← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وروي عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: إن الله تعالى يأمر السماوات أن تنشق بما فيها من الملائكة، فيحيطون بالأرض ومن فيها إلى سبع أرضين حتى يكونوا سبع صفوف، وبعضها في جوف بعض: وأهل الأرض لا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا عندها سبع صفوف من الملائكة، فذلك قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾، الآية. وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: (إن الله تعالى يقول يا معشر الجن والإنس إني قد أنصتُّ لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع قولكم وأبصر أعمالكم، فأنصتوا لي، فإنما هي أعمالكم تعرض عليكم في صحفكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ثم يأمر الله تعالى جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم، فيقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، إلى قوله: ﴿تُوعَدُونَ﴾. فتجثوا الأمم؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾، الآية. فيقضي الله تعالى بين خلقه، فيقضي بين الوحوش والبهائم حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، ثم يقضي (١)). وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة كما ولدتهم أمهاتهم عراة حفاة، فقالت عائشة ﵂: الرجال والنساء؟ قال: نعم، فقالت عائشة: واسوآه، ينظر بعضهم إلى بعض؟ فضرب رسول الله ﷺ على منكبها، وقال: يابنة ابن أبي قحافة شغل الناس يومئذ عن النظر، وسَمَوْا بأبصارهم إلى السماء؛ يعني يرفعون أبصارهم، يقفون أربعين سنة لا يأكلون ولا يشربون، فمنهم من يبلغ العرق قدميه، ومنهم من يبلغ ساقيه، ومنهم من يبلغ بطنه، ومنهم من يلجمه العرق من طول الوقوف، ثم يقوم الملائكة حافين من حول العرش، فينادي مناد: أين فلان بن فلان؟ فيشرف الناس لذلك؛ يعني يرفعون رؤوسهم وأعناقهم لذلك الصوت، ويخرج ذلك المنادَى من الموقف، فإذا وقف بين يدي الله تعالى: قيل: أين أصحاب المظالم؟ فينادَوْن رجلا رجلا، فيؤخذ من حسناته ويدفع إلى من ظلم يوم لا دينار ولا درهم الأخذ من الحسنات والرد من السيئات، فلا يزال يستوفي حسناته

стр. 1787

حتى لا يبقى له حسنة، فيؤخذ من سيئاتهم فترد عليه، فإذا فرغ من حسابه قيل له: ارجع إلى أمك الهاوية، فإنه لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب؛ يعني سريع المجازاة" (١)). وفي حديث أنه: يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، فلا يبقى يومئذ ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا شهيد إلا ظن أنه لا ينجو مما يرى من شدة الحساب، وعن معاذ بن جبل أنه قال: (أول ما يسأل عنه العبد عن أربعة أشياء: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وما عمل فيما علم) (٢)؟ وعن عكرمة أنه قال: إن الوالد يتعلق بولده، فيقول: يا بني إني كنت والدك في الدنيا فيثني عليه خيرا، فيقول يا بني: إني قد احتجت إلى مثقال حبة من حسناتك لعلي أنجو مما ترى، فيقول له ولده: إني أتخوف من الذي تخوفت فلا أطيق أن أعطيك شيئا، ثم يتعلق بزوجته فيسألها كما يسأل ابنه فتجاوبه بمثل ما جاوب ابنه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾، الآية؛ يعني الذي أثقلته الذنوب لا يحمل عنه على أحد من ذنوبه شيء. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ، قال: (إن الكافر ليلجم بعرقه من طول ذلك اليوم، حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار (٣))، وعن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: (لم يكن نبي قط إلا كانت له دعوة يدعو بها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، ألا وإني سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر، تحته آدم فمن دونه، قال: ثم يشتد غم يوم القيامة وكربه على الناس، فيأتون آدم ﵇ إلى آخر الحديث (٤)). وروى مسلم بسنده عن أنس بن مالك، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم ﵇، فيقولون: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم ﵇ فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم ﵇، فيقول: لست لها

стр. 1788

ولكن عليكم بموسى ﵇ فإنه كليم الله، فيأتون موسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى ﵇ فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى، فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد ﷺ فأُوتَى، فأقول: أنا لها، وأنطلق فأَستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيه ربي ، ثم أخِرُّ له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، واسأل تعطه، واشفع تشفع، فيقول: أي رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من بُرَّةٍ أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق، فأفعل، ثم أرجع إلي ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر ساجدا، فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واسأل تعطه واشفع تشفع فيقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واسأل تعطه واشفع تشفع، فأقول: رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقول لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واسأل تعطه واشفع تشفع، فيقول: يا رب إيذن لي فيمن قال لا إله إلا الله -قال: ليس ذلك لك، أو قال ليس ذاك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله (١)). قال الشيخ الأكبر العارف بالله تعالى سيدي أحمد بن عطاء الله صاحب الحِكَمِ: انظر -رحمك الله- ما تضمنه هذا الحديث من فخامة قدره ﷺ ، وجلالة أمره، وأن أكابر الرسل والأنبياء لم ينازعوه في هذه الرتبة التي هي مختصة به؛ وهي الشفاعة العامة في كل من ضمه المحشر، فإن قلت: فما بال آدم أحال على نوح في حديث، وعلى إبراهيم في هذا، ودل نوح على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى على محمد ﷺ ، ولم تكن الدلالة على محمد ﷺ من الأول؟ فاعلم أنه لو وقعت الدلالة على رسول الله ﷺ من الأول لم يتبين من نفس هذا الحديث، أن غيره لا تكون

стр. 1789

له هذه الرتبة، فأراد الحق تعالى أن يدل كل واحد على من بعده وكل واحد يقول: لست لها، مسلما للرتبة غير مدع لها، حتى أتوا عيسى فدل على محمد ﷺ ، فقال: (أنا لها (١))، وفي هذا الحديث: من الفوائد أن المعارف لا تتناهى من قوله: لا أقدر عليه إلا أن يلهمنيه الله ، ويشهد لذلك قوله ﷺ : (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (٢)). انتهى. وفي بعض طرق هذا الحديث: (فيأتون آدم ﵊، فيقولون: يا أبا البشر اشفع لنا إلى ربك ليقض بيننا، فيقول: إني لست هناك إني قد أخرجت من الجنة بخطيئة، وأنه يدل على نوح فيقول لست هناك إني قد دعوت دعوة أغرقت أهل الأرض، فيدل على إبراهيم فيقول لست ويذكر أنه كذب ثلاث كذبات، قال رسول الله ﷺ : إنه جادل بهن عن دين الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله لامرأته: إنها أختي، وأن موسى يقول: إني قتلت نفسا بغير حق، وأن عيسى يقول: إني اتُّخِذْتُ وأمي إلهين من دون الله، وإني لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن أرأيتم لو كان لأحدكم بضاعة فجعلها في كيس، ثم ختم عليها أكان يصل إلى ما في الكيس حتى يفض الخاتم؟ فيقولون: لا، فيقول: إن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، وقد وفى اليوم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفيه أيضا: فإذا أراد الله أن يقضي بين خلقه نادى مناد؛ أين محمد وأمته؟ فنحن الأولون والآخرون؛ يعني نحن آخر الناس في الدنيا وأولهم في الحساب، فأقوم وأمتي فتفرج لنا الأمم عن طريقنا، فنمر بيض الوجوه غرا محجلين من أثر الطهور، ويقول لنا الناس: كادت هذه الأمة أن تكون كلها أنبياء، ثم أتقدم إلى باب الجنة فأستفتح، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد ﷺ ، فيفتح لي فأدخل، فأخر ساجدا لربي وأحمده محامد لم يحمده بها أحد قبلي ولا يحمده بها أحد بعدي، فيقال: ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، واسأل تعط، فأرفع رأسي فأشفع لمن كان في قلبه مثقال شعيرة من الإيمان؛ يعني من اليقين مع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ، ويقال: إن

стр. 1790

الدول ثلاث: دولة الحياة؛ وهي العيش في طاعة الله تعالى ودولة الممات؛ وهي خروج الروح مع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ودولة القيامة حين يأتيه البشير عند خروجه من قبره بالجنة. الثَّانِي قال يحيى بن معاذ: أيها الناس مَهْلًا مَهْلا غدا تحشرون إلى الموقف حَشْرًا حَشْرَا، وتوقفون بين يدي الله تعالى فَرْدًا فَرْدًا، وتسألون عما عملتم حَرْفًا حَرْفًا، وتساق الأولياء إلى الرحمن وَفْدًا وَفْدًا، ويرد العاصون إلى عذاب الله تعالى وِرْدًا وِرْدًا، ويدخلون في جهنم حِزْبًا حِزْبًا، وكل هذا إذا دكت الأرض دَكًا دَكًا، وجاء ربك والملك صَفًّا صَفًّا، وجيء يومئذ بجهنم وَيْلًا وَيلًا، فالويل ثم الويل لأهل الويل من يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، يوم الرادفة ويوم الآزفة ويوم الحسرة والندامة، وذلك يوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين، وهو يوم القيامة، ويوم المناقشة والمحاسبة، ويوم الموازنة والمساءلة، ويوم الزلزلة ويوم الصيحة، ويوم النشور ويوم ينظر المرء ما قدمت يداه، ويوم التغابن ويوم يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه، ويوم لا يغني مولى عن مولى شيئا، ويوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون، يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، يوما كان شره مستطيرا؛ يعني منتشرا فاشيا، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، ويوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارىَ ولكن عذاب الله شديد. الثالث: اعلم أنه يبعث الأيام والليالي ويوم الجمعة، قال القرطبي في تذكرته: روى القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن عبد الله بن عباس ﵃ بإسناد صحيح، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها محفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها، تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون جبال الكافور ينظر إليهم الثقلان ما (١)

стр. 1791

يطوفون تعجبا، يدخلون الجنة لا يخالطهم إلا المؤذنون المحتسبون (١)). وروى أبو نعيم عن أبي عمران الجوني أنه قال: ما من ليلة تأتي إلا تنادي: اعملوا فِي ما استطعتم من الخير فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة. وروي عن الغاز بن قيدر أنه يقول: ما من يوم يأتي إلا ويقول: أنا خلق جديد وعلى ما فعل فِيَّ شهيد، خذوا مني قبل أن أبيد، فإذا أمسى ذلك اليوم خر لله ساجدا، وقال: الحمد لله الذي لم يجعلني اليوم العقيم. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال رسول الله ﷺ : (أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا، قال: فهذه أخبارها (٢)). وروى أبو نعيم عن معقل بن يسار ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه: يا بن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل غدا شهيد، فاعمل فِيَّ خيرا أشهد لك به غدا فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا، ويقول الليل مثل ذلك (٣)). واعلم أن المحاسبة بمشهد من النبيئين وغيرهم، قال الله تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. وشهيد كل أمة نبيها وقيل: إنهم كتبة الأعمال. وروى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب أنه قال: ليس يوم إلا يعرض على النبيء ﷺ أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم. قال القرطبي: وقد جاء أن الأعمال تعرض على النبي ﷺ يوم الاثنين ويوم الخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة -ولا تعارض- فإنه يحتمل أن يخص نبينا ﵇ بالعرض كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء، وعن سليمان بن راشد أنه بلغه أن امرءًا لا يشهد على شهادته في الدنيا إلا شهد بها يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبدا في الدنيا إلا امتدحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد. واعلم أن الله تعالى يغفر لمن يشاء ويعفو عنه فيرضي عنه خصماءه، فقد روى القرطبي عن أبي هريرة ﵁، قال: (فبينما رسول الله ﷺ ذات يوم جالس إذ رأيته

стр. 1792

ضحك حتى بدت ثناياه، فقيل له: مِمَّ تضحك يا رسول الله؟ قال: رجلان من أمتي جثيا بين يدي ربي : فقال أحدهما: خذ لي مظلمتي من أخي، قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، فقال: يا رب ما بقي من حسناتي شيء، فقال: يا رب فليحمل من أوزاري، وفاضت عينا رسول الله ﷺ : ثم قال: إن ذلك اليوم ليوم يحتاج الناس فيه إلى أن تحمل عنهم أوزارهم، قال الله تعالى: للطالب حقه، ارفع بصرك فانظر إلى الجنان، فرفع رأسه فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة، فقال: لمن يا رب؟ فقال: لمن أعطاني ثمنه، قال: ومن يملك ثمن ذلك؟ قال، أنت، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال يا رب: فإني قد عفوت عنه، قال: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة، ثم قال رسول الله ﷺ : فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة (١)). انتهى. واعلم أن هذا لبعض الناس وقد يكون هذا في الظالمين الأوابين ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، والأواب الذي أقلع عن الذنب فلم يعد إليه، كذا تأوله أبو حامد، وهو تأويل حسن، ولو كان ذلك في جميع الناس ما دخل أحد النار، قال الثعالبي: وكذلك ما جاء من هذا المعنى فهذا تأويله وفضل الله عظيم. واعلم أن حوض النبي ﷺ إنما هو بعد الصراط: وقيل: إنه قبله، وقيل: إنهما اثنان، قال الجزائري: والحوض من بعد لا قبل الصرط أتى … وقيل قبل وقيل اثنان فلتسل وقال القرطبي في تذكرته: والصحيح أن للنبي ﷺ حوضين، وكلاهما يسمى كوثرا، والكوثر في كلام العرب الخير الكثير، واختلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر، قال الثعالبي: وفي الحديث ما يومئ إلى أن الحوض قبل الصراط؛ وهو قوله ﷺ : (إني لكم فرط على الحوض (٢))، وقوله: (إني على الحوض أنتظر من يرد علي منكم (٣)). وروى

стр. 1793

مسلم، عن النبي ﷺ أنه قال: (إني لبعُقُر حوضي أزُودُ النَّاسَ لأهل اليمين حتى ترفض عليهم، فسئل عن عَرْضِهِ فقال: من مقامي إلى عمان، وسئل عن شرابه، فقال: أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، يصب فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق (١)). وقوله: بعقر أي مؤخر، وروى مسلم عن أبي ذر ﵁، قال: (قلنا يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة المظلمة المصحية (٢)). وفي هذا الحديث: (من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل (٣))، وروى الترمذي وابن ماجة عن النبي ﷺ ، قال: (حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأكاويبه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رؤوسا الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدة (٤)). وروى البزار عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (حوضي من كذا إلى كذا، فيه من الآنية عدد النجوم، أطيب ريحا من المسك وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأبيض من اللبن، من شرب منه لم يظمأ أبدا ومن لم يشرب منه لم يرو أبدا (٥)). قال الإمام الثعالبي رحمه الله تعالى: تأمل قوله ﷺ : ومن لم يشرب منه لم يرو أبدا، ظاهره أن من لم يشرب منه يخلد في النار؛ لأن من يدخل الجنة بعد نفوذ الوعيد يروى وينعم، ومن هنا تعلم أن الذي يذاد عنه ويطرد إنما هو من وقع منه التبديل في دينه وحكم بكفره لفساد عقده عافانا الله من ذلك بكرمه، وهذا هو ظاهر الأحاديث، ونص صريح في البخاري وغيره. وروى الترمذي الحكيم، عن عثمان بن مظعون، عن النبي ﷺ ، أنه قال: (يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه

стр. 1794

عن حوضي يوم القيامة (١))، وروى القرطبي: (عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الوقوف بين يدي الله ، هل فيه ماء؟ قال: والذي نفسي بيده إن فيه لماء، وإن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء يبعث الله تعالى سبعين ألف ملك بأيديهم عصي من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء (٢))، وروى الترمذي عن سمرة بن جندب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجوا أن أكون أكثرهم واردة (٣))، وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى القبرة، فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين يأتون (٤) بعد، فقالوا: كيف تعرف من (٥) يأتي بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض (٦)). قوله: بُهْمٌ هي التي لا يشوب لونها لون سواه، وقيل بُهْمٌ سود فهي توكيد، وروى البزار عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا فرط بين أيديكم فإن لم تجدوني فإني على الحوض، وسيأتي أقوام رجال ونساء ثم لا يذوقون منه شيئا (٧)). وروى الترمذي: عن أنس ﵁، قال: (سألت النبي ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، قال: أنا فاعل، قال يا رسول الله: فأين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط، قال: قلت فإن لم ألقك على الصراط) قال: فاطلبني عند الميزان، قلت فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاث مواطن) (٨)). وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن لقيط بن عامر

стр. 1795

العقيلي، قال: قام رسول الله ﷺ في الناس خطيبا، فقال (أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لأُسْمِعَكُمُ اليومَ، ألا فهل من امرئ بعثه قومه ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو الضلال، ألا إني مسؤول هل بَلَّغْتُ؟ ألا اسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا اجلسوا، فجلس الناس وقمت أنا وصاحب لي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره، قلت: يا رسول الله ما عندك من علم الغيب؟ قال: فضحك -لعمر الله- وهزَّ رأسه، وزعم أني أبتغي لسقطه، فقال: ضن ربُّك بخَمْسٍ من الغيب لا يعلمها إلا الله وأشار بيده، قلت: وما هن يا رسول الله؟ قال: علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني متى يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه، وعلم ما في غَدٍ قد علم ما أنت طاعم غدا ولا تعلمونه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلي فظل يضحك، وقد علم أن غَوْثَكُمْ قريب، قال لقيط: لم نعدم من رب يضحك خيرا: قال: وعلم يوم القيامة، قلت: يا رسول الله إني أسائلك عن حاجتي فلا تعجلني، قال سل عما شئت، قلت: يا رسول الله علمنا ما يعلم الناس فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحدا، قال: تلبثون ما لبثتم، ثم يتوفى نبيكم، ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصيحة فما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك وخلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء بهضب من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من قبل رأسه حتى يستوي جالسا، يقول ربك مهيم لما كان فيه، فيقول: يا رب أمتني أمس اليوم لعهده بالحياة بحسبه حديثا بأهله، فقلت: يا رسول الله، وكيف يجمعنا بعد ما تمزقتنا الرياح؟ قال: أنبنك بمثل ذلك الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية، فقلت: لا تحيا أبدا، ثم أرسل ربك عليها الماء فلم تلبث عنها إلا أياما حتى أشرفت عليها، فإذا هي شربة واحدة فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء، وعلى أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأطواد ومن مصارعكم، فتنظرون إليه ساعة وينظر إليكم، قال: قلت كيف يا رسول الله ونحن ملء الأرض وهو واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: أنبئكم بمثل ذلك الشمس والقمر آية صغيرة ترونهما ساعة واحدة ويريانكم لا تضامون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه منهما أن تروهما ويريانكم ولا تضامون في رؤيتهما، قلت: يا رسول الله

стр. 1796

فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه واحد منكم منها قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتصخمه مثل الحمم الأسود، ألا ثم ينصرف نبيكم ويفرق على أثره الصالحون، فتسلكون جسرا من النار يطأ أحدكم الجمرة، فيقول: حَسِّ (١))، يقول ربك أوانه: ألا فتطلعون على حوض الرسول لا يظمأ -والله- ناهله، ثم قال لقيط عن النبي ﷺ : وتخنس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا، قال: قلت يا رسول الله ﷺ : فبم نبصر؟ قال: بمثل ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس في يوم أسفرته الأرض وواجهته الجبال، قال: قلت يا رسول الله فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يغفر، قلت يا رسول الله: ما الجنة النار. قال: لعمر إلهك إن لها لسبعة ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، وإن للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، قال: قلت يا رسول الله فعلى ما نطلع من الجنة؟ قال: أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها صداع ولا نزافة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن، وتفاكيه لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة، قلت يا رسول الله: إن لنا أزواجا، ثم قال لقيط: قال -يعني النبي ﷺ الصالحات للصالحين تلذونهن ويلذذنكم مثل لذتكم في الدنيا غير أن لا توالد (٢)). قال الثعالبي: وفي هذا الحديث أن الحوض بعد الصراط، وهو يشهد لما ذكره القرطبي من أن للنبي ﷺ حوضين، أحدهما في الموقف؛ وهو الذي يذاد عنه من بدل أو غير، والثاني بعد جواز الصراط وهذا لا يذاد عنه أحد بفضل الله تعالى، قال القرطبي: لأن الصراط إنما هو جسر على جهنم ممدود يجاز عنه، فمن جازه سلم من النار على ما يأتي. قال: وكذلك أحواض الأنبياء ﵈ تكون في الموقف (٣))، وروى مسلم عن أنس بن مالك ﵁، قال: (بينما رسول الله ﷺ بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله، قال: نزلت

стр. 1797

علي آنفا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيخلج العبد منهم، فأقول: يارب إنه من أمتي، فيقال: ما تدري ما أحدث بعدك (١)). وفي طريق آخر عن أنس أيضا: (نهر وعدنيه ربي في الجنة عليه حوضي (٢))، وروى البخاري عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: (بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه الدر المجوف، قلت: يا جبريل ما هذا؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر (٣)). وروى الترمذي عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (الكوثر نهر من الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج (٤)). الرابع: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء ينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها، روى سلمان الفارسي ﵁ أنه قال (توضع الموازين يوم القيامة فلو وضع فيهن السماوات والأرض لوسعتهن، فتقول الملائكة: يا ربنا ما هذه؟ فيقول: أزن بها لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة عند ذلك: ربنا ما عبدناك حق عبادتك (٥)). وقد جاء أن كفة الحسنات من النور والأخرى من ظلام، فالكفة النيرة للحسنات، والكفة المظلمة للسيئات، قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان، وروى أبو بكر البزار عن أنس بن مالك ﵁: (عن النبي ﷺ أن مَلَكا موكلا بالميزان فيؤتى بابن آدم، فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمعه الخلائق كلها: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خف ميزانه نادى الملك بصوت يسمعه الخلائق: شقي فلان شقاوة لا

стр. 1798

يسعد بعدها أبدا (١)). وقال رسول الله ﷺ : توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة، ومن رجحت سيآته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار، قيل: يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون، رواه خيثمة وابن المبارك. وفيه: أن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح. الجوهري: الصؤابة بالهمز: بيضة القملة، والجمع الصئبان. قال القرطبي في تذكرته: وأما أصحاب الأعراف، فيقال: إنهم مساكين أهل الجنة، وروى هناد بن السري عن عبد الله بن الحارث، قال: أصحاب الأعراف ينتهى بهم إلى نهر يقال له الحياة حافتاه قصب الذهب، قال -أراه- مكلل باللؤلؤ، فيغتسلون منه اغتسالة فتبدو في نحورهم شامة بيضاء، ثم يعودون فيغتسلون فكلما اغتسلوا زادت بياضا، فيقال لهم: تمنوا، فيتمنون ما شاءوا، قال: فيقال لهم لكم ما تمنيتم وسبعين ضعفا، قالوا: فهم مساكين أهل الجنة. وفي رواية: فإذا دخلوا الجنة وفي نحورهم تلك الشامة البيضاء فيعرفون بها، قال: فهم يسمون في الجنة مساكين أهل الجنة. الخامس: اعلم أن أمة محمد ﷺ أول من يحاسب، وأول من يدخل الجنة، روى ابن ماجة عن النبي ﷺ ، قال: (نحن آخر الأمم وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون والأولون (٢))، وفي رواية عن ابن عباس: (فتفرج لنا الأمم، وتقول: كادت هذه الأمة أن تكون كلها أنبياء (٣))، وروى مسلم عنه ﷺ : (نحن الآخرون والأولون يوم القيامة، وفي رواية: السابقون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة، وفي رواية: نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق، وفي رواية: المقضي بينهم (٤))، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (يكون الخلائق يوم القيامة مائة وعشرين صفا، طول

стр. 1799

كل صف مسيرة أربعين ألف سنة، وعرض كل صف عشرين ألف سنة، قيل: يا رسول الله كم المؤمنون، قال: ثلاثة صفوف، فقيل له: والمشركون؟ قال: مائة وسبعة عشر صفا، قيل له: فما صفة المؤمنين من الكافرين؟ قال: المؤمنون كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود (١)). وروى مسلم والبخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله : (يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول أخرج بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة، قال: فذلك حين يشيب الصغير "وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد" (٢)). الحديث. وفيه: إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضا في جلد الثور الأسود. وروى مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعا (٣)). وروى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: (يأتي معي يوم القيامة من أمتي مثل الليل والسيل، فيحطم الناس حطمة، فتقول الملائكة: لما جاء معك أكثر مما جاء مع سائر الأمم والأنبياء؟ (٤)). وفي حديث ابن أبي شيبة: (أن أمة النبي ﷺ ثلثا أهل الجنة، إن الناس يوم القيامة عشرون ومائة صف وأمتي من ذلك ثمانون صفا (٥)). وروى الترمذي عنه ﷺ أنه قال: (أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم (٦))، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: (إن الله أعطاني سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عمر: يا رسول الله فهلا استزدته؟ فقال: قد استزدته فأعطاني مع كل واحد من السبعين الألف سبعين ألفا، فقال عمر: فهلا استزدته؟ فقال: قد استزدته فأعطاني هكذا، وفتح

стр. 1800

أبو وهب يديه، قال أبو وهب: قال هشام هذا أمر الله ما يدرى ما عدده (١)). وروى القرطبي في تذكرته: عن رسول الله ﷺ ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب: رجل غسل ثوبه فلم يجد له خلفا، ورجل لم ينصب على مستوقده بقدرين قط، ورجل دعا بشراب فلم يقل له أيهما تريد وقال ابن مسعود: (من احتفر بئرا بفلاة من الأرض إيمانا واحتسابا دخل الجنة بغير حساب (٢)). السادس: روى مسلم (أن ناسا قالوا لرسول الله ﷺ : هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : هل تمارون (٣) في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا، يا رسول الله، قال: هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويبتع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيتَ الطواغيتَ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها. الحديث. وفيه: (يضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجوز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، أرأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم (٤)). واعلم أنه قد جاء في الصراط: أنه أرق من الشعر وأحد من السيف، وأنه سبع عقبات طول كل عقبة منه مقدار ثلاثة آلاف سنة. قاله ابن أبي جمرة. نقله الثعالبي (٥)). وأن من استقام في الدنيا على الصراط المستقيم خف على صراط الآخرة ونجا، ومن أعرض عن الاستقامة في الدنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى عثر في أول قدم على الصراط، وروى الوائلي عن أبي هريرة ﵁، عنه ﷺ : (علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على

стр. 1801

الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدثن في دين الله حدثا برأيك (١))، وقال القرطبي في تذكرته: اعلم -رحمك الله- أن في الآخرة صراطين أحدهما لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم إلا من يدخل الجنة بغير حساب أو التقطه عنق النار، فإذا خلص من هذا الصراط الأكبر الذي ذكرناه -ولا يخلص منه إلا المؤمنون الذين علم الله سبحانه منهم أن القصاص لا يستنفد حسناتهم- حبسوا على صراط آخر خاص بهم، ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد بفضل الله؛ لأنهم عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم، الذي سقط فيه من أوبقه ذنبه، وأربى على الحسنات جرمه، فقد روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقضى لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونُقُّوا أذن الله لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزلة من منزل كان له في الدنيا (٢)). انتهى. واعلم أن الناس متفاوتون في المرور على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطير، ومنهم من يجوزه على مائة عام، ومنهم من يجوزه على ألف عام، ومع ذلك كله لن تحرق النار من رأى ربه عيانا لا يضام في رؤيته، وذلك أنه إذا لم يبق في الموقف إلا المؤمنون والمحسنون والمسلمون والعارفون والصديقون والشهداء والصالحون والمرسلون، تجلى لهم الرب سبحانه، فسجد له جميعهم، فقيل: أهلا بكم، فيمرون على الصراط والناس أفواجا: المرسلون ثم النبيئون ثم الصديقون ثم المحسنون ثم المؤمنون العارفون، ويبقى المسلمون، ومنهم المكبوب بوجهه، ومنهم المحبوس في الأعراف، ومنهم قوم قصروا عن تمام الإيمان، فمنهم من يجوز على الصراط على مائة عام، وآخرون يجوزون على ألف عام، ومع ذلك كله لن تحرق النار من رأى ربه عيانا لا يضام في رؤيته. قاله الغزالي. وقال المحاسبي: واذكر الجسر بدقته وَهْوَلِه وزلته وعظيم خطره، وقد حل بفؤادك وجله حين رفعت طرفك فنظرت إليه مضروبا على متن جهنم، وجهنم تخفق بأمواجها من تحته، فيا له من

стр. 1802

منظر ما أفْظَعَهُ وأهْوَلَهْ فتوهم نفسك، وقد قيل لك وللخلائق: اركبوا الجسر فطار قلبك فزعا ورعبا، فتوهم نفسك وقد رفعت إحدى قدميك لتركبه ووثبت بالأخرى لتستوي عليه، وقد أثقلتك أوزارك وأنت حاملها على ظهرك، وقد نظرت إلى الزالِّين والزالَّاتِ قد نكست رؤوسهم، وارتعدت على الصراط أقدامهم، ورمتهم الملائكة بالكلاليب فجذبتهم وهم يبكون وينادون بالويل والثبور، فتوهم ذلك بقلب فارغ وعقل جامع لِلْمَرِّ عليه، فإن أهوال يوم القيامة إنما خفت على الذين توهموها في الدنيا بعقولهم، فتحملوا في الدنيا الهموم خوفا من مقام ربهم فخففها عنهم يوم القيامة، فتوهم ذلك بقلب فارغ وهمة هائجة من قلبك بالرحمة لبدنك الضعيف، وارجع عما يكرهه منك مولاك إلى ما يرضاه عسى أن يرضى عنك، واستقِلْه عثراتك وابك من خشيته عسى أن يرحم عبراتك، فإن الخطر عظيم، والموت منك قريب، ومولاك مطلع على سريرتك وعلانيتك، فاحذر نظره إليك بالمقت والغضب، فإنه لا طاقة لك بغضبه، ولا صبر لك على عذابه. انتهى. السابع: روى أبو بكر البزار عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه؛ فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين بعضَهم من بعض (١)). وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: لَتُؤَدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء (٢))، وذكر أبو بكر الشافعي من حديث أبي ذر ﵁، قال: (رأى رسول الله ﷺ شاتين تَنْتَطِحان فقال: يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطِحَان؟ قلت: لا أدري، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما، وقال: يقتص للخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء وحتى للذرة من الذرة (٣)). وقضية هذه الأحاديث أن لا يتوقف القصاص يوم القيامة على التكليف والتمييز، فيقتص من الطفل للطفل وغيره. قاله المحلي عند قول ابن السبكي: وله سبحانه إثابة العاصي وتعذيب

стр. 1803

المطيع وإيلام الدواب والأطفال. وروى أبو بكر البزار عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله تعالى، فيقول الله تعالى: لأصغر نعمه أَحْسِبُهُ قال في ديوان النعم: خذي ثمنك من عمله الصالح، فيستوعب عمله الصالح ثم تتنحى فتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم وقد ذهب العمل، فإذا أراد الله أن يرحم عبدا، قال: يا عبدي قد ضاعفت حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك، وأحسبه قال: وهبتك نعمتي (١)). وروى الترمذي عن عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄: (لما نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، قال الزبير: يا رسول الله أَتُكَرّرُ علينا الخصومة؟ قال: نعم، قال: إن الأمر إذا لشديد (٢))، وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: (أتدرون ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار (٣)). وروى النسائي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء (٤))، وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، قال: يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم، ويقول: أبشروا لكل واحد منكم مثل هذا (٥))، قال: وأما الكافر فيسود وجهه، ويمد في جسده ستون ذراعا على صورة آدم، ويلبس تاجا فيراه أصحابه، فيقولون: نعوذ بالله من

стр. 1804

شر هذا، اللهم لا تأتنا بهذا، قال: فيأتيهم، فيقول: اللهم خذه، فيقول: أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا، قوله في الكافر: ويلبس تاجا؛ أي من العذاب. قاله الثعالبي. وفي حديث آخر أنه يعظم للنار، وتزرق عيناه، ويسود وجهه، ويكسى سرابيل القطران، ويقال له: انطلق إلى أصحابك فأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا. الثامن: قال المحاسبي ﵀: فتوهم نفسك وقد نوديت باسمك، يا فلان بن فلان، هلم إلى العرض على الملك الديان، وقد وكلت الملائكة بأخذك وقربك إلى الله تعالى لم يمنعها اشتباه الأسماء باسمك؛ إذ عرفت أنك الراد بالدعاء إذا قرع النداء قلبك، فعلمت أنك المطلوب فارتعدت فرانصك، واضطربت جوارحك، وتغير لونك وطارقلبك بتخطية الصفوف إلى ربك، للعرض عليه والوقوف بين يديه وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم وأنت في أيدي الملائكة، وقد طار قلبك واشتد رعبك لعلمك أين يراد بك، فتوهم نفسك وأنت بين يدي ربك، وفي يدك صحيفتك مخبرة بعملك لا تغادر بلية كتمتها ولا مخبأة أسررتها، وأنت تقرأ ما فيها بلسان كليل وقلب منكس ذليل، فليت شعري بأي لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح فعلك وعظيم جرمك، وأي قلب يحتمل كلام الملك الجبار في عظمته وقد سمعت كلامه فذكرت ذنوبك، فتوهم نفسك بهذه الهيبة والأهوال محدقة بك بين يديك ومن خلفك، فكم من بلية قد كنت نسيتها ذكركها: وكم من عمل طيب ظننت أنه قد سلم لك وخلص فرده عليك في ذلك الموقف، وكم من سيئة قد كنت أخفيتها أظهرها وأبداها لك بعد أن كان أملك فيها عظيما؟ فيا حسرة قلبك وتأسفك على ما فرطت من طاعة ربك حتى إذا كرر السؤال تذكرت كل بلية ونشر كل خفية، فأجهدك الكرب وبلغ الحياء منك منتهاه لمخالفتك أمره وقلة حيائك منه وقلة اكتراثك باطلاعه عليك، وتوهم نفسك بعد المساءلة وقد بدا لك منه أحد أمرين إما العفو والرضا، وإما الغضب فإما أن يقول لك عبدي أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم وقد غفرت لك جرمك وتقبلت يسير إحسانك، فيستطير بالفرح والسرور قلبك، ويسفر بذلك وجهك، فتوهم نفسك وقد قالها لك فبدا إشراق السرور ونوره في وجهك، فابيض لذلك بعد كآبته، وتوهم فرحة قلبد برضائه عنك حتى سمعته يقول لك كدت أن تموت فرحا وسرورا، فكيف بك لو قد سمعت من الله الرضا، فأمن خوفك

стр. 1805

وسكن حذرك وحقق أملك وأيقنت بفوزك ونعيمك؟ وتوهم نفسك وقد فرحت بوجه حل به الكمال والجمال والحسن، كتابك في يمينك أخذ بضبعيك ملك ينادي على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، لقد شهرك الله سبحانه. جميع خلقه، وحقق حسن الظانين بك، وإن في هذه المنزلة غدا على رؤوس الخلائق لعوضا من المنزلة عند العباد بطاعتك والتصنع لهم في الدنيا، فإن زهدت في التصنع بطلب المنزلة عندهم بطاعة ربك وعاملته وحده عوضك المنزلة الكبرى على رؤوس الخلائق، فشهرك برضائه عنك وولايته إياك، فتوهم نفسك وأنت تتخطى الرقاب كتابك في يمينك بجمال وجهك ونوره، وفرحة قلبك وسروره، وقد شخصت الأبصار إليك، وغبطك ذلك الجمع فليعظم في ذلك أملك، فإنه إن تفضل عليك بذلك نلت الدرجة العليا، وإن كان غير ذلك فإني أخاف أن يقول لك: عبدي أنا عليك غضبان فلن أغفر لك عظيم ما أتيت، ولن أتقبل منك ما عملت، وأن يقول لك عند بعض ذنوبك العظيمة: وعزتي وجلالي لا تذهب بها مني، فتوهم نفسك إن لم يَعْفُ وقد قالها لك، وأمر الزبانية فابتدرتك بفظاظتها غضبا لغضب الله تعالى، مقربون إليه بالعنف وإدخال الذل والهوان عليك، فتوهم نفسك وأنت في أيديهم ذليلا موقنا بالهلاك وهم ذاهبون بك إلى النار، وقد اسود وجهك وأنت تنادي بالويل والثبور، وقد فضحك الله عند خلقه وعند من آثرته عليه بالمعاملة ورضيت بحمده على طاعة ربك عوضا من حمده، فتوهم ذلك واذكر هلذا الخطر وكن على حذر. التاسع: روى القرطبي عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ : (الكتب كلها تحت العرش، فإذا كان الموقف بعث الله ريحا فَتُطِيرُهَا بالأيْمان والشمائل، أول خط فيها: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (١))، وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير (٢))، الحديث، ورواه ابن ماجة وأبو بكر البزار أيضا عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ : وأما الثالثة فتطاير الكتب يمينا وشمالا،

стр. 1806

ذكره الترمذي الحكيم عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الناس يعرضون ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة تطاير الصحف فالجدال لأهل الأهواء؛ لأنهم [لا] (١)، يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوه نجوا وقامت حجتهم، والمعاذير لله تعالى يعتذر الكريم سبحانه إلى آدم وإلى أنبيائه على جميعهم الصلاة والسلام، ويقيم حجته سبحانه [عندهم] (٢) على الأعداء، ثم يبعثهم إلى النار، فإنه سبحانه يُحِبُّ أن يكون عذره عند أنبيائه وأوليائه ظاهرا حتى لا تأخذهم [الحيرة ولذلك] (٣) قيل عن رسول الله ﷺ : لا أحد أحب إليه المدح من الله ، ولا أحد أحب إليه العُذر من الله سبحانه. والعرضة [الثالثة] (٤) للمؤمنين، وهو العرض الأكبر يخلو بهم سبحانه يعاتب في تلك الخلوات من يريد أن يعاتبه حتى يذوق وبال الحياء، ويرفض عرقا بين يديه، ويفيض العرق منهم على أقدامهم من شدة الحياء: ثم يغفر لهم ويرضى عنهم (٥)). ونقل الثعالبي عن أبي هريرة ﵁، قال: (يدني الله العبد منه يوم القيامة ويضع عليه كنفه، فيستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ يابن آدم كتابك، قال: فيمر بالحسنة فَيَبْيَضُّ لها وجهه، ويمر بالسيئة فيسود لها وجهه، قال: فيقول الله تعالى: فإني أعرف بها منك قد غفرتها لك، فلا يزال بحسنة تقبل فيسجد وبسيئة تغفر، فيسجد فلا يرى الخلائق منه إلا ذلك حتى ينادي الخلائق بعضها بعضا: طوبى لهذا العبد الذي لم يعص الله قط، ولا يدرون ما لقي فيما بينه وبين الله سبحانه مما قد أوقفه عليه (٦)). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ كبارها، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ثلاث مرات، قال: وهو مقر ليس ينكر، قال: وهو مشفق من الكبائر أن تجيء، قال: فإذا أراد

стр. 1807

الله به خيرا، قال: أعطوه مكان كل سينة، حسنة فيقول حين طمع: يا رب إن لي ذنوبا ما رأيتها ها هنا، قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، ثم تلا: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (١))، هذا حديث صحيح، قاله الثعالبي. وفي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ : (لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره يوم القيامة (٢)). وروى: (من ستر على مسلم عورته ستر الله عورته يوم القيامة (٣))، قال أبو حامد: فهذا إنما يرجوه عبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم، واحتمل في حق نفسه تقصيرهم، ولم يحرك نفسه بذكر مساوي الناس، ولم يذكرهم في غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه، فهذا جدير بأن يجازى بمثله يوم القيامة. وفي حديث بعد الكلام على المؤمن: (وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (٤)). وروى أبو نعيم في الحلية عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قال: عن كل شيء من لذة الدنيا. العاشر: قال المحاسبي رحمه الله تعالى: توهم ذلَّتَكَ وانفرادك وغربتك في القيامة وغمومك وأحزانك في زحمة الخلائق أذلاء مصمتون بالذلة والمسكنة والرهبة فلا تسمع إلا همس أقدامهم وهم مقبلون نحو المنادي ساعين إليه بالذلة والخشوع، وقد اجتمعت الأمم من الإنس والجن حفاة عراة أذلاء قد نزع الملك من ملوكهم، ولزمهم الصغار بعد عتوهم والذلة بعد تكبرهم، ثم أقبلت الوحوش من أماكنها منكسة رؤوسها بعد توحشها من الخليقة وانفرادها ذليلة من هول يوم النشور من غير ريبة أتتها ولا خطيئة أصابتها حتى وقفت من وراء الخلائق بالذلة والانكسار للملك الجبار، وأقبلت الشياطين بعد تمردها وعتوها خاضعة ذليلة للعرض على الملك الديان حتى تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها، تناثرت نجوم السماء من فوقهم وطمست الشمس والقمر فأظلما عليهم، وصارت سماء الدنيا من فوقهم ثم انشقت بغلظها وهي خمس مائة عام، فيا هول انشقاقها في سمعك، ثم ذابت حتى

стр. 1808

صارت مثل الفضة المذابة وهبطت الملائكة من حافاتها إلى الأرض بالتقديس لربها، فتوهم انحدارهم من السماء بعظم أجسادهم، وهول أصواتهم، وشدة فرقهم من خوف ربهم، فتوهم فزعك وفزع الخلائق عند نزولهم مخافة أن يكونوا قد أمروا بهم فأخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسي رؤوسهم لعظم هول يومهم، قد تسربلوا أجنحتهم ونكسوا رؤوسهم بالذلة والخشوع لربهم، وكذلك ملائكة كل سماء إلى السماء السابعة قد أضعف كل أهل سماء على أهل السماء الذين قبلهم في العدد وعظم الأجسام والأصوات، حتى إذا وافوا الموقف أهل السماوات السبع والأرضين السبع كسيت الشمس حر عشر سنين، ثم أدنيت من الخلائق قاب قوسين فلا ظل ذلك اليوم إلا ظل عرش رب العالمين، فكم بين مستظل بظل العرش وبين واقف لحر الشمس قد أصهرته واشتد فيها كربه وقلقه، وقد ازدحمت الخلائق وتضايقت وانقطعت الأعناق من العطش، قد اجتمع عليهم في مقامهم حر الشمس ورهج أنفاسهم وتزاحم أجسامهم، ففاض العرق منهم على وجه الأرض ثم على أبدانهم على قدر مراتبهم ومنازلهم عند ربهم من السعادة والشقاوة، فمنهم من يبلغ منه العرق إلى منكبيه وحقويه وإلى شحمة أذنيه، ومنهم من قد ألجمه العرق وكاد يغيب فيه، فتوهم نفسك في ذلك الموقف فإنك لا محالة واحد منهم، وتوهمها إذا علاك العرق وأطبق عليك الغم وضاقت نفسك وأنت منتظر لفصل القضاء إلى دار السعادة أو دار الشقاء -نجانا الله من سخطه- حتى تكون من رؤوسهم قاب قوس أو قوسين، فتعطى حر عشر سنين وليس على أحد طحربة ولا ترى فيه عورة مؤمن، ولا مؤمنة، ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة، وأما الآخرون أو الكفار فتطبخهم فإنما تقول أجوافهم: غِقْ غِقْ، قال نعيم: الطحربة الخرقة، ورواه هناد بن السري بسنده عن أبي عثمان النهدي عن سليمان، فذكره سواء إلا أنه قال: ولا يَجِد بَدَلَ وَلا يضر، وقال: وأما الكافرون أو الآخرون فتطبخهم طبخا حتى يسمع لأجوافهم غِقْ غِقْ. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة. وقال: حتى تقول أجوافهم غرغر، فإذا رأوا ما هم فيه، قال بعضهم لبعض: أما ترون ما أنتم فيه ائتوا أباكم آدم فيشفع لكم، الحديث. وقد مر. قال القرطبي: قوله لا يضر حرها مؤمنا ولا مؤمنة، ليس على عمومه، وإنما المراد -والله أعلم- لا يضر مؤمنا كامل الإيمان، ومن استظل بظل عرش الرحمان، كما جاء في الحديث. وقال بعض السلف: لو طلعت الشمس على

стр. 1809

الأرض على هيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض وذابت الصخور وتنشفت الأنهار، وقال الغزالي: وكيف لا يكون القلق وقد قربت الشمس حتى لو مد أحدهم يده لنالها ويضاعف حَرُّهَا سبعين مرة؟ انتهى. فسبحان الذي حبس أرواحهم مع هذا البلاء العظيم، أعاذنا الله منه بجاه نبيه محمد الكريم ﷺ وعلى آله وسلم أفضل الصلاة والتسليم. وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: (يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم (١)) قال ابن أبي جمرة ﵁: وهذه إشارة إذا نظرناها يزيد المرء بها تهويلا وتعظيما؛ وهو أنه أخبر ﷺ : أن النار تدور بالمحشر كالخاتم بالإصبع وأن الشمس ينقلب وجهها إلى الناس وتدنى من رؤوسهم حتى يكون بينها وبينهم قدر الميل) (٢)؛ وهو المرود الذي تكتحل به العين، فانظر كيف تكون حرارة تلك الأرض التي يكون الناس عليها؟ وماذا عسى أن يرويها من العرق حتى يبلغ منها سبعين ذراعا ثم بعد ذلك يلجمهم؟ وكيف تكون حرارته؟ فسبحان الذي حبس أرواحهم مع هذا البلاء العظيم، أعاذنا الله منه. انتهى. وقال عبد الحق: فتفكر في المجتمع، وكيف يقومون على أقدامهم قد جمعوا جمع النبل في الكنانة؟ وقد انشقت السماء فوقهم وذابت عليهم وسالت على رؤوسهم فطاشت الألباب وذهلت العقول، فيا له من هول تنهد منه الجبال. وقد جاء أن ثم من لا يحضر تلك المواطن مثل الشهداء؛ لأنه قد جاء أنهم يقومون من قبورهم إلى قصورهم، ومنهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وَمَا جاء في حقهم أَنّهُم على كراسي وفي ظل عرش الرحمان، وأن العلماء هناك دون الأنبياء بدرجة، والصديقين دونهم، وهذه كلها أخبار والخبر لا يدخله النسخ، ويجوز الجمع بين ذلك بأن تقول قوله ﷺ : يعرق الناس هو حال الأغلب. ونقل الثعالبي عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، أنه قال: (إذا كان يوم

стр. 1810

القيامة وضعت منابر من نور، عليها قباب من نور ثم ينادي مناد أين الفقهاء، وأين الأئمة، وأين المؤذنون؟ اجلسوا على هذه فلا روع عليكم ولا حزن حتى يفرغ الله فيما بينه وبين العباد من الحساب (١)). وروى ابن عبد البر بسنده عن عبد الله بن داود، قال: (إذا كان يوم القيامة عزل الله تعالى العلماء عن الحساب، فيقول: ادخلوا الجنة على ما كان فيكم، إني لم أجعل حكمتي فيكم إلا لخير أردته بكم، وزاد غيره في هذا الخبر: (إن الله يحبس العلماء يوم القيامة زمرة واحدة حتى يقضي بين الناس، ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يدعو العلماء، فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع حكمتي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم، قد علمت أنكم تخلطون من العاصي ما يخلط غيركم فسترتها عليكم وقد غفرتها لكم، وإنما كنت أعبد بفتياكم وتعليمكم عبادي، ادخلوا الجنة بغير حساب، ثم قال: لا معطي لما منع الله ولا مانع لما أعطى الله (٢))، قال أبو عمر: وقد روينا نحو هذا بالمعنى بإسناد متصل عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (يبعث الله العباد يوم القيامة، ثم يميز العلماء، ثم يقول لهم: يا معشر العلماء إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم (٣))، وحدثنا عبد الرحمن بإسناده، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: يبعث الله العباد، فذكر مثله، وروى الثعالبي عن أنس عن النبي ﷺ ، أنه قال: (إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر، فيأمر الله تعالى جبريل أن يأتيهم، فيسألهم من هم، فيأتيهم فيسألهم، فيقولون: نحن أصحاب الحديث، فيقول الله تعالى لهم: ادخلوا الجنة طال ما كنتم تصلون على النبي ﷺ (٤))، وفي الجامع الصغير: (إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار، وإنه ليعلم ما فيها من العذاب (٥)).

стр. 1811

واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته، وقال الحارث بن أسد المحاسبي ﵀: والعجب منك كيف تقر عينك أو يزايل الوجل قلبك، وقد عصيت ربك والموت لا محالة نازل بك بكربه وغصصه ونزعه وسكراته، فكأنه قد نزل بك، فتوهم نفسك وقد صرعت صرعة للموت لا تقوم منها إلا إلى المحشر إلى ربك، فتوهم نفسك إلى نزع الموت وسكراته وغصصه وكُرُبَاتِهْ، وقد استحث النزع وجذبت الروح وبلغ الكرب منتهاه، وقلبك وجل محزون منتظر للبشرى من ربك بالرضى أو بالسخط، فبينما أنت في كربك وغمومك وألم أوجاعك؛ إذ نظرت إلى صفحة وجه ملك الموت في أحسن صورة أو أقبحها، وقد تعلق قلبك لما يفجؤك؛ إذ سمعت صوته: أبشر يا ولي الله برضائه وثوابه، أو أبشر يا عدو الله بسخطه وعقابه، فتستيقن حينئذ بفوزك ونجاتك أو بعطبك وهلاكك، فتوهم نفسك حينئذ وقد استطار قلبك فرحا وسرورا، أو ملئ غما وحزنا، واذكر القبر بهول مطلعه وعظيم روعه، وسؤال الملكين فيه إياك عن إيمانك، فمُثَبَّتٌ من الله بالقول الثابت، ومُحَيَّرٌ شاك مخذول، وتوهم أصواتهما إذ يناديانك فتجلس لسؤالهما إياك، فتوهم جلستك في ضيق لحدك وشخوصك ببصرك إلى صورتهما، فإن رأيتهما في أحسن صورة حس قلبك بالفوز والنجاة، وإن كان غير ذلك حزن قلبك وحس بالهلاك والعطب، وتوهم إقبالهما عليك إن ثبتك الله بالسرور وانفراج جوانب قبرك واتساعه عليك، وقولهما لك عند ذلك باللين واللطف: انظر إلى ما صرف الله عنك من عذابه فيزاد قلبك فرحا وسرورا بسلامتك من النار وتوهم ضربهما بأرجلهما جوانب القبر وانفراجه عن الجنة بزينتها ونعيمها، وقولهما لك: انظر يا عبد الله ما أعد الله لك فهذا منزلك وإليه مصيرك، وتوهم سرور قلبك وفرحك عندما عاينت من نعيم الجنان أنك سائر إليها، وإن تكن الأخرى فتوهم قولهما لك: انظر إلى ما حرمك الله عند معاينتك للجنة وقولهما لك: انظر إلى ما أعد الله لك من النار فهذا منزلك ومصيرك فيزداد غمك وحزنك، وتوهم الفناء والبلى إذا انقطعت أوصالك في القبر وفنيت عظامك وبلي بدنك، ولم يبل الحزن أو الفرح من روحك، فروحك متطلعة عند القيام للنشور إلى رضاء الله وثوابه، أو إلى غضبه وعقابه، فيا حسرة روحك وغمومك، أو يا غبطة روحك وسرورك، حتى إذا تكاملت عدة الموتى فصاروا خامدين بعد

стр. 1812

حركاتهم، فلا حس يسمع ولا شخص يرى، وبقي الجبار كما لم يزل أزليا واحدا منفردا بعظمته وجلاله، ثم يَفْجَأ رُوحك نداء المنادي للعرض على الله . انتهى. وروى أبو بكر بن الخطيب عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: (يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قطُّ، وأظمأَ ما كانوا قطُّ، وأعرى ما كانوا، وأنصب ما كانوا، فمن أطعم لله أطعم، ومن سقى لله سقاه، ومن كسا لله كساه، ومن عمل لله كفاه (١))، وقال محمد بن كعب: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوى السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يومئذ، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾. الآية. الجمهور على أن النور هنا نور حقيقة، وقد روي عن ابن عباس وغيره آثار مضمنها أن كل مؤمن مظهر للإيمان يعطى يوم القيامة نورا، فيطفأ نور كل منافق، ويبقى نور المؤمنين حتى أن منهم من نوره يضيء كما بين مكة وصنعاء، رفعه قتادة إلى النبي ﷺ ، ومنهم من نوره كالنخلة السحوق، ومنهم من نوره يضيء ما قرب من قدميه، قاله ابن مسعود. ومنهم من يهم بالانطفاء مرة، ويبين مرة على قدر المنازل في الطاعة، والمعصية، قال قتادة: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة: يا فلان هذا نورك، يا فلان لا نور لك نعوذ بالله من ذلك، فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا، فمعرفة الله تعالى اليوم هي النور في القيامة، وقول المنافقين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾؛ أي أخروا مشيكم حتى نلتحق فنقتبس؛ أي نأخذ من نوركم قبسا، والقبس: الشعلة من النار والسراج، والمنافقون طمعوا في شيء من أنوار المؤمنين، وهذا منهم جهل؛؛ لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا وهم لم يقدموها، قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نورا على قدر عمله، ثم يؤخذ من حَجَرِ جهنم ومما فيها من الكلاليب والحسك ويلقى على الطريق، ثم تمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضوإ كوكب في السماء ثم على ذلك، ثم تغشاهم ظلمة تطفئ نور

стр. 1813

المنافقين، فهناك يقول المنافقون للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم، قال الغزالي في الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة: فإذا استوى كل أحد قاعدا على قبره، فمنهم العريان، ومنهم المكسو والأسود والأبيض، ومنهم من يكون له نور كالصباح الضعيف، ومنهم من يكون كالشمس، لا يزال كل واحد منهم مطرقا برأسه ألف عام حتى تقوم من المغرب نار لها دوي، فيدهش منها الخليقة إنسا وجنا وطيرا ووحشا، ويأتي كل واحد من المخاطبين عمله، ويقول له: قم انهض إلى المحشر، فمن كان له حينئذ عمل جيد شخص له عمله بغلا ومنهم من يشخص له غير ذلك يحمله، ويجعل لكل واحد منهم نور شعاعي بين يديه وعن يمينه مثله يسري بين يديه في الظلمات؛ وهو قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾، وليس عن شمائلهم نور بل ظلمة حالكة لا يستطيع نفاذها، يحار فيها الفكر ويتردد المرتابون، والمؤمن ينظر إلى قوة حلكتها وشدة حِندسها، ويحمد الله سبحانه على ما أعطاه من النور المهتدى به في تلك الشدة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم؛ لأن الله تعالى يكشف للعبد المؤمن المنَعَّم من أحوال العذب الشقي ليتبين له قدر النعمة، ومن الناس من يبقى على قدميه وعلى طرف بنانه، نوره يطفأ مرة ويشتعل أخرى، وإنما هم عند البعث على قدر إيمانهم وأعمالهم، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾، اعلم أنه ورد في تبديل الأرض أخبار منها ما في صحيح البخاري عن سهل بن سعد، قال: (سمعت النبي ﷺ ، يقول: يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى (١))، قال سهل وغيره: ليس فيها معلم لأحد، ومنها ما في الصحيح: (أن الله يبدلها خبزة يأكل المؤمن منها من تحت قدميه (٢))، ومنها: (أنها تبدل أرضا من فضة (٣))، وروي (أنها أرض كالفضة (٤))، وروي: (أنها تبدل نارا (٥))، وروي عن النبي ﷺ ، أنه قال: (المؤمنون في وقت التبديل في ظل العرش (٦))، وروي عنه أنه قال: (الناس وقت التبديل على

стр. 1814

الصراط (١))، وروي أنه قال: (الناس حينئذ أضياف الله فلا يعجزه ما لديه (٢))، والظاهر من هذا أن التبديل لكل فريق بما يقتضيه حاله، فالمؤمن يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته إليه، وفريق يكون على فضة، وفريق الكفر يكونون على نار، وأن التبديل بحسب مواطن الآخرة، ولا شك أن للآخرة مواطن وللناس أحوالا مختلفة فيها، كما أن أحوالهم في الدنيا مختلفة، وبهذا ونحوه يقع الجمع بين الآثار، والقاعدة والعقيدة أن كل ما أخبر الله به ورسوله حق لا تعارض ولا تناقض فيه بوجه، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ وروى البخاري عن سمرة بن جندب ﵁، قال: (كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول: ما شاء الله فسألنا يوما، فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد، قال بعض أصحابنا عن موسى أنه يدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر كذلك، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا رجلا مضطجعا على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ بها رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إليه حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه قلت ما هذا؟ قالا: انطلق فانطلق إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع تتوقد تحته نار، فإذا اقتربت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر، قال يزيد ووهب بن حربي بن حزام: وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فَجَعَل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان،

стр. 1815

وإذا برجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي الشجبرة فأدخلاني دارا لم أر قط أحسن منها فيها رجال شيوخ وشبان ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب، فقلت: طوفتماني فأخبراني ما رأيت، قالا: نعم الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة لتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله تعالى القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار يفعل به إلى يوم القيامة، والذي رأيته في الثقب فهم الزناة والذي رأيته في النهر آكل الربا، والذى يوقد النار مالك خازن النار، وشيخ في أصل الشجرة: إبراهيم، والصبيان حوله: فأولاد الناس، والدار الأولى التي دخلت: دار عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فهي: دار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قال: ذلك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، فقالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملته دخلت منزلك (١)). وروى الحليمي بسنده عن أبي الزبير عن جابر ﵁، قال: (إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، يؤذن المؤذن، ويلبي الملبي، وأول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم الخليل، ثم محمد ﷺ ، ثم النبيئون والرسل ﵈، ثم يكسى المؤذنون وتتلقاهم الملائكة على نجائب من نور أحمر أزمتها من زبرجد أخضر رحالها من المذهب، ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف ملك إلى المحشر (٢))، وفي الحديث: (تحشرون حفاة عراة غرلا (٣))؛ أي غير مختونين. وفي كتاب أبي الليث السمرقندي ما نصه: وأول من يكسى يوم القيامة من كسوة الجنة إبراهيم ﵊، ثم محمد ﷺ ، وروى في رواية أخرى: محمد: ثم إبراهيم: ثم يكسى الرسل والأنبياء، ثم المؤذنون المحتسبون، وتتلقاهم الملائكة بنجائب من ياقوت أحمر يشيع كل رجل منهم بسبعين ألف ملك من قبره، فيجاء به إلى المحشر، وقال الإمام الثعالبي: قال عبد الحق ﵀: اعلم رحمك الله أن أمر الخاتمة إذا ذكر حقيقة ذكره انفطرت له القلوب، وتشققت

стр. 1816

وانصدعت له الأكباد وتقطعت، ففي الخبر الصحيح عن النبي ﷺ : (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتم (١))، وروي من طريق آخر وليس فيه فيما يبدوا للناس، وصح عنه ﷺ أنه قال: (جف القلم بما أنت لاق (٢))، وقال ﵇: (رفعت الأقلام وجفت الصحف (٣))، ذكر هذه الأحاديث البخاري ومسلم والترمذي، وعند أحدهم ما ليس عند الآخر: فانظر رحمك الله كيف تقر عين عاقل في هذه الدار مع هذه الأحوال، وتوقع هذه الآمال. انتهى. ومن أجل هذا بكى سفيان وغير سفيان، وإنه للأمر الذي يبكى منه. وقال عبد الحق رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله منه- لا يكون لمن استقام ظاهرد وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به -والحمد لله- وإنما تكون لمن كان به فساد في العقد، وإصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل عليه الموت قبل التوبة، ويثب عليه قبل الإنابة، ويأخذه قبل إصلاح الطوية فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله ثم العياذ بالله، أو تكون لن كان مستقيما ثم يتغير عن حاله ويخرج عن سننه ويأخذ في غير طريقه، فيكون ذلك سببا لسوء خاتمته وشؤم عاقبته والعياذ بالله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. انتهى. قال جامعه الفقير رحمه الله تعالى: ليت شعري ما إليه موئلي، وما إليه موردي وموعدي؟ وروى الثعالبي عن علي بن أبي طالب ﵁، إنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال حين يصبح الغداة: لا إله إلا الله الملك الحق المبين، كانت له أمانا من الفقر وأمانا من وحشة القبر، واستقرع باب الجنة واستجلب الغنى (٤)). وقال عياض في المدارك: قال يحيى بن عمر: كان سحنون، يقول: ترك الحرام أفضل من جميع عبادة الله تعالى: وترك الحلال لله أفضك من أخذه، وإنفاقه في طاعة الله سبحانه، وقال: ترك دانق مما حرم

стр. 1817

الله سبحانه أفضل من سبعين ألف حجة يتبعها سبعون ألف عمرة مبرورة متقبلة، وأفضل من سبعين ألف فرس في سبيل الله بزادها وسلاحها، ومن سبعين ألف بدنة يهديها إلى بيت الله العتيق، وأفضل من عتق سبعين ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل، فبلغ كلامه هذا عبد الجباربن خالد، فقال: نعم، وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهبا وفضة كسبت؛ أي من حلال، وأنفقت في سبيل الله لا يراد بها إلا وجه الله تعالى. نقله الثعالبي. ونقل الثعالبي عن أبي حازم أنه قال: يا عجبا لقوم يتركون العمل والزاد لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة، ويعملون لدار يرحلون عنها في كل يوم مرحلة، ونقل عنه أيضا أنه قال: انظر الذي تحب أن يكون معك فقدمه اليوم، وانظر الذي تكره أن يكون معك في الآخرة فاتركه. ولما أنهى الكلام على أعظم أركان الإسلام بعد الإيمان بالله تعالى، وهو الصلاة شرع فيما يليه رتبة؛ وهو الزكاة، ولم يفصل بينهما بفاصل لأنهما لم يقعا في كتاب الله إلا هكذا، فقال:

стр. 1818

باب: ذكر فيه أحكام الزكاة وما تجب فيه، وقدر الواجب وما يتعلق بذلك وفي حديث الطليطلي أنه: لا صلاة لمن لا زكاة له ولا زكاة لمن لا صلاة له، والزكاة في اللغة النماء والبركة وزيادة الخير، يقال: زكا الزرع إذا نمى، وزكت البقعة بورك فيها، وفلان زاك كثير الخير، ومنه تزكية الشهود لأنهم رفعوا من حال السخطة إلى حالة العدالة، والزكاة شرعا اسما جزء من المال شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصابا، ومصدرا إخراج جزء من المال شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصابا، قاله ابن عرفة. قوله: شرط وجوبه لمستحقه، يخرج الخمُس وما أشبهه، وأورد عليه من قال: إذا بلغ مالي عشرين دينارا فعلي لله دينار منها -مثلا- فيصدق على هذا الدينار أنه جزء من المال شرط الخ. واعلم أن في قول ابن عرفة: شرط وجوبه: تسامحا؛ لأن النصاب سبب لا شرط، وقول ابن عرفة: اسما منصوب على ما قيل في قولنا: الدليل لغة قيل على التمييز، وهو مردود، وقيل: على إسقاط الخافض وهو أقرب إلا أنه قليل، وإنما قلنا إن نصبه على التمييز مردود؛ لأن اللفظ المشترك لا يصح نصب التمييز بعده للفرق بين الإبهام الذاتي والرضي. قاله الشيخ الخرشي. وسميت الزكاة زكاة لأنها تعود في المال بالبركة والتنمية، أو لأن القدر الخرج ينمو عند الله ويزكو كما في الحديث: (ما تصدق عبد بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- إلا كان كأنما يضعها في كف الرحمن، فيربيها له كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ أو فصيله حتى تكون كالجبل (١)). وفيه ولم يقل: ولده؛ لأن الولد ليس بمال يتصدق به، ولأن النفعة بالفلو والفصيل محققة إما بالركوب أو بالحمل أو بالثمن، ومن الانتفاع بالصدقة أنها تظله يوم القيامة من حر الشمس حتى يقضى بين الناس، أو لأن صاحبها يزكو بأدائها، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. انظر الشبراخيتي. وفي الحديث: (ما فرض الزكاة إلا ليطيب (٢) ما بقي من أموالكم (٣)). انتهى. فإذا لم تخرج منه كان خبيثا؛ ولذا سميت أوساخا.

стр. 1819

تنبيهات: الأول: اعلم أن الزكاة فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر؛ أي في سنتها كما في الخرشي. الثاني: اعلم أن الزكاة وردت في الشرع بألفاظ مختلفة منها الصدقة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، من التصديق الذي هو الإيمان؛ إذ دافعها مصدق بوجوبها. قاله الشبراخيتي. وفي الإكمال: أنها من الصدق؛ لأنها دليل على صدق صاحبها في الدين. انتهى. وهو حسن والله أعلم. ومنها الحق: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾؛ إذ هو لغة الثابت، فهي ثابت وجوبها، ومنها الإنفاق: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، ومنها العفو: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ إذ هو في اللغة الزائد، فكأنها زيادة على الغني، ومنها الماعون: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. الثالث: ذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في التنوير: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تجب عليهم الزكاة؛ لأنه لا ملك لهم مع الله، إنما كانوا يشهدون ما بأيديهم من ودائع الله لهم، يبذلونه في أوان بذله، ويمنعونه في غير محله، ولأن الزكاة إنما هي طهارة لا عسى أن يكون ممن وجبت عليهم، والأنبياء مبرؤون من الذنب لعصمتهم. انتهى. وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾، فانظر ما تأويلها عثدهم، أجارنا الله من السوء ببركتهم، وأفاض علينا مما منحهم، ﵃ آمين. الرابع: اعلم أن متعلقات الزكاة شرعا ستة: الماشية، والحرث، والنقدان، والتجارة، والمعادن، والفطر. وقدم المصنف زكاة الماشية والحرث على العين مع أنه خلاف ترتيب المدونة وابن الحاجب ونحوهما؛ لشرف ما ينمو بنفسه، وقدم الحيوان لشرفه على الجماد، وبدأ منها بالإبل اقتداء بأبي بكر ﵁، ولأنها أشرف أموال العرب، فقال: تجب زكاة نصاب النعم؛ يعني أن الزكاة واجبة في النصاب من النعم، والنصاب هو القدر الذي إذا بلغة المال وجبت فيه الزكاة، والنعم: الإبل والبقر والغنم، وجمع النعم: أنعام، وجمع الجمع: أناعيم. قاله الحطاب. وسمي النعم نعما لكثرة نعم الله فيه على خلقه من النمو، وعموم الانتفاع به مع كونها مأكولة؛، ولذلك وجبت فيها الزكاة، وفي الذخيرة: والنعم والنعمة والنعيم والنعماء مأخوذ من لفظ نعم؛ لأن الجواب بها يسر غالبا، فاشتق منها ألفاظ هذه الأمور لكونها سارة، ولفظ الغنم مأخوذ من الغنيمة،

стр. 1820

والبقر مأخوذ من البقر الذي هو الشق؛ لأنها تبقر الأرض أي تشقها، والجمل مأخوذ من الجمال؛ لأن العرب تتجمل بها. والله تعالى أعلم. قاله الحطاب. وسميت الإبل إبلا لأنها تأبل بالرطب عن الماء؛ أي تجزأ وهو الحق، لا لأنها تبل ساقيها لعدم الوفاق في المادة، قال الشاعر: لقد أبلت شهري ربيع كليهما … وقد تم فيه نسؤها واقترارها فسود ماء المرد فاها فلونه … كلون النَّئور وهي أدماء سارها ويقال: نسأت الإبل: بدا سمنها، والاقترار: السمن أو نهايته، والنئور كصبور: حصاة كالإثمد، والسار والسائر: البقية. والله أعلم. وقوله: "النعم"، احترز به من الخيل والبغال والحمير والعبيد، فلا تجب فيها الزكاة، وفي البخاري عنه ﷺ : (ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة (١)). واعلم أنه إذا كانت الخيل للتجارة وجبت فيها الزكاة إجماعا، وخالف أبو حنيفة في الخيل التي ليست للتجارة، فأوجب في كل فرس دينارا أو ربع عشر قيمتها على التخيير، وقوله: "زكاة نصاب النعم"، الزكاة فيه بالمعنى المصدري الذي هو الإخراج؛ لأن الوجوب من الأحكام التكليفية، ولا يكلف إلا بفعل اختياري. تنبيه: قد علمت أن النصاب هو القدر الذي إذا بلغة المال وجبت فيه الزكاة، كما قاله الإمام مالك. وسمي نصابا لأنه كالعلم المنصوب لوجوب الزكاة، وفي الكتاب العزيز: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾؛ أي شيء منصوب كعلم أو راية، ومعنى يوفضون يسرعون، أو لأن المال إذا بلغة نُصِبَ إليه ببعث السعاة من النصب بالتحريك بمعنى التعب، أو من النصيب بمعنى الحظ؛ لأن للمساكين فيه نصيبا حينئذ. المازري: النصاب لغة: أصل الشيء، فلما كان ما علق عليه الزكاة هو مبدأ الوجوب سمي نصابا لكونه أصلا في الوجوب، وقوله: "تجب"؛ يعني أن الزكاة واجبة كتابا وسنة وإجماعا، أما وجوبها بالكتاب، ففي غير آية، وأما وجوبها بالسنة فَلِمَا أخرجه الخمسة عن ابن عباس ﵄، قال: (بعث رسول الله ﷺ معاذا إلى

стр. 1821

اليمن، فقال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى، فإذا عرفوا عبادة الله تعالى، فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم إن هم أطاعوا لذلك، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب (١)). رواه في التيسير. وروى فيه أيضا عن الخمسة أن رسول الله ﷺ ، قال: (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حق الله فيها إلا جاءت يوم القيامة أكبر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها وأخفافها وتنطحة بقرونها وتطأه بأظلافها، ليس فيها جماء ولا منكسر قرنها، كلما مرت عليه أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الخلائق، ولا صاحب كنز لا يعمل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاتحا فاه، فإذا أتاه فر منه فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني، فإذا رأى أنه لا بد له منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل (٢)). انتهى. القاع: المستوي من الأرض الواسع، والقرقر: الأملس، والظلف للشاة كالحافر للفرس، والشجاع: الحية، والأقرع صفته بطول العمر؛ لأنه إذا طال عمره امَّزق شعره، فهو أخبث وأشد شرا. وقد انعقد الإجماع على وجوبها فمن جحده فهو كافر، وفي الحطاب ما نصه: وعلم وجوبها لغير حديث الإسلام ضروري. انتهى. فما مر من كفر جاحد وجوبها في غير حديث عهد بالإسلام، وقد نص على ذلك الإمام الحطاب. بملك، الباء متعلقة بتجب؛ يعني أنه يشترط في وجوب زكاة نصاب النعم على الشخص أن يكون مالكا له، واحترز بذلك من الغاصب والمودع، فإنهما لا تجب عليهما الزكاة في المال المغصوب والمال المودع، لعدم ملك كل لذلك. وحول؛ يعني أنه يشترط أيضا في وجوب الزكاة مع اشتراط الملكية أن يمر على المال حول في ملك الشخص المذكور، فلا تجب قبل مرور الحول لخبر: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (٣))، والباء في قوله: "بملك"، للسببية، وقوله: كملا، صفة لملك، وحول؛ يعني به أنه لا بد في الوجوب بالملك والحول من أن يكونا كاملين، واحترز بالملك الكامل من ملك العبد ومن فيه شائبة رق، فإنه لا

стр. 1822

تجب الزكاة في ماله حتى ينتزعه السيد، وعدم كمال الملك في العبد من جهة أنه لا يتصرف فيه التصرف التام، لا من جهة أن للسيد انتزاعه لعدم شمول العلة للمُكاتَب ومن في معناه ممن ليس للسيد انتزاع ماله. واعلم أن المكاتب ليس للسيد انتزاع ماله، وكذا المبعض، وأما الخالص الرِّقِّية فللسيد انتزاع ماله، كالمدبر وأم الولد إن لم يمرض السيد، وكذا المعتق لأجل إن لم يقرب الأجل، وإلا فلا. والله سبحانه أعلم. واحترز بالحول الكامل من أن يمر أقل من الحول على النصاب في ملكه. أو يمر عليه الحول في ملكه قبل مجيء الساعي فلا تجب، بل لا تجزئ إن أخرجت قبل مجيئه -كما يأتي- وأما من لا ساعي لهم فتجب بمرور الحول، والمراد بالملك أن يملك عين الماشية، ويمر عليها الحول في ملكه، فأما من ملك ماشية في ذمة شخص وحال عليها الحول قبل أن يقبضها، فإنه لا يجب عليه زكاتها، قال مالك: من وجبت له دية من الإبل فقبضها بعد أعوام يستقبل بها، قال في الطراز: هذا متفق عليه؛ لأن الدية وجبت دينا مضمونا في الذمة، والحول إنما يراعى في عين الماشية على ملك من يزكى عليه، فإذا قبضت تعينت في ملكه، ولأنه إذا مر الساعي بأكمل الدية زكى ما بأيديهم من الماشية؛ لأن الدين لا يسقطها. قاله الحطاب. ومر أن مال العبد لا تجب زكاته قبل أن ينتزعه السيد، حيث يجوز له الانتزاع، فإن انتزع مال العبد الذي يجوز انتزاع ماله لم تجب عليه الزكاة إلا بعد حول من يوم انتزاعه، وفي الشاذلي على الرسالة، قال ابن عبد السلام: عندي أن مال العبد يزكيه السيد أو العبد لأنه مملوك لأحدهما قطعا، وقولهم: حول كمل، قال الشيخ الأمير: وإنما يتم بمجيء الساعي. انتهى. تنبيه: اعلم أن الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وأن السبب هو ما يلزم من عدمه العدم ويلزم من وجوده الوجود لذاته، ووقع البحث في هذا بأن حد الشرط يصدق على السبب؛ لأن كلا منهما يلزم من عدمه العدم وقد لا يلزم من وجوده وجود لمصاحبة مانع. وحاصل ما أجابوا به في الفرق بينهما أن السبب أولى بالحكم من الشرط، وأن الشرط متمم له. والله سبحانه أعلم.

стр. 1823

واعلم أن الزكاة أفضل من الصوم، ويدل لذلك تقديمها الذي رواه الشيخان والنسائي والترمذي، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم ومضان (١)). انتهى. فرع: قال ابن وهب عن مالك في الجزار يشتري الغنم ليذبحها فيحول حولها عنده: إنه يزكيها. انتهى. قاله الحطاب. وإن معلوفة؛ يعني أن المعلوفة من النَّعم تجب زكاتها كالسائمة، والمعلوفة هي المحبوسة في البيوت تعلف ولا تترك تسوم، وسواء علفت في الحول كله أو بعضه، ورد بالمبالغة على المعلوفة قول الإمام الشافعي: إن علفت، ولو جمعة في الحول لا زكاة فيها، وقال الإمام أحمد والإمام أبو حنيفة: غالب الحول كالحول، قاله الشيخ إبراهيم. وعاملة؛ يعني أن النعم العاملة؛ أي المستعملة في حرث أو سقي أو حمل أو نحو ذلك تجب فيها الزكاة، خلافا لأبي حنيفة والشافعي عملا بمفهوم: (في سائمة الغنم الزكاة (٢)). واعلم أن ما قبل المبالغة في كلام المصنف هو النعم السائمة؛ وهي المرسلة لترعى النبات، ولا خلاف في وجوب الزكاة فيها عند توفر الشروط فيها، وأما المعلوفة والعاملة فتجب الزكاة فيهما عندنا؛ لأن القيد في حديث: (في سائمة الغنم الزكاة (٣)) عندنا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له نظير: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، فإنها تحرم ولو لم تكن في الحجر، وما يقال قدم عموم منطوق (في أربعين شاة (٤))، فيه أن هذا مطلق، فيحمل على المقيد. قاله الشيخ الأمير. وقال الشيخ العارف بالله تعالى عبد العزيز الدباغ: إن مفهوم السائمة في الحديث هي التي أضناها المرض أي أضعفها، فلا تقدر على السوم، وأما المعلوفة والعاملة فلهما القوة على السوم ومنعا منه، انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وهذا غاية في الحسن. والله سبحانه أعلم.

стр. 1824

ونتاجا؛ يعني أن نصاب النعم تجب زكاته ولو كان ذلك النصاب نتاجا، والنتاج بكسر النون ولد الماشية، لخبر: (تعد صغارها وكبارها (١))، وروي ذلك عن عمر وعلي من غير مخالف، وفي المدونة: وإن كانت الغنم سخالا أو البقر عجاجيل كلها أو الإبل فصلانا كلها، وفي عدد كل صنف منها ما تجب فيه الصدقة كلف ربها أن يشتري ما يجزئه، وحول النتاج حول الأصل، وحكى عبد الوهاب عن داود: لا زكاة في الصغار. أبو حنيفة: لا شيء فيها إلا أن تكون تبعا لنصاب الأمهات. قاله غير واحد. ويقال: نتجت الناقة والشاة بضم النون وكسر التاء تنتج نتاجا: ولدت، وقد نتجها أهلها بفتح النون نتاجا، وظاهر قوله: "ونتاجا"، ولو من غير جنسها كما إذا ولدت الإبل غنما وعكسه، فتزكى الغنم زكاة غنم بحول الإبل أمهاتها، وكذا العكس. والله سبحانه أعلم. لا منها ومن الوحش؛ يعني أنه لا تجب الزكاة فيما تولد بين الأنعام والوحش، ظاهره كانت الأم وحشية والأب إنسيا، أو العكس، وظاهره مباشرة أو بواسطة واحدة أو أكثر، وقيل: بالزكاة مطلقا. ثالثها: الفرق بين كون الأم وحشية فلا زكاة، وإلا فالزكاة، وشهره الجزولي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وقوله أو بواسطة واحدة أو أكثر الخ، فيه نظر، بل ظاهر النقل خلافه. انتهى. والأول الذي مشى عليه المصنف لابن عبد الحكم. وصدر به ابن شأس، وصححه ابن عبد السلام، والقول بالوجوب مطلقا ذكره ابن بشير وابن الحاجب، قال الشارح: ونسبه بعض الأشياخ لابن القصار، قال الحطاب: وهو ضعيف، فقد قال اللخمي: لا أعلمهم يختلفون في عدم تعلق الزكاة بالمتولد من النعم والوحش إذا كانت الأم وحشية، وقطع بعضهم بنفي الخلاف، ونسب في الجواهر القول الذي شهره الجزولي لابن القصار؛ وهو الجاري على كلام المصنف في الأضحية. وضمت الفائدة له؛ أي للنصاب السابق عليها، قال في القاموس: الفائدة ما استفدت من علم أو مال أو صلاح، واستفادة وتفيده: اقتناه، ويستفاد من كلامه صريحا: أن الفائدة من فاد المال يفود ويفيد: ثبت، والله سبحانه أعلم. والمراد بالفائدة هنا ما تجدد من النعم بشراء أو هبة أو صدقة أو

стр. 1825

إرث أو غير ذلك؛ يعني أن الماشية الحاصلة بوجه من الوجوه المتقدمة تضم إلى ما بيد المالك من الماشية إذا كانت الأولى نصابا، ويزكي الجميع لحول الأولى حيث كانت الثانية من جنس الأولى، ولا فرق في ذلك بين أن تتجدد له الثانية قبل حول الأولى بزمن كثير، وبين أن تتجدد له قبله بزمن قليل، وإلى ذلك أشار بقوله: وإن قبل حوله بيوم؛ أي أنه يزكي الثانية لحول الأولى، وإن تجدد له ملك الثانية قبل حول الأولى بزمن قليل، فالمراد باليوم الجزء من الزمن، ولو قل كقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾؛ أي كل وقت. قاله غير واحد. فيتناول قدر لحظة. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإن قبل حوله"؛ أي قبل مجيء الساعي ولو بعد مرور الحول حيث كان هناك ساع وإن لم يكن ساع، فالمراد قبل مرور الحول. لا لأقل، بإعادة الجار وهذا مفهوم قوله: للنصاب السابق؛ يعني أنه إذا كانت الماشية الأولى أقل من النصاب فإنه لا تضم الثانية للأولى ليزكى الجميع عاجلا عند تمام حول ما هو أقل من النصاب، بل تضم الأولى للثانية، ويستقبل بالجميع حولا من يوم أفاد الثانية، وسواء كانت الثانية نصابا أم لا، وقوله: "وضمت الفائدة له"؛ أي للنصاب السابق حيث دام نصابا إلى تمام الحول، فلو استفاد ماشية قبل الحول وعنده نصاب من جنسها فنقص قبل الحول فلا تضم الثانية للباقي، بل يستقبل بالجميع، وقوله: "وضمت الفائدة له" الخ، هذا في الفائدة الحاصلة بغير ولادة، وأما الحاصلة بولادة فإنها تضم إلى أمهاتها وتزكى على حول الأمهات، وإن كانت الأمهات أقل من نصاب وتمت بالأولاد فلو ماتت الأمهات كلها زكى النتاج على حول الأمهات إذا كان في النتاج نصاب، ومن أفراد قوله: "وضمت الفائدة له"، مسألة الطراز؛ وهي من قبض دية وجبت له قبل مجيء الساعي وعنده خمس من الإبل حال حولها فإنه يضم الدية إليها ويزكي الجميع. انتهى. وقوله: "لا لأقل"، عطف على الضمير المجرور، وأعاد الخافض للزوم ذلك عند البصريين، قال الإمام محمد بن مالك: وعود خافض لدى عطف على … ضمير خفض لازما قد جعلا وليس عندي لازما إذ قد أتى … في النظم والنثر الصحيح مثبتا
следующие страницы →