← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

واعلم أن قول ابن عرفة: تقدير الموافق مخالفا قلب الحقائق الخ معترض بأن المستحيل إنما هو ثبوت المحال وتحققه لا تقدير ثبوته ففي صدوره من ابن عرفة عجب قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي التطهير بماء جعل في الفم قولان يعني أنه اختلف في جواز التطهير بماء جعل في الفم وعدم جوازه على قولين: الأول لابن القاسم، والثاني رواية لأشهب عن مالك قال الشيخ الحطاب: والظاهر القول بالجواز. ونقل الش في الصغير عن المصنف أنه قال: والظاهر الطهورية لأنها الأصل انتهى. قوله وفي التطهير هو رفع مانع الصلاة والخلاف في حال فالمجيز نظر إلى أنه يمكن انفكاك الماء عما يغيره والمانع نظر إلى أنه لا يمكن الانفكاك، واتفق القولان على أنه لو تحقق التغير لأثر قاله في التوضيح، قال الحطاب: وكأنه يعني والله أعلم أنه لو تحقق أنه حصل من الريق قدر لو كان من غير الريق لغير الماء لاتفق القولان على المنع لأن الريق لا يغير الماء إلا أن يكثر جدا حتى تظهر لعابيته في الماء فالظاهر أنه إنما أراد ما ذكرنا، وهكذا قال ابن الإمام: إنه لو طال مكث الماء في الفم أو حصل منه مضمضة لانتفى الخلاف لغلبة الريق. قال الشيخ محمد بن الحسن: وهذا نص في جعل المخالط الموافق كالمخالف فلا وجه للنظر السابق. قوله: "وفي التطهير" الخ. اعلم أن الشيوخ متفقون على أن الخلاف في حال وليس بحقيقي ولذا قال الشيخ الأمير: وماء الفم ينظر فيه لممازجة الريق فإن حصلت ضرت ليسارة الماء جدا وعليه يحمل كلام أشهب، وإلا فلا وعليه كلام ابن القاسم فالحق أن الخلاف لفظي كما في الحطاب والرماصي فليست هذه من مسألة الموافق؛ لأن تلك جزم فيها بالمخالطة وهذا أولى ما يقال انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي في الفرق بين المسألتين أن المخالط في الأولى ممازج لا مجاور، وفي الثانية خلاف في حال هل هو ممازج أو مجاور، ومفهوم قوله جعل في الفم أنه لو بصق فيه وهو في إناء لم يضر وهو كذلك ما لم يكثر البصاق حتى يغير الماء، وفي الشبراخيتي البصاق مستقذر وإن كان طاهرا فلذا اشتد نكير ابن العربي على من يلطخ صفحات أوراق مصحف أو كتاب ليسهل قلبها قائلا: إنا لله وإنا إليه راجعون على غلبة الجهل المودي إلى الكفر. ابن الحاج: لا يجوز مسح لوح القرآن أو بعضه

стр. 212

بالبصاق ويتعين على معلم الصبيان أن يمنعهم من ذلك. وقال الأمير: في الشبراخيتي هنا تشديد زائد في قلب الورق بالريق حتى نقل عن ابن العربي أنه يخشى منه الكفر ولا يبلغ به هذا الحد فقد اغتفر الشافعية مثل هذا انتهى. وكره ماء مستعمل في حدث لما فرغ من بيان الماء الذي يباح التطهر به والذي يمنع التطهر به ذكر ما حكمه الكراهة المتوسطة بينهما؛ يعني أن الماء الذي استعمل في رفع حدث أصغر أو أكبر يكره استعماله مع وجود غيره في حدث أو حكم خبث، وفي كل طهارة لا تفعل إلا بطهور كان يصلَّى بها أم لا، كوضوء لزيارة الأولياء، ولنوم جنب قاله الشيخ عبد الباقي، ومثل المستعمل في رفع حدثٍ المستعملُ في رفع حكم خبث فيكره استعماله في كل طهارة لا تفعل إلا بطهور كان يصلى بها أم لا، ومحل كراهة المستعمل في حدث أو حكم خبث حيث وجد غيره فإن لم يجد غيره تطهر به، ولا يتمم مع وجوده فإن تركه وتيمم أعاد أبدا هذا هو المشهور في المذهب كما صرح بذلك غير واحد، ومقابل المشهور في الماء المستعمل في الحدث قولان: أحدهما أنه غير طهور فيتركه ويتيمم إن لم يجد غيره فإن توضأ به وصلى أعاد أبدا رواه أصبغ عن مالك وابن القصار عن ابن القاسم، ثانيهما أنه مشكوك فيه فيتوضأ به ويتيمم لصلاة واحدة. والمستعمل في الحدث يشمل ثلاثة أشياء: أحدها ما تقاطر من الأعضاء ولا بد أن يكون يسيرا وأما إن كان كثيرا فلا يكره، ثانيها المتصل بالأعضاء أي الباقي على العضو بعد كمال غسله كالباقي على ظهر ذراعيه مثلا ولا يكون إلا يسيرا؛ ثالثها الماء الذي أدخل عضوا من أعضائه فيه وغسله فيه وكذا لو أدخل أعضاءه في الماء وغسلها فيه فالباقي مستعمل في حدث ولا بد أن يكون يسيرا، وأما الكثير فلا يكره فإن غمس العضو في الماء ودلكه خارج الماء لم يكن مستعملا في حدث فلا يكره. واعلم أن ما تقاطر من العضو الأخير أو اتصل به مستعمل قطعا فيكره، وأما ما تقاطر من غير الأخير أو اتصل به فإن استعمله بعد تمام هذه الطهارة في متوقف على الطهارة كره أيضا، فإن استعمله في باقيها كما لو مسح رأسه بما في لحيته فكذلك يكره إن قلنا إن الحدث يرتفع عن كل عضو بانفراده فإن قلنا لا يطهر إلا بالكمال لم يكره بباقيها، والمتصل يشمل القسمين الأخيرين من أقسام المستعمل الثلاثة التي قدمت ذكرها كما قاله عبد الباقي.

стр. 213

واعلم أنه لا خلاف أن الماء ما دام في العضو غير مستعمل بالنسبة لذلك العضو المتصل. وقوله: وكره ماء مستعمل الخ محل الكراهة حيث وجد غيره كما مر ومحلها أيضا ما لم يصب عليه مطلق غير مستعمل في حدث ونحوه قدره أوأقل أو أكثر حتى يصير المجموع أزيد من آنية غسل، وإلا فلا يكره فإن صب عليه مستعمل في حدث مثله فاستظهر ابن عبد السلام انتفاء الكراهة، وابن الإمام والحطاب بقاءها؛ لأن ما ثبت لكل جزء بانفراده يثبت للكل، فإن فرق هذا الكثير حتى صار كل جزء يسيرا فلا تعود الكراهة على ما لابن عبد السلام فإن صب علي المستعمل في حدث مستعمل في غيره لم يكره بالأولى عند ابن عبد السلام، وأما على ما لابن الإمام والحطاب فالظاهر خفته بالنسبة لما خلط بمستعمل في حدث. وقوله: وكره ماء مستعمل في حدث فإن استعمله مع وجود غيره وصلى فالظاهر أنه لا يعيد في الوقت. واعلم أن الإعادة في الوقت تقتضي الكراهة كما في الحطاب والكراهة لا تقتضي الإعادة في الوقت. وقوله: وكره ماء مستعمل الخ ولو من صبي، وقد مر عن الشيخ عبد الباقي أن الماء المستعمل في حدث يكره مع وجود الغير في طهارة لا تفعل إلا بطهور كان يصلَّي بها أم لا. قال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر إذا لم يجد غيره وأراد الوضوء المستحب أن يكره استعماله فيه بل يؤمر بتركه. وقوله: وكره ماء مستعمل الخ اختلف في علة الكراهة أو المنع منه على أقوال فقيل: لأنه أديت به عبادة فقد ذهبت قوته فيها فلا يقوى لعبادة أخرى، وقيل لكونه أزال المانع، وقيل لكونه لا يعلم سلامته من الأوساخ، وقيل لأنه ماء الذنوب، وقيل لأنه لم ينقل عن السلف جمع ذلك واستعماله، والراجح في تعليل الكراهة كونه مختلفا في طهوريته. واعلم أن لفظ المدونة: ولا يتوضأ بماء قد توضئ به ولا خير فيه، ابن القاسم وإن لم يجد غيره توضأ به أحب إلي إذا كان الذي توضأ به أولا طاهر الأعضاء فتأول الأكثر قول الإمام: ولا خير فيه على الكراهة فيكون وفاقا لقول ابن القاسم، ولذلك ينبغي إسقاط لفظ أحب إلي كما اختصرها ابن أبي زيد، وحملها على الوجوب كما قال صاحب الاستيعاب، وحمل ابن رشد قول الإمام على المنع فيكون خلافا لابن القاسم، واختاره ابن عبد السلام، انظر الحطاب وحاشية الشيخ محمد بن الحسن، وفي الحطاب بعد جلب نقول: والحاصل أن من وجد من الماء ما يستعمله في

стр. 214

بعض أعضاء وضوئه وأمكنه أن يجمع ذلك ويستعمله في بقية الأعضاء تعين عليه ذلك ولا يجوز له التيمم ولا يغتر بقول ابن فرحون إنه لم ير في ذلك نصا انتهى المراد منه. ومن نسي مسح رأسه فمسحه ببلل ذراعيه لم يجزه لأنه لا يتعلق بذراعيه ما يمكنه به المسح، وقوله: وكره ماء أخرج به التراب فلا يكره التيمم عليه مرة بعد أخرى نص عليه في العتبية ابن رشد، والفرق بينه وبين الماء أن الماء لابد أن يتعلق به شيء من البدن والله أعلم. وقوله: وكره ماء مستعمل في حدث أي ويجوز استعماله في العادات من طبخ وعجن وشرب وتنقية بدن أو غيره من الوسخ ونحو ذلك مما لا يتوقف على الطهور وفي غيره تردد يعني أن الماء المستعمل في غير حدث وحكم خبث مما يتوقف على مطلق كغسل جمعة وعيد اختلف المتأخرون في نقل المذهب في حكمه هل هو مكروه كالمستعمل في حدث وهو لابن بشير وصاحب الإرشاد، أو لا كراهة فيه وهو لسند وابن شأس وابن الحاجب، وأما ماء غسل الذمية النقية الجسد من الحيض ليطأها زوجها أو مالكها فيكره استعماله في متوقف على الطهارة كما استظهره الحطاب بلا تردد، وأما ماء الغسلة الرابعة وماء وضوء الجنب للنوم ونحوهما مما لا يصلي به فلا يكره استعماله في متوقف على طهور قطعا كماء غسل به إناء طاهر، وأما ماء غسلة ثانية أو ثالثة ففيه الكراهة بلا تردد لأن صاحب الطراز هو المرجح للكراهة، وقد صرح بأن الظاهر كراهة ذلك لأنه من تمام غسل رفع الحدث انظر الحطاب ومحل التردد فيمن سلمت أعضاؤه من النجاسة والأوساخ؛ أما نجسها فماء حلته نجاسة، وأما وسخها فماء حلته أوساخ فإن كانت الأوساخ من أجزاء الأرض لم يضر التغير بها، وإلا ضر، ومحل التردد أيضا إذا وجد مطلق غيره وإلا تعين استعماله، وتحصل مما تقدم أن الأقسام ثلاثة: مكروه بلا تردد وهو المستعمل في حدث وفي حكمه غسلة ثانية أو ثالثة لأنها من تمام غسل رفع الحدث، وفي حكم ذلك أيضا غسل الذمية من الحيض لتوطأ، ومثل المستعمل في حدث المستعمل في حكم خبث. وما لا يكره من غير تردد وهو ماء غسلة رابعة فأكثر وما استعمل في عادي وماء وضوء الجنب للنوم ونحوه مما لا يصلى به، وما فيه التردد المذكور وهو ماء الغسل الذي لا يجب كغسل عيد وجمعة وهذا الذي ذكرته من أن وضوء الجنب للنوم ونحوه مما لا يصلي به خارج عن التردد ما استعمل فيه فلا يكره صرح به الشيخ عبد الباقي وغيره وفي كتاب الشيخ الأمير وأما

стр. 215

الأوضئة المستحبة فلا تكره على الأظهر من التردد في الأصل انتهى. وفي الشبراختي أن وضوء التجديد مما فيه التردد وخالف أصبغ فقال: من توضأ بالماء المستعمل أعاد أبدا، وسواء عنده توضأ به الأول محدثا أو مجددا، أو غسل به ثوبا طاهرا قاله الحطاب. ويسير كآنية وضوء أو غسل بنجس لم يغير يعني أن الماء اليسير إذا خالطته نجاسة ولم تغيره فإن المشهور من أربعة أقوال: أنه يكره مع وجود الغير فإن لم يجد غيره وجب استعماله وهذا مفهوم قوله: أو كثيرا خلط بنجس لم يغير، ولا يكره الاستعمال به أي بالكثير الذي خلط بنجس لم يغيره، وقيل إن اليسير الذي خلط بنجس لم يغير نجس واقتصر عليه في الرسالة وهي رواية المصريين عن مالك والأول هو الذي عليه العراقيون وهو المشهور في قول مالك، وقيل إنه ماء مشكوك فيه فيجمع بين الوضوء به والتيمم، وقيل طهور من غير كراهة. واعلم أن آنية الوضوء تؤثر فيها القطرة فتصير من المختلف فيه بين الكراهة والنجاسة لا ما دون القطرة، وآنية الغسل لا يؤثر فيها إلا ما فوق القطرة والظاهر الرجوع في قدر ذلك لأهل المعرفة؛ فالنجس بالنسبة لآنية الوضوء والغسل مختلف ولا إعادة على مستعمل هذا اليسير على المشهور الذي مشى عليه المص، وأما على مذهب ابن القاسم أنه نجس فيعيد في الوقت لا أبدا خلاف ما للشيخ عبد الباقي، ووجه ذلك مراعاة الخلاف، ومحل الكراهة التي عليها المص إنما هو فيما يتوقف على طهور لا في العادات، ومفهوم قوله: بنجس أن ما خالطه طاهر لم يغيره لا يكره وهو كذلك خلافا للقابسي ومحل الكراهة أيضا أن لا تكون له مادةٌ كبير وأن لا يكون جاريا، وأما الجاري فحكمه حكم الكثير كما للمازري وابن رشد. وقوله: ويسير كآنية وضوء الخ دليلنا على أن الماء طهور حديث أبي سعيد قيل يا رسول الله أتتوضأ من بُضاعة وهي بئر يلقى فيها الحِيَض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ [إن الماء طهور لا ينجسه شيء] (١) رواه أبو داود والترمذي وصححه. وقوله: أتتوضأ بمثناتين فوقيتين خطاب للنبي ﷺ قاله النووي وغلط من رواه بالنون في أوله، وبضاعة بضم الموحدة وكسرها والأول أشهر قيل إنه

стр. 216

اسم لصاحب البئر وقيل لموضعها، والحيض بكسر الحاء وفتح الياء الخرق التي يمسح بها الحيض والملقي لذلك السيول لأن البئر في محل منحدر، وقيل الريح وقيل المنافقون. وأما حديث [خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه] (١) فقال النووي: إنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به، [وقد] (٢) رواه ابن ماجه والبيهقي لكن أجمع العلماء على العمل بالاستثناء المذكور فيه، قال النووي: وإذا علم ضعف الحديث فيتعين الاحتجاج على ذلك بالإجماع كما قاله البيهقي وغيره، ووجه كراهة هذا الماء على المشهور مراعاة الخلاف، ولو اقتصر المص على آنية الوضوء لتوهم أن آنية الغسل من الكثير، ولو اقتصر على آنية الغسل لتوهم أن آنية الوضوء نجسة وهذا التحديد لمالك، ولو كان الماء كثيرا وخالطته نجاسة لم تغيره ثم فرق أو استعمل حتى صار قليلا فهو طهور اتفاقا فلا يكون مكروها، ولو كان الماء قليلا وخالطته نجاسة ولم تغيره ثم صب عليه مطلق حتى صار كثيرا انتفت كراهته، ولو كثر بمثله فيجري على ما تقدم في الماء المستعمل في حدث المخلوط بمثله، وقد صرح الشافعية بأنه يصير طهورا وهو يقوي اختيار ابن عبد السلام المتقدم. قوله: "كآنية وضوء" الشبراخيتي: لو قال كإناء وضوء الخ لأن الآنية جمع وما دون إناء الوضوء إذا خلط بنجس لم يغير كالإناء؛ أي طهور يكره مع وجود الغير ومقتضي ما لغير واحد أن قوله بنجس متعلق بخلط مقدر أو ولغ فيه كلب يعني أن الماء اليسير كآنية وضوء أو غسل إذا ولغ فيه كلب فإنه يكره استعماله في العادات والعبادات سواء كان مأذونا في اتخاذه أم لا. والولوغ هوأن يدخل لسانه في الماء ويحركه فإن أدخله بلا تحريك أو سقط من فيه لعاب في الماء أو كان الماء كثيرا لم يكره لقوله ﷺ [الحياض التي تردها السباع لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شرابا وطهورا] (٣) ووجه التفرقة بين اليسير والكثير وإن كان غسل الإناء تعبدا على المشهور أن اليسير قد يتغير من لزوجات فم الكلب فناسب أن يقال فيه ذلك

стр. 217

قوله في الحديث: تردها السباع السباع تشمل الكلب وغيره من الحيوان المفترس كما نصوا عليه في باب الذكاة قوله: "أو ولغ فيه كلب" محل الكراهة فيه مع وجود الغير كما نص عليه الشيخ إبراهيم ويفيده الإمام الحطاب وإلا فلا. وقوله أو ولغ فيه كلب من توضأ بسؤره وصلى فلا إعادة عليه في وقت ولا في غيره قاله غير واحد وهو ظاهر المدونة. أبو عمران من توضا به وهو عالم بأنه سؤر كلب فلا إعادة عليه، ولابن القاسم وغيره أنه يطرحه ويتيمم، وقاله ابن الماجشون. ولابن وهب أنه يعيد المتوضئ به في الوقت، وأورد ابن رشد سؤالا وهوأن المكروه ليس في فعله ثواب وقد صح الوضوء به والصحة تستلزم الثواب فكيف يجمع بينهما انتهى. ولم يجب بشيء ويمكن الجواب بأن الصحة لا تستلزم الثواب ألا ترى الوضوء بالماء المغصوب؟ فإنه صحيح مع أنه لا ثواب فيه قاله الشبراخيتي. وقوله: أو ولغ فيه كلب أي يكره، ولو تحققت طهارة فمه وراكد يغتسل فيه الفعل بدل اشتمال من راكد، وأصل الكلام: وكره راكد أن يغتسل فيه فحذف أن على حد قوله : ﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد﴾ في أحد الوجوه أن غير معمول لتأمروني، وأعيد بدل اشتمال منه أي تأمروني بعبادة غير الله؟ ومعني كلام المص أنه يكره للشخص أن يغتسل بماء راكد أي ساكن غير جار إن لم يستبحر ولا مادة له أو له وهو قليل ولم يضطر إليه فلا كراهة في اغتساله بمستبحر جدا، ولا في بئر كثيرة الماء بخلاف قليلته فمن الراكد، ولا كراهة إن اضطر لذلك بأن لا يجد عنه بدا من أخذ بطرف ثوب أو بفيه، ولا يكون مضافا إذا مجه مكانه، أو برأسه أو بلحيته أو عشب فيتعين حينئذ النزول فيه، وقوله: "وراكد يغتسل فيه" قيدت الكراهة بأن لا ينجسه فإن نجسه اغتساله فيه ولو ظنا وجب تركه ليلا يقذره على غيره، فإن كان ملكه لم يجب تركه، وما ذكره المص قول مالك وهو المشهور، والكراهة عنده تعبدية فهي حاصلة ولو غسل ما به من أذى لقوله ﷺ [لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب] (١) انتهى. والتقييد بالجنب معتبر خلافا لأصبغ قال سند ومذهبه خارج عن الجماعة ومردود من حيث السنة ومن حيث النظر انتهى. وحينئذ فلا يكره لغسل جمعة أو عيد.

стр. 218

وقوله: "وراكد يغتسل فيه". ابن القاسم: وأنا لا أرى فيه بأسا إن كان غسل ما به من الأذى وإن كان الماء كثيرا أي غير مستبحر، ولا يقذره نزوله فلا أري به بأسا غسل ما به من الأذى أم لا. ابن رشد: حمل النهي على أنه لإنجاس الماء وإذا ارتفعت العلة ارتفع المعلول، وعبارة الأمير: واغتسال براكد غير مستبحر ولا ذي مادة كثرت وإن لم تكن به أوساخ عند الإمام تعبدا، وحرم عند ابن القاسم إن كان يسيرا وبالجسد أوساخ وإلا جاز بلا كراهة فإن ظن التغير منع عندهما. ابن رشد يمنع من نصب مرحاض على ضفة ماء جار وإن كثر؛ أي حيث ظن إمكان التغير لا إن كثر ولم يظن فيجوز كما لابن ناجي من جواز قضاء الحاجة في الماء الجاري أو الكثير دون غيره ولا يقرر المص بأنه يكره للشخص أن يغتسل في راكد قد اغتسل فيه قبل ذلك لأن ذلك يفهم حكمه من المستعمل في حدث، وقد تقدم تقييده بالقلة والبرك المعدة للوضوء في المياضي من هذا القبيل إن تغير أحد أوصاف الماء لم يصح الوضوء منها، وإن لم يتغير أي لم يظهر تغيره كره لاختلاف الأيدي والأرجل، والغالب أن فيها النجاسة إن لم يتحقق أو يظن غسل نجاسة بها وإلا لم يجز الوضوء منها وهذا فيما تطول إقامة الماء فيه، وأما ما يفرغ بسرعة ويتجدد له ماء ويبقى ويصب عليه ماء آخر جديد يغلب على الظن زوال تغيره فأمره خفيف، ابن مرزوق: ويفهم من كلام المص أن الكراهة خاصة بالغسل فيه دون الوضوء، وأن التناول منه للطهر خارجه لا كراهية فيه وسؤر شارب خمر يعني أنه يكره استعمال بقية شرب شارب الخمر والمراد به مكثر الشرب وهذا إذا لم تحقق طهارة فمه بأن شك فيها وإلا فلا يكره، كما أنه لا يكره إذا لم يجد غيره فإن تحققت نجاسة فما كان من أفراد قوله: وإن ريئت على فيه الخ، والظاهر أن غلبة الظن كالتحقق قاله الشبراخيتي، وإن لم يكن مكثرا للشرب فلا كراهة والنبيذ كالخمر قاله الشيخ الأمير وما أدخل يده فيه يعني أنه يكره استعمال ما أدخل شارب الخمر يده فيه، ومثل اليد غيرها من أعضائه، وكذا بائع الخمر، ومن يتعاطى النجاسات بيعا أو غيره، وهذا ما لم تحقق طهارة اليد وإلا فلا كراهة بخلاف الماء الذي ولغ فيه كلب فيكره استعماله ولو تحققت سلامة فيه من النجاسة كما مر وما لا يتوقي نجسا يعني أنه يكره استعمال بقية شرب ما لا يتوقي

стр. 219

نجسا من الحيوان كالطير والسباع، واكتفى المص بذكر شارب الخمر عن النصراني مع ذكره في المدونة وغيرها لأنه من شربة الخمر. من ماء بيان لسؤر شارب الخمر ولما أدخل يده فيه ولسؤر ما لا يتوقي نجسا؛ يعني أن محل الكراهة في الأمور الثلاثة إنما هو حيث كانت من ماء وسيأتي محترز ذلك، ومحل الكراهة فيها أيضا إن وجد غيره وكان يسيرا، فإن لم يجد غيره استعمله، وكذا لو كان كثيرا فلا كراهة، ولم يكتف المص بقوله: ما لا يتوقي نجسا عن قوله: شارب خمر لأنه لما أتى بما وهي لما لا يعقل غالبا لم يصدق على شارب الخمر باعتبار الغالب فيها لا إن عسر الاحتراز منه يعني أن الحيوان الذي لا يتوقى النجاسة إذا عسر الاحتراز منه كالهر والفارة فإنه لا يكره استعمال سؤره من الماء لمشقة الاحتراز منه، وورد عنه ﷺ أنه قال في الهرة [إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات] (١) هكذا رواه مالك في الموطإ قال صاحب مطالع الأنوار: يحتمل أو أن تكون للشك أو للتقسيم، والطوافون الخدم والمماليك وقيل هم الذين يخدمون برفق وعناية، ومعنى الحديث إنما هي من الطوافين من الخدم والصغار الذين سقط في حقهم الحجاب والاستيذان في غير الأوقات الثلاثة التي ذكر الله وإنما سقط في حقهم دون غيرهم للضرورة وكثرة مداخلتهم بخلاف الأحرار البالغين فلذا يعفى عن الهرة للحاجة أشار إلى نحو هذا أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي. وقوله: لا إن عسر الاحتراز منه محله حيث لم تر على فيه نجاسة وإلا فلا فرق بين ما يعسر الاحتراز منه وغيره، وهو قوله: وإن ريئت علي فيه إلى آخره فمحل التفصيل حيث لم تر على فيه نجاسة، فإن كان مما لا يعسر الاحتراز منه ولم تر علي فيه فالتفصيل بين الماء والطعام هو المشهور، وقيل يطرح الماء والطعام، وقيل لا يطرح واحد منهما أو كان طعاما يعني أن سؤر الشرِّيب وما لا يتوقي نجسا مطلقا عسر الاحتراز منه أم لا، وما أدخل شارب الخمر فيه يده كل ذلك لا يكره استعماله إذا كان طعاما، ولا يراق لإضاعة المال فهو لا يطرح بالشك في نجاسته، وسيأتي حكم ما إذا تحققت النجاسة في قوله: وإن ريئت على

стр. 220

فيه الخ، وفي الرسالة. ويكره غسل اليدين بالطعام وبشيء من القطاني وكذا بالنخالة، وكذا امتهانه بإلقائه بغير قذر لا به فيحرم كما يحرم امتهانه الشديد وفي الأمير أنه يحرم طرح الطعام في قذر وامتهانه الشديد، ويكره غيره كغسل يد لا دواء قدم كحرق تميمة بخورا خصوصا إن تعين قرر شيخنا مثل الطعام غير المطلق كماء الورد، وقد يقال لا شرف له والمطلق أقوى إلا أن يراعى شدة إتلاف المال، وقال عبد الباقي عند قول المص في الحج؛ ثم كبر ويكره تقبيل المصحف والخبز، والجزء والمعتمد أن امتهان الخبز مكروه أي حتى بوضع الرجل عليه أو وضعه عليها انتهى. وما ذكره المصنف من التفرقة بين الماء والطعام هو المشهور وهو مذهب المدونة قال فيها: والإوز والدجاج المخلاة والسباع التي تصل إلى النتن إن شربت من طعام أو لبن أو غيره أكل إلا أن يكون في أفواهها وقت شربها أذى فلا يؤكل، وقيل يحمل على النجاسة فيراقان نظرا إلى الغالب، وقيل يحمل على الطهارة فيهما نظرا إلى الأصل واختاره ابن رشد، ووجه المشهور أن الماء يجوز أن يراق اختيارا بخلاف الطعام، وأما قولهم والسرف منه غلو وبدعة، فلأنه إسراف في العبادة قال النووي: أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه، وقال بعض أصحابنا: حرام انتهى. وإذا أخرج الكافر الدرهم من فيه ودفعه لمسلم فلا يصلي به حتى يغسله كان البرزلي يفتي بذلك، وتقدم أنه يحرم امتهان الطعام لكن يباح حرق الطعام ليعمل ربا إلا لمجاعة، ومثله حرق البطائق التي فيها اسم الله، ويكره امتشاط المرأة بالفضوخ من التمر والزبيب كمشمس يعني أن الماء المشمس؛ أي المسخن بالشمس سواء كان بوضع واضع فيها أم لا لا يكره استعماله على هذا حمله أكثر الشراح، فهو مشبه بالمخرج من الكراهة هكذا قال ابن الحاجب وقبله ابن عبد السلام والمص في التوضيح، ولكن المعتمد أنه مكروه كراهة تنزيه، وقيل كراهة تحريم، وعلى أنه مكروه فهي كراهة شرعية يثاب التارك لها امتثالا، وقال ابن فرحون: الظاهر أنها كراهة إرشاد من جهة الطب وليست كراهة شرعية، والفرق بينهما أن الكراهية الشرعية يثاب تاركها انتهى. الحطاب في هذا الكلام نظر لأنه حيث نهى الشرع عن شيء أثيب على تركه كمن ترك أكل السم امتثالا.

стр. 221

واعلم أن القرب كلها تعظيم وتوقير، وليس عين المشاق تعظيما ولا توقيرا، وإنما طلب من العباد تحصيل المصالح فإن لم تحصل إلا بمشقة عظم الأجر؛ فلذا كان ثواب أشق الفعلين المتحدين في الأركان والشرائط والسنن وغيرها أعظم كالوضوء في شدة البرد بالنسبة إلى الوضوء في الصيف وفي الحديث [إسباغ الوضوء على المكاره] (١)، وكالصوم في البلاد الحارة، أو شدة القيظ بالنسبة إلى ذلك في البرد وإن أمكن حصول المصالح بدون مشقة، وأراد أحد فعل الأشق طلبا لمزيد الثواب كالوضوء والغسل بالبارد مع وجود المسخن، وسلوك الطريق الأبعد إلى الجامع والحج دون الأقرب مع إمكان سلوك الأقرب قصدا لما ذكر كان غالطا لأن المشقة من حيث هي ليست بقربة بل منهي عنها لقوله ﷺ [إن لنفسك عليك حقا] (٢). قال بعض العلماء وربما كان في فعله العقاب على قدر المفسدة، وقد تقدم عن ابن فرحون أنه لا ثواب في إرشاد طبي ومثله لابن حجر، وفي السبكي فاعل الإرشاد لمجرد غرضه لا يثاب ولمجرد الامتثال يثاب ولهما يثاب ثوابا أنقص من ثواب فعله لمجرد الامتثال انتهى. ويجري مثله في المكروه، وقد تقدم أن المعتمد في المشمس الكراهة، ويشترط في كراهته أن يستعمله في بدن طهارة أو غيرها كأكل لحم طبخ به أو شرب، وسواء في ذلك من عَمَّهُ البرص وغيره، وسواء كان استعماله لحي أو ميت وإن أمن منه على غاسله، أو إرخاء بدنه، أو إسراع فساده؛ إذ في استعمال ذلك إهانة وهو محترم كما في حياته ووجه الكراهة ما رواه مالك عن عائشة ﵂ [أنه ﷺ دخل عليها وقد سخنت له ماء في الشمس فقال لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص، ونحوه عن عمر] (٣)، ويشترط في الكراهة أيضا أن يكون تشميسة بقطر حار كالحجاز في إناء منطبع وهو ما يمتد تحت المطرقة كحديد أو نحاس أو رصاص ولو بالقوة كبركة في جبل حديد وهذا في غير إناء النقد، وأما هو فلا كراهة لصفاء الذهب والفضة، ويشترط في الكراهة أيضا أن لا يكون الإناء المذكور مغشًّى بما يمنعه من انفصال الزهومة، ولا تزول بتسخينه بعد الشمس بخلاف تبريده أو تسخينه ابتداء

стр. 222

بالنار لعدم انفصال زهومة فيهما، وبخلاف تشميسه بقطر بارد أو معتدل فلا كراهة، وبخلاف تشميسه بإناء مغشى بما يمنعه من انفصال الزهومة كالقزدير قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الحطاب عن ابن فرحون: وهل تزول بتبريده أو يرجع في ذلك للأطباء؟ إن قلنا إن العلة تحلل الأجزاء من الإناء فلا تزول الكراهة بتبريده، قلت: وعند الشافعية في ذلك خلاف ومحل الكراهة بالشروط المتقدمة إن لم يضر بقول عارف أو تجربة من نفسه وإلا حرم كما للأجهوري عن الشافعية لقول الحطاب: ينبغي التعويل على ما لهم في المشمس. وفهم من قول المص: "كمشمس" أن المسخن لا كراهة فيه وهو كذلك، وقيده بعضهم بأن لا يكون شديد التسخين وإلا كره شديد البرودة لمنافاته الخشوع أو منع الإسباغ، ووقع لمالك تفضيل البارد على المسخن، فقيل: لتنشيط الأعضاء، وقيل لتعظيم الأجر في الصبر عليه، والتسخين من باب التنعم. قال ابن الإمام بعد ذكر الوجه الثاني عن ابن رشد: مقتضاه تفضيل البارد مع وجود المسخن ولا يصح لأن الله تعالى لم يطلب من عبيدة المشاق، ولأن القرب كلها توقير وتعظيم، وليس عين المشاق تعظيما ولا توقيرا إلى آخر ما مر. واعلم أن الحديث المذكور أعني لا تفعلي يا حميرا الخ ضعيف باتفاق المحدثين، ومنهم من يجعله موضوعا، وكذلك ما روي عن عمر أنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، وقال إنه يورث البرص فهو ضعيف أيضا باتفاق المحدثين. ومذهب الشافعي في المشمس الكراهة خلافا لأبي حنيفة، وقد علمت مذهب مالك والمشمس في البرك والأنهار متفق على عدم كراهته لعدم إمكان الصيانة، ولعدم تأثير الشمس. واعلم أن دخول الرجل للحمام على ثلاثة أقسام: الأول إذا كان خاليا أو مع زوجته أو جاريته فهو جائز بلا كراهة، الثاني إذا كان غير مستتر أو مع من لا يستتر فلا يحل ولا يجوز، ومن فعله كان جرحة في دينه وقدحا في شهادته، وفي الجواهر لا خلاف في تحريم دخوله مع من لا يستتر بل قال ابن القاسم: الظاهر أن من لم يجد سوى مائة ولا يتمكن منه إلا بدخوله على ما ذكر كالعادم للماء إلا أن يدخله غاضا بصره لإخراجه لا لمقامه فيه إذ لا يكاد يسلم من ذلك انتهى. فعلى قوله إذا تعذر إخراجه صار عادما للماء والله تعالى أعلم. الثالث إذا كان مستورا ومع مستورين قال ابن القاسم لا بأس به وتركه أحسن، ووجه الكراهة حينئذ مخافة أن يطلع على

стр. 223

عورة أحد من غير قصد إذ لا يكاد يسلم من ذلك من دخل مع الناس. ابن رشد وأما كراهة الاغتسال بمائه فلأنه يسخن بالأقذار والنجاسات ولاختلاف الأيدي فربما يتناوله من لا يتحفظ في دينه، وأما دخول النساء فالذي يوجبه النظر أنهن بمنزلة الرجال، قال الشيخ الحطاب بعد كلام: وحاصله أن كراهته لهن تغير علة إذا كن مستترات أشد من كراهته للرجال لأنه جزم بها في حقهن، وأما في الرجال فقال: وتركه أحسن، ومن منع زوجته من الحمام فهو صواب، ويلزمها ذلك وإذا اضطرت إليه وكان ما يؤدي في إخلائه لا يجحف به، ولم تكن ترى في خروجها ما لا يجوز جاز ولزمه، ويمنع دخول الرجل الحمام بزوجتيه معا لا بإحداهما كما تقدم، ولا يجوز دخوله الحمام بجواريه أيضا بخلافه بإحداهن كما مر، ويكره الماء المسخن بالنجاسة وإن لم يتغير، وذكر البرزلي أن الغسل بالماء البارد في زمن الدفء أفضل من الحمام لأن مالكا كرهه، وأما زمان البرد فدخول الحمام أفضل خشية أن يضره الماء البارد انتهى. وهذا في غير الوجه الممنوع والله أعلم قاله الحطاب. وإن ريئت على فيه وقت استعماله عمل عليها يعني أن شارب الخمر والحيوان الذي لا يتوقي نجسا إذا ريئت النجاسة على فمه وقت استعماله للماء أو للطعام أو قبل استعماله ولم يغب غيبة يمكن زوالها فيها فإنه يعمل عليها؛ أي على مقتضاها، فإن غيرت الماء ضرت باتفاق وإن لم تغيره كره استعماله مع وجود غيره إن كان يسيرا، وإن كان كثيرا فوق آنية غسل لم يكره، وإن كان المستعمل طعاما فيفرق بين مائعه وجامده كما يأتي. واعلم أن ريئت في قوله بمعنى علمت فيشمل ما إذا تحققت بفيه وإن لم تر قوله: "وإن ريئت" يرجع لشارب الخمر وما بعده وحينئذ فمثل الفم غيره من يد ونحوها من الأعضاء؛ أي وإن علمت النجاسة على فيه أو على عضو من أعضائه أدخله في الماء أو الطعام فإنه يعمل عليها، وخص الفم لأنه الغالب. وقوله: وإن ريئت على فيه الخ هو تقييد لمسألة سؤر شارب الخمر وما بعده ذكره تتميما للمسألة، وإن كان يعلم مما مر ومما يأتي والله سبحانه أعلم. وقوله: "ريئت" مبني للمجهول من راء مقلوب رأي بجعل اللام مكان العين، والمبني من رأي يقال فيه رئي،

стр. 224

ومفعول ريئت الأول نائب الفاعل وهو الضمير المستتر العائد على النجاسة، ومفعولها الثاني قوله: "على فيه". وإذا مات بري ذو نفس سائلة براكد ولم يتغير ندب نزح بقدرهما يعني أن الحيوان البري الذي له نفس سائلة؛ أي دم سائل إذا مات في الماء الراكد أي الساكن؛ أي غير الجاري ولم يتغير فإنه يستحب أن ينزح منه لنزول الرطوبات التي تعافها النفس؛ أي التي تخرج من انفتاح فيه طلبا للنجاة، وتنفض آلة النزح ليلا تعود الدهنية للماء، ويكون النزع بقدرهما أي الحيوان والراكد؛ أي ينزح حتى يظن أن ما يخرج من الحيوان مما تعافه النفس قد زال كما يقيده الرجراجي قاله الشيخ عبد الباقي. قال وهو أحسن من قول غير واحد من الشراح، وإن كان ظاهر المص فيكثر النزح مع قلة الماء وكبر الدابة، ويقل في العكس، ويتوسط في عظمهما وصغرها وقلة الماء انتهى. إذ ليس فيه تحديد القلة والكثرة والتوسط وكلما كثر النزح كان أحب إليهم انتهى. وقوله: "براكد" أي غير مستبحر، وما ظهر من كلام المص أنه لا فرق في هذا الحكم بين الراكد ذي المادة وغيره هو الجاري على قول ابن وهب واختاره الشيوخ، وظاهر قول ابن القاسم في المدونة أن النزح إنما هو في ذي المادة، وأما ما لا مادة له فيترك بالكلية، وفي القلشاني ما نصه: سمعت من شيخنا أبي مهدي أن الفتوى جرت بتونس منذ زمن القاضي ابن عبد البر إلى الآن بقول ابن وهب اهـ. ويكره استعمال هذا الراكد الذي ذكره المص قبل النزح مع وجود غيره فيعيد المصلي به حينئذ في الوقت، وكذا يكره المنزوح نفسه، وما تقدم من الإمارة في الوقت نحوه في الحطاب وابن مرزوق، ونقل عن الأكثر واستشكل بأن اليسير من الماء إذا حلت فيه نجاسة ولم يتغير المشهور أنه لا إعادة في الوقت على من صلى به مع أن فيه قولا لابن القاسم مشهورا بنجاسته فأحرى ما هنا. وفي كتاب الأمير: وإن مات آدمي أو نجِسُ الميتة براكد ولم يتغير ندب النزح حتى تطيب النفس، وهو معنى قول الأصل: بقدرهما وإلا ينزح كره، وندبت الإعادة ولا تسقط بصلاة من ظن عدمها لأنه لم ينو بها الجبر وهذه قاعدة، وعبارة عبد الباقي فيعيد من صلى في الوقت كما في النقل، واحترز المص بقوله: وإذا مات مما لو وقع الحيوان في الماء حيا وأخرج حيا فإنه لا يضر إلا أن يكون بجسده نجاسة، والماء قليل فيكون ماء يسيرا حلته نجاسة، واحترز ببري من

стр. 225

الحيوان البحري فانه إذا مات في الماء ولم يغيره لم يندب النزح، واحترز بقوله: ذو نفس سائلة من الحيوان الذي لا نفس له سائلة فإنه إذا مات في الماء ولم يتغير لم يندب النزح، واحترز بقوله: براكد من الجاري فإنه لا يستحب فيه النزح، وقد تقدم أن ظاهر المص سواء كانت له مادة كالبئر أولا مادة له كالصهريج والبرك، واحترز بقوله: "ولم يتغير" عما إذا تغير فإنه يجب النزح وسواء في ذلك المستبحر وغيره، وسواء كان الحيوان بحريا أو برياله دم جار أوليس له إلا أن ما تغير بميتة الحيوان البري الذي له نفس سائلة نجس، وغيره طاهر على خلاف فيما تغير بالبري الذي لا نفس له سائلة، وإذا وجب النزح فماله مادة ينزح حتى يزول تغيره، وما ليست له مادة ينزح جميعه. قال ابن أبي زمنين بفتح الزاي والميم وكسر النون ثم ياء ساكنة: ويغسل الماجل فإن زال التغير بنزح بعضه ففي طهورية الباقي القولان اللذان يذكرهما المص في قوله: وإن زال تغير النجس الخ، قوله ندب نزح بقدرهما، أي ويكفي النزح قبل إخراج الميتة كما أفتي به أبو حفص العطار في قوم استقوا من بئر لعجينهم، ثم استقي شخص آخر وعجن ثم طلع له فار ميت لأن الذين قبله نزحوه وطيبوه، ثم إن من قبله إن أثار لهم طلوعه للآخر شكا لم يطرحوا ما عجنوا لأن الطعام لا يطرح بالشك ولم يتنجس الماء الباقي عندهم وإن أثار لهم ظنا قويا طرحوا ما عجنوا وكان الباقي عندهم بمنزلة محقق النجاسة وقوله ندب نزح بقدرهما يعني أن النزح مع القيود المذكورة مستحب وهذا هو المشهور وقيل يجب فيما لا مادة له وقيل يجب في القليل دون الكثير. لا إن وقع ميتا يعني أن الحيوان البري الذي له نفس سائلة إذا وقع في الماء الراكد بعد أن مات ولم يتغير فإنه لا يندب نزحه قال الشيخ محمد بن الحسن: اعلم أن ابن مرزوق قال بعد نقول ما نصه: فظهر لك أن ظاهر نصوص الأقدمين أن لا فرق بين موت الدابة في الماء ووقوعها فيه ميتة فكان الأولى بالمص ومن سلك طريقه أن يفتي بهذا فانظره انتهى. وقد تقدم أنه لو وقع في الماء حيا وأخرج حيا لا يستحب النزح، فإذا علمت بجسده نجاسة فالأمر ظاهر، أي يكره استعماله إن كان يسيرا كما مر، وإن لم تعلم به نجاسة وقد غلبت مخالطته للنجاسة فإنه يحمل على الطهارة عند ابن رشد فإنه أنكر قول سعيد بن نمير في قصرية شراب وقعت فيه فارة فأخرجت منه حية

стр. 226

أنه يراق، وقال: هو بعيد وشذوذ لا وجه له، ومثله في سماع أشهب، ومال ابن الإمام إلى ظاهر الرواية قال الإمام الحطاب: ما قاله ابن رشد أظهر في الطعام فلا يراق بالشك، وأما في الماء فالظاهر ما قاله ابن الإمام فيكره استعماله مع وجود غيره إذا كان قليلا انتهى. وعبارة الأمير: وجسد غالب النجاسة عليها ولو في الطعام خلافا للحطاب لأن هذا ظن لا شك على أن نحو دبر الفار نجس قطعا، وقد تقدم أن فيما لا يتوقي نجسا ثلاثة أقوال: الحمل على الطهارة مطلقا، والحمل على النجاسة مطلقا، والتفصيل بين الطعام والماء وهو المشهور كما أشار إليه المصنف بقوله: أو كان طعاما فإن شك هل مات به أو وقع ميتا ولم يتغير فينبغي ندب النزح لدوران الأمر بين مندوب وعدمه من غير كراهة بخلاف ما إذا دار بين مطلوب ومكروه كشكه في غسلة ثالثة ففي كراهتها قولان كما يأتي للمص. وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق فاستحسن الطهورية يعني أن الماء إذا تغير بالنجاسة ثم زال تغيره فلا يخلو ذلك إما أن يكون من أجل مطلق كثير خالطه أم لا، فالأول طهور باتفاق وذلك كالبئر ينزح بعضها حتى يزول التغير، وكالصهريج يترك حتى يزول تغيره بماء مطر مثلا، والثاني إما أن يكون بإلقاء شيء فيه غير الماء المطلق، أو من نفسه بلا شيء، ومنه نزح بعضه في الماء الذي لا مادة له فزال التغير بذلك، فالأول لم يذكره المص وسيأتي حكمه، والثاني هو الذي تكلم عليه المص فذكر أن فيه قولين: قول بالطهورية وهو رواية ابن وهب وابن أبي أويس وصححه ابن رشد وارتضاه سند والطرطوشي وقال المواق هو الذي ينبغي الفتوى به وهو الراجح كما يشعر بذلك تقديم المص له، والقول بالنجاسة الذي أشار إليه المص بقوله وعدمها أرجح لابن القاسم، فقول عبد الباقي إن الثاني هو المعتمد غير ظاهر قاله الشيخ محمد بن الحسن لكن شهر ابن الفاكهاني القول بالنجاسة كما في الحطاب وهو الذي اعتمده هذا الشارح، وغيره وقواه الأمير غاية وضعف القول بالطهورية، وفي كلام المص أمور أحدها أن قوله لا بكثرة مطلق مثله على المعتمد ما إذا زال تغيره بقليل مطلق فلو قال: لا بصب مطلق كان ظاهرا، ثانيها قوله: "وعدمها" فإن الضمير عائد على الطهارة لا على الطهورية إذ هذا القول صاحبه قائل بالنجاسة لا بأن الماء طاهر غير طهور فالضمير عائد على غير مذكور، ثالثها قوله: "أرجح" لأنه ليس لابن يونس هنا

стр. 227

ترجيح فإنه إنما تكلم على أن النجاسة إذا زالت عينها بالماء المضاف هل يزول حكمها أم لا؟ ورجح عدم زواله فإن حَمَل المص كلام ابن يونس على ما نحن فيه فهو وهم، وإن أراد أن يقيس فهو بعيد، رابعها إطلاقه في قوله النجس مع أنه مقيد بالكثير، وأما القليل فباق على نجاسته اتفاقا قاله الشيخ عبد الباقي. ومفهوم قوله: "النجس" أنه لو زال تغير الطاهر بنفسه أو بطاهر فطهور إما قطعا وإما على الراجح، فإن زال تغير النجس بطين فهو طهور قطعا إن زال أثر الطين وإلا لم يطهر بل هو باق على نجاسته إن احتمل زوال تغير النجس وبقاؤه، وأنه خفي في أثر الطين وإن تحقق زوال النجس أو ظن كما إذا كان تغيره بتغير رائحته ثم زال تغير الرائحة زوالا محققا فهو طهور قطعا، قوله: "تغير النجس" الإضافة فيه بمعنى اللام، ولما قدم المص أن الشك في مغير الماء هل يضر أو لا يضر لا يؤثر نبه على أن محل ذلك حيث لم يستند الشاك إلى خبر مخبر فقال: وقبل خبر الواحد إن بين وجهها يعني أن الماء المطلق تثبت نجاسته بخبر الواحد حيث بين الوجه الذي تنجس به الماء كما إذا أخبر بأنه تنجس من البول أو الدم سواء اتفق مذهب السائل والمخبر أو اختلف. قوله: "وقبل خبر الواحد" بشرط أن يكون عدل الرواية وهو مسلم عاقل بالغ غير فاسق ولو عبدا أو أنثى أو متساهلا في غير الحديث، أو مبتدعا إن لم يكن داعيا ولم يروما يقويها وحَرَّم الكذب لا عدل شهادة فلا يشترط هنا حرية وعدم تساهل في غير حديث وعدم بدعة. وقوله: "الواحد" أي من ولد آدم ذكرا أو أنثى كما مر، والظاهر أن الجن كذلك، ومثل الواحد الاثنان والثلاثة فلابد من التقييد بقوله إن بين وجها الخ قاله الناصر اللقاني. أو اتفقا مذهبا يعني وكذلك تثبت نجاسة الماء المطلق بخبر الواحد المذكور إن اتفق مع السائل مذهبا ولم يبين الوجه الذي تنجس منه الماء حيث كان المخبر عالما بما ينجس الماء وما لا ينجسه وكأن الناصر أراد الثلاثة فما فوق مع إرادة القيد لا أن الأربعة مثلا يقبلون بلا قيد؛ إذ قد يكونون شافعيين، قوله وقيل خبر الواحد في النجاسة كما مر، وكذا إذا أخبر بأنه طاهر غير طهور وإلا فقال يستحسن تركه يعني أنه إذا انتفى القيدان بأن لم يبين المخبر للسائل وجها ولم يتفق معه مذهبا فإن الإمام المازري قال: يستحسن أي يستحب ترك الماء المخبر بنجاسته مع وجود الغير

стр. 228

لأنه بخبره صار مشتبها وورود الماء على النجاسة كعكسه يعني أن الماء المطلق يطهر المتنجس سواء ورد الماء على المتنجس بأن يوضع الثوب مثلا في شيء ويصب عليه الماء المطلق، أو يجعل الماء في إناء مثلا ويورد عليه الثوب المتنجس بأن يوضع فيه، وينفصل الماء في كلتا المسألتين طهورا أو طاهرا كما يفيده ما يأتي. ونص على هذا الخلاف الشافعي القائل: إن ورد الماء على النجاسة طهرها، وإن وردت عليه وهو دون قلتين فإنه يتنجس بمجرد ملاقاتها وإن لم يتغير لا أكثر من قلتين فلا يتنجس بمجرد الملاقاة، والقلتان بالبغدادي خمسمائة رطل، وبالمصري أربعمائة رطل، وتزيد عند النووي ستة وأربعين رطلا وثلاثة أسباع رطل، وعند الرافعي إحدى وخمسين رطلا وثلث رطل وثلثا أوقية. وعبارة الأمير: وورود النجاسة على الماء كعكسه، ثم قال: شبهت المختلف فيه بالمتفق عليه وعكس الأصل مبالغة أو قصد مجرد التسوية، وأما قولهم الكاف عند الفقهاء تدخل على المشبه فذاك بعد تمام الحكم فليتأمل انتهى.

стр. 229

فصل: هو مصدر فصلت بين الشيئين إذا فرقت بينهما، ويقال في اللغة للحاجز بين الشيئين، وهو في الاصطلاح اسم الطائفة من مسائل الفن مندرجة غالبا تحت باب أو كتاب، ووجه مناسبة هذا الفصل لما قبله أنه تقدم أن الماء الذي تغير بطاهر طاهر، والماء الذي تغير بنجس نجس فاحتاج إلى بيان الأعيان الطاهرة من الأعيان النجسة، وبدأ بالكلام على الطاهر لأنه الأصل فقال الطاهر ميت ما لا دم له يعني أن الطاهر أنواع منها ميت الحيوان البري الذي لا دم له، والميت ما سلبت منه الحياة بغير ذكاة شرعية. قوله: "الطاهر" أي بالنسبة للصلاة، وأما بالنسبة للأكل فلا يؤكل إلا بذكاة كما يأتي. وقوله: "ما لا دم له" أي ذاتي فما لا دم له أصلا أو له دم منقول ميتتهما طاهرة كعقرب وخنافس وبنات وردان وكبرغوث وبق، قال الشيخ عبد الباقي: فإن وقع في طعام كعسل ومات به أخرج لعدم نية ذكاته وأكل الطعام وحده، وهذا إن تميز عنه كان قدره أو أقل أو أكثر، فإن لم يتميز أكل إن كان الطعام أكثر منه، فإن كان هو أكثر من الطعام لم يؤكلا كإن تساويا عند ابن يونس وهو المعتمد انتهى. وقال صاحب التلقين ما لا نفس له سائلة حكمه حكم دواب البحر لا ينجس في نفسه ولا ينجس ما مات فيه فيؤكل في الصور الست التي أشير إليها وهي: تميزه عن الطعام وعدمه وفي كل تساويا أو غلب الطعام أو ميت ما لا دم له وقد علمت أن الأول هو المعتمد. وقال الرماصي: إن ما قاله عبد الوهاب مبني على مذهبه أن ما لا نفس له سائلة لا يفتقر إلى ذكاة، وقال الشيخ محمد بن الحسن: التفصيل المذكور لا يجري في سوس الفواكه ودود الطعام لقول ابن الحاجب: ودود الطعام لا يحرم أكله مع الطعام، وسلمه في التوضيح وقال في البديع: قد أجمعوا على أكل الخل بدوده الذي مات فيه وعلى أكل الفول بسوسه، وتعقب ابن عرفة كلام ابن الحاجب بأنه لا يعرفه إلا لأبي عمر، ويرد تعقبه بكلام صاحب البديع لأنه إذا لم يصح الإجماع فلا أقل من أن يكون مشهورا، وأيضا ما لابن الحاجب هو الذي اعتمده شراحه التوضيح وغيره والبرزلي ونقل نحوه عن اللخمي، وتقدم حكم ما إذا مات في الطعام، وأما إن لم يمت به فيؤكل معه في الأقسام الستة إن نوى ذكاته، وإلا فلا فإن شك في قدره حال موته فالظاهر بل المتعين أكله لقاعدة أن الطعام لا يطرح بالشك، ومما لا دم له: الجدجد والزنبور والخنافيس وبنات وردان والجراد والنحل والدود والسوس، وما ذكره المص

стр. 230

من طهارة ميت ما لا دم له قال ابن رشد بلا خلاف، وقيل: المشهور الطهارة، ونقل سند عن سحنون أنها نجسة لكنها لا تنجس غيرها، وسمع ابن نافع وأشهب: لا بأس بأكل ما مات به خشاش وبينه إن باعه والخشاش مثلثة صغار دواب الأرض وشمله كلام المص، والزنبور الدَّبر أو أمير النحل جمعه زنابير والجدجد الصرار جمعه جداجد وهو كهدهد سمي بصوته، يقال: صر وصرصر إذا صاح، ويقال: صرار الليل وهو قفاز يشبه الجراد ويقال: أرض مزبرة ومعقرة ومثعلة أي كثيرة الزنابير وكثيرة العقارب وكثيرة الثعالب، وفي الشبراخيتي عند قوله: "ما لا دم له" أنه لا يوكل إلا بذكاة لقوله: وافتقر نحو الجراد لها إلا دود وسوس الفول والطعام وفراخ النحل فإنها تؤكل من غير ذكاة كما نص عليه ابن الحاجب وقبله ابن عبد السلام وابن هارون واختاره البرزلي وأقره في التوضيح وجرى عليه اللخمي وأبو عمر وهذا كله موجب ترجيحه خلافا لابن عرفة، وحديث [أنه أتِيَ بتمر فجعل يفتشه] (١) محمول على أنه يعافه كالضب، وإذا وقع الخشاش في طعام فإن تميز أكل الطعام دونه، وإن لم يتميز فإن قل وكثر الطعام أكل كاختلاط قملة بكثير، فإن تساويا لم يؤكل على المعتمد انتهى. كما لو كثر عن الطعام وفي كتاب الشيخ الأمير المتولد من الطعام يؤكل مطلقا، وغيره إن كان حيا وجب نية ذكاته وإلا فإن تميز أخرج ولو واحدة وإلا أكل إن غلب الطعام لا إن قل أو ساوي على الراجح فإن شك هل غلب الطعام أو لا فلا يطرح للشك، وليس كضفدعة ميتة شك أبحرية أم برية فلا تؤكل لعدم الجزم بإباحتها أصالة، ويبين في البيع، وإذا وقعت في الطعام قملة يؤكل لقلتها وكثرته نص عليه ابن يونس ولعله مبني على مذهب سحنون أنها لا نفس لها سائلة، والبرغوث لا نفس له سائلة فلا ينجس بالموت إلا أن يجتلب دما ففيه قولان، وعلى هذا يجري قتله في المسجد. وقال سحنون في برغوث وقع في ثريد: لا بأس به أن يؤكل.

стр. 231

والبحري عطف على ما فهو مجرور يعني أن ميت البحر طاهر لخبر [هو الطهور ماؤه الحل ميتته] (١)، وسواء مات حتف أنفه أو وجد طافيا أو أخرج حيا وألقي في النار أو دس في طين صاده مسلم أو مجوسي أو كتابي، وإذا وجد البحري في بطن طير ميت غسل، والبحري نسبة إلى البحر، والبحر لغة الاتساع ومنه فلان بحر؛ أي واسع العطاء والجود، وفرس بحر أي واسع الجري ولا تؤكل ميتة ما لم يدر أبري أم بحري، ولا تؤكل شاة ببطن خنزير ولا خنزير ببطن شاة إلا أن يكون ما ذكر من دواب البحر، ولا يؤكل طير البحر إلا بذكاة خلافا لعطاء ولو طالت حياته ببر يعني أن الحيوان البحري إذا كان لا يعيش إلا في البحر ولا تطول حياته بالبر فلا إشكال في طهارة ميتته، وإن طالت حياته في البر فالمشهور أن ميتته طاهرة وهو قول مالك، وقال ابن نافع وابن دينار ميتته نجسة ونقل ابن عرفة ثالثا بالفرق بين أن يموت في الماء فيكون طاهرا أو في البر فيكون نجسا وعزاه لعيسى عن ابن القاسم مثال البحري الذي تطول حياته في البر الضفدع البحري بتثليث أوله وثالثه، والسلحفاة البحرية بضم أولها وثالثها وبضم الأول وفتح الثاني وسكون الثالث: وهي الفكرون، ومن البحري أيضا السرطان بفتح السين والراء والطاء المهملات، وأما البري من ضفدع وسلحفاة وسرطان ونحوها فميتتها نجسة، والسلحفاة البرية لا تألف الماء أصلا وأخبر بعضهم أن الضفدع البري كذلك وأنه وضع منه واحدة في البحر فماتت لوقتها نقله الشيخ عبد الباقي، وفي الشبراخيتي التنظير في جواز وطء آدمية الماء واستظهر المنع والذي يظهر أنه لا وجه لتنظيره لأنها بهيمة أو كالبهيمة، والتمتع بذلك حرام لأن التمتع بما عدا الزوجة والأمة حرام ولذلك يؤدب واطئ البهيمة والله أعلم وما ذكي يعني أن المذكي طاهر ذكي بذبح أو نحر أو غيرهما وجزؤه يعني أن أجزاء المذكَّي كلها طاهرة، وأشار بهذا إلى أن السباع إذا ذكيت لأخذ جلودها فإن جميع أجزائها يطهر بالذكاة إن قلنا إن لحمها مكروه قاله الحطاب، قال: وهذا طريق أكثر الشيوخ أن الذكاة لا تؤثر إلا في مكروه الأكل ومباحه إلا محرم الأكل يعني أن محرم الأكل لا يطهر شيء من أجزائه بالذكاة خلافا لابن شاس القائل: تطهر

стр. 232

جميع أجزائه بالذكاة وإن كان لا يحل أكله إلا الخنزير فلا يطهر عنده بالذكاة، ودخل في قوله: "وما ذكي" الجنين، حيث حكم بحله لأن ذكاته ذكاة أمه فيخرج ما لم يتم خلقه ولم ينبت شعره، وخنزير ببطن شاة مثلا، ويستثنى من قوله: "وجزؤه" الدم المسفوح كما يأتي، وقالت الشافعية بنجاسة الماء الذي في مرارة المباح؛ أي الصفراء، وجرة البعير: وهي ما يفيض به البعير من الطعام فيأكله ثانيا؛ وهي بالكسر وتفتح، وقالت الحنفية المرارة بمعنى الجلدة التي فيها الصفراء تكره تحريما من المذكى، وأما الماء الذي فيها فنجس. وقوله: "وجزؤه" لا يشمل الروث والبول ودخل فيه جميع أجزاء المذكَّى حتى الأمعاء التي فيها الفرث إلا أن يكون الحيوان مما يأكل النجاسة فلا يؤكل ما اتصل بروثه حتى يغسل، والحكم كذلك في مكروه الأكل لنجاسة روثه، ومكروه الأكل إن ذكي لأكل لحمه طهر الجلد ولأخذ الجلد يطهر ولم يؤكل لأن المذكاة تتبعض على الراجح، وعلى عدم تبعيضها يؤكل قاله الشيخ عبد الباقي، ومشيمة المذكَّى بميمين مفتوحتين، ويقال لها: السلا بفتح المهملة وتخفيف اللام والقصر؛ وهي وعاء الولد حكم ابن رشد بطهارتها، وأنها كلحم الناقة المذكاة ذكره في سماع موسى من كتاب الصلاة رادا على من استدل بحديث (طرح السلا على ظهره ﵊ (١))، على أن سقوط النجاسة على المصلي لا يبطل الصلاة ومثله لابن الإمام، وفهم منه ابن عرفة جواز أكله فعزاه للسماع التقدم، قال البرزلي: وهو ظاهر المدونة وهو الصواب، وحكى ابن عرفة والبرزلي عن الصائغ أنه أجاب بأنه لا يؤكل لأنه بائن من النعجة؛ وهو يقتضي الحكم بنجاسته، وقال ابن جماعة إنه تابع للولد إن أُكِل أُكِل وإلا فلا، قال البرزلي: ومال إليه ابن عرفة. وصوف يعني أن الصوف طاهر وهو شعر الشاة ووبر يعني أن الوبر بالتحريك طاهر وهو صوف الإبل والأرنب ونحوهما نقله الحطاب، وقاله في القاموس. وزغب ريش يعني أن زغب الريش طاهر والريش للطائر والزغب ما اكتنف القصبة، وهذا من إضافة الجزء للكل؛ لأن الريش اسم للقصبة والزغب معا، والزغب بفتحتين وشعر يعني أن الشعر طاهر وهو بفتح العين وسكونها

стр. 233

للإنسان وغيره من جميع الدواب قاله الشيخ عبد الباقي ولو من خنزير يعني أن شعر الخنزير طاهر، وقيل يستثنى من الشعر شعر الخنزير فليس بطاهر ورد المص هذا القول بلو، وقيل باستثناء الكلب أيضا، وفي الشامل: وجاز بيع صوفها كشعر خنزير خلافا لأصبغ قاله الحطاب. وقوله: "وصوف" الخ دليل المذهب على طهارة هذه الأشياء أنها لا تحلها الحياة، وما كان كذلك لا ينجس بالموت إن جزت يعني أنه يشترط في طهارة هذه الأربعة من صوف وما عطف عليه أن تجز ولو بعد النتف، وهذا الشرط إنما هو إذا أخذت من غير مذكَّى بل من حي أو ميتة، والمراد بالجز ما قابل النتف من كل مزيل كحلق وحرق ونحوهما وإنما كانت هذه الأشياء طاهرة، وإن من ميتة إن جزت لأنها لا تحلها الحياة كما مر قريبا. وما لا تحله الحياة لا يتنجس بالموت، ويجب عند البيع بيان صوف جز من ميت كمذكًّى فيما يظهر قاله الشيخ عبد الباقي، ومفهوم الشرط أنها إن لم تجز يكون بعضها نجسا لا جميعها، وشعر الآدمي يحرم الانتفاع به عند الشافعية كما يحرم الانتفاع بسائر أجزائه، ويدفن جميعه لكرامته ويدل له الحديث (كان رسول الله ﷺ يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان بالشعر والظفر والسن والدم والحيضة والعلقة والمشيمة] (١). وقد سئل إمامنا مالك ﵁ عن بيع الشعر الذي يحلق من رؤوس الناس فكرهه نقله في المفيد قاله الشبراخيتي. وقال عقب هذا الكلام فإن كانت الكراهة على بابها أفاد ذلك جواز الانتفاع به والله أعلم انتهى. ابن رشد: أصل مالك في أن الشعر لا تحله الروح أنه يجوز أخذه من الحي والميت مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه؛ كبني آدم والخيل والبغال والقرود، أو مما يكره أكله كالسباع انظر الحطاب قبيل قول المص في البيع "وانتفاع". وقوله "وصوف" الخ وإذا جزت هذه الأشياء من ميتة فاستحب في المدونة والرسالة أن تغسل، ابن رشد ولا معنى له إذا علم أنه لم يصبها أذى، وأوجب ابن حبيب غسلها، والجماد يعني أن الجماد طاهر وهو لغة الأرض التي لم يصبها مطر قال طرفة:

стр. 234

جماد بها البسباس ترهص معزها … بنات اللبون والسلاقمة الحمرا ويقال أيضا للسنة التي لا مطر فيها، والجماد بالكسر جمع جمد بالضم، وهو ما ارتفع من الأرض، وأما عند الفقهاء فهو جسم غير حي أي لم تحله الحياة قط، فالجسم جنس يشمل الحيوان وغيره، وأخرج بقوله غير حي الحيوان وميتته ومنفصل عنه أي غير منفصل عن الحيوان أخرج به اللبن والجبن والبيض والدمع والعرق والسمن والزبد والبول والروث والولد الذي خرج ميتا من ميتة وعسل النحل. فإن كان عسل النحل يخرج من فيه فهو داخل في قوله: "ولعابه". ومن مخرجه فهو داخل في قوله: "وعذرة من مباح "إلا المسكر يعني أن المسكر نجس سواء كان من العنب أو من غيره، ويترتب عليه ثلاثة أحكام: النجاسة كما ذكر المص والحد وحرمة قليله وكثيرة بخلاف المرقد كالداثورة، والمفسد كحشيشة على الصحيح وأفيون فلا حد ولا نجاسة فيهما، ولا يحرم منهما إلا ما أثر في العقل، ولا يقال لم لا يكونان كالمسكر في الحكم؛ لأن الذي حكم فيه النبي ﷺ بأن (ما أسكر منه الفرق ملء الكف منه حرام (١)) هو ما كان بصفة المسكر عند الفقهاء، وهو ما غيب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب، والمرقد ما غيبهما معا، والمفسد هو ما غيب العقل دون الحواس لا مع نشوة وطرب. وقوله: "إلا المسكر" مستثنى من الجماد أي إلا الجماد المائع المسكر لأن المسكر لا يكون إلا مائعا إلا الحشيشة على ما للمنوفي، وقد قال ابن مرزوق الصحيح أنها من المفسد ومن صلى بشيء من المفسدات لم تفسد صلاته إجماعا، وعلى من ابتلي بأكل الأفيون؛ وهي من المفسدات وصار يخاف على نفسه الموت من تركه أن يستعمل منه القدر الذي لا يؤثر في عقله وحواسه ويسعى في تقليل ذلك وقطعه جهده، ويجب عليه أن يتوب ويندم على ما مضى والله أعلم. وأما العقاقير الهندية فإن أكلت لا تؤكل له الحشيشة امتنع أكلها، وإن أكلت للهضم وغيره من المنافع لم يحرم أكلها، ولا يحرم منها إلا ما أفسد. ابن فرحون: والظاهر جواز ما يسقى من

стр. 235

المرقد لقطع عضو ونحوه لأن ضرر المرقد مأمون وضرر العضو غير مأمون، قال الحطاب: ومقتضى ما تقدم جواز بيع هذه الأشياء من الأفيون والبنج والجوزة ونحوها ولم أر فيه نصا صريحا، والظاهر أن يقال في ذلك كما قال ابن رشد في الدر على القول بحرمة أكله إن كان فيه منفعة غير الأكل جاز بيعه ممن يصرفه في غير الأكل ويؤمن أن يبيعه ممن يأكله، وكذلكَ يقال في هذه الأشياء وفي سائر المعاجين المغيبة للعقل يجوز بيع ذلك لمن لا يستعمل منه القدر المغيب للعقل، ويؤمن أن يبيعه ممن يستعمل ذلك، وأطال الحطاب الكلام في القهوة وحاصل ما ذكره فيها أنها تعرض لها أمور توجب التحريم من الاختلاط بالنساء، وذكر الخمر وشربها وغير ذلك من الرذائل، وذكر في ذلك أمورا كثيرة تعرض لها توجب التحريم، وذكر بعد ذلك أن الذي يجب ويتعين على العاقل أن يجتنبها بالكلية إلا لضرورة شرعية، ومن سلم من هذه العوارض كلها الموجبة للحرمة فإنها ترجع في حقه إلى أصل الإباحة والله أعلم، وأنشد فيها بعضهم: أقول لأصحابي عن القهوة انتهوا … ولا تجلسوا بمجلس هي فيه وليست بمكروه ولا بمحرم … ولكن غدت مشروب كل سفيه وفي كتاب الأمير: القهوة في ذاتها مباحة ويعرض لها حكم ما يترتب عليها، هذا زبدة ما في الحطاب هنا. ومثلها الدخان وفيه أيضا وفي الدخان خلاف، والورع تركه خصوصا الآن، فقد كاد درء المفاسد يحرمه وإن قال الأجهوري في رسالته غاية البيان لحل شرب ما لا يغيب العقل من الدخان ما نصه: لا يسع عاقلا أن يقول إنه حرام لذاته إلا أن يكون جاهلا بكلام أهل المذهب أو مكابرا أو معاندا انتهى. ويعرض لكل حكم ما يترتب عليه كما رأيته في فتاوي مشايخ العصر انتهى. ولعاصر الأجهوري إبراهيم اللقاني رسالة تناقض رسالة الأجهوري سماها: نصيحة الإخوان بترك ما لا يحل شربه من الدخان قاله الأمير، وفي الذهب الإبريز للعلامة سيدي أحمد بن مبارك اللمطي عن شيخه عبد العزيز أن الدخان حرام والله سبحانه أعلم، وذكر بعضهم أنه رأى فيها ثلاثين مصنفا من بين محلل ومحرم والأكثرون على تحريمها وكذا الصوفية قاطبة، والقول الفصل فيها أن المحرم لا نص عنده مقنعا وكذا المحلل، والميل القوي إلى التحريم لثلاثة

стр. 236

أمور: أحدها ما يترتب عليه من الأمور الرديئة، ثانيها أنه لا يحل لأحد أن يفعل فعلا حتى يعلم حكم الله فيه، ثالثها ما ذكره بعضهم من أن فيه نوعا من الإسكار، قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: قد وقفت على كلام كثير للعلماء في شأن "تباك" حاصله أنها مسألة خلاف بين التحليل والتحريم، وأن الراجح فيها التحريم، وقد أكثر الشيخ ميارة في التدليل من نقل كلام العلماء فيها والله تعالى أعلم. وفي الشبراخيتي: حكي أن آدم ﵊ لما غرس الكرمة جاء إبليس فذبح عليها طاووسا فشربت دمه، فلما طلعت أوراقها ذبح عليها قردا فشربت دمه، فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسدا فشربت دمه، فلما انتهى ثمرتها ذبح عليها خنزيرا فشربت دمه. فلهذا شارب الخمر تعتريه هذه الأوصاف الأربعة؛ وذلك أنه أول ما يشربها تدب في أعضائه فيزهر لونه ويحسن كما يحسن الطاووس، فإذا جاءه مبادي السكر لعب وصفق كما يفعل القرد، فإذا قوي سكره جاءته صفة الأسد فيعبث ويعربد ويهذي بما لا فائدة فيه، ثم ينقطع كما ينقطع الخنزير ويطلب النوم انتهى. والحي يعني أن الحي طاهر آدميا أو غيره، مسلما كان أو كافرا أو شيطانا، أو متولدا من عذرة أو كلبا أو خنزيرا وقيل بنجاستهما، ولا يحكم على الحيوان بما في باطنه من النجاسة فتصح صلاة حامل صبي مثلا ولا عبرة بما في جوفه من العذرة. ودمعه يعني أن دمع الحي طاهر لما ثبت عنه ﷺ وعن الصحابة والتابعين من عدم غسل الدموع عن الثياب والخدود، وعدم توقيها في صلاة وفي غيرها وعرقه يعني أن عرق الحي طاهر آدميا أو غيره من سائر الدواب (لأنه ﷺ أجرى فرسا عريا) (١) بضم العين المهملة؛ أي ليس عليه أداة ولا يخلو غالبا حال الجري من عرق، ولا يقال في الآدميين إلا عريان، وظاهر المص ولو جلالة أو كافرا أو سكرانا حال سكره أو بعده بقرب أو بعد، وهذا الذي ذكره المص من طهارة العرق هو المعروف من المذهب. وقال ابن رشد في رسم الوضوء من سماع أشهب: عرق سائر الحيوان ولبنها تابع للحومها، وإنما قال في المدونة: لا بأس بعرق البرذون والبغل والحمار؛ لأن الناس لا

стр. 237

يقدرون على التوقي منها، ولم يذكر في نجاسته خلافا فما قاله ضير معروف والله تعالى أعلم قاله الحطاب. ولعابة يعني أن اللعاب بضم اللام طاهر؛ وهو ما سال من الفم في يقظة أو نوم تغير أم لا كان من المعدة أو من الفم. ابن ناجي: الجاري على مذهبنا في السائل من فم النائم إذا تغير أن يكون مضافا لا نجسا، قال الحطاب: ولا وجه له بل الظاهر أن يقال إن كان من الفم فهو طاهر. وإن كان من المعدة فكما قال النووي إن تغير اللعاب الذي من المعدة كما في الشبراخيتي فهو نجس، وإلا فهو طاهر وقال الدميري في شرح المنهاج: يعرف كونه من المعدة بنتنه وصفرته، وقيل إن كان رأسه على مخدة فمن الفم، وإلا فمن العدد وعلى كل حال إذا لازم شخصا عفي عنه. وإذا تحقق أو غلب على الظن وجود النجاسة باللعاب أو بالبصاق فهما نجسان. ومخاطه يعني أن مخاط الحي؛ وهو السائل من الأنف طاهر ولا تكره الصلاة بثوب فيه دمع شارب خمر أو ذمي أو عرقه أو بصاقه أو مخاطه أو لبنه وظاهر الحطاب أن هذا هو الراجح، وقال الشيخ زروق تكره الصلاة بثوبهما قاله الشيخ عبد الباقي، وظاهره ثوب لباسهما: وهو معارض لما يأتي من قوله: "ولا يصلى بلباس كافر" الخ، وقد يقال مراده ثوب بل بعرقهما، وما بعده بقرينة أول كلامه قاله الشيخ محمد بن الحسن، وبيضه يعني أن بيض الحي طاهر من سباع الطير أو غيرها أو حشرات وإن لم يؤمن سمها؛ لأن الكلام في الطهارة لا في إباحة الأكل وسواء تصلبت أم لا ولو أكل نجسا راجع للأمور الستة أعني قوله: والحي وما بعده لأن الخلاف موجود في الجميع صريحا في البعض، ولزوما في الباقي كما نقله الشيخ محمد بن الحسن عن الحطاب يعني أن هذه الأشياء من الحي وما بعده طاهرة ولو كان الحي الذي خرجت منه هذه الأشيات يأكل النجس فهو وهذه الأمور الخمسة الخارجة منه طاهرة، ورد المص بلو في الحي القول بأن الحي الذي يصيب النجاسة يكون نجسا فيتنجس لحمه. واعلم أن الخلاف في عرق السكران في حال سكره أو قريبا منه، وأما لو طال فلا خلاف في طهارته؛ أي حيث اغتسل بعد عرقه الأول، وغسل ثوبه الذي عرق فيه، وذكر الحطاب ما يقتضي وجود الخلاف في اللعاب والمخاط والدمع، أي فيما إذا أكل نجسا.

стр. 238

واعلم أن المص إنما يشير بلو للخلاف كما مر، وبلو إلى خلاف مذهبي، وأما إن فإنها للخلاف تارة ولرفع التوهم تارة. واعلم أن الخلاف في البيض مخرج إلا المذر مستثنى من قوله: وبيضه يعني أن المذر من البيض نجس، والمذر بذال معجمة مكسورة هو ما عفن أو صار دما أو مضغة أو فرخا ميتا، والظاهر طهارة ما اختلط بياضه بصفاره، وكذا ما وجد فيه نقطة دم في بياضه أو صفاره، قال في الذخيرة: يوجد في وسط بياض البيض أحيانا نقطة دم فمقتضى مراعاة السفح في نجاسة الدم لا تكون نجسة، وقد وقع البحث في هذا مع جماعة ولم يظهر غيره قاله الحطاب، وأما ما في الكافي إذا وجد في البيض دم حرم أكله إما مقابل أوأن قوله دم أي مختلط بجميع أجزاء البيضة لا نقطة فقط والله سبحانه أعلم. ابن فرحون يؤمر بغسل البيض قبل كسره فإن لم يغسله فلا شيء عليه والخارج بعد الموت يعني أن ما خرج من الحيوان البري بعد موته مما له نفس سائلة والحال أنه لم يذك من الأمور المذكورة من دمع وعرق ولعاب ومخاط وبيض نجس، فإن كان من حيوان لا ينجس بالموت فلا يكون نجسا فبيض الجراد الخارج بعد موته طاهر قطعا، وكذا بيض البحري والله أعلم. والاستثناء في العطوف عليه متصل، وفي المعطوف منقطع ولبن آدمي يعني أن لبن الآدمي الحي ذكرا أو أنثى مسلما أو كافرا مستعملا للنجاسة أم لا طاهر لجواز الرضاع بعد الحولين إلا الميت يعني أن لبن الآدمي الخارج منه بعد موته نجس بناء على نجاسته لا على القول الآخر، ولبن الجن كلبن الآدمي لجواز إمامتهم ومناكحتهم، وقوله: الميت يقال هين، وهين، ولين ولين، وميت وميت، وصيف وصيف بالتشديد والتخفيف في الجميع قاله ابن حجر في كتاب بدء الخلق ولبن غيره تابع يعني أن لبن غير الآدمي تابع للحمه في الحرمة والكراهة والإباحة ولو أكل نجسا، ولا تكره الصلاة بثوب فيه لبن مكروه، ومعنى كراهة اللبن أنه يكره استعماله في أكل أو غيره مع طهارته وبول يعني أن بول ما يباح أكله طاهر وعذرة يعني أن عذرة ما يباح أكله طاهرة فقوله من مباح راجع للبول والعذرة، والأولى التعبير برجيع لشموله للبول والروث فيكون أخصر والعذرة إنما تقال على الخارج من الآدمي، وهذا في الرجيع الخارج حال الحياة أو بعد التذكية، وأما الرجيع الخارج بعد الموت مما ميتته نجسة ولم يذك فإنه نجس، ومن المكروه الوطواط كفار يصل للنجاسة على قول، والآخر أنه ممنوع بخلاف الذي لا

стр. 239

يصل لها فمباح، وفضلته طاهرة وإن شك في وصوله للنجاسة فالظاهر كراهة أكله، ونجاسة فضلته لاحتمال وصوله إليها، لأن الفار الذي يصل للنجاسة ممنوع أو مكروه على ما يأتي في باب المباح إن شاء الله تعالى، وإن ندرت النجاسة بالسفينة فينبغي طهارة ما شك في وصوله لها، وإن لم تندر فُصِّلَ فيه كما تقدم. ويستحب عند مالك غسل فضلة المباح بولا أو غيره، والظاهر أن ما تولد من المباح وغيره يلحق بالأم لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها؛ وذلك كالمتولد من عقاب وثعلب ففي حياة الحيوان العقاب كله أنثى ويسافده طائر آخر، وقيل ذكر الثعالب قال شاعر يهجو شخصا: ما أنت إلا كالعقاب فأمه … معروفة وله أب مجهول قاله الشيخ عبد الباقي إلا المتغذي بنجس يعني أن المباح الذي يتغذى بالنجس يأكله أو يشربه رجيعه نجس ويحكم لبوله وعذرته بالنجاسة مدة ظن بقاء النجاسة بجوفه. قوله: إلا المتغذي بنجس أي بالمشاهدة فخرج ما شأنه استعمال النجاسة ولكنه لا يصل إليها لحبسه، وما احتمل أمره خلافا للبساطي. الحطاب ما ذكره البساطي غير ظاهر، ثم قال بعد جلب نقول: فعلم من هذا أن الحيوان إذا كان من شأنه أن يأكل النجاسة ولم يتحقق أكله لها فأمره خفيف يستحب غسل روثه وهو خلاف ما دل عليه كلام البساطي: وإذا ذبح الحيوان الذي يتغذى بالنجاسة فإنه يغسل موضع الغذاء منه ككرشه وأمعائه قاله ابن يونس نقله عنه الحطاب، قال الحطاب: وهذا إذا ذبح بحدثان استعماله للنجاسة وقيء يعني أن القيء طاهر، والقيء ما يخرج من الطعام بعد استقراره في المعدة إلا المتغير عن الطعام يعني أن القيء إذا تغير عن الطعام فإنه يكون نجسا، أما إن تغير بأحد أوصاف العذرة فواضح، وأما إن تغير بالحموضة فكذلك على المعتمد. ومثل القيء القلس في التفصيل، وهو دفعة من الماء تقذفها المعدة أو تقذفها ريح من فم المعدة وقد يكون معها طعام والحاصل أن ما تغير من القيء والقلس بأحد أوصاف العذرة أو بالحموضة فنجس، وأما ما تغير منهما ببلغم أو صفراء فطاهر، وما حكي عن ابن رشد من أن القلس ماء حامض وهو طاهر فهو مبني على أن القيء لا ينجس إلا بمشابهة أحد أوصاف العذرة أو بمقاربتها وهو ضعيف.

стр. 240

الباجي يجب غسل الفم من القيء النجس وإلا فيستحب انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الحطاب وإن لم يتغير فيستحب المضمضة منه إلا أن يكون مما يذهب بالبصاق، وفي كتاب الأمير وطهارة القيء تقتضي طهارة ما وصل للمعدة من خيط ودرهم، وقالوا بنجاسته كما في كبير الخرشي، وأما الذي أدخل في الدبر فنجس قطعا كما في الحطاب، ولا ينجس القلس إلا بمشابهة العذرة فلا يضر حموضته لخفته وتكرره وهل كذلك القيء أو بمطلق التغير؟ تأويلان. وهذا حاصل ما حققه الرماصي، ورد على الحطاب والجماعة في تشهيرهم التنجيس بمطلق التغير فيهما انتهى كلام الأمير، وفي شرح الموطإ لمحمد بن عبد الباقي عن النهاية أن القلس بالتحريك وقيل بالسكون: ما خرج من الجوف ملء الفم أو دونه وليس بقيء فإن عاد فهو القيء انتهى. وصفراء يعني أن الصفراء من الطاهر؛ وهي ماء أصفر مر يخرج من الفم يشبه الصبغ الزعفراني وسواء كانت من آدمي أو غيره وبلغم يعني أن البلغم طاهر وسواء كان من آدمي أو غيره، وهو شيء منعقد يسقط من الرأس ويطلع من الصدر الحطاب عن سند والبلغم طاهر لأنه من جنس البصاق والنخائم، ونقل ابن عرفة عن ابن العطار أن البلغم والصفراء نجَسٌ سند ما يخرج من الجسد من الصفراء المذهب طهارته، كما يحكم بطهارة المرائر، والمرائر أصل الصفراء انتهى. ومرارة مباح يعني أن مرارة المباح طاهرة وكذا مرارة المكروه، وقوله: ومرارة مباح لا حاجة لذكره لأنه إن أراد وعاءه فهو جزء من الحيوان ومر التفصيل فيه بين المذكى والحي والميت الذي له نفس سائلة، وإن أراد الماء الأصفر المر فهو الصفراء قاله الشيخ عبد الباقي، ولما كانت فضلات الحيوان قسمين ما لا مقر له كالدمع والعرق ونحوهما وهو طاهر. قال جامعه عفا الله عنه: ويفهم من هذا طهارة القذى، ويفهم أيضا من عدهم له من الحائل انتهى. وماله مقر وهو قسمان: مستحيل إلى صلاح كلبن وبيض، ومستحيل إلى فساد كدم وعذرة، والدم قسمان: مسفوح وهو الجاري، وغير مسفوح أشار له هنا عاطفا على أنواع الطاهر فقال: ودم لم يسفح يعني أن الدم الذي لم يجر عند موجب خروجه من ذبح ونحر وعقر طاهر وهو الباقي في العروق ولو جرى عند تقطيع اللحم، فإذا أصاب منه أكثر من درهم لم يؤمر من أصابه بغسله وله أن يصلي به ولا خلاف في إباحة ما خالط اللحم من الدم قاله ابن جزي، وقال الثعالبي: فيه

стр. 241

خلاف شاذ ذكره ابن الحاجب وغيره، وقال أبو عمران: وما تطاير من الدم من اللحم حين قطعه على الثوب فاستحسن أن يغسل قياسا على دم الحوت، وما يوجد في قلب الشاة غير مسفوح، وما وجد في بطنها فهو بعض المسفوح؛ إذ ليس في الجوف جرح يخرج منه. اللخمي الدم على ضربين؛ نجس، ومختلف فيه، فالأول دم الإنسان ودم ما لا يجوز أكله، ودم ما يجوز أكله إذا خرج في حال الحياة أو حين الذبح لأنه مسفوح، واختلف فيما يبقى في الجسم بعد المذكاة، وفي دم ما ليس له نفس سائلة وفي دم الحوت انتهى. قال الحطاب فيفهم من كلام اللخمي أن دم الآدمي والحيوان الذي لا يؤكل والميتة نجس مطلقا جرى أو لم يجر وهو ظاهر انتهى. ومسك يعني أن المسك طاهر لاستحالته إلى صلاح وهو دم منعقد، وظاهر المص طهارته ولو أخذ من ميت فهو مستثنى من قوله: وما أبين من حي وميت لاتصافه بنقيض علة النجاسة، وهي الاستقذار، ويجوز أكل المسك وفارقته يعني أن فارة المسك طاهرة إجماعا، قال إسماعيل القاضي: فارة المسك ميتة طاهرة. الباجي إجماعا قوله: ميتة يقتضي عدم أكلها إذ ليس لنا ميتة تؤكل بغير تذكية غير ميتة البحر. واعلم أن فارة المسك هي الوعاء الذي يكون فيه المسك وهي النافحة وهي طاهرة ولو أخذت منه بعد موته فهي مستثناة من قوله: وما أبين لمن حي وميت، وقالت الشافعية: إن انفصلت الفارة بعد موت الظبية فهي نجسة انتهى. وقال الشاعر: فإن تفق الأنام وأنت منهم … فإن المسك بعض دم الغزال وقد أخرج مسلم عنه ﷺ أنه قال (المسك أطيب الطيب) (١) قال الحافظ بن حجر في الفتح: المشهور أن غزال المسك كالظبي لكن لونه أسود وله نابان لطيفان أبيضان في فكه الأسفل، وأن المسك دم يجتمع في سرته في وقت معلوم من السنة فإذا اجتمع ورم الموضع فيمرض الغزال إلى

стр. 242

أن يسقط منه، ويقال إن أهل تلك البلاد يجعلون له أوتادا في البرية يحتك بها ليسقط، ونقل ابن الصلاح أن النافحة لنا في جوف الظبية كالإنفَحَّة في جوف الجدي، وعن الطبري أنها تلقيها من جوفها كما تلقي الدجاجة البيضة، ويمكن الجمع بينهما بأنها تلقيها من سرتها فتتعلق بها إلى أن تحتك، والمسك بكسر اليم وسكون السين وهو مذكر ويؤنث باعتبار الرائحة قال الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . … ومن أردانها المسك تنفح أراد الرائحة، والمسك بفتح الميم وسكون السين الجلد وجمعه مسوك كفلس وفلوس، والفارة قيل الصواب عدم همزه لأنه من فار يفور لفوران ريحه، وقيل يجوز همزه لأنه على هيئة الفارة، وزباد القط طاهر لخروجه من غير مخرج البول والروث، ولا يصل إلى محل خروجه بوله ولا روثه قاله الشيخ عبد الباقي عن الأجهوري، وفي حياة الحيوان يوجد في إبطيه وفي باطن أفخاذه وباطن ذنبه وحوالي دبره فيؤخذ من هذه الأماكن بملعقة صغيرة أو بدرهم رقيق انتهى. واقتصر في القاموس على أنه وسخ يجتمع تحت ذنبه وزرع بنجس يعني أن من الطاهر زرعا بذر. أو سقي بنجس، ويغسل ما أصابه الماء النجس من ظاهره إلا أن يسقى بماء طاهر ويعم منه ما أصاب النجس، ويجوز سقي الزرع بماء نجس، والباء في قوله: بنجس للملابسة فيشمل ما بذر بنجس وما سقي به، وفي نوازل ابن هلال أن ما نبت من بذر حرام فهو حلال، ولا أعلم في ذلك خلافا لأن عينه مستهلكة، ولأنه لا يكون لرب البذر أخذ ما تولد منه انتهى وخمر تحجر يعني أن الخمر إذا تحجر أي يبس وصار حجرا فإنه يكون طاهرا، وكذا لو حجر ومحل طهارته حيث تحجر، أو حجر إن زال منه الإسكار بحيث لو استعمل أو بل وشرب لم يسكر، وأما لو كان بحيث لو استعمل أو بل وشرب أسكر فهو نجس ويقيد كلامهم: المسكر لا يكون في غير الأشربة بغير هذا، وقوله: "وخمر تحجر" أي ويجوز بيعه حينئذ وهو المسمى بالطرطير يستعمله الصباغون وإذا تحجر الخمر وقلنا بطهارته فإن الإناء يطهر أيضا تبعا له بخلاف ما إذا سقط وهو خمر على بدن أو ثوب فإنه لا يطهره إلا الغسل لوصوله إليه في حال نجاسته فلا يطهر بالتبع لكونه ليس مقرا له عادة بخلاف الإناء فإنه مقر له عادة قاله الشبراخيتي. وفي عبد الباقي أنه يطهر ثوب

стр. 243

أصاب طرفه خمر ونشف بحيث لو بل لم يتحلل منه شيء فلا يحتاج لغسله بالمطلق أو خلل يعني أن الخمر إذا صيرت خلا بإلقاء شيء فيها كالملح والخل والماء الجاري أو انقلبت هي خلا فإنها تكون طاهرة وإنما طهرت عند التحجر والتخلل لأن العلة في نجاسة الخمر الإسكار وقد زال منها والعلة تدور مع معلولها وجودا وعدما. ابن رشد إن تخللت بنفسها فلا خلاف في طهارتها وإلا فهو محل القولين. ابن وضاح القولان في التخللة بنفسها، والتخللة بالصنعة، وللوانشريسي ﵀: ولابن رشد حل ما تخللا … بنفسه والخلف فيما خللا وحكى الزناتي فيما إذا استهلكت الخمر في دواء أو بالطبخ والتركيب وذهبت ريحها وعينها وقضت التجربة بإنجاح نفعها قولين بالنع والجواز قال بعض، والظاهر المنع ومحل طهارة الخمر المخللة إذا لم تقع فيها نجاسة قبل التخليل وإلا فلا تطهر. واعلم أن التخليل حرام والواجب إراقته على ما رواه ابن القاسم وابن وهب عن الإمام. وقال عياض المشهور عندنا أنه مكروه، وقال أشهب بالإباحة، وقال سحنون إن صنعت خمرا لم يجز تخليلها لوجوب إراقتها وإن تخمرت بلا قصد جاز تخليلها، وقوله: وخمر بلا هاء هي اللغة المشهورة كما في القرآن العزيز، ولحوق الهاء لها لغة قليلة وتذكير الضمير في تحجر أو خلل لغة ضعيفة والأشهر التأنيث، وإذا بقي في إناء خمر يسير فصب عليه عصير أو خل فقال أصبغ فسد الجميع. الباجي أما في العصير فصحيح لأن العصير لا يصير الخمر عصيرا، وأما الخل فلا لأن الخل يصير الخمر خلا فيطهر الجميع ولا يستعمل ذلك إلا بعد مدة يقدر فيها أن الخمر تخللت انتهى. قال الشيخ الحطاب: فإن ترك العصير حتى صار خلا طهر الجميع، ولما أنهى الكلام على بيان الأعيان الطاهرة أتبعه بالكلام على الأعيان النجسة فقال. والنجس ما استثنى يعني أن النجس هو ما استثني أي أخرج من الطاهر سواء كان الإخراج بأداة استثناء وذلك في سبعة بمراعاة العطف وهي: إلا محرم الأكل، إلا المسكر، إلا المذر، والخارج بعد الموت، إلا الميت، إلا المتغذي بنجس، إلا المتغير عن الطعام، أو كان الإخراج فيه بغيرها كمفهوم

стр. 244

الشرط في إن جزت فالمستثنيات ثمانية، ودل كلامه فيما تقدم على النجاسة بالمفهوم، ودل كلامه هنا عليها بالمنطوق وصرح بما ذكر، وإن كان يعتبر مفهوم الشرط ومفهوم الاستثناء ليعطف عليه قوله وميت غير ما ذكر وما بعده من المعطوفات يعني أن من النجس ميت غير الذي تقدم، والذي تقدم هو ميت ما لا دم له وميت البحري هذا إذا قرئ ميت بالتنوين، وإن قرئ بالإضافة كان ما تقدم هو ما لا دم له والبحري، وفي الشبراخيتي أن قوله: "وميت" تصح قراءته بالإضافة وبالتنوين والله سبحانه أعلم. والمراد بالميت ما سلبت عنه الذكاة الشرعية، فيشمل ما ذكاه مجوسي، وكتابي لصنم، ومسلم لم يسم عمدا أو ترك النية، ومحرم، ومرتد، ومجنون، وسكران، وغير ذلك من موته حتف أنفه أو بفعل غير ذكاة، وكذا ما صاده كافر. وقوله: "وميت غير ما ذكر" هو منحصر في الحيوان البري الذي له نفس سائلة فهو الذي ميتته نجسة كشحمة أرض، ووزغ، وجنين آدمي ولا يجري فيه استظهار ابن رشد الآتي. وقوله: "وميت" بالتخفيف والتشديد لغتان حكاهما الطبري عن جماعة من اللغويين، وقال أبو حاتم وغيره ما قد مات يقالان فيه، وما لم يمت لا يقال فيه ميت بالتخفيف قال بعضهم: تساءلني تفسير ميت وميت … فدونك قد فسرت إن كنت تعقل فمن كان ذا روح فذلك ميت … وما الميت إلا من إلى القبر يحمل قاله الشيخ الشبراخيتي، وبالغ على نجاسة ميتة القملة بقوله. ولو قملة يعني أن ميتة القملة نجسة لأن لها نفسا سائلة، قال ابن عبد السلام المشهور أن لها نفسا سائلة فليس دمها منقولا فتبطل صلاة حامل قشرها عمدا، وعليه فيعفى عن صيبان ميت لعسر الاحتراز منه ويعفى أيضا عن محل طبوع أي لا يكون لمعة كما في الحطاب، وقال الأمير: والصيبان والطبوع إن عسر معفو عنه وليس لمعة إلا إن أمكن التداوي فيغتفر مدته انتهى. قال في الحاشية: والطبُّوع صغار القمل أو القراد انتهى. وفي القاموس: والطَّبُوع كتنور دويبة ذات سم أو من جنس القردان لعضته أَلم شديد انتهى. وأفتى ابن عرفة بخفة شأن القمل بناء على أنها لا نفس لها سائلة، وانظره مع نقله عن الأكثر نجاستها. الشبيبي يعفى عن ثلاث فدون، وتبطل الصلاة فيما زاد على ثلاث،

стр. 245

وأفتى الغبريني بالبطلان وظاهره مطلقا، وينبغي اعتماد ما للشبيبي لموافقته في زائد على ثلاث للغبريني: وفي ثلاث فأقل لابن عرفة قاله الشيخ عبد الباقي، وقال في الإعلام: وسئل سيدي أبو عزيز عن جلد القملة يكون متعلقا بالثوب أتعاد منه الصلاة أم لا؟ فأجاب: القملة نجسة لكن عدم إعادة الصلاة منه مغتفر لأجل الملازمة انتهى. وإذا صارت القملة عقربا فالظاهر النظر لتلك العقرب فإن كانت لا نفس لها سائلة طهرت لاستحالة الحال كدود العذرة والحكم يتبع العلة قاله الأمير: وقال ابن مرزوق سمعت عن بعض من عاصرته من الفضلاء الصالحين ﵀ يقول: من احتاج إلى قتل قملة في ثوبه أو في المسجد على القول بنجاستها ينوي بقتلها المذكاة ليكون جلدها طاهرا فلا يضره ولا أدري هل رأى ذلك منقولا أو قاله من رأيه إجراء على القواعد ولا بأس به انتهى. ومراده بالإجراء على القواعد أن القملة إن كانت من مباح الأكل فما ذكره فيها ظاهر، وإن كانت من محرمه أو مكروهه فذلك مبني على أن الذكاة تعمل في المحرم والمكروه قاله الشيخ ميارة. قال وفي هذا فائدة وهي جواز قول الفقيه المقلد برأيه إجراء على القواعد وهذا ظاهر ذائع شائع كثير لا يمكن إنكاره فانظره مع ما نص عليه غير واحد أن المقلد لا يفتي إلا إن وجد النص في عين النازلة انتهى. وقال الحطاب: هذا يعني كلام ابن مرزوق مبني على أن القمل مباح أكله أو مكروه ولم أر في ذلك نصا صريحا بل رأيت في حياة الحيوان للدميري من الشافعية أن القمل حرام بالإجماع أو يكون بناء على طريقة ابن شاس أن الذكاة تعمل في محرم الأكل وتطهره انتهى. وأشعر اقتصار المص على القملة بطهارة البرغوث، قال ابن عبد السلام ليس له نفس سائلة وهو المشهور والراجح، وما لابن القصار من نجاسة ميتته وابن فائد من عزوها للأكثر وترجيح ابن عرفة له طريقة مرجوحة. واعلم أن ما له دم منقول اختلف في نجاسته على قولين والمشهور الطهارة وذلك كالذباب والبعوض والقراد والحلم والبرغوث ونحوها: وقال الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أن ما كان دمه منقولا فالراجح أنه مما ليس له نفس سائلة إلا القملة، وذلك لا ينافي الحكم بنجاسة الدم السفوح من الذباب وشبهه. ألا ترى أنه يحكم بنجاسة المسفوح من السمك مع الاتفاق على طهارة ميتته والله أعلم انتهى.

стр. 246

وفي الحطاب لا شك في طهارة الصيبان على القول بأن القملة لا نفس لها سائلة، وأما على المشهور فالظاهر أنه طاهر أو معفو عنه انتهى وآدميا عطف على قملة فهو داخل في حيز المبالغة؛ يعني أن ميتة الآدمي نجسة وهذا ضعيف والأظهر طهارته يعني أن من العلماء من قال بطهارة ميتة الآدمي وأن ابن رشد استظهر القول بطهارة ميتة الآدمي وكذا اللخمي والمازري وعياض، والخلاف في المسلم وغيره. وقيل خاص بالمسلم، وأما الكافر فميتته نجسة اتفاقا والأدلة الآتية إنما تنهض دليلا في ميتة المسلم. وفي الحطاب. وذهب بعض أشياخنا إلى التفرقة بين المسلم والكافر ولا أعلم أحدا من المتقدمين ولا من المتأخرين فرق بينهما. واعلم أن المعتمد القول بالطهارة (لأنه ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد) (١)، (وقبل عثمان بن مظعون بعد الموت) (٢)، ولصلاة الصحابة على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في المسجد ولقوله ﷺ (لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا) (٣) رواه الحاكم، ولرد عائشة ﵂ على من أنكر إدخال سعد بن أبي وقاص في المسجد، ولقوله في الجنائز من المدونة: أكره أن توضع الجنازة في المسجد؛ إذ لو كان نجسا لم يقل أكرهه، ومثله في الاعتكاف، وقال في التنبيهات وهو الصحيح الذي تعضده الآثار لحرمة الآدمي وكرامته، وفي كتاب الأمير: الراجح طهارة ميتة الآدمي ولو كافرا، والخلاف في غير أجسام الأنبياء فطاهرة إجماعا وكذا فضلاتهم كما في متن العزية، وميتة الجن نجسة لأنه لا يلحق الآدمي في الشرف انتهى كلام الأمير. وقد مر حديث صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد، والمجرور أعني قوله: في المسجد اختلف فيه هل هو ظرف للميت أو للصلاة، وعلى الأول فهو متعلق باسم فاعل مضمر، وعلى الثاني فهو متعلق بصلى، وهذا سبب اختلافهم في ميتة الآدمي قال ابن العربي، وكونه متعلقا بصلى أولى، وإنما أذنت عائشة في المرور بالميت في

стр. 247

المسجد لأنها أمنت أن يخرج منه شيء لقرب مدة المرور إلا أن مالكا لاحتراسه وحسمه للذرائع منع من إدخالهم في المسجد، وحسم الذرائع فيما لا يكون من اللوازم أصل في الدين انتهى نقله الإمام الحطاب، وما أبين من حي يعني أن ما أبين أي انفصل عن الحي الذي ميتته نجسة من هذه الأشياء التي يذكرها بقوله: "من قرن وعظم" الخ نجس، وأما ما ميتته طاهرة فما انفصل منه في حال حياته طاهر وقوله: "وما أبين من حي" هذا يشمل الآدمي على تنجيسه بالموت، وأما على طهارته فهل كذلك وهو قول ابن القصار ورجحه ابن عرفة، أو طاهر وهو قول الباجي وابن رشد وهو الصواب، وهما جاريان فيما أبين منه في حال حياته خلافا لمن قال إنه متفق على نجاسته، وعلى القول بطهارة ميتة الآدمي ترد سن سقطت لا على القول الآخر، وقوله: "وما أبين من حي" حقيقة أو حكما بحيث لا يعود لهيئته، وأما ما أبين من الآدمي بعد مماته فحكمه حكم ميتته بلا خلاف، وقد مر أن دم الآدمي نجس، وظاهر ما مر أو صريحه أنه نجس اتفاقا وميت يعني أن ما أبين من الميتة النجسة من قرن وعظم لخ نجس، وبما تقدم يظهر لك أن ما أبين من ميتة الآدمي من ظفر وعضو طاهر لأن المعتمد طهارة ميتته، ولما كان في لفظ ما عموم وليس بمراد بل المراد ما عدا ما سبق من الصوف وما معه بينه بقوله: من قرن يعني أن القرن إذا أبين من حي أو ميت حسبما تقدم نجس، وسواء أصله وطرفه خلافا لمن قال: النجس أصله الجاري فيه الدم وعظم يعني أن العظم إذا أبين من حي أو ميت فإنه نجس والعظم يشمل السن وعلى عدم طهارة ميتة الآدمي لا ترد سن سقطت، وعلى طهارته ترد كما مر قريبا، وظاهره وإن لم يضطر لردها على هذا بخلافه على الأول فإنما يجوز ردها للضرورة، قال الشيخ عبد الباقي: وروى عن السلف عبد الملك وغيره أنهم كانوا يردونها ويربطونها بالذهب انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن يعني عبد الملك بن مروان: وليس من السلف لأن السلف إنما يطلق على صالحي المتقدمين وليس هو منهم انتهى. وسكت المصنف عن اللحم لدخوله من باب أحرى إذ لا اختلاف في نجاسته قاله الحطاب. وظلف يعني أن الظلف إذا أبين مما ذكر فإنه نجس، والظلف للبقر والغنم والظبي كالحافر للفرس قاله عبد الباقي، وقال في القاموس: الظلف بالكسر للبقرة والشاة والظبي وشبهه بمنزلة القدم لنا. وعاج يعني أن عاج الفيل؛ أي سنه إذا أبين منه في حال حياته أو بعد موته ولم

стр. 248

يذك فإنه نجس، وظفر يعني أن الظفر إذا أبين من حي أو ميت فإنه نجس، وهو للآدمي والبعير والإوز والنعام، وأطلقوا الظفر هنا على ما يعم المخلب مجازا فيشمل الدجاج والله أعلم قاله الشيخ محمد بن الحسن وهذا هو المشهور. وقال ابن المواز ما قطع من طرف القرن والظلف مما لا يؤلم الحي ولا يناله دم ولا لحم فهو حلال أخذ منها حية أو ميتة. اللخمي: وعلى ذلك يجري ما قص من الظفر. البرزلي قال أبو محمد من صر أظفاره في طرفه وصلى بها فلا شيء عليه إن لم يكن في أظفاره نجاسة، وقال الشارح عند قوله: "من قرن وعظم وظلف وعاج وظفر" هذا هو المشهور إذ هو مما تحله الحياة ويموت بموت الحيوان، وقال ابن وهب: ذلك طاهر بناء على أنه لا تحله الحياة، وقيل الأصول تنجس بالموت بخلاف الأطراف، وقيل إن صلق طهر وإلا فهو نجس، وقوله: بخلاف الأطراف ابن عبد السلام: وهذا إنما يتأتَّى في غير العظم قاله الحطاب وقصبة ريش من إضافة الجزء للكل، وقد تقدم نظيره في قوله: "وزغب ريش" وذلك لأن الريش اسم للزغب والقصبة معا يعني أن قصبة الريش نجسة أعلاها وأسفلها، قال ابن شاس وابن الحاجب: الريش شبيه الشعر كالشعر وشبيه العظم كالعظم، وما بعد فعلى القولين، والمراد بالبعد علوه عما قارب الجسم من شبه العظم، وبالقولين القولان في أطراف القرون والمشهور منهما النجاسة فيكون المشهور في القصبة كلها النجاسة، وطريقة ابن بشير ما اتصل بالجسم كالعظم وطرفه كالشعر، وروى الباجي ما له سنخ في اللحم مثله وما لا كالزغب طاهر، والسنخ بكسر السين المهملة وبعدها نون ساكنة ثم خاء معجمة الأصل، فعلى ما قال ابن بشير ما لم يتصل بالجسم طاهر يكون طرف القصبة طاهرا، وأما كلام الباجي فالذي يظهر أنه يقتضي نجاسة جعيع القصبة قاله الحطاب، وما في المواق مما يقتضي ضعف ما في المص فيه نظر قاله الشيخ محمد بن الحسن، والدليل على قول المص: "وما أبين من حي" قوله ﷺ (ما أبين من حي فهو ميت) (١)، وفي الشبراخيتي وإنما كان المنفصل من العظم وما معه نجسا لأنه مما تحله الحياة ويموت بموت الحيوان وقد قال تعالى ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا﴾

стр. 249

الآية. ولا يعترض بأن الإحياء في الآخرة وأما في الدنيا فإنشاء لا إحياء لأن الإجماع على أن النشأة الثانية كالأولى ابن عبد السلام، وانظر تحقيق هذا الإجماع فقد جاء أن أهل الجنة طول أحدهم ستون ذراعا، وأن الكافر يعظم في جهنم حتى يكون سنة كأحد، ولا مانع أن يحيي الله ما كان ميتا في الدنيا تكميلا لنعمته أو عذابه، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الزيادة في طول أهل الجنة بعد دخولهم الجنة وذلك لا ينافي أن يكونوا في المحشر على صورتهم في الدنيا وكذلك القول في أهل النار نقله الشبراخيتي عن التوضيح. قال ونبه المصنف على هذه دون غيرها كاللحم والعصب والعروق ونحوها للخلاف فيما ذكر دون ما قلنا، وحينئذ فسكوته عنها لدخولها من باب أحرى لعدم الخلاف في نجاستها، يعني أن الجلد إذا أبين من حي أو ميت فإنه نجس حيث لم يدبغ إجماعا بل ولو دبغ على المشهور المعلوم من قول مالك: فلا يجوز بيعه ولا الصلاة به وهيئة الدباغ نزع الفضلات بالأشياء المعتادة في ذلك، وفي الطراز: والظاهر أنه لا يعتبر فيه آلة انتهى. ولا يتوقف الدبغ على فعل فاعل فإن وقع الجلد في مدبغة طهر، وما روى الباجي من أن الدباغ ما أزال الشعر والريح والدسم فيه نظر؛ إذ لا يلزم زوال الشعر إلا على قول الشافعي إن صوف الميتة نجس وأن طهارة جلد الميتة بالدبغ لا تتعدى لطهارة الشعر، ومقتضى ما تقدم أنه يكفي التراب والرماد والملح وغير ذلك مما ينزع الفضلات. وفي النووي الشافعي ولا يكفي في الدبغ تيبيسه بالشمس خلافا للحنفية ولا التراب ولا الرماد ولا الملح على الأصح في الجميع، والأصح صحته بالأدوية النجسة والمتنجسة كذرق الحمام والشب المتنجس ثم يجب غسله بعد الدباغ اتفاقا ولا يفتقر الدبغ إلى كون الدابغ مسلما، ورد المص بلو قول يحيى بن سعيد: ما دبغ بد جلد الميتة من دقيق أو ملح أو قرظ فهو له طهور انتهى. وحكمة الدباغ إنما هي بأن يزيل عفونة الجلد ويهيئه للانتفاع به على الدوام فما أفاد ذلك جاز به، وفي الحديث (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (١)، وقيدوه باستعماله في يابس وماء كما سيذكره المص، ورخص فيه يعني أن الإمام ﵁ رخص في استعمال جلد الميتة مطلقا أي من مأكول اللحم وغيره إلا

стр. 250

من خنزير يعني أن جلد الخنزير لم يرخص في استعماله، وهذا هو الذي مشى عليه ابن الحاجب وغيره، وذكر ابن العربي في أحكام القرآن أن المشهور من المذهب أن جلد الخنزير كغيره ينتفع به بعد دبغه، وإنما لم يرخص في جلد الخنزير لأن المذكاة لا تفيد فيه إجماعا فكذا الدباغ لا يفيد فيه على المشهور خلافا لما مر عن ابن العربي، وقوله: بعد دبغه متعلق برخص أي إنما يرخص في استعمال الجلد بعد دبغه لا قبله، وأما جلد الآدمي فلم يرخص فيه لشرفه كما يعلم من وجوب دفنه إجماعا فلا يحل سلخه ولا استعماله، وفي الإعلام وسئل ابن مرزوق عما حكي عن ابن حزم على منع سلخ جلد الآدمي واستعماله لما نهي عنه من المثلة فأجاب بأن ذلك ظاهر. أما الأول ففي غاية الوضوح، وأما الثاني فمعرة مثلته حيا كمعرة مثلته ميتا إما باعتبار قريبه الحي، وإما باعتبار روحه لما ورد أن الأرواح تتألم بما يصيب الأجسام، ولما ورد أن الميت يكره أن يرى منه ميتا ما يكره أن يرى منه حيا والمسلم والكافر في ذلك سواء، وحرمة المسلم أشد انتهى في يابس متعلق بقوله رخص يعني أنه يرخص في استعمال جلد الميتة المدبوغ في اليابسات كعدس وفول وحبوب وماء يعني أنه كما يرخص في استعمال جلد الميتة في اليابسات يرخص في استعماله أيضا في الماء لأن له قوة الدفع عن نفسه فيجوز استعماله في الماء ولو آنية لوضوء أو غسل أو يجعل قربة أو دلوا يستقى به، وقوله: في يابس فيغربل عليه ويجلس عليه، قال أبو محمد صالح ولا يطحن عليها لأنه يؤدي إلى أن تختلط أجزاء الميتة بالدقيق، ولا يؤاجر على طرح الميتة بجلدها لأنه لا يجوز بيعه، وكره مالك الاستقاء في جلد الميتة إذا دبغت في خاصة نفسه ولم يحرمه، ونص في العمدة والإرشاد على أنه يكره الوضوء على عظام الميتة وجلدها وإن دبغ، وفيها كراهة العاج يعني أنه وقع في المدونة كراهة العاج أي ناب الفيل إذا مات من غير تذكية، وقد مر له أن هذا نجس فأورد هذا استشكالا له لمخالفته لما تقدم، وتعقب ابن مرزوق على المص في هذا الاستشكال بأنه ذكر في المدونة ما يبين أن مراده بالكراهة التحريم فلا إشكال لأنه قال في الأمهات: أكره الادهان في عظم الفيل والامتشاط به والتجارة فيه لأنه ميتة انتهى. فقولها: لأنه ميتة دليل على أن المراد بالكراهة التحريم: واعتذر عن المؤلف بأن التعليل مذكور في الأم ولعله لم يذكر عند التهذيب، وحمل الكراهة على التنزيه ابن المواز وابن رشد وابن يونس قالوا: لأن ربيعة، وعروة،
следующие страницы →