← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وغيرها، قنوة بكسر القاف وضمها وقنيت أيضا قنية بالكسر والضم إذا اقتنيتها لنفسك، قال الخطابي: كالدابة يركبها والعبد يستخدمه. ولما تكلم على المبادلة، شرع في زكاة الخلطة وأفردها بالذكر؛ لأنها تشارك زكاة الانفراد في بعض شروطها وتخالفها في بعض، وعرف ابن عرفة الخلطة بأنها اجتماع نصابي نوع نعم مالكين فأكثر فيما يوجب تزكيتهما على ملك واحد. انتهى. واعترضَ بأن مفاده أن المجتمع نصابان، ولا يفيد أن لكل واحد نصابا لصدقه على أن لواحد نصابا ونصفا مثلا، وللاخر نصف نصاب مع أنه لا بد أن يكون لكل واحد نصاب كما يأتي، وأجيب بأن قوله: فيما يوجب، ظرف لقوله: اجتماع، فهو قيد فيد، والمالك لنصف نصاب مثلا لا يجتمع مع الآخر في ذلك، ففي كلامه ما يفيد أنه لا بد من أن يكون لكل منهما نصاب. والله سبحانه أعلم. واعترض تعريف ابن عرفة أيضا بأن فيه دورًا؛ لأن قوله يوجب، هو حكم الخلطة وأثرها، فالحكم به يتوقف على تصورها وأخذه في التعريف دور، وللشيخ الأخضري: وعندهم من جملة المردود … أن تدخل الأحكام في الحدود وقول ابن عرفة: نوع هو شرط لابد منه ولم يذكره المصنف، وأجيب بأنه يؤخذ من قوله: "كمالك فيما وجب"؛ لأن الإبل والبقر لا تجمع في الزكاة ولو جمعهما ملك. فكيف بالخلطة والصنفية كالضأنين لا تشترط، والجنسية كإبل وبقر أو غنم لا خلطة فيها؟ ثم إن كانا من صنف واحد صح كون الفحل أحد الثلاثة الآتية وإلا فلا؛ إذ فحل الضأن لا يضرب في إناث المعز. واعلم أن النصوص متواطئة على عدم اشتراط اجتماع النصابين، خلافا لتعريف ابن عرفة، فإذا كان المجتمع لهما نصابا فقط، وعند كل ما يوفي فإنها خلطة حقيقة، ووقع في التوضيح اشتراط اجتماع النصابين، كما قال ابن عرفة، ورد على ابن عبد السلام عدم اشتراط ذلك. والصواب مع ابن عبد السلام، فلا تغتر برده. قاله الرماصي. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقول ابن عرفة: تزكيتهما، ضمير التثنية يعود على المالكين أو على النصابين، وعليه فتكون على، بمعنى في. قاله الشبراخيتي؛ يعني على ملك واحد.

стр. 1857

وخلطاء الماشية؛ يعني أن أرباب المواشي إذا خلطوا مواشيهم على الوجه الآتي يكونون في الزكاة كمالك واحد، فيما وجب عليه، وأقل ما تحقق فيه الخلطة اثنان ولا حد لأكثرهم، وقوله: "الماشية"، يريد أن الخلطة إنما هي في خصوص الماشية، وأما غيرها فالعبرة بملك كل، كما قاله الشيخ الأمير. من قدر، هو وما عطف عليه بيان لما؛ يعني أن الخلطاء إنما يكونون كالمالك الواحد، فيما يجب عليه من القدر الذي يخرجه في الزكاة لو كان مالكا للجميع، فإذا كان يجب عليه واحدة أو أكثر بتقدير كونه مالكا للجميع، يجب عليهم أن يخرجوا ذلك القدر سواء أفادت تخفيفا أو تثقيلا أو لم تفد شيئا، فمثال ما أفادت الخلطة فيه تخفيفا ثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة عليهم شاة واحدة على كل ثلثها، ولولا الخلطة لكان على كل واحد منهم شاة، ومثال ما تفيد فيه التثقيل اثنان لواحد منهم تسع من الإبل وللآخر ست عليهما ثلاث شياه، ولولا الخلطة لكان على كل واحد شاة واحدة، ومثال ما لم تفد فيه تخفيفا ولا تثقيلا اثنان لواحد مائة شاة وللآخر مائة شاة. وسن، عطف على قوله: "قدر"، فهو أيضا بيان للواجب؛ يعني أنهم إذا خلطوا مواشيهم يكونون في السن اللازمة بمنزلة الواحد. المالك للجميع، فإذا كان اثنان لكل واحد ست وثلاثون من الإبل، فعليهما جذعة، ولولا الخلطة لكان على كل بنت لبون. وصنف، هو كالذي قبله من بيان الواجب على الخلطاء؛ يعني أن الخلطاء في إخراج المصنف إذا كان لهم صنفان يجب عليهم من ذلك ما يجب على الواحد بتقدير ملكه للجميع، فيخرج من الأكثر إن وجبت واحدة، وإن تساوى الصنفان خير الساعي إلى آخر ما مر، فإذا كان اثنان لواحد ثمانون ضأنا وللآخر أربعون معزا عليهما جذعة ضأن، على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى الآخر الثلث. وقد مر التمثيل لا تفيد فيه التخفيف والتثقيل، ولما إذا لم تفد شيئا، ومما تفيد فيه التثقيل اثنان لكل واحد مائة وشاة عليهما ثلاث شياه، ولولا الخلطة لكان على كل واحد شاة واحدة، واحترز المصنف بقوله: "من قدر وسن وصنف"، من غير ذلك من الوجوه التي يوجبها الملك، من نفقة وضمان وغيرهما، فإن كلا منهما لا يضمن ماشية الآخر، وينفق كل على ماشيته، ولكل منهما غلة ماشيته لا يخالطه الآخر فيها.

стр. 1858

وقد مر لي التصريح بأن زكاة الخلطاء على الوجه المذكور واجبة، ويفيد ذلك ابن عرفة والمصنف. وصرح بالوجوب ابن هلال في نوازله تبعا للإمام وغيره، قال مالك ولا تجب الصدقة على الخليطين حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، فإن كان لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، جمعا في الصدقة ووجبت الصدقة عليهما جميعا. وبالله تعالى التوفيق. ونص ابن هلال هو قوله بعد أن سئل عن الخلطاء في الإبل خمسة لكل واحد خمسة من الإبل، أيؤدون بنت مخاض أم لا؟ انتهى السؤال: فإن حصل شرائط الخلطة أو جلها وجبت عليهم جميعا بنت مخاض. انتهى الجواب. إن نويت؛ يعني أنه لا بد في زكاة الخلطة المذكورة من كونها منوية من الخلطاء أو الخليطين، ونية أحدهما لغو، واعتبرها ملك لأنها معنى يوجب تغير الحكم كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وقيل: معنى نية الخلطة أن لا يقصد بها الفرار من تكثير الواجب إلى تقليله، فإن قصد ذلك فلا أثر لها، ويؤاخذان بما كانا عليه، وكما يشترط في الخلطة أن لا يقصد بها الفرار من تكثير الواجب إلى تقليله، يشترط أيضا أن لا يفرقوا أي الخلطاء بين المجتمع قصدا إلى تقليل الواجب، وإلا أخذا بما كانا عليه قبل الافتراق، وتقدم دليل ذلك، ويثبت الفرار في الأمرين بالإقرار، وكذا يثبت بالقرينة، فإن لم يكن إقرار ولا قرينة لم يتعرض لهما إن كانا صالحين وإلا استدل على الفرار بقرب الزمن، وهل حد القرب إذا أظلهم الساعي، كما قال ابن المواز؟ وقيل: الشهر، وقيل: أقل من الشهر والشهر فأكثر بعيد، وقيل: القرب شهر. انتهى ملخصا من الأجهوري والشبراخيتي. ابن عرفة: صح (لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (١))، كخلطة ثلاثة لكل أربعون وافتراق اثنين لكل واحد مائة وشاة، والمنصوص الأخذ بما كان. فلو عدمت القرينة والزمان الدالان على الفرار، وأشكل الأمر فهل تتوجه اليمين على المالك أم لا؟ أو يفرق بين المتهم فتتوجه عليه اليمين دون غيره ثلاثة أقوال، ومذهب المدونة عدم توجه اليمين مطلقا. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي: وفي حده -يعني القرب- بشهرين وشهر ودونه خلاف. انتهى. قال الشيخ بناني: هكذا قال ابن الحاجب، وظاهره أنه خلاف في

стр. 1859

قدر الزمن الذي يستدل به على قصد الفرار، واعترضه في التوضيح بأن الذي تدل عليه النقول أن هذا خلاف في القدر الذي لا يكونان خليطين بأقل منه، فيستدل على قصد الفرار بما دونه. انتهى. وفي المدونة: ومن نزل به الساعي، فقال إنما أفدت غنمي منذ شهر، صدق ما لم يظهر كذبه. قاله مالك. ولا يحلف، وقد أخطأ من يحلف الناس من السعاة. انتهى. وقد نقل الحطاب عند قوله: "وخرج الساعي"، عن ابن رشد أن بعضهم تأول كلام المدونة هذا على غير المتهم، وأن المتهم يحلف. انتهى. وفي الحطاب عن ابن عرفة: ويثبت الفرار بالقرينة والقرب على المشهور وفي القرب الموجب تهمتهما خمسة أقوال. ابن القاسم: اختلاطهم لأقل من شهرين معتبر ما لم يقرب جدا. ابن حبيب: أقله شهر وما دونه لغو. محمد: أقل من شهر معتبر ما لم يقرب جدا. ابن بشير: في كون موجب التهمة شهرين ونحوهما أو شهرا. ثالث الروايات: دونه والإحلاف عند الإشكال كيمين التهمة، ثالثها: يحلف المتهم. وذكر الشيخ عبد الباقي أن الأقسام ثلاثة؛ فالصالحان يصدقان ومستورا الحال يصدقان بيمين حيث اتهما، فإن لم يحلفا أخذا بما كانا عليه قبلُ، ومعلومان بذلك ظهر فسقهما يؤاخذان بما كانا عليه قبل ولو حلفا. قاله عبد الوهاب. وفي العتبية: سئل عن رجل تصدق على ابن له بغنم فحازها له، فإن ضمها إلى غنمه كان فيها شاتان، وإن أفردها كان فيها شاة؟ قال: لا يضمها إلى غنمه، قال: فلو ضمها وقال للمصدق لما جاءه، ليس لي إلا كذا وكذا وسائرها تصدقت به على ولدي؛ أيصدقه الساعي؟ قال: نعم يصدقه إذا كان على صدقته بينة. ابن رشد: يريد يصدقه على تعيين الغنم إذا شهدت البينة بالصدقة ولم تعينها، وظاهر قول سحنون: أنه يصدق وإن لم تكن له بينة، وهي استحسان على غير قياس؛ لأنه أقر أن الغنم كانت له وادعى ما يسقط زكاتها. انتهى. قاله الحطاب. وإذا أصدق الرجل امرأته ماشية بعينها كثمانين شاة ولم تقبضها حتى تم لها حول عند الزوج، وطلقها قبل البناء وقبل مجيء الساعي، فإن الغنم المذكورة تزكى زكاة الخلطة وهو مذهب المدونة. قاله في التوضيح. وحينئذ فلو كان في نصيب أحدهما ما فيه الزكاة دون الآخر فلا زكاة

стр. 1860

على الآخر كما في المدونة، واستشكل تصوير كون الزكاة في حظ أحدهما دون الآخر مع أن الماشية بينهما نصفين، وأجاب عن ذلك الشيخ أبو الحسن بما نصه: لعل نصيب كل منهما لا تجب فيه الزكاة، وعند واحد منهما ما يضيفه من غيرها. قاله غير واحد. وهذه المسألة من باب الشركة. وبما ذكر عن أبي الحسن تعلم أن ما مر من أن الجزء لا يوجب شيئا، إنما هو فيما إذا لم تتعدد الأجزاء، وأما إذا تعددت بحيث يكون له نصف بعير مثلا ونصف بعير آخر، فإن هذا يعتبر كمسألة المدونة، وسيأتي ما هو صريح في ذلك إن شاء الله. وفي شرح الشيخ عبد الباقي عند قوله: "وراجع المأخوذ منه شريكه"، أنه عبر بالشريك عن الخليط مجازا، قال: إذ الخلطة كما قال ابن يونس: لا ملك رقبة فيها لهما وغنم كل متميزة، والشركة ملك الرقبة بين كل من غير تمييز، وإن كان حكم الشركاء كالخلطاء فيزكون زكاة الخلطة كما في أحمد عن ابن يونس، وذكر عن المدونة: أن الشركة تكون في غير الماشية أيضا، ففيها: والشركاء في كل حب يزكى أو ثمر أو عنب أو ورق أو ذهب أو ماشية، ليس على من لم تبلغ حصته منهم مقدار الزكاة زكاة. انتهى. وقد مر أن الخلطة إنما هي في خصوص الماشية، وأما في غيرها فالعبرة بملك كل، وما شرحت به قوله: إن نويت، هو الذي للمواق والشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الأمير: ولم أذكر النية لأن النية الحكمية لا تنفك عن الشركاء عرفا. انتهى؛ يعني الخلطاء. والله سبحانه أعلم. وشرح المصنفَ غيرُ واحد بما هو ظاهره، فقال: إن نويت الخلطة المفهومة من خلطاء الماشية من كل منهما ونية أحدهما دون الآخر لغو. سند: اعتبرها مالك لأنه معنى يوجب تغيير الحكم، فيفتقر إلى النية كاقتداء المأموم، ولم يعتبرها أشهب، وبالتقرير الأول يجاب عما يقال: لم ترك المصنف الشرط المدلول عليه؟ بخبر: (لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (١)). وذكر ما لم يرد به نص صريح. وكل حر؛ يعني أنه يشترط في زكاة الخلطاء على ملك واحد ستة شروط: أحدها النية وقد مر المراد بها، ثانيها أن يكون كل منهما أو منهم حرا، فإن كان أحدهما حرا والآخر عبدا فلا زكاة على العبد، ويزكي الحر زكاة الانفراد، ولو خالط السيد عبده فإن كانت حصة السيد والعبد

стр. 1861

نصابا فلا زكاة على واحد منهما كأجنبيين، وكذا إن كانت حصة العبد نصابا وحصة سيده دونه، وبالعكس زكى السيد فقط -كما مر- قال ابن عرفة: وخلطة العبد وسيده وشركته كأجنبي، وقال ابن كنانة: يزكي السيد الجميع، وفي رسم الجواب من سماع عيسى من زكاة الحبوب: وسألته عن العبد يكون شريكا لسيده فلا يرفعان إلا خمسة أوسق، هل يكون فيها زكاة، أو يكون خليطا له في الغنم لكل واحد منهما عشرون، هل عليهما صدقة؟ قال ابن القاسم: قال مالك: ليس عليهما، ولا على أحدهما في ذلك قليل، ولا كثير في زرع ولا غنم، قال ابن القاسم: وهذا مما لا شك فيه ولا كلام، واحذر من يقول غير هذا أو يرويه، فإن ذلك ضلال. ابن رشد: من يقول إن العبد لا يملك، وإن ماله لسيده، يوجب الزكاة عليه في الزرع والغنم؛ وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وفي المدونة: لابن كنانة نحوه، قال: يخرج من ذلك ثم يصنع هو وعبده ما شاء. انتهى. قاله الإمام الحطاب. ثالثها: أشار إليه بقوله: مسلم؛ يعني أنه يشترط في زكاة الخلطة أيضا أن يكون كل من الخلطاء مسلما، فلو كان أحد الخليطين كافرا فإنه يزكي الحر المسلم زكاة الانفراد، وأما الكافر فلا تصح منه الزكاة ولا غيرها من أمور الإسلام ما دام كافرا، لفقد الشرط الذي تنبني عليه أمور الإسلام؛ وهو الإيمان، فالذي يبني على غيره كالذي يبني في الهواء، فانظر هل يتم بناؤه أم لا؟ وقوله: "وكل حر" الخ، الجملة حال من الضمير في الخبر، أعني قوله: "كمالك". رابعها: أشار إليه بقوله: ملك نصابا؛ يعني أنه لابد في الزكاة على الوجه المذكور من أن يكون كل من الخلطاء أو الخليطين ملك نصابا ولو لم يخالط بجميعه -كما مر- ولذا عبر بملك دون خالط، فإذا خالط أحدهما بأقل من النصاب وله مال مفرد يكمله ضم إلى مال الخلطة على المشهور، فيزكي الجميع زكاة الخلطة، واحترز بقوله: "ملك"، من الغاصب والمتعدي والمودع والمستعير ونحوهم، وبقوله: "نصابا"، عن المالك دون نصاب، فيزكي ذو النصاب زكاة الانفراد، ولا شيء على من لم يكن عنده إلا ما دون النصاب. وفي الشبراخيتي. ما يفيد أنه لا بد أن يكون فيما اجتمع بينهما نصاب، فإنه قال: وكذا لو كان عند كل نصاب، وخالط كل نصاب بعض نصاب الآخر، بحيث صار ما وقع فيه الخلط نصابا. انتهى. وكذا ما تقدم عن الشيخ محمد بن

стр. 1862

الحسن من قوله: فإذا كان المجتمع لهما نصابا فقط، وعند كل ما يوفي فإنها خلطة حقيقة. انتهى. والله سبحانه أعلم. وفي الحطاب، قال مالك: والزكاة واجبة على الشركاء في النخيل والزرع والكرم والزيتون إذا بلغ حظ كل واحد منهم ما فيه الزكاة، ومن لم يبلغ فلا شيء عليه. انتهى. وفي الشامل: ولا شيء على شريك حصته دون نصاب في عين وماشية وحرث، وفي المدونة: يعتبر النصاب في حصة كل واحد من الشركاء في جملة أموال الزكاة. قاله الحطاب. خامسها: أشار إليه بقوله: بحول؛ يعني أنه لا بد في زكاة الخلطة من أن يتفق المالكان في الحول، ويحسب الحول من يوم الملك ومن يوم الزكاة، فلو حال على مال أحدهما الحول دون الآخر لم تؤثر الخلطة، فيزكي من حال الحول على ماشيته زكاة الانفراد، ولا زكاة على الآخر حتى يحول خليه الحول، فيزكى زكاة الانفراد إن لم يخالط آخر متفقا معه في الحول، ولا يشترط مرور الحول عليهما مختلطين، بل يكفي اختلاطهما أوله أو أثناءه ما لم يفهم بخلطهما الفرار -كما سبق- "والباء"، بمعنى: مع، متعلقة "بملك"؛ أي ملكا مصاحبا للحول، وعبارة الشيخ الأمير: والخلطاء كمالك في حول ابتداؤه بعد الخلطة أو قبلها متفقا، وإلا زكى كل ماله. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وقول الحطاب -يعني أن يتفقا في الحول- فيه نظر؛ إذ يوهم أو يقتضي أنه إذا حال الحول على مال أحدهما، ثم حال على مال الآخر ولم يأت الساعي إلا بعد مرور حول الثاني، أنهما لا يكونان خليطين، وليس كذلك. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل لا يقتضي شيئا من ذلك؛ لأن الحول في الحقيقة هو مجيء الساعي، وقد اتفقا فيه في هذه الصورة، وعبارة الحطاب هذه مثل عبارة الجواهر. كما نقله الرماصي. وقال الشيخ الخرشي: ولابد من اتفاقهما في الحول، فلو لم يتفقا لم تصح خلطتهما. ابن رشد: لا يكون الرجلان خليطين، ويزكيان زكاة الخلطة حتى يكون الحول قد حال على ماشية كل منهما، فلو كانت ماشية أحدهما مائة وقد حال عليها الحول، وماشية الآخر خمسون لم يحل عليها الحول، فأخذ الساعي منهما شاتين، فإن أخذهما من صاحب المائة لم يكن على صاحب الخمسين شيء؛ لأن الواحدة واجبة عليه، والثانية مظلمة وقعت، وإن أخذهما من صاحب الخمسين رجع بالواحدة

стр. 1863

على صاحب المائة، وكانت الثانية مظلمة وقعت عليه، وإن أخذ واحدة من غنم صاحب المائة وواحدة من غنم صاحب الخمسين لم يكن لصاحب الخمسين على صاحب المائة رجوع بالشاة التي أخذت منه؛ لأنها مظلمة وقعت عليه ولا ترادّ في هذا؛ إذ لا اختلاف فيه بخلاف ما إذا زكاها زكاة الخلطة وماشية أحدهما أقل من نصاب. انتهى. وهو يفيد أن الأخذ من غنمهما في الفرض المذكور بتأويل كالأخذ من غير تأويل، وليست كمسألة تأول الساعي الأخذ من نصاب لهما، الخ؛ لأن أخذ الزكاة في هذه لم يقل به أحد. انتهى. كلام الخرشي. سادسها: أشار إليه بقوله: واجتمعا بملك أو منفعة في الأكثر؛ يعني أنه لابد في زكاة الخلطة من اجتماع الخليطين في ملك رقاب الأكثر من هذه الأمور الخمسة التي يذكرها المصنف، أو في ملك منفعته بإجارة أو إعارة، أو إباحة للناس كماء نهر ومراح، ومبيت بأرض موات، أو راع تبرع لهما بمنفعته، وكفحل يضرب في الجميع حيث كان من الأكثر، وجمع المصنف أولا وثنى الضمير إشارة إلى أنه لا فرق بين اثنين وأكثر منهما. والحاصل أنه لا بد من اشتراكهما في ثلاثة فأكثر من الأمور الخمسة إما باشتراك في ملك للرقبة، وإما باشتراك في ملك المنفعة، والمراد بالاشتراك في المنفعة أن لا يكون في حوز أحدهما، وبين المصنف الأمور الخمسة التي لابد من اشتراك المالكين فأكثر في ملك رقبتها أو منفعتها؛ أي في الأكثر منها بقوله: من مراح؛ يعني أنه تشترط الشركة في المراح؛ أي موضع الرواح للمبيت بالملك لرقبته أو منفعته، بإجارة أو إعارة، أو كونه مباحا كموات إذا كان أحد الثلاثة التي لابد من الشركة في ملكها أو منفعتها وإلا فلا، وقوله: "مراح"، قال الشيخ عبد الباقي: بضم الميم على الأشهر، ويفتح وهو موضع اجتماع الماشية بقائلة، اتحد أو تعدد واحتاجت له. انتهى. قوله: اتحد أو تعدد، قال الشيخ محمد بن الحسن: صحيح، هكذا نقله المواق عن ابن بشير في المراح والمبيت. انتهى. وقال الشبراخيتي: ضبطه عياض بضم الميم، وفصل الجوهري بين المحل الذي تقيل فيه أو تجمع فيه ثم تساق منه للمبيت فبالفتح، وبين المحل الذي تبيت فيه فبالضم، وما قاله عياض لا يخالف ما قاله الجوهري؛ لأن ما قاله عياض مجمل، وما قاله الجوهري مفصل، فيحمل المجمل على المفصل، فيحمل ما قاله عياض على المحل الذي تبيت فيه، وكلام المصنف

стр. 1864

يضبط بالفتح لأن المراد به المحل الذي تقيل فيه أو تجمع فيه، ثم تساق منه للمبيت، لا المحل الذي تبيت فيه، وإلا تكرر مع قوله: ومبيت. انتهى. وقال الإمام الحطاب: ضبطه عياض بضم الميم، والجوهري: إن كان بمعنى البيت فبالضم، وبمعنى موضع الاجتماع للرواح للمبيت بالفتح، والمعنى الثاني هو المراد في كلام المصنف لذكره المبيت. انتهى. وماء، هو أحد الخمسة التي لا بد من الاشتراك في ثلاثة منها فأكثر؛ يعني أنه يشترط في زكاة الخلطة أن يكون الماء الذي تشرب منه مواشي الخلطاء مشتركا، ولو بإباحته للناس، هذا إذا كان أحد الثلاثة وإلا فلا، وقال الشيخ عبد الباقي: ماء مباح للناس أو ملك لهما أو لأحدهما، ولا يمنع ماشية الآخر منه. انتهى. ومبيت؛ يعني: أنه لا بد من اشتراكهما في ملك المبيت أو منفعته حيث كان أحد الثلاثة، وإلا فلا. والمبيت هو الموضع الذي تبيت فيه الماشية، وقوله: "ومبيت": قال الشيخ عبد الباقي: واحدا أو متعددا احتاجت له، ويقال للمبيت: المراح وموضع الحلاب. وراع؛ يعني: أنه لابد من اجتماعهما في الراعي بأن يكون ملكا بينهما، أو يؤاجراه واحدا يجمع الماشيتين، أو يكون لكل ماشية راع، وتعاونا عند ابن القاسم وابن حبيب، وإن لم يحتج لهما على المعتمد، خلافا للباجي. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما للباجي من اشتراط الاحتياج في تعدد الراعي هو الذي صححه في التوضيح ولم يذكر المواق غيره، لكن اعترض ابن عرفة كلام الباجي بأنه خلاف ظاهر نقل الشيخ عن ابن حبيب وابن القاسم من الاكتفاء بالتعاون في تعدد الراعي، كثرت الغنم أو قلت، فهذا مستند الزرقاني في خلاف الباجي. والله أعلم. وقوله: "وراع"؛ أي حيث كان أحد الثلاثة، وإلا فلا. بإذنهما؛ يعني أنه لابد في زكاة الخلطة المرتبة على اجتماع المواشي أن يكون ذلك الاجتماع حصل بإذن من المالكين للرعاة فيه، فإن اجتمعت رعاة مواش بغير إذن أربابها لم يصح عده من الأكثر. قاله الشيخ عبد الباقي. ومقتضاه أنه لو حصل اجتماع الرعاة بدون إذن أرباب الماشية، واجتمعوا في ثلاثة غير الراعي لزكوا زكاة الخلطة. قاله جامعه. والله سبحانه أعلم. وعلم من هذا ومما مر: أنه إذا لم يكن اجتماع من المواشي لا تصح زكاة الخلطة. والله سبحانه أعلم.

стр. 1865

وفحل؛ يعني أن الفحل إذا كان من الثلاثة المذكورة لابد أن يشتركا في ملكه أو منفعته، ولابد أيضا أن يكون صنف ماشيتهما واحدا كضأن أو معز إن اتحد الفحل، فإن اختلفت ماشيتهما كضأن لأحدهما ومعز للآخر، فلا يصح أن يعد الفحل من الأكثر ولو اشتركا فيه؛ إذ لا يضرب فحل ضأن في إناث معز، فإن اعتبرت الثلاثة من غيره جاز كونهما من صنفين كضأن ومعز وجاموس وبقر، فاشتراط كونهما من صنف دائما فاسد، وإن تعدد الفحل بأن كان لكل ماشية فحل ويضرب في الجميع أيضا جاز ذلك إن اشتركوا فيه. على ما مر. والحاصل أن الخمسة المذكورة لابد أن يجتمعا في أكثر من اثنين منها، ولا بأس أن يختص واحد منهما أو منهم بواحد منها أو اثنين، قال الإمام الحطاب: وزاد بعضهم اتحاد نوعي الماشية، وإنما تركه لوضوحه، وإلا فلا بد منه. وقوله: برفق، راجع للخمس أي لابد من قصد الترافق والتعاون في الجميع، لا يقَصْدِ الفرار من الزكاة، ففي هذا أيضا إشارة إلى ما في الحديث: (لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (١))، وقد مر الكلام عليه عند قوله: "إن نويت". ولما فرغ من الكلام على شروط الخلطة، بَيَّن كيفية مراجعة أحدهما للآخر عند أخذ الساعي أحدهما -وهي من ثمرات الخلطة- فقال: وراجع المأخوذ منه شريكه، المراد بالشريك الخليط؛ إذ الشركاء لا مراجعة بينهم؛ يعني أنه إذا أخذ الساعي من أحد الخليطين جميع ما عليهما أو أزيد مما على المأخوذ منه، فإن المأخوذ منه يراجع شريكه؛ أي يرجع عليه، وتكون المراجعة بنسبة عدديهما؛ أي بنسبة عدد كل منهما لمجموع العددين، ومعنى ذلك أن توزع قيمة المأخوذ على العددين، ويرجع المأخوذ منه على الآخر بما ينوب عدد ماشيته من القيمة. أما إذا كان الوقص من الطرفين، فلا خلاف في ذلك كتسع من الإبل لأحدهما وللآخر ست، فعليهما ثلاث شياه تقسم على خمسة عشر بعيرا، فتجعل على خمسة أخماس، يخرج لكل ثلاثة من الإبل خمس بضم السين (٢))، فعلى صاحب التسعة ثلاثة أخماس من الشياه الثلاث؛ وهي شاة وأربعة أخماس من شاة، وعلى صاحب الستة خمسا الشياه الثلاث؛ وهما شاة وخمس شاة، وهذا

стр. 1866

إذا كان الوقص من الطرفين يؤثر في لزوم الزكاة كالمثال المذكور، وأما إن كان غير مؤثر كثمانية وست، فكما إذا انفرد وقص لأحدهما، فيجري فيه الخلاف الجاري فيما إذا انفرد وقص لأحدهما المشار إليه "بلو"، في قوله: ولو انفرد وقص لأحدهما؛ يعني أنه يرجع المأخوذ منه أيضا على الآخر بما ينوب عدد ماشيته من قيمة الزكاة التي أخذت منه، فيما إذا كان الوقص من طرف واحد، كما إذا كان لأحدهما خمس من الإبل، وللآخر تسع من الإبل، فاللازم في ذلك شاتان ينوب كل سبعة منها قيمة شاة، فإذا أخذ الشاتين من صاحب التسعة رجع على صاحب الخمسة بخمسة أسباع من قيمة شاة، وإن أخذهما من صاحب الخمسة رجع على صاحب التسعة بقيمة شاة وسُبُعَيْنِ من قيمة الأخرى، وإن أخذ من كل منهما واحدة رجع صاحب الخمسة على صاحب التسعة بسُبْعَيْن؛ هذا هو المشهور. وبالغ المصنف "بلو"، لرد قول مالك المرجوع عنه، فإنه كان يقول أَوَّلًا: على كل واحد شاة، ثم رجع إلى هذا. قاله الشارح. ويجري هذا الخلاف أيضا فيما إذا لم ينفرد وقص لأحدهما، ولكنه غير مؤثر كما مر. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله. "وراجع"، لو قال: ورجع المأخوذ منه على صاحبه، كان أولى؛ إذ الفاعلة ليست على بابها من الجانبين. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والوقص ضبطه عياض بفتح القاف، أبو الحسن: وبعض المتفقهة يقولون بالسكون، وهو خطأ، ونقل في التوضيح الإسكان عن النووي، وقال سند: الجمهور على تسكين القاف. قاله الحطاب. والوقص هو ما بين الفريضتين في أنواع النعم. واعلم أن هذه اللفظة معلومة قبل الشرع، فيجب أن تكون لمعنى لا تعلق له بالزكاة التي لم تعلم إلا من الشرع، واستعيرت من ذلك المعنى اللغوي لهذا المعنى الشرعي، وذلك يحتمل أن تكون من وقص العنق الذي هو قِصَرُهُ لقصوره عن النصاب، أو من وقصت به فرسه إذا قاربت الخطى؛ لأنه يقارب النصاب، ويقال بالسين والشنق بفتح الشين المعجمة والنون: ما يزكى من الإبل بالغنم. قاله مالك. قاله في التنبيهات. وذكر الجوهري أن الشنق مرادف للوقص. حكاه عنه القرافي، وفسره في النهاية أيضا بذلك، قال: وإنما سمي شنقا لأنه لم يؤخذ منه شيء فأشنق إلى ما يليه أي أضيف، ثم قال: والعرب تقول إذا وجبت على الرجل شاة في خمس من الإبل قد

стр. 1867

أشنق أي وجب عليه شنق، فلا يزال شنقا إلى أن تبلغ إبله خمسة وعشرين، ففيها بنت مخاض، وقد زال عنه اسم الإشناق، ويقال له: معقل؛ أي مؤد للعقال مع ابنة المخاض، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين فمفرض؛ أي وجبت في إبله الفريضة. انتهى. فكأنه -والله أعلم- سمي شنقا لكونه أشنق إلى غيره؛ أي [أضيف] (١) الإبل إلى الغنم فزكيت بها. والله أعلم. قاله الحطاب. وقوله: في القيمة متعلق بقوله: "وراجع"؛ يعني أن المأخوذ يرجع على الآخر بنسبة عدديهما بما عرفت، وإنما يرجع بالقيمة اتفاقا إن كان الرجوع بجزء وكذا إن كان الرجوع بذات كاملة من إبل أو بقر أو غنم على المشهور، وهو قول ابن القاسم خلافا لأشهب القائل: إنه يرجع بمثل ما أخذ حينئذ، بناء على أن الرجوع عليه كالمتسلف، وقال ابن القاسم بالقيمة بناء على أنه كالمستهلك ونص ابن عرفة: وفي الرجوع بمثل المأخوذ إن كانت شاة وقيمته، نقلا الباجي عن أشهب وابن القاسم، قال: بناء على أنه سلف أو استهلاك، قال: وإن كان جزءا فقيمته اتفاقا منهما، وفي كون القيمة يوم الأخذ أو يوم القضاء، نقل الباجي عن ابن القاسم، وتخريج الشيخ عن أشهب. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن، واقتصر في الشامل على قول ابن القاسم: إن القيمة تعتبر يوم أخذ الساعي، واستظهره المصنف في التوضيح؛ وهو المذهب. قاله الشبراخيتي. وشبه في التراجع بنسبة العددين في القيمة. قوله: كتأول الساعي الأخذ من نصاب لهما؛ يعني أنه إذا كان بين الخلطاء أو الخليطين نصاب، فإنهما يتراجعان بنسبة عدديهما فيما أخذ الساعي بالقيمة، حيث كان الساعي متأولا في الأخذ؛؛ أي مقلدا لمن يرى تأثير الخلطة بما دون النصاب إذا كمل بينهم نصاب؛ وهو لابن وهب. وسواء كان لاثنين أو أكثر، كأربعة نفر لكل واحد منهم عشر شياه، فأخذ من الأربعين شاة، قومت بأربعة دراهم، فإن المأخوذ منه يرجع على كل من خلطائه بدرهم. قاله الشيخ إبراهيم. أو لأحدهما وزاد للخلطة؛ يعني: أنه إذا كان لأحد الخليطين نصاب، وللآخر أقل من نصاب ولكنه إذا أضيف للأول بتقدير كونهما ملكا لواحد يحصل من ذلك ما فيه شاتان مثلا فأخذ الساعي من ماشيتهما شاة وزاد شاة أخرى لأجل الخلطة مقلدا لمن يرى ذلك؛ وهو ربيعة، فإنهما

стр. 1868

يتراجعان فيما أخذ الساعي بالقيمة، فإذا كان لأحدهما مائة شاة وللآخر خمسة وعشرون فقط فأخذ شاتين، فإنهما يتراجعان في الشاتين على صاحب المائة أربعة أخماسهما؛ وهي قيمة شاة وثلاثة أخماس من قيمة شاة، وعلى صاحب الخمسة والعشرين خمسهما؛ وهو خمسا قيمة شاة هذا قول محمد وسحنون، وقيل: على صاحب المائة شاة، وتقسم الثانية على مائة وخمسة وعشرين على صاحب المائة أربعة أخماسها، وعلى صاحب الخمسة والعشرين خمسها؛ وهو مذهب ابن عبد الحكم. وإنما تراجع الخلطاء في المسألتين لأن أخذ الساعي بالتأويل يشبه حكم الحاكم في مسائل الخلاف فلا ينقض، وإذا أخذ الساعي في المسألة الأولى شاتين كانت إحداهما مظلمة وترادوا في الأخرى بينهم إن استوت قيمتهما، وإن اختلفت فنصف قيمة كل شاة مظلمة، وترادوا في النصفين الآخرين، ومثل تأول الساعي لو ظن أن الغنم كلها لواحد لأن اجتماعهما أوجب الخطأ عليهما. قاله الخرشي. ومفهوم زاد للخلطة أنه لو لم يزد لها كأن يكون لأحدهما سبعون من الغنم وللآخر ثلاثون، فأخذه زائدا عن شاة محض ظلم وغصب. والغصب هو ما أشار إليه بقوله: لا غضبا؛ يعني: أنه إذا كان أخذه -أي الساعي- في جميع ما مر على غير تأول، بأن لم يقلد من يرى ذلك وإنما أخذ ما أخذ غصبا أو جهلا، فإنه لا رجوع للمأخوذ منه على الآخر بشيء لأنه محض ظلم. والحاصل أن هذه المسألة على أربعة أقسام: متأول وظان أن الماشية لمالك واحد يترادان على ما مر، وقد مر أن المتأول هو المقلد لمن يرى زكاة الخلطة في ذلك، وأما من ظن أن ذلك هو الحكم فإنه جاهل، والغاصب والجاهل لا تراجع فيما أخذاه والله سبحانه أعلم. ولم يكمل لهما نصاب؛ يعني أن الخليطين أو الخلطاء إذا لم يكمل لهما أولهم نصاب وأخذ الساعي شاة من أحدهما، فإنه لا رجوع للمأخوذ منه على الآخر بشيء؛ لأن ما يأخذه إنما هو بطريق الغصب أو الجهل، قال غير واحد: وهذا يغني عنه ما قبله، ولو كان لأحدهما أربعون وللآخر ثلاثون فإنما تلزم شاة وهي على صاحب الأربعين، فإن أخذت من غنمه فواضح، وإن أخذت من غنم صاحبه رجع بها عليه، فإن أخذ شاتين من غنم صاحب الأربعين لم يرجع بشيء على صاحبه، وإن أخذهما من صاحبه رجع على صاحبه بقيمة واحدة، وإن أخذ من كل

стр. 1869

واحدة فلا تراجع إن كانت المأخوذة من الأربعين مجزئة أو ليست واحدة مجزئة، وإن كانت المأخوذة من صاحب الثلاثين هي المجزئة رجع بقيمتها على صاحب الأربعين. قال بعض: وهذا إذا ابتدأ بالأخذ من الثلاثين، فإن ابتدأ بالأخذ من الأربعين لم يرجع صاحب الثلاثين عليه بشيء، كانت المأخوذة من الأربعين مجزئة أو لا؛ لأن بأخذ شاة من الأربعين رجعت إلى ما لا زكاة فيه، فالمأخوذة بعد ذلك من الثلاثين مظلمة. قاله الخرشي. وذو ثمانين خالط بنصفيها ذوي ثمانين؛ يعني أنه إذا كان لشخص ثمانون من الغنم خالط بأربعين منها صاحب أربعين من الغنم، وبالأربعين الأخرى شخصا له أيضا أربعون من الغنم، فإنه يكون على صاحب الثمانين شاة، وعلى غيره نصف؛ أي على كل منهما نصف شاة. والحاصل أن اللازم شاتان، على صاحب الثمانين شاة وعلى صاحبي الثمانين شاة بينهما بالسوية؛؛ أي فعلى كل منهما نصفها. وعلم مما قررت أن صاحبي الثمانين لكل منهما أربعون. وعلم من قوله المار: "ملك نصابا"، أن ذا الثمانين الذي خالط بنصفيها مالك لها كصاحبيه، وقوله: "وذو ثمانين خالظ"، هو قول ابن القاسم وأشهب؛ وهو المبني على المشهور من أن خليط الخليط خليط، ومقابل القول بأن خليط الخليط خليط ثلاثة أقوال: أحدها أن كل واحد من صاحبي الأربعين لا يحتسب بالآخر وإنما يحتسب بجميع غنم من خالطه خاصة وهي ثمانون، فيكون على كل من صاحبي الأربعين ثلث، شاة وعلى صاحب الثمانين ثلثا شاة، ثانيها: أن كل واحد من صاحبي الأربعين لا يحتسب إلا بما خالطه به صاحب الثمانين وهو الأربعون، فيكون عليه نصف شاة وعلى صاحب الثمانين ثلثا شاة؛؛ لأنه يجمع جميع ملكه وهو الثمانون، ويضمها إلى كل واحد بانفراده، ويتفق هذا القول وما قبله على أن على صاحب الثمانين ثلثي شاة، ويختلفان فيما على كل من مالكي الأربعين، فعلى الأول على كل واحد منهما ثلث شاة، وعلى الثاني نصف شاة،

стр. 1870

ثالثها: أن صاحب الثمانين لا يجب عليه ضم بعض ملكه إلى بعض، لكن يزكي كل مالك ما خالط به الآخر، كأنه لا يملك غيره، وهذا القول يوافق القول الذي مشى عليه المصنف في المثال المذكور، في أنه على كل من صاحبي الأربعين نصف شاة وعلى صاحب الثمانين نصفا شاة ويظهر الفرق في غير هذا المثال وهو رجل له خمسة عشر بعيرا خالط بخمسة منها رجلا صاحب خمسة وبالعشرة صاحب خمسة فعلى المشهور الذي مشى عليه المصنف على الجميع بنت مخاض وعلى الثاني عليهم خمس شياه على صاحب الخمسة عشر ثلاث شياه وعلى كل واحد من الطرفين شاة قاله الخرشي والأجهوري لخصته من كلامهما ومعنى خليط الخليط خليط مخالط المخالط مخالط قاله الشيخ علي الأجهوري ففعيل هنا بمعنى مفاعل أو بنصف فقط ذا أربعين يعني أن من كانت له ثمانون شاة وخالط بنصفها فقط شخصا له أربعون شاة وأبقى الأربعين بيده ببلد واحد أو بلدين فإن الواجب عليهما شاة واحدة على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى صاحب الأربعين ثلثها وقوله كالخليط الواحد خبر عن قوله وذو ثمانين وحينئذ فهو راجع للمسألتين ومعنى الخليط المخالط أما المسألة الأولى فوجه التشبيه فيها ظاهر أي يقدر ذو الثمانين الذي خالط بنصفها مالك أربعين وخالط بالنصف الآخر مالك أربعين كأنه خالط شخصا واحدا فهما كالشخص الواحد لأجل خلطته هو الحاصلة مع كل منهما لأن خليط الخليط خليط أي مخالط المخالط مخالط وأما المسألة الثانية وإن كان الخالط فيها واحدا فوجه ذلك أن قوله كالخليط الواحد يعني به الواحد الحقيقي الذي لم يخالط إلا واحدا ولم يبق عنده من ماشيته شيئا بدون مخالطة فلا يلزم منه تشبيه الشيء بنفسه قاله الشبراخيتي وفيه ما فيه كما لا يخفى. والله سبحانه أعلم. وقوله: عليه شاة وعلى غيره نصف تبيين لما يترتب على قوله كالخليط الواحد وفيه حذف الواو وما عطفت أي على صاحب الثمانين شاة في المسألة الأولى، وثلثا شاة في المسألة الثانية، وعلى غيره نصف ما عليه في المسألتين، فعلى كل من صاحبي الأربعين في الأولى نصف شاة، وعلى صاحب الأربعين في الثانية ثلث شاة؛ لأن الذي على صاحب الثمانين فيها ثلثا شاة. والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أن قوله: "وعلى غيره نصف"، معناه نصف ما على صاحب الثمانين في المسألتين، وقوله: بالقيمة، يحتمل أن يريد أن تراجع الخلطاء يكون بالقيمة في هذه أيضا؛ وهو

стр. 1871

تكرار لا كبير فائدة فيه، ويحتمل أن الساعي إذا وجب له جزء من شاة أو بعير يأخذ القيمة، قال ابن الحاجب بعد هذه المسألة: وإذا وجب جزء تعين على الساعي أن يأخذ منه قيمة ذلك، وهذا معنى قوله: تعين أخذ القيمة، قال ابن فرحون: يعني إذا وجب للساعي على أحد الخليطين جزء شاة أو جزء بعير، فإن على الساعي أن يأخذ منه قيمة ذلك، وهذا معنى قوله: تعين أخذ القيمة، وقيل: يأتي بشاة يكون للساعي جزؤها والأول أصح؛ إذ لابد للشاة من البيع، وليس هذا مثل من وجبت عليه شاة فدفع قيمتها؛ إذ لا ضرورة بخلاف هذا. انتهى. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. قال الشيخ عبد الباقي: وعلى الثاني فالباء زائدة وهو مشكل؛ إذ من ثمرات كونهما كمالك واحد أنه يأخذ ما وجب من مجموع المالين كأنهما مال واحد. انتهى المراد منه. وقال الرماصي: لعل المؤلف ﵀ أراد ما قاله ابن عبد السلام في القول الذي اقتصر عليه المؤلف في المسألة الأولى أن الواجب على كل من الطرفين القيمة، وعلى الوسط شاة، وارتضاه في التوضيح، واستظهره واعترضه الزواوي قائلا: هذا غلط فاحش إذ لو كان الأمر كما قال لما كان تراجع بين الخلطاء؛ لأن من وجب عليه شاة دفعها، ومن وجب عليه جزء دفع قيمته، فلا تراجع وهو مخالف للحديث والقواعد. انتهى. فكلامه في التوضيح يدل على ما أراده هنا وإن كان غير صحيح؛ وهو الاحتمال الثاني، وأما الاحتمال الأول فتنبو عنه عبارة المؤلف؛ لأن كلامه فيما يجب على كل لا في التراجع. انتهى. والحاصل: أن كون الساعي يأخذ القيمة ضعيف مخالف لمذهب المدونة. وخرج الساعي؛ يعني أنه يجب على الإمام أن يخرج الساعي لجباية الزكاة؛ أي لجمعها، لقوله ﷺ : (لا جلب ولا جنب في زكاة، لا تؤخذ زكاتهم إلا في دورهم (١))، قال محمد بن إسحاق: لا جلب يعني لا تجلب الصدقات إلى المصدق، ولا جنب أي لا ينزل المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، فتجنب إليه ولكن تؤخذ من الرجل في موضعه. رواه في التيسير. عن أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وروى في التيسير عن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب نهبة

стр. 1872

فليس منا (١)). ولو بجدب؛ يعني أن السعاة يخرجون كل عام، ولا فرق في ذلك بين عام الخصب وعام الجدب على المشهور، لكن إذا خرج بجدب فليرفق بالناس ويقبل منهم الشرار. قاله البدر. نقله الأمير. والله سبحانه أعلم. وإنما أمر بخروج الساعي عام الجدب؛ لأن الضيق على الفقراء أشد فيحصل لهم ما يستعينون به، "والباء" في قوله: "بجدب"، يحتمل أن تكون للظرفية، وأن تكون للمعية، ومقابل المشهور أنه إنما يخرج الساعي سنة الخصب لا في سنة الجدب، والجدب ضد الخصب، وإذا فرعنا على مقابل المشهور فتؤخذ لماضي السنين عام الخصب. قاله مالك في الموازية. وقيل: تسقط بالكلية، حكاه ابن رشد. وما تقدم من أن أصل خروج الساعي واجب صرح به ابن رشد، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، وصرح بأنه لا يلزم ربها أن يسوق صدقته إلى الساعي، قال: إلا أن يبعد عن محل اجتماع الناس على المياه، فيلزمه أن يسوقها إليه. انتهى. وقد مر حديث (لا جلب ولا جنب) (٢) الخ، وعلق بخرج قوله: طلوع الثريا بالفجر؛ يعني أن خروج الساعي يكون عند طلوع الثريا بالفجر، "والباء" في قوله: "بالفجر"، بمعنى مع كما قال في المدونة: طلوع الثريا مع الفجر، ونفقة الساعي عليه لأنه أجير كما نص عليه ابن فرحون، وذكره التتائي. وخروج الساعي في الوقت المذكور سنة كما صرح به ابن شأس، وفي المدونة: سنة السعاة أن يخرجوا عند اجتماع أرباب المواشي بمواشيهم على الماء للتخفيف عليهم، وعلى السعاة لأنه قد يحتاج أحد إلى سن فيعسر عليه تحصيله عند الافتراق. انتهى. والسنة في المدونة منصبة على كون الخروج في الوقت المذكور، وأما أصل الخروج فقد مر أنه واجب، وأناط مالك الخروج بالسنين الشمسية، وإن كان الأصل إناطة الأحكام بالسنين القمرية، وبه قال الشافعي هنا: واختاره ابن عبد السلام، فقال: الظاهر أنه يطلب خروجهم في المحرم في أي فصل، ويلزم أهل المذهب سقوط زكاة عام في نحو ثلاثين عاما. انتهى. واغتفر مالك سقوط العام الزائد لمصلحة الفريقين: السعاة، وأرباب المواشي. قال في التوضيح: علق مالك الحكم هنا بالسنين الشمسية،

стр. 1873

وإن كان يؤدي إلى إسقاط سنة في نحو ثلاثين سنة، لما في ذلك من المصلحة العامة؛ أي لأن الماشية كما في الذخيرة تكتفي في زمن الشتاء بالكلإ عن الماء، فإذا أقبل الصيف اجتمعت عند المياه، فلا يتكلف السعاة كثرة الحركة، ولأنه عمل أهل المدينة. واعلم أن النصوص تواطأت على أن مجيء الساعي هو الحول، ولا عبرة بمرور الحول قبله، وقال الإمام الحطاب: مقتضى كلام غير واحد من أهل المذهب أن زكاه الماشية تؤخذ على هذا الوجه، ولو أدى إلى سقوط عام في نحو ثلاث وثلاثين سنة، وفي المدونة: من مات بعد الحول وقبل مجيء الساعي كأنه مات قبل حولها؛ إذ حولها مجيء الساعي مع مضي عام، وفي كتاب ابن المواز: له أن يذبح ويبيع بعد الحول قبل مجيء الساعي، وإن نقص ذلك من زكاتها إلا من فعل ذلك فرارا، فيلزمه ما فر منه. وقال فيه أيضا: وقال مالك: وإذا تخلف عنه الساعي، فلينتظره ولا يخرج شيئا، وكذلك إن حل الحول بعد أن مر الساعي به بيسير إن كان الإمام عدلا، فإن لم يكن عدلا فليخرج للحول إن خفي له، فإن خاف أن يؤخذ بها انتظره، وفي ابن يونس: وما ذبحه الرجل بعد الحول أو مات قبل قدوم الساعي ثم قدم لم يحاسب بشيء من ذلك، وإنما يزكي ما وجد بيده حاضرا. وروى محمد: لربها الأكل منها والبيع والهبة بشرط حوزها بعد الحول قبل مجيء الساعي إن لم يرد فرارا فيحسب. وفي الذخيرة: لو مر الساعي بالوارث بعد بعض الحول تركه للحول الثاني. قاله مالك. ابن القاسم: إن عزل ضحايا قبل مجيئه، فإن أشهد عليهابم يريد أشهد أنها لعياله: لفلان كذا ولفلان كذا فلا زكاة فيها، وإن جاء وهي حية بعدُ إلا أن يكون لم يشهد فليزكها. قاله الإمام الحطاب. واعلم أن طلوع الثريا بالفجر في منتصف شهر أيار؛ وهو مايه، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة وهذا على حساب المتقدمين، وطلوعها اليوم هو السابع والعشرون من بشنس، قاله الحطاب، وغيره. قال مؤلفه عفا الله عنه: مقتضى هذا أو صريحه أن بشنس، هو مايه، وصريح كلام البناني: أن مايه هو بونة، وأن بشنس هو إبريل. راجع ما تقدم عند قول المصنف: "بغير ظل الزوال".

стр. 1874

تنبيهات: الأول: قال في المدونة: ومن نزل به الساعي، فقال له: إنما أفدت غنمي منذ شهر، صدق ما لم يظهر كذبه، قال مالك: ولا يحلف، وقد أخطأ من يحلف الناس من السعاة، وفي الذخيرة، قال عبد الوهاب: المعروف بالديانة لا يحلف ولا يطالب بالزكاة، والمعروف بمنع الزكاة يطالب بها ولا يحلف، والمجهول الحال في الزكاة، ولو عرف بالفسق يحلف، وفيه خلاف، وذكر ابن رشد في تحليف من ادعى ما يسقط الزكاة ثلاثة أقوال: ثالثها يحلف المتهم، وتأول بعضهم أن الثالث تفسير، قال: وهذا التأويل صحيح فيمن ظهر له مال وادعى ما يسقط الزكاة، وأما من لم يظهر له مال وادعى عليه الساعي أنه غيب مالا، فإن كان لا يتهم لم يحلف باتفاق، وإن كان ممن يتهم فقولان. الثاني: لا يحل للساعي أن يستضيف من يسعى عليه إلا من كان مشهورا بالضيافة لكل أحد، فيكره للذريعة، وخوفا من الزيادة في إكرامه للسعاية، ولا يستعير دوابهم، قال مالك: وشرب الماء خفيف. ابن عرفة: روى علي وابن نافع: وصديقه كغيره، وروى سحنون: لا بأس أن يحمل ما خف على بعير من الصدقة، وقال ابن رشد في آخر سماع أشهب: لِكُلِّ أَمِيرِ إقليمٍ قبضُ صدقات إقليمه دون من سواه من الأمراء، وليس لساعي المدينة أن يأخذ من مر به من أهل العراق، قال سحنون في رجل له أربعون شاة في أربعة أقاليم: يأخذ منه كل أمير ربع شاة يأتيه بشاة يكون له ربعها، وإن أخذ منه كل أمير قيمة ربع شاة أجزأه، وإن كان له خمسة أوسق، في كل إقليم وسق: أعطى لكل أمير زكاة وسق وإن كان الولاة غير عدول أخرج ما لزمه -كما ذكرنا-. الثالث: إذا جاء الحول والإبل في سفر فلا يصدقها الساعي ولا ربها حتى تقدم، فإن ماتت فلا شيء عليه فيها، ولو علم أنها ماتت بعد الحول. ابن رشد: إنما لم يخرج زكاتها لأنه لا يدري ما حدث بها، وإذا ماتت فلا شيء عليه؛ لأنه لم يفرط، ولا يلزمه أن يخرج زكاتها إلا منها، وقال سند: تخرج السعاة للزرع والثمار عند كمالها، ونقله في الذخيرة. الرابع: لا يجب على الساعي الدعاء لمن أخذ منه الصدقة، خلافا لداود. وفي القرطبي: أنه مستحب، وقال في الذخيرة: واستحبه الشافعي، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، إلى قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي ادع لهم. لنا أنه ﵊ والخلفاء بعده لم يكونوا

стр. 1875

يأمرون بذلك السعاة، بل ذلك خاص به ﵊، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، فهذا سبب الأمر بذلك. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "ولو بجدب"، مقابله قول أشهب في العتبية والمجموعة: لا تخرج السعاة سنة الجدب، وقد مر شيء من هذا. وقال المازري في المعلم: وللإمام تأخير الزكاة إلى الحول الثاني إذا أداه اجتهاده إلى ذلك. انتهى. وظاهره أنه يتفرع على المشهور من خروجهم سنة الجدب، ويؤخذ ذلك من كلام ابن رشد: وإذا خرج السعاة سنة الجدب، فيأخذون الواجب ولو كانت عجافا، خلافا لما اختاره بعض الشيوخ أنه لا يؤخذ منها، وقال ابن عبد السلام: هو الصحيح. والله أعلم. والجدب بفتح الجيم وسكون الدال المهملة: ضد الخصب بكسر الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة. قاله في الصحاح، والقاموس. قاله الحطاب. وقوله: "طلوع الثريا"، المضاف مصدر نائب عن الظرف، قال الشيخ محمد بن مالك: وقد ينوب عن مكان مصدر … وذاك في ظرف الزمان يكثر وهو شرط وجوب؛ يعني أن مجيء الساعي بعد مرور الحول شرط في وجوب الزكاة، فمن مر عليه الحول قبل مجيء الساعي لا تجب عليه الزكاة، كما أن مجيء الساعي قبل مرور الحول لا يوجبها، وإنما لم تجب في المسألتين لفقد شرط وجوبها؛ وهو مجيء الساعي بعد مرور الحول. وبما قررت علم أن الضمير؛ أعني قوله: "وهوَ"، عائد على مجيء الساعي، إن كان؛ يعني أن كون مجيء الساعي شرطا في وجوب الزكاة، إنما هو حيث كان هناك سعاة. وبلغ؛ يعني أنه إنما يكون مجيء الساعي شرطا في الوجوب إذا كان يمكن بلوغه؛ أي وصوله إلى أرباب المواشي، فإن لم يكن سعاة أو كانوا ولا يمكن وصولهم إلى أهل الماشية، وجبت الزكاة بمرور الحول اتفاقا. ابن عرفة: فإن لم تكن سعاة أخرجت كالعين. اللخمي: اتفاقا، قال الشيخ عن كتاب ابن سحنون: وكذلك من لم تبلغه السعاة. انتهى. وقاله ابن الحاجب: قال في التوضيح: وما حكاه من الاتفاق حكاه اللخمي. انتهى. ونقل في الذخيرة عن سحنون: أنه يزكي بعد حول من مرور الساعي على

стр. 1876

الناس، ويتحرى أقرب السعاة. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: لو قال المصنف: وبلوغه شرط وجوب إن كان ويحذف وبلغ كان أولى. واعلم أنه قد زاد بعضهم في الشروط: عَدَّ وَأَخَذَ، وذلك لا يصح لأن ذلك يقتضي أن أخذها أخذ لها قبل وجوبها، فلا تجب إلا بعد الأخذ، وعبارة الأمير: وهو شرط وجوب إن كان وأمكن بلوغه، وزيادة: وعد وأخذ أصلها للسنهوري، والصواب عدمها كما للرماصي. إذ لو توقف الوجوب عليهما لاستقبل الوارث بعد مجيئه وقبل عده وأخذه، وليس كذلك، وأيضا الوجوب هو المقتضي للعَدِّ وَالأخذ فهو سابق عليهما، وأما الزيادة والنقص فمبحث آخر. انتهى. وقد مر أن ما أحدث المالك من ذبح أو بيع أو هبة، ونحو ذلك من صنعه بعد الحول، وقبل مجيء الساعي بغير قصد فرار لا يؤخذ المالك بزكاته، وأما بقصد الفرار فيؤخذ به، وأما ما تلف أو ضاع بعد مجيئه بغير صنعه فلا يؤخذ به باتفاق. ابن عرفة وابن عبد السلام: في الأقسام الثلاثة، فإن تلف أو ضاع بصنعه بغير قصد فرار بعد مرور الحول ومجيء الساعي، فقد اختلفا فيه. ابن عبد السلام: لا زكاة، ابن عرفة: تجب والمذهب ما لابن عرفة، كما قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي حاشيته عن الرماصي: رد ما لابن عبد السلام والتوضيح، ثم قال: والحاصل أن يقال لا يصح عد وأخذ من الأخذ والعد شرطا، بدليل نصهم على عدم الاستقبال لوارث مات موروثه بعد مجيء الساعي وقبل العد والأخذ، وقد مر مفهوم قول المصنف: "إن كان وبلغ"؛ أي أمكن بلوغه، فإن كان وأمكن بلوغه ولم يبلغ لم تجب، بل ينتظر بها، وسيقول المصنف: فإن تخلف وأخرجت أجزأ، وسيأتي أنها تنقل للأحوج إن لم يكن في البلد مصرف، وإن لم تصل بيعت واشتري مثلها. قال في سماع ابن القاسم: أو يدفع قيمتها للضرورة. قاله الحطاب. وقبله يستقبل الوارث؛ يعني أنه إذا مات رب المال بعد مرور الحول وقبل مجيء الساعي، فإن الوارث يستقبل بمال موروثه ولا يزكيه عند مجيء الساعي، لعدم تمام الحول وهذا إن لم يكن عند الوارث نصاب قد مر عليه الحول، وإلا ضم ما ورثه له وزكى الجميع، لقوله: "قبل"، وضمت الفائدة له، فإن مات بعد مجيئه وقبل عده أو بعده وقبل أخذه، أخذت الزكاة، ولا يستقبل الوارث لوجوب الزكاة في

стр. 1877

المال، وهو في ملك الموروث. قال في التوضيح: وإذا مات رب الغنم بعد الحول وقبل مجيء الساعي لم يجب على الوارث إخراجها عنه، لكن يستحب لهم إخراجها. وكان ينبغي للمصنف تفريع قوله: "وقبله"، بالفاء؛ لأنه مفرع على قوله: "شرط وجوب". ولا تبدأ إن أوصى بها؛ يعني أن من له ماشية مر عليها الحول، ومات قبل مجيء الساعي، وأوصى أن تخرج عنه الزكاة، تكون وصيته هذه في الثلث غير مبدأة، بل تكون في مرتبة الوصية بالمال، ويخرج قبلها: فك الأسير، وصداق المريض ونحوهما -كما يأتي إن شاء الله- في قوله: "وقدم لضيق الثلث فك أسير"الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: الصواب أن يقال: إن المصنف هنا أشار لقول المدونة: قال مالك: من له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها قبل مجيء الساعي وأوصى بزكاتها فهي في الثلث غير مبدأة، وعلى الورثة أن يفرقوها في المساكين الذين تحل لهم الصدقة، وليس للساعي قبضها لأنها لم تجب على الميت، وكأنه مات قبل حولها؛ إذ حولها مجيء الساعي بعد مضي عام. انتهى. وحاصله: أنه إن أوصى بها ومات قبل مجيء الساعي، فهي من الثلث؛ لأنها لم تجب عليه، وإن مات بعد مجيء الساعي، فهي من رأس المال لأنها قد وجبت أوصى بها أم لا؛ إذ لا فائدة في الوصية حينئذ، وقيد إخراجها من الثلث في مسألة المصنف، بما إذا لم يعتقد وجوبها؛ لأن مراده حينئذ إنما هو الصدقة، فلذلك كانت في الثلث، وأما إن اعتقد وجوبها فإنها لا تُنَفَّذُ لأن الوصية حينئذ مبنية على نية فاسدة، فيقيد كلام المصنف بهذا كما في الحطاب. وأما التفصيل الذي ذكره الزرقاني فإنما هو في زكاة العين؛ لأنها موكولة إلى أمانة ربها، فما فرط فيه من زكاة العين وأوصى به فإنه يبدأ في الثلث على ما سواه من العتق والتدبير في المرض ونحوهما، وإن اعترف بحلولها عليه في مرضه وأوصى بإخراجها فهي من رأس المال؛ لأنه لم يفرط، وإن لم يوص بها لم يلزم الورثة إخراجها، لكن يستحب لهم. نص على ذلك كله في المدونة. ولو علم صدقه في التي فرط فيها لكانت من رأس المال، وأما الماشية في بلد لا سعاة فيها فإنها مثل العين في التفصيل. نقله المواق. ونقل الحطاب عن اللخمي: أنها تجري على زكاة الزرع والثمار، فتخرج الزكاة إذا مات بعد الحول، أوصى بإخراجها أم لا، قال الحطاب: وما قاله ظاهر، قال

стр. 1878

الشيخ محمد بن الحسن: وعلى ما للخمي جرى المؤلف فيما يأتي، وما ذكره عبد الباقي من قوله: ولا تبدأ على ما يخرج، إلى قوله: بل تكون في مرتبة الوصية بالمال، إنما يصح في صورة المصنف، وذلك إذا أوصى بزكاة الماشية قبل مجيء الساعي. انتهى. قال مؤلفه عفا الله عنه: قوله: فما فرط فيه، الظاهر أن المراد به ما فرط به في السنين الماضية قبل عامة، وقوله: وإن اعترف بحلولها؛ أي في عامة الذي مات فيه. ولا تجزئ إن أخرجها؛ يعني؛ أن من أخرج زكاته بعد مرور الحول وقبل مجيء الساعي لا تجزئه، سواء فرعنا على المشهور من أنه شرط وجوب، أو على مقابله من أنه شرط أداء، كما بحثه المصنف وابن عبد السلام، وجزم به ابن عرفة، وقوله: "ولا تجزئ إن أخرجها"، هذا إذا كان الإمام عدلا، قال في المدونة: وإذا كان الإمام غير عدل فليضعها مواضعها إن خفي له ذلك، وأحب إلي أن يهرب بها عنه إن قدر، وإن لم يقدر أجزأ. ابن عرفة: وإن خاف أخذه انتظره، قاله الإمام الحطاب. ولو ذبح الشاة الواجبة عليه وصدقها لحما، فقال ابن القاسم: لا تجزئه، وقال أشهب وابن المواز: تجزئه، ونقله البساطي عن النوادر، وقال البرزلي: سئل ابن أبي زيد عمن وجبت عليه شاة في زكاة غنمه فذبحها وتصدق بها على المساكين؟ فقال: لا تجزئه لذبحه إياها، فكيف إن أمر رجلا فقال له: اذبحها وتصدق بها؟ قلت: فظاهره لا تجزئ؟ لأن يده كيد وكيله. قاله الحطاب. وقول المصنف: ولا تجزئ إن أخرجها، قال عبد الباقي عنده: وقوله: أو قدمت بكشهر فيمن لا ساعي لهم أو لهم ولم يمكن بلوغه. انتهى. وسيأتي البحث معه، وأنه يجري في من لهم ساع أيضا. كمروره بها ناقصة ثم رجع وقد كملت، مشبه بقوله: يستقبل الوارث، فهو تشبيه في الاستقبال، وهو مفرع على قوله: وهو شرط وجوب؛ يعني أن الساعي إذا مر بالماشية حال كونها ناقصة عن النصاب، ثم رجع إليها -والحال أنها كملت بتثليث الميم كما في الشبراخيتي- فإنه لا يزكيها عند رجوعه إليها، بل يستقبل، أما إذا كملت بولادة أو إبدال من نوعها فإنه يستقبل عند مالك، وقال ابن عبد الحكم: لا أدري ما وجه قول مالك هذا: وعليه أن يزكي، وصوبه اللخمي، قال: لأنه نصاب حال عليه الحول، وعلى قول مالك الذي مشى عليه المصنف، فالحول من يوم

стр. 1879

المرور؛ لأنه بمنزلة ابتداء حول، لا من يوم رجوعه، وأما إن كملت بغير ذلك كما إذا كملت بهبة أو صدقة أو إرث أو شراء أو نحو ذلك، فإنه يستقبل اتفاقا، والحول فيها من يوم التمام، وإذا جاء الساعي في العام القابل قبل مضي هذا الحول الذي هو من يوم التمام، فإنه لا يأخذ شيئا، بل يؤخره إلى العام القابل؛ لأن مضي الحول ومجيء الساعي كل منهما شرط وجوب، ففي الذخيرة: لو مر الساعي بالوارث بعد بعض الحول تركه للحول الثاني. قاله مالك في الكتاب. انتهى. نقله الحطاب. ومثله في سماع عيسى، ونصه: من أفاد غنما أو اشتراها فلبثت في يده ستة أشهر، ثم أتاه الساعي فلا زكاة عليه حتى يأتيه من سنة قابلة. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وبه تعلم ما في تنظير عبد الباقي، ولو ضل بعير من النصاب فمر الساعي بالمال ناقصا فلا زكاة، ثم إن وجد بعده، فهل يزكيه حينئذ ولا ينتظر الساعي؟ وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى، وقال محمد: أحب إلي أن ينظر، فإن كان صاحبه أيس منه فليجعل السنة من يوم وجده، وإن كان منه على رجاء فليزكه مع الأربعة للحول الأول، كزكاة الفطر عن العبد الآبق؛ يعني يزكيه قبل أن يجده، قال ابن رشد: فيه نظر، واختار أن ينظر، فإن كان راجيا له زكاه حين يجده، وإن كان آيسا استقبل به كالفائدة. ونقل ابن عرفة الثلاثة الأقوال، ونصه: ولو ضل بعض النصاب بعد حوله فمر به الساعي ناقصا، ثم وجده ففي زكاته وانتقال حوله ليومئذ لا ينتظر الساعي في الحول الثاني، أو إن أيس منه فالمرجو على حوله الأول. ثالثها: المرجو على حوله والمأيوس منه فائدة فلا زكاة لابن القاسم ومحمد بن رشد. انتهى. قاله الحطاب. فإن تخلف وأخرجت أجزأ؛ يعني أنه إذا كان السعاة موجودين -وشأنهم الخروج- وتخلفوا في بعض الأعوام وأخرجت الزكاة، فإنها تجزئ، وهل يجوز الإخراج ابتداء أم لا؟ لم يصرح المؤلف بحكمه: ونقل عن الرجراجي ما يفيد الجواز؛ وهو صريح ابن عرفة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والضمير في قوله: "أجزأ"، يعود على الإخراج، وحيث قلنا بالإجزاء فلا يصدق على المشهور، ولابد من بينة على الإخراج، كما قاله ابن ناجي على المدونة. قاله الخرشي. وقوله: "فإن تخلف وأخرجت أجزأ"؛ يعني خلافا لابن الماجشون القائل بعدم

стр. 1880

الإجزاء. اللخمي: والأول أحسن، وإليه أشار بقوله: على المختار، وذكر ابن عرفة في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: جواز التأخير وعزاه لرواية اللخمي ونقله: إن أتاه بعد إخراجها لتخلفه أجزأه، الثاني: وجوب التأخير وعزاه لعبد الملك، وأنه إن أخرجها لم تجزه، والثالث: أنه لا ينظر ويزكيها أربابها وعزاه لاختيار اللخمي. قاله الحطاب. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما نقله المصنف عن اللخمي مثله نقله المواق والتوضيح عن اللخمي، وهو خلاف نقل ابن عرفة عنه، حيث عزا للخمي وجوب التقديم: إلا أن يجاب بأن ما لابن عرفة هو لاختيار اللخمي من عند نفسه، لما يظهر من كلامه، وما عند المصنف هو لاختياره من الخلاف كما يظهر منه أيضا، وكما في نقل المواق والتوضيح عنه. انتهى. وفي النوادر: وليس على أهل الحوائط حمل صدقاتهم، ولتؤخذ منهم في حوائطهم، وكذلك أرباب الزرع، وعلى السعاة أن يأتوا أرباب المواشي على مياههم، ولا يقعدون في قرية ويبعثون إليهم، وأما من بعد من المياه التي يمر بها الساعي فعليه جلب ماشيته، فإن ضعفت فلا بد من ذلك أو يفقوا على قيمتها، ولا بأس بالقيمة في مثل هذا. انتهى. يريد إذا لم يكن بمحلهم فقراء. قاله اللخمي، والرجراجي، وغيرهما. وقوله: "فإن تخلف وأخرجت أجزأ"، لا يعارض قوله: "ولا تجزئ إن أخرجها"؛ قبله لأنه فيما إذا بلغ بعد ذلك في عامة، وما هنا تخلف كما هو مدلوله. وقوله: "فإن تخلف"، ظاهره: تخلف لعذر أو لغيره. الرجراجي: إن كان ذلك اختيارا لغير عذر فإنهم يخرجون زكاتهم، ولا ضمان عليهم فيما فعلوه، ولا ينبغي دخول الخلاف في هذا، وإن كان اضطرارا لفتنة، فهل يخرجونها؟ وهو قول قياسي، أو لا يخرجونها وهو قول عبد الملك؟ انتهى. وقال ابن راشد: إن تخلف لغير عذر وأخرجت لم تجز على المشهور، وهو ضعيف كما في الخرشي. وإلا عمل على الزيد والنقص؛ يعني أنه إذا تخلف السعاة ولم تخرج الزكاة في مدة التخلف؛ فإن السعاة يعملون في المواشي على ما وجدوها عليه من الزيد والنقص عند مجيئهم؛ أي يعملون في زكاتها على الحالة التي وجدوها عليها من نقص أو زيادة، فإن رجعت إلى ما لا زكاة فيه فلا

стр. 1881

زكاة فيها، لا في عام المجيء ولا فيما قبله من الأعوام، وسواء نقصت بذبح أو ببيع أو بغيرهما، ما لم يقصد فرارا بذلك، ويأخذ عما مضى من الأعوام على ما وجد من الزيادة، فلو تخلف عن الإبل وهي خمسة أربعة أعوام، ثم جاء فوجدها عشرين، فإنه يأخذ ست عشرة شاة، وكذا يزكيها أيضا على ما وجد من النقص، فلو تخلف عن الإبل وهي عشرون أربعة أعوام، ثم وجدها خمسة من الإبل: فإنه يأخذ أربع شياه "واللام" في قوله: للماضي، بمعنى: في، وهو متعلق بعُمِلَ؛ أي أن الساعي يعمل في ماضي الأعوام على ما وجد من زيادة أو نقص عما عهدها عليه؛ أي يأخذ زكاة ما مضى من الأعوام على ما وجد؛ أي يجعل الوجود عند مجيئه هو الموجود فيما مضى من أعوام التخلف، فيزكيه لها على القدر الذي وجد، وإذا عمل على ما وجد في الماضي فأحرى عام المجيء. بتبدية العام الأول، هذا بيان لكيفية الأخذ؛ يعني أنه يبدأ بالأخذ للعام الأول، ثم بما بعده لآخر الأعوام، فلو تخلف عن ثلاث وأربعين من الغنم ثلاثة أعوام، ثم جاء ووجدها كذلك، فإنه يأخذ لكل عام شاة. وعلم من هذا أن الساعي يعمل على ما وجد، سواء بقيت الماشية بحالها أو زادت أو نقصت، فلو قال: وإلا عمل على ما وجد في الماضي لكان أخصر، وشمل ما إذا وجدت بحالها، وإنما سكت عنه لوضوحه. انتهى. قاله الشبراخيتي. وقوله: "بتبدية العام الأول"، رد به على القول بأنه لا يبدأ بالعام الأول، بل بالأخير، وعلية فلا يراعى كون الأخذ ينقص النصاب أو الصفة؛ لأن الأعوام الأول في ذمته. وفائدة التبدئة بالعام الأول اعتبار كون الأخذ ينقص النصاب أو الصفة، ولهذا قال: ألا أن ينقص الأخذ النصاب أو الصفة فيعتبر؛ وهو مستثنى من قوله: "عمل على الزيد والنقص للماضي"؛ يعني أنه يأخذ الزكاة لماضي الأعوام على ما وجد مبتدئا بالعام الأول، إلا إذا نقص الأخذ النصاب، فيعتبر ذلك النقص وتسقط الزكاة من حينئذ، وإلا أن ينقص الأخذ الصفة أي صفة الواجب، فيعتبر ذلك النقص أيضا، ويؤخذ الواجب على الصفة المتجددة، مثال ما إذا نقص الأخذ النصاب ما لو تخلف عن الغنم وهي مائة وثلاثون شاة أربعة أعوام، ثم جاء فوجدها اثنتين وأربعين شاة، فإنه يأخذ للعام الأول والثاني والثالث ثلاث شياه، وتسقط زكاة العام الرابع لتنقيص المأخوذ للنصاب.

стр. 1882

ومثال تنقيص الصفة تخلفه عن الإبل خمسة أعوام وهي ستون، ثم جاء ووجدها سبعا وأربعين؛ فإنه يأخذ حقتين عن العام الأول والثاني لبقاء نصاب الحقاق، وعن الثالث والرابع والخامس ثلاث بنات لبون لنقص النصاب عن الحقاق. واعلم أن الاستثناء إنما يرجع لا قبل قوله: "بتبدئة العام الأول" -كما قررت- ولا يصح أن يرجع لقوله: "بتبدئة العام الأول"؛ إذ لا يتأتى فيه أن يقال: إلا أن ينقص الأخذ الخ. وإنما يتأتى فيه أن يقال: فإن نقص الأخذ النصاب أو الصفة اعتبر، لما مر من أن فائدة التبدئة بالعام الأول هي أن يعتبر النقص المذكور. وقد مر أن القول الذي لا يقول بتبدئة العام الأول؛ وهو القائل بتبدئة العام الأخير لا يعتبر النقص المذكور، فيبدأ الساعي بأخذ زكاة عام مجيئه، ثم يطالب بزكاة ماضي الأعوام من غير اعتبار نقص الأخذ النصاب أو الصفة؛ يعني أنه يزكي لعام مجيئه على ما وجد: وأما الأعوام الماضية فقد تقررت في ذمته، فلا يعتبر فيها النقص الناشئ عن الأخذ لهذا العام، وقوله. "وإلا عمل على الزيد" الخ، يريد: والماشية نصاب، بدليل قوله: كتخلفه عن أقل فكمل. قاله الحطاب. وقوله: "للماضي"، سواء عرف عدد الماشية في كل سنة أم لا، فلا عبرة ببينة رب المال. وقوله: "إلا أن ينقص الأخذ النصاب أو الصفة"، اعلم أنه لا يتصور اجتماع نقص النصاب والصفة: ويمكن ارتفاعهما بأن لا ينقص واحد منهما؛ كأن يتخلف عن الغنم أربع سنين ثم يجدها مائة وثلاثين، فيأخذ عن الأربع سنين ثمانيا، ولا ينقص الأخذ نصابا ولا صفة وهو واضح، وحيث أمكن ارتفاع نقص النصاب والصفة، ولم يمكن اجتماعهما تعين أن "أو" مانعة جمع لا مانعة خلو، عكس ما قاله الشيخ الخرشي. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ونحو ما للخرشي للشبراخيتي. وعلم مما مر أنه متى نقص الأخذ النصاب سقطت الزكاة فيما بقي من الأعوام ولو في عام مجيء الساعي، ومن نقص الصفة ما لو تخلف عنها أي الإبل أعواما، ثم جاء ووجدها خمسا وعشرين، فإنه يأخذ للعام الأول بنت مخاض، ولكل عام من الأعوام الباقية، أربع شياه كما يفيده الشيخ محمد بن الحسن. وَجَعَلَه الشبراخيتي مما اجتمع فيه نقص النصاب والصفة، ولا يخفى ما في

стр. 1883

كلام الشبراخيتي، وعلم أنه لو تخلف عنها أي الإبل أعواما، ثم وجدها خمسا، فإنه يؤدي لكل عام شاة ولو ببيع شيء منها، وفي المدونة: وإن غاب عن خمس وعشرين من الإبل خمس سنين، ثم جاء ووجدها كذلك، فليأخذ لعام بنت مخاض، ولأربع سنين ست عشرة شاة، أبو الحسن: ظاهر الكتاب أَخَذَ بنت المخاض منها أو من غيرها، وعليه حملها ابن يونس، فقال: يريد أخذ منها أو من غيرها، وقال عبد الملك: إنما هذا إذا أخذها من عددها، وإن لم يكن منها فليأت للعام الثاني بمثل ما أخذ منه في الأول. الشيخ: وقول عبد الملك خلاف، وهكذا قال اللخمي: وروى محمد: إن تخلف عن أربعين تيسا أو جفرة سنين فإنما عليه شاة، ولا حجة للساعي أن زكاتها من غيرها. انتهى؛ يعني أن الجفرة والتيس لا يؤخذان في الزكاة لكونهما من الشرار، وقوله: "ولا حجة للساعي"؛ أن زكاتها من غيرها، قال الإمام الحطاب: لأنها من نوعها، ولا يشكل تصورها بأن بقاءها ينقلها عن سنها لجواز بدلها كل عام بأصغر منها. انتهى. ولو تلف من الماشية شيء قبل مجيء الساعي لم يكن على المالك شيء في التالف ولا في الباقي حيث نقص عن النصاب، إلا لقصد الفرار -كما مر- وإذا غاب الساعي عن رب الماشية وعنده نصاب ثم باعه، ثم جاء الساعي بعد أعوام، فإن كان باعه بدون نصاب فلا شيء عليه قولا واحدا، فإن كان باعه بنصاب فأكثر فإنه يزكي الثمن عن كل سنة كان يلزمه أن يزكي الماشية عنها إلا أن ينقص الثمن عن النصاب. وقيل: إنما يزكيه لعام واحد، كذا نقل أبو الحسن وغيره، وعزا ابن عرفة الأول للقرينين، والثاني لمحمد، ونصه: ولو باع من تخلف عنه ساعيه سنين غنم تجر بنصاب عين، ففي زكاته لعام أو لكل عام تزكى له لو بقيت مسقطا من كل عام زكاة ما قبله ما لم تنقص عن نصاب، نقلا الشيخ عن القرينين ومحمد. قاله الحطاب. وقال في النوادر: والأسير بأرض الحرب يكسب مالا وماشية، ولا يحضره فقراء مسلمون فليؤخر العين حتى يخلص أو يمكنه بعثها إلى أرض الإسلام؛ وهو في الماشية، كمن تخلف عنه الساعي لا يضمن، فإن تخلص بها أي بالماشية أدى لماضي السنين إلا ما نقصت الزكاة. انتهى. ونحوه في الذخيرة، ولم يقيده بالأسير، بل قال: لو كان بأرض الحرب، فيشمل الأسير، ومن أسلم بها، ونحوه. والله أعلم. قاله الحطاب. وإذا غصبت الماشية وردها الغاصب ولم تكن السعاة تمر بها، فإنه يزكيها لما مضى

стр. 1884

على ما يجدها إلا ما نقصته الزكاة، كالذي يغيب عنه الساعي، لا كالهارب، ولو غصب بعض الماشية، وبقي دون النصاب لم يزكه الساعي، فإذا عادت زكى الجميع لماضي السنين، على ظاهر المذهب، وعلى القول بتزكية المغصوب لعام يزكي الجميع لحول واحد. انتهى من الذخيرة. قاله الحطاب. وإذا غاب الساعي عن الماشية وهي نصاب، ثم نقصت عن النصاب، ثم عادت إلى النصاب، ثم أفاد إليها فائدة أخرى حتى صارت ألفا، فإن كان عودها إلى النصاب بولادة أو إبدال من نوعها، فإنه يزكي الألف لجميع الأعوام على ما هي عليه اليوم وكذا في كتاب محمد: قال محمد لا آخذ بهذا، بل يأخذ منها يوم تمت ما فيه الزكاة، ويسقط ما قبله قال الرجراجي: والأول أصح، وأما إن كان عودها للنصاب إنما هو بفائدة، فإنما تزكى من يوم بلغت النصاب إلى مجيء الساعي اتفاقا. نقله ابن عرفة، والمصنف، وأبو الحسن، وابن يونس. وأصله في النوادر. قاله الحطاب. كتخلفه عن أقل فكمل، تشبيه، العمل على ما وجد، وتبدئة بالعام الأول مع اعتبار وقت الكمال؛ يعني أن الساعي إذا تخلف عن الماشية أعواما وهي أقل من النصاب، ثم جاء فوجدها قد كملت، فإنه يزكيها على ما وجد من الزيادة مبدئا العام الأول، فإن نقص الأخذ النصاب أو الصفة اعتبر ذلك على نحو ما مر، لكن إنما يخرج الزكاة من حين الكمال؛ أي كمال الماشية نصابا، وما قبل ذلك لا شيء فيه. وسواء كملت بولادة أو إبدال من نوعها أو بغيرهما، من هبة أو صدقة أو شراء أو نحوها، أما إذا كملت بولادة أو بإبدال من نوعها فإنما تزكى من يوم الكمال لبقية الأعوام. قاله مالك. وابن القاسم. وقال أشهب: تزكى على ما يجدها الساعي لجميع الأعوام، كالكاملة، وأما إذا كملت بفائدة من إرث أو هبة أو صدقة أو شراء أو نحوها، فالمعتبر من حين الكمال اتفاقا، ونص ابن عرفة: ولو تخلف عن دون نصاب فتم بولادة أو بدل، ففي عدد كاملا من يوم تخلفه أو كماله مصدقا ربها في وقته قولا أشهب وابن القاسم مع مالك، ولو كمل بفائدة فالثاني اتفاقا. انتهى. ولو تخلف عن نصاب ثم نقص ثم كمل، فكما مر في الصورتين، وفاقا وخلافا. قاله الحطاب. وإذا أتى الساعي بعد غيبته سنين، فقال له رجل معه ألف شاة: إنما أفدت غنمي منذ سنة أو سنتين، فهو مصدق بغير يمين، ويزكيه لما قال. قاله في

стр. 1885

النوادر؛ يعني: يزكيه لما قال من السنين على ما يجده. وصدق؛ يعني أنه إذا تخلف الساعي عن الماشية وهي أقل من النصاب، ثم جاء فوجدها قد كملت -وقلنا إنها إنما تزكى من وقت الكمال- فإن المالك يصدق في تعيين وقت الكمال؛ أي وقت بلوغها نصابا، ويزكيها على ما وجد بتبدئة العام الأول؛ وهو العام الذي بلغت فيه نصابا، فإذا تخلف عنه الساعي أربعة أعوام؛ وهي ثلاثون شاة، ثم جاء وقد كملت فإنه يعتبر وقت الكمال، ويصدق فيه ربها بغير يمين، ويعمل على ما وجد إلا أن ينقص الأخذ النصاب أو الصفة فيعتبر، فلو وجدها في المثال المذكور إحدى وأربعين، وأخبر ربها أنها كملت في العام الثاني، أخذ منه شاتين للعام الثاني والثالث، وتسقط زكاة الأول لعدم تمام النصاب، والرابع لنقص الأخذ النصاب. وقوله: "وصدق"؛ أي من غير يمين -كما مر- متهما أم لا، وقد مر أنه إن تخلل أعوام الكمال نقص عن النصاب أنه يعمل على الزيد والنقص لماضي الأعوام على الأصح بتبدئة الأول حيث كملت بولادة أو إبدال من نوعها، فإن كملت بفائدة فيعمل على ما وجد بتبدئة الأول، لكن من حين الكمال اتفاقا كما مر. لا إن نقصت هاربا، مخرج من قوله: "وصدق"؛ يعني أن رب الماشية إذا هرب بها خشية الصدقة وهي نصاب، ثم قدر عليه وهي ناقصة عما فر به، سواء كان ما معه الآن نصابا أم لا -كما قاله غير واحد- فإنه لا يصدق في وقت النقصان، ولا يعمل على ما وجد عنده عام القدرة، بل العمل على ما فر به، وإذا لم يصدق فإنه يزكّى مالُه على ما فر به لماضي الأعوام بتبدئة الأول، فإن نقص الأخذ النصاب أو الصفة اعتبر حتى عام الاطلاع، فإذا هرب بالماشية وهي أربعون شاة خمس سنين، ثم جاء الساعي وهي ثلاثون، فإنه تؤخذ منها شاة واحدة لتنقيص الأخذ النصاب، ولو فر بها وهي أربعون شاة خمس سنين، ثم جاء الساعي وهي بحالها لكان الحكم كذلك عند ابن القاسم؛ لأنه يبتدئ بأول عام والباقي تسع وثلاثون لا زكاة فيها. اللخمي: وهذا أحسن. انتهى. وهذا هو المشهور، وقيل: يبتدئ بآخر عام، فتؤخذ من الأربعين خمس شياه، ومثال تنقيص الأخذ للصفة أن يهرب بها وهي ست وثلاثون من الإبل، ثم قدر عليه بعد خمسة أعوام وهي خمس مثلا، فيؤخذ للعام الأول بنت لبون، ولبقية الأعوام عن كل عام بنت مخاض. والله سبحانه أعلم.

стр. 1886

تنبيهات: الأول: قولهم: لا يصدق الهارب في النقص، يريدون إذا لم تقم به بينة، كما صرح به في النوادر. قاله الإمام الحطاب. فالهارب إذا قامت له بينة على كل عام بما فيه عمل عليها حتى في حالة النقص. الثاني: قال الشيخ عبد الباقي وغيره: كون الهارب يعمل فيه على ما هرب به حيث لم تقم له بينة بالنقص، إنما هو فيما مضى من الأعوام لا في عام القدرة، فتخرج زكاته على ما وجد بيده إن بلغ النصاب، فإن لم يبلغه فلا يؤخذ له شيء. انتهى. وهو خلاف ما قررته به تبعا للشيخ بناني أنه يبدأ بالعام الأول حتى بالنسبة لعام القدرة عليه، وقوله: "لا إن نقصت هاربا"، سواء في ذلك قدر عليه أو جاء تائبا، كما اختاره ابن عرفة، خلافا لقول ابن عبد السلام: يصدق الآتي تائبا. الثالث: قال في النوادر: قال ابن القاسم وأشهب: الفار عن الساعي ضامن لزكاة ماشيته، فأما من يتبع الكلأ أو من تخلف عنه الساعي فلا يؤخذ إلا بزكاة ما وجد. ابن الحاجب: وتتعلق بذمة الهارب من السعاة اتفاقا. ابن عبد السلام: المراد بتعلقها بالذمة وجوب أدائها لماضي السنين، لا تعلق الديون؛ لأنه سيأتي أن المشهور تعلقها بأعيان الماشية. وقبله في التوضيح، وقال ابن فرحون عن والده: بل تتعلق بالذمة تعلق الديون؛ وهو ظاهر المدونة، وقال ابن القاسم: لو هلكت الماشية بعد ثلاث سنين ضمن زكاتها ولم يضع عنه موتها ما وجب عليه، وأما ما ذكره ابن عبد السلام فإنما ذلك بالنسبة إلى القدر الواجب، فإذا علم بالنسبة إلى أعيانها تعلق بالذمة اللهم إلا أن يريد أنها لا تؤخذ من رأس المال إذا مات كالديون من هذا الوجه فصحيح. قاله الحطاب. وإن زادت له فلكل ما فيه. هذا مفهوم قوله: "لا إن نقصت هاربا"؛ يعني أن رب الماشية إذا فر بها خشية الزكاة، ثم قدر عليه أو جاء تائبا -والحال أنها زادت له أي كثرت بعد عام الفرار- فإنه يزكي لكل عام ما فيه. بتبدئة الأول. راجع للهارب بوجهيه من نقص وزيادة. ومحل قوله: "وإن زادت له فلكل ما فيه"، حيث قامت البينة على كل عام بما فيه، وأما إن لم تقم له بينة فهو قوله: وهل يصدق؟ يعني أن الهارب إذا وجدناه -والحال أنه قد زادت ماشيته على ما فر به، وعين للزيادة عاما من أعوام الهروب، ولم تقم بينة بتعيين ذلك العام- فإنه اختلف، هل

стр. 1887

يصدق في تعيين ذلك العام أو لا يصدق؟ ولابد من إثبات ما يدعيه ببينة، وعليه فإن لم يأت ببينة أخذ عن ماضي الأعوام على ما هي عليه الآن، وهل يكتفى بالشاهد واليمين على هذا القول، أو لابد من شاهدين؟ ومقتضى القواعد الأول. وقوله: قولان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك قولان، الأول لابن القاسم وسحنون وابن رشد واللخمي وابن حارث، والثاني لابن الماجشون. وتعتبر تبدئة العام الأول على كلا القولين، ومحل القولين فيما عدا العام الذي هرب فيه، وأما هو فيصدق في أنها لم تزد فيه باتفاق القولين، وهما فيمن جاء تائبا قبل القدرة عليه وغيره. تنبيهات: الأول: الفرق بين الهارب ومن تخلف عنه السعاة -حيث جرى الخلاف في تصديق الهارب دون من تخلف عنه السعاة- أن الهارب ضامن زكاة كل سنة لتعديه، والذي تخلف عنه السعاة لا ضمان عليه؛ إذ لو تلفت كلها ما أخذ منه شيء، بخلاف الهارب. والله سبحانه أعلم. الثاني: علم مما تقدم أن الراجح من القولين أنه يصدق؛ لأن الزكاة لا تجب عليه إلا بإقراره أو بينة تثبتها عليه، وليس فسقه بالذي يمضي عليه الدعاوي دون بينة. والله سبحانه أعلم. الثالث: قوله: "بتبدئة الأول"، هو ظاهر في جميع الوجوه؛ أي حيث لم تقم بينة له بما في كل عام، أو قامت له بذلك بينة كما صرح به غير واحد. والله سبحانه أعلم. وإن سأل فنقصت أو زادت فالموجود؛ يعني أن الساعي إذا سأل رب الماشية عن عددها، فأخبره بعدد، ثم عدها الساعي فنقصت عن العدد الذي أخبره به بذبح لم يقصد به فرارا أو بموت. قاله ابن المواز. ونحوه لابن عبد السلام، أو زادت عنه بولادة، فإن المعتبر في زكاتها العدد الموجود الآن، لا الذي أخبره به أولا. قاله في التوضيح. قاله الحطاب. ومحل كون الموجود هو المعتبر إن لم يصدق، بكسر الدال المشددة؛ أي الساعي رب الماشية، ويصح فتح الدال ويكون النائب رب الماشية. أو صدق ونقصت؛ يعني أن المعتبر الموجود أيضا فيما إذا سأل الساعي رب الماشية عن عددها فأخبره بعدد فصدقه، فنقصت عما أخبره به. وفي معنى التصديق أن يعد عليه ولا يأخذ. قاله الحطاب. قال الشيخ محمد بن الحسن: محل اعتبار الموجود فيما إذا صدق ونقصت حيث كانت الزكاة من عين الماشية المزكاة، فأما عشرون جملا صدقه في عددها ثم مات أحدها قبل الأخذ فلا بد من أربع شياه. راجع المواق. انتهى. ولو عدها ثم هلكت كلها بأمر من الله أو

стр. 1888

بغصب، أو بقي ما لا زكاة فيه، قال ابن يونس: لا شيء على ربها لأنها ليست في ضمانه ولا هو أتلفها، قال: وقاله أبو عمران، وقد قيل ما عده المصدق وجبت زكاته وإن هلك بأمر من الله، ويأخذها مما بقي وليس ذلك بشيء. وقد قيل في العين تهلك ويبقى [بعضها] (١) إن المساكين شركاء معه، فما ذهب فمنهم وما بقي فبينهم، ويدخل هذا القول في الماشية وله وجه والأول أصوب؛ لأنهم ليسوا كالأشراك على الحقيقة لأن له أن يعطيهم من غير ذلك المال وليس له ذلك مع الشريك، فدل على أن حقهم لم يتعين فيه. وما صوبه ابن يونس جزم به اللخمي وقبله في التوضيح، وخبر عنه أبو الحسن الصغير بالمشهور، ومقابله الذي نقله ابن يونس أنه يأخذ الزكاة مما بقي. قال فيه ابن عبد السلام: إنه ضعيف خارج عن أصل ابن القاسم، والقول الثالث تخريج من ابن يونس، ونقل ابن عرفة الأقوال الثلاثة، ونصه: وفي كون ما هلك إثر عدها قبل أخذ زكاتها كهلاكه قبله: ولزوم أخذ ما وجب مما بقي، ثالثها: الساعي شريك فيما بقي كشركته في الجميع، لأبي عمران مع اللخمي والصقلي ونقله وتخريجه قاله الحطاب. ولو عد نصف الماشية فمنعه من عد باقيها ليل حتى تغير المعدود إلى زيادة أو نقص، فهل يستقر الوجوب فيما عُدَّ بعدده أو لا يستقر في ذلك؟ قولان؛ قاله ابن عبد السلام. وذكر ابن عرفة القولين، وعزاهما للمتأخرين، ونصه: ولو تغير شطرها المعدود بنماء أو نقص، ففي البقاء على عده الأول أو مآله قولا المتأخرين. انتهى. وقد علمت أن المشهور والأصوب: أنه إذا عدها كلها ثم هلكت لم يلزمه زكاتها، فأحرى إذا عد بعضها، وإنما يتأتى الخلاف على مقابل المشهور، وهذا في النقص، ويأتي الكلام في الزيادة. قاله الإمام الحطاب. وفي الزبد تردد؛ يعني أن الساعي إذا سأل رب الماشية عن عددها، فأخبره بعدد فصدقه فيه، ثم زاد بولادة كما لابن بشير وابن الحاجب، أو بفائدة كما لابن عبد السلام، فإن الشيوخ اختلفوا في ذلك على طرق، فالأكثر على أن العبرة بما وجد. قاله ابن عرفة. وخبر ربها لغو، وذكر ابن بشير طريقين إحداهما أنه يعمل على ما صدقه، والثانية العمل على ما وجد. قاله الحطاب. وقال محمد بن الحسن: وذكر الحطاب أن التردد يجري في الزيادة بعد العد وقبل الأخذ، وأن العد

стр. 1889

والتصديق سواء، ونسبه للخمي واعترضه الرماصي بأن اللخمي إنما جعلهما بالنسبة للنقص، ونقله عن كتاب محمد، وشبه النقص بعد العد بتلف جزء من المال بعد الحول وقبل إمكان الأخذ، وأما الزيادة بعد العد فلم يتكلم عليها. والظاهر من كلامهم أنها لغو من غير خلاف، وأن التردد في التصديق فقط. انتهى. ورده الرهوني بأن الراجح أنه لا عبرة بالتصديق ولا بالعد، بل يعمل على ما وجد. انتهى. واقتصر في مختصر الوقار على أنه إذا عد بعضها ثم زاد ذلك البعض فلا تجب به الزكاة، ونصه: ولو كان لرجل تسع وثلاثون، وجاء عليها الحول، ونزل به الساعي، وشرع في عدها فوضعت منها شاة وهو يعدها، فإن كانت الشاة التي وضعت مما مضى عليها عد فلا زكاة عليه، وإن كانت مما لم يأت عليه العد فإنه يزكيها. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: فعلم أنه يعمل على ما وجد سواء ساوى عدد ما أخبره به ربها أو زاد أو نقص، وسواء في الثلاثة صدقه أو كذبه. انتهى. وقال الشبراخيتي: والراجح العمل على ما وجد، ولو اقتصر المصنف على قوله: "وإن سأل فنقصت أو زادت فالموجود"، وحذف ما بعده لطابق الراجح. انتهى. ولو عزل من ماشيته شاة مثلا للساعي فولدت، لم يلزمه دفع أولادها للساعي. قاله سند. أي لأن الواجبَ عليه الأصل لا الزائد، ولأنه لا يلزم الساعي أخذ ما عزله المالك، بل له أخذ غيره، قال سند: ولو عين طعاما أي مما يجب عليه من خمسة الأوسق، تعين ولا يبيعه، فإن باعه ضمنه بمثله، ولا يفسخ البيع لأن الزكاة في حكم الديون، فجاز لمن هي بيده التصرف فيها بشرط الضمان، كمتسلف الوديعة، وتسلف الوصي من مال محجوره، فإن قيل: لم تعين المثلي كالطعام دون القوم كالشاة؟ فالجواب أن المقوم لما كانت أفراده مقصودة لم يلزم الساعي ما عينه رب الماشية، فلم تتعين الشاة بتعيينه بخلاف المثلي. والله أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الخرشي، قال ابن المواز، قال مالك: وله أن يذبح ويبيع، وإن حال الحول ولم يأت الساعي وإن نقص ذلك من زكاتها إلا من فعل ذلك فرارا؛ أي بعد الحول وقبل مجيء الساعي، وأما قبل الحول فيلغى ولو قصد به الفرار، وأما الحاصل بعد تصديقه أو بعد عده فإن كان الموت من الله أو سرقة أو نحو ذلك فكذلك، وإن كان بذبح أو نحوه فإنه يؤخذ بزكاته، وإن لم يقصد به الفرار على ما ارتضاه ابن عرفة. وقال ابن

стр. 1890

عبد السلام: إن قصد به الفرار أخذ بزكاته، وإلا فلا، وقد تقدم أن المذهب ما قاله ابن عرفة، وقوله: فيلغى ولو قصد به الفرار، مخالف لما مر عند قوله: "ومن هرب" الخ. وأخذ الخوارج بالماضي؛ يعني أن الخوارج على الإمام إذا امتنعوا من إعطاء الزكاة أعواما، ثم قدر عليهم فإنه تؤخذ منهم زكاة تلك الأعوام الماضية من حين خروجهم ويعاملون معاملة من تخلف عنه السعاة، وقوله: "الخوارج"، جمع خارجة أي طائفة خارجة، فالخوارج صفة لمحذوف؛ أي الطوائف الخوارج؛ لأنه لم يسمع جمع خارج على خوارج، مع أن جمع فاعل صفة للعاقل على فواعل، شاذ كما قال في الألفية: … ... … ... وشذ في الفارس مع ما ماثله إلا أن يزعموا الأداء؛ يعني أن محل كون الخوارج يؤاخذون بزكاة الماضي من الأعوام، إنما هو حيث لم يدعوا أنهم أدوها أي أعطوها، وأما إن ادعوا أنهم أعطوها، فإنهم يصدقون في أدائها، ولو في عام أخذهم بعد حولها، ومعنى يزعموا هنا يدعوا، إلا أن يخرجوا لمنعها مستثنى من المستثنى؛ يعني أن تصديق الخوارج في الأداء مشروط بأن لا يكونوا خرجوا لمنع الزكاة، وأما إن خرجوا لمنع الزكاة فقط أو له مع غيره فإنهم لا يصدقون في إخراجها، ويعاملون معاملة الهارب حينئذ. والمتغلبون كالخوارج كما في النص أي المتغلبون على بلاد أخذوا الزكاة من أربابها قهرا عليهم وخروجا على السلطان، فلا يأخذها ثانيا من الناس وإنما يأخذها من المتغلبين كالخوارج. قاله الشيخ عبد الباقي. ولما فرغ من الكلام على زكاة الماشية، أتبعه بالكلام على زكاة الحرث، وبدأ بها قبل زكاة العين؛ لأن الحرث ينمو، فقال: وفي خمسة أوسق فأكثر؛ يعني أنه لا يزكى من الحبوب والثمار ما هو أقل من خمسة أوسق، وأما ما بلغ منها خمسة أوسق ففيه الزكاة على الوجه الذي يذكره المصنف، فيؤدّى منه العشر أو نصفه، وفي قوله: "فأكثر"، إشارة إلى أنه لا وقص في زكاة الحب والثمر، والأوسق جمع وسق، والوسق بفتح الواو على الأفصح، وفيه الكسر مصدر بمعنى الجمع، ومنه: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾؛ أي جمع ما دخل فيه من الدواب وغيرها، ومكيال معروف يسع

стр. 1891

ستين صاعا بصاع النبي ﷺ ، وهو أربعة أمداد بمده ﵊، والمد ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، فخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع، ويقال: وسقه يسقه: جمعه، ووسَّق الحنطة توسيقا جعلها وَسْقا وَسْقا، فالوسق بمعنى المكيال المعروف مسمى لغوي، وقوله: "وفي خمسة أوسق"، جزم سند في الطراز بأنها للتقريب حتى لو نقصت اليسير وجبت الزكاة؛ لأن النقص اليسير كالعدم. وللشافعية في كونها تحديدا وهو الأصح عندهم أو تقريبا قولان، ومن المجموعة وكتاب ابن المواز، قال مالك: لا زكاة فيما يؤخذ من الجبال من كرم وزيتون وتمر مما لا مالك له، وأما ما أخذ من ذلك في أرض العدو ففيه الخمس إن جعل في الغنائم، وقال الشبراخيتي: ولا زكاة في العشب الجبلي على من أخذ منه خمسة أوسق؛ لأنه غير مملوك لأحد، قال مالك: ولا يكون قرية أهل ذلك الجبل أحق به؛ وهو لمن أخذه، والأرض كلها لله ولرسوله. انتهى. وقوله: "وفي خمسة أوسق"، قال الحطاب: الظاهر أنه متعلق بقوله أول الباب: "تجب"، وقوله بعد هذا: "نصف العشر"، معطوف على قوله أول الباب: "تجب زكاة نصاب النعم"، والمعنى: ويجب في خمسة أوسق نصف العشر. انتهى. وقال الشبراخيتي: إن قوله: "وفي خمسة أوسق"، خبر مقدم، ونصف عشرة مبتدأ مؤخر، وذكر ما قدمته عن الحطاب، وقال: إنه أولى لإفادته للحكم؛ وهو الوجوب صريحا. انتهى. والأصل فيما ذكر المصنف قوله ﵊: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (١)). انظر أبا الحسن على الرسالة. وإن بأرض خراجية؛ يعني أنه لا فرق في وجوب الزكاة فيما تجب فيه من الحبوب والثمار، بين أن يكون في أرض خراجية؛ أي يؤدى منها الخراج، وبين غيرها من الأرض التي لا يؤدى منها الخراج؛ لأن الخراج الذي على الأرض لا يضع زكاة ما خرج منها، وفي المدونة: ومن اكترى أرض خراج أو غيرها، فزكاة ما أخرجت الأرض على المكتري، ولا يضع الخراج الذي على الأرض زكاة ما خرج منها عن الزارع، كانت الأرض له أو لغيره. وقوله: "وإن بأرض خراجية"، رد به على أبي حنيفة القائل: إن الخراج يسقط زكاة الأرض، وقال الشيخ محمد بن الحسن عن

стр. 1892

الحطاب: والخراج نوعان، الأول ما وضع على أرض العنوة، والثاني ما يصالح به الكفار على أرضهم، فيشتريها مسلم من الصلحي، ويتحمل عنه الخراج بعد عقد البيع؛ وكذا ما وضعه السلطان ظلما. انتهى. وقال القرافي: الخراج نوعان؛ أحدهما ما وضعه عمر ﵁ على أرض العراق لما فتحها عنوة وقسمها بين المسلمين، ثم رأى أن ينزلوا عنها ليلا يشتغلوا عنها بالجهاد فتخرب أو تُلهي عن الجهاد، فنزل عنها بعضهم بعوض وبعضهم بغير عوض، وضرب الخراج عليها ووقفها على المسلمين، قال سند: هو أجرة عند مالك والشافعي، ولذلك منع مالك الشفعة فيها، وقيل: بل باعها من أهل الذمة بثمن مقسط يؤخذ في كل سنة؛ وهو الخراج، وجازت الجهالة فيه لكونه مع كافر للضرورة. والنوع الثاني: ما يصالح به الكافر على أرضهم، فتكون كالجزية تسقط بإسلامهم، بخلاف الأول. انتهى. وكذلك الحكم في أرض العنوة كلها أنها توقف على المسلمين، وتترك بيد أهلها ليعملوا فيها، فإذا أسلموا لم يسقط الخراج لأنه أجرة والأرض للمسلمين، وقوله في المدونة: كانت الأرض له، فإن قيل: كيف يصح أن تكون الأرض له وعليها الخراج؟ أجيب بأنها من أرض العنوة، قال عبد الحق: أو وضعه السلطان عليها ظلما، أو اشتراها مسلم من صلحي وتحمل عنه الخراج بعد عقد البيع. والله أعلم. قاله الحطاب. ولو باع المسلم أرضا لا خراج عليها لذمي، فلا خراج على الذمي ولا عشر عند مالك والشافعي، خلافا لأبي حنيفة، قال: ليلا تخلو الأرض عن العشر والخراج، وقال أبو يوسف: عليها عشران، ومنع محمد بن الحسن صحة البيع لإفضائه إلى الخلو لنا أنما البيع ليس سبب الخراج في غير صورة النزاع، فلا يكون سببا فيها بالقياس، ويبطل قولهم ببيع الماشية من الذمي. قاله في الذخيرة عن سند. قاله الحطاب. ومن منح أرضه صبيا أو عبدا أو ذميا، أو أكراها فلا زكاة إلا على الصبي لقيام المانع فيما عداه عند مالك، خلافا لأبي حنيفة في العبد والذمي. قاله الحطاب. وقد مر قول مالك: لا زكاة فيما يؤخذ من الجبال من كرم وزيتون وتمر مما لا مالك له، وأما ما أخذ من ذلك في أرض العدو، ففيه الخمس إن جعل في المغانم. انتهى.

стр. 1893

ألف وستمائة رطل؛ بالجر بدل من خمسة أوسق، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي وهي وزن ألف وستمائة رطل بفتح الراء وكسرها، ومعنى كلامه أن خمسة الأوسق إذا وزنت فإنها تعدل ألف رطل وستمائة رطل. والرطل مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا؛ يعني أن كل رطل من الألف وستمائة يعدل مائة وثمانية وعشرين درهما مكيا منسوبا إلى مكة، والحاصل أن القدر الذي تجب فيه الزكاة يعرف بالكيل تارة وبالوزن أخرى -كما سيأتي قريبا إن شاء الله- والكيل كيل المدينة، والوزن وزن مكة، وذلك لأن المدينة محل الزروع والبساتين، فيعتنون بالكيل، ومكة محل التجارات الموزونة. قاله الشيخ الأمير. كل خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، هذا بيان لقدر الدرهم المكي يعني أن الدرهم المكي؛ هو الذي يعدل بخمسين حبة من الشعير المتوسط، وخمسا حبة منه لا من ممتلئه ولا من ضامره مقطوع من طرفيه ما امتد خارجا عن خلقته، ولو قال المصنف: من وسط الشعير لكان أحسن. واعلم أن المعتبر في النصاب معيار الشرع في ذلك الشيء من كيل القمح أو وزن العنب، وإن لم يكن للشرع معيار فعادة محله، وما مشى عليه المصنف من أن الرطل مائة وثمانية وعشرون درهما هو أحد الأقوال، وقيل: مائة وثمانية وعشرون وأربعة أسباع درهم، وصححه النووي، ونقل ابن فرحون عن الثعلبي أنه صححه أيضا، وقيل: مائة وثلاثون درهما بكسر الدال وفتح الهاء، وقول المصنف: إن كل درهم خمسون وخمسا حبة من الشعير المتوسط هو الصحيح المعتمد، خلاف ما ذكره ابن شأس وتبعه القرافي وابن الحاجب: أن الدينار وزنه اثنان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة، والدرهم سبعة وخمسون حبة وستة أعشار حبة وعشر عشر حبة، وهذا القول أصله لابن حزم وقد خرق فيه الإجماع على عادته، واتباع أولئك له وهم، قاله الحطاب. وقوله: "من مطلق الشعير"، لا من القمح. من حب؛ يعني أن الخمسة الأوسق التي تجب فيها الزكاة لا بد أن تكون من هذا الذي ذكره، بأن تكون من الحب ودخل فيه ثمانية عشر. القطاني السبعة، وهي: الجلبان والفول والحمص والعدس والبسيلة واللوبيا والترمس. والقمح والشعير والسلت والعلس والأرز والدخن والذرة وذوات

стр. 1894

الزيوت الأربع، السمسم والزيتون وحب الفجل والقرطم، وعطف على قوله: "حب"، قوله: وتمر؛ أي وكذا تجب الزكاة في التمر إذا بلغ خمسة أوسق، ويلحق بالتمر الزبيب، فقوله: "تمر"، بمثناة لا بمثلثة ليلا يدخل غير المراد، ولا يقال سكت عن الزكاة في العنب؛ لأنه يقال في كلامه ما يفيد وجوب الزكاة فيه. بدليل قوله: "وإنما يخرص التمر والعنب". وقوله: فقط؛ يعني به أن الزكاة إنما تجب في هذه العشرين المذكورة، ولا تجب في غيرها إلا من باب عروض التجارة الآتي كما في الأمير، بل هي غير مطلوبة في غير العشرين المذكورة، وللشيخ علي الأجهوري ناظما لما تجب فيه الزكاة: قمح شعير وزبيب سلت … تمر مع الأرز دخن ذرة وعلس ثم القطاني العدس … ولوبيا وحمص وترمس بسيلة والفول والجلبان لا … كرسنة وهي طعام اعتلا أضف لها الزيتون حب القرطم … وبزر فجل مثلها مع سمسم فهذه فيها الزكاة تجب … وليس في شيء سواها تطلب وعلس حب طويل باليمن … مشبه برخلقة يا من فطن وقوله: "فقط"، خلافا لابن الماجشون القائل: تجب في كل ذي أصل كرمان وتفاح. واعلم أن الزكاة تجب في القمح والشعير والتمر اتفاقا، والزبيب كالتمر، وفي السلت والعلس والزيتون على المشهور، وفي القطاني كالفول والعدس والحمص والجلبان والبسيلة والترمس واللوبيا على المنصوص، وفي الأرز والدخن والذرة وليست من القطاني على المشهور؛ والدخن البشنة، ولا تجب الزكاة في الكرسنة؛ وقال أشهب: من القطاني، ولا قصب وبقول، ولا في فاكهة كرمان وتين على الأشهر، وفي حب الفجل والعصفر والكتان، ثالثها: إن كثر وجبت، ورابعها إلا في الأخير، ولا زكاة في الخضر ولا في الحلبة ولا في الزعفران، ولا في العسل ولا في الخل ولا في شيء من التوابل، ولا في الفستق ولا في الخشب ولا في قصب السكر والتين والرمان والجوز واللوز والعناب وما أشبه ذلك.

стр. 1895

وفي الذخيرة: ولا زكاة في التوابل، وذكروا في باب البيع أنها الفلفل والكزبرة والآنيسون والشمار والكمون والحبة السوداء والكروياء ونحو ذلك. نقله الحطاب. بعضه عن المدونة وبعضه عن النوادر وبعضه عن الذخيرة، وكلام البساطي في الأبازير يقتضي أنه لم يقف على ما تقدم. قاله الحطاب. وبما مر علم أن المصنف أطلق في قوله: "حب"، وشرطه أن يكون مقتاتا مدخرا للعيش غالبا، والذي تجب فيه الزكاة إنما هو حب وثمر، والحب نوعان: نوع لا زيت له كالقمح والشعير، والنوع الثاني له زيت كالزيتون ونوعه، والثمر يشمل نوعين: التمر والعنب، وقد مر حصر ما تجب فيه الزكاة نثرا ونظما. وبالله تعالى التوفيق. ابن الحاجب: ولا زكاة في القصب والبقول. التوضيح: يصح أن يقال بالضاد المعجمة؛ وهو نبت تأكله الدواب، وبالصاد المهملة وهو قصب السكر: وكلاهما ذكره ابن الجلاب. منقى؛ يعني أن الخمسة الأوسق إنما تجب فيها الزكاة حيث كانت منقاة؛ أي مصفاة مخلصة من التبن والصوان الذي لا يخزن الحب به، وأما إن لم يبلغ الحب الخمسة الأوسق إلا بما فيه من التبن أو الصوان الذي لا يخزن به ونحو ذلك، فإنه لا تجب فيه الزكاة لقصوره عن النصاب، وأما القشر الذي لا يزايل الحب فإنه يحسب كما يأتي في قوله: "وحسب قشر الأرز والعلس"، وما ذكره المصنف من اشتراط التصفية صحيح إلا في اليسير الذي لا ينفك عنه غالبا. قاله الشبراخيتي. وقوله: "منقى"، هو شرط في الحب والثمر، وأشار لما يشترط في بعض الحب والثمر، بقوله: مقدر الحفاف؛ يعني أن ما أكل من الحب والثمر قبل جفافه إن كان مما يجف، أو قبل يبسه إن كان مما يَيْبَسُ ويجف يُقَدَّر ما ينقص به بسبب الجفاف، فيقال: كم ينقص ذلك إذا جف؟ فإذا لم يبلغ خمسة أوسق بتقدير جفافه فإنه لا تجب فيه الزكاة، ولو بلغها بتقدير جفافه إلا أنه ينقص بتقدير جفافه عن القدر الذي يبلغه قبل جفافه، فإنه يحط من الزكاة إلى القدر الذي يبلغه بتقدير جفافه فهو المعتبر. وقوله: "مقدر الجفاف"، كفول وحمص أخضرين وكشعير زمن مسغبة ونحوها، فهو راجع لما يشمله قوله: "من حب"، ولما يؤكل من عنب وبلح قبل يبس كل واحد وبعد طيبه، وكذا زيتون بعد طيبه وقبل جفافه، وأما ما ييبس أو يجف بالفعل ولم يؤكل قبل يبسه وجفافه، فإنما يزكى بعد يبسه وجفافه من غير تقدير، وكلامه ربما يقتضي أنه يقدر جفاف ما يجف وإن لم يؤكل قبل جفافه،
следующие страницы →