← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

واعلم أنه يقدم في الإقبار أي الدفن في القبر الأفضل، وقوله: "وولي القبلة الأفضل"، يجري مثل ذلك في تعدد القبور بمكان واحد، فيجعل أفضلهم مواليا للقبلة، ولا بأس أن يجعل منفوس النفساء معها، فإن استهل جعل ناحية الإمام إن كان ذكراً، وإلا أخر عنها ونويت الصلاة عليها دونه إن لم يستهل ولا بأس أن يدفن معها ولو استهل أي ولو لغير ضرورة، فيستثنى هذا من قوله: "لضرورة"، أو بصلاة، عطف على قوله: "بقبر"؛ يعني أنه يجوز جمع الأموات اثنين فأكثر في صلاة؛ بأن يصلَّى عليهما أو عليهم صلاة واحدة، وليس المراد بالجواز في هذه الجواز المستوي الطرفين؛ لأن الجمع بصلاة مندوب كما في المدونة، ففيها لابن القاسم: إن اجتمعت جنائز لم يَنْبَغِ للإمام أن يصلي على بعضها، ويؤخر بعضها، وقول الرسالة: ولا بأس أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة، قال ابن ناجي: لا بأس هنا لما هو خير، فإن قيل تعدد الصلاة قربة، فالجواب أنه منع منه طلب الإسراع بالجنائز خوف التغيير، وأيضًا القصد بالصلاة عليها الدعاء للميت وهو حاصل بالصلاة الواحدة عليهم والثواب حاصل للمصلي، ويتعدد له القيراط بتعددهم كما قال أبو عمران والشيخ سليمان شارح اللمع. ابن العطار: وإن طلب منه حضور جنائز متباعدة المقابر فليشهد الأفضل منها، قال بعض: الظاهر أنها لو قربت يحصل له أجر دفن جميعها، ومعنى ذلك إذا نوى ذلك للجميع وله أصل وهو اجتماع الجنائز في صلاة واحدة ويحصل له فضل الجميع، وينتهي اجتماع الجنائز في الصلاة لعشرين مرتبة اقتصر المصنف منها على اثنتي عشرة مرتبة، وترك مراتب المجبوب الأربع لفهمها من الخصي، وكونها عقبه لشرفه ببقاء إحدى آلتيه، وترك مراتب النساء الأربع أيضًا لتأخرهن عن الخناثى، وللاجتماع صفتان؛ إحداهما من الإمام إلى القبلة، وأشار لها بقوله: يلي الإمام رجل؛ يعني أنه إذا كانت الجنائز أصنافاً فإنهم يجعلون من الإمام إلى القبلة، ويقف الإمام عند أفضلهم، فيليه الرجل الحر الكبير الفحل، فإن تفاضل الأحرار البالغون في العلم والفضل والسن، قدم الإمام أعلمهم ثم أفضلهم ثم أسنهم، وقيل: يقدم الأفضل على الأعلم؛ وهو بعيد لأن فضل العلم مزية يطلع عليها، وزيادة الفضل لا يطلع عليها، قاله ابن رشد. وظاهر المصنف تقديم

стр. 1717

الرجل ولو كان من بعده أعلم منه وأعبد وأسن، أو كان فيه بعض ذلك دون من قبله، وكذا يقال في الطفل والعبد. ويقدم عالم على شريف عامي لظهور مزية العلم وتعدي نفعها للغير أي شأنها ذلك، وقدم حافظ قرآن على شريف عامي كما يؤخذ من قضية أحد، ومحدث على فقيه، ومفسر على محدث فيما يظهر لشرف كل عالم بشرف معلومه. الفاكهاني: فإن تساوى جماعة فالقرعة اتفاقاً إلا أن يتراضى الأولياء على أمر. قاله الشيخ سالم. فطفل؛ يعني أن الطفل الحر الفحل يكون خلف الرجل الحر الذي يقف الإمام عنده، فإن تفاضل الصبيان في حفظ القرآن ومعرفة شيء من أمور الدين والمحافظة على الصلوات والطاعات والسن، قدم ذو المعرفة على الذي عرف بالمحافظة على الصلوات وفعل الطاعات، ويقدم من عرف بذلك على الأسن، فإن لم تكن مزية لأحدهم على الآخر قدم الأسن، فإن تساووا فالقرعة كما تقدم إلا أن يتراضى الأولياء على أمر. فعبد؛ يعني أنه يلي الطفل الحر الفحل العبد الذكر البالغ الفحل، فيجعل من ورائه، والطفل العبد الفحل من وراء ذلك، فإن تفاضلوا سلك فيهم ما تقدم في الأحرار، وكذا يسلك فيهم عند التساوي ما تقدم في تساوي غيرهم. فخصي؛ يعني أن الخصي بأقسامه الأربعة يلي العبد الصغير الفحل، فيليه الخصي الكبير الحر، ثم الخصي الصغير الحر، ثم الخصي الكبير العبد، ثم الخصي الصغير العبد، ثم مجبوب كذلك؛ أي كبير حر، فصغير حر، فمجبوب كبير عبد، فصغير عبد. فخنثى؛ يعني أنه يلي المجبوبَ الصغيرَ العبدَ الخنثى الكبيرُ الحرُّ، فالصغير الحر، فالخنثى الكبيرُ العبدُ، فالصغيرُ العبدُ، فقوله: كذلك، راجع للعبد وللخصي والخنثى كما قررته؛ أي عبد فحل بقسميه، وحر خصي بقسميه، وعبد خصي بقسميه، وحر خنثى بقسميه، وعبد خنثى بقسميه، ويلي الخنثى الصغير العبد المرأة الحرة الكبيرة، فالحرة الصغيرة، فالأمةُ الكبيرةُ، فالأمة الصغيرةُ، فإن كان كل صنف متحدا فالأمر ظاهر، وإن تعدد وُلِيَ الإمام الأفضل ثم من يليه بعده، وهكذا على التَّرتيب السابق إلى القبلة: وقد مر شيء من هذا وتقدم حكم ما إذا تساووا مع التعدد.

стр. 1718

واعلم أن الخنثى المتضح ذكورته من الذكور، والمتضح أنوثته من الإناث، وفي كتاب الشيخ الأمير: تقديم من قويت شائبة حريته ومن لا تخنث فيه على متضح ونحو ذلك، وها أنا أبين لك الكيفية لزيادة التوضيح، فأقول: قال الشيخ إبراهيم: وهذا التَّرتيب مندوب وإن حصل تساو من كل وجه أقرع إلا أن يتراضى الأولياء على أمر، ولا يقدم مرتبة لاحقة على سابقة كعبد على حر وأنثى على ذكر، ولو فضلت في العلم والعبادة والسن، وهذه كيفيتها: | وفي الصنف أيضا الصف؛ يعني أنه يجوز في المصنف أي الجنس المتقدم صفة ثانية غير الصفة التي مر بيانها؛ وهي مساوية للأولى في الندب عند غير الشاذلي ودونها عنده. قاله الشيخ عبد الباقي. والصفة الثانية هي أن تجعل هذه الأصناف صفا واحدًا من المشرق إلى المغرب، أو من الجوف إلى مقابله بحسب جهة القبلة، ويقف الإمام عند أفضلهم، وفي ذلك طريقان؛ الأولى: أن يقف الإمام عند الأفضل ويجعل عن يمين الإمام مفضول الأفضل، بحيث تكون رجلاه عند رأس الأفضل وباقي الأصناف تجعل كلها على يسار الإمام، وهذه الصفة ذكرها في التوضيح وتبعه الشارح. الطريقة الثانية: أن يجعل مفضول من على جهة اليمين جهة اليسار ومفضول من على جهة اليسار، على اليمين، وهكذا وهو الذي ذكره ابن رشد وابن عبد السلام، وقد اعترض الفيشي كلام الشارح بأنه تبع فيه التوضيح، قال: والظاهر ما قاله ابن عبد السلام.

стр. 1719

|

стр. 1720

واعلم أن هذه الكيفيات الثلاث تجري في الأصناف المتعددة كما مثلت لك، وفي المصنف الواحد من الرجال الأحرار فقط والصغار منهم فقط، وهكذا إلى أن تأتي على بقية الأصناف كما يفيده كلام ابن رشد والشارح. والله سبحانه أعلم. وعلم مما قررت أن المراد بالصنف في كلام المصنف الجنس، فيشمل الأصناف المتقدمة، وفي صحيح البخاري عنه ﷺ : (من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط (١)). واختار البغوي هذه الرواية في المصابيح، قال مخرجه: لنكتة حسنة؛ وهو التصريح بأن القيراطين عن الصلاة وحضور الدفن، بخلاف ما في مسلم فإنه ربما يتوهم متوهم منه أن القيراطين عن الدفن وواحد عن الصلاة. انتهى. ووقت استحقاق الأول: وقت الفراغ من الصلاة، ووقت استحقاق الثاني: الفراغ من الدفن، وتوابعه من صب الماء وغيره. وأحد جبل بالمدينة؛ وإنما خص التمثيل به لأنه أكبر الجبال فإنه بلغ إلى الأرض السابعة، وإن كنت تراه صغيراً؛ لأن كل عرق منه يتشعب من عروق تتصل بكلِّ جبل من جبال الدنيا، والمعنى أنه لو كان هذا الجبل من ذهب أو فضة وتصدق به كان ثوابه مثل ثواب هذا القيراط، وهذا ما عليه الأكثر. ويحتمل أنه لو جعل هذا الجبل في كفة، وجعل هذا القيراط في كفة لكان يساويه، فالأول ناظر للتصدق بزنته نقداً، والثاني ناظر لعدله ثوابا، وقال الشيخ زروق. عن الشاذلي: ظاهر كلام الشيخ؛ أي صاحب الرسالة أن: القيراط في الدفن يحصل وإن لم يتبعها في الطريق؛ وهو ظاهر قول المدونة، وجائز أن يسبق وينتظر. وحضور الجنازة إما رغبة في الآخرة، أو خوفًا من أن يعاقب، أو مكافأة؛ فالأول فيه الأجر والاخران لا أجر فيهما، ويدل له حديث البخاري المتقدم، وهذا يخالف ما لابن العماد، فإنه قال: لا يقدح في الأجر كون الإنسان يتبع الجنازة لأجل أقاربها؛ لأن ذلك مأمور به فلا يدخله الرياء كما توهمه بعضهم، وقد وجد في الحلية لأبي نعيم عن ابن سيرين: أنه سئل عن ذلك؟

стр. 1721

فقال: إن فيه صلة الحي والميت، فيكون ذلك أعظم أجرًا، ولو صلى إنسان على جنائز دفعة لحصل بكلِّ ميت قيراط لأنه شفع ودعا له، ولأن الفضل الواحد إذا عم نفعه تعدد الأجر بتعدد أفراد ما عمة الفعل. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: الفاكهاني: في الحديث أي حديث مسلم: (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان (١)). يحتمل عندي أن يكون له بالصلاة قيراط وبشهود الدفن قيراطان، فتكون ثلاثة، وقول الرسالة: وذلك في التمثيل مثل جبل أحد خصه بالتمثيل لأنه أكبر الجبال، وقيل: مثل لهم بما يعرفون، وقيل: لأنه متصل بالأرضين السبع، وقيل: لورود خبر فيه وهو: (أحد جبل يحبنا ونحبه (٢)). وما تقدم عن الفاكهاني في تفسير الحديث متعقب، والصَّواب اثنان فقط بدليل خبر البخاري، وما تقدم عن ابن العماد. قال الشيخ عبد الباقي: لا ينافي خبر البخاري: (إيماناً واحتسابا (٣))؛ لأن صلة الحي تكون احتسابا أو مداراة لا لأجل دنياه، وكلاهما من عمل الآخرة. وفي حاشية الشيخ بناني أن ما كان من مداراة لأجل الدنيا لا يكون من عمل الآخرة، وقد قال ابن حجر: ما نصه: ترتب الثواب على العمل يستدعي سبق النية فيه، فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة، أو على سبيل المحاباة، والله أعلم. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ظاهر الخبرين توقف حصول قيراط الصلاة على اتباعها من بيت الميت، وترتب القيراط الثاني على الأول، فمن لم يتبعها لكن صلى عليها أو شهدها حتى تدفن ولم يصل عليها لم يحصل له قيراط الصلاة في الأول ولا قيراط الدفن في الثاني. قال الأجهوري على الرسالة: وذكر لي بعض الفضلاء أن الجزولي صرح بتوقف قيراط الدفن على الصلاة، وبه صرح الشافعية. انتهى. قوله: ظاهر الخبرين لخ، قال الشيخ بناني: فيه نظر؛ إذ ليس في الخبرين المتقدمين ما يدل على اتباعها من البيت، نعم وقع في رواية أبي سعيد المقبري ما يدل على ذلك؛ إذ قال: (من تبعها من أهلها حتى يصلي عليها (٤)). الحديث وكذا في رواية حبان عند مسلم: (من خرج مع جنازة من بيتها (٥)) لخ، ثم قال عن ابن حجر: والذي يظهر

стр. 1722

أن القيراط يحصل أيضًا لمن صلى فقط؛ إذ كل ما قبل الصلاة وسيلة لها لا يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من تبع وصلى. انتهى. ثم ذكر رواية تشهد لما قال. انتهى. كلام الشيخ محمد بن الحسن. وزيارة القبور؛ يعني أن زيارة القبور جائزة، والمراد أذن فيها لأن زيارة القبور مندوبة كما صرح بذلك غير واحد لما فيها من التذكرة والاعتبار، لحديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الموت (١))، و (لخروجه ﷺ بأمر ربه إلى البقيع، ولو شاء الله لاستغفر لهم مكانه (٢))، ولكن أراد الله تشريع الإتيان إليها، الباجي: إنما أمرت عائشة بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتدعُوَ له بحضرته؛ لأن مشاهدته تدعو إلى الإشفاق والاجتهاد له، ولذلك يسعى إلى الجنائز ولا يجتزأ بما يدعى لها في المنزل، وفي الحديث: (اطلع في القبور واعتبر بالنشور (٣)). وذكر في المدخل في زيارة النساء للقبور ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، على ما يعلم في الشرع من الستر والتحفظ، عكس ما يفعل اليوم، والثالث الفرق بين المتجالة والشابة. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن، وغيره. وبالثالث جزم الثعالبي، ونصه: وأما النساء فيباح للقواعد ويحرم على الشواب التي يخشى عليهن الفتنة. انتهى. قاله الشيخ بناني وغيره. وقال في المدخل: الخلاف في نساء ذلك الزمان، وأما اليوم فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرهم في الدين بجوازه. وفي كلام بعضهم: أن ما ورد من النهي عن زيارتهن منسوخ. والله سبحانه أعلم. وفي الحديث: (ارجعن مأزورات غير مأجورات (٤))، يقال: وَزَرَ يزِر ووُزِرَ يُوزَرُ وِزرا بالكسر والفتح، وَزِرَةً كعدة: أثمّ فهو موزور، وقوله مأزورات للازدواج، ولوأفرد لقيل: موزورات، وقوله: بلا حد، الظاهر أنه في موضع الحال من زيارة فهو ظرف مستقر، والباء للمصاحبة. والله سبحانه أعلم؛ يعني أن زيارة القبور لا تحد بيوم مخصوص، ولا بوقت دون وقت، بل تزار في كل الأوقات، وفي جميع الأيام، وليست محدودة بيوم في الأسبوع أو أكثر، ولا

стр. 1723

تحد أيضًا بقدر في المكث عندها. وقال الشارح عند قوله: بلا حد أي بوقت من الأوقات مخصوص، ويحتمل أنه لا تحديد فيما يمكث عندها أو فيما يدعى به أو بعدد معلوم من الأسبوع أو الشهر أو العام أو العمر إلى غير ذلك. (وقد أذن ﵊ في زيارتها بعد أن نهى عن ذلك (١))، (وقد زار ﷺ القبور وجلس إليها وسلم على أهلها (٢)). انتهى. وقوله: "بلا حد"؛ أي ولكن الأفضل ليلة الجمعة ويومها، وينبغي لمن عزم على زيارة القبور أن يتأدب بآداب الزيارة ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه التطواف على الأجداث فإنها حالة تشاركه فيها البهائم، بل يقصد وجه الله وإصلاح قلبه ونفع الميت بالدعاء وما يتلو عنده من القرآن، وليجتهد له في الدعاء، وفي الإحياء: قال ﷺ : (من زار أبويه في كل جمعة غفر له وكتب بارا (٣))، وعن ابن سيرين عنه ﷺ : (إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله من البارين (٤)). نقله الحطاب، وغيره. وكيفية الزيارة: أن يسلم إذا دخل المقابر ويخاطبهم خطاب الحاضرين، فيقول كما في خبر أبي داود: (السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون (٥)). انتهى. وكنى بالدار عن أهلها، وأتى بالمشيئة للتبرك امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وقيل: إن إن بمعنى: إذا، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ وقيل: لتعليق اللحوق بتلك البقعة، وإذا وصل إلى قبر يعرفه سلم عليه، ويأتيه من تلقاء وجهه، وإن شاء من ناحية رجليه إلى رأسه، ثم يثني على الله تعالى بما حضره، ويصلي على نبيه الصلاة المشروعة للميت، ويدعو للميت بما أمكنه. قاله الشيخ إبراهيم. وفي التنبيه: اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آل سيدنا محمد الذي من صلى عليه عند دخول المقبرة، أوجب الله لأهلها الرحمة والمغفرة: وفي الشبراخيتي: عن بعضهم أن الموتى يعلمون بزُوَّارِهم يوم الجمعة ويوم السبت إلى طلوع الشَّمس، قال القرطبي: ولذلك تستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة وبكرة

стр. 1724

السبت فيما ذكر العلماء رحمة الله عليهم، وفي البيان: قد جاء: أن الأرواح بأفنية القبور وأنها تطلع بزُوَّارها، وأن أكثر اطلاعها يوم الخميس والجمعة وليلة السبت. وذكر (عن عاصم الجحدري أَنه سئل بعد موته، هل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ فقال: نعلم بها عشية الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى طلوع الشَّمس لفضل يوم الجمعة وعظمها (١))، وقد قيل: إن الأرواح تزور قبورها كل جمعة على الدوام، وعن ابن حنبل: إذا دخلتم المقابر فاقرءوا الفاتحة والمعوذتين وقل هو الله أحد، واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم. وفي القرطبي من حديث علي ﵁: (أنه ﷺ ، قال: من مر على المقابر وقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات (٢)). وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن، أنه قال: (من دخل المقابر، فقال: اللهم رب هذه الأجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدْخِلْ عليها روحا من عندك وسلاما مني، استغفر له كل من مات منذ خلق الله آدم (٣))، وأخرجه ابن أبي الدنيا بلفظ: كتب الله له بعدد من مات من ولد آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات، انتهى كلام الشيخ إبراهيم، ونقله غيره. وقال الشيخ عبد الباقي: ظاهر الأول استغفار من لم يدخل مقبرتهم أيضًا، وظاهر الثاني العموم في عددهم أيضًا. انتهى. ومر النبي ﷺ بقبور أهل المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: (السَّلام عليكم أهل القبور ويغفر الله لنا ولكم أنتم سلف ونحن بالأثر (٤)). رواه في التيسير عن الترمذي عن أبي هريرة ﵁. وقال ﷺ في زيارته: (السَّلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين (٥))، وقال ﷺ في الزيارة: (السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون (٦)). انتهى. وروى مسلم

стр. 1725

والنسائي عن عائشة ﵂، قالت: كلما كانت ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: (السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد (١)). انتهى. وفي الرياض: قال عبد الحق: اعلم أن الميت كالحي فيما يعطاه ويهدى إليه، بل الميت أكثر وأكثر؛ لأن الحي قد يستقل ما يهدى إليه ويستحقر ما يتحف به، والميت لا يستحقر شيئًا من ذلك ولو كان مقدار جناح بعوضة أو وزن مثقال ذرة؛ لأنه يعسر قيمته، وقد كان يقدر عليه فضيعه، وقد قال ﵊: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (٢))، فهذا دعاء الولد يصل إلى والده وينتفع به، وكذلك: أمره ﵇ بالسلام على أهل القبور والدعاء لهم، ما ذاك إلا لكون ذلك الدعاء لهم والسلام عليهم يصل إليهم ويأتيهم والله أعلم. ويروى عنه ﵊، أنه قال: (الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها (٣)). قال عبد الحق: وأعلم أن قبور الصالحين لا تخلوا من بركة، وأن زائرها والمسلم عليها والقارئ عندها والداعي لمن فيها لا ينقلب إلا بخير ولا يرجع إلا بأجر، وقد يوجد لذلك أمارة وتبدو له منها بشارة. انتهى. وروى ابن عبد البر عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما من رجل مر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فسلم عليه إلا عرفه ورد ﵇ (٤))، ويروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس به حتى يقوم (٥)). نقله في الرياض. ومن قرأ هذا الدعاء، وهو: اللهم إني أسألك بجاه نبيك نبي الرحمة، وترابه الطيبة الطاهرة، وما ضمه أن لا تعذب

стр. 1726

هذا الميت في قبره، ثلاث مرات عند وقوفه على القبر القديم والجديد، لا يعذب أبداً. قال بعضهم: نقلته من خط سيدي أحمد بابًا، ومن أخذ قبضة من تراب القبر فقرأ عليه سورة القدر سبعاً تحت رأس، أو قال عند رأس الميت في القبر، فإنه لا يعذب ولا يرى سوءًا، نقله صاحب كتاب البركة. ومن قرأ على الميت الفاتحة مرة، والإخلاص أحد عشر، ويبسمل أول كل مرة فهو خير عظيم. وعن عمر ﵁: من جلس عند رأس الميت حين يوضع في القبر وقرأ السور التي تقرأ في الوتر قبل أن يطرح عليه التراب، رفع الله عنه عذاب القبر وأدخل عليه ألف نور. وفي نقل الثعالبي: يستحب الوقوف بعد الدفن قليلا والدعاء للميت مستقبل وجهه بالثبات، فيقال: اللهم هذا عبدك أنت أعلم به منا ولا نعلم أنَّه إلا خيرًا وقد أجلسته لتسأله، اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة كما ثبته في الدنيا، اللهم ارحمه وألحقه بالنبي محمد ﷺ ، ولا تضللنا بعده ولا تحرمنا أجره. وشهد أبو سعيد وأبو هريرة ﵄ على رسول الله ﷺ أنه قال: من قال: (لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله لا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم مات لم تطعمه النار. يعقدهن خمسا بأصابعه. ثم قال: من قالهن في يوم أو ليلة أو شهر، ثم مات في تلك الليلة أو ذلك اليوم أو ذلك الشهر، غفر له ذنوبه. ومن قال هذا أول مضجعه نجاه الله من النار، وهو: لا إله إلا الله يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، سبحان الله رب العباد والبلاد، والحمد لله كثيرًا طيباً مباركاً فيه على كل حال، الله أكبر كبير كبرياء ربنا وجلاله بقدرته في كل مكان، اللهم إن أمرضتني لتقبض روحي في مرضي هذا فاجعل روحي في أرواح من سبقت لهم منك الحسنى (١)). ومما يدعو به العبد عند الموت فيخفف عنه كرب الموت: يا نور السماوات والأرض، ويا رافع السماوات والأرضين، ويا غياث المستغيثين، ويا منتهى رغبة الراغبين، ويا منفس عن المكروبين، ويا منقذ الهالكين، ويا ناصر من لا ناصر له، ويا مفرج عن المغمومين، يا مجيب دعوة المضطرين، ويا كاشف كل سوء، ويا أرحم الراحمين، اختم لي بالحسنى، وفرج عني كرب

стр. 1727

الموت. وفي العلوم الفاخرة: أن من قال هذا في مرضه كان ملطوفا به، وهو: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى قوله: ﴿سليم﴾، ومن أكثر من قول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أربعين مرة مع سورة الإخلاص عشراً في مرضه الذي يموت فيه، خفف عنه وغفر ذنوبه إن مات في مرضه، وإن برئ كذلك، ولم يفتتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة على أكفها. وفي كتاب سنن المهتدين: أن من قال هذا الدعاء ثم مات جعل الله روحه في الأفق المبين، وهو قاع بين يدي العرش فيه رياض وأشجار وأنهار، تغشاه كل يوم مائة رحمة؛ وهو: اللهم إنك برَأْتَ الخلق من غير حاجة بك إليهم بل مَنَّا منك عليهم فجعلتهم فريقين فريقاً للنعيم وفريقا في السعير فاجعلني للنعيم ولا تجعلني للسعير، اللهم إنك خلقت الخلق فرقاً وميزتهم قبل أن تخلقهم فجعلت منهم شقيا وسعيدا وغويا ورشيدا فلا تشقني بمعصيتك، اللهم إنك تعلم كل نفس قبل أن تخلقها فلا محيص لها مما علمت فاغفر لي ما علمته، اللهم إن أحداً لا يشاء حتى تشاء فاجعل مشيئتي أن أشاء لما يقربني إليك، اللهم إنك خلقت الخير والشر وجعلت لكل واحد منهما عاملاً يعمل به فاجعلني من خير القسمين، اللهم إنك خلقت الجنة والنار وجعلت لكل منهما أهلا وسكانا فاجعلني من ساكني جنتك، اللهم إنك أردت بقوم الهدى وشرحت صدورهم وأردت بقوم الضلال وضيقت صدورهم فاشرح صدري للإيمان وزينه في قلبي وكره إلي الكفر والفسوق والعصيان، اللهم إنك دبرت الأمور فجعلت مصيرها إليك فأحيني حياة طيبة وقربني إليك زلفى، اللهم ما أصبح بي أو بأحد من خلقك من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر، اللهم من أصبح وأمسى وثقته ورجاؤه غيرك فأنت ثقتي ورجائي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعن ابن عباس: من صلى كل ليلة جمعة ركعتين بالفاتحة والإخلاص فيهما فإنه يأمن من منكر ونكير إن شاء الله تعالى، ومن كتب أسماء هؤلاء الشيوخ الأربعة ومحا ذلك وشربه فإنهم يحضرون له عند موته؛ وهم: سيدي عبد القادر الجيلاني، وأبو يزيد البسطامي، طيفور بن عيسى، وأبو حامد الغزالي، ومعروف بن فيروز الكرخي.

стр. 1728

تنبيهات: الأول: سهل صاحب المعيار في تصبيح المقابر محتجاً بما ذكره ابن طاووس أن السلف كانوا يفعلونه، وكذا ذكر أن ما يفعله الناس من حمل تراب المقابر للتبرك به جائز، قال: ما زال الناس يحملونه ويتبركون بقبور العلماء والشهداء والصالحين. الثاني: بقي على المصنف من الجائزات: الصلاة، والدفن ليلاً فإنه جائز، كما قاله مطرف عن ابن شهاب وأبي حازم. وقد دفن الصديق وفاطمة وعائشة ليلاً ﵃، وبقي عليه أيضًا تقبيل الميت؛ وهو جائز، فقد فعله أبو بكر بالنبي ﷺ ، والنبي ﷺ بعثمان بن مظعون. قاله ابن حبيب. قاله الخرشي. الثالث: أعلم أن الصدقة، والدعاء، والهدي، والعتق، تصل إلى الميت من غير خلاف، واختلف في الصلاة والصوم والحج والقراءة، ومذهب أحمد وصول القراءة. ولما أنهى الكلام على ما أراد من جائزات الجنازة، شرع في الكلام على مكروهاتها، فقال: وكره حلق شعره؛ يعني أنه يكره للشخص أن يحلق شر الميت بعد موته الذي لا يحرم على الحي حلقه كرأسه وعانته، وأما ما يحرم على الحي حلقه فيحرم حلقه بعد موته كلحيته. وقلم ظفره؛ يعني أنه يكره قلم ظفر الميت بعد موته، وفي المدخل: وإذا فرغ من غسله ينظف ما تحت أظفاره بعود أو غيره ولا يقلمها، ويسرح لحيته بمشط واسع الأسنان، وكذلك يفعل برأسه ويترفق في ذلك، فإن خرج في المشط شعر جمعه وألقاه في الكفن يدفن معه. ولما كان الحكم بالكراهة لا يفيد أنه بدعة؛ لأنه ﵊ يفعل المكروه في حق غيره للتشريع، قال: وهو بدعة؛ يعني أن ما ذكر من حلق الشعر وقلم الظفر بدعة؛ أي لم يفعل في زمنه ﷺ ، فهذه فائدة زائدة على ما بَيَّنَه من الكراهة. وضم معه إن فعل: يعني أنه إذا فعل المكروه من حلق أو تقليم، فإن ذلك الشعر الذي حلق والقلامة يضمان وجوباً مع الميت؛ أي يجعلان مع الميت في كفنه؛ لأنه جزؤه، وكون ما ذكر من الحلق والتقليم مكروهاً مع وجوب الضم لا إشكال فيه، كما للشَّيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وقوله: "إن فعل"، وكذا لو سقط بنفسه أو خرج في تسريح لحيته أو رأسه، فإنه يضم معه.

стр. 1729

وعلم مما قررت أن هذا فعل الغير به بعد موته، وأيضًا المريض يفعل ما ذكر، فإن قصد أن يكون موته على هذه الحالة كره، وينبغي ضمه قياساً على مسألة الغير، لا إن قصد إراحة نفسه، فيجوز. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وضم معه إن فعل"، تقدم أنه واجب، وقال الشيخ الأمير: وكره إزالة شعره وندب ضمه. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: والقياس كما قال ق: ندب الضم. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: يتعين أن الإشارة يعني بالقاف في كلام عبد الباقي للقاني؛ لأن ما ذكره ليس في المواق. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم بعد أن ذكر وجوب الضم: وقال في الحاشية: على سبيل الاستحباب؛ لأن هذه الأجزاء لا تجب مواراتها. انتهى. روى السيوطي في الجامع الصغير (أنه ﷺ كان يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان: بالشعر والسن والظفر والدم والحيضة والعلقة والمشيمة (١)). انتهى. والمشيمة: السلا؛ وهو وعاء الولد. ولا تنكأ قروحه؛ يعني أنه يكره أن تنكأ قروح الميت، ومعنى تنكأ تقشر، وقوله: "ولا تنكأ قروحه"؛ يعني بعد موته لأن ذلك سبب لخروج ما فيها وقوله: "تنكأ"، بالهمز، قال في القاموس في باب الهمزة: نكأ القرحة كمنع: قشرها قبل أن تبرأ فنديت، والعدو نكأهم، وفلاناً حقه قضاه، وانتكاه قبضه. ويؤخذ عفوها؛ يعني أنه يؤخذ أي يزال ما سأل من قروح الميت دما أو غيره مما تسهل إزالته، سواء سأل بنكإ أو غيره، فالمراد بالعفو: السهل الذي لا كلفة فيه، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾؛ أي ما سهل على الناس من أموالهم، وقول التتائي: لأنه من النظافة يقتضي أنه يغسل بالماء؛ وهو خلاف ظاهر كلامهم. قاله الشيخ الخرشي، وغيره. وقال الشيخ عبد الباقي: ويؤخذ أي يزال بالغسل عفوها؛ أي ما سأل منها. انتهى. وقوله: "ويؤخذ عفوها"، دما أو قيحا -كما علمت- فيزال مطلقاً سواء كان درهما أو غيره، فليس كالحي يعفى له عما دون الدرهم، وعبارة الشيخ الأمير: وأزيلت مِدَّةٌ وإن عفي عنها. انتهى.

стр. 1730

وقراءة عن موته؛ يعني أنه يكره أن يقرأ بسورة: ﴿يس﴾، أو غيرها عند المحتضر. ابن رشد: إنما كره مالك ذلك إذا فعل استنانا وإلا فلا بأس به، ومثله لابن عرفة، واستحبه ابن حبيب، لخبر: من قرأ يس أو قرئت عنده وهو في سكرات الموت، بعث الله ملكاً إلى ملك الموت أن هوِّنْ على عبدي الموت. ابن يونس: وقد سئل عنه مالك فلم يكرهه، وإنما كره أن يعمل بذلك استنانا. وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن: أن ظاهر السماع الكراهة مطلقاً، واقتصر اللخمي على استحباب القراءة ولم يعول على السماع، وظاهر الرسالة أن ابن حبيب لم يستحب إلا قراءة: ﴿يس﴾، وظاهر كلام غيرها أنه استحب القراءة مطلقاً. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وللأندزالي مشبها على بدع الجنازة: وكالفدا يجمع إثر الدفن … أو يقرؤون الحزب دون مين كتجمير الدار؛ يعني أنه يكره تجمير الدار التي مات فيها أي تبخيرها بأن يطاف فيها ببخور بعد موته؛ لأن فاعله يقصد بفعله زوال رائحة الموت، وأما إن قصد إزالة رائحة ما يستكره فلا كراهة، كما لا يكره عند خروج روحه وغسله، بل يستحب فيهما كتجمير ثيابه. قاله غير واحد. وبعده؛ يعني أنه تكره القراءة بعد موته، فالقراءة بعد الموت ليست مشروعة. وعلى قبرة؛ يعني أن القراءة عند القبر مكروهة، والأحسن الصدقة والدعاء. قاله الشيخ الأمير. التوضيح: مذهب مالك كراهة القراءة على القبور، ونقله سيدي ابن أبي جمرة في شرح البخاري، قال: لأنا مكلفون بالتفكر فيما قيل لهم وماذا لقوا، ونحن مكلفون بالتدبر في القرآن، فآل الأمر إلى إسقاط أحد العملين، وهذا صريح في الكراهة ولو لم يتدبر القرآن. قاله الشيخ بناني. وفي القراءة ثلاثة أقوال: تصل مطلقاً، لا تصل، الثالث إن كانت عند القبر وصلت، وفي موضع غيره لم تصل، ويعني بكونها تصل في موضع القبر أنه يحصل له أجر مستمع، وفي آخر نوازل ابن رشد في السؤال عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾؟ قال: وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك وحصل للميت أجره. انتهى. وقال ابن هلال: الذي أفتى

стр. 1731

به ابن رشد، وذهب إليه غير واحد من أئمتنا الأندلسيين: أن الميت ينتفع بقراءة القرآن العظيم، ويصل إليه نفعه، ويصل إليه أجره إذا وهب القارئ قراءته له، وبه جرى عمل المسلمين شرقاً وغربا، ووقفوا عليه أوقافا واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة، ثم قال: ومن اللطائف أن عز الدين بن عبد السلام الشافعي ريءَ في المنام بعد موته، فقيل له: ما تقول فيما كنت تنكر من وصول ما يهدى من قراءة القرآن للموتى؟ قال هيهات؛ وجدت الأمر على خلاف ما كنت أظن؛ انتهى. وقال الأبي: إن قرأ ابتداء بنيَّة الميت وصل إليه كالصدقة والدعاء، وإن قرأ ثم وهبه له لم يصل لأن ثواب القراءة للقارئ لا ينتقل عنه إلى غيره. انتهى. القرافي: الذي يتجه أن تحصل لهم بركة القراءة كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده، ووصول القراءة للميت وإن حصل الخلاف فيه لا ينبغي إهمال القراءة لعل الحق وصولها للميت، فإن هذه الأمور مغيبة عنا، وليس الخلاف في حكم شرعي إنما هو في أمر، هل يقع أم لا؟ وكذا التهليل الذي يعمله الناس اليوم ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله تعالى، ومن الله الجود والإحسان، هذا هو اللائق بالعبد. وبالله تعالى التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً. قاله الشبراخيتي. وغيره. ويشير بالتهليل المذكر -والله أعلم- إلى ما ذكره الشيخ السنوسي في آخر شرح عقيدته الصغرى، وفي كتاب العلوم الفاخرة. قاله الإمام الحطاب. قال الشيخ إبراهيم: ولو آخر ذكر تجمير الدار عن هذه، أو قدمها عن التي قبلها لكان أحسن. وصياح خلفها؛ يعني أنه يكره الصياح خلف الجنازة كان الصياح من رجل أو امرأة، لا فيه من إظهار الجزع وعدم الرضا بالقضاء، وهذا إذا كان بغير بكاء، وإلا حرم -كما مر- قال الشيخ عبد الباقي: ومفهوم خلفها جوازه عند الموت، وتقدم ما فيه. انتهى. قوله: "ومفهوم خلفها، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ إذ لا مفهوم لقوله: "خلفها"؛ إذ الصياح منهي عنه مطلقاً. انتهى. وقول استغفروا لها؛ يعني أنه يكره قول القائل: استغفروا لها؛ يعني للجنازة؛ لأنه ليس من عمل السلف، ولذا قال سعيد بن جبير لقائل ذلك القول لما سمعه: لا غفر الله لك.

стр. 1732

قال مؤلفه عفا الله عنه: والظاهر أنه لا يعترض على هذا بخبر الجامع الصغير: (استغفروا الآن لصاحبكم واسألوا له التثبيت فإنه يسأل (١))؛ لأن هذا الحديث فيما بعد الدفن حين انصرف عنه أصحابه وأجلس للسؤال، وكلام المصنف في الجنازة. والله سبحانه أعلم. وانصراف عنها بلا صلاة؛ يعني أنه يكره الانصراف عن الجنازة بلا صلاة عليها، ولو طولوا أو انصرف لحاجة أو بإذن أهلها لما فيه من التأدية للطعن في الميت، وقوله: وانصراف عنها بلا صلاة، خلافًا لأشهب القائل: لا يكره ذلك. أو بلا إذن؛ يعني أنه يكره الانصراف عن الجنازة بعد الصلاة عليها حيث لم يأذن أهلها حتى تدفن؛ لأن لهم حقاً في حضوره ليدعو لميتهم ويكثر عددهم، ولأن فيه إبطال العبادة وهي حضور الدفن. الجلاب: من حضر جنازة فصلى عليها فلا ينصرف حتى توارى إلا أن يأذن له أهل الميت إلا أن يطول ذلك، فلينصرف قبل الإذن، ولهذا قال: إن لم يطولوا؛ يعني أن محل كراهة الانصراف عن الجنازة قبل الدفن وبعد الصلاة من دون إذن أهلها، إنما هو حيث لم يطولوا بتأخير الدفن، وأما إن طولوا بأن أبطئوا بالدفن فإنه يجوز له الانصراف قبل الدفن ولو لم يأذنوا له في الانصراف، قال الشيخ عبد الباقي: ولو قال: وانصراف عنها بلا صلاة كبعدها بلا إذن إن لم يطولوا كان أوضح. انتهى. وعبارة الأمير واضحة، فإنه قال: وانصراف قبل الصلاة كقبل الدفن إلا أن يأذنوا أو يطولوا، وقد مر الكلام على حديث: (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط (٢) إلخ، عند قول المصنف: "وفي المصنف أيضًا الصف"، فراجعه إن شئت. وحملها بلا وضوء؛ يعني أنه يكره للشخص أن يحمل الجنازة وهو غير متوضئ إلى موضع الصلاة عليها إن علم أنه لا يجد بموضع الصلاة ما يتوضأ به؛ لأن ذلك مؤد إلى عدم الصلاة عليها، فإن علم أنه يجد ما يتوضأ به لم يكره حملها بدون وضوء. قاله ابن رشد. وبه قيد الشارح كلام المصنف؛ وهو تقييد حسن، قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وحملها بلا وضوء"، هو قول ابن

стр. 1733

القاسم؛ لأنه يكره لمن حمل الجنازة أن ينصرف عنها بلا صلاة، وروى أشهب: لا بأس بحملها بلا وضوء؛ وهو لا يكره الانصراف عنها بلا صلاة، فكل جار على أصله. قاله الحطاب. وإدخاله بمسجد؛ يعني أنه يكره إدخال الميت في المسجد ولو لغير صلاة، خوف انفجاره أو حصول نجاسة منه، ولو على القول بطهارته للعلة المذكورة ولمراعاة القول بنجاسته، ولم يحرم إدخاله على القول بنجاسته رعيا للقول بطهارته. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ومنع ابن شعبان وضعه بالمسجد؛ لأنه ميتة، والباء في قوله: "بمسجد"؛ بمعنى: في. والصلاة عليه فيه؛ يعني أنه تكره الصلاة على الميت في المسجد؛ أي يكره أن يكون المصلي حال الصلاة في المسجد، سواء كان الميت داخل المسجد أو خارجه، إلا أنه إذا كان الميت بالمسجد تتعلق بالحي كراهتان: الصلاة على الميت في المسجد، وإدخال الميت في المسجد، وكرهت والميت خارجه ليلاً يكون ذلك ذريعة لإدخاله فيه، إلا أن يضيق خَارِجُهُ بأهله فلا بأس أن يصلي من بالمسجد بصلاة الإمام. قاله الإمام في المدونة. وقوله: "والصلاة عليه فيه"، الأصل فيه خبر أبي داود: (من صلى على ميت في المسجد فلا شيء له (١))، والعمل فإنهم كانوا لا يصلون على ميت في المسجد، وما ورد من (أنه ﷺ صلى على سهل بن بيضاء في المسجد (٢) لم يصحبه العمل. قاله الشيخ إبراهيم. واعلم أن الصلاة على الميت في المسجد يثاب عليها من حيث كونها صلاة مأمورا بها، فلم يقع النهي عن ذات الصلاة، وحينئذ فإيقاعها في المسجد هو الذي فاعله لم يؤثم ولم يؤجر، وإن لم يفعله أجر لأن حد المكروه: ما تركه أفضل من فعله، فالكراهة إنما هي متعلقة بنفس الإيقاع في المسجد، فإذا فعل الصلاة خارج المسجد تاركاً لإيقاعها فيه حصل له ثوابان: ثواب الصلاة، وثواب ترك إيقاعها في المسجد. وإذا فعلها في المسجد فله ثواب الصلاة فقط، والإيقاع بالمسجد لا ثواب فيه ولا عقاب، وقوله: "فيه"، ظرف لغو متعلق بالصلاة. قاله الشيخ الخرشي.

стр. 1734

قال مقيده: وفيه بحث لاقتضائه أن الصلاة للنافلة في وقت الكراهة يثاب عليها. والله سبحانه أعلم. وظاهر المؤلف الكراهة ولو في مساجد المقابر؛ وهو قول أبي عمران، وأجازه ابن الكاتب فيها لأنها إنما بنيت لتقيهم من الحر والبرد، وضعفه ابن محرز بأنها وإن بنيت لذلك فلا يمنع حرمتها. وبما مر تعلم أن قول المواق: لا يأثم ولا يؤجر في صلاته ولو ترك الصلاة أجر؛ لأن هذا هو حد المكروه -انتهى- غير ظاهر. انظر حاشية الشيخ بناني. وروى أشهب: أكره الدفن في المسجد. قاله الحطاب. ثم ذكر الخلاف في نجاسة ميتة الآدمي، ثم قال: وبسبب ذلك اختلف في الصلاة عليه في المسجد، وسبب الاختلاف حديث سهل بن بيضاء: هل المسجد فيه ظرف للمصلي أو للجنازة فيكون كراهة الدفن لأجل كراهة دخوله في المسجد، وهذا على القول في جري بعض الأحباس في بعض: وبه عمل الأندلسيين خلافًا للقرويين، فعلى قولهم لا يجوز الدفن فيه بوجه، وهذا في المساجد التي بنيت للصلاة، فلو بنيت لوضع الموتى فيها صح إدخالها، والدفن فيها إن اضطروا إلى ذلك. انتهى. وقد مر الكلام على مساجد المقابر. وتكرارها؛ يعني أنه يكره تكرار الصلاة على الجنازة؛ أي إذا صُلِّيَ عليها بإمام كرهت إعادتها لفذ أو جماعة، فإن صلى عليها فذ أو متعدد بغير إمام ندب إعادتها بإمام؛ لأن الجماعة فيها مستحبة، فيستحب تداركها ما لم تفت بالدفن لا بغيره، فالصور تسع؛ لأن المصلي إما فذ، أو متعدد بغير إمام، أو به والمصلي ثانيًا كذلك: فمتى صُلِّيَ عليها أولاً بإمام كرهت إعادتها لفذ ومتعدد بإمام وبغيره، فهذه ثلاثة. ومتى صلى عليها أولاً فذ أو متعدد بغير إمام كرهت إعادتها بفذ ومتعدد بغير إمام لا بإمام، فتندب؛ وهذه ست مضافة للثلاث قبلها، فالمكروه سبع والمندوب اثنتان. قاله الشيخ عبد الباقي. وهو غاية في التحرير. وتغسيل جنب؛ يعني أنه يكره أن يغسل الجنب الميت؛ لأنه يملك طهره، فالمصدر مضاف إلى فاعله، وسواء كان الجنب الغاسل رجلاً أو امرأة. كسقط؛ يعني أنه يكره أن يغسل السقط -وهو من لم يستهل- التغسيلَ الشرعيَّ، فلا ينافي ما يأتي من قوله: وغسل دمه، وسواء ولد قبل تمام مدة الحمل أو بعدها، فالسقط مغسَّل بالفتح في هذه، والجنب مغسِّل بالكسر في التي قبلها، فالمصدر المقدر قبل السقط مضاف لمفعوله، وقوله: "سقط"، بتثليث السين، وتحنيطه؛ يعني أنه

стр. 1735

يكره أن يحنط السقط الذي لم يستهل. وتسميته؛ يعني أنه يكره تسمية السقط أبي بكره أن يوضع له اسم، فقوله: "تسميته"، مصدر مضاف إلى مفعوله. وصلاة عليه؛ يعني أنه يكره أن يصلى على السقط الذي لم يستهل. ودفنه بدار؛ يعني أنه يكره أن يدفن السقط في الدور. وقد علمت أن السقط هو الذي لم يستهل، وعللت الكراهة بأنه لا يؤمن أن ينبش مع انتقال الأملاك. نقله الشيخ محمد بن الحسن عن القابسي. وليس عيبا؛ يعني أن من اشترى دارا فوجد بها سقطا مدفونا، فإن ذلك ليس عيباً يوجب للمشتري الخيار في الرد والتماسك، فلا رد على المنصوص لأنه ليس له حرمة الموتى. بخلاف الكبير؛ يعني أن الكبير وهو من استهل ولو ولد قبل تمام مدة الحمل يخالف السقط في الأمرين المتقدمين، فلا يكره دفنه في الدور، بل يجوز إلا أن الأفضل مقابر المسلمين. قاله الشيخ الأمير. وإذا دفن؛ أي الكبير في الدار فهو عيب يوجب الخيار للمشتري في ردها والتماسك بها، فالحاصل أن الكبير يجوز دفنه في الدور وهو عيب. ابن سحنون: سئل مالك عمن يشتري دارا فيجد فيها قبرا قد كان البائع دفنه بها؟ قال أرى له أن يرد المبيع؛ لأن موضع القبر لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به؛ لأنه حبس، قيل لمالك: فإن وجد المشتري فيها سقطا؟ قال: لا أرى السقط عيباً، قيل له: أفيجوز الانتفاع بموضع السقط؟ قال: أكره ذلك، قال ابن سحنون: والقياس جواز الانتفاع به، ويكره دفن الميت في المسجد الذي بني للصلاة لا لغيرها، وعلى قول العراقيين: لا يجوز الدفن في المسجد بوجه. قاله الحطاب. وظاهر كلام الحطاب: ولو ضاقت المقبرة واتسع المسجد عن صلاة أهل محله. قاله الشيخ عبد الباقي. لا حائض؛ يعني أنه لا يكره تغسيل الحائض للميت، بل يجوز رواه ابن القاسم عن مالك؛ لأنه لا قدرة لها على إزالة مانعها، بخلاف الجنب -كما مر- وهذا إذا كانت متلبسة بالحيض، وأما بعد انقطاعه عنها فهي كالجنب لقدرتها على رفع مانعها، مثله: وينبغي تقييد الكراهة بعدم خشية تغير الميت، فإن خشي تغيره بتشاغلهما بغسلهما غسلاه قبله حيث لم يوجد غيرهما، وتقدم ندب تجنب حائض وجنب له في مرضه لنفرة الملائكة حينئذ. قاله الشيخ عبد الباقي.

стр. 1736

وقال قبل هذا معللاً لعدم الكراهة ما نصه: لعدم قدرتها على الطهر، فإن قدرت عليه برؤية علامته ووجود مطلق كاف كره تغسيلها كالجنب. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: يؤخذ من هذا أنه لو لم يكن عند الجنب والحائض بعد طهرها ما يغتسلان به لم يكره تغسيلهما. والله سبحانه أعلم. وقوله: "لا حائض"، عطف على جنب من قوله: "وتغسيل جنب". وصلاة فاضل على بدعي؛ يعني أنه يكره صلاة فاضل كإمام أو عالم أو صالح على بدعي كحروري وقدري وجبري ونحوهم ما لم يؤد ذلك إلى إبطال الصلاة عليهم وخوف الضيعة عليهم. واعلم أنه تكره السكنى معهم في بلادهم ليلاً تنزل عليهم سخطة فتصيبه معهم، أو يظن أنه منهم فيعرض نفسه لسوء الظن، أو مخافة أن يسمع كلامهم فيدخل عليه شك في اعتقاده لشبههم. قاله الزرقاني. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وكره صلاة فاضل بعلم أو إمامة أو صلاح على بدعي ردعا لمن هو مثله، وكذا يكره سلام عليه ومناكحته، وصلاة الجمعة أو غيرها خلفه ردعا له، وقول المدونة: يستتاب أهل الأهواء فإن تابوا وإلا قتلوا محمول كما لأبي الحسن على ما إذا دعوا الناس لبدعتهم. انتهى. وفي الحديث: (من أهان صاحب بدعة أمنه الله من الفزع الأكبر (١)). أو مظهر كبيرة؛ يعني أنه تكره صلاة فاضل كإمام أو عالم أو صالح على مظهر كبيرة، كزنى وشرب خمر ومكس، وكذا إذا اشتهر بها وإن لم يظهرها كما في المواق، ردعا لأمثالهم ما لم يؤد ذلك إلى إبطال الصلاة عليهم، ويخاف عليهم الضيعة لأن فرض الصلاة لازم لا يسقطة كبائرهم، وبدعتهم ما تمسكوا بالإسلام. والأصل في ذلك ما روى جابر عن سمرة: (أن النبي ﷺ أتي برجل قد قتل نفسه فلم يصل عليه (٢))، والحديث يفيد أن من اطلع عليه أنه فعل كبيرة لا يصلي عليه الإمام وأهل الفضل، فالمراد بمظهر كبيرة: من ظهر فعله للكبيرة، كما هو ظاهر الحديث. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: "وصلاة فاضل على بدعي أو مظهر كبيرة"، هو قول

стр. 1737

مالك، خلافًا لابن حبيب. وقال الشيخ الأمير: وصلاة فاضل على معروف بمنهي، ظاهره ولو صغيرة فإن الشهرة تقتضي الإصرار. والإمام علي من حده القتل؛ يعني أنه تكره صلاة الإمام أي السلطان على من حده؛ أي شرعه القتل بسبب ترتب حد عليه كالزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة، أو كان شرعه القتل لأجل لزوم قود له لكون المقتول مكافئا له؛ لأنه منتقم لله بقتله، فلا يشفع بالصلاة عليه. وعلم مما قررت أن الحد الأول معناه الشرع، فيشمل ما يفعل بالقاتل وغيره، وأن الثاني معناه ما يترتب على الزاني ونحوه. والله سبحانه أعلم. ومثل الإمام في كراهة الصلاة عليه أهل الفضل كما صرح به ابن يونس ونصه: ومن قتل في قصاص أو رجم لا يصلي عليه الإمام ولا أهل الفضل، وعليه يجري قول المصنف في تارك الصلاة: "وصلى عليه غير فاضل"، وعلى هذا فإنما خص المصنف الإمام هنا بالذكر لعود الضمير عليه. في قوله: وإن تولاه الناس دونه؛ يعني أنه تكره صلاة الإمام أي السلطان على من شرعه القتل بحد أو قود، سواء تولى الإمام قتله؛ أي أذن فيه، أو تولى الناس قتله دون الإمام؛ أي قتلوه دون إذنه، فقد نص في المدونة على أن المحارب إذا قتله الناس دون الإمام أن الإمام لا يصلي عليه، وأشعر قوله: "بحد أو قود"، أن من قتل في تعزير يصلي عليه الإمام، وحكى ابن عبد الحكم أن للإمام أن يصلي على المرجوم، واحتج (بأنه ﵊ صلى على ماعز والغامدية (١))، واحترز بقوله: "على من حده القتل"، مما إذا لم يكن حده القتل كالقاذف والزاني البكر إذا أقيم عليهما الحد فماتا من ذلك، فإنه يصلي عليهما الإمام. قاله في المدونة. وإن مات قبله فتردد؛ يعني أن من وجب عليه القتل بقود أو حد؛ إذا مات قبل أن يقام عليه الحد أو القصاص، فقد تردد اللخمي وأبو عمران في كراهة صلاة الإمام عليه وعدم كراهتها، فقال اللخمي: لا يصلى عليه هو وأهل الخير والفضل ليكون ذلك ردعا لغيره من الأحياء، ونص أبو عمران على أن الإمام يصلي عليه، ومن قدم للقتل فمات خوفًا من القتل قبل إقامة الحد عليه فهو من محل التردد، فأبو عمران يقول: يصلي عليه الإمام، واللخمي يقول: يستحب للإمام أن

стр. 1738

لا يصلي عليه، صرح به في التوضيح، فالتنظير فيه -هل هو من محل التردد؟ أو تكره صلاة الإمام عليه قطعا؛ لأن المتسبب كالمباشر- قصور. قاله الشيخ محمد بن الحسن. واقتصر الشيخ الأمير على قول اللخمي بالكراهة، فيفيد اعتماده، ولفظه: وإمام على من حده القتل وإن مات بغيره، ولا كراهة فيمن حده الجلد ولو مات به. وتكفين بحرير؛ يعني أنه يكره التكفين بالحرير، وسواء في ذلك كان المكفن رجلاً أو امرأة، ومثل الحرير الخز والعلة في الكراهة فيما ذكر ظهور قصد الفخر والمباهاة والعظمة، وهذا حيث أمكن التكفين بغير الحرير، وإلا فلا كراهة كما في الخرشي وغيره. ونجس؛ يعني أنه يكره التكفين بالنجس حيث أمكن غيره، وإلا فلا كراهة، ويقدم الحرير على النجس عند اجتماعهما. قاله الشبراخيتي. ولم يمنع التكفين بالنجس لأن الكفن آئل إلى النجاسة، وأخذ من هذا أنه لا يشترط في الصلاة على الميت طهارة الميت، وإنما يشترط طهارة المصلي. وقوله: "ونجس"، ظاهره ولو نجس العين. وكأخضر؛ يعني أنه يكره التكفين بما ليس أبيض كأخضر أو أسود أو أزرق أو غيرها، ودخل بالكاف كل لون غير البياض، ومحل الكراهة في المصبوغ إذا كان بغير طيب وإلا جاز كمزعفر ومورس -كما مر- وعبارة الأمير: ومصبوغ بغير طيب وإلا جاز كمورس. انتهى. ومعصفر؛ يعني أنه يكره التكفين بالمعصفر؛ لأنه زينة وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وأجازه في المجموعة مطلقاً، وابن حبيب للنساء فقط. وفي الشارح: الجزولي: والأزرق والأخضر مكروه، وأجاز ذلك ابن عتاب. والمعصفر: المصبوغ بالعصفر؛ وهو صبغ أصفر، وقوله: "وتكفين بحرير" إلخ، ولو بعض الأكفان. قاله الخرشي. أمكن غيره، راجع للحرير وما بعده؛ يعني: أن محل كراهة التكفين بالحرير والنجس والأخضر وما في حكمه والمعصفر إنما هو حيث أمكن التكفين بغير ذلك، وأما مع عدم القدرة على غير ما ذكر فلا كراهة. قاله غير واحد. وزيادة رجل علي خمسة؛ يعني أنه يكره أن يكفن الرجل في أكثر من خمسة أثواب، فالمشروع تكفينه في خمسة: عمامة، ومئزر، وقميص، ولفافتين، كما مر. والزيادة على ذلك مكروهة. قاله سند. ونصه: وما زاد على الخمسة مكروه للرجل لأنه غلو، ففي الخبر: (لا تتغالوا في الكفن فإنه

стр. 1739

يُسْلَبُه سريعا (١))، وبتصريح سند بالكراهة سقط قول المواق: لم أر من صرح بالكراهة. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وتكره الزيادة على السبعة للمرأة؛ لأن سنداً قال في الطراز: والمرأة كالرجل. قاله الخرشي. وفي الحطاب عن ابن شعبان: أقله للمرأة خمسة وأكثره لها سبعة. واجتماع نساء لبكاء وإن سراً؛ يعني أنه يكره اجتماع النساء للبكاء على الميت كان البكاء سراً أو جهرا بصوت غير عال، فما قبل المبالغة ما كان جهرا بصوت غير عال، والمحرم إنما هو بالصوت العالي. وبما قررت علم أن "إن" هنا للمبالغة، وكره الاجتماع المذكور لهن لأن ذلك يؤدي إلى رفع أصواتهن، وإلى النياحة الممنوعة، وفي شرح الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم: أن بكى هنا بالقصر، وأن "إنْ" في قوله: "وإن سراً"، للحال. قال الشيخ عبد الباقي: وهو تأكيد لقوله: بكى. حيث ضبط بالقصر لا للمبالغة لمناقضتها له، وناقشه الشيخ محمد بن الحسن في ذلك، وقال: إنها للمبالغة، وبذلك، قررت المصنف، وعليه فالظاهر أن قوله: "لبكاء"، بالمد. لكن قد نص الشيخ محمد بن الحسن على أن التفرقة بين المقصور والممدود هي أحد قولين في اللغة، والقول الآخر أنَّهما مترادفان؛ وهو الذي في القاموس، وعليه فيجوز في قول المصنف هنا لبكا المد والقصر. والله سبحانه أعلم. وفي الحديث: (لعن الله الصالقة (٢))؛ أي الرافعة صوتها بالبكاء، قال بعض: ومن معناه ما يفعله النساء من التزغريت عند حمل جنازة الرجل الصالح، أو فرح يكون فإنه بدعة يجب النهي عنها. نقله الحطاب. واعلم أن القول المفرق بين المقصور والممدود يجعل البكى بالقصر: إرسال الدموع من غير صوت، ويجعل الممدود: العويلَ والصراخَ. وفهم من المصنف أنهن لو اجتمعن لا لبكى فعرض لهن ما يوجبه فلا كراهة وهو كذلك.

стр. 1740

واعلم أن تحريم النوح كان عقب غزوة أحد، فلا يحتج بما ورد من إباحته قبل ذلك، فلا يحتج بما وقع في قصة حمزة ﵁ كما صرح به الحطاب، والنهي عن النوح قائم سواء كان عند الموت أو بعده، قبل الدفن أو بعده، بقرب أو بعد. واعلم أن المأتم اجتماع النساء في الموت، وأصله اجتماع النساء والرجال في الغم والفرح، وهو بالتاء المثناة فوق قبلها همزة ساكنة. وتكبيرة نعش؛ يعني أنه يكره تكبير النعش؛ أي إعظامه فوق العادة بما فوق الحاجة بحيث يكون مظنة للمباهاة أو عظم المصيبة، فإن كانت زيادته ليست كذلك فلا كراهة. وفرشه بحرير؛ يعني أنه يكره فرشه أي النعش بالحرير، ولو لامرأة لما فيه من الفخر والخيلاء، وخص ابن حبيب كراهة ذلك بالرجل، ونص كلام ابن حبيب في النوادر: ويكره إعظام النعش وأن يفرش تحت الميت قطيفة حرير، أو قطيفة حمراء، ولا يكره ذلك للمرأة ولعل التفرقة بالنسبة للحرير فقط. قاله الشارح. ولعل قول ابن حبيب على أصله في جواز تكفينها بالحرير والفراش لباس، لقوله في الحديث: (قد اسود هذا الحصير من طول ما لبس (١)). ومفهوم فرشه أن ستره به جائز إن لم يكن أحمر ملونا، وإلا كره ولو لامرأة. قاله ابن حبيب. واتباعه بنار؛ يعني أنه يكره أن يتبع الميت بنار بغير طيب، وإلا فكراهتان كما في شرح الشيخ عبد الباقي عن أبي الحسن، وقال الشيخ بناني: ونص الأمهات: وكره أبو هريرة وعائشة ﵄ أن يتبع الميت بالنار تفاؤلا في هذا المقام. انتهى. الشيخ أبو الحسن: وهذا إذا لم يكن فيه طيب، وأما إذا كان فيه طيب فيزداد وجها آخر وهو السرف، وهذا إذا كان طيب له بال. انتهى. وكما يكره أتباع الميت بنار، يكره أتباعه بالواعظ لأنه بدعة. قاله الشيخ إبراهيم. ونداء به بمسجد، الضمير في به يعود على الميت كما في الشارح؛ يعني أنه يكره أن ينادى بالميت في المسجد بأن ينادى: ألا إن فلاناً قد مات لكراهة رفع الصوت بالمسجد، ولأنَّه من النعي المنهي

стр. 1741

عنه. أو بابه؛ يعني أنه يكره أن ينادى بالميت على باب المسجد، كرهه مالك في العتبية لأنه من النعي المنهي عنه، لقوله ﷺ : (إياكم والنعي فإنه من عمل الجاهلية (١)). والنعي أن ينادى في الناس: ألا إن فلانا قد مات، أما النداء بالميت في المسجد فلا خلاف في كراهته، وأما النداء به على بابه، فقد اختلف فيه، فكرهه مالك في العتبية للحديث، واستحسنه ابن وهب. لا بكحلق؛ يعني أن الإعلام لحلق من المسلمين بأن الميت قد مات لا يكره، بل يجوز حيث كان الإعلام. بصوت خفي؛ للاستكثار من المصلين عليه بل هذا يقتضي ندبه؛ لأن وسيلة المطلوب مطلوبة. وفي الخبر: (لا يموتن أحد من المسلمين فيصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة إلا شفعوا فيه (٢))، وفي خبر البخاري: (أيُّ مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم يسأل عن الواحد (٣)). وشرط الثّناء أن يكون من عدل خير صالح للتزكية، وهو علامة على ما عند الله للعبد بإخبار الصادق المصدوق ﷺ ، فلا تشترط مطابقة الثّناء للواقع، وقوله: "لا بكحلق بصوت خفي"، هو جائز إجماعاً، ويقدر بعد "لا"، إعلام، كما في الشبراخيتي. وقدر الشيخ عبد الباقي بعدها: نداء، بمعنى: إعلام. انتهى. قال مؤلفه عفا الله عنه: والظاهر أنه أدخل بالكاف جميع الجماعات حلقا أو غيرها، والواحد والاثنين، وظهر مما مر أن الإعلام بالميت بصوت خفي يباح في المسجد، وغيره، وبصوت عال يكره في المسجد وغيره، إلا أن ذلك في المسجد متفق عليه بخلاف غيره. انتهى. وقال الشيخ الأمير عاطفا على الجواز: وإعلام المحافل سرا وإلا كره. انتهى. قال الشيخ الخرشي، والشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم: الحلق بكسر الحاء وفتح اللام جمع حلقة بفتح فسكون، وقيل: الجمع بفتحتين، وقيل: بفتحتين فيهما. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وحلقة الباب والقوم، وقد يفتح لامها ويكسر وليس في الكلام حلقة محركة إلا جمع حالق أو لغة ضعيفة الجمع حلق محركة، وكبدر وحلقات محركة وتكسر الحاء. انتهى.

стр. 1742

فائدة: من رأى جنازة فكبّر ثلاثا، وقال: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيماناً وتسليما، كتب الله له عشر حسنات من يوم قالها إلى يوم القيامة. نقله غير واحد. وقيل لها؛ يعني أنه يكره القيام لأجل الجنازة، قال الشيخ عبد الباقي: وهذا صادق بثلاث صور: إحداها جالس تمر به الجنازة فيكره له أن يقوم لأجلها، الثانية تابع لها سبقها لموضع الدفن وجلس عنده فيكره له أن يقوم حتى توضع عن الأعناق، الثالثة تابع لها يكره له أن يقوم أي يستمر قائماً حتى توضع. وكان القيام في الصور الثلاث مأمورا به ثم نسخ. انتهى. وعزاه لابن رشد، قال الشيخ محمد بن الحسن في ابن عرفة: أنه نسخ من الوجوب إلى الإباحة أو الندب، وهما قولان، قال الحطاب: وتفهم الكراهة من كلام الباجي وسند. ابن رشد: كان مأمورا به ثم نسخ بما روي أن رسول الله ﷺ (كان يقوم في الجنائز ثم جلس وأمرهم بالجلوس (١))، ولعل المؤلف فهم الكراهة من هذا. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وأما القيام على الميت حتى يدفن فلا بأس به، وليس مما نسخ هذا حكم القيام في حق الميت، وأما القيام للحي فاعلم أن الترمذي أخرج عن أنس ﵁، أنه قال: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك (٢)). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وَها أنا أنقل لك كلام العلماء لتتم الفائدة، فأقول: قال الشيخ عبد الباقي: القيام للحي وَاجِبٌ إن أدى تركه لمقاطعة أو خوف أذى، وَحَرَامٌ لمن يحبه تكبرا وتجبرا على القائمين إليه ولم يخش ضرره، وَمَكْرُوهٌ لمن يحبه إجلالا وتعظيماً ولا يتكبر على القائمين إليه، وَجَائزٌ لمن يقوم إجلالا لمن لا يريده وهذا معدوم من غير معصوم، وَمَنْدُوبٌ لأجل قادم من سفر أو بنعمة على الجالس أو ذي مصيبة ليعزى، نقله ابن رشد، ويوسف بن عمر على الرسالة. انتهى. قوله: واجب إن أدى تركه لمقاطعة، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، والذي نقله صاحب المدخل عن ابن رشد هو ما نصه: القيام للحي يقع على أربعة أوجه: الأَوَّلُ مَحظُورٌ؛ وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرا أو تعاظما على القائمين

стр. 1743

إليه، وَالثَّانِي مَكْرُوه؛ وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين إليه ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر لما فيه من التشبه بالجبابرة، وَالثَّالِثُ جَائِزٌ؛ وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبه بالجبابرة، وَالرابعُ مَنْدُوبٌ؛ وهو أن يقع لمن قدم من سفر فرحًا بقدومه ليسلم عليه وإلى من تجددت له نعمة ليهنئه بحصولها أو مصيبة فيعزيه بسببها. انتهى. وفي الشبراخيتي: أنه يستحب القيام للعالم والصهر والوالدين، ولمن نزل به سرور فيهنأ أوهم فيعزى، وفي البيان والتحصيل لابن رشد: سئل مالك عن قيام المرأة لزوجها؟ فقال: لا تفعله، وتؤدي حقه في غير هذا لا أحبه، وفيه أيضًا: أنه ذكر القرافي ما يفيد وجوبه في زماننا هذا مطلقاً، فإنه قال: ولقد حضرت عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀، وكان من أعلم العلماء وأولي الجد في الدين، غير مكترث بالملوك فضلاً عن غيرهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقدم إليه فتيا ما يقول أئمة الدين وفقهم الله تعالى في القيام الذي أحدثه أهل زماننا مع أنه لم يكن في السلف، هل يجوز أم لا يجوز ويحرم؟ فكتب رضي الله تعالى عنه في الفتيا: قال رسول اللّد ﷺ : (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا (١))، وترك القيام في هذا الوقت يؤدي إلى المقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما بعد. انتهى. وقال في المدخل: قال بعض العلماء المتأخرين ممن كان يرى جواز القيام: هذا يعني حديث الترمذي المتقدم أقرب ما يحتج به للمنع، والجواب عنه من وجهين: أحدهما أنه ﷺ خاف عليهم، وعلى من بعدهم الفتنة بإفراطهم في تعظيمه، كما قال: (لا تطروني (٢)). الحديث. فكره قيامهم له لهذا، ولم يكره قيام بعضهم لبعض، بل قام لبعضهم وقاموا لغيره بحضرته ولم ينه عن ذلك بل أقرهم وأمر به، واستدَلَّ بسبعة أحاديث. أولها ما في البخاري (أن ناسا نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه ﷺ ، فجاء على حمار، فقال ﷺ : قوموا إلى خيركم، أو قال: إلى سيدكم (٣))،

стр. 1744

قال: وقد احتج العلماء المحدثون والفقهاء على القيام بهذا الحديث، كأبي داود فترجم له (باب ما جاء في القيام (١))، وكذا ترجم له غيره، واحتج به مسلم، وقال: لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثًا أصح من هذا. ثانيها ما أخرجه البخاري ومسلم (من قيام طلحة بن عبيد الله ﵁ لكعب بن مالك من المسجد، وفيه النبي ﷺ والنّاس جلوس حوله، قال كعب: فقام إلي يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة (٢)). ثالثها: ما أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود عن عائشة (أن سيدتنا فاطمة ﵂ كانت إذا دخلت على رسول الله ﷺ قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها (٣))، قال الترمذي: حديث حسن. رابعها: ما أخرجه أبو داود أنه ﷺ (كان جالساً، فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه (٤)). خامسها: ما رواه مالك من (أنه ﷺ وثب إلى عكرمة بن أبي جهل فرحًا وما عليه رداء حين قدم عليه فأسلم وبايعه (٥)). سادسها: ما أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة: (كان النبي ﷺ يحدثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه فدخل بيوت بعض أزواجه (٦)). سابعها: (قيامه ﷺ لزيد بن حارثة حين قدم زيد المدينة فاعتنقه، وقبله (٧)) وَاستَدَلَّ أيضًا بقول حماد حين جاء يونس: قوموا لسيدكم، أو قال: لسيدنا، وبقيام أحمد بن

стр. 1745

حنبل لإبراهيم الزهري، فقال له ابنه: شاب تعمل له هذا العمل. فقال: ألا أقوم لابن عبد الرحمن بن عوف ﵁؟ وبقِيَامِ وكيع إلى سفيان، فأنكر عليه قيامه، فَاستَدَلّ بالحديث (إن من إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة المسلم (١))، وبقِيَامِ بشر الحافي ﵁ لرجل سلم عليه، وبما ذكره الإمام أبو عبد الرحمن السلمي، ويقوم لإخوانه إذا أبصرهم مقبلين ولا يقعد إلا بقعودهم. وأنشد: فَلَمَّا بَصُرْنَا بهِ مُقبلا … حَلَلنا الحُبَى وابتدَرْنا القِيَاما فلا تُنكِرنَّ قيامي له … فَإنَ الكَرِيمَ يُجِلُّ الكِرَاما والجواب الثاني من الوجهين: أنه ﷺ كان بينه وبين أصحابه من الأنس وكمال الود والصفاء ما لا يحتمل زيادة بالإكرام بالقيام، فلم يكن في القيام مقصود بخلاف غيره، فإن فرض صاحب الإنسان قريبًا من هذه الحالة فلا حاجة إلى القيام. انتهى. وَأجَابَ صاحب المدخل عن الأول بأنه ﷺ أمرهم بالقيام إلى سعد لأن الذين أتوا به يمسكونه يميناً وشمالاً، فأمرهم بالقيام له لينزلوه وأمر جميعهم وإن كان يكتفى بالبعض منهم لأن إشارته ﷺ وأمره من أكبر الخصوصية، فينكسر خاطر من لم يؤمر، وبأنه غائب والقيام للغائب مشروع، وبأنه ﷺ أمرهم بالقيام له للتهنئة بما خصه الله به من هذه التولية، والقيام للتهنئة مشروع، قال: ودأب المحدثين النظر إلى فقه الحديث، فبوبوا عليه جملة من غير تفصيل والفقهاء يتعرضون لذلك، فعلى ما قاله ابن رشد في البيان يتخرج ما ورد في هذا الباب من الآثار ولا يتعارض شيء منها، وذلك أن ابن رشد قسم القيام للرجل على أربعة أوجه: محظور؛ وهو أن يعظم بالقيام من يحبه تكبرا وتجبرا على القائمين إليه، ومكروه؛ وهو أن يقام تعظيماً لمن لا يحب أن يقام إليه، ولا يتكبر على القائمين إليه فيكره للتشبه بفعل الجبابرة وما يخشى أن يدخله من تغيير نفس المقوم إليه، وجائز؛ وهو أن يقوم تعظيماً لمن لا

стр. 1746

يريد ذلك ولا يشبه حاله حال الجبابرة ويؤمن أن تتغير نفس المقوم إليه لذلك، وهذه صفة معدومة إلا فيمن كان بالنبوءة معصوما؛ لأنه إذا تغيرت نفس عمر بالدابة التي ركبها فغيره أحرى، وَمَنْدُوبٍ؛ وهو أن يقوم لقادم من سفر فرحًا بقدومه أو لمصاب فيعزيه وما أشبه ذلك. وَيُحْمَلُ فعل طلحة على خصوصية كانت بينه وبين كعب؛ لأن السنة قد مضت أن التهنئة والبشارة تكون بين الناس على قدر المودة والخلطة والمعرفة، ولو كان قيامه للبر والإكرام لكان كل من جلس قد زهد في فعل الخير وتمالؤوا على تركه والنبي ﷺ بين أظهرهم لم يرشدهم ولم يعلمهم وهو باطل، وَعَنِ الثَّالِثِ بأنه ﷺ ندب إلى تنزيل الناس منازلهم وفاطمة بضعة منه فلا منزلة أعظم من منزلتها، وكانوا على ما هو معلوم من شظف العيش. ثم قال: وكيف يمكن أن يقعد على الأرض وهي على حائل؟ فاحتاجت إلى القيام من مجلسها حتى يقعد هو على الحائل وتقعد هي على طرف الحائل أو على الأرض، وَعَنِ الرابعِ بأن رداءه لم يسعهم، فقام للأخ ليوسع له لأنه أربعة أذرع ونحوها، ولو كان قيامه للبر والإكرام لكان الأب والأم أولى بذلك، وَعَنِ الخَامِسِ بأن القيام عند قدوم الغائب مشروع، وَعَنِ السادسِ بأن العالم إذا قام من مجلس العلم قام لقيامه من كان دائراً به لعبادتهم وحوائجهم، وبيوت النبي ﷺ كانت إذ ذاكَ مفتحة إلى المسجد، والمسجد إذ ذاك في الصغر بحيث قد علم، والنبي ﷺ في سرعة المشي كما علم، فما يمكنهم مع هذه الحالة أن يستووا قياماً إلا والنبي قد دخل في بعض بيوت أزواجه، وَعَنِ السابعِ أن قيامه ﷺ كان لفتح الباب، وعماً بعده أن قيام أولئك الأئمة محمول على القيام الجائز والمندوب. ثم قال: وَجَوَابُه الثاني يعطي أن من كان أقرب إليه كان أقل توقيرا لأجل الأنس وكمال المودة، وهذا خلاف الواقع، ألا ترى حديث ذي اليدين؟ قال فيه: وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، ومن المعلوم أن الأولياء مطالبون بآداب لا يطالب بها العوام. انتهى. وفي الحديث: (من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار (١))، وَأجَابَ عنه المجيز للقيام بأن معناه

стр. 1747

الزجر والوعيد للإنسان أن يحب قيام الناس له، وليس فيه تعرض للقيام بنهي ولا غيره وهذا متفق عليه، فمن أحب ذلك فقد ارتكب التحريم، وسواء قيم له أو لم يقم، فَإن قِيلَ: إن القيام سببٌ لوقوع هذا في المنهي عنه، قِيلَ: الوقوع في المنهي عنه يتعلق بالمحبة فحَسب. انتهى. وأجاب صاحب المدخل عن هذا بأن معاوية الذي نقل الحديث نهى عن ذلك على العموم حين قام إليه ابن الزبير وعبد الله بن صفوان، فقال: اجلسا، سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: من سره أن يتمثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار، وذلك الذي فهم، فينبغي أتباعه في فهمه وفقهه، ورواة الحديث بوبوا عليه باب كراهة القيام للرجل فصرحوا بالكراهة وذكروا الحديث، ووجهه أن الرجل إذا علم أنه لا يقام له لم تتشوف نفسه لذلك، وقد قيل من العصمة أن لا تجد، فإذا أحب ولم يجد سبيلا إلى ما أحب فقد عصم، ثم قال: وبالجملة فالإعانة حاصلة وهي على المعصية معصية. انتهى. وتطيين قبر؛ يعني أنه يكره تطيين القبر بأن يلبس بالطين، قال الشيخ: أكثر عباراتهم تطيينه من فوق، ونقلُ ابن عاشر عن شيخه يشمل تطيينه ظاهراً وباطنا، وعلة الكراهة ما ورد عنه ﷺ : (إذا طين القبر لم يسمع صاحبه الأذان ولا الدعاء ولا يعلم من يزوره). انتهى. وكره مالك الترصيص عليه بالحجارة، وقال: لا خير فيه. وتبييضه؛ يعني أنه يكره تبييض القبر بالجير؛ وهو معنى التجصيص، يقال: جصص القبر إذا طلاه بالجير. وبناء عليه؛ يعني أنه يكره البناء على القبور؛ أي يكره أن يبنى عليه بيت أو سقف أو قبة، وكذا حواليه لما فيه من التضييق على الناس. أو تحويز؛ يعني أنه يكره التحويز على القبر؛ بأن يبنى حوله حيطان تحدق به بأرض ملكه أو ملك غيره بإذنه أو بموات ولو كان البناء المذكور كثيرا بالأراضي الثلاثة المذكورة، كقبة أو مدرسة وبنيت بغير قصدِ مباهاةٍ، فلا يهدم كما أفتى به ابن رشد، وكذا ظاهر ما للمازري وصاحب المدخل، وقال ابن القصار: يجوز بناء البيوت على القبور في الأرض غير المحبسة في المواضع المباحة، وفي ملك الإنسان. وظاهر اللخمي المنع، ومحل كراهة ما ذكر ما لم يرفع بحيث يأوي إليه أهل الفساد، وإلا حرم كالأرض المحبسة.

стр. 1748

واعلم أن محل ما ذكره المصنف من كراهة هذه الأمور من تطيين القبر وما بعده، حيث عريت عن قصد. وإن بوهي به حرم؛ يعني أنه إذا لم تَعْرَ هذه الأمور المذكورة من تطيين القبر، وتبييضه، والبناء عليه، والتحويز عن قصد بل قصد بها المباهاة، فإنها تحرم ولا يجوز شيء منها مع القصد للمباهاة، فتحرم بالأراضي الثلاث المتقدمة، وبموقوفة للدفن صرح بوقفيتها أو أرصدت له من غير تصريح، ووجب هدم ما حرم، وقوله: "وإن بوهي به حرم"، مثله ما إذا رفع بحيث يأوي إليه أهل الفساد -كما مر-. وجاز للتمييز؛ يعني أن هذه الأمور المذكورة من تطيين القبر وما بعده؛ إذا فعلت للتمييز فإنها جائزة. قاله غير واحد. فتحصل من كلامهم أن الأمور المذكورة لها ثلاثة أحوال: تكره من غير قصد، تحرم مع قصد المباهاة، تجوز للتمييز. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وجاز للتمييز"، سواء كانت الأرض مملوكة أو مباحة أو مسبلة للدفن؛ وهو الذي يفهم من كلام اللخمي وغيره. كحجر؛ يعني أن وضع الحجر على القبر ليعرف به صاحبه لا بأس به. أو خشبة؛ يعني أن وضع الخشبة على القبر ليعرف به صاحبه لا بأس به. فقوله: "كحجر أو خشبة"، تشبيه في الجواز -كما علم من التقرير- ومحل جواز وضع الحجر أو الخشبة على القبر حيث كان. بلا نقش؛ أي إنما يجوز وضع الحجر على القبر حيث كان لا نقش فيه، وكذا وضع الخشبة على القبر فإنما يجوز حيث كان الخشبة لا نقش فيه، وأما إن كان فيه نقش أي كتابة لاسمه أو صفته أو أخلاقه أو تاريخ موته فإنه يكره وضع ما ذكر عليه بسبب النقش، وإن بوهي به حرم. وفي الشارح: واحترز بقوله: "بلا نقش"، عما إذا وضع عليه حجر منقوش أو خشبة مكتوب عليها فإنه يكره. وقاله ابن القاسم. انتهى. فيشمل المنقوش بأي شيء، وكذا يفيده غير واحد. وقد وضع رسول الله ﷺ بيده الكريمة حجراً عند رأس عثمان بن مظعون، وقال: (أعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي (١))، وفي الخرشي: وكما جاز البناء والتحويز للتمييز فأولى التطيين والتبييض، ويجوز وضع الحجر والخشبة والعود على القبر بلا نقش، وفيه أيضًا: ومفهوم قوله: "بلا نقش"، الكراهة مع النقش، وظاهره ولو قرآناً. وينبغي الحرمة لأنه

стр. 1749

يؤدي إلى امتهانه، وما بني في مقابر المسلمين ووقف فإن وقفه باطل وأنقاضه باقية على ملك ربها إن كان حيًّا أو كان له وارث، ويؤمر بنقلها عن مقابر المسلمين، وإن لم يكن له وارث استأجر القاضي على نقلها منها: ثم يصرف الباقي في مصارف بيت المال. قاله ابن رشد. وفي المدخل: ليس له أن يحفر قبرا ليدفن فيه إذا مات؛ لأنه تحجير على غيره، ومن سبق كان أولى بالموضع منه، ويجوز له ذلك في ملكه لأنه لا غصب. وفيه تذكرة لمن حفر له. انتهى. وإذا رفع البناء بحيث يأوي إليه أهل الفساد حرم كما مر، ومن أهل الفساد النباشون، وإذا حرم ذلك لم تنفذ الوصيَّة به، قاله ابن عبد الحكم، فيمن أوصى أن يبنى على قبره بيت. ابن بشير: ظاهر هذا التحريم ولو كان مكروهاً لنفذت وصيّته؛ أي كما تنفذ وصيّته بضرب خباء على قبره، وضربه على قبر المرأة أجوز منه على قبر الرجل، وقد ضربه عمر على قبر زينب بنت جحش، وأما ضربه على قبر الرجل فأجيز وكره خوف الرياء والسمعة، وممن كرهه أبو هريرة وأبو سعيد وابن المسيب، وضربه محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس ﵄، وأقام عليه ثلاثة أيام. ابن حبيب: لا بأس بالبقاء عليه اليوم واليومين، ويبات فيه إذا خيف من نبش أو غيره. ابن عتاب: وتنفذ الوصيَّة به كوصية القراءة على القبور وإجارة الحج. انتهى. قاله الخرشي. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المكروه ونقشه: ويشتد النهي في القرآن وقد وقع التردد قديماً في الوصيَّة بوضعه في القبر، هل تبطل أو يرفع عن القذر. انتهى. وقوله: ونقشه؛ أي القبر، وعبارته حسنة فيفيد كراهة النقش للقبر كان النقش في حجر أو خشبة أو غيرهما وفي كتابه: وتحويز كثر وإلا جاز للتمييز، وفيه أن التحويز الكثير بالموقوفة حرام، وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن: أن التحويز اليسير بالموقوفة جائز ودعَّمه بالنقل، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ووجب هدم ما حرم كقرافة مصر المحبسة لدفن أموات المسلمين، وفي كتاب الشيخ الأمير عن شيخه: ترب مصر كالملك فيجوز إعداد القبر بها، وفي منن الشعراني: أن السيوطي أفتى بعدم هدم شاهد الصالحين بالقرافة، قياساً على (أمره ﷺ بسد كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر (١)) وهو فسحة لكن سياقه بعد الوقوع والنزول.

стр. 1750

وفي الحطاب بعد جلبه للنقل: فتحصل من هذا أن البناء حول القبر إما أن يكون في أرض مملوكة للباني، أو مملوكة لغيره، أو في أرض مباحة، أو في أرض موقوفة للدفن مصرح بوقفيتها، أو في أرض مرصدة لدفن موتى المسلمين مسبلة لهم، فإن كان في أرض مملوكة للباني فلا يخلو البناء إما أن يكون يسيراً للتمييز كالحائط الصغير الذي يميز به الإنسان قبر أوليائه، أو يكون كثيرًا كبيت أو قبة أو مدرسة، والكثير إما أن يقصد به المباهاة أو لا؟ فإن كان البناء يسيراً للتمييز فهو جائز باتفاق، وإن كان كثيرا وقصد به المباهاة فهو حرام ولا أعلم فيه خلافًا، وإن لم يقصد به المباهاة، فقال ابن القصار: هو جائز وظاهر كلام اللخمي أنه ممنوع، وظاهر كلام المازري وصاحب المدخل أنه مكروه؛ وهو الذي يقتضيه كلام ابن رشد حيث أفتى بأنه لا يهدم، وأما الأرض المملوكة لغير الباني فحكمها كالأرض المملوكة إذا أذن ربها، وكذلك حكم الأرض المباحة إذا لم يضر ذلك البناء بأحد. وأما الأرض الموقوفة فإن كان جدارا صغيراً للتمييز جاز والحد فيه ما يمكن دخوله من كل ناحية، وظاهر كلام المصنف والفاكهاني أنه لا يجوز، وأما البناء الكثير كالبيت والمدرسة والحائط الكبير فلا يجوز باتفاق؛ والمرصدة للدفن كالموقوفة. انتهى. وبقي عليه من المكروهات لهو من حضر وضحكه، انظر القباب. وَلما قدم الكلام على غسل الميت والصلاة عليه -وكانا متلازمين كما ذكر وكانا مطلوبين لكل مسلم تقدم له استقرار حياة غير شهيد معترك ولا فقد أكثره- شرع في الكلام على أضداد تلك الأوصاف استغناء بذكر أضدادها عنها، وبنفي أحد المتلازمين وهو الغسل عن نفي الآخر وهو الصلاة، وأطلق النفي من غير بيان لعين الحكم، وها أنا أبينه إن شاء الله، فقال: ولا يغسل شهيد معترك؛ يعني أن الشهيد الذي مات بالمعترك لا يغسل تحريما ولا يصلى عليه، والمراد بالشهيد الذي لا يغسل هنا: المسلم الذي مات بالمعترك وهو موضع القتال بين المسلمين والكفار، وصرح بحرمة تغسيله ابن رشد في المقدمات، فقول الشيخ عبد الباقي: أي يحرم، فيما يظهر قصور. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقوله: "ولا يغسل"؛ أي ولا يصلى عليه كما علمت. وقاله في المدونة.

стр. 1751

والأصل في ذلك قوله ﷺ : (زملوهم بكلومهم فإنه يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك (١))، وقوله: "ولا يغسل"، وكذا لا يحنط ولا فرق فيما ذكر بين الرجل والمرأة والبالغ والصبي، وقوله: "ولا يغسل"، سواء قاتل لدنيا كنية حمية أو غنيمة أو غلول أو إشهار لشجاعته، أو لدنيا وآخرة معاً كما إذا قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى وللغنيمة معاً. واحترز بقوله: "معترك"، عن الشهيد الذي قتل بغير معترك، فيغسل ويصلى عليه عند ابن القاسم؛ وهو مقتضى موضع من المدونة، وروى ابن وهب: لا يغسل شهيدُ كافرٍ حربي بغير معركة رجلاً أو امرأة أو صبياً لكونه له حكم من قتل بالمعركة وهو نص المدونة في محل آخر، وتبعه سحنون وأصبغ قائلاً: ابن وهب: أعلم بهذا وشبهه من الآثار من جميع أصحاب ملك، وإنما صلي على عمر بن الخطاب ﵁ مع أنه مقتولُ كافرِ؛ لأنه رفع حيًّا وعاش ولم يمت بفور القتل، وليس قاتله بحربي قبل قتله، وتبعهم ابن يونس وابن رشد، ونحا القرطبي إليه فتمنى أنه لم يكن غسل أباه وصلى عليه حين قتله عدو كافر بقرطبة حين أغار عليها كفار والنّاس في أحراثهم على غفلة، ومن ذلك أسرى نصارى بأيدي المسلمين أغاروا بأسكندرية وقت صلاة الجمعة والمسلمون في صلاتها وقتلوا مسلمين سنة اثنين وخمسين وألف، كما أفتى بعدم غسلهم والصلاة عليهم علي الأجهوري. فقط؛ يعني أن الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه هو الذي مات في المعترك دون الذي قتله الكفار بغير المعترك، كما مر عن ابن القاسم، ويمكن تمشية المصنف على ما لابن وهب بجعل قتيل الحربي المذكور شهيد معترك مجازاً، وَيكون حينئذ قوله: "فقط"، محترزا به عن الغريق والحريق والمبطون وبقية شهداء الآخرة. قال الشيخ عبد الباقي: ولو قال: ولا يغسل قتيل كافر حربي ولو بغير مقاتلة أو على فراشه وإن أجنب على الأحسن، لجرى على ما لابن وهب صريحاً، ولا يرد على ذلك أنه يفهم تغسيل قتيل مسلم يظنه كافراً، مع أن المعتمد عدم تغسيله والصلاة عليه؛ لأن هذا تفصيل في مفهوم كافر فلا يعترض به، وأما قتيل كافر مضروب عليه الجزية فيغسل قطعا. انتهى. قوله: مع أن المعتمد عدم تغسيله؛ أي قتيل مسلم،

стр. 1752

وقوله بعده أو قتله مسلم يظنه كافراً أو درسته الخيل إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، ولم يقل المواق والحطاب في الصورتين إلا أنه يغسل ويصلى عليه، فهو المعتمد. انتهى. والشهيد فعيل إما بمعنى فاعل لشهادته كرامة الله له، أو لشهادته الحساب فلا يحاسب، أو لشهادة روحه دار السلام وروح غيره إنما تشهدها يوم القيامة، أو بمعنى مفعول لقوله ﷺ في قتلى أحد: (أنا شهيد على هؤلاء (١))، أو لشهادة ملائكة الرحمة له، أو لشهادة حاله بصدق نيته، أو لأن معه شاهدا وهو الدم فإنه يبعث وهو يثعب دماً، أو لسقوطه على الشاهدة وهي الأرض. قاله الشبراخيتي. واعلم أن صلاة النبي ﷺ على حمزة خصوصية؛ (لأنه ﷺ كبر عليه سبعين تكبير (٢)) (وأباح النياحة عليه (٣)) قاله الشبراخيتي أيضًا. وقال عند قوله: "معترك"، لا مفهوم له؛ لأن من قتله الكافر ولو غير حربي من غير مقاتلة كذلك كما في المدونة، فشمل من قتله العدو في منزلة من غير ملاقاة ولا عراك، ومن هجم عليه الكفار وهو نائم فقتلوه؛ وهو قول ابن وهب وأصبغ وسحنون، خلافًا لابن القاسم فالمراد بالمعترك ما هو مظنة الاعتراك لا حصوله بالفعل. وأما الصلاة علي عمر وقد قتله كافر فلأنه عاش ولم يمت بفور القتل، وقال الرجراجي: إن عمر لم يصل عليه، وفي الخرشي ما يخالف ما مر عن الشبراخيتي أيضا؛ وهو أنه غزا المشركون المسلمين يوم أحد ولم يصل عليهم، وقيل لمالك: أبلغك أنه ﵊ صلى على حمزة فكبّر سبعين تكبيرة؟ فقال: لا، ولا على أحد من الشهداء. انتهى. وفي الشبراخيتي: واعلم أن الشهداء ثلاثة: شهيد دنيا وآخرة، وشهيد دنيا فقط، وشهيد آخرة فقط. فشهيدهما كمن قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى صحبه قصد الغنيمة أم لا، وشهيد الدنيا فقط كمن قاتل لقصد الغنيمة فقط، أو ليظهر شجاعته، أو لحمية قومه، أو للذب عن ماله أو أهله، أو لصون عرضه، أو نحو ذلك؛ فهذان لا يغسلان ولا يصلى عليهما. والثالث يغسل ويصلى عليه، وذلك كالغريق أي الميت غرقا في الماء، والحريق أي الميت بحرق النار، والمبطون أي صاحب

стр. 1753

الإسهال أو القولنج، ومثله الميت بمرض بطنه، وكالميت تحت الهدم والمطعون أي الميت بالطاعون، وصاحب ذات الجنب وهو مرض معروف يعرض في الغشاء المتبطن الأضلاع، والمرأة تموت بجمع بضم الجيم وكسرها وفتحها والضم أشهر كما في النووي؛ أي التي تموت مع شيء مجموع فيها غير منفصل كالميتة عذراء، وقيل: الميتة من الولادة وولدها في بطنها وهو الأشهر، وقيل: الميتة من الولادة ألقت ولدها أم لا، وصاحب السل، والغريب، وصاحب الحصا، واللديغ، والشريق، والذي يفترسه الأسد، وساقط عن دابته، والمتردي. انتهى. والميت دون أهله أو ماله أو بنيه، والميت دون مظلمة، والميت في السجن ظلماً، والميت عشقا أي عشق حتى مات، والميت وهو طالب للعلم، والميت على فراشه في سبيل الله، والذي يقتله اللصوص لا خلاف أنه شهيد، وسأذكر عدداً من جملة الشهداء عند آخر الكلام على شهيد المعترك. وقوله: "شهيد معترك"، سند: قتله المشركون، أو سقط من شاهق أو من فوق فرسه، أو رجع عليه سيفه أو سهمه، أو وجد في المعركة ميتا ليس فيه أثر وسواء قتل بسيف أو عصى، وظاهره: ولو قتله مسلم يظنه كافراً وهو كذلك، قال سحنون: ويدل له قضية اليمان والد حذيفة، فإنه نزل يوم أحد فلم يعرفه المسلمون فاختلفت أسيافهم فيه حتى قتلوه، فجاء ولده وأخبر به رسول الله ﷺ ، فقال له: إن الله كتب الشهادة لأبيك ولك عليهم ديته، فقال: هي صدقة عليهم يا رسول الله. وما ذكرته من أن من قتله مسلم يظنه كافراً لا يغسل ولا يصلى عليه نحوه في التتائي، وفي المواق والحطاب عن ابن سحنون: أنه يغسل ويصلى عليه، وعليه فابن سحنون مخالف لأبيه: والمعتمد الأول. قاله الشبراخيتي. وقد مر عن الشيخ محمد بن الحسن اعتماد الثاني، ومن مات في معصية بسبب من أسباب الشهادة فهو شهيد، كمن غرق في قَطْعِهِ فمات فهو شهيد وعليه إثم معصيته، وكذا لو قاتل على فرس مغصوبة أو كان في معصية مع قوم فوقع عليهم البيت فلهم الشهادة وعليهم إثم المعصية، وكل من مات بسبب معصية فليس بشهيد، كمن شرب الخمر فشرق فمات. قاله الشبراخيتي.

стр. 1754

ولو ببلد الإسلام؛ يعني أن شهيد المعترك الذي قتله الحربيون لا يغسل، ولو قتل ببلد الإسلام؛ وهو الذي لا تصرف للعدو فيه، وأشار بلو لرد قول ابن شعبان: يغسل ويصلى عليه؛ لأن درجته انحطت عن درجة الشهيد الذي دخل بلاد العدو، والأول، أعني: ما مشى عليه المصنف هو قول ابن القاسم وابن وهب وأشهب، وهو ظاهر المدونة. ابن بشير: وهو المشهور. أو لم يقاتل؛ يعني أن شهيد المعترك لا يغسل ولا يصلى عليه قاتل أم لا؛ بأن كان غافلا أو نائماً فمات فيهما بقتلهم، وكذا لو رجع سيفه أو سهمه عليه، أو حَمَل على العدو فتردى في بئر، أو سقط من شاهق جبل، أو سقط عن دابته، أو وجد ميتا ليس به أثر. كما مر. وقوله: "أو لم يقاتل"، قال الشارح: ظاهره ولو كان نائما وهو قول أصبغ وابن وهب وصححه ابن الجلاب. ابن يونس: وبه أقول، وقال ابن القاسم في العتبية: يغسل ويصلى عليه. وإن أجنب؛ يعني أن الشهيد لا يغسل ولو مات وهو جنب، وهكذا في النوادر عن أشهب وعبد الملك، وقال سحنون: يغسل ويصلى عليه والأول هو الأقرب، وإليه أشار بقوله: علي الأحسن. ابن ناجي: وهو الصحيح، وبه الفتوى. واعلم أن ابن ناجي متأخر عن المصنف، وقوله: "على الأحسن"، قال فيه الشيخ محمد بن الحسن: رجح ابن رشد ترك غسل الجنب، فصوابه لو قال: ولو أجنب على الأظهر. انتهى. ومثل الجنب الحائض، ولا يغسل دم الشهيد لخبر: (زملوهم بكلومهم (١))؛ لأن الدم شهيد له، وأما ما عليه من نجاسة غير الدم فيزال وينزع ما عليه من جلد الميتة والخنزير إجماعاً. وفي الطراز: أما إذا كانت عليه نجاسة من غير دمه كالروث وشبهه فإنه يغسل، وقال بعضهم: لا يغسل اعتبارا بالجنابة، وما قلناه أظهر؛ لأن الأصل في النجاسة الإبعاد. وقوله: "وإن أجنب"، شاهده قضية حنظلة، قتل يوم أحد شهيداً ولم يغتسل، ويسمى حنظلة: الغسيل بين السماء والأرض؛ لأنه كان ألم بأهله حين خروجه إلى أحد، ثم وقع النفير فأنساه الغسل وأعجله عنه، فلما قتل شهيداً، (أخبر رسول الله ﷺ بأن الملائكة غسلته (٢))، وقال: (لقد رأيت

стр. 1755

الملائكة تغسله (١))، وغسل الملائكة ليس هو الغسل الذي أمرنا به، قال الشبراخيتي: فإن قلت رتبة النبوءة أعلى من رتبة الشهادة قطعا مع أن النبي ﷺ غسل وصلي عليه، فالجواب أن النبوءة لا تنال بالاكتساب، بخلاف الشهادة فرغب فيها. واعلم أن الشهادة فيها فضل كبير، ففي الحديث أنه ﷺ ، قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة (٢))، وفي رواية: (إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة (٣))، قال في التيسير: أخرجه الخمسة إلا أبا داود، وفي التيسير: عن المغيرة أنه قال: (أخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة، فلنحن أحب في الموت منكم في الحياة (٤)). وأخبر ﷺ أن القتل في سبيل الله يكفر الخطايا إلا الدَّيْنَ، وفي مسلم عنه ﷺ : (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين (٥))، ونقل الشيخ نور الدين الزيادي أن السؤال عام في كل مكلف ولو شهيداً إلا شهيد الحرب، ويحمل ما ورد من عدم سؤال الشهداء ونحوهم على عدم الفتنة في القبر، خلافًا للسيوطي، وقال رجلٌ لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد، فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة (٦)). رواه في التيسير عن النسائي. وقال ﷺ : (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مسِّ القرصة (٧))، رواه في التيسير عن الترمذي والنسائي. وفيه: عن ابن مسعود ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : (عجب ربنا ﵎ من رجل غزا في سبيل الله تعالى فانهزم أصحابه فعلم ما عليه فرجع حتى أريق دمه، فيقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقا مما
следующие страницы →