← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

والأصل في ذلك قوله ﷺ : (زملوهم بكلومهم فإنه يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك (١))، وقوله: "ولا يغسل"، وكذا لا يحنط ولا فرق فيما ذكر بين الرجل والمرأة والبالغ والصبي، وقوله: "ولا يغسل"، سواء قاتل لدنيا كنية حمية أو غنيمة أو غلول أو إشهار لشجاعته، أو لدنيا وآخرة معاً كما إذا قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى وللغنيمة معاً. واحترز بقوله: "معترك"، عن الشهيد الذي قتل بغير معترك، فيغسل ويصلى عليه عند ابن القاسم؛ وهو مقتضى موضع من المدونة، وروى ابن وهب: لا يغسل شهيدُ كافرٍ حربي بغير معركة رجلاً أو امرأة أو صبياً لكونه له حكم من قتل بالمعركة وهو نص المدونة في محل آخر، وتبعه سحنون وأصبغ قائلاً: ابن وهب: أعلم بهذا وشبهه من الآثار من جميع أصحاب ملك، وإنما صلي على عمر بن الخطاب ﵁ مع أنه مقتولُ كافرِ؛ لأنه رفع حيًّا وعاش ولم يمت بفور القتل، وليس قاتله بحربي قبل قتله، وتبعهم ابن يونس وابن رشد، ونحا القرطبي إليه فتمنى أنه لم يكن غسل أباه وصلى عليه حين قتله عدو كافر بقرطبة حين أغار عليها كفار والنّاس في أحراثهم على غفلة، ومن ذلك أسرى نصارى بأيدي المسلمين أغاروا بأسكندرية وقت صلاة الجمعة والمسلمون في صلاتها وقتلوا مسلمين سنة اثنين وخمسين وألف، كما أفتى بعدم غسلهم والصلاة عليهم علي الأجهوري. فقط؛ يعني أن الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه هو الذي مات في المعترك دون الذي قتله الكفار بغير المعترك، كما مر عن ابن القاسم، ويمكن تمشية المصنف على ما لابن وهب بجعل قتيل الحربي المذكور شهيد معترك مجازاً، وَيكون حينئذ قوله: "فقط"، محترزا به عن الغريق والحريق والمبطون وبقية شهداء الآخرة. قال الشيخ عبد الباقي: ولو قال: ولا يغسل قتيل كافر حربي ولو بغير مقاتلة أو على فراشه وإن أجنب على الأحسن، لجرى على ما لابن وهب صريحاً، ولا يرد على ذلك أنه يفهم تغسيل قتيل مسلم يظنه كافراً، مع أن المعتمد عدم تغسيله والصلاة عليه؛ لأن هذا تفصيل في مفهوم كافر فلا يعترض به، وأما قتيل كافر مضروب عليه الجزية فيغسل قطعا. انتهى. قوله: مع أن المعتمد عدم تغسيله؛ أي قتيل مسلم،

стр. 1752

وقوله بعده أو قتله مسلم يظنه كافراً أو درسته الخيل إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، ولم يقل المواق والحطاب في الصورتين إلا أنه يغسل ويصلى عليه، فهو المعتمد. انتهى. والشهيد فعيل إما بمعنى فاعل لشهادته كرامة الله له، أو لشهادته الحساب فلا يحاسب، أو لشهادة روحه دار السلام وروح غيره إنما تشهدها يوم القيامة، أو بمعنى مفعول لقوله ﷺ في قتلى أحد: (أنا شهيد على هؤلاء (١))، أو لشهادة ملائكة الرحمة له، أو لشهادة حاله بصدق نيته، أو لأن معه شاهدا وهو الدم فإنه يبعث وهو يثعب دماً، أو لسقوطه على الشاهدة وهي الأرض. قاله الشبراخيتي. واعلم أن صلاة النبي ﷺ على حمزة خصوصية؛ (لأنه ﷺ كبر عليه سبعين تكبير (٢)) (وأباح النياحة عليه (٣)) قاله الشبراخيتي أيضًا. وقال عند قوله: "معترك"، لا مفهوم له؛ لأن من قتله الكافر ولو غير حربي من غير مقاتلة كذلك كما في المدونة، فشمل من قتله العدو في منزلة من غير ملاقاة ولا عراك، ومن هجم عليه الكفار وهو نائم فقتلوه؛ وهو قول ابن وهب وأصبغ وسحنون، خلافًا لابن القاسم فالمراد بالمعترك ما هو مظنة الاعتراك لا حصوله بالفعل. وأما الصلاة علي عمر وقد قتله كافر فلأنه عاش ولم يمت بفور القتل، وقال الرجراجي: إن عمر لم يصل عليه، وفي الخرشي ما يخالف ما مر عن الشبراخيتي أيضا؛ وهو أنه غزا المشركون المسلمين يوم أحد ولم يصل عليهم، وقيل لمالك: أبلغك أنه ﵊ صلى على حمزة فكبّر سبعين تكبيرة؟ فقال: لا، ولا على أحد من الشهداء. انتهى. وفي الشبراخيتي: واعلم أن الشهداء ثلاثة: شهيد دنيا وآخرة، وشهيد دنيا فقط، وشهيد آخرة فقط. فشهيدهما كمن قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى صحبه قصد الغنيمة أم لا، وشهيد الدنيا فقط كمن قاتل لقصد الغنيمة فقط، أو ليظهر شجاعته، أو لحمية قومه، أو للذب عن ماله أو أهله، أو لصون عرضه، أو نحو ذلك؛ فهذان لا يغسلان ولا يصلى عليهما. والثالث يغسل ويصلى عليه، وذلك كالغريق أي الميت غرقا في الماء، والحريق أي الميت بحرق النار، والمبطون أي صاحب

стр. 1753

الإسهال أو القولنج، ومثله الميت بمرض بطنه، وكالميت تحت الهدم والمطعون أي الميت بالطاعون، وصاحب ذات الجنب وهو مرض معروف يعرض في الغشاء المتبطن الأضلاع، والمرأة تموت بجمع بضم الجيم وكسرها وفتحها والضم أشهر كما في النووي؛ أي التي تموت مع شيء مجموع فيها غير منفصل كالميتة عذراء، وقيل: الميتة من الولادة وولدها في بطنها وهو الأشهر، وقيل: الميتة من الولادة ألقت ولدها أم لا، وصاحب السل، والغريب، وصاحب الحصا، واللديغ، والشريق، والذي يفترسه الأسد، وساقط عن دابته، والمتردي. انتهى. والميت دون أهله أو ماله أو بنيه، والميت دون مظلمة، والميت في السجن ظلماً، والميت عشقا أي عشق حتى مات، والميت وهو طالب للعلم، والميت على فراشه في سبيل الله، والذي يقتله اللصوص لا خلاف أنه شهيد، وسأذكر عدداً من جملة الشهداء عند آخر الكلام على شهيد المعترك. وقوله: "شهيد معترك"، سند: قتله المشركون، أو سقط من شاهق أو من فوق فرسه، أو رجع عليه سيفه أو سهمه، أو وجد في المعركة ميتا ليس فيه أثر وسواء قتل بسيف أو عصى، وظاهره: ولو قتله مسلم يظنه كافراً وهو كذلك، قال سحنون: ويدل له قضية اليمان والد حذيفة، فإنه نزل يوم أحد فلم يعرفه المسلمون فاختلفت أسيافهم فيه حتى قتلوه، فجاء ولده وأخبر به رسول الله ﷺ ، فقال له: إن الله كتب الشهادة لأبيك ولك عليهم ديته، فقال: هي صدقة عليهم يا رسول الله. وما ذكرته من أن من قتله مسلم يظنه كافراً لا يغسل ولا يصلى عليه نحوه في التتائي، وفي المواق والحطاب عن ابن سحنون: أنه يغسل ويصلى عليه، وعليه فابن سحنون مخالف لأبيه: والمعتمد الأول. قاله الشبراخيتي. وقد مر عن الشيخ محمد بن الحسن اعتماد الثاني، ومن مات في معصية بسبب من أسباب الشهادة فهو شهيد، كمن غرق في قَطْعِهِ فمات فهو شهيد وعليه إثم معصيته، وكذا لو قاتل على فرس مغصوبة أو كان في معصية مع قوم فوقع عليهم البيت فلهم الشهادة وعليهم إثم المعصية، وكل من مات بسبب معصية فليس بشهيد، كمن شرب الخمر فشرق فمات. قاله الشبراخيتي.

стр. 1754

ولو ببلد الإسلام؛ يعني أن شهيد المعترك الذي قتله الحربيون لا يغسل، ولو قتل ببلد الإسلام؛ وهو الذي لا تصرف للعدو فيه، وأشار بلو لرد قول ابن شعبان: يغسل ويصلى عليه؛ لأن درجته انحطت عن درجة الشهيد الذي دخل بلاد العدو، والأول، أعني: ما مشى عليه المصنف هو قول ابن القاسم وابن وهب وأشهب، وهو ظاهر المدونة. ابن بشير: وهو المشهور. أو لم يقاتل؛ يعني أن شهيد المعترك لا يغسل ولا يصلى عليه قاتل أم لا؛ بأن كان غافلا أو نائماً فمات فيهما بقتلهم، وكذا لو رجع سيفه أو سهمه عليه، أو حَمَل على العدو فتردى في بئر، أو سقط من شاهق جبل، أو سقط عن دابته، أو وجد ميتا ليس به أثر. كما مر. وقوله: "أو لم يقاتل"، قال الشارح: ظاهره ولو كان نائما وهو قول أصبغ وابن وهب وصححه ابن الجلاب. ابن يونس: وبه أقول، وقال ابن القاسم في العتبية: يغسل ويصلى عليه. وإن أجنب؛ يعني أن الشهيد لا يغسل ولو مات وهو جنب، وهكذا في النوادر عن أشهب وعبد الملك، وقال سحنون: يغسل ويصلى عليه والأول هو الأقرب، وإليه أشار بقوله: علي الأحسن. ابن ناجي: وهو الصحيح، وبه الفتوى. واعلم أن ابن ناجي متأخر عن المصنف، وقوله: "على الأحسن"، قال فيه الشيخ محمد بن الحسن: رجح ابن رشد ترك غسل الجنب، فصوابه لو قال: ولو أجنب على الأظهر. انتهى. ومثل الجنب الحائض، ولا يغسل دم الشهيد لخبر: (زملوهم بكلومهم (١))؛ لأن الدم شهيد له، وأما ما عليه من نجاسة غير الدم فيزال وينزع ما عليه من جلد الميتة والخنزير إجماعاً. وفي الطراز: أما إذا كانت عليه نجاسة من غير دمه كالروث وشبهه فإنه يغسل، وقال بعضهم: لا يغسل اعتبارا بالجنابة، وما قلناه أظهر؛ لأن الأصل في النجاسة الإبعاد. وقوله: "وإن أجنب"، شاهده قضية حنظلة، قتل يوم أحد شهيداً ولم يغتسل، ويسمى حنظلة: الغسيل بين السماء والأرض؛ لأنه كان ألم بأهله حين خروجه إلى أحد، ثم وقع النفير فأنساه الغسل وأعجله عنه، فلما قتل شهيداً، (أخبر رسول الله ﷺ بأن الملائكة غسلته (٢))، وقال: (لقد رأيت

стр. 1755

الملائكة تغسله (١))، وغسل الملائكة ليس هو الغسل الذي أمرنا به، قال الشبراخيتي: فإن قلت رتبة النبوءة أعلى من رتبة الشهادة قطعا مع أن النبي ﷺ غسل وصلي عليه، فالجواب أن النبوءة لا تنال بالاكتساب، بخلاف الشهادة فرغب فيها. واعلم أن الشهادة فيها فضل كبير، ففي الحديث أنه ﷺ ، قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة (٢))، وفي رواية: (إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة (٣))، قال في التيسير: أخرجه الخمسة إلا أبا داود، وفي التيسير: عن المغيرة أنه قال: (أخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة، فلنحن أحب في الموت منكم في الحياة (٤)). وأخبر ﷺ أن القتل في سبيل الله يكفر الخطايا إلا الدَّيْنَ، وفي مسلم عنه ﷺ : (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين (٥))، ونقل الشيخ نور الدين الزيادي أن السؤال عام في كل مكلف ولو شهيداً إلا شهيد الحرب، ويحمل ما ورد من عدم سؤال الشهداء ونحوهم على عدم الفتنة في القبر، خلافًا للسيوطي، وقال رجلٌ لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد، فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة (٦)). رواه في التيسير عن النسائي. وقال ﷺ : (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مسِّ القرصة (٧))، رواه في التيسير عن الترمذي والنسائي. وفيه: عن ابن مسعود ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : (عجب ربنا ﵎ من رجل غزا في سبيل الله تعالى فانهزم أصحابه فعلم ما عليه فرجع حتى أريق دمه، فيقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقا مما

стр. 1756

عندي حتى أريق دمه، أشهدكم أني قد غفرت له (١)). وقال ﷺ لامرأة قتل ابنها في سبيل الله: (إن ابنك له أجر شهيدين، قالت: ولم؟ قال: لأنه قتله أهل الكتاب (٢))، والمرأة المذكورة هي أم خلاد ﵂، سألت النبي ﷺ عن ابنها وهي متنقبة، فقالت: إن أرْزَإ ابنِي فلن أرزأ حياءي وفي هذا الحديث أن من قتله أهل الكتاب له أجر شهيدين، وروى أبو داود: (الغريق له أجر شهيدين (٣)). ذكره في كتاب الجهاد. قاله الحطاب. وفي التيسير أن رسول الله ﷺ ، قال: (من يسأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه (٤)). رواه عن الخمسة إلا البخاري. وقال ﷺ : (من فصل في سبيل الله تعالى فمات أو قتل أو وقصته فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله تعالى فمات، فهو شهيد (٥)). رواه في التيسير عن أبي داود. ومما يجب اعتقاده حياة الشهداء المقتولين في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وأنهم يرزقون عند ربهم لقوله : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وقضية الآية الشريفة اتصاف هيكل الشهيد بالحياة حقيقة، وبه جزم بعض المحقّقين، كما أن ظاهره أنهم يرزقون مما يشتهون كما يرزق الأحياء بالأكل والشرب واللباس وغيرها وهو ممكن، فالعدول عنه من غير معارض غير لائق. وقال بعضهم: الحياة للروح لا للجسد، وقال العلامة الجزولي: إن حياة الشهداء غير مكيفة ولا معقولة للبشر، يجب الإيمان بها على ما جاء به ظاهر الشرع، ويجب الكف عن الخوض في كيفيتها؛ إذ لا طريق للعلم بها إلا من الخبر، ولم يرد فيها شيء يتبين المراد منه. وقال الشيخ الأنصاري في حواشي تفسير البيضاوي: أكثر المفسرين أن حياة الشهداء ليست بالجسد، وقال ابن عادل: ويحتمل أن حياتهم بالجسد وإن لم نشاهد الجسد حيًّا، فلو لم تكن حياة الشهداء بالجسد لاستووا هم وغيرهم. انتهى. قال بعض المتأخرين: والنفس إلى ما قاله الجزولي أميل

стр. 1757

والآثار الواردة في الشهداء كثيرة، وفي كل ما ليس في الآخر، وجمع بينها إبراهيم بن شبيب جمعاً حسنًا أنهم يتمتعون بضروب من النعيم مختلفة، فمنهم من هو طائر يعلق من شجر الجنة، ومنهم من هو في حواصل طير خضر، ومنهم من يأوي إلى قناديل تحت العرش، ومنهم من هو في حواصل طير بيض، ومنهم من هو في حواصل طير كالزرازير، ومنهم من هو في أشخاص وصور من صور الجنة، ومنهم من هو في صور تخلق لهم من ثواب أعمالهم، ومنهم من تروح روحه وتتردد إلى جثتها تزورها، ومنهم من يتلقى أرواح المقبوضين، ومنهم من هو في كفالة آدم، ومنهم من هو في كفالة إبراهيم. واعلم أن المراد من كون أرواحهم في حواصل طير أنها تركب تلك الطير، أو أن المراد بها كالطير في سرعة قطع المسافة البعيدة لأن أرواحهم لها أجنحة، أوأنها تعمر أجساما أخر غير أجسامها، فَتُدَبِّرهَا، ليلاً يلزم التناسخ. وقال ابن يونس بعد الرد على القائلين بالتناسخ -أبعدهم الله تعالى- ما نصه: وأما حديث في حواصل طير خضر فليس بصحيح إلى آخر كلامه. لا إن رفع حيا؛ يعني أن من رفع من المعترك حيًّا أي حمل وذهب به عن موضع القتال، ثم مات بعد ذلك فإنه يغسل ويصلى عليه، فمحل عدم تغسيل الشهيد إنما هو حيث مات بالمعترك، وأما إن لم يمت به فإنه يغسل ويصلى عليه ولو كان حين رفع منفوذ المقاتل، وإليه أشار بقوله: وإن أنفِذت مقاتله؛ يعني أنه إذا رفع حيًّا فإنه يغسل ويصلى عليه، وإن كان قد رفع منفوذ المقاتل. ومفهوم قوله: "رفع حيًّا"، أنه لو بقي مرميا بالمعركة حتى مات لم يغسل، وهو كذلك على المعتمد خلافًا لأشهب. وقوله: "وإن أنفذت مقاتله"، كأن قطع نخاعه، أو نثر دماغه، أو قطع مصيره. إلا المغمور؛ يعني أنه إذا رُفِعَ حيًّا وهو مغمور، فإنه لا يغسل، رفع منفوذ المقاتل أم لا، فهو مستثنى من قوله: "لا إن رُفِعَ حيًّا"، ومن قوله: "وإن أنفذت مقاتله"، والمغمور هو الذي لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم حتى مات. واعلم أن الأقسام أربعة: رفع حيا؛ وهو مغمور لا يغسل ولا يصلى عليه، منفوذ المقاتل، أم لا، رفع حيًّا منفوذ المقاتل؛ وهو غير مغمور يغسل على ما قال المصنف، وقال الشيخ عبد الباقي والخرشي والشبراخيتي: إنه لا يغسل، وعبارة عبد الباقي: المذهب أن منفوذها لا يغسل رفع مغمورا

стр. 1758

أم لا، وعبارة الخرشي: لا يغسل ولا يصلى عليه على المشهورِ ومذهب المدونة، وعبارة الشبراخيتي: وفي كلامه نظر لأن منفوذ المقاتل لا يغسل ولا يصلى عليه رفع مغمورا أم لا، وقال محمد بن الحسن بناني: كون منفوذها لا يغسل رفع مغمورا أم لا هو الذي نقله المواق عن الكافي والمعونة، ونسبه الباجي لسحنون، واعترضه بغسل عمر ﵁، ونقل ابن عرفة وابن يونس ما ظاهره يوافق المصنف، والذي اعتمده المصنف ما نقله في التوضيح عن ابن شأس من قوله: المشهور من قول ابن القاسم أنه يغسل ويصلى عليه، وجعل قول سحنون مقابلا للمشهور، فانظر قول الزرقاني: المذهب لا يغسل من أين أتى به. انتهى. والقسم الرابع: هو أن يرفع حيًّا ولم يكن مغمورا ولا منفوذ المقاتل، وقد مر في قوله: "لا إن رفع حيًّا". ودفن بثيابه؛ يعني أن شهيد المعترك يجب أن يدفن بثيابه التي مات فيها ولو نفيسة، وتحرم الزيادة عليها، ومحل حرمة الزيادة على الثياب التي مات فيها إنما هو. إن سترته؛ أي جميع جسده، وقيل: لا بأس بالزيادة عليها، والقول الأول أحق بالاتباع، وليس لوليه نزع الثياب التي مات فيها ويكفنه في غيرها. وقوله: "ودفن بثيابه"؛ أي المباحة، وأما غير المباحة فتجري على قوله: "وتكفين بحرير". وقد مر أنه ينزع ما عليه من جلد الميتة والخنزير إجماعاً، وأن النجاسة غير دمه تغسل، قال الشيخ عبد الباقي: فإن وجد عرياناً وجب ستر جميع جسده كما هو ظاهر كلامهم، ولا يجري فيه قوله. "وهل الواجب ثوب يستره" إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذا غير صحيح، وما ذكره من الفرق لا معنى له، وما استدل به من ستره ﷺ بقيته بإذخر لا يدل له؛ لأن ذلك إنما يدل على أن ستر جميع الجسد مطلوب، وهذا أمر متفق عليه، وكون الجميع واجباً أو الزائد على ستر العورة سنة أمر آخر زائد على الطلب، تأمله. انتهى. وقوله: وما استدل به؛ يعني من قضية مصعب بن عمير الآتية، والله سبحانه أعلم. وإلا زيد؛ يعني أن الشهيد إذا لم تستره ثيابه التي مات فيها، فإنه يزاد عليها بما يستره، وأَجْرِ الزيادةَ على مَا مَرَّ يَا فَتَى، قوله: "وإلا زيد"، الأصل في ذلك قضية مصعب بن عمير لما لم تبلغه بردته زيد شيئًا من الإذخر غطيت به رجلاه، وذلك أنه ﵁ قتل يوم أحد ولم يترك إلا

стр. 1759

نمرة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه، فقال ﷺ : (غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر (١))، والنمرة: شملة من صوف مخططة. بخف، الباء للمصاحبة، متعلقة بقوله: "دفن"؛ أي ودفن بثيابه مصحوبة بخف، ولا يصح كون قوله: "بخف"، بدلاً من قوله: "بثيابه"، كما لا يخفى لاقتضائه أنه لا يدفن بما مات فيه من الثياب إلا بالخف، وذلك باطل؛ لأن دفنه بها لازم. والله سبحانه أعلم. وقلنسوة؛ يعني أن الشهيد إذا مات وعلى رأسه قلنسوة فإنه يدفن بها، قوله: "وقلنسوة"، عطف على قوله: "بخف"، قال غير واحد القلنسوة هي التي تسميها العامة الشاشية، لا البيضة فإنها تنزع، قال الشيخ عبد الباقي: أي الخوذة لأنها سلاح، وفي القاموس: القلنسوة والقلسية إذا فتحت ضممت السين وإذا ضممت كسرتها تلبس في الرأس، جمعها قلانس وقلانيس ومنطقة، عطف على قوله: "بخف"؛ يعني أن الشهيد يدفن بمنطقته التي مات؛ وهو لابس لها، والمنطقة هي المتخذة للخراج وهذا إذا كانت مباحة، وإلا لم يدفن بها. قل ثمنها، صفة لمنطقة؛ يعني أنه إنما يدفن بالمنطقة التي مات وهو لابس لها حيث قل ثمنها لا إن كثر، والقلة في المنطقة بالنسبة للمال لا بالنسبة للمالك نفسه. وخاتم؛ يعني أن الشهيد يدفن بخاتمه الذي مات وهو لابس له، ولا بد فيه من كونه على الوجه الشرعي، وإلا نزع. وقوله: "بخف وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها وخاتم قل فصه"، دفنه بهذه الأربعة أو بعضها على جهة الندب كما صرح به الشيخ الأمير، وقوله: "وخاتم"؛ أي قل ثمنه؛ أي قيمته، وكذلك ثمن المنطقة المراد به قيمتها. وعبارة الشيخ الأمير: وندب بخف وقلنسوة ومنطقة وخاتم مباح قلا قيمة. انتهى. وقال الشبراخيتي: "وخاتم"، وهو مقيد بقلة الثمن أيضًا، ونسخة البساطي: وخاتم فضة بالضاد المعجمة. انتهى. قل فصه، صفة لخاتم؛ يعني أنه إنما يدفن بالخاتم حيث قل ثمن فصه، وفص الخاتم بتثليث الفاء: جوهرته، والقلة في هذا وفي المنطقة بالنسبة للمال نفسه كما يفيده نقل أبي الحسن لا بالنسبة للمالك قاله الشيخ عبد الباقي.

стр. 1760

وقد علمت أن نسخة البساطي: وخاتم فضة، قال: ومفهومه أن الذهب لا يدفن معه ولا غيره أي كالنحاس والرصاص. انتهى. نقله الشيخ إبراهيم. قال مقيد هذا الشرح: يمكن أن يكون الفص للخاتم مأخوذ من الفص الذي هو ملتقى كل عظمين، والفص الذي هو حدقة العين. والله سبحانه أعلم. لا درع، عطف على قوله: "بخف"؛ يعني أن الشهيد إذا مات ومعه شيء من آلة الحرب فإنه لا يدفن معه، وذلك كالدرع وغيرها من آلة الحرب، ولهذا قال: وسلاح، كسيف ورمح ومغفر ومهماز، وما كان من حديد، والدرع اسم لما يتقى به، وقال أشهب: تنزع عنه القلنسوة والخفاف والجبة المحشوة. اللخمي: وليس بحسن، ولبعضهم ﵀ ناظماً لعدة الشهداء: الحمد لله العظيم المنه … داعي العباد لدخول الجنه … ثم الصلاة والسلام سرمدا على النبي العربي أحمدا … وآله أهل التقى والمجد … وصحبه أهل الوفا بالعهد وبعد نحن أمة مشرفه … بجاه من له كمال المعرفة … إذ جلنا في رتبة الشهيد كما تري في ضمن ذا التّقييد … في شهداء أمة الإسلام … فهاكهم تترى على نظام والأصل قول سيد الأنام … لصحبه ذوي التقى الأعلام … من عندكم شهيد خلق الله قالوا القتيل في سبيل الله … فقال في جوابه لسادتي … إذا قليل شهداء أمتي فعد أقوا ما لهم عنايه … فهاكها في عدة الرواية … فكل من وعى على مقاله قال بها فصح ما قد قاله … ناتي بها محذوفة الإسناد … كما رواه قدوة السداد فعن أبي هريرة الزكي … فيما رواه مسلم التقي … أن الشهيد كل قتلى الحرب مع الذي خالف أمر الرب … ومثله الغريق والمطعون … وميت الهدم كذا المبطون وزاد مالك وموت النفسا … شهادة وفيه بشرى للنسا … وميت ذات الجنب في الرواية أيضًا شهيد خص بالعناية … ومن طريق الطبراني يا فتى … وميت الطاعون حقاً مثبتا وميت السل وحرق النار … ممن ذُكِرْ في عدة الأبرار … زاد ابن ماجه ففي روايته موت الغريب رحمة لغربته … ومن طريق الطبراني وحده … موت المسافر شهيد عده ومن طريق الديلمي في سند … وميت الحمى فحقق ما ورد … زاد أبو يعلى وموت من سقط عن مركب فهو شهيد لا شطط … والطبراني له زياده … موت الرباط قد رووا شهاده

стр. 1761

والمتردي وقتيل أسْدا … كذا غريق البحر نال المجدا … وزاد أصحاب السننْ الأربعة كل روى في نقل ما قد جمعه … أن الذي يقتل دون أهله … أو ماله أو ابنه أو دمه أو طالبا لحقه من ظالمه … فكل ذا عن الرسول قال به … وقد روى البزار حبر الأمة بسند إلى أمير الأمة … فيمن أتى إلى إمام جائرْ … ذكَّره أمر العليم القادر فثار فيه جوره فقتله … فهو شهيد مكرم وحق له … وما رواه الطبراني في سند وصحح الحاكم حكم ما ورد … أن الذي وقص من بعير … أو فرس أو طاغِيِ الحمير كذا الذي يموت حتف أنفه … من بعد ما أوى إلى فراشه … أو لدغته هامة فمات به فالكل في حكم الشهيد قال به … وعن أبي هريرة المرضي … فيما روى ابن ماجه الزكي موت المريض كله شهاده … فخذ رعاك الله ذي الإفادة … زاد الخطيب في الذي رواه عن ابن عباس فلا تنساه … أن الذي عف عن المعشوق … خوفًا من الخالق لا المخلوق وثار فيه حبه فما اعتدى … فمات فهو والشريق شهدا … وقد روى البزار بالتعيين من مات طالباً لعلم الدين … وصحح الحاكم في روايته … التاجر الصدوق في مقالته ومن طريق الديلمي في أثر … عن ابن عبد الله جابر اشتهر … من عاش قل مداريا للناس مات شهيداً من خيار الناس … وعن علي المرتضى المكين … عن النبي المصطفى الأمين من مات في سجن بغير حق … أو مات من ضرب بغير فسق … فهو شهيد خص بالعناية وها هنا انتهت بنا الروايه انتهى من خط من عزاه لخط الشيخ ميارة، ناقلا من خط من نقل من خط الناظم رحمهم الله تعالى. ولا دون الجل، عطف على قوله: شهيد؛ يعني أنه كما لا يغسل شهيد معترك، لا يغسل ما دون الجل من الميت، ولا يصلى عليه. قاله في المدونة. لأن في الصلاة عليه صلاة على غائب، وسيأتي أن الصلاة على الغائب مكروهة، والجل ما زاد على النصف، وفهم من كلام المصنف أن الذي يغسل ويصلى عليه أكثر البدن وهو الذي في الرسالة والمدونة، قال الخرشي وقضيته أنه

стр. 1762

يصلى على ما فوق نصف الجسد ودون ثلثيه، ونص ابن القاسم على ما نقل ابن عمر يفيد أنه إنما يصلى على ثلثي الجسد أو أكثر، ولا يصلى على ما نقص عن ثلثي الجسد، وزاد على نصفه ولو كان معه الرأس. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يغسل دون الجل؛ أي دون ثلثي جسد ميت، والجسد ما عدا الرأس فإذا وجد نصف جسده ورأسه لم يغسل على المعتمد، وليس المراد جل الذات لاقتضاء ذلك تغسيل من وجد نصف جسده ورأسه وليس كذلك. ابن رشد: والعلة في ترك الصلاة على بعض الجسد عند مالك وأصحابه أن الصلاة لا تجوز على الغائب، واستخفوا إذا غاب اليسير منه: الثُّلث فدونه. انتهى. وقوله: فإن وجد نصف جسده ورأسه إلخ، فيه نظر فإن عدم الغسل في هذا إنما نقله في التوضيح على وجه يقتضي أنه مقابل للمشهور الذي هو غسل الجل. انتهى. لكن قال الرهوني: إن الصواب ما قاله الزرقاني، وإن ابن عرفة صرح بأن ما قاله أشهب وفاق للمدونة، ولقول ابن القاسم في سماع موسى: وإن المراد بالجل في كلام المدونة الثلثان فأعلى. انتهى. وعلم مما قررت أن النهي في قوله، "ولا دون الجل"، على الكراهة. وقال ابن حبيب: يصلى على العضو الواحد بعد تغسيله، وقال عبد الملك: يصلى على الرأس إذا وجد. وقد مر أن قوله: "ولا دون الجل"، معطوف على: "شهيد"، وهذا على أن "دون" تتصرف؛ وهو لغة قليلة، ويحتمل أن المعطوف موصول محذوف؛ أي ولا ما دون الجل. ولا محكوم بكفره؛ يعني أن الذي حكم الشرع بكفره كزنديق وكتابي ومرتد عن ملة الإسلام إلى غيرها ونحوهم، لا يغسل ولا يصلى عليه والنهي على سبيل التحريم. وإن صغيراً ارتد؛ يعني: أن الصغير المميز إذا ارتد ومات على ردته، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وإن كان لا يقتل قبل البلوغ، فإذا بلغ واستمر على ردته قتل. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي المدونة: ومن ارتد قبل البلوغ لم تؤكل ذبيحته، ولا يصلى عليه ورد المصنف بالمبالغة قول سحنون: يصلَّى على من ارتد قبل البلوغ. أو نوى به سابيه الإسلام؛ يعني أن من سبى صغيرا من أهل الكتاب، ونوى به الإسلام فمات ذلك الصغير قبل أن يجيب إلى الإسلام لا يغسل ولا يصلى عليه، وقال ابن وهب: إذا سباه

стр. 1763

سيده ونوى به الإسلام فإنه يكون بذلك مسلما ويغسل ويصلى عليه، وفي الخرشي والشبراخيتي: أنه لا مفهوم لقوله: "سابيه"، فلو قال: أو نوى به مالكه الإسلام ليشمل ما ولد لمسلم من عبْدَيْه الكتَابيَّين، وما اشتُرِيَ ممن قدم إلينا بأمان لكان أولى. وقوله: "أو نوى به سابيه الإسلام"، معناه نوى إدخاله في الملة الإسلامية، كما يفيده ما يأتي. والله سبحانه أعلم. قال جامعه عفا الله عنه: وجعلت كلام المصنف في الكتابي مميزا أم لا، وإن كان ظاهره العموم ليلتئم مع ما يأتي من قوله: وحكم بإسلام من لم يميز لصغر بإسلام سابيه، والحاصل أن الصغير المجوسي يحكم بإسلامه لإسلام سابيه، فيغسل ويصلى عليه إذا مات قبل الجبر، والصغير الكتابي لا يحكم بإسلامه إذا مات قبل الجبر، فلا يغسل ولا يصلى عليه. قال الشيخ محمد بن الحسن بعد جلب أنقال: فتحصل أن الصغير الذي يجبر إذا مات قبل الجبر فالراجح أنه محكوم بإسلامه، والراجح في الكتابي أنه لا يجبر لرواية ابن القاسم فيها فهو محكوم بكفره، وعليه يحمل المصنف كما قرره الحطاب. انتهى. ويتحصل من كلام الخرشي هنا: أن الصغير الكتابي في جبره على الإسلام وعدمه أربعة أقوال: عدم الجبر لمالك وابن القاسم، وقيل: بالجبر مطلقاً، وقيل: إن لم يُسْبَ معه أبواه وإن فرقت بينهما الأملاك، وقيل: إن لم يسب معه أحدهما ما لم تفرقهما الأملاك. وعلى الجبر فهل هو محكوم له بالإسلام، أو حتى ينويه سابيه، أو حتى ترتفع عنه حداثة الملك، أو يزيا بزي الإسلام، أو حتى يجيب إليه بعد البلوغ أو بعد عقله الإجابة ببلوغه الإثغار؟ أقوال خمسة. واتفق على جبر صغير المجوس، فإن مات قبل الجبر فعلى ما تقدم من الأقوال الخمسة في صغير أهل الكتاب، وفي جبر كبير المجوس قولان، ولا خلاف في عدم جبر كبير أهل الكتاب. انتهى. وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن: أن محل الخلاف في الصغير الكتابي حيث لم يعقل دينه، فإن عقله لم يجبر ولا نص يخالف ذلك، وقد تقدم له أن الراجح عدم الجبر، وإذا تأملت كلام المصنف هنا وفيما يأتي علمت أن فيه تدافعا بحسب ظاهره؛ لأن ظاهره هنا العموم في الصغير الكتابي وغيره وكذلك ما يأتي له، فإما أن يحمل كلامه هنا أنه مشى على قول، وفيما يأتي على قول آخر حيث أبقيناه على ظاهره في الموضعين لكن يلزم منه أنه مشى على غير المشهور في

стр. 1764

الموضعين مع أنه بصدد ما تجب به الفتوى، وإما أن يحمل كلامه هنا على الصغير الكتابي مميزا أم لا، وفيما يأتي على الصغير المجوسي وهذا هو الأحسن وهو الذي قررته به، أولاً؛ والله سبحانه أعلم. إلا أن يسلم؛ يعني أن الصغير الكتابي إذا مات قبل البلوغ لا يغسل ولا يصلى عليه، إلا إذا أسلم؛ أي أجاب إلى الإسلام بالفعل ويدخل فيه طائعا، فإنه يغسل ويصلى عليه لكونه مسلما تندب له الصلاة، وتجب الزكاة في ماله. كأن أسلم، ما تقدم في المسبي وما هنا إذا لم يسب؛ يعني أن الصغير إذا أسلم من غير سبي -والحال أنه نفر من أبويه الكافرين- ومات، فإنه يغسل ويصلى عليه، ولا مفهوم لهذا القيد؛ إذ لو أسلم وبقي بدار الحرب حتى مات غسل أيضًا. قوله: "كأن أسلم ونفر من أبويه"، هذا هو الذي صححه بعضهم، وقيل: لا يغسل ولا يصلى عليه. قاله الشارح. وبما قررت علم أن قوله: "كأن أسلم" إلخ، لا فرق فيه بين الكتابي وغيره. وإن اختلطوا غسلوا وكفنوا؛ يعني: أنه إذا مات مسلمون وكفار واختلطوا، كما لو ماتوا في وباء أو غرقوا في سفينة، فإنهم يغسلون جميعًا ويكفنون ويدفنون بمقابر المسلمين، كان المسلمون أكثر أو الكفار أو استووا. وميز المسلم بالنية في الصلاة؛ يعني أن هؤلاء المسلمين والكفار الذين اختلطوا يغسلون جميعًا ويفعل بهم جميعًا ما يفعل بموتى المسلمين، إلا أنه ينوى المسلمون بالصلاة دون الكفار، وإنما غسل الجميع مع حرمة تغسيل الكفار والصلاة تعظيماً للمسلمين، كما أنهم يدفنون في مقابر المسلمين -كما مر- تغليباً للمسلمين، ومئونة غسلهم ودفنهم من بيت المال إن كان المسلم منهم فقيرا لا مال له، وأما إن كان له مال سواء كان معه أم لا فإن مؤنة جميعهم تؤخذ من مال المسلم، لقول ابن عرفة: وصلي عليهم ونوي المسلمون والنفقة عليهم أي على المسلمين المختلطين مع الكفار الذين ميزوا بالنية في الصلاة. قاله الرماصي. فإن اختلط كفار بمسلم لا يغسل كشهيد معترك، لم يغسل أحد منهم، ودفنوا بمقبرة المسلمين تغليباً لحق المسلم، فإن اختلط مسلم يغسل بشهيد معترك، غسلوا وكفنوا مع دفنهم بثيابهم احتياطاً في الجانبين وصلي عليهم، وهل يميز غير الشهيد بالنية أم لا؟ لأنه قد قيل بها على الشهيد. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: إذا وجد ميت لا يعرف، غسل وصلي عليه إن وجد ببلد لا يدخلها كافر غالباً كالمدينة المنورة على ساكنها

стр. 1765

أفضل الصلاة والسلام، إلا أن يكون عليه زي كفار كما يفيده ابن عرفة وابن فرحون، وينبغي إلا أن يكون صغيراً فيغسل، فإن وجد ببلد يدخلها الكفار غسل وصلي عليه إن كان صغيراً ولو وجد بكنيسة عليه زي كافر، كما قاله ابن القاسم وغيره، لا كبير وجد بها ولو عليه زي مسلم لكنَّه يوارى، والفرق أن الصغير المنبوذ يجبر على الإسلام. قاله التتائي. قوله: ولو عليه زي مسلم لكنَّه يوارى، فيه شيء، بل متى كان عليه زي مسلم يعلم به كونه مسلماً فإنه يصلى عليه، قاله الشيخ علي الأجهوري. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: ولو وجد بكنيسة إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: ظاهر ما نقله المواق عن ابن القاسم أن من جُهِلَ دينه ووجد ميتا لا يصلى عليه، يشمل الصغير والكبير خلاف ما في الزرقاني، لكن وجدت في البيان في موضع آخر من الجنائز ما ظاهره يفيد هذا التفصيل، ونص السماع: وسألته أي ابن القاسم، هل يصلى على المنبوذ إذا مات قبل أن يَعْرِفَ الصَّلاةَ وفي البلد يهود ونصارى؟ قال: نعم يصلى عليه؛ لأن السنة ألحقته بأحرار المسلمين في تمام عقله على عاقلته. ابن رشد: هذا كما قال؛ لأنه على دين من التقطه. زاد ابن حبيب: وإن وجد في كنيسة، وإن كان عليه زي النصراني إذا كان في جماعة المسلمين، وذلك بخلاف الكبير يوجد ميتا، والغريب يموت ولا يعلم أنه كان مسلماً فلا يصلى عليه وإن كان مختونا. انتهى. وظاهره يشمل من مات بعد التقاطه ومن وجد ميتا، وبذلك صرح ابن عرفة عن ابن حبيب. انتهى. قوله: وإن كان مختونا؛ يعني لأن اليهود وبعض النصارى تختتن. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإن اختلطوا غسلوا وكفنوا" إلخ، قاله ابن القاسم في سماع عيسى من العتبية، ونحوه لسحنون، ومثله لأشهب. قاله الشارح. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وإذا مات تحت هدم مسلم وكافر، واختلطوا ولأحدهما مال لا يعلم مالكه، غسلا وكفنا منه، وصلي عليهما بنيَّة المسلم، ووقف المال، فإن استحقه وارث أحدهما جبر له ما كفن به الآخر إن كان مسلما من بيت المال، وإن ادعاه ورثتهما ولا بينة حلفا وقسم بينهما. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله جبر له ما كفن به الآخر إن كان مسلما من بيت المال، صحيح إن كان المسلم فقيرًا وإلا جبر من ماله. ولا سقط؛ يعني أن السقط لا يغسل كراهة ولا يصلى عليه كراهة، وإنما كرر هذه المسألة ليرتب عليها ما بقي من أحكام المنفوس، والسقط هو الذي لم يستهل؛ أي لم يصرخ عند ولادته،

стр. 1766

ولا وجد منه علامات الحياة، وأفهم كلامه أن الصراخ دليل الحياة ولو كان خفيا؛ وهو كذلك كما نص عليه ابن عرفة، فيغسل حينئذ ويصلى عليه. ولو تحرك؛ يعني أن المولود الذي لم يستهل إذا تحرك حركة قوية فإنه لا يحكم له بالحياة بسبب ذلك، فلا يغسل ولا يصلى عليه لأنه يتحرك في البطن وقد يتحرك المقتول، وإنما قيدت الحركة بالقوية لأنها هي محل الخلاف، وأما الحركة الضعيفة فلا تعتبر اتفاقاً. قاله الشيخ إبراهيم. وعلم مما قررت أن قوله: "لم يستهل"، وصف كاشف لأنه إذا استهل لا يكون سقطا. قاله الشيخ إبراهيم. والسقط مثلث السين -كما مر- أو عطس؛ يعني أن العطاس لا يكون دليلاً على حياة المولود، فلا يغسل ولا يصلى عليه من أجل أنه عطس؛ لأن العطاس يكون من الرِّيح. أو بال؛ يعني أن المولود إذا بال فإن ذلك لا يكون دليلاً على حياته ولو كثر ذلك منه؛ لأنه قد يكون من استرخاء المواسك؛ وانظر لو اجتمع اثنان من الثلاثة، أو حصلت هي كلها. أو رضع من باب ضرب وعلم؛ يعني أن المولود إذا رضع يسيراً فإن ذلك لا يكون دليلاً على ثبوت الحياة التي يغسل ويصلى عليه من أجلها، وأما لو رضع كثيرًا فيعتبر اتفاقاً. اللخمي: اختلف في الحركة والرضاع والعطاس، فقال مالك: لا يكون له بذلك حكم الحياة، وعارضه المازري بأنا نعلم يقيناً أنه محال بالعادة أن يرضع الميت، وأجاب المواق بما حاصله أنه محكوم له بحكم الميت لا أنه ميت حين رضاعه حقيقة، قاله الشيخ بناني. وقد مر أن الرضاع الكثير دليل على الحياة المعتبرة، والظاهر أنه ما يقول أهل المعرفة إنه لا يقع مثله إلا ممن فيه الحياة المعتبرة. إلا أن تتحقق الحياة؛ يعني أن الولد محل كونه لا يغسل ولا يصلى عليه إنما هو حيث لم تتحقق حياته، وأما لو تحققت حياته وإن مات فورا كما لو صرخ ولو خفيا -كما مر- أو رضع كثيرًا -كما مر- أو طالت مدته طولا لا يبقى معه إلا حي سالم من الإشكال، فإنه يغسل ويصلى عليه، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: إلا أن يتحقق استمرار الحياة؛ لأن المعتبر هنا استمرار الحياة لا الحياة المستقرة، والمعتبر في الذكاة الحياة المستقرة حالة الذبح. قاله الشبراخيتي، والخرشي. وغسل دمه؛ يعني أن السقط إذا عدمت منه علامات الحياة

стр. 1767

-وقلنا إنه يكره تغسيله والصلاة عليه- فإنه يغسل دمه، قال الشيخ عبد الباقي: وجوباً كذا يظهر، وقال الخرشي: يغسل دمه عنه استحباباً. وعلم من هذا أن المنفي إنما هو التغسيل الذي هو كغسل الجنابة إجزاء وإكمالا، وأما غسل الدم عنه فهو إما مندوب أو واجب. كما ذكرت لك. ولف بخرقة؛ يعني أنه يجب أن يلف السقط الذي لم يستهل بخرقة، ومعنى لفه بخرقة ضمها عليه وستره بها. وووري؛ يعني أن السقط يجب أن يوارى؛ أي يدفن. ولا يصلى على قبر؛ يعني أن الميت إذا دفن في قبره فإنه لا يصلى عليه كراهة حيث دفن بصلاة؛ لأن تكرار الصلاة على الميت مكروه. قاله الشيخ بناني. قال مؤلفه عفا الله عنه: ويرد على ما قال أنه لو صلى عليه فذ لا تكره الصلاة على قبره؛ وهو خلاف ظاهر ما قالوه هنا، وصرح عبد الباقي والشبراخيتي بالمنع، ونازع بناني في ذلك وقال بالكراهة، وعلل بما ذكرت لك. إلا أن يدفن بغيرها؛ يعني أن الميت إذا دفن بغير صلاة فإنه ينبش ويخرج ما لم يخف تغيره ويصلى عليه كما مر، وأما إذا خيف تغيره فإنه يصلى عليه وهو مدفون في قبره وجوباً ما لم يطل، حتى يغلب على الظن فناء الميت، أو يذهب منه الميت كأكل السبع له. وقوله: "إلا أن يدفن بغيرها"، كذا في المدونة والرسالة؛ وهو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: لا يصلى عليه. ولا غائب، عطف على "قبر"؛ يعني أنه تكره الصلاة على الميت الغائب كغريق، وأكيل سبع، وميت بمحل غائب، ونحوهم. قال الشيخ عبد الباقي: وأما صلاته ﷺ على النجاشي، فمن خصوصياته برفع الأرض [له] (١)، وعلم موته ونعاه لأصحابه وخرج معهم فأمهم، وصلى عليه قبل أن يوارى، ولم يفعل ذلك بعده أحد، ولا صلى أحد على النبي ﷺ بعد أن ووري، وفي الصلاة عليه ﷺ أعظم رغبة، فدل ذلك على الخصوص. انتهى. قوله فمن خصوصياته برفع الأرض له إلخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: هذان جوابان جعلهما جوابًا واحدًا، وبيانهما أن تقول: الجواب الأول أنه من خصوصياته ﷺ ، والآخر أن صلاته عليه لم تكن على غائب لرفعه له ﷺ حتى

стр. 1768

رآه، فتكون صلاته عليه كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها. انظر ابن حجر. ورد ابن العربي الجوابين معًا بأن كلا من الخصوصية والرفع يفتقر لدليل ولم يوجد، وما قدمته من كراهة الصلاة على الغائب هو للشَّيخ عبد الباقي، وقال الشيخ إبراهيم: المعتمد المنع واستدل على ذلك بقول ابن رشد: لا تجوز الصلاة على الغائب عند مالك وأصحابه، ونحو ما للشَّيخ عبد الباقي للشَّيخ الخرشي، قال: وما قلناه أن النهي للكراهة هو مقتضى كلام الزرقاني، لكن تقدم عن الأجهوري أنه اعترضه؛ بأن ابن رشد قال: لا تجوز الصلاة على الغائب عند مالك وأصحابه. انتهى. وقوله: ولا غائب. "قال الشارح: هو ظاهر الذهب. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إذا استوقن أن شخصا غرق أو قتل أوأكلته السباع ولم يوجد منه شيء، فإنه يصلى عليه. انتهى. ولا تكرر؛ يعني أنه يكره أن تكرر الصلاة على الميت إلا فيما إذا أعيدت بإمام بعد أن صلي عليه بغير إمام، وهذه مكررة مع ما مر، وقد استُوفِيَ الكلام عليها هناك. وقال غير واحد: ما مر فيمن قبر وما هنا فيمن لم يقبر، أو أن هذا من التكرير وهو كون المصلي ثانيًا هو المصلي أولاً، وما مر من التكرار وهو كون المصلي ثانيًا غير المصلي أولاً، وهذا على أحد قولين في الفرق بين التكرار والتكرير، والقول الثاني عكس ذلك. قال مؤلفه عفا الله عنه: انظر هذا التفريق، فالذي يظهر أنه لا فائدة فيه. والله سبحانه أعلم. والأولى بالصلاة وصي؛ يعني: أن الأحق بأن يكون إمامًا في الصلاة على الميت كان أوصى الميت أن يكون إمامًا في الصلاة عليه؛ لأن ذلك من حقه وهو أعلم بمن يشفع له؛ أي هو أحق بالإمامة من الولي وذي السلطان. وعلم مما قررت أن المراد بالوصي من أوصى الميت أن يصلي عليه إمامًا، ومحل كون الوصي أولى بالإمامة إنما هو حيث رجي خيره، صفة مشعرة بالتعليل؛ يعني أن محل كون الوصي أحق بالإمامة من الولي إنما هو إذا أوصي بأن يكون إمامًا لرجاء خيره، واحترز بذلك عما إذا أوصى بإمامته ليغيظ الولي فإنه لا تنفذ وصيته بذلك لعدم جوازها، والولي أحق حينئذ بالإمامة إن رجي خيره أيضا وإلا قدم الوصي. قاله غير واحد. مالك: إن علم أن ذلك من الميت لإغاظة وليه ذي الدين والفضل لعداوة بينهما قدم الولي حينئذ.

стр. 1769

ومما قررت به قوله: "والأولى"، من أن معناه الأحق علم أنه يقضي له به، وليس المراد أنه مندوب كما لو أوصى أن يدفن بمكان فيجب أن يتبع، فلو دفن في غيره نقل ما لم تنتهك حرمته على ما تقدم، قاله الخرشي. ثم الخليفة؛ يعني أن الميت إذا لم يكن أوصى لأحد فإن الأحق بالصلاة عليه إمامًا هو الخليفة، والخليفة، هو أمير المؤمنين؛ أي فهو أحق بالصلاة إماما من الولي، لخبر: (لا يُؤَمُّ الرجل في سلطانه (١)). لا فرعه؛ يعني أن فرع الخليفة أي نائبه لا يكون أحق بالإمامة من الولي في الصلاة على الميت، وذلك كالأمير والقاضي ونحوهما. إلا مع الخطبة؛ يعني أن نائب الخليفة محل كونه لا يكون أحق بالإمامة من الولي إنما هو حيث لم يكن مولى على خطبة الجمعة وإمامتها، وأما إن كان مولى على إمامة الجمعة مع شيء آخر من أمور المسلمين فإنه يكون أحق بالإمامة من ولي الميت، فالقاضي مثلاً إنما يكون أحق بالإمامة من الولي إذا وكله الإمام على أن يكون إمامًا في الخطبة يخطب أي يتولى ذلك بنفسه، فإن وكل شخصا على صلاة الجمعة وخطبتها فإنه لا يكون أحق من الولي، ومثل القاضي غيره من النواب -كما قررت-. فالحاصل أنه لا بد في الأحقية من اجتماع شيئين: التوكيل على إمامة الجمعة وخطبتها، مع التولية لأمر آخر كالقضاء والإمارة ونحوهما، فإن لم يكن إلا التوكيل على الإمامة فقط أو النيابة في غيرها فقط فلا يكون أحق من الولي بل الولي أحق منه. والله سبحانه أعلم. وقوله: "إلا مع الخطبة"، قال الشيخ عبد الباقي ما معناه: ظاهر تقريرهم أن المراد مباشرة إمامة الجمعة وخطبتها؛ لأن المراد توليته للغير كقاضي مصر، ويحتمل أنه مقدم. انتهى. وما مشى عليه المصنف من اشتراط اجتماع الأمرين المذكورين هو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وقيل: من له الخطبة والصلاة أولى من الولي وإن لم يكن إليه حكم، وقيل: إن القاضي أحق بها من الأولياء وإن لم تكن الصلاة إليه، وقيل: لا حق لواحد منهم سوى الأمير الذي تؤدى إليه الطاعة. قاله مطرف وابن الماجشون. قاله الحطاب. ثم أقرب العصبة؛ يعني أنه إذا لم يوجد وصي ولا خليفة ولا نائبه بشرطه، فإن الأحق بالصلاة على الميت إمامًا أقرب أوليائه كما في ولاية النكاح، فيقدم ابن فابنه، واستحب اللخمي أن يقدِّمَ

стр. 1770

ابنُ الميت أباه، وأخوه جَده كصلاة الفرض، وما في شرح عبد الباقي عن البساطي قصور. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وهل محل تقديم أقرب العصبة على من بعده إن باشره؟ ورجحه ابن يونس أو ولو أراد التوكيل، ورجحه ابن رشد قولان، وعلى الأول فإن امتنع من التقدم بنفسه وأراد تقديم غيره انتقل الحق لمن بعده، وظاهر كلام المصنف أن أقرب العصبة أحق ولو كان عبداً؛ وهو مختار ابن محرز. وفي السليمانية: لا يتقدم إلا أن يكون الذين معه عبيدا، واستدل ابن محرز بأن رب المنزل إذا كان عبداً يؤم من غشيه، وقال التتائي: وظاهر كلام المؤلف أن العاصب يقدم في الرقيق على سيده، وظاهر قول ابن الحاجب: ترتيب الولاية كالنكاح أن السيد يقدم، فانظره. انتهى. وتعقبه بعضهم بأن قول ابن الحاجب: كالنكاح، مراده أن الأخ وابنه مقدمان على الجد، لا ما فهم التتائي. انظر الخرشي. وهل يجري القولان المتقدمان في الأقرب من العصبة فيما إذا أراد التوكيل في الخليفة أم لا قاله الشيخ عبد الباقي. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أن الخليفة أحق مطلقا باشر أو أراد التوكيل. والله سبحانه أعلم. وقوله: "ثم أقرب أولياء العصبة"، فإن تساووا في القرب من الميت فكالإمامة؛ أي فيقدم الأفضل فالأفضل ثم القرعة. وقد مر في الجماعة: "ثم زائد فقه ثم حديث" إلخ، وقوله: "وإن تشاح متساوون لا لكبر اقترعوا"، وإلى تقديم الأفضل أشار بقوله: وأفضل ولي؛ يعني أنه إذا تعدد ولي جنازة واحدة أو أكثر فإنه يقدم أفضلهم بزيادة فقه أو حديث أو غيرهما من المرجحات المتقدمة في فصل الجماعة، ويندب تقديم أب وعم مفضولين على ابن وابن أخ، فإن تساووا في العلم والسن فأحسنهم خلقًا، لخبر: (إن المرء ليبلغ درجة القائم بالليل الصائم بالهواجر بحسن خلقه (١))، فإن تساووا في المراتب وتشاحوا أقرع، كما مر قريبًا. ولو ولي المرأة؛ يعني أنه إذا اجتمع جنازتان أو أكثر فإنه يقدم أفضل الأولياء حيث كان الأموات ذكورا فقط أو إناثاً فقط اتفاقاً، وكذا لو كان الميتان ذكراً وأنثى أو كان الأموات ذكورا وإناثا، فإنه يقدم أفضل أوليائهم ولو كان الأفضل ولي الأنثى منهما أو منهم، ولا يكون ولي الرجل أحق منه

стр. 1771

بالإمامة حيث كان ولي الرجل مفضولا، فالمعتبر فضل الأولياء لافضل الجنائز. هذا هو الأصح، والمنقول عن مالك. ورد المصنف بلو على ابن الماجشون القائل: يقدم ولي الرجل ولو كان مفضولا اعتبارا بفضل الميت، واحتج بتقديم الحسين بن علي ﵄ حين ماتت أم كلثوم بنت علي امرأة عمر وابنها زيد في آنٍ واحد، وصلي عليهما معاً، فكان فيهما خمس سنن: لم يورّثا، وحُمِلا معاً، وجعل الغلام مما يلي الإمام، ودفنا في قبر واحد، وجعل الغلام مما يلي القبلة. فقدم الحسين عبد الله بن عمر للصلاة عليهما؛ لأنه أخو زيد. ابن رشد وغيره: لا حجة في القضية المذكورة، وإنما تحصل الحجة لو كان المقدم لعبد الله غير الحسين كالخليفة أو غيره من الصحابة، وإلا فالحسين لكماله في الفضل يرى لعبد الله فضلاً عليه ولا يرى لنفسه فضلاً، ويحضر في باله حينئذ سن ابن عمر وشهادته له ﵊ بالصلاح، وحضوره المشاهد في حياته ﷺ وبعد وفاته، وزهده في الخلافة بعد أن عرضت عليه مرتين. انتهى. وصلى النساء دفعة؛ يعني أنه إذا لم يوجد من يصلي على الميت إلا النساء، فمذهب المدونة أنهن يصلين عليه أفذاذا دفعة أي في آن واحد من غير ترتب، ولا ينظر لتفاوتهن في التَّكبير ولا يسبق بعضهن بعضا بالتسليم، وهذا القول هو الأصح. قاله الأمير. وصحح ترتبهن أيضًا؛ يعني أنه قيل: إن النساء إذا لم يوجد غيرهن فإنهن يصلين أفذاذا واحدة بعد واحدة وهو المراد بترتبهن، وصحح هذا القول ابن الحاجب وغيره، ورد بأنه تكرار للصلاة عليه وهو خلاف المذهب، وبأنه يؤدي إلى تأخير الميت، والسنة التعجيل. قاله الشارح وغيره. وقيل: تؤمهن واحدة منهن كما نقله اللخمي عن أشهب؛ لأنه محل ضرورة أو مراعاة لما يقوله ابن أيمن من جواز إمامة المرأة النساء، وعلى القول بأنهن يصلين أفذاذا دفعة، الذي هو الأصح إذا فرغن من الصلاة ثم قدمت واحدة، فيكره لها أن تصلي بعدهن، وإذا صلى النساء أفذاذا دفعة فإنه يستحب إعادتها جماعة إذا وجد الرجال. كما مر. والقبر حبس؛ يعني أن القبر الكائن في ملك الميت المدفون فيه أو في ملك غيره بإذنه أو في الصحراء حبس على الميت وعلى من دفن به؛ أي له حكم الحبس، فلا يجوز أخذ حجارة القبور العافية لبناء مسجد أو قنطرة، ولا كراهة في بناء المسجد على المقبرة العافية، قاله الشبراخيتي،

стр. 1772

ونحوه للخرشي وزاد: قاله ابن القاسم؛ لأن ما هو لله لا بأس أن يستعان ببعضه في بعض مما نفعه أكثر. انتهى. وفي الحديث: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١))، وفيه: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢))، وهذا النهي إنما هو مخافة أن تعبد، كما اتفق لمن سلف قبل هذه الأزمنة، فلا حرج إلا من ناحية نبش القبور خاصة كما في المعيار، وقد أباحوا بناءها على الداثرة دون الجديدة؛ لأنه يخاف في الجديدة نبش العظام، وذلك لا يجوز. انظر الرهوني. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: علم من هذا أن النهي في الجديدة إنما هو فيمن بنى على القبر، لا إن كان المسجد بناحية خارجة عن القبر، فمعاذ الله أن يقول أحد بكراهة ذلك أو حرمته؛ لأن مسجد النبيِّ ﷺ مجاور لقبره الشريف وقبري الشيخين، وقد علمت أيضًا أن اتخاذ المسجد على القبر دون حفر يصل إلى موضع العظام جائز ولو جديداً، كما نقله الرهوني عن المعيار. وبالله تعالى التوفيق. وقوله: "والقبر حبس"؛ يعني بمجرد وضع الميت فيه فلا يباع ولا ينتفع به، ولو نقل منه الميت أو بلي، فقوله: "حبس"؛ أي حبس على الدفن والميت، فلا ينبش ما دام به، وإن نبش أو نقل منه فلا يستعمل إلا في الدفن، وعبارة الشيخ الأمير: والقبر حبس على الدفن، فإن نقل منه أو بلي لم يتصرف فيه بغير الدفن. انتهى. وقوله: "حبس"؛ يعني في غير قبر السقط، وأما قبر السقط فليس حبسا لكن يكره الانتفاع به. قاله ابن عرفة. وعبارة الشبراخيتي: والقبر حبس على من دفن به. انتهى. وفي الحطاب عن المدخل: اتفق العلماء على أن الموضع الذي يدفن به المسلم وقف عليه ما دام منه شيء موجود فيه حتى يفنى، فإذا فني فحينئذ يدفن فيه غيره، فإن بقي شيء مَّا من عظامه فالحرمة قائمة لجميعه، ولا يجوز أن يحفر عليه، ولا يدفن معه غيره، ولا يكشف عنه اتفاقاً، إلا أن يكون موضع قبره قد غصب. انتهى.

стр. 1773

لا يمشي عليه؛ يعني أن القبر لا يمشي عليه كراهة، وهذا إذا كان مسنما والطريق دونه ودام به، وإلا جاز المشي عليه ولو بنعل كما قال ابن ناجي، وظاهره: ولو كانت النعل متنجسة. ابن ناجي: ويجوز الجلوس عليه أيضًا أي عند انتفاء القيدين المذكورين، وما ورد من النهي عن الجلوس عليه محمول على الجلوس لقضاء الحاجة. المازري: كذا فسره مالك، وروي ذلك مفسراً عن النبي ﷺ ، وكان علي ﵁ يتوسدها ويجلس عليها. انتهى. الخرشي: قال ابن حبيب: يكره الدخول إلى المقابر بالنعال، ولا يكره بالخفاف. انتهى. وكره الشافعي أن يجلس على القبر، أو يطأه، أو يتكلم للنهي المذكور، قاله الحطاب. وفي الشبراخيتي: وانظر مشي الدواب على القبور. انتهى. وفي الحطاب: عن ابن ناجي: ويجوز المشي على القبور بالنعل وغيره، ولا يحتاج أن يكون عليه سراويل. والله أعلم. انتهى. وقال ابن العربي: يكره أن تتخذ القبور وطناً، وإذا لم تتخذ وطناً فأحرى أن لا تتخذ منزلا. انتهى. ولا ينبش؛ يعني أنه يحرم نبش القبر، فالنهي في المشي على سبيل الكراهة، وفي النبش على سبيل التحريم، وقوله: "ولا ينبش"؛ يعني إلا للنقل بشروطه المتقدمة، وإلا في الأمور الآتية: ما دام به، راجع للنفيين؛ يعني أن محل كراهة المشي على القبر وحرمة نبشه إنما هو ما دام به الميت؛ أي ظن دوام شيء من عظامه بالقبر غير عجب الذنب. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: وهذا قيد في النفيين فقط، لا لقوله: "حبس"؛ إذ هو حبس أيضًا إذا لم يبق به إلا عجب الذنب، فلا يجوز بناؤه دارا ولا حرثه لزراعة، وإنما يجوز نبشه للدفن فيه حينئذ لعدم منافاته لكونه حبسا. انتهى. وقوله: "ما دام به"؛ علم مما قررت أن عجب الذنب غير مانع من المشي عليه، ونبشه للدفن فيه، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وقد سئلت عن تربة درست وصارت طريقا منذ ثلاثين سنة، ويريد شخص أن يبنيها بيتاً للسكنى، فهل يجوز؟ فأجبت بأنه: لا يجوز أي يحرم، ففي الطراز: سئل ابن عات عن مقبرة لها أربعون سنة لم يدفن فيها، فهل يجوز جعلها مساكن؟ فأجاب بأنها حبس. وقول ابن عبد السلام: وقع في كلام أهل المذهب عن بعضهم أنه يجوز حرث البقيع بعد عشرة أعوام

стр. 1774

ضعيف، كما كتبه الوالد بطرة الشارح. وقال الإمام: موضع القبر لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به. انتهى. واعلم أن الإنسان كله يفنى إلا عجب الذنب، وفي بقائه دون سائر الجسد سر لا يعلمه إلا الله . وقد مر أنه يجوز للشخص أن يعد الكفن قبل موته، وأن يحفر قبرا بملكه، وإن احتاج إليه انتفع به، وما تقدم من تفسير "دام": بظن، هو لعبد الباقي كما عرفت. وقال الأمير عند قوله: "ما دام"، ويكفي في ذلك غلبة الظن، ونحوه للخرشي. قال: وهذا يختلف باختلاف الأراضي. وسئل ابن رشد عمن دفن أربعة أولاد في مقبرة من مقابر المسلمين، فلما كان بعد عشرة أعوام من دفنه إياهم غاب الرجل عن البلد، فجاء الحفار فحفر على قبور أولئك الأطفال قبرا لامرأة دفنها فيه، ثم جاء الوالد من سفره بعد دفن المرأة بثلاثين يوما ولم يجد لقبور بنيه أثرا غير قبر المرأة، فأراد نبشها وتحويلها إلى موضع آخر ليقيم قبور بنيه على ما كانت؟ فأجاب: لا يجوز أن ينبشها، ولا أن ينقلها عن موضعها، ولا يحل له ذلك؛ لأن حرمتها ميتة كحرمتها حية، فلا يحل له أن يكشفها ويطلع عليها وينظر إليها ولو كان ذا محرم منها لَمَا ساغ له ذلك بعد هذه المدة؛ إذ لا يشك في تغيرها فيها. وبالله التوفيق. قاله الإمام الحطاب. إلا أن يشح رب كفن غُصِبَه، بالبناء للمجهول والنائب ضمير يعود على الكفن، والضمير البارز عائد على رب الكفن؛ يعني أن القبر لا يجوز نبشه ما دام به الميت إلا أن يكون الميت مكفنا بكفن مغصوب غصبه الميت أو غيره. وشح رب الكفن؛ أي ضن بأن يترك الكفن للميت، فإنه حينئذ ينبش إن كانت لربه بينة عليه أو صدقه أولياء الميت، ولم يطل ولم يروح، وأما إذا طال بحيث يعلم فساد الكفن، أوأروح أي أنتن فلا ينبش، وليس لرب الكفن إلا قيمته لأنه حينئذ تبيّن أنه ما قصد إلا الضرر. وقوله: "غصبه"، وأما لو غصب ثمنه أو مطله بثمنه فلا يسوغ له ذلك. وتحصل مما تقدم أنه لا يجوز أن يحفر عن الميت، ولا أن يدفن معه غيره، ولا أن يكشف عنه ما دام شيء منه في القبر غير عجب الذنب، وأنَّه إن فني كله غير عجب الذنب جاز أن ينبش للدفن فقط. أو قبر، عطف على"كفن"، وقوله: بملكه، صفة لقبر؛ يعني أنه يجوز نبش القبر

стр. 1775

فيما إذا حفر لإنسان قبر بمكان يملكه الغير بغير إذن ذلك الغير، وشح رب المكان؛ أي لم يترك القبر للميت، فينبش ليخرج منه الميت. ابن بشير: إلا أن يطول، فقال ابن أبي زيد: له الانتفاع بظاهر أرضه. انتهى. أي ولا يخرج. ونقل في التوضيح عدم إخراجه مع الطول عن ابن هارون؛ وهو خلاف ما لابن رشد من إخراجه وإن طال. وأشار ابن عرفة لذلك بقوله: ومن دفن في ملك غيره بغير إذنه، ففي إخراج المالك له مطلقا، أو إن كان بالفور نقلا ابن بشير واللخمي. الشيخ: إن طال فله الانتفاع بظاهر أرضه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. أو نسي معه مال، هو أيضا مما استثني من النبش، فهو عطف على "يشح"؛ يعني أنه يجوز نبش القبر أيضا فيما إذا نسي مع الميت مال، كثوب سجي به الميت أو خاتم أو دنانير أو غير ذلك، فينبش إن كان للغير نفيسا أم لا، كثيرا أم لا، أو للميت، وشح الورثة؛ وهو نفيس أو كثير ولم يطل ولم يروح فيهما، وإلا بدئ بقيمته على الوارث وأعطيت للغير، ولا ينبش في يسير وغير نفيس له، ولو شح الوارث. قاله عبد الباقي. ومن وافق قبرا عند حفره فليرد عليه ترابه ولا يزاد من قبر على قبر، وليتوق كسر شيء من عظامه. وقوله: "أو نسي معه مال"، محله إذا ثبت بالبينة أو بإقرار أهل الميت، وأسقط الغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله ﷺ ، وكان ثلاثة دراهم، ونزل له في القبر الشريف، فكان آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ ، وصار يفتخر بذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وفي المواق خلاف ما تقدم عن الشبراخيتي، فإنه قال في قوله: "أو نسي معه مال": أن له أن يستخرجه بمجرد دعواه من غير توقف على بينة أو تصديق، بخلاف الكفن المغصوب. فانظر الفرق بينهما. قاله الشيخ محمد بن الحسن. حكاية: وقع للولي الصالح أبي محمد سيدي عبد العزيز القروي بتقديم الراء على الواو -وكان معاصرا لأبي الحسن الصغير شارح المدونة- وكان ناظرا على المارستان بفاس يتولى تجهيز الموتى بيده، وقد جيء ذات يوم بميت غريب، فلما أراد غسله وجد بضاعة دراهم فوضعها بالأرض ليذهب بها إلى بيت المال، فلما كفنه اندرجت معه في الكفن فنسيها، فلما وضع عليه التراب

стр. 1776

تذكرها، فنبش عليه لإخراجها، فوجد الدراهم مسمرة في بدنه من رأسه إلى قدمه، فرد عليه التراب، وقال: لعله من الذين يكنزون -نسأل الله العافية- نقله الشيخ محمد بن الحسن. واعلم أنه بقي على المصنف من مسائل جواز إخراج الميت ما إذا اقتضت ذلك مصلحة للمسلمين، كفعل معاوية ﵁ في شهداء أحد، لما أراد إجراء العين التي بجانب أحد أمر مناديا فنادى في المدينة: من كان له قتيل فليخرج إليه ولينبشه وليخرجه وليحوله، قال جابر: فأتيناهم فأخرجناهم من قبورهم رطابا يتثنون. وإن كان، القبر أو الحفر بما؛ أي في مكان يملك فيه الدفن بقي؛ يعني أنه إذا حفر قبر بمكان يملك فيه الدفن لكل أحد، ودفن فيه ميت غير الميت المحفور له تعديا، فإن ذلك لا يجوز ابتداء، ولكنه إذا وقع لا يخرج منه الميت الذي دفن فيه تعديا، بل يبقى فيه وعلى ورثة الميت قيمة الحفر، وإلى ذلك أشار بقوله: "وعليهم"؛ أي على ورثة الميت الموضوع في ذلك القبر. قيمته؛ أي الحفر أي أجرته عند ابن اللباد، ابن بشير: وهو أصل المذهب، وقيل: عليهم حفر مثله، لأنه مثلي محصور بمساحة من الأرض كشبر أرضا، وقيل: الأكثر منهما لأنه ظالم بدفنه بعد تحويزه لآخر، والظالم أحق أن يحمل عليه، وقيل: الأقل منهما لأنه يخفف عن الظالم كثيرا، بدليل قوله في الغصب: المثليَّ: ولو بغلاء. وقوله: "بما يملك فيه الدفن"، يشمل الأرض الموقوفة للدفن وذلك ظاهر، ويشمل الصحاري كما قاله الشيخ عبد الباقي. كمن سبق إلى مباح. والله سبحانه أعلم. وإذا تشاح الورثة في دفن الميت في ملكه أو في مقابر المسلمين، فالقول قول من طلب المقابر، بخلاف تشاحهم في تكفينه من تركته أو مال بعضهم، فإن القول لمن طلب تكفينه من تركته؛ لأن الدفن في مقابر المسلمين أمر عرفي، فكأنه أوصى به. قال الشيخ سالم: يؤخذ من هذا أن من أوصى بدفنه بمكان يعمل بوصيته، كما إذا أوصى بمن يصلي عليه. وبما قررت علم أن الباء الداخلة على ما للظرفية، وأن ما نكرة موصوفة واقعة على مكان كما قرر به غير واحد.

стр. 1777

قال جامعه عفا الله عنه: ولا مانع من كونها موصولة اسمية؛ أي بالمكان الذي يملك فيه الدفن. والله سبحانه أعلم. وأقله ما منع رائحته وحرسه؛ يعني أن أقل القبر عمقا ما يمنع رائحة الميت أن تشم دفعا للأذى ويحرسه من السباع وغيرها، وأكثره لا حد له، وندب عدم عمقه -كما مر- وجاز اتخاذه قبل الموت بمملوكة لا محبسة كما في التوضيح، قال ابن عات: من رأى تعميقه القامة والقامتين إنما رآه في أرض الوحش، أو توقع النبش. قاله ابن عرفة. وبقر عن مال كثر، البقر: عبارة عن شق الجوف؛ يعني أن من ابتلع مالا كذهب أو فضة أو جوهر أو غيرهما، ثم مات فإنه ينظر، فإن كان الذي ابتلعه كثيرا شق جوفه وأخرج منه، فإن لم يكن كثيرا فلا يشق جوفه، وسواء كان المال له أو لغيره. قاله أصبغ. وقاله ابن القاسم مرة، ومرة قال: لا يشق وإن كثر. وقال ابن حبيب: لا يشق ولو كانت جوهرة تساوي ألف دينار، وهذا كله مقيد بما إذا قامت على ذلك بينة، ولا يشق بمجرد الدعوى، فلو شهد بذلك عدل واحد فأجراه أبو عمران على الخلاف في القصاص في الجراح بالشاهد واليمين. ابن يونس: والصواب البقر؛ لأنه ﵊ (نهى عن إضاعة المال (١))، وإليه أشار بقوله: ولو بشاهد ويمين؛ يعني أنه إذا شهد عدلان على ابتلاعه فإنه لا إشكال في البقر، وأما إن شهد عدل وحلف المدعي معه فيبقر أيضا، هذا هو الصواب عند ابن يونس، ومقابله القول الآخر المجرى على عدم ثبوت القصاص في الجراح بشاهد ويمين. وقوله: "كثر"؛ بأن كان نصابا، وهل نصاب الزكاة أو نصاب السرقة؟ قولان، وبين القولين في حده بعد كثير. قاله الشيخ إبراهيم. واقتصر الشيخ الأمير على حد الكثير بنصاب الزكاة، وقد مر ذكر الخلاف في مسألة بقر الميت عن مال كثر، قال في التوضيح: قال شيخنا: ينبغي أن يكون محل الخلاف إذا ابتلعه لقصد صحيح؛ أي لخوف عليه أو لدواء، وأما إن قصد قصدا مذموما أي كحرمان وارثه، فلا ينبغي أن يختلف في وجوب البقر لأنه كالغاصب. وقيد ابن بشير الخلاف بما إذا كان للميت مال يؤدى منه، وإلا فلا ينبغي أن يختلف في استخراجه. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: ومحل تقييده بالكثير إذا لم يبتلعه

стр. 1778

لقصد حرمان وارثه؛ بأن كان لخوف أو مداواة، وأما إذا ابتلعه لذلك، فإنه يبقر عنه مطلقا قل أو كثر، فإن تبين بعد البقر كذب الشهود بأن لم يوجد المال في جوف الميت، عزر المدعي والشاهد. قال الشيخ الأمير: والظاهر أنه لا يتأتى هنا يمين استظهار لعدم تعلق المال بالذمة، فيلغز بها دعوى على ميت ليس فيها يمين استظهار ولا قصاص عند تبين الكذب بسبب البقر؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَوَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ في حال الحياة، كما يدل على ذلك مسألة التجهيز على منفوذ المقاتل من القول بعدم قتله، بل هذا أولى. قاله الشيخ عبد الباقي. قال مؤلفه عفا الله عنه: ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. لا عن جنين؛ يعني أن أم الجنين لا تبقر بطنها عنه لاستخراجه، تحققت حياته أم لا، لكن لا بد من تحقق موته قبل دفنها، فلا تدفن قبله ولو تغيرت ارتكابا لأخف الضررين وفي المدونة: لا يبقر عن جنين الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها، وظاهرها أنها لا تبقر ولو رجي خلاصه منها حيا، وظاهرها تأويل على اصطلاح المصنف. قاله الشبراخيتي، وغيره. وهذا الظاهر هو المشهور، وخالف أشهب وأصبغ وسحنون فيما إذا تيقنت حياته، وحمل عبد الوهاب قول سحنون على أنه تفسير للمدونة، وأن ابن القاسم إنما قال ذلك فيما إذا لم تتيقن حياته، وإلى تأويل عبد الوهاب أشار بقوله: وتؤولت أيضا على البقر إن رجي؛ يعني أن المدونة كما تؤولت على ظاهرها، فيكون قول أشهب وأصبغ وسحنون مقابلا لها تؤولت أيضا على أنها مفَسَّرَةٌ يقَوْلِ هؤلاء الأئمة، فلا خلاف بينهم وبين ابن القاسم على هذا التأويل، وعلى القول بأنها تبقر إن رجي خلاصه منها حيا، يكون البقر من خاصرتها اليسرى؛ لأنه أقرب للجنين. اللخمي: ويكون البقر في السابع أو التاسع أو العاشر، وحسنه سند. ابن عبد الحكم: رأيت رجلا مبقورا على رمكة مبقورة. ابن يونس: الصواب البقر؛ لأن الميت لا يؤلمه. وقد نهي عن إضاعة المال، وأبيح قطع الصلاة خوف وقوع صبي أو أعمى في بئر، فبقر الميتة التي يتحقق موت ولدها لو تركت أولى، ويحمل قول عائشة: كسر عظام المؤمن ميتا ككسرها حيا على ما إذا فعل ذلك عبثا لا لأمر هو أوجب منه، ولو أصاب الحي أمر في جوفه يتحقق حياته باستخراجه لبقر عنه، ولم يكن آثما بفعله بنفسه ولا بولده أو عبده مع أن حرمة الحي أعظم.

стр. 1779

قاله الخرشي. والفرق بين المال يبقر عنه والجنين لا يبقر عنه أن سلامة الجنين مشكوكة فلا تنتهك حرمتها له، والمال محقق بقاؤه وإخراجه على ما هو عليه، وينبغي أن محل الخلاف في جنين الآدمي، وأن غيره من الأنعام إذا رجي الولد يبقر عنه قولا واحدا، وما تقدم من أن البقر من خاصرتها اليسرى، قال الخرشي والشبراخيتي: حيث كان أنثى، وإن كان ذكرا فمن خاصرتها اليمنى. انتهى. وهو مشكل؛ إذ كيف يعلم أنه ذكر أو أنثى وهو في بطن أمه؟ وقد قال جل من قائل: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله عنه. وعلم مما قررت أن محل الضعيف إنما هو بعد موت المرأة، وأما قبل موتها فمحل اتفاق بين المشهور، ومقابله: وإن قدر على إخراجه من محله فعل؛ يعني أن المرأة إذا ماتت وجنينها يضطرب، فإن قدر على أن يخرج حيا برفق من المحل الذي يولد منه أخرج منه. قاله مالك في المبسوط؛ وهو متفق عليه. اللخمي: وهو مما لا يستطاع؛ أي لأنه لا بد له من القوة الدافعة؛ وهي شرطها الحياة. والنص عدم جواز أكله لمضطر؛ يعني أن المنصوص في المذهب أن المضطر وهو الذي لم يجد ما يسد به رمقه لا يجوز له أن يأكل من ميتة الآدمي إذا وجدها، وسيقول المصنف: وللضرورة ما يسد غير آدمي، وسواء كان الميت مسلما أو كافرا؛ لأنه لا تنتهك حرمة آدمي لآخر. ابن رشد: الصحيح أن ميتة الآدمي لا تسمى ميتة، ولهذا لم يجز للمضطر أكله بإباحة الله تعالى لأكل الميتة على الصحيح من الأقوال، وليس برجس ولا بنجس، وإنما حرم أكله إكراما له لا لنجاسته، وقيل: يجوز للمضطر أكل ميتة الآدمي. ابن عبد السلام: وهو الظاهر، وإليه أشار بقوله: وصحح أكله أيضا؛ يعني أن بعض العلماء صحح أكل ميتة الآدمي؛ وهو ابن عبد السلام -كما علمت- خَرَّجَ جواز الأكل على القول بجواز البقر، قال: والجواز هنا أولى لأن حياة الآدمي محققة بخلاف الجنين، والضمير في أكله الأول عائد على الآدمي الميت المفهوم من السياق، وضمير أكله الثاني كذلك، ويحتمل أنه للمضطر الحي. والله سبحانه أعلم. وقوله: "والنص عدم جواز أكله لمضطر"، سواء كان المضطر مسلما أو كافرا، ولا يحل له أن يأكل بعض نفسه، قال عبد الباقي: ولا يرد ما يأتي عند قوله: ووجب إن رجا حياة أو طولها، من أن من أكلت الأكلة بعض أطرافه

стр. 1780

وخيف سريانها في بقيته، وجب قطع المأكول حيث تحقق عدم السريان بقطعه؛ لأنه في نفسه، وما هنا يمكنه التحرز عن نفسه وعن الغير بميتة دابة، فيتحرز عن نفسه وعن إذاية الغير. انتهى. وفيه نظر، فإن الخلاف إنما هو حيث عدم غيره لا مع وجود غيره كما يوهمه كلامه. قاله الشيخ بناني. وقوله: وصحح أكله ظاهره ولو كان كافرا والميت مسلما، وقوله: وصحح أكله أيضا، وعلى هذا القول، هل يطبخ؟ استظهر بعض الشراح أنه يصنع به ما يصنعه بقوته، كما في الخرشي. وللشافعية: يحرم طبخه وشيه لما فيه من هتك حرمته مع اندفاع الضرر به، وقوله: وصحح أكله أيضا، ويتخير في الآدمي غير المعصوم. قاله عبد الباقي، وغيره. ودفنت مشركة حملت من مسلم بمقبرتهم؛ يعني أن المشركة التي حملت من مسلم إذا ماتت وهي حامل منه، فإنها تدفن بمقبرة الكفار، هكذا في النوادر عن مالك، وزاد عنه: إذ لا حرمة لجنينها حتى يولد. ابن حبيب: لأنه عضو منها حتى يزايلها، وقوله: "مشركة"؛ يعني كافرة بأي أنواع الكفر. وقوله: "حملت من مسلم"؛ أي حملت منه بوطء شبهة مطلقا، أو بنكاح في كتابية، ويتصور بنكاح في غيرها حيث أسلم، ويتأول في قوله: "من مسلم"؛ أي ولو مآلا، وإذا زنى مسلم بكافرة فعلى قول من يقول إن حملها مسلم، كما لأبي الحسن في الكلام على الغرة يشمله المصنف. قاله الشيخ عبد الباقي. ولا يستقبل قبلتنا ولا قبلتهم؛ يعني أن المشركة التي حملت من مسلم إذا ماتت نتركها لأهل ملتها، ولا نتعرض لهم في أنهم يستقبلون بها القبلة ولا في عدم ذلك، فيدفنونها على حكم دينهم، وأما إن تولينا دفنها لترك أهل ملتها لها فلا نستقبل بها قبلتنا؛ لأن جنينها لا حرمة له؛ إذ هو عضو من أعضائها، ولا نستقبل بها قبلة أهل الشرك؛ لأنا لا نعظم قبلتهم، فمحل قوله: "ولا يستقبل" الخ، حيث توليناها لترك أهل ملتها لها. النووي: الشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم ويهودي ونصراني، وعلى هذا فلا يحتاج إلى قول من قال: لو قال المؤلف: ودفنت كافرة لكان أشمل. ورمي ميت البحر به مكفنا، إضافة ميت للبحر على معنى: في، قاله غير واحد؛ يعني أن الميت في البحر من المسلمين يغسل ويحنط ويصلى عليه، ويرمى به البحر مستقبل القبلة على شقه

стр. 1781

الأيمن، وعلى واجده بالبر دفنه، وقوله: "به"؛ أي فيه، وقوله: "ميت البحر"، قال الخرشي: أي الميت على ظهره. انتهى. ولا ينافي ما مر من أن الإضافة بمعنى: في. والله سبحانه أعلم. إِن لَّم يُرْجَ البر قبل تغيره؛ يعني أن محل رمي الميت المذكور إنما هو حيث لم يرج البر قبل تغيره، وأما إن رجي قبل تغيره فإنه يجب تأخيره إليه. قال ابن القاسم: إن طمعوا في البر من يومهم وشبهه، حبسوه حتى يدفنوه بالبر، وإن أيسوا من البر في مثل ذلك غسل وكفن وحنط وصلي عليه ويلقونه في البحر، ولا يحبسونه أياما، ومثله لابن حبيب، قال: ويشدون عليه الأكفان ويلقونه في الماء مستقبل القبلة محرفا على شقه الأيمن، وقاله ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ، ولا يثقل بشيء في رجليه ليغرق. قاله ابن الماجشون، وأصبغ. وقال سحنون: يثقل، ولا يعذب ببكاء لم يوص به؛ يعني أن الميت إذا بكى عليه أهله بكاء حراما، كرفع صوت مثلا ولم يوص به، فإنه لا يعذب بذلك؛ أي لا يتألم به، فإن أوصى به عذب، وكذا إن علم منهم أنهم يبكون ولم يوصهم بتركه، ويجب عليه أن ينهاهم عنه إن علم امتثالهم لأمره، وإلا لم يجب عليه أن ينهاهم، والإيصاء الذي يعذب به هو أن يقول لهم: إذا مت فابكوا علي ونحو ذلك، كما قال طرفة: إذا مِت فانعِيني بمَا أنَا أهلُه … وشُقِّي عليَّ الجَيْبَ يَابنَةَ معبد وأما خبر المغيرة: (من ينح عليه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة (١))، فمحهول عند الجمهور على من أوصى به، أو علم من حالهم أنهم يبكون ولم يوصهم بتركه. وقيل: معنى ذلك تعذيبه بسماع بكاء أهله والرقة لهم، وقد جاء مفسرا بذلك في حديث (٢))، وهو أولى ما يقال فيه. قاله الخرشي. وفي الشارح: وما ورد من قوله ﵊: (إن الميت ليعذب ببكاء الحي (٣))، محمول على ما إذا أوصى به. انتهى. وعبارة الأمير: ولا يعذب ببكاء لا ينفذ إيصاء بتركه. انتهى. أي لا يمتثل أهله فيه أمره. والله سبحانه أعلم.

стр. 1782

ولا يترك مسلم لوليه الكافر؛ يعني أنه يحرم أن يترك المسلم فيما يتعلق بمؤن التجهيز لوليه الكافر من غسل ودفن وغيرهما، لقوله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ ولأنه لا يؤمن عليه من عدم الغسل، ومن الدفن في مقابرهم واستقبال قبلتهم إلى غير ذلك، وقاله ابن القاسم وأشهب في المجموعة، وإذا لم يترك المسلم لوليه الكافر فإنه يليه وليه المسلم إن كان أو المسلمون إن لم يكن، وأما سيره معهم ودعاؤه له فلا يمنع منه. قاله أشهب. ولا يغسل مسلم أبا كافرا؛ يعني أن المسلم لا يجوز له أن يغسل أباه الذي مات كافرا -نسأل الله السلامة- لذهاب حرمته بموته على الكفر، وأولى غير أبيه من قريب كافر أو أجنبي كافر؛ لأن الغسل تطهير والكافر ليس من أهل التطهير، ولا يصلى عليه؛ لأن الصلاة شفاعة وهو ليس من أهلها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ ولا يدخله في قبره؛ يعني أن المسلم لا يتبع جنازة أبيه الكافر ولا يدخله قبره، وقاله في المدونة. وقوله: "ولا يدخله قبره"؛ أي لا يجوز له أن يدخله في قبره، بل يكله إلى أهل دينه يلونه. إلا أن يضيع، مستثنى من قوله: "ولا يدخله قبره"؛ يعني أن المسلم إذا خاف على أبيه الكافر الميت أن يضيع بسبب تركه له، فإنه يواريه وجوبا بالتكفين والدفن، وإلى هذا أشار بقوله: فليواره؛ أي فليستره وجوبا بالدفن والكفن، قال غير واحد: وحملناه على خوف الضياع لأنه بعد الضياع لا يتصور فيه مواراة ولا غيرها، وظاهر المصنف سواء كانت نفقته لازمة لابنه المسلم أم لا وهو كذلك، وإذا واراه فلا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم، وكذا يوارى وجوبا بالدفن وستر العورة كل كافر ليس معه أحد وخيف ضياعه ولو حربيا، وقال بعض: يترك الحربي. قاله الخرشي. والصلاة أحب من النفل؛ يعني أن الصلاة على الجنازة أحب من النفل؛ أي أفضل منه وأكثر ثوابا، ومحل هذا إذا قام بها الغير؛ يعني أن محل كون الصلاة على الجنازة أفضل من النفل، إنما هو إذا قام بها الغير بأن شرع فيها، بناء على سقوط فرض الكفاية عن الغير بالشروع فيه وهو ضعيف، والمذهب أنه لا يسقط إلا بالتمام، وما ذكره المصنف هنا هو المشهور، وإن كان مبنيا على ضعيف. واحترز بقوله: "إذا قام بها الغير"، عما إذا لم يقم بها الغير، فإنها تتعين، وحينئذ فهي فرض، ولا إشكال في أن ثواب الفرض أكثر من النفل.

стр. 1783

فتحصل من هذا أن معنى كلام المصنف أن الصلاة على الجنازة تندب إذا قام بها الغير، فلذلك كانت أحب من النفل. واعلم أن محل كون الصلاة على الجنارة أفضل من النفل عند قيام الغير بها، إنما هو إن كان الميت له حق. كجار، وقريب وصديق وشيخ، أو كان ممن ترجى بركة شهود جنازته؛ بأن يكون صالحا. والحاصل أن الصلاة على الجنازة أفضل من النافلة بشرطين: أَحَدُهُمَا أن يقوم بها الغير، ثانِيهِمَا أن يكون الميت له حق أو يكون ممن ترجى بركة شهوده، فإذا انتفى الشرط الأول تعينت، وإن وجد الشرط الأول وانتفى الثاني بوجهيه كان النفل والجلوس في مسجد أيِّ مسجد بنية الجوار أفضل، وخصه ابن العربي بالمسجد الجامع. وفي المدخل: والاشتغال بالعلم أولى من الخروج مع الجنازة، وأورد على المصنف أن المصلي على الجنازة يحصل له ثواب الفرض؛ وهو أعظم من ثواب النفل، فكيف يكون النفل أفضل منه؟ وأجيب بما تقدم من أن هذا مبنيٌّ على سقوط فرض الكفاية بالشروع، قال الشيخ محمد بن الحسن: وفي هذا الجواب نظر لما تقرر في فرض الكفاية من أن اللاحق للداخل يقع فعله فرضا بالشروع فيه، فالبحث باق على كلا القولين. تنبيهات: الأول: قال أبو الليث السمرقندي: وعن أبي هريرة بأسانِيدَ مختلفة عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: (إن الله تعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصُّورَ فأعطاه إسرافيل ﵊؛ فهو واضع له على فيه شاخص بصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر، قال: قلت يا رسول الله ما الصور؟ قال: قرن من نور، قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحق نبيا لعظم دارته فيه كعرض السماء والأرض، وينفخ ثلاث نفخات (١)). وذكر في بعض الروايات (أنه ينفخ فيه نفختين) (٢)؛ وهي رواية كعب، والأولى لأبي هريرة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. فيأمر الله تعالى إسرافيل ﵊ في النفخة الأولى، فينفخ فيه، فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله تعالى، وتتزلزل الأرض:

стр. 1784

وَ ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾. الآية. ويصير الولدان شيبا، وتطير الشياطين، فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، إلى قوله: ﴿شَدِيدٌ﴾، فيمكثون ما شاء الله تعالى، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل ﵊، فينفخ في الصور نفخة الصعق، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض؛ يعني يموت أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله تعالى؛ يعني أرواح الشهداء. وقيل: إنه يبقى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وهو قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، ثم يقول الله تعالى لملك الموت: يا ملك من بقي من خلقي -وهو أعلم بذلك- فيقول: يا رب أنت حي لا تموت بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وحملة العرش، وبقيت أنا، فيقول الله تعالى: اقبض أرواحهم، هكذا روي عن الكلبي. وفي رواية مقاتل ومحمد بن كعب: عن رجل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى يقول: لِيَمُتْ جبريل وميكائيل وإسرافيل، وليمت حملة العرش، ثم يقول الله ﵎ لملك الموت: من بقي من خلقي -وهو أعلم- فيقول: يا رب أنت الحي الذي لا تموت، وبقي عبدك الضعيف ملك الموت، فيقول: يا مَلَكَ الموت، ألم تسمع قولي: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؟ وأنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت فيموت. وفي خبر آخر أنه: يأمره الله تعالى أن يقبض روح نفسه، فيجيء إلى موضع بين الجنة والنار، ويجعل ينزع روحه فيصيح صيحة واحدة لو كان الخلق كلهم أحياء لماتوا من صيحته، ويقول: لو كنت أعلم أن نزع الروح بهذه الشدة والمرارة لكنت على قبض أرواح المؤمنين أشفق، ثم يموت فلا يبقى أحد من الخلق: فيقول الله : يا دنيا دنية أين الجبابرة وأبناء الجبابرة؟ أين الذين كانوا يأكلون رزقي ويعبدون غيري؟ ثم يقول الله ﵎: ﴿مَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه سبحانه لا إله إلا هو ﷻ ، فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، ثم يأمر الله تعالى السماء أن تمطر، فتمطر ماء كمني الرجال أربعين يوما حتى يكون الماء فوق كل شيء اثني عشر ذراعا، فينبت الخلق بذلك الماء كما ينبت البقل، حتى إذا تكاملت أجسامهم فكانت كما كانت، ثم يقول الله ﵎: ليحي حملة العرش، فيحيون بإذن الله تعالى، ويأمر ﷻ ويحيا إسرافيل بأمر الله تعالى، ثم يأمره الله

стр. 1785

تعالى فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول ليحي جبريل وميكائيل فيحيون بإذن الله تعالى، ثم يدعو الله تعالى بالأرواح فيؤتى بها، فيجعلها في الصور، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل ﵊، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فتدخل في الأرض إلى الأجساد، فأول ما تدخل من الجسد في الخياشم، فتنشق الأرض عنهم، قال ﵊: (فأنا أول من تنشق عنه الأرض (١)). وفي خبر آخر: أن الله تعالى إذا أحيا جبريل وميكائيل وإسرافيل، فينزلون إلى قبر محمد ﷺ مع البراق وحلل من حلل الجنة، فتنشق الأرض عنه، فينظر إلى جبريل، فيقول: يا جبريل ما هذا اليوم؟ فيقول: يوم الحاقة ويوم القارعة، فيقول يا جبريل: ما فعل الله بأمتي؟ فيقول جبريل: أبشر فإنك أول من تنشق عنه الأرض، ثم يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ في الصور فإذا هم قيام ينظرون (٢)). وفي خبر أبي هريرة: فيخرجون منها سراعا إلى ربهم ينسلون؛ يعني يخرجون من قبورهم حفاة عراة، فيقفون موقفا مقدار سبعين سنة لا ينظر الله تعالى إليهم ولا يقضي بينهم، فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون دما ويعرقون حتى يلجمهم العرق ويبلغ الأذقان، ثم يدعون إلى المحشر، فذلك قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾، فإذا اجتمع الخلائق كلهم الجن والإنس وغيرهم وقوفا؛؛ إذ سمعوا حسا من السماء شديدا فهالهم ذلك أي أفزعهم، فتنشق السماء وتنزل ملائكة سماء الدنيا بمثلي من في الأرض، وأخذوا مصافهم، فيقول لهم الناس: أفيكم ربنا؟ يعني أمر ربنا بالحساب، فيقولون: لا وهو آت؛ يعني يأتي أمر ربنا بالحساب، ثم ينزل أهل السماء الثانية، فيقومون صفا خلف أهل السماء الدنيا، ثم ينزل أهل السماء الثالثة حتى ينزل ملائكة سبع سماوات على قدر التضعيف، يقومون حول أهل الدنيا. انتهى. وبعض هذا الحديث نقلته بالمعنى؛ أعني من قوله: ثم ينزل أهل السماء الثالثة، لتصحيف في الكتاب الذي أنقل منه.

стр. 1786

وروي عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: إن الله تعالى يأمر السماوات أن تنشق بما فيها من الملائكة، فيحيطون بالأرض ومن فيها إلى سبع أرضين حتى يكونوا سبع صفوف، وبعضها في جوف بعض: وأهل الأرض لا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا عندها سبع صفوف من الملائكة، فذلك قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾، الآية. وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: (إن الله تعالى يقول يا معشر الجن والإنس إني قد أنصتُّ لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع قولكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا لي، فإنما هي أعمالكم تعرض عليكم في صحفكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ثم يأمر الله تعالى جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، فيقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، إلى قوله: ﴿تُوعَدُونَ﴾. فتجثوا الأمم؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾، الآية. فيقضي الله تعالى بين خلقه، فيقضي بين الوحوش والبهائم حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، ثم يقضي (١)). وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة كما ولدتهم أمهاتهم عراة حفاة، فقالت عائشة ﵂: الرجال والنساء؟ قال: نعم، فقالت عائشة: واسوآه، ينظر بعضهم إلى بعض؟ فضرب رسول الله ﷺ على منكبها، وقال: يابنة ابن أبي قحافة شغل الناس يومئذ عن النظر، وسَمَوْا بأبصارهم إلى السماء؛ يعني يرفعون أبصارهم، يقفون أربعين سنة لا يأكلون ولا يشربون، فمنهم من يبلغ العرق قدميه، ومنهم من يبلغ ساقيه، ومنهم من يبلغ بطنه، ومنهم من يلجمه العرق من طول الوقوف، ثم يقوم الملائكة حافين من حول العرش، فينادي مناد: أين فلان بن فلان؟ فيشرف الناس لذلك؛ يعني يرفعون رؤوسهم وأعناقهم لذلك الصوت، ويخرج ذلك المنادَى من الموقف، فإذا وقف بين يدي الله تعالى: قيل: أين أصحاب المظالم؟ فينادَوْن رجلا رجلا، فيؤخذ من حسناته ويدفع إلى من ظلم يوم لا دينار ولا درهم الأخذ من الحسنات والرد من السيئات، فلا يزال يستوفي حسناته

стр. 1787

حتى لا يبقى له حسنة، فيؤخذ من سيئاتهم فترد عليه، فإذا فرغ من حسابه قيل له: ارجع إلى أمك الهاوية، فإنه لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب؛ يعني سريع المجازاة" (١)). وفي حديث أنه: يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، فلا يبقى يومئذ ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا شهيد إلا ظن أنه لا ينجو مما يرى من شدة الحساب، وعن معاذ بن جبل أنه قال: (أول ما يسأل عنه العبد عن أربعة أشياء: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وما عمل فيما علم) (٢)؟ وعن عكرمة أنه قال: إن الوالد يتعلق بولده، فيقول: يا بني إني كنت والدك في الدنيا فيثني عليه خيرا، فيقول يا بني: إني قد احتجت إلى مثقال حبة من حسناتك لعلي أنجو مما ترى، فيقول له ولده: إني أتخوف من الذي تخوفت فلا أطيق أن أعطيك شيئا، ثم يتعلق بزوجته فيسألها كما يسأل ابنه فتجاوبه بمثل ما جاوب ابنه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾، الآية؛ يعني الذي أثقلته الذنوب لا يحمل عنه على أحد من ذنوبه شيء. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ، قال: (إن الكافر ليلجم بعرقه من طول ذلك اليوم، حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار (٣))، وعن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: (لم يكن نبي قط إلا كانت له دعوة يدعو بها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، ألا وإني سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر، تحته آدم فمن دونه، قال: ثم يشتد غم يوم القيامة وكربه على الناس، فيأتون آدم ﵇ إلى آخر الحديث (٤)). وروى مسلم بسنده عن أنس بن مالك، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم ﵇، فيقولون: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم ﵇ فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم ﵇، فيقول: لست لها

стр. 1788

ولكن عليكم بموسى ﵇ فإنه كليم الله، فيأتون موسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى ﵇ فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد ﷺ فأُوتَى، فأقول: أنا لها، وأنطلق فأَستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيه ربي ، ثم أخِرُّ له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، واسأل تعطه، واشفع تشفع، فيقول: أي رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من بُرَّةٍ أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق، فأفعل، ثم أرجع إلي ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر ساجدا، فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واسأل تعطه واشفع تشفع فيقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واسأل تعطه واشفع تشفع، فأقول: رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقول لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واسأل تعطه واشفع تشفع، فيقول: يا رب إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله -قال: ليس ذلك لك، أو قال ليس ذاك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله (١)). قال الشيخ الأكبر العارف بالله تعالى سيدي أحمد بن عطاء الله صاحب الحِكَمِ: انظر -رحمك الله- ما تضمنه هذا الحديث من فخامة قدره ﷺ ، وجلالة أمره، وأن أكابر الرسل والأنبياء لم ينازعوه في هذه الرتبة التي هي مختصة به؛ وهي الشفاعة العامة في كل من ضمه المحشر، فإن قلت: فما بال آدم أحال على نوح في حديث، وعلى إبراهيم في هذا، ودل نوح على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى على محمد ﷺ ، ولم تكن الدلالة على محمد ﷺ من الأول؟ فاعلم أنه لو وقعت الدلالة على رسول الله ﷺ من الأول لم يتبين من نفس هذا الحديث، أن غيره لا تكون

стр. 1789

له هذه الرتبة، فأراد الحق تعالى أن يدل كل واحد على من بعده وكل واحد يقول: لست لها، مسلما للرتبة غير مدع لها، حتى أتوا عيسى فدل على محمد ﷺ ، فقال: (أنا لها (١))، وفي هذا الحديث: من الفوائد أن المعارف لا تتناهى من قوله: لا أقدر عليه إلا أن يلهمنيه الله ، ويشهد لذلك قوله ﷺ : (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (٢)). انتهى. وفي بعض طرق هذا الحديث: (فيأتون آدم ﵊، فيقولون: يا أبا البشر اشفع لنا إلى ربك ليقض بيننا، فيقول: إني لست هناك إني قد أخرجت من الجنة بخطيئة، وأنه يدل على نوح فيقول لست هناك إني قد دعوت دعوة أغرقت أهل الأرض، فيدل على إبراهيم فيقول لست ويذكر أنه كذب ثلاث كذبات، قال رسول الله ﷺ : إنه جادل بهن عن دين الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله لامرأته: إنها أختي، وأن موسى يقول: إني قتلت نفسا بغير حق، وأن عيسى يقول: إني اتُّخِذْتُ وأمي إلهين من دون الله، وإني لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن أرأيتم لو كان لأحدكم بضاعة فجعلها في كيس، ثم ختم عليها أكان يصل إلى ما في الكيس حتى يفض الخاتم؟ فيقولون: لا، فيقول: إن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، وقد وفى اليوم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفيه أيضا: فإذا أراد الله أن يقضي بين خلقه نادى مناد؛ أين محمد وأمته؟ فنحن الأولون والآخرون؛ يعني نحن آخر الناس في الدنيا وأولهم في الحساب، فأقوم وأمتي فتفرج لنا الأمم عن طريقنا، فنمر بيض الوجوه غرا محجلين من أثر الطهور، ويقول لنا الناس: كادت هذه الأمة أن تكون كلها أنبياء، ثم أتقدم إلى باب الجنة فأستفتح، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد ﷺ ، فيفتح لي فأدخل، فأخر ساجدا لربي وأحمده محامد لم يحمده بها أحد قبلي ولا يحمده بها أحد بعدي، فيقال: ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، واسأل تعط، فأرفع رأسي فأشفع لمن كان في قلبه مثقال شعيرة من الإيمان؛ يعني من اليقين مع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ، ويقال: إن

стр. 1790

الدول ثلاث: دولة الحياة؛ وهي العيش في طاعة الله تعالى ودولة الممات؛ وهي خروج الروح مع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ودولة القيامة حين يأتيه البشير عند خروجه من قبره بالجنة. الثَّانِي قال يحيى بن معاذ: أيها الناس مَهْلًا مَهْلا غدا تحشرون إلى الموقف حَشْرًا حَشْرَا، وتوقفون بين يدي الله تعالى فَرْدًا فَرْدًا، وتسألون عما عملتم حَرْفًا حَرْفًا، وتساق الأولياء إلى الرحمن وَفْدًا وَفْدًا، ويرد العاصون إلى عذاب الله تعالى وِرْدًا وِرْدًا، ويدخلون في جهنم حِزْبًا حِزْبًا، وكل هذا إذا دكت الأرض دَكًا دَكًا، وجاء ربك والملك صَفًّا صَفًّا، وجيء يومئذ بجهنم وَيْلًا وَيلًا، فالويل ثم الويل لأهل الويل من يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، يوم الرادفة ويوم الآزفة ويوم الحسرة والندامة، وذلك يوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين، وهو يوم القيامة، ويوم المناقشة والمحاسبة، ويوم الموازنة والمساءلة، ويوم الزلزلة ويوم الصيحة، ويوم النشور ويوم ينظر المرء ما قدمت يداه، ويوم التغابن ويوم يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه، ويوم لا يغني مولى عن مولى شيئا، ويوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون، يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، يوما كان شره مستطيرا؛ يعني منتشرا فاشيا، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، ويوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارىَ ولكن عذاب الله شديد. الثالث: اعلم أنه يبعث الأيام والليالي ويوم الجمعة، قال القرطبي في تذكرته: روى القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن عبد الله بن عباس ﵃ بإسناد صحيح، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها محفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها، تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون جبال الكافور ينظر إليهم الثقلان ما (١)
следующие страницы →