛ وهو المحمى بالنار، يجوز أن يغسل به الميت، فلا فرق بينه وبين البارد عندنا، وليس أحدهما أولى من الآخر. الشافعي: البارد أحب إلي، وعلله أصحابه بأنه يمسك البدن والسخن يرخيه، أبو حنيفة: السخن أحب إلي لأنه أكثر إنقاء، وقوله: والماء السخن، ظاهر كلام الشافعية كعلمائنا عدم الفرق في ذلك بين الشتاء والصيف. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "السخن"، قال في القاموس: السخن بالضم: الحار، سخن مثلثة سخونة وسخنة وسخنا بضمتين وسخانة وسخنا محركة وأسخنه وسخنه.
وعدم الدلك لكثرة الموتي؛ يعني أنه يجوز في الغسل عدم الدلك، وتسقط ركنيته فيكتفى بالصب لأجل كثرة الموتى؛ أي الكثرة الموجبة للمشقة، وينبغي أن يقيد بالفادحة. أصبغ: يجوز عدم الدلك لكثرة الموتى كنزول أمر فظيع بالنَّاس من كثرة وباء، فإن لم يمكن مع عدم الدلك لكثرتهم يمموا وصلي عليهم، فإن لم يمكن التَّيمم صلي عليهم، كما مر ما يفيده.
وتكفين بملبوس؛ يعني أنه يجوز أن يكفن الميت بملبوس من الثياب إن لم يكن وسخا، وإلا كره ولم تظن نجاسته، وإلا كره أيضًا ولم يشهد به مشاهد الخير كالجمعة والجماعة والصلوات ونحوها، وإلا ندب وسلم من قطع يكشف العورة، وإلا منع لعدم الستر. وعبارة الشيخ إبراهيم: وسلم من قطع يكشف العورة، ووسَخٍ ونجاسَةٍ وإلا كره في الوَسِخِ والمتنَجِّس.
تنبيه: (دفع رسول الله ﷺ مئزره لتشعر به ابنته؛ أي يجعل لها شعارا (١))؛ وهو ما يلي البشرة، وقميصه لولد عبد الله بن أبي بن سلول لتكفين أبيه، وقال: لا يعذب ما دام عليه منه سلك، (وأوصى سعد بن أبي وقاص أن يكفن في جبة صوف شهد بها بدراً (٢))، وقال أبو بكر: الحي أحق بالجديد، إنما هو للمهنة والصديد، ولا يعلم من كلام المصنف هل هو أفضل
стр. 1707
أم الجديد؟ قال غير واحد: والمذهب أن الجديد أفضل؛ أي لأن الأموات يتباهون بأكفانهم ويتزاورون بأكفانهم، قاله الخرشي. وقوله: "وتكفين بملبوس"، قال الشيخ إبراهيم: ولو صوفا. انتهى. والظاهر أنه لا يخالف ما مر عند قوله: "وبياض الكفن"، من أنه لا يخرج عن هذين الجنسين؛ يعني القطن والكتان؛ لأن ذلك على سبيل الكمال. والله سبحانه أعلم. ثم أشار إلى مفهوم قوله: "وبياض الكفن"، وبين أن منه ما هو جائز وما هو مكروه، فقال: أو مزعفر؛ يعني أنه يجوز التكفين بالثوب المزعفر أي المصبوغ بالزعفران وإن كان غير أبيض لما فيه من الطيب، وسيأتي أن التكفين بما ليس أبيض مكروه مع إمكان التكفين بالأبيض؛ لأن ما يأتي لا طيب فيه. قاله الشبراخيتي، وغيره. أو مورس؛ يعني أن التكفين بالثوب المورس أي المصبوغ بالورس جائز، والورس نبت تتخذ منه الخمرة للوجه لما فيه من الطيب، وما ذكره المصنف في المزعفر والمورس، قاله اللخمي؛ فإنه قال: كل ما صبغ بطيب جاز للرجال والنساء، قال سند: وظاهر كلام أئمتنا أنه يكره كما يكره كل مصبوغ. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
وحمل غير أربعة؛ يعني أنه لا مزية في حمل الجنازة لعدد على عدد، فلا فرق بين حمل الأربعة لها وحمل غيرهم لها من عدد أقل من أربعة أو أكثر، وما ذكره المصنف أنه لا مزية لعدد على عدد هو في المدونة؛ وهو المشهور خلافًا لأشهب وابن حبيب في استحباب حمل أربعة ليلاً يميل بحمل ثلاثة، وأجيب بأنه يحمله اثنان بقائمتيه المتقدمتين أو المتأخرتين، ويحمله الثالث بين القائمتين، والحمل من باب البر وقضاء الحق. مالك: لم يزل من شأن الناس الازدحام على حمل جنازة الرجل الصالح، ولقد انكسر تحت سالم بن عبد الله نعشان، وتحت عائشة ﵂ ثلاث. أبو الحسن: إنما انكسرت هذه الأنعاش من أجل الازدحام على الحمل لا ما يفعله العوام في وقتنا هذا من كسر نعش الرجل الصالح تبركا، وذلك غير جائز. انتهى. قال المناوي في طبقاته: وارتجت الدنيا بموت أحمد بن حنبل، وأغلقت بغداد لمشهده، ومسحت الأرض المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها، فحصر مقادير الناس بالمساحة ست مائة ألف، وكان يقول للمبتدعة: بيننا وبينكم الجنائز، وأسلم يوم موته من اليهود والنصارى والمجوس عشرة آلاف. انتهى. وفي حياة الحيوان في الإوز، عن ابن خلكان: حزر من حضر جنازة أحمد بن حنبل من
стр. 1708
الرجال فكانوا ثمان مائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً، وأسلم يوم موته عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس. انتهى. وفي تهذيب الأسماء واللغات للنووي: أمر المتوكل أن يقاس الموضع الذي وقف الناس للصلاة فيه على أحمد بن حنبل، فبلغ مقام ألفي ألف وخمس مائة ألف، ووقع المأتم أي الحزن عليه في أربعة أصناف في المسلمين والنصارى واليهود والمجوس. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. ونقل النووي في شرح مسلم عن مذهبه كراهة حمل النساء للجنازة؛ وهو قضية قول المصنف فيما سبق: "وإسراع تجهيزه"، ويكره حمله على الدواب، ورأى الحسن البصري قوماً يزدحمون على جنازة رجل صالح، فقال: يزدحمون على نعشه ولا يزدحمون على عمله، وتقدم أن ابن حبيب وأشهب يقولان باستحباب حمل الأربعة، قال الشيخ محمد بن الحسن: وقع في الخرشي أن ابن الحاجب شهر قول أشهب وابن حبيب باستحباب حمل الأربعة، ومثله في الأجهوري وهو غلط منهما فإن ابن الحاجب لم يشهر إلا ما عند المصنف، ونصه: ولا يستحب حمل أربعة على المشهور فأنت تراه إنما شهر نفي الاستحباب. انتهى.
وبدء بأي ناحية؛ يعني أنه يجوز للحامل للنعش أن يبتدئ بأي ناحية شاء من اليمين أو اليسار، من مقدمه أو مؤخره، داخل عموديه أو خارجهما. وقوله: "بأي"، أعلم أن أيا تستعمل على خمسة أوجه تستعمل استفهامية، وتستعمل شرطية، وتستعمل موصولة، وتستعمل صفة، وتستعمل وصلة لنداء ما فيه أل. والظاهر أنها هنا موصولة بناء على قول ابن عصفور وابن الصَّائغ من جواز إضافتها للنكرة، وجعلا من ذلك قوله : ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ والتقدير: وسيعلم الذين ظلموا المنقلب الذي ينقلبونه، وكذلك التقدير هنا؛ أي وجاز بدء بالناحية التي شاء الحامل -والله أعلم- قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أنها صفة لمحذوف؛ أي وبدء بناحية أي ناحية، كقول الفرزدق:
إذا حارب الحجاج أي منافق … علاه بسيف كلما هُزَّ يقطع
стр. 1709
أراد منافقاً أي منافق. والمعين مبتدع؛ يعني أن المعين للبدء لجهة مبتدع بدعة مذمومة. قاله مالك في المدونة. وهذا رد على ابن حبيب القائل: يبدأ بمقدم السرير الأيسر؛ وهو يمين الميت فيضعه الحامل على منكبه الأيمن، ثم بمؤخر السرير الأيسر، ثم بمؤخر يمناه، ثم بمقدمه وهو يسار الميت فيختم به، وعلى أشهب القائل: يبدأ بمقدم يمين السرير، ثم بمؤخره، ثم بمقدم يسار السرير، ثم يختم بمؤخره، وقال التتائي عن سند: مبتدع لتخصيصه في حكم الشرع ما لا أصل له ولا نص فيه ولا إجماع وهذه سمة البدعة، ولا ينافي المصنف رواية ابن عساكر عن معروف الخياط عن واثلة مرفوعًا: (من حمل جوانب السرير الأربع غفر له أربعون كبيرة (١))؛ لأنها في حمله بنواحيه الأربع بحسب ما يتفق والمصنف في تعيين بدئه، وقوله: "والمعين مبتدع"، انظره مع نقل ابن حبيب ذلك عن غير واحد من الصحابة والتابعين، قال الشيخ عبد الباقي، وغيره: فلعله لم يبلغ مالكًا أو بلغة ولم يصحبه عمل، قال ابن حبيب: وكان مالك يوسع في ذلك أن يبدأ بما شاء ويحمل كيف شاء، قال: والفضل فيما ذكرت لك. وفي الشبراخيتي. عند قوله: "والمعين مبتدع": أي المعين لعدد من الأعداد أو لجهة من الجهات، فهو راجع للمسألتين؛ أي لقوله: "وحمل غير أربعة"، ولقوله: "وبدء بأي ناحية".
واعلم أن يمين النعش ما كان مقابلا ليمين من استقبله من ناحية رجلي الميت، ويساره ما كان مقابلا ليسار من استقبله من الناحية المذكورة، وأن يمين الميت يكون في ناحية يسار النعش، ويساره في ناحية يمينه، وهذا على ما لابن حبيب، والله سبحانه أعلم. ومقتضى هذا أن الميت يجعل على ظهره في النعش، فيكون وجهه مستقبلاً للسماء، وقال الشيخ محمد بن الحسن عن الرماصي: اليمين واليسار للسرير على قول أشهب باعتبار استقبال الحامل له إذا أتى من جهة رأسه، هذا معنى قول أشهب في مدونته، ويلزم من هذا التفسير أن يكون يمين السرير هو يمين الميت، ويساره يساره، وعبر أبو الحسن عن قول أشهب بقوله: يبدأ بمقدم الميت الأيمن ثم بمؤخره إلخ. وأما قول ابن حبيب: يبدأ بمقدم السرير الأيسر؛ وهو يمين الميت إلخ، فيأتي على اعتبار استقبال الحامل له إذا أتى جهة رجليه؛ لأن يسار السرير حينئذ هو يمين الميت، وما
стр. 1710
ذكرناه في تفسير كلام أشهب نحوه لأبي الحسن في شرح المدونة، وبه تعلم أن ابن حبيب يتفق مع أشهب في البداءة ويختلفان في الختم، واعتراض الأجهوري غير صحيح. انتهى. وقد علِمتَ من كلاميهما أن الميت يوضع على النعش على ظهره وجهه مقابل للسماء، وقد مر أنه يصلى عليه في النعش ولا يلاصقه المصلي عليه، بل تكون بينهما فرجة، فمقتضى هذا: أن الميت إذا كان يصلى عليه يجعل على ظهره مقابلا للسماء -كما مر- وقد نص الاندزالي على أن رد وجه الجنازة للقبلة عند الصلاة أو حالة الممات بدعة، فقال:
ومن بدائعهم التهليل … بالجهر عند رفعها خليل
كرد وجهها لدى الصلاة … لقبلة أو حالة الممات
يعني قبل أن تزهق روحه. والله سبحانه أعلم. وخروج متجالة؛ يعني أنه يجوز خروج المتجالة في جنازة كل أحد قريبًا كان أو أجنبيا للصلاة عليها ولتشييعها. أو إن لم تخش منها الفتنة؛ يعني أنه يجوز خروج الشابة التي لا تخشى منها الفتنة في الجنازة، لكن لا يجوز خروجها إلا في جنازة من عظمت مصيبتها به، وذلك كأب، وأم، وزوج، وابن، وبنت، وأخ شقيق، أو لأب، أو لأم، وأخت كذلك. قال الشيخ علي الأجهوري: ظاهره كالمدونة عدم خروجها لجنازة عمها، مع أنه ورد في الكتاب والسنة أنه أب. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي مجيبا عن اعتراض شيخه ما ورد في التعظيم والاحترام، لا في الحنانة والشفقة كمن ذكر في خروجها لهم فعظم مصيبتها بهم أقوى عادة فلم تدخل الكاف سوى من ذكر من الأم والبنت: ويكره خروجها لغير من ذكر فإن خُشِيَ منها الفِتْنَةُ حرم مطلقاً. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: كونها لا تخرج في العم وإن كان ظاهر المدونة، لكن عزا لها ابن عرفة عدم الاقتصار على من ذكر، وعبارته عنها الشابة تمنع في غير الولد والوالد والزوج ونحوهم. انتهى. وهكذا في عبارة ابن رشد، ونصها: فالنساء في شهودها ثلاثة؛ متجالة، وشابة، ورائعة ضخمة، فالمتجالة تخرج في جنازة القريب والأجنبي، والشابة تخرج في جنازة أبيها وأخيها ومن أشبههما من القرابة، والمرأة الرائعة الضَّخمة يكره لها الخروج أصلاً والتصرف بكلِّ حال، هذا هو المشهور. انتهى من
стр. 1711
البيان. لكن نقل ابن الحاجب في مخشية الفتنة الحرمة، فالكراهة في كلام ابن رشد لعلها للتحريم، ومن عبارة ابن عرفة وابن رشد تعلم أن العم تخرج له كغيره من الأقارب، وأن الكاف ليست استقصائية. والله أعلم. انتهى كلام الشيخ بناني. وفي الشارح: وإذا كانت المرأة من القواعد جاز لها الخروج في القريب والأجنبي، وإن كانت ممن يخشى منها الفتنة حرم عليها، وإن فقد منها الوصفان كره لها ذلك إلا أن تعظم مصيبتها بموت أبيها أو أختها أو زوجها، فلا كراهة؛ وهو قوله في المدونة. انتهى.
وعلم مما قررت أن كلام المصنف منطوقا ومفهوما اشتمل على أقسام النساء الثلاثة، اثنان بالمنطوق، وواحد بالمفهوم. وسبقها؛ يعني أنه يجوز لمن يشيع الجنازة أن يسبقها إلى موضع دفنها اتفاقا لا لموضع الصلاة عليها، فخلاف الأولى. ابن العطار: وإن طلب منه حضور جنائز متباعدة المقابر، فليشهد الأفضل منها، قال الحطاب: فظاهره أنه لو قربت يحصل له أجر دفن جميعها، ومعنى ذلك إذا نوى ذلك للجميع، وله أصل وهو اجتماع الجنائز في صلاة واحدة يحصل له فضل الجميع، قاله الخرشي والحطاب.
وجلوس قبل وضعها؛ يعني أنه يجوز لمن مع الجنازة من راكب وماش أن يجلس عند القبر قبل وضعها عن أعناق الرجال؛ وهو ظاهر المدونة والنوادر والجلاب، ولم يعول على تقييد ابن أبي زيد ذلك بالماشي، قال: وأما الراكب فلا ينزل حتى توضع؛ أي إكرامًا لها، وقال ابن شعبان: لا توضع عن الرقاب حتى يتكامل من يشيعها، ويفهم من المؤلف جواز البقاء على القيام حتى توضع. ونقل؛ يعني أنه يجوز نقل الميت من مكان لآخر قبل الدفن وبعده، ويُستَثْنى من قوله: ولا ينبش، وَيُشْتَرط في جواز نقله بعد الدفن أن يتم جفافه، ويشترط في الجواز أيضًا مطلقاً أي قبل الدفن وبعده أن لا ينفجر ولا تهتك حرمته، وأن يكون لمصلحة كأن يخاف عليه أن يأكله البحر، أو ترجى له بركة الموضع المنقول إليه ككونه بجوار صالحين، أو ليدفن بين أقاربه، بل يندب في هذا الأخير كما في التتائي عن الطراز، أو لأجل قرب زيارة أهله له، قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره. وفي الشبراخيتي مشترطا في جواز النقل ما نصه: وبحيث لا ينفجر ولا تنتهك حرمته حين النقل أو قبل الدفن في المكان المنقول إليه؛ بأن تكون المسافة قريبة والزمان معتدلا،
стр. 1712
وأن يتم جفافه. وانظر ما طينته من أي التربتين؛ لأنه ورد في الخبر عن أبي هريرة ﵁: (ما من أحد خلق من تربة إلا أعيد فيها (١))، وينبغي أن تكون من الثانية لأنها التي استقر فيها، وقال الحافظ ابن حجر: يجوز أن تكون من التربتين جميعًا، قال: وهل يسأل فيهما جميعًا أو في الأولى فقط؟ والأظهر أنه إن وضع في الأولى على نيَّة النقل، فيجوز أن يسأل في الأولى فقط، وأن يؤخر سؤاله حتى يدفن في الثانية، وانظر ماذا تربة مأكول السبع ونحوه؟ قاله الشيخ عبد الباقي. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أن تربة مأكول السبع: الموضع الذي يقع ثفله فيه. والله سبحانه أعلم. وما تقدم من أن النقل يجوز قبل الدفن وبعده هو الذي يدل له خبر البخاري: (أن جابر بن عبد الله قتل أبوه يوم أحد فدفنه مع رجل آخر، ثم لم تطب نفسه أن يتركه مع آخر في قبر، قال: فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه (٢))، وخص البساطي جواز النقل بما قبل الدفن، قائلاً: الراجح عدم جوازه بعد الدفن، وجوازه بعده هو الذي استظهره الشارح، وصدر به التتائي. وفي النوادر: أن طلحة أصيب يوم الجمل، فدفن، فرأى إنسان في المنام: انقلوه، فنقل، فدفن في مكان آخر. وفي الموطإ أن رجلين خرب السيل قبريهما فنقلا إلى مكان آخر. وإن من بدو؛ يعني أن النقل حكمه الجواز، ولا فرق في ذلك بين أن ينقل الميت من البدو للحاضرة وبين أن ينقل من الحضر للبدو، ورد المصنف بالمبالغة القول بأن النقل من البدو للحاضرة مندوب، قاله الجنان. وعلى هذا فمن على بابها لابتداء الغاية في المكان. والله سبحانه أعلم. وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: قال ﷺ : (لا غربة على المؤمن ما مات مؤمن بأرض غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه فيها السماء والأرض (٣))، وقال: (إذا مات في غير مولده قيس له في الجنة من موطنه إلى منقطع أثره (٤)). انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: هذه الأحاديث رواها ابن حبيب، وذكرها عنه في النوادر كما نقله الحطاب، لكن قال بعض المحقّقين: إنها لا أصل لها في كتب الحديث، وأن ابن حبيب في رواية الحديث ضعيف،
стр. 1713
نعم روى الدارقطني عن ابن عباس وصححه أن النبي ﷺ ، قال: (موت الغريب شهادة (١))، نقله عبد الحق في الأحكام الصغرى آخر الجنائز. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. قال مؤلفه عفا الله عنه: انظر قوله: لا أصل لها في كتب الحديث مع ما أخرجه النسائي، عن ابن عمرو بن العاصي ﵄، قال: (مات رجل بالمدينة ممن ولد بها فصلى رسول الله ﷺ عليه، ثم قال: يا ليته مات بغير مولده، قالوا: ولم ذلك؟ قال: إن العبد إذا مات بغير مولده قيس له بين مولده إلى منقطع أثره في الجنة (٢)). رواه في التيسير.
وبكاء عند موته وبعده؛ يعني أنه يجوز البكاء على الميت عند موته، وبعد موته والأفضل تركه لمن استطاع، وإنما جاز البكاء بالدموع، لخبر. (مر النبي ﷺ بنساء يبكين على ميت فانتهرهن عمر ﵁، فقال رسول الله ﷺ : دعهن يا ابن الخطاب فإن العين دامعة والعهد قريب (٣))، (ولبكائه ﷺ على ولده إبراهيم (٤))، وقال: (تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، يا إبراهيم لولا أنه أمر حق ووعد صدق وقضاء مقضي وسبيل مأتي وأن الآخر منا لاحق بالأول لحزنا عليك ووجدنا بك أشد من وجدنا وحزننا هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون (٥))، ثم استرجع ﷺ وأكثر من حمد الله، ونعي إلى عائشة بعض أهلها، فرفعت طرف خمارها ورداؤها على وجهها، وانتحبت ساعة ثم سكتت وقالت: لا بأس بهذه الدمعة أن تراق ما لم يقل معها ما لا يصلح ولا ينبغي، قال الشيخ بناني: إن قول المصنف: "وبكاء"، بالمد -والله سبحانه أعلم- والبكى والبكاء، قيل: مترادفان وهو الذي في القاموس، وقيل: إن ما كان برفع صوت لا يطلق عليه بكى بالقصر، وإنما يطلق عليه بكاء بالمد. والله سبحانه أعلم.
بلا رفع صوت؛ يعني أن البكاء على الميت إنما يجوز إذا لم يرفع الصوت به، وأما إن كان برفع صوت فإنه لا يجوز، فالجائز ما كان بلا صوت أو بصوت لم يرفع فلا يحرم إلا البكاء بالصوت
стр. 1714
العالي، قاله الشيخ بناني. والباء في قوله: "بلا رفع صوت"، الظاهر أنها للمصاحبة، والمجرور في موضع الحال فهو ظرف مستقر، والله سبحانه أعلم.
وقول قبيح؛ يعني أنه يشترط في جواز البكاء مع الشرط المتقدم أن لا يصاحبه قول قبيح، فإن صَاحَبَه قولٌ قبيحٌ حرم كما لو كان برفع صوت، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ويحرم برفع الصوت والقول القبيح أو بأحدهما، لخبر: (ليس منا من حلق ولا خرق ولا دلق ولا سلق (١)). الحلق: حلق الشعر، والخرق: خرق الثوب، والدلق: ضرب الخدود، والسلق: الصياح في البكاء وقبح القول. والصحيح أن ضرب الخدود حرام، وقال السهيلي: مكروه في حال المصيبة، وتركه أحمد إلا على أحمد ﷺ :
والصبر يحمد في المصائب كلها … إلا عليه فإنه مذموم
واستدل بقول السيدة عائشة ﵂: (لما قبض رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، فمن سفهي وحداثة سني أن وضعت رأسه ﷺ على الوسادة، وقمت ألتدم مع النساء (٢)). والالتدام: ضرب الخد باليد، وفيما قاله نظر لأنها دهشت، ولذلك قالت: فمن سفهي وحداثة سني فوصفت نفسها بالسفه، وهو فعل غير الصواب، وقد ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب (٣))، وقوله: ليس منا؛ أي ليس على سنتنا وطريقتنا، وربما ظن العوام ظاهره فزعموا أن من خرج من ثوبه بشقه خرج من دينه وهو ظن فاسد. الشيخ زروق: وكنت أسمع من القوري غير مرة أن معنى قولهم: ووه بالفارسية: لا أرضى يا رب، وهذا خطر عظيم نسأل الله العافية، لكن في زماننا لا يقصد قائل هذا ذلك المعنى، قاله الشيخ عبد الباقي، وقوله: "وبكاء عند موته"، محله حيث لم يكن مع اجتماع النساء، كما يأتي في قوله: "واجتماع نساء لبكى وإن سراً".
стр. 1715
وجمع أموات بقبر لضرورة؛ يعني أنه يجوز أن يجمع أموات في قبر واحد يدفنون فيه اثنان فأكثر لأجل ضرورة من ضيق مكان أو تعذر حافر ونحو ذلك، وسواء كانت الضرورة بوقت واحد أو أوقات، وما يأتي من أنه لا ينبش مخصوص بغير الضرورة، وسواء كانوا أقارب أو أجانب ذكورا كانوا أو إناثاً أو مختلفين، ففي النوادر: ويجمع بين الرجل والمرأة للضرورة، واحترز بقوله: "لضرورة"، عما إذا لم تكن ضرورة، فإنه يكره الجمع وإن كانوا أجانب. قاله الشبراخيتي. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وكره لغيرها؛ يعني الضرورة وإن كانوا محارم. وفي الحطاب عن الجزولي: اختلف في دفن الجماعة في قبر واحد اختيارا، قيل: لا يجوز وهو المشهور، وقيل: يجوز. انتهى.
وَنَقل الكرَاهَةَ عن غير واحد عند عدم الضرورة، وقوله: وجمع أموات بقبر لضرورة، فإن أمكن جعل الأخير بجانب الأصل وجب ذلك، وقال الشيخ عبد الباقي: ولا يجوز لم عظامه متصلة، أو منفصلة ولا تقطيع العظام المتصلة ولمها كما هو مقتضى كلامهم في غير موضع، ولما روي (أنه يؤذي الميت ما يؤذي الحي (١)). وقوله: وجمع أموات بقبر لضرورة، ويجعل بينهم حائل ولو بالتراب، ولا تتصف مصر القاهرة ونحوها بضيق لسعة مقابرها وتعددها، فلا يجوز شيء مما مر لعدم الضرورة فيها. ابن القاسم: لم أسمع عن مالك: يجعل بينهم حائل من التراب، وأنا أراه، ولأشهب: يكفي الكفن، وقوله: وجمع أموات بقبر لضرورة، وكذلك يجوز جمعهم بكفن لضرورة، وليس معنى كلام المصنف أن يجعل أموات بقبر واحد يكون واحد فوق آخر، بدليل قوله: وولي القبلة الأفضل؛ يعني أنه إذا دفن الأموات بقبر واحد، فإنه يجعل الأفضل منهم موالياً للقبلة، فإذا كانوا رجالا ونساء وصبيانا، ولي الرجال القبلة والصبيان من ورائهم والنساء من وراء الصبيان، لجمعه ﷺ بين الرجلين من قتلى أحد في قبر واحد، ثم يقول: (أيهم كان أكثر أخذا للقرآن، فإن أشير إلى أحد قدمه في اللحد (٢)). وسمع موسى الجمع في القبر للضرورة. فالرجل للقبلة ثم الصبي ثم المرأة.
стр. 1716
واعلم أنه يقدم في الإقبار أي الدفن في القبر الأفضل، وقوله: "وولي القبلة الأفضل"، يجري مثل ذلك في تعدد القبور بمكان واحد، فيجعل أفضلهم مواليا للقبلة، ولا بأس أن يجعل منفوس النفساء معها، فإن استهل جعل ناحية الإمام إن كان ذكراً، وإلا أخر عنها ونويت الصلاة عليها دونه إن لم يستهل ولا بأس أن يدفن معها ولو استهل أي ولو لغير ضرورة، فيستثنى هذا من قوله: "لضرورة"، أو بصلاة، عطف على قوله: "بقبر"؛ يعني أنه يجوز جمع الأموات اثنين فأكثر في صلاة؛ بأن يصلَّى عليهما أو عليهم صلاة واحدة، وليس المراد بالجواز في هذه الجواز المستوي الطرفين؛ لأن الجمع بصلاة مندوب كما في المدونة، ففيها لابن القاسم: إن اجتمعت جنائز لم يَنْبَغِ للإمام أن يصلي على بعضها، ويؤخر بعضها، وقول الرسالة: ولا بأس أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة، قال ابن ناجي: لا بأس هنا لما هو خير، فإن قيل تعدد الصلاة قربة، فالجواب أنه منع منه طلب الإسراع بالجنائز خوف التغيير، وأيضًا القصد بالصلاة عليها الدعاء للميت وهو حاصل بالصلاة الواحدة عليهم والثواب حاصل للمصلي، ويتعدد له القيراط بتعددهم كما قال أبو عمران والشيخ سليمان شارح اللمع.
ابن العطار: وإن طلب منه حضور جنائز متباعدة المقابر فليشهد الأفضل منها، قال بعض: الظاهر أنها لو قربت يحصل له أجر دفن جميعها، ومعنى ذلك إذا نوى ذلك للجميع وله أصل وهو اجتماع الجنائز في صلاة واحدة ويحصل له فضل الجميع، وينتهي اجتماع الجنائز في الصلاة لعشرين مرتبة اقتصر المصنف منها على اثنتي عشرة مرتبة، وترك مراتب المجبوب الأربع لفهمها من الخصي، وكونها عقبه لشرفه ببقاء إحدى آلتيه، وترك مراتب النساء الأربع أيضًا لتأخرهن عن الخناثى، وللاجتماع صفتان؛ إحداهما من الإمام إلى القبلة، وأشار لها بقوله: يلي الإمام رجل؛ يعني أنه إذا كانت الجنائز أصنافاً فإنهم يجعلون من الإمام إلى القبلة، ويقف الإمام عند أفضلهم، فيليه الرجل الحر الكبير الفحل، فإن تفاضل الأحرار البالغون في العلم والفضل والسن، قدم الإمام أعلمهم ثم أفضلهم ثم أسنهم، وقيل: يقدم الأفضل على الأعلم؛ وهو بعيد لأن فضل العلم مزية يطلع عليها، وزيادة الفضل لا يطلع عليها، قاله ابن رشد. وظاهر المصنف تقديم
стр. 1717
الرجل ولو كان من بعده أعلم منه وأعبد وأسن، أو كان فيه بعض ذلك دون من قبله، وكذا يقال في الطفل والعبد.
ويقدم عالم على شريف عامي لظهور مزية العلم وتعدي نفعها للغير أي شأنها ذلك، وقدم حافظ قرآن على شريف عامي كما يؤخذ من قضية أحد، ومحدث على فقيه، ومفسر على محدث فيما يظهر لشرف كل عالم بشرف معلومه. الفاكهاني: فإن تساوى جماعة فالقرعة اتفاقاً إلا أن يتراضى الأولياء على أمر. قاله الشيخ سالم.
فطفل؛ يعني أن الطفل الحر الفحل يكون خلف الرجل الحر الذي يقف الإمام عنده، فإن تفاضل الصبيان في حفظ القرآن ومعرفة شيء من أمور الدين والمحافظة على الصلوات والطاعات والسن، قدم ذو المعرفة على الذي عرف بالمحافظة على الصلوات وفعل الطاعات، ويقدم من عرف بذلك على الأسن، فإن لم تكن مزية لأحدهم على الآخر قدم الأسن، فإن تساووا فالقرعة كما تقدم إلا أن يتراضى الأولياء على أمر.
فعبد؛ يعني أنه يلي الطفل الحر الفحل العبد الذكر البالغ الفحل، فيجعل من ورائه، والطفل العبد الفحل من وراء ذلك، فإن تفاضلوا سلك فيهم ما تقدم في الأحرار، وكذا يسلك فيهم عند التساوي ما تقدم في تساوي غيرهم.
فخصي؛ يعني أن الخصي بأقسامه الأربعة يلي العبد الصغير الفحل، فيليه الخصي الكبير الحر، ثم الخصي الصغير الحر، ثم الخصي الكبير العبد، ثم الخصي الصغير العبد، ثم مجبوب كذلك؛ أي كبير حر، فصغير حر، فمجبوب كبير عبد، فصغير عبد.
فخنثى؛ يعني أنه يلي المجبوبَ الصغيرَ العبدَ الخنثى الكبيرُ الحرُّ، فالصغير الحر، فالخنثى الكبيرُ العبدُ، فالصغيرُ العبدُ، فقوله: كذلك، راجع للعبد وللخصي والخنثى كما قررته؛ أي عبد فحل بقسميه، وحر خصي بقسميه، وعبد خصي بقسميه، وحر خنثى بقسميه، وعبد خنثى بقسميه، ويلي الخنثى الصغير العبد المرأة الحرة الكبيرة، فالحرة الصغيرة، فالأمةُ الكبيرةُ، فالأمة الصغيرةُ، فإن كان كل صنف متحدا فالأمر ظاهر، وإن تعدد وُلِيَ الإمام الأفضل ثم من يليه بعده، وهكذا على التَّرتيب السابق إلى القبلة: وقد مر شيء من هذا وتقدم حكم ما إذا تساووا مع التعدد.
стр. 1718
واعلم أن الخنثى المتضح ذكورته من الذكور، والمتضح أنوثته من الإناث، وفي كتاب الشيخ الأمير: تقديم من قويت شائبة حريته ومن لا تخنث فيه على متضح ونحو ذلك، وها أنا أبين لك الكيفية لزيادة التوضيح، فأقول: قال الشيخ إبراهيم: وهذا التَّرتيب مندوب وإن حصل تساو من كل وجه أقرع إلا أن يتراضى الأولياء على أمر، ولا يقدم مرتبة لاحقة على سابقة كعبد على حر وأنثى على ذكر، ولو فضلت في العلم والعبادة والسن، وهذه كيفيتها:
|
وفي الصنف أيضا الصف؛ يعني أنه يجوز في المصنف أي الجنس المتقدم صفة ثانية غير الصفة التي مر بيانها؛ وهي مساوية للأولى في الندب عند غير الشاذلي ودونها عنده. قاله الشيخ عبد الباقي. والصفة الثانية هي أن تجعل هذه الأصناف صفا واحدًا من المشرق إلى المغرب، أو من الجوف إلى مقابله بحسب جهة القبلة، ويقف الإمام عند أفضلهم، وفي ذلك طريقان؛ الأولى: أن يقف الإمام عند الأفضل ويجعل عن يمين الإمام مفضول الأفضل، بحيث تكون رجلاه عند رأس الأفضل وباقي الأصناف تجعل كلها على يسار الإمام، وهذه الصفة ذكرها في التوضيح وتبعه الشارح. الطريقة الثانية: أن يجعل مفضول من على جهة اليمين جهة اليسار ومفضول من على جهة اليسار، على اليمين، وهكذا وهو الذي ذكره ابن رشد وابن عبد السلام، وقد اعترض الفيشي كلام الشارح بأنه تبع فيه التوضيح، قال: والظاهر ما قاله ابن عبد السلام.
стр. 1719
|
стр. 1720
واعلم أن هذه الكيفيات الثلاث تجري في الأصناف المتعددة كما مثلت لك، وفي المصنف الواحد من الرجال الأحرار فقط والصغار منهم فقط، وهكذا إلى أن تأتي على بقية الأصناف كما يفيده كلام ابن رشد والشارح. والله سبحانه أعلم.
وعلم مما قررت أن المراد بالصنف في كلام المصنف الجنس، فيشمل الأصناف المتقدمة، وفي صحيح البخاري عنه ﷺ : (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط (١)). واختار البغوي هذه الرواية في المصابيح، قال مخرجه: لنكتة حسنة؛ وهو التصريح بأن القيراطين عن الصلاة وحضور الدفن، بخلاف ما في مسلم فإنه ربما يتوهم متوهم منه أن القيراطين عن الدفن وواحد عن الصلاة. انتهى. ووقت استحقاق الأول: وقت الفراغ من الصلاة، ووقت استحقاق الثاني: الفراغ من الدفن، وتوابعه من صب الماء وغيره.
وأحد جبل بالمدينة؛ وإنما خص التمثيل به لأنه أكبر الجبال فإنه بلغ إلى الأرض السابعة، وإن كنت تراه صغيراً؛ لأن كل عرق منه يتشعب من عروق تتصل بكلِّ جبل من جبال الدنيا، والمعنى أنه لو كان هذا الجبل من ذهب أو فضة وتصدق به كان ثوابه مثل ثواب هذا القيراط، وهذا ما عليه الأكثر. ويحتمل أنه لو جعل هذا الجبل في كفة، وجعل هذا القيراط في كفة لكان يساويه، فالأول ناظر للتصدق بزنته نقداً، والثاني ناظر لعدله ثوابا، وقال الشيخ زروق. عن الشاذلي: ظاهر كلام الشيخ؛ أي صاحب الرسالة أن: القيراط في الدفن يحصل وإن لم يتبعها في الطريق؛ وهو ظاهر قول المدونة، وجائز أن يسبق وينتظر.
وحضور الجنازة إما رغبة في الآخرة، أو خوفًا من أن يعاقب، أو مكافأة؛ فالأول فيه الأجر والاخران لا أجر فيهما، ويدل له حديث البخاري المتقدم، وهذا يخالف ما لابن العماد، فإنه قال: لا يقدح في الأجر كون الإنسان يتبع الجنازة لأجل أقاربها؛ لأن ذلك مأمور به فلا يدخله الرياء كما توهمه بعضهم، وقد وجد في الحلية لأبي نعيم عن ابن سيرين: أنه سئل عن ذلك؟