ستين صاعا بصاع النبي ﷺ ، وهو أربعة أمداد بمده ﵊، والمد ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، فخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع، ويقال: وسقه يسقه: جمعه، ووسَّق الحنطة توسيقا جعلها وَسْقا وَسْقا، فالوسق بمعنى المكيال المعروف مسمى لغوي، وقوله: "وفي خمسة أوسق"، جزم سند في الطراز بأنها للتقريب حتى لو نقصت اليسير وجبت الزكاة؛ لأن النقص اليسير كالعدم. وللشافعية في كونها تحديدا وهو الأصح عندهم أو تقريبا قولان، ومن المجموعة وكتاب ابن المواز، قال مالك: لا زكاة فيما يؤخذ من الجبال من كرم وزيتون وتمر مما لا مالك له، وأما ما أخذ من ذلك في أرض العدو ففيه الخمس إن جعل في الغنائم، وقال الشبراخيتي: ولا زكاة في العشب الجبلي على من أخذ منه خمسة أوسق؛ لأنه غير مملوك لأحد، قال مالك: ولا يكون قرية أهل ذلك الجبل أحق به؛ وهو لمن أخذه، والأرض كلها لله ولرسوله. انتهى.
وقوله: "وفي خمسة أوسق"، قال الحطاب: الظاهر أنه متعلق بقوله أول الباب: "تجب"، وقوله بعد هذا: "نصف العشر"، معطوف على قوله أول الباب: "تجب زكاة نصاب النعم"، والمعنى: ويجب في خمسة أوسق نصف العشر. انتهى. وقال الشبراخيتي: إن قوله: "وفي خمسة أوسق"، خبر مقدم، ونصف عشرة مبتدأ مؤخر، وذكر ما قدمته عن الحطاب، وقال: إنه أولى لإفادته للحكم؛ وهو الوجوب صريحا. انتهى. والأصل فيما ذكر المصنف قوله ﵊: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة (١)). انظر أبا الحسن على الرسالة.
وإن بأرض خراجية؛ يعني أنه لا فرق في وجوب الزكاة فيما تجب فيه من الحبوب والثمار، بين أن يكون في أرض خراجية؛ أي يؤدى منها الخراج، وبين غيرها من الأرض التي لا يؤدى منها الخراج؛ لأن الخراج الذي على الأرض لا يضع زكاة ما خرج منها، وفي المدونة: ومن اكترى أرض خراج أو غيرها، فزكاة ما أخرجت الأرض على المكتري، ولا يضع الخراج الذي على الأرض زكاة ما خرج منها عن الزارع، كانت الأرض له أو لغيره. وقوله: "وإن بأرض خراجية"، رد به على أبي حنيفة القائل: إن الخراج يسقط زكاة الأرض، وقال الشيخ محمد بن الحسن عن
стр. 1892
الحطاب: والخراج نوعان، الأول ما وضع على أرض العنوة، والثاني ما يصالح به الكفار على أرضهم، فيشتريها مسلم من الصلحي، ويتحمل عنه الخراج بعد عقد البيع؛ وكذا ما وضعه السلطان ظلما. انتهى.
وقال القرافي: الخراج نوعان؛ أحدهما ما وضعه عمر ﵁ على أرض العراق لما فتحها عنوة وقسمها بين المسلمين، ثم رأى أن ينزلوا عنها ليلا يشتغلوا عنها بالجهاد فتخرب أو تُلهي عن الجهاد، فنزل عنها بعضهم بعوض وبعضهم بغير عوض، وضرب الخراج عليها ووقفها على المسلمين، قال سند: هو أجرة عند مالك والشافعي، ولذلك منع مالك الشفعة فيها، وقيل: بل باعها من أهل الذمة بثمن مقسط يؤخذ في كل سنة؛ وهو الخراج، وجازت الجهالة فيه لكونه مع كافر للضرورة.
والنوع الثاني: ما يصالح به الكافر على أرضهم، فتكون كالجزية تسقط بإسلامهم، بخلاف الأول. انتهى. وكذلك الحكم في أرض العنوة كلها أنها توقف على المسلمين، وتترك بيد أهلها ليعملوا فيها، فإذا أسلموا لم يسقط الخراج لأنه أجرة والأرض للمسلمين، وقوله في المدونة: كانت الأرض له، فإن قيل: كيف يصح أن تكون الأرض له وعليها الخراج؟ أجيب بأنها من أرض العنوة، قال عبد الحق: أو وضعه السلطان عليها ظلما، أو اشتراها مسلم من صلحي وتحمل عنه الخراج بعد عقد البيع. والله أعلم. قاله الحطاب. ولو باع المسلم أرضا لا خراج عليها لذمي، فلا خراج على الذمي ولا عشر عند مالك والشافعي، خلافا لأبي حنيفة، قال: ليلا تخلو الأرض عن العشر والخراج، وقال أبو يوسف: عليها عشران، ومنع محمد بن الحسن صحة البيع لإفضائه إلى الخلو لنا أنما البيع ليس سبب الخراج في غير صورة النزاع، فلا يكون سببا فيها بالقياس، ويبطل قولهم ببيع الماشية من الذمي. قاله في الذخيرة عن سند. قاله الحطاب. ومن منح أرضه صبيا أو عبدا أو ذميا، أو أكراها فلا زكاة إلا على الصبي لقيام المانع فيما عداه عند مالك، خلافا لأبي حنيفة في العبد والذمي. قاله الحطاب. وقد مر قول مالك: لا زكاة فيما يؤخذ من الجبال من كرم وزيتون وتمر مما لا مالك له، وأما ما أخذ من ذلك في أرض العدو، ففيه الخمس إن جعل في المغانم. انتهى.
стр. 1893
ألف وستمائة رطل؛ بالجر بدل من خمسة أوسق، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي وهي وزن ألف وستمائة رطل بفتح الراء وكسرها، ومعنى كلامه أن خمسة الأوسق إذا وزنت فإنها تعدل ألف رطل وستمائة رطل.
والرطل مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا؛ يعني أن كل رطل من الألف وستمائة يعدل مائة وثمانية وعشرين درهما مكيا منسوبا إلى مكة، والحاصل أن القدر الذي تجب فيه الزكاة يعرف بالكيل تارة وبالوزن أخرى -كما سيأتي قريبا إن شاء الله- والكيل كيل المدينة، والوزن وزن مكة، وذلك لأن المدينة محل الزروع والبساتين، فيعتنون بالكيل، ومكة محل التجارات الموزونة. قاله الشيخ الأمير. كل خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، هذا بيان لقدر الدرهم المكي يعني أن الدرهم المكي؛ هو الذي يعدل بخمسين حبة من الشعير المتوسط، وخمسا حبة منه لا من ممتلئه ولا من ضامره مقطوع من طرفيه ما امتد خارجا عن خلقته، ولو قال المصنف: من وسط الشعير لكان أحسن.
واعلم أن المعتبر في النصاب معيار الشرع في ذلك الشيء من كيل القمح أو وزن العنب، وإن لم يكن للشرع معيار فعادة محله، وما مشى عليه المصنف من أن الرطل مائة وثمانية وعشرون درهما هو أحد الأقوال، وقيل: مائة وثمانية وعشرون وأربعة أسباع درهم، وصححه النووي، ونقل ابن فرحون عن الثعلبي أنه صححه أيضا، وقيل: مائة وثلاثون درهما بكسر الدال وفتح الهاء، وقول المصنف: إن كل درهم خمسون وخمسا حبة من الشعير المتوسط هو الصحيح المعتمد، خلاف ما ذكره ابن شأس وتبعه القرافي وابن الحاجب: أن الدينار وزنه اثنان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة، والدرهم سبعة وخمسون حبة وستة أعشار حبة وعشر عشر حبة، وهذا القول أصله لابن حزم وقد خرق فيه الإجماع على عادته، واتباع أولئك له وهم، قاله الحطاب. وقوله: "من مطلق الشعير"، لا من القمح.
من حب؛ يعني أن الخمسة الأوسق التي تجب فيها الزكاة لا بد أن تكون من هذا الذي ذكره، بأن تكون من الحب ودخل فيه ثمانية عشر. القطاني السبعة، وهي: الجلبان والفول والحمص والعدس والبسيلة واللوبيا والترمس. والقمح والشعير والسلت والعلس والأرز والدخن والذرة وذوات
стр. 1894
الزيوت الأربع، السمسم والزيتون وحب الفجل والقرطم، وعطف على قوله: "حب"، قوله: وتمر؛ أي وكذا تجب الزكاة في التمر إذا بلغ خمسة أوسق، ويلحق بالتمر الزبيب، فقوله: "تمر"، بمثناة لا بمثلثة ليلا يدخل غير المراد، ولا يقال سكت عن الزكاة في العنب؛ لأنه يقال في كلامه ما يفيد وجوب الزكاة فيه. بدليل قوله: "وإنما يخرص التمر والعنب". وقوله: فقط؛ يعني به أن الزكاة إنما تجب في هذه العشرين المذكورة، ولا تجب في غيرها إلا من باب عروض التجارة الآتي كما في الأمير، بل هي غير مطلوبة في غير العشرين المذكورة، وللشيخ علي الأجهوري ناظما لما تجب فيه الزكاة:
قمح شعير وزبيب سلت … تمر مع الأرز دخن ذرة
وعلس ثم القطاني العدس … ولوبيا وحمص وترمس
بسيلة والفول والجلبان لا … كرسنة وهي طعام اعتلا
أضف لها الزيتون حب القرطم … وبزر فجل مثلها مع سمسم
فهذه فيها الزكاة تجب … وليس في شيء سواها تطلب
وعلس حب طويل باليمن … مشبه برخلقة يا من فطن
وقوله: "فقط"، خلافا لابن الماجشون القائل: تجب في كل ذي أصل كرمان وتفاح. واعلم أن الزكاة تجب في القمح والشعير والتمر اتفاقا، والزبيب كالتمر، وفي السلت والعلس والزيتون على المشهور، وفي القطاني كالفول والعدس والحمص والجلبان والبسيلة والترمس واللوبيا على المنصوص، وفي الأرز والدخن والذرة وليست من القطاني على المشهور؛ والدخن البشنة، ولا تجب الزكاة في الكرسنة؛ وقال أشهب: من القطاني، ولا قصب وبقول، ولا في فاكهة كرمان وتين على الأشهر، وفي حب الفجل والعصفر والكتان، ثالثها: إن كثر وجبت، ورابعها إلا في الأخير، ولا زكاة في الخضر ولا في الحلبة ولا في الزعفران، ولا في العسل ولا في الخل ولا في شيء من التوابل، ولا في الفستق ولا في الخشب ولا في قصب السكر والتين والرمان والجوز واللوز والعناب وما أشبه ذلك.
стр. 1895
وفي الذخيرة: ولا زكاة في التوابل، وذكروا في باب البيع أنها الفلفل والكزبرة والآنيسون والشمار والكمون والحبة السوداء والكروياء ونحو ذلك. نقله الحطاب. بعضه عن المدونة وبعضه عن النوادر وبعضه عن الذخيرة، وكلام البساطي في الأبازير يقتضي أنه لم يقف على ما تقدم. قاله الحطاب. وبما مر علم أن المصنف أطلق في قوله: "حب"، وشرطه أن يكون مقتاتا مدخرا للعيش غالبا، والذي تجب فيه الزكاة إنما هو حب وثمر، والحب نوعان: نوع لا زيت له كالقمح والشعير، والنوع الثاني له زيت كالزيتون ونوعه، والثمر يشمل نوعين: التمر والعنب، وقد مر حصر ما تجب فيه الزكاة نثرا ونظما. وبالله تعالى التوفيق. ابن الحاجب: ولا زكاة في القصب والبقول. التوضيح: يصح أن يقال بالضاد المعجمة؛ وهو نبت تأكله الدواب، وبالصاد المهملة وهو قصب السكر: وكلاهما ذكره ابن الجلاب. منقى؛ يعني أن الخمسة الأوسق إنما تجب فيها الزكاة حيث كانت منقاة؛ أي مصفاة مخلصة من التبن والصوان الذي لا يخزن الحب به، وأما إن لم يبلغ الحب الخمسة الأوسق إلا بما فيه من التبن أو الصوان الذي لا يخزن به ونحو ذلك، فإنه لا تجب فيه الزكاة لقصوره عن النصاب، وأما القشر الذي لا يزايل الحب فإنه يحسب كما يأتي في قوله: "وحسب قشر الأرز والعلس"، وما ذكره المصنف من اشتراط التصفية صحيح إلا في اليسير الذي لا ينفك عنه غالبا. قاله الشبراخيتي. وقوله: "منقى"، هو شرط في الحب والثمر، وأشار لما يشترط في بعض الحب والثمر، بقوله: مقدر الحفاف؛ يعني أن ما أكل من الحب والثمر قبل جفافه إن كان مما يجف، أو قبل يبسه إن كان مما يَيْبَسُ ويجف يُقَدَّر ما ينقص به بسبب الجفاف، فيقال: كم ينقص ذلك إذا جف؟ فإذا لم يبلغ خمسة أوسق بتقدير جفافه فإنه لا تجب فيه الزكاة، ولو بلغها بتقدير جفافه إلا أنه ينقص بتقدير جفافه عن القدر الذي يبلغه قبل جفافه، فإنه يحط من الزكاة إلى القدر الذي يبلغه بتقدير جفافه فهو المعتبر. وقوله: "مقدر الجفاف"، كفول وحمص أخضرين وكشعير زمن مسغبة ونحوها، فهو راجع لما يشمله قوله: "من حب"، ولما يؤكل من عنب وبلح قبل يبس كل واحد وبعد طيبه، وكذا زيتون بعد طيبه وقبل جفافه، وأما ما ييبس أو يجف بالفعل ولم يؤكل قبل يبسه وجفافه، فإنما يزكى بعد يبسه وجفافه من غير تقدير، وكلامه ربما يقتضي أنه يقدر جفاف ما يجف وإن لم يؤكل قبل جفافه،
стр. 1896
وكذا يقال فيما يَيْبَسُ بالفعل وليس بمراد، فيحمل قوله: "مقدر الجفاف"، على ما يجف بالفعل، ومثله ما يَيْبَسُ بالفعل، وأكل كل قبل جفافه ويبسه. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: ويدل عليه فوله: وإن لم يجف؛ يعني أنه يعتبر ما ينقصه الجفاف مطلقا، سواء كان مما يجف أو ييبس، وأكل كل قبل جفافه أو يبسه، أو كان مما لا يجف ولا ييبس، فإذا نقصة الجفاف تقديرا بما ينقص به عن النصاب فلا زكاة فيه، وإن كان يبلغ خمسة أوسق بلا تقدير الجفاف.
ومثلوا لما لا يجف بعنب مصر وبلحها وزيتونها بعد الطيب، وقوله: "يجف"، بكسر الجيم وفتحها بنقل حركة العين إلى الفاء في الوجهين.
واعلم أن محل هذا بعد الإفراك، فلا ينافي أن ما أكل قبل الطيب لا زكاة فيه، كما يأتي بيانه إن شاء الله عند قوله: "والوجوب بإفراك الحب"، وعند قوله: "وفول أخضر"، وقوله: "مقدر الجفاف"، هذا التقدير هنا غير التخريص الآتي في قوله: "وإنما يخرص التمر والعنب"، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقوله: نصف عشرة، قد مر عن الحطاب أنه عطف على قوله: "زكاة نصاب النعم"، وأن المجرور -أعني قوله: "في خمسة أوسق"- يتعلق بتجب من قوله: "تجب زكاة نصاب النعم"، ويحتمل وجها آخر وهو أنه مبتدأ وخبره قوله: "في خمسة أوسق". ومعنى كلام المصنف أن الواجب إخراجه في الزكاة؛ أي زكاة الحب والثَّمَر يتنوع إلى ثلاثة أنواع في المسقي بالآلة، ومثلها في غيره كما يأتي، أحدها نصف العشر وهو واجب في التمر والزبيب الذين يجفان، والحب الذي لا زيت له كالقمح والشعير والسلت والدخن والذرة ونحو ذلك من الحب الذي له زيت، ثانيها أشار إليه بقوله: كزيت ما له زيت؛ يعني أن الحب الذي لجنسه زيت كالزيتون ونحوه مما مر، يجب أن يخرج من زيته نصف العشر حيث بلغ الحب خمسة أوسق، ولا يشترط في الزيت بلوغه ما يخرج من خمسة أوسق عادة، بل متى ما بلغ الحب خمسة أوسق أخرج نصف عشر الزيت قل أو كثر، خلافا لا جزم به اللخمي وساقه كأنه المذهب، من أنه: إذا قحطت السماء على الزيتون فحط زيته عن المعتاد بالشيء البين، فصار إلى النصف وما أشبه ذلك، لم تجب الزكاة في خمسة أوسق منه. انتهى من الرهوني. فإن لم يبلغ لم
стр. 1897
يخرج منه ولا من زيته شيء، ولو خرج منه من الزيت بحسب العادة أكثر مما يخرج من الحب البالغ للنصاب.
وشمل قوله: "كزيت ما له زيت"، أربع صور: عصره، وأكله قبل عصره، وبيعه لمن يعصره، وبيعه لمن لا يعصره. والهبة للثواب كبيعه وغيرها كأكله، فإن عصره المزكي أخرج نصف عشر زيته، وإن أكله حبا تحرى قدر ما يخرج منه وأخرج بحسبه، فإن لم يمكن تحريه سأل أهل المعرفة، فإن لم يمكن أخرج من قيمته وإن باعه لمن يعصره، قال عبد الباقي: سأل المشتري إن وثق به، وإلا فأهل المعرفة، فإن تعذر سؤالهم زكى من ثمنه. وظاهر التتائي أنه لا يعمل بتحريه، وذكر بعض شيوخ علي الأجهوري أنه يعمل بتحريه، بل قدمه على سؤال المشتري. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: ما ذكره بعض شيوخ علي الأجهوري هو الصواب، وجلب على ذلك كلاما عزاه للمدونة. والله سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: وإذا أكله تحرى قدر ما يخرج منه ويخرج بحسبه، فإن لم يمكن تحريه سأل أهل المعرفة، فإن لم يمكن أخرج من قيمته، وإن باعه قبل ذلك لمن يعصره سأل المشتري عن قدر ما يخرج إن وثق به، وإلا فأهل المعرفة كما قال ابن القاسم، فإن اختلفوا أخذ بقول الأعرف، وإلا فمن كل جزء على الظاهر، فإن تعذر ذلك زكى ثمنه، وظاهر التتائي أنه لا يتحرى.
وذكر بعض شيوخ شيخنا الأجهوري أنه يعمل بتحريه، بل قدمه على سؤال المشتري، وحكم ما وهبه للثواب حكم ما باعه، وأما حكم ما وهبه لغيره فالظاهر أنه حكم ما أكله. انتهى.
الصورة الرابعة: أن يبيعه لمن لا يعصره، فيتعين الإخراج من الزيت بأن يتحرى ولا بُعْدَ في ذلك؛ إذ لا فرق في تحريه بين أن يبيعه لمن يعصره، وبين أن يبيعه لمن لا يعصره، فإن لم يمكن أدى من ثمنه، كما يفيده كلام ابن يونس الآتي عقب قول المدونة: ومن باع زيتونا يُزَيَّتُ، أو رطبا يُتَمَّرُ أو عنبا يُزَبَّبُ فليأت بما لزمه زيتا أو زبيبا أو تمرا من عشر أو نصفه. انتهى. ابن يونس: قال مالك: وإن لم يضبط خرصه، ولا أن يتحراه أو يتحرى له فليؤد من ثمنه. انتهى. وظاهر المصنف تعين الإخراج من الزيت في الصور الأربع، وهو واضح إذا عصره أو أكله قبله أو باعه لمن يعصره حيث كان غير جلجلان، فإن باعه وهو جلجلان لمن يعصره، فهل كذلك، أو يجزئ
стр. 1898
زكاته من حبة؟ ولو علم قدر ما فيه من الزيت لأنه يراد لغير الزيت من زراعة وأكله حبا فخف أمره كما فرق عياض بين الجلجلان وغيره قولان. قاله عبد الباقي. وفي الحطاب عن المدونة: فإن كان قوم لا يعصرون الجلجلان وإنما يبيعونه حبا ليزيت، فأرجو إذا أخذ من حبة أن يكون خفيفا. وقال ابن ناجي: وأشار بعض الأندلسيين إلى معارضة قولها بقولها؛ وقال عياض: وقد يفرق بينهما بأن الجلجلان لا يخرج منه زيت إلا ببلاد يعصر فيها. انتهى. ثالثها أشار إليه بقوله: وثمن غير ذي الزيت؛ يعنى أن الحب الذي لجنسه زيت، وكان هو في بعض البلاد لا زيت له يخرج من ثمنه إذا بلغ حبة خمسة أوسق قل الثمن أو كثر، فيخرج منه نصف العشر كزيتون مصر، وهذا إذا بيعت الأوسق، فإن لم تبع فنصف عشر قيمتها يوم طيبه أو إزهائه، ويصح أن يراد بالثمن العوض فيشمل المسألتين. كما قاله الشبراخيتي. وقوله: "وثمن غير ذي الزيت"؛ أي ولا يجزئ الإخراج من حبة. قاله الشبراخيتي.
وما لا يجف؛ يعني أن ما لا يجف كرطب مصر وعنبها إذا بلغ حبة خمسة أوسق يخرج نصف عشر ثمنه إن بيع، ونصف عشر قيمته إن لم يبع، وقد تقدم أنه يعتبر ما ينقصه به الجفاف تقديرا، وإذا كان في البلد ما يجف وما لا يجف، فلا يحكم على ما لا يجف بحكم ما يجف، بل كل على حكمه من لزوم نصف عشر الحب في الأول، ونصف عشر الثمن أو القيمة في الثاني. قاله الشيخ محمد بن الحسن شارحا به كلام الشيخ عبد الباقي. وقال عبد الباقي: وظاهر المصنف تعين الإخراج من الثمن في هاتين المسألتين؛ وهو كذلك. انتهى؛ يعني بالمسألتين قوله: "وثمن غير ذي الزيت"، وقوله: "وما لا يجف".
وقال الشبراخيتي: ولا يجزئ الإخراج من حبة بأن يخرج تمرا أو زبيبا، وأما رطبا أو عنبا فلا يتوهم، وقد قدمتُ عنه عند قوله: "وثمن غير ذي الزيت"، ما نصه: ولا يجزئ الإخراج من حبة. انتهى. وقال محمد بن الحسن: قال ابن عرفة: وما لا يتزبب، قال محمد: من ثمنه أو قيمته إن أكله لا من زبيب. التونسي: ولم يقل هل يجزئه إن أخرجه زبيبا أو لا؟ وروى علي وابن نافع من ثمنه إلا أن يجد زبيبا فيلزمه شراؤه. ابن حبيب: فإن أخرج عنبا أجزأه، وكذا الزيتون الذي لا زيت له، والرطب الذي لا يتتمر؛ أي إن أخرج من حبة أجزأه، والقول الأول
стр. 1899
هو مذهب المدونة كما في المواق. انتهى. قال عبد الباقي: ومفهوم قوله: "وما لا يجف"، أن ما يجف بالفعل لا يخرج من ثمنه، بل من حبة أكله أو باعه لمن يجففه، لا لمن لا يجففه، فيجوز أن يخرج من ثمنه. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل ما تقدم من كلام المدونة وابن يونس يدل على أن ما يجف لا يخرج إلا من حبه إلا إن عجز عن التحري فمن ثمنه، ولا فرق بين بيعه لمن يجففه وبيعه لمن لا يجففه، وما ذكره من هذا التفصيل أصله في المواق أخذه من كلام ابن رشد، وهو لا دليل فيه لأن ما ذكره ابن رشد إنما هو باعتبار الغالب.
وفول أخضر؛ يعني أن الفول الذي بيع أخضر ولم يترك حتى ييبَس كالسقاوي بمصر؛ وهو الذي يسقى بالسواقي يخرج نصف عشر ثمنه، ونصف عشر قيمته إن أكله أخضر بلا بيع، قال عبد الباقي: وظاهره تعين الإخراج من قيمته أو ثمنه كالمسألتين قبله، وليس بمراد؛ إذ المعتمد فيه أنه يخير بين إخراج ثمنه أو قيمته، وبين أن يخرج عنه حبا يابسا بعد اعتبار جفاف الأصل. كما نقله ابن يونس عن مالك.
والفرق بينه وبين المسألتين قبله أنه لما كان يمكن فيه اليبس جاز النظر له، وإلى ما يشترى له من أكله أخضر بخلاف المسألتين قبله، فإن ترك السقاوي حتى يبس أخرج من حبه، وأما الفول الذي يترك دائما حتى ييبس بالفعل كالذي يزرع في موضع البحر بمصر، فيتعين الإخراج من حبه، ولا يخرج من ثمنه ولو أكل أو بيع أخضر، ومثل الفول الأخضر الحمص الأخضر والفريك، وما يشترى من ثمر النخل والعنب لا ييبس، فإنه يجزئ الإخراج من حبة كالبلح المسمى بالخضارى لطيبه، ومثل ذلك الشعير الأخضر، لكن إن كان [زمن] (١) مسغبة لأنه يقصد بزمنها أكلا أو ثمنا، فلذا جاز من حبه وثمنه لحظ الفقراء حينئذ بخلاف زمن غيرها لعدم قصده بالأكل حينئذ ولرخصه غالبا، فإنما يخرج من حبه وليس مثلها البلح الخضارى الرامخ إذا بيع أو أكل، فلا يحسب ولو كثر لعدم الزكاة فيه؛ إذ هو لم يطب فلم يتعلق به وجوب، ولا يقاس على الفول الأخضر ونحوه؛ لأنه تجب الزكاة فيه بالإفراك، وقد حصل. والبلح لا تجب الزكاة فيه إلا بالطيب وهو الزهو، وما في معناه ولم يحصل، ووجوب الزكاة في الفريك الأخضر والشعير الأخضر
стр. 1900
موافق لقول المصنف، والوجوب بإفراك الحب. انتهى. وقوله: المعتمد فيه، أنه يخير، قال محمد بن الحسن: في العتبية عن مالك: أنه يتعين الإخراج من الحب. ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الزكاة قد وجبت في ذلك بالإفراك، فبيع ذلك بمنزلة بيع الحائط والنخل أو الكرم إذا أزهى، ثم قال: ولمالك في كتاب ابن المواز في الفول والحمص: أنه إذا أدى من ثمنه فلا بأس به، ولم يقل ذلك في النخل والكرم، ثم نقل الفرق الذي في المواق، فتصديره بالأول مع توجيهه يفيد أنه المعتمد؛ وهو الذي صدر به ابن عرفة، فقال: قال مالك: ما أكل من قطنية خضراء أو باع إن بلغ حبة نصابا زكاه بحب يابس، وروى محمد: أو من ثمنه. أشهب: من ثمنه. انتهى. وقوله: وأما الفول الذي يترك دائما الخ، لا وجه لتفصيله في الفول الذي أكل أخضر بين ما شأنه ذلك أم لا، بل الحكم سواء كما يفيده النقل السابق. وقوله: وما يشترى من ثمر النخل والعنب الخ، اعتمد فيه كلام المواق، وتقدم ما فيه. انتهى.
وتحصل مما مر أنه يجب إخراج نصف العشر من الأصناف التي لا زيت لجنسها حيث بلغت النصاب، كالقمح والشعير وما أكل منها قبل جفافه أو يبسه يعتبر ما ينقصه الجفاف، ولابد من إخراج نصف العشر من الحب حيث كان يجف أو ييبس، باعه أولا إلا إذا عجز عن التحري، فيخرج من ثمنه باعه لمن يجففه أو لا، كما مر عن محمد بن الحسن، فإن تركه لليبس أو الجفاف فإنما يزكى بعد يبسه أو جفافه من غير تقدير، فإن كان مما لا يجف أخرج نصف عشر ثمنه إن بيع، أو نصف عشر قيمته إن لم يبع، ولا يجزئ الإخراج من حب يابس على المعتمد، وأما ما بجنسه زيت، فإن كان له زيت تعين إخراج نصف عشر زيته حيث بلغ حبة خمسة أوسق، قل الزيت أو كثر، فإن علم قدر الزيت فواضح، وإن لم يعلمه لكونه أكله قبل عصره أو باعه تحراه على ما مر وأخرج بحسبه، فإن تعذر التحري والسؤال أخرج قيمة نصف عشر الزيت أو الثمن على ما مر، وإن لم يكن له زيت في بعض البلاد أخرج نصف عشر ثمنه إن بيع، ونصف عشر قيمته إن لم يبع، وتقدم الخلاف في الجلجلان الذي له زيت، هل يجزئ الإخراج من حبه إذا بيع لمن يعصره، أو لابد من إخراج نصف العشر من زيته؟ وأن المعتمد في الفول الأخضر أنه يتعين فيه الإخراج من الحب حيث أكل قبل يبسه مطلقا، شأنه ذلك أم لا.
стр. 1901
وقال الأمير: والإخراج من زيت الزيتون إن كان، وأمكن معرفة قدره ولو بالتحري، أو بإخبار موثوق به، وإلا فمن قيمته إن أكله أو ثمنه إن باعه، كان نصابا أم لا؛ إذ العبرة بنصاب الحب وجاز في بقية الزيتية من الحب أيضا، وتعين من ثمن ما لا يجف كرطب مصر وعنبها وحب غيره، كإن جف هوأي لو فرض أن ما لا يجف بقي حتى جف تعين حبة، وخير بين الحب والثمن في فول وحمص بيع كل أخضر مطلقا؛ أي ولو كان شأنه الجفاف كما أفاده الرماصي، خلافا لما في الخرشي وغيره من تعين الحب حينئذ، وقواه بناني. انتهى. وقوله: "وفول أخضر"، فإن قلت: وجوب الزكاة في الفول الأخضر والفريك يخالف قوله: "والوجوب بإفراك الحب"،. قلت: لا نسلم أنه يخالفه لأنه حصل في كل الإفراك، والدليل على أن الإفراك يكون قبل اليبس، قول المؤلف في باب تناول البناء والشجر الأرض ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه. قاله الشبراخيتي، والخرشي، ونحوه لعبد الباقي.
تنبيه: اعلم أنه اختلف في تعلق الوجوب بالإفراك أو اليبس، وسيأتي أن المشهور تعلق الوجوب بالإفراك، وهو للمصنف وابن الحاجب وابن شأس والمدونة، وصرح ابن الحاجب بتشهيره، وما لابن عرفة من تشهير تعلق الوجوب باليبس ضعيف، وقوله: "وفول". يقال له: الباقلى بالتشديد مع القصر، ويكتب بالياء وبالتخفيف مع المد ويكتب بالألف. قاله الشبراخيتي.
إن سقي بآلة، شرط في لزوم نصف العشر؛ يعني أن محل وجوب نصف العشر في الأقسام الثلاثة أي ما يجب فيه نصف العشر من الحب أو الزيت أو الثمن، محله حيث سقي الحب بآلة كالدواليب والدلاء، ومنها نقالة البحر كما في أحمد، ولو من متبرع له. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ولا يدخل في الآلات نقالات البحر، ابن أبي زمنين: ما يسقى باليد بالدلو بمنزلة ما يسقى بالسواني. وقوله: "بآلة"، آلة الشيء ما يئول إليه؛؛ أي لما كانت هي السبب في تحصيله كان أمره آئلا إليها، هذا ما ظهر لي والله سبحانه أعلم.
وفي أبي الحسن (أنه ﵊ جعل فيما سقته السماء والعيون والبعل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر (١)). انتهى.
стр. 1902
تنبيه: إذا أخرج من سقى بالآلة العشر جهلا وله زرع آخر فلا يحسب ما زاد عن زكاة الأول للثاني، بل يخرج ما وجب فيه ويرجع على الفقراء كما يرجع من دفع الكفارة أو الزكاة لغير مستحقها من عبد ونحوه. انظر حسن نتائج الفكر. قال محمد بن الحسن: أي إن وجدها بأيديهم استرجعها: وإن فاتت فلا. انتهى. ونحوه في الحطاب عن البرزلي: قال عنه إن وجد ذلك في أيدي الفقراء أخذه كما إذا دفع الكفارة أو الزكاة لمن لا يستحقها من عبد أو صبي، وإن فاتت فلا يسترجع كما تقدم، وكذا من عوض من صدقته ظانا أن ذلك يلزمه، وفي هذا الأصل اختلاف. انتهى. وهذه المسألة من فروع النية. انتهى. قاله الحطاب.
واعلم أن الحب يشمل الأصناف العشرين المتقدمة التي لا تجب الزكاة إلا فيها، فلو حذف وتمر لكفاه ذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وإلا فالعشر؛ يعني أن ما ذكر من الحب والثمر إذا لم يُسْقَ بالآلة بأن سقاه المطر أو الأنهار أو العيون أو كان بعلا؛ وهو ما يشرب بعروقه من غير سقي، فإن الواجب فيه العشر حبا أو زيتا أو ثمنا على ما مر، والعشر جزء من أجزاء العشرة فيجزأ الحب أو الزيت أو الثمن عشرة أجزاء، ويخرج منها جزء لمصرفه الآتي، ويقال في العشر عشر بفتح العين وكسر الشين بعدها تحتية، ومعشار قال في القاموس ويقع لهم في هذا الموضع ألفاظ منها: المغرب بالغين المعجمة وسكون الراء: الدلو الكبير، ومنها الدالية وهي أن تمضي الدابة فيرتفع فيفرغ ثم ترجع [فينزل] (١)، ومنها الناضح وهو الجمل الذي يجر حبل الدلو، ومنه الدواليب والنواعير. قاله الشبراخيتي.
ولو اشترى السيح بفتح السين وإسكان الياء: العيون والأنهار والسيل، وسقي السماء والمطر. قاله الحطاب. وجمعه سيوح، وقال الخرشي: السيح الماء الجاري على وجه الأرض، ومعنى كلام المصنف أن اللازم فيما سقي بغير الآلة العشر، ولو كان مالك الحب اشترى السيح الذي سقي به ممن هو بأرضه، لعموم قوله ﵊: (فيما سقته السماء والعيون العشر وفيما سقي
стр. 1903
بالنضح نصف العشر (١)). ورد بلو قول عبد الملك بن الحسن: إذا اشترى السيح له فليس عليه إلا نصف العشرة بعضهم: وهو أعدل لأن المشقة فيه كالسواقي.
أو أنفق عليه؛ يعني أن الحكم فيما سقي بالسيح وجوب العشر، ولو كان مالك الحب أنفق على إجراء السيح إلى أرضه، ورد بلو المقدرة في المعطوف قول اللخمي: إذا أجرى السيح بنفقة فالواجب العشر إلا في السنة الأولى فنصف العشر، قال الشارح: والمراد بالسيح النيل والسيل والعيون والأنهار، ووجب العشر فيما مر لقلة المؤنة، ومما فيه العشر ما يزرع من الذرة ويوضع عليه عند زرعه قليل ماء، قاله غير واحد. وإن سقي بهما فعلى حكميهما؛ يعني أن الحب إذا سقي بالسيح وبالآلة وتساوت مدة السقي أو قاربت التساوي؛ بأن لم يبلغ الثلثين والمسقي زرع واحد، فإن الزكاة تكون على قدرهما أي السقي بالآلة والسقي بالسيح، والمراد بكونهما على حكميهما أن يقسم الحرث نصفين، فيؤخذ من أحد النصفين العشر على حكم سقيه بالسيح، ومن النصف الآخر نصف العشر، ومجموع ذلك ثلاثة أرباع العشر. وهل يغلب الأكثر؛ يعني أنه إذا سقي الحب بالسيح وبالآلة ولم تتساو مدة السقي ولا قاربت التساوي، فإنه اختلف، هل يغلب الأكثر ويخرج منه الجميع؟ وشهره في الجواهر، أو لا يغلب الأكثر بل يبقى كل على حكمه، وشهره في الإرشاد.
وبما قررت علم أن المراد بالأكثر؛ الأكثر مدة ولو كان السقي فيها كالسقي في الأقل أو دونه، كما لو كانت مدة السقي ستة أشهر منها شهران بالسيح وأربعة بآلة، لكن سقيه بالسيح مرتان وبالآلة مرة، فإنه يكون كله كما سقي بالآلة، فيجب فيه نصف العشر. ولو كانت مدة السقي ستة أشهر منها شهران بالآلة وأربعة بالسيح لكن سقي بالآلة مرتان أو أكثر وبالسيح مرة، لكان كله كما سقي بالسيح، فيجب فيه العشر. والله تعالى أعلم. وعلى القول الثاني، ففي المثال الأول: يخرج من الثلث العشرون الثلثين نصف العشر، والمثال الثاني بالعكس، وما تقدم من أن ما بلغ الثلثين هو الأكثر وما دونهما مما زاد على النصف هو ما قارب التساوي، قال محمد بن الحسن: هو مثل الذي في
стр. 1904
عبارة ابن رشد عن ابن القاسم: أن الأكثر ما بلغ الثلثين، والذي في عبارة ابن يونس عنه أن ما قارب الثلثين من الأكثر، وما زاد على النصف بقليل من المساوي. انظر ابن عرفة.
وما قررت به كلام المصنف من أن المراد بالأكثر: الأكثر مدة، قال محمد بن الحسن: هو الذي اقتصر عليه ابن عرفة والتوضيح والحطاب وغيرهم، وأما كون المراد بالأكثر الأكثر عددا، فقد قال عبد الباقي والخرشي والشبراخيتي: إنه قول الباجي، وظاهر أحمد ترجيحه، ولكن قال محمد بن الحسن: هو ظاهر فقط من كلام الباجي الذي في الحطاب: وليس بصريح فالصواب رده للأول؛ يعني الذي قررته به من أن المراد بالأكثر الأكثر مدة، قال: إذ هو الذي اقتصر عليه ابن عرفة والتوضيح والحطاب وغيرهم، وما رأيت من ذكر هذا الخلاف. اهـ. واعترض الشيخ بهرام قول المصنف. خلاف؛ أي في ذلك خلاف في التشهير؛ بأن القول الثاني لم يشهر، وأجاب الحطاب بأن المصنف في التوضيح نقل تشهيره عن صاحب الإرشاد، قال: ولعله سقط من نسخة الشارح من التوضيح. انتهى. قال محمد بن الحسن: وقد طالعت نسخا كثيرة من التوضيح فلم أجد فيها ما ذكره الحطاب عنه. انتهى. وقال الأمير: فإن سقي بهما فعلى حسبهما، فيقسم الحب نصفين يزكى أحدهما بالعشر والآخر بنصف العشر، إلا أن يكثر أحدهما مدة ففي تغليبه خلاف، وقولي: والمسقي زرع واحد، تبعت فيه عبد الباقي؛؛ أي فلو كان المسقى زرعين لكان كل على حكمه من غير تغليب كما هو ظاهر.
ولما ذكر ما تجب زكاته من النبات وهو الحب والثمر، وكان منه أجناس وأصناف؛ بين أن الأجناس لا تضم وأن الأصناف التي يجمعها جنس واحد تضم، فقال: وتضم القطانِيُّ، ومعنى كلام المصنف أن أصناف القطاني تجمع كلها في الزكاة كصنف واحد. ولا تجمع مع غيرها، فمن رفع من جميعها خمسة أوسق فليخرج من كل صنف بقدره، وقاله في المدونة. والمشهور من المذهب أن الجلجلان والأرز ليسا من القطنية، وإنما هما صنفان. قاله ابن رشد. وقال ابن الحاجب: والمشهور فيها الضم في الزكاة، بخلاف الربا لما ثبت من ضم العينين، وإن كانا في الربا جنسين، وقد عد الخرشي في القطاني الجلجلان وحب الفجل وهو غير صحيح. قاله بناني. والقطاني؛ هي المتقدمة وجمعها بعضهم في قوله:
стр. 1905
جلبان فول حمص وعدس … بسميلة واللوبيا والترمس
وقد مر أنه إن رفع من أصناف القطاني خمسة أوسق أي فأكثر، يخرج من كل صنف بحسبه. الحطاب: ويجزئ إخراج الأعلى والمساوي لا الأدنى عن الأعلى. انتهى. وظاهره في القطاني وغيرها، لكن في المقدمات ما يفيد تخصيص الأعلى والأدنى بالصنف الواحد لا قمح عن عدس. والظاهر أن الأعلى والمساوي والأدنى تعتبر بها عند أهل محل الإخراج. قاله عبد الباقي.
وبما قررت علم أن معنى الضم في الحساب ليكمل النصاب، وليس معنى الضم الخلط، وكذا قوله: "فيضم الوسط"، وأما إن كان في كلٍّ نِّصابٌ فلا حاجة إلى الضم، بل يخرج من كل صنف بحسبه كما مر. وإنها ضم بعض القطاني لبعض لقرب منفعتها، ولأن العرب خصتها باسم واحد دون سائر الحبوب، ولأن الزكاة مواساة فيعان الفقراء بالضم ليكمل لهم النصاب، كمن حصل له من زراعته وسق من فول، ومثله بسيلة ومثله حمص ومثله عدس ومثله بين اللوبيا والترمس والجلبان، فليخرج الزكاة.
وقد مر أنه يجزئ الأعلى عن الأدنى، لكن يخرج من الأعلى بقدر مكيلة الأدنى لأنه عوض عنه. قاله الشيخ إبراهيم. قال: وهل يجزئ إخراج غيرها عنها كقمح عن قطنية أم لا؟ ورأيت في الحطاب ما يفيد أنه يجزئ إخراج المصنف الأعلى عن صنف آخر أدنى، وظاهره في القطاني وغيرها. انتهى. كقمح وشعير وسلت؛ يعني أن القمح والشعير والسلت يضم بعضها إلى بعض، فمن حصل له من حرثه وسق من قمح ووسقان من شعير مثلا، وثلاثة أوسق من السلت فليزك ويخرج من كل صنف بقدره، وقد مر أن الزكاة إنها تجب في العشرين المتقدمة لا في غيرها، وهذه عشرة منها أصناف القطاني السبعة يضم بعضها إلى بعض ولا تضم إلى غيرها، والقمح والشعير والسلت يضم بعضها إلى بعض ولا تضم هي لغيرها، والأصناف العشرة الباقية لا يضم بعضها إلى بعض ولا تضم هي لغيرها؛ وهي ذوات الزيوت الأربع: السمسم والزيتون وحب الفجل والقرطم، فلا يضم بعضها إلى بعض، كما لا تضم إلى غيرها وكل جنس منها يضم بعضه إلى بعض، ويؤخذ من كل صنف منها بحسبه، والستة الباقية التمر؛ وهو جنس يضم بعض أصنافه إلى بعض، ولا
стр. 1906
يضم هو لغيره والزبيب كذلك، والدخن وهو البشنة والذرة والعلس والأرز، وكل واحد من هذه الأربعة جنس لا يضم إلى غيره، ويضم بعض أصنافه إلى بعض، وأخذ من كل بحسبه. كما يأتي والله سبحانه أعلم. وقوله: والسلت، بضم أوله وسكون ثانية.
وإن ببلدان؛ يعني أن الأصناف التي يضم بعضها إلى بعض كالقطاني والقمح والشعير والسلت يضم بعضها إلى بعض. ولو زرعت ببلدان شتى، كالماشية المتفرقة لمالك واحد وأولى في الضم ما هو من صنف واحد، وقد مر كلام ابن رشد لكل أميرِ إقليم قبضُ صدقات إقليمه دون من سواه من الأمراء. وليس لساعي المدينة أن يأخذ ممن مر به من أهل العراق، قال سحنون في رجل له أربعون شاة في أربعة أقاليم: يأخذ منه كل أمير ربع شاة يأتي بشاة يكون له ربعها، وإن أخذ منه كل أمير قيمة ربع شاة أجزأه، وإن كان له خمسة أوسق في كل إقليم وسق أعطى لكل أمير زكاة وسق، وإن كان الولاة غير عدول أخرج ما لزمه كما ذكرنا. إن زرع أحدهما قبل حصاد الآخر؛ يعني أن الضم في ما يضم فيه في بلد أو بلدان إنما يصح إن زرع أحد الصنفين قبل استحقاق حصاد الآخر؛ وهو وقت وجوب الزكاة فيه، ولو بقربه كما هو ظاهره كظاهر كلامهم، خلافا لرأي اللخمي أن ما زرع قبل الحصاد بقربه لا يضم، ورأيه ضعيف كما في الخرشي. وقوله: "حصاد"، بفتح الحاء لغة نجد وبكسرها لغة الحجازيين، وإنما اشترط زرع أحدهما قبل حصاد الآخر؛ لأن الحصاد في الحبوب كالحول، فإذا زرع بعد حصاد الآخر فلا ضم؛ إذ هما كمالين لم يجتمعا في حول. وقوله: "إن زرع أحدهما" الخ، عبارة الشبراخيتي عنده: والشرط لمطلق الضم؛ أي حيث قلنا بالضم كان ببلد أو بلدان. كما قاله بهرام في كبيره. وليس خاصا بالمبالغة خلافا للبساطي والتتائي. انتهى. وبقي للضم شرط آخر؛ وهو أن يبقى من حب الأول إلى استحقاق حصاد الثاني، وإن لم يحصد بالفعل ما يكمل به النصاب، كما ذكره ابن رشد عن ابن القاسم؛ لأنهما كفائدتين جمعهما ملك وحول، وكذا يقال في قوله: فيضم الوسط لهما؛ يعني أنه لابد في الضم من زرع الثاني قبل حصاد الأول كما عرفت، فبسبب ذلك يضم الوسط الذي زرع قبل حصاد الأول له، وللثالث الذي زرع قبل حصاد الوسط وبعد حصاد الأول، هذا إذا كان في الوسط مع كل منهما نصاب، مثل أن يكون فيه ثلاثة، وفي كل منهما وسقان، ولم يخرج زكاة
стр. 1907
الأولين حتى حصل الثالث، فيزكى الجميع زكاة واحدة، فإن لم يكن في الوسط مع كلا الطرفين نصاب وفيه معهما على المعية نصاب، فقال اللخمي وابن رشد: لا زكاة في الجميع، وإليه أشار بقوله: لا أول لثالث؛ أي أنه لا يضم أول لثالث زرع بعد حصاده وقبل حصاد الوسط، مثل أن يكون في كل وسقان، وكذا لا يضم ثالث لثان زكي مع الأول حيث لم يبق من الثاني بعد الزكاة ما يصير به مع الثالث نصابا، وإلا وجبت الزكاة في الثالث، وإذا كان يَكْمُل من الوسط مع أحد الطرفين فقط نصاب، فإنه يضم له ما يكمله نصابا ولا زكاة في الآخر كما لو كان الأول ثلاثة والثاني وسقين والثالث وسقين، فيزكي الأول والثاني دون الثالث، واختار ابن عرفة من عند نفسه زكاة الثالث في الفرض المذكور، فإن كمل النصاب من الوسط والثالث فقط زكاهما دون الأول.
قال مفيد هذا الشرح عفا الله عنه: وتحرير المسألة أن تقول: الأقسام أربعة؛ أحدها: أن يكون في الوسط مع كل منهما نصاب، فإنه يزكي الجميع؛ وهذه هي قوله: "فيضم الوسط لهما"، بشرط أن يبقى من حب الوسط للثالث ما يتم به النصاب، وكذا يقال في ضم الوسط للأول. ثانيها: أن يكون في الوسط معهما على المعية نصاب، ولا يكون فيه مع واحد من الطرفين نصاب كما لو كان في كل وسقان فإنه لا زكاة في الجميع، وإليه أشار بقوله: لا أول لثالث. ثالثها: أن يكون في الوسط مع الأول نصاب، ولا يكون فيه أي الوسط مع الثالث نصاب، فيزكي الوسط مع الأول حيث بقي من حب الأول لحصاد الوسط ما يصير به معه نصابا، ولا زكاة في الثالث.
قال جامعه عفا الله عنه: وهذه يتناولها قوله: لا أول لثالث. والله سبحانه أعلم. مثال هذا الأخير ما لو كان للأول ثلاثة أوسق والثاني وسقين والثالث وسقين، فيزكي الأول والثاني دون الثالث، واختار ابن عرفة من عند نفسه زكاة الثالث في الفرض المذكور. رابعها: أن يكون في الوسط مع الثالث نصاب، ولا يكون فيه أي الوسط مع الأول نصاب، فيزكي الوسط والثالث دون الأول، ولو بقي لوجوب زكاتهما، ووافق ابن عرفة غيره على هذا ويشمله قوله: لا أول لثالث، كما قاله الشبراخيتي. فقوله: "لا أول لثالث"، شامل للأقسام الثلاثة الأخيرة. والله سبحانه أعلم. وقوله: "إن زرع أحدهما قبل حصاد الآخر"، هو قول ابن مسلمة، واقتصر عليه ابن رشد وصدر به اللخمي. وفي كتاب ابن سحنون عن مالك: أن المعتبر اجتماعهما في فصل من فصول
стр. 1908
السنة، وفي النوادر قال مالك: ومن أخذت منه زكاة زرعه قبل حصاده وهو قائم في سنبله، فإنه يجزئه ولا أحب أن يتطوع بها من قبل نفسه. انتهى. قاله الحطاب. ومحل قوله: "لا أول لثالث"، ما لم يزرع الثالث بعد حصاد الثاني وقبل حصاد الأول، وإلا ضم الأول للثاني وللثالث كل واحد على انفراده، ولا يضم الثاني للثالث ويكون الأول بمنزلة الوسط، والثاني والثالث كالطرفين. قاله في المقدمات. قاله الحطاب. ولا يشكل هذا لأن من القطاني ما يتعجل، ومنها ما يتأخر كما قاله الحطاب. وقال في الجواهر: ولا يضم حمل نخلة إلى حملها في العام الثاني. قاله الحطاب. وفي الطراز: وإذا كانت الكروم والزيتون تطعم بطونا متلاحقة، ضم بعضها إلى بعض إذا كانت البطون في الصيف أو في الشتاء، وإن كان بعضها في الشتاء وبعضها في الصيف لم يضم. انتهى. قاله الحطاب.
لا لعلس، قال عبد الباقي: عطف على معنى كقمح؛ أي كضم قمح وشعير لا لعلس، ومعنى كلام المصنف أن القمح وما معه لا يضم للعلس، وهو قول ابن القاسم وابن وهب وأصبغ، وضم القمح للعلس هو قول مالك وأصحابه، إلا ابن القاسم؛ وهو قول ابن كنانة ومختار ابن يونس.
والعلس حب طويل باليمن يشبه خِلْقَةَ البر:
وعلس حب طويل باليمن … يشبه برا خلقة يا من فطن
ودخن؛ يعني أن الدخن وهو البشنة لا يضم إلى القمح، وقيل: يضم إليه، والدخن بدال مهملة. وقال الخرشي: الدخن قمح السودان، قال محمد بن الحسن: ما في الخرشي غير صحيح. وذرة، بذال معجمة، قال الخرشي: هي البشنة، ومر تفسيره للدخن بأنه قمح السودان، وفسر محمد بن الحسن الدخن بالبشنة، وقال: إن ما في الخرشي غير صحيح كما قدمته عنه، وعلى هذا فالذرة هي قمح السودان، وقمح السودان هو: مُتْرِ بالحسانية. وأرز؛ يعني أن الأرز لا يضم إليه القمح، وقيل: يضم له. قاله الشارح. وهي أجناس؛ يعني أن هذه الأربعة، وهي العلس والدخن والذرة والأرز، أجناس أي لا يضم بعضها إلى بعض في الزكاة لتباعد منافعها، والأرز بضم الهمزة والراء وبفتح الهمزة وضم الراء والزاي مشددة فيهما، وبضمهما وبضم الهمزة وإسكان الراء والزاي مخففة فيهما.
стр. 1909
ولما كان الزيتون أشهر ذوات الزيوت وإدراجه في قوله: من حب أظهر من إدراج بقيتها فيه، نص على وجوب الزكاة فيها مشبها للخفي بالجلي، بقوله: والسمسم، بكسر المهملتين بينهما ساكن؛ وهو الجلجلان؛ يعني أن السمسم كالزيتون في أنه إذا بلغ حبة خمسة أوسق أخرج من زيته العشر أو نصفه، وإن لم يكن له زيت في بعض البلاد أخرج من ثمنه العشر أو نصفه إن بيع، قل الثمن أو كثر، وإن لم يبع أخرج من قيمته العشر أو نصف قيمته.
وبزر الفجل، البزر بكسر الموحدة أفصح من فتحها، والفجل بضم الفاء وسكون الجيم وضمها؛ يعني أن بزر الفجل كالزيتون في جميع ما مر في السمسم، إلا أنه إذا لم يكن فيه زيت لا زكاة فيه، كما نص عليه الحطاب. والمراد بزر الفجل الأحمر؛ وهو السيمقا على ما ارتضاه بعض شيوخ الأجهوري؛ أو هي موافقة للأحمر صفة وطعما ولونا وريحا متوافقة معه في الحكم، وأما بزر الفجل الأبيض فلا زكاة فيه لأنه غير طعام ولا زيت له. والقرطم؛ يعني أن القرطم كالزيتون في أنه إذا بلغ حبة خمسة أوسق يخرج من زيته العشر أو نصفه، وإن لم يكن له زيت في بعض البلاد أخرج من ثمنه أو قيمته على ما مر، والقرطم بضم القاف وكسرها مع شد الميم وتخفيفها قاله غير واحد. وقال الشبراخيتي. بضم القاف والطاء وكسرهما وفتحهما، وهو حب العصفر. انتهى.
وعلم مما قررت أن قوله: كالزيتون خبر عن قوله: "والسمسم"، وما عطف عليه، ولا يخفى ما في كلام المصنف لأنه تقدم له ما يفيد هذا في قوله: "كزيت ما له زيت"، وقال الشيخ سالم: التشبيه في وجوب الزكاة، ولا يغني عن هذا قوله: "كزيت ما له زيت"؛ لأن ذلك إنما هو بصدد بيان كيفية الإخراج، وإلا بطل عمومه لشموله لزيت ما لا زكاة فيه، كزريعة الكتان وغيره، كزيت سلجم وجوز، وبهذا التقرير يخف الاعتراض. انتهى. قاله عبد الباقي.
وقد تقدم في صدر العبارة ما يخف به الاعتراض أيضا؛ وهو للشيخ عبد الباقي والله سبحانه أعلم. وقد تقدم أن ذوات الزيوت أجناس لا يضم بعضها إلى بعض، والأليق بسياق المصنف أن لو قال: والسمسم وبزر الفجل والقرطم أجناس؛ لأنه بصدد ما يضم مما لا يضم. قاله الشيخ سالم. نقله عبد الباقي.
стр. 1910
وقال الحطاب: ليس فيه تكرار مع ما تقدم؛ لأن قوله: "من حب"، بيان لما فيه الزكاة من الحبوب، ودخل تحته الزيتون كما تقدم، وقوله: "كزيت ما له زيت"، بين فيه صفة المخرج فقط، وهنا تكلم على حكم ماله زيت غير الزيتون، فقال: إن السمسم وبزر الفجل؛ أعني الأحمر والقرطم حكمها كالزيتون، وما قاله هو التعين وهو حسن جدا، ولا يريد المصنف أنها كالجنس الواحد. الرجراجي: وأما الحبوب التي يراد منها الزيت فإنها أصناف مختلفة، ولا يضم بعضها إلى بعض كالزيتون والسمسم وغيرهما. اللخمي: لا تجب الزكاة في الجلجلان في المغرب؛ لأنه إنما يتخذونه للتداوي، والصحيح أنه تجب فيه الزكاة في كل بلد. قاله الحطاب. وقال الأمير: والإخراج من زيت الزيتون إن كان وأمكن معرفته، ولو بالتحري أو بإخبار موثوق به، وإلا فمن قيمته إن أكل أو من ثمنه إن بيع، وجاز في بقية الزيتية من الحب أيضا. انتهى.
لا الكتان؛ يعني أن بزر الكتان بفتح الكاف لا زكاة فيه، ولا في زيته، وليس واحد منهما بطعام. وحسب قفِ الأرز؛ يعني أن قشر الأرز الذي يخزن به يحسب في جملة النصاب، فإذا بلغ بقشره الذي يخزن به خمسة أوسق أخرج منه العشر أو نصفه بقشره، وله أن يخرج عشرَ أو نصف عشر ما أزيل قشره، وإن كان دون نصاب إذا كان بقشره نصابا كما في زيت ما له زيت، خلافا لما في أحمد عن بعض شيوخه مما يوهم تعين الثاني.
وَالْعَلَس، عطف على الأرز وهو بفتح العين واللام؛ يعني أنه يحسب قشر العلس الذي يخزن به في جملَة النصاب، ويخرج العشر أو نصفه بقشره، وله أن يخرج عشر أو نصف عشر ما أزيل قشره، وإن كان دون نصاب إذا كان بقشره نصابا، وقوله: "وحسب قشر الأرز والعلس"، قياسا على نوى التمر وقشر الفول الأسفل، خلافا للشافعي القائل: إنه لا يحسب قشر ما ذكر من النصاب. وما تصدق به، عطف على قشر؛ يعني أن كل ما تصدق به على الفقراء بعد الطيب يحسب من جملة النصاب، فتجب فيه الزكاة إن لم ينوبه الزكاة، وقوله: وما تصدق به، قال ابن يونس: قال مالك: ويحسب على الرجل كلما أهدى أو علف أو تصدق به أو وهبه من زرعه، بعد ما أفرك إلا الشيء التافه اليسير، ولا يحسب ما كان من ذلك قبل أن يفرك، وقال محمد بن الحسن عند قوله "وما تصدق به": واستثنى ابن يونس وابن رشد الشيء التافه اليسير فإنه لا
стр. 1911
يحسب، قال أبو الحسن: وهو تفسير للمدونة، وفي المدونة: ويحسب على رب الحائط ما أكل أو علف أو تصدق به بعد طيبه، وقوله: "وما تصدق به"، قال الحطاب: أي ويحسب أيضا ما تصدق به، فما أكله أو علفه دوابه أولى.
واستأجر؛ يعني أن كل ما استأجر به مالك الحرث بعد طيبه في حصاده أو درسه أو جذاذاه أو لقط زيتون، يحسب في الزكاة كان ذلك المستأجر به. قتا؛ وهي الحزم التي تعمل عند الحصاد أو غيرها من كيل أو جزء، كثلث وربع، وقوله: "وما تصدق به"، فإذا نوى به الزكاة أجزأه، وهو ظاهر إذا كان يعلم كيله، وإلا فيقتصر منه على القدر المحقق، ولا يجوز له أن يحسبة من الزكاة إذا نوى به صدقة التطوع وكذلك لو أعطى ولا نية له في تطوع ولا زكاة. قاله الحطاب. ويحسب ما لقطه اللقاط الكائن مع الحصاد، فيزكي عنه لأنه في معنى الإجارة وإن كانت فاسدة. كما قاله الشبراخيتي والخرشي. وأما ما لقطه في غير الحصاد فلا يحسب حيث تركه ربه، على أن لا يعود إليه وهو حل لمن أخذه كما في الخرشي، وأما إن تركه على أن يعود إليه فإنه يحسب لأنه أفسده، فهو ضامن له كما في الخرشي والشبراخيتي.
قوله: "واستأجر"، صلة أو صفة لمحذوف معطوف وقتا، حال أي وحسب ما استأجر به حال كونه قتا وقد علمت أنه لا مفهوم لقوله: "قتا"، ولو حذفه ما ضره؛ وقال الشبراخيتي: ولو حذفه كان أخصر. لا أكل دابة في درسها؛ يعني أن ما أكلته الدابة في حال درسها لا يحسب في الزكاة، بل تسقط زكاته لشقة التحرز منه، فَنُزّل منزِلَةَ الآفات السماوية وأكلِ الوحوش والطيور، وأما ما أكلته في حال استراحتها فإنه يحسب ويزكى عنه إن تم النصاب، وقوله: "لا أكل دابة في درسها"، ولا يلزم بتكميمها لأنه يضر بها، وأكل بضم الهمزة، ولا زكاة فيما يعطيه للشرطة وخدمة السلطان، وهو بمنزلة الجائحة. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الأمير: وحسب أكل دابة لا ما تسترقه، ومن دفع زرعه كله للفقراء فلا زكاة عليه. انتهى. وهو بحسب ظاهره يخالف قول المصنف: "وما تصدق به"، إلا أن يحمل ما للأمير على ما إذا نوى به أو ببعضه الزكاة بحيث يفي البعض النوي به الزكاة بما يلزمه من الزكاة فيه. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. والوجوب بإفراك الحب؛ يعني أن وجوب الزكاة وهو المقتضي لحسب ما تقدم
стр. 1912
من قشر الأرز والعلس، وما استؤجر به أو تصدق به أو غير ذلك، إنما يكون بإفراك الحب. وقد مر أن الإفراك قبل اليبس هذا هو المشهور.
قال محمد بن الحسن بعد جلب النقل: فتحصل أن المشهور تعلق الوجوب بالإفراك كما للمصنف وابن الحاجب وابن شأس والمدونة، وصرح ابن الحاجب بتشهيره. انتهى. وقال الأمير: والوجوب بإفراك الحب والمعول عليه أنه قبل اليبس كما حققه الرماصي. انتهى. وقال الرماصي: ابن الحاجب: وتجب بالطيب والإزهاء والإفراك على المشهور، وقال في الجواهر: فإذا أزهى النخل وطاب الكرم وأفرك الحب واستغنى عن الماء واسود الزيتون أو قارب الاسوداد، وجبت الزكاة.
وقال في المدونة: ومن مات وقد أزهى حائطه وطاب كرمه وأفرك زرعه واستغنى عن الماء، فزكاة ذلك على الميت في رأس ماله. انتهى. فأنت ترى هذه النصوص متفقة على أن الوجوب في الحب بالإفراك. انتهى. وقال الحطاب: قال ابن رشد: لا اختلاف في أن ما أكل من الثمار قبل طيبها كالبلح، ومن الزرع قبل أن يفرك لا يحسب في الزكاة، واختلف فيما أكل من ذلك كله أخضر بعد وجوب الزكاة فيه بالإزهاء في الثمار، والإفراك في الحب على ثلاثة أقوال: أحدها: قول مالك أنه يجب عليه أن يحصي ذلك كله ويخرج زكاته، والثاني ليس عليه ذلك وهو قول الليث والشافعي، والثالث يجب ذلك في الحبوب لا في الثمار. وقد روي عن مالك مثله. قاله في سماع يحيى من زكاة الثمار. وقال في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم: وما أَكَلَ بعد يبسه أو عَلَفَه فلا اختلاف في أنه يجب عليه أن يحصيه، وكذا ما تصدق به عند مالك انتهى وقال الحطاب شارحا لقول المصنف: "والوجوب بالإفراك"؛ يعني أن وجوب الزكاة في الحبوب يتعلق بالإفراك وفي الثمر؛ وهو التمر والزبيب بطيبهما، وهذا هو المشهور. انتهى.
قال: وحاصل كلامه -يعني التوضيح-: أن في الحبوب قولين، وفي الثمار ثلاثة أقوال: قول مالك إذا أزهت النخل وطاب الكرم واسود الزيتون أو قارب وأفرك الزرع واستغنى عن الماء وجبت فيه الزكاة، والقول الثاني: أنها لا تجب في الزرع إلا بالحصاد ولا تجب في الثمر إلا بالجذاذ ونسبه
стр. 1913
اللخمي وابن هارون وابن عبد السلام لابن مسلمة، والقول الثالث خاص بالثمرة وهو للمغيرة أنها تجب بالخرص ورأى الخارص كالساعي.
واعلم أن ابن رشد تعارض كلامه، فمرة وافق قولهم إن الزكاة تجب في الحب بالإفراك، وقال مرة لو أخذت زكاة زرع لم يبد صلاحه لوجب أن لا تجزئه باتفاق؛ إذ لا خلاف في الزرع أنها لا تجب حتى يبدو صلاحه. انتهى. قال: محمد بن الحسن: وقد علم أن بُدُوَّ الصرو في الزرع إنما هو باليبس. انتهى. قال: وقد صرح في الأمهات بأن الوجوب في الحب بالإفراك. ابن عبد السلام: القول الثاني أقرب إلى نص التنزيل، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وقرئ بالفتح والكسر، وقد اختلف في تفسير الحق، هل هو الزكاة، أو أمر زائد عليها، أو أمر آخر نسخ بهالا، قاله الحطاب. ولو أخرج زكاة الزرع بعد الطيب وقبل الجذاذ أجزأت على المشهور، وعلى قول ابن مسلمة لا تجزئ كما صرح بذلك في النوادر، ونقله اللخمي وابن يونس. قاله الحطاب.
واعلم أن تناهي الإفراك هو اليبس، فكون تناهيه هو المعتبر في وجوب الزكاة -كما لابن عرفة- يقتضي أنه لا يحسب ما أكل أخضر، وهو خلاف المذهب، فالإفراك على حقيقته، وما لابن عرفة ضعيف، وأما قول المدونة: من باع زرعه بعد أن أفرك ويبس، فليأت بما لزمه حبا ولا شيء على المبتاع. انتهى. فإنه لا يدل على اشتراط اليبس لاحتمال أنه فرض مسألة. قاله الرماصي. وقال محمد بن الحسن: إنما ذكرت المدونة اليبس لأجل البيع؛ إذ اليبس شرط في جواز البيع.
وطيب الثمر، بالثاء المثلثة وفتح الميم؛ يعني أن الوجوب أي وجوب الزكاة في الثمر متعلق بالطيب، وعبر بالطيب ليشمل الإزهاء في ثمر النخل وحلاوة الكرم. كما في الشبراخيتي، واسوداد الزيتون أي مقاربته. قال عبد الباقي: فالطيب هنا هو الزهو وظهور الحلاوة، والتهيؤ للنضج. انتهى. قال محمد بن الحسن: لو أسقط ظهور الحلاوة والتهيؤ للنضج لكان أولى؛ لأنهما في المقاثي وليست من محل الزكاة.
واعلم أن فائدة الوجوب هي حسب ما تقدم من قوله: "وحسب قشر الأرز والعلس وما تصدق به" الخ، ما مر وما يأتي من قوله: "فلا شيء على وارث قبلهما لم يصر له نصاب". وقد مر قول
стр. 1914
مالك: إنه يجب على الشخص بالإزهاء أن يحصي ما أكل أو أعطى أو باعه أو استأجر به، ويخرج زكاته. قول الليث والشافعي: إنه لا يجب عليه ذلك: وأما بعد اليبس فلا خلاف أنه يجب عليك أن يحصي ما أكله أو علفه، وكذا ما تصدق به عند مالك. وقد مر أيضا القول بأن الوجوب في الثمار بالجذاذ، والقول بأن الوجوب فيها أي الثمار بالخرص، وعلى مقابل المشهور في الحب والثمر لا يحسب ما وهب أو تصدق به ونحو ذلك بعد الإفراك وقبل اليبس في الحب، ولا ما فعل به ذلك قبل الجذ في الثمر على القول بأن الوجوب متعلق بالجذ، ولا ما فعل به ذلك قبل الخرص على القول بأن الوجوب متعلق بالخرص.
وقد مر أن هذا القول خاص بالثمرة، والجذاذ بفتح الجيم وكسرها وبالدال المهملة على ما ذكره صاحب الصحاح والقاموس. وذكز صاحب المحكم: أنه يقال بالذال المعجمة. قاله الحطاب. وسيأتي أن بيع الحب لا يجوز إلا بعد يبسه، فإذا بيع عند الإفراك على أن يترك حتى ييبس فلا اختلاف في المذهب أن ذلك لا يجوز ابتداء، وإنما الخلاف إذا وقع، فقيل: يمضي بالعقد، وقيل: بالقبض: وقيل: لا يفوت بالقبض حتى يفوت بعده، وقيل: يجوز بيع الحب بالإفراك. ابن القاسم: وأنا أجيز البيع فيه إذا فات باليبس لما جاء فيه من الاختلاف، وَأرُدُّه إذا علم به قبل اليبس. ابن رشد: هذه أربعة أقوال، وهذا إذا اشتراه على أن يتركه حتى ييبس، أو كان العرف ذلك، وأما إن لم يشترط تركه ولا كان العرف فيه ذلك، فالبيع فيه جائزة وإن تركه مشتريه حتى ييبس. قاله الحطاب. وتشهير الأجهوري ومن تبعه أن الوجوب في الحب متعلق باليبس متعقَّب، فإن ذلك أي القول بالوجوب باليبس ضعيف. كما عرفت.
وبما مر علم أن قوله: "وحسب قشر الأرز" الخ، حقه أن يأتي به بعد قوله: والوجوب بإفراك الحب مفرعا له عليه؛ لأنه مرتب عليه. فلا شيء على وأرث قبلهما لم يصر له نصاب؛ يعني أن الشخص إذا مات قبل إفراك حبة، أو طيب ثمر، وكان في الحب أو في الثمر خمسة أوسق فأكثر، أو مات قبل إفراك حبة وطيب ثمره حيث كانا له معا، فإنه لا زكاة على ورثته حيث لم يصر لكل واحد منهم نصاب، وأم من صار له نصاب فإنه يزكي وإذا كان لا يحصل لأحدهم نصاب لكن عنده ما يكمله به فإنه يزكي، وهذا إذا مات الموروث قبل الإفراك والطيب كما
стр. 1915
علمت، وأما إذا مات بعدهما فإن ذلك يزكى على ملك الموروث، فتجب الزكاة في الفرض المذكور، فإن كان المجموع أقل من نصاب فلا زكاة فيه، ولا يقال حينئذ إن حصل للوارث فيما نابه مع ما عنده نصاب تجب الزكاة؛ لأن هذا أي متروك الميت إنما يزكى بعد الإفراك والطيب على ملك الميت لا على ملك الوارث، كان عنده ما يضمه إليه أم لا، هذا الذي يفيده النقل. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "فلا شيء على وارث" الخ؛ يعني لأن ما ناب الوارث حينئذ يزكى على ملكه لكون الموروث مات قبل الطيب والإفراك، وقيد هذا عبد الحق بما إذا كان يحصل للوارث شيء، وأما لو مات قبلهما وقد استُغْرِقَت ذمته بالدين لوجب أن يزكى على ملك الميت لتقديم الدين على الوارث. والله سبحانه أعلم. ولو اختلف زمن طيب زرع الوارث وزرع الموروث، فإنه يضم أحدهما إلى الآخر إن زرع أحدهما قبل حصاد الآخر، والظاهر أنه لا وجه للتنظير في ذلك. كما قاله محمد بن الحسن. وقوله: "فلا شيء على وارث قبلهما"، وكذلك إذا أعتق العبد قبلهما، أو أسلم الكافر، أو وهب الزرع، أو بعضه، أو تصدق به على معين، أو استحق النصف كما في الطلاق، أو انتزع السيد مال عبده فتجب الزكاة، وإذا وقع شيء من ذلك بعدهما لم يتغير الحكم عما كان عليه، وكذا لو أخرج زكاة الزرع حينئذ، فعلى المشهور تجزئ، وعلى قول ابن مسلمة لا تجزئ، كما مر؛ لأن مذهبه أن وجوب الزكاة بالحصاد في الحب وبالجذاذ في الثمر. وقد روى زياد وابن نافع عن مالك: أن من أخذت منه زكاة زرعه والزرع قائم في سنبله، فإن ذلك يجزئه إذا لم يتطوع بها عن نفسه، ومعنى ذلك إذا أخذها منه في المختلف فيه بعد أن أفرك وقبل يبسه، وكأنه إنما قال في الزرع يجزئه إذا لم يتطوع بها لأنه لا يعرف كيل الحب قبل حصده، ومراعاة لقول محمد بن مسلمة، وإلا فقد تقدم أن ما تصدق به بعد وقت الوجوب يحسبه إلا إذا نواه من الزكاة فإنه يجزئه، وأيضا لما نقل ابن يونس والشيخ أبو الحسن عن ابن مسلمة: أنه إذا أخرجها بعد الخرص وقبل الجذ لا تجزئه، قالا: لأنه أخرجها قبل وجوبها فمقتضاه أو صريحه أنه يجزئ على القول بوجوبها. قاله الحطاب.
وعلم من هذا ومن كلام النوادر المتقدم أنه لا يجب عليه أن يخرج من غير الزرع، قال ابن جماعة: ويجوز أن يعطي الزكاة إذا وجبت من عينها أو من غيرها إذا دفع مثلها أو أجود، ولا
стр. 1916
يجوز أن يدفع أدنى مما عليه. انتهى. وإذا وهب الزرع بعد وجوب الزكاة فيه، ففي كون الزكاة على الواهب أو من الزرع بعد يمين الواهب ما وهب ليزكيها من ماله رواية أشهب، وقول ابن نافع: إن تصدق على فقير بزرع يبس فعشره زكاة، وباقيه صدقة. قاله الحطاب.
والزكاة علي البيع بعدهما؛ يعني أن البائع للحب أو للثمر، أولهما تجب عليه الزكاة فيما إذا كان البيع بعدهما أي بعد الإفراك والطيب، ولو باعه جزافا كبيعه قائما، ويزكى بإخبار المشتري بقدره لأنه مؤتمن على ذلك، فإن كان فاسقا أو كافرا حزر قدره. ودل كلام المصنف صريحا على أنه لا يجب إخراج زكاة الزرع من عينه، ونص عليه ابن جماعة أيضا، ويجوز اشتراطها على المشتري إن كان ثقة لا يتهم في إخراجها. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: فيما إذا باع الزرع لغير مأمون لا يقبل خبره بمقدار الزرع، فإن لم يكن مأمونا فعلى البائع أن يتحرى قدر ذلك، ويزيد عليه ليسلم كمن عليه صلوات ضيعها لا يرف مبلغها، فإنه يصلي حتى لا يشك أن قد قضى ما عليه، فإن باع ذلك من نصراني فإن البائع يتحفظ من ذلك حتى يعلم ما خرج منه ويزكيه من عنده. انتهى.
ويجوز بيع الحب واستثناء جزء الزكاة العشر أو نصفه، فإن وجبت كانت للمساكين وإلا كانت له، ولابد أن يعلم أنه العشر أو نصفه كما في الحطاب. وقوله: "والزكاة على البائع بعدهما"، ولو باع خمسة أوسق ثم أصابتها جائحة هي الثلث فأكثر فلا زكاة على البائع، وإلا فعليه. قاله الخرشي. وقوله: "والزكاة على البائع بعدهما"، وكذا الواهب والمتصدق بعدهما. وقد مر ذلك. وقوله: "بعدهما"؛ أي الإفراك والطيب كما مر، وقد مر أن محل جواز البيع إذا يبس الحب، وسيأتي أن بيعه إذا أفرك يمضي بالقبض.
إلا أن يعدم فعلى المشتري؛ يعني أن البائع إذا كان بيعه بعد الإفراك والطيب، وقلنا إن الزكاة تجب عليه، فإنه إذا كان موسرًا أخذت منه، وإذا أَعْدَمَ تكون الزكاة على المشتري نيابة إن بقي المبيع بعينه عنده أو أتلفه، ويرجع على البائع بما ينوب ذلك من الثمن، وبما ينوبه من النفقة في عمله؛ لأن العمل على البائع، فإن تلف بسماوي أو أتلفه أجنبي لم يتبع بزكاته المشتري، واتبع بها البائع إذا أيسر. وقوله: "والزكاة على البائع بعدهما"، قال الحطاب: ويجوز اشتراطها على
стр. 1917
المشتري إن كان ثقة لا يتهم في إخراجها، وَعُلِمَ أن فيه الزكاة بأمر لا شك فيه، وفي البيان: وله أن يؤمن المبتاع في مبلغ ما وقع فيه إن كان مأمونا، وإن لم يكن مأمونا أو كان ذميا فعليه أن يتوخى قدره، ويزيد ليسلم. انتهى. وقوله: "يُعدم"، يقال: أعدم رباعيا، وعدم كعلم بمعنى افتقر فيهما، ويقال: عدم الشيء كعلم بمعنى فقده، والمصنف من الأول أو الثاني لا الثالث. والله سبحانه أعلم.
والنفقة على الموصى له العين بجزء؛ يعني أن نفقة الحب أو الثمر الموصى به قبل الطيب أو بعده على الموصى له بفتح الصاد بشرطين، أحدهما: أن يكون الموصى له بفتح الصاد معينا كزيد، ثانيهما: أن يكون الميت أوصى له بجزء شائع كربع أو ثلث أو نحوهما، ودخل في قوله: "بجزء"، وصيته بزكاة زرعه لزيد مثلا؛ لأنها إما عشر أو نصفه كما صرح بذلك في المدونة. لا المساكين، هذا محترز قوله: "المعين"؛ يعني أنه إذا أوصى للمساكين فإن النفقة أي نفقة الحب أو الثمر الموصى به من سقي وغيره تكون على الميت؛ وهو الموصي بالكسر، سواء كانت الوصية بجزء شائع أو بكيل.
أو بكيل، هذا محترز قوله: "بجزء"؛ يعني أنه إذا أوصى لعين كزيد مثلا بكيل كعشرة أقفزة من حبة أو ثمره، فإن نفقة ذلك الكيل على الموصي بالكسر وهو الميت.
والحاصل: أنه إذا أوصى بكيل؛ فإن النفقة تكون على الميت كانت الوصية لعين أو للمساكين، وإن أوصى بجزء كربع فإن كان الوصى له معينا فالنفقة عليه، وإن لم يكن معينا كالمساكين فالنفقة على الميت. فقوله: فعلى الميت، راجع للأمرين قبله، وهما ما إذا أوصى للمساكين أو بكيل، وإنما كانت على الميت فيما إذا أوصى للمساكين بجزء، لعدم تعيين من هي له ولا يملكها إلا بالقبض، ولم تكن على الموصى له العين فيما إذا كانت الوصية بكيل؛ لأن ذكر الكيل قرينة على القيام بالمؤنة من ماله وتسليمه للموصى له من غير نقص لما فيه من التوفية.
وعلم من هذا توجيه ما إذا أوصى للمساكين بكيل؛ أي توجيه كون النفقة على الميت. وبالله تعالى التوفيق. وإذا كانت على الميت في المسائل الثلاث، فإنها تحسب من ثلثه، والفرق بين المعين
стр. 1918
وغيره أن المعين استحقه بالوفاة وله النظر فيه، وأما غيره فلا يتأتى له فيه نظر كما سبقت الإشارة إليه، فكان ذلك قرينة دالة على إرادة الموصي دفع الجزء الموصى به بعد طيبه.
وقد تقدم أن النفقة في المسائل الثلاث على الميت. تؤخذ من ثلثه، فإن وفى بها فواضح، فإن زادت النفقة على الثلث أخرج من مال الميت محمل الثلث، فإن لم يكن للميت مال غير الزرع قيل للورثة: أنفقوا عليه، وقاصوهم بنفقتكم في ثلث الزرع الموصى بعشره لهم، فإن بقي من ثلث المزرع بعد إخراج نفقتكم منه أكثر من عشر جميعه كان لهم العشر، وما بقي فلكم وإن بقي العشر فأقل لم يكن لهم غيره؛ لأنه باقي ثلث الميت بعد إخراج نفقتكم، وإن أبى الورثة أن ينفقوا أو لم يكن لهم مال دفعوه مساقاة، وكان للموصى لهم عشر الجميع يأخذونه من حصة الورثة التي وقعت لهم في المساقاة: فلا يزاد الموصى لهم على ثلث ذلك؛ أي يأخذ المساقى جزءه، وما بقي يأخذ الموصى لهم منه ما أوصى لهم به إن كان ما أوصى لهم به ثلث ما بقي بعد أخذ المساقى جزءه فأقلَّ، فإن كان أكثر فلا يأخذون إلا ثلث ما بقي من الزرع؛ إذ كأنه جميع ما خلفه الميت، وسكت المصنف عن الزكاة، وكان الأولى بالباب ذكرها، فإن كانت الوصية بعد الوجوب أو قبله ومات بعد الوجوب فعلى الموصي مطلقا، وإن كانت قبله ومات قبل الوجوب ففي ماله أيضا إن كانت بكيل لمساكين أو لعين، فإن كانت بجزء كربع لمعين زكاها العين إن كانت نصابا ولو بضمها لا عنده، ولمساكين زكيت على ذمتهم إن كانت نصابا، ولا يُرجَعُ على الورثة بما أخذ من الزكاة.
وما تقدم من أنه إذا كانت الوصية قبل الوجوب، ومات الموصي قبل الوجوب تكون في مال الميت إن كانت بكيل، لا يخالف ما مر من أنه لا زكاة على من مات قبل الوجوب؛ لأن ما مر لم يتعلق به وصية، وما هنا تعلق به وصية، فلذا زكي من ماله والدين كالوصية.
وَلَمَّا كَانَ الخرص -بفتح الخاء وسكون الراء مصدر خرص يخرص بضم الراء وكسرها وهو حزر ما على النخل من الرطب تمرا، وبكسر الخاء الشيء المقدر فيه، يقال: خرص هذه النخلة كذا وسقا، والخراص الكذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾؛ أي الذين يتكلمون بالظن من غير يقين -إنما يدخل في التمر والعنب دون غيرهما، أَفَادَ المصنف ذلك بصيغة الحصر مع بيان
стр. 1919
وقته، مشيرا للعلة في ذلك، فقال: وإنما يخرص التمر والعنب؛ يعني أنه لا يجوز تخريص الحبوب؛ أعني الأصناف العشرين التي تجب الزكاة فيها، إلا التمر والعنب فإنه يجوز تخريصهما على رؤوس الشجر، فالتخريص خاصّ بهما. هذا هو المشهور. ومعنى التخريص أن يحزر ما على الشجر من التمر والعنب، بأن يجتهد العارفون في قدرهما، فإن بلغ القدر الذي رأوه ما تجب فيه الزكاة زكي وإلا فلا. وكلام المصنف يشمل ما يتتمر وما لا يتتمر، وما يتزبب وما لا يتزبب.
واعلم أن الذي لا يتتمر ولا يتزبب لا يتعين تخريصهما؛ إذ قد يستغنى عنه حيث لم يحتج لأكلهما؛ بأن يكال الرطب ويوزن العنب، نعم: الذي لابد منه تقدير جفافهما، وفرق بين تقدير الجفاف والتخريص، فالزيتون ونحوه لا يخرص ويقدر جفافه، فعنب مصر ورطبها إن خرصا فعلى رؤوس الشجر، وإن لم يخرصا فإنهما يكالان ثم يقدر جفافهما، وهذا كله إذا شك فيما لا يتتمر وما لا يتزبب، هل يبلغ النصاب أم لا؟ وأما إن تحقق بلوغه النصاب فلا يخرص أصلا، لأن المزكى حينئذ ثمنه كما مر. وأما ما تقدم في الفول الأخضر والشعير والحمص الأخضر حيث أفرك كل فإن الذقي تقدم هناك أنه يحسب ما أكل منه مثلا، وفرق بين إحصاء ما أكل بالتحري وبين تخريص الشيء قائما على أصوله، واقتضى المصنف أنه لا يخرص غير التمر والعنب. وقال ابن بشير: إن احتيج لأكل غير التمر والعنب، ففي خرصه قولان. ابن عبد الحكم: إن خيف على الزرع خيانة ربه جعل عليه حافظ، وفي أسئلة ابن رشد: وأما الزرع فلا يجوز خرصه على الرجل المأمون، واختلف إن لم يكن مأمونا على قولين أصحهما عندي جوازه إذا وجد من يحسنه. قاله الحطاب. ابن عرفة: وفي خرص الزيتون، ثالثها: إن احتيج لأكله أو لم يؤمن أهله عليه، لرواية أبي عُمَرَ وللمشهور وابن رزقون عن ابن الماجشون. سند: فإن كان الموضع لا يأتيه الخارص واحتيج إلى التصرف، دعا أهل المعرفة وعمل على قولهم، فإن لم يجدهم وكان يبيع رطبا وعنبا في السوق ولا يعرف الخرص، قال مالك: يؤدي منه، يريد إذا علم أن فيه نصابا أو جهل ما أفاد، فإن علم جملة ما باع ذكره لأهل المعرفة يحزرونه بما يكون من مثله تمرا أو زبيبا، فإن لم يتحقق النصاب لم يجب عليه شيء، واعتراض بعضهم على المصنف بالبلح
стр. 1920
الخضارى فيه نظر؛ لأنه إن كان مزهيا دخل في كلام المصنف، وإن كان غير مزه فلا زكاة فيه أصلا حتى يحتاج إلى الخرص، واختص التمر والعنب بالخرص لوروده فيهما دون غيرهما. الشبراخيتي: التخريص رخصة وإن كان مأمونا فلا يخرص عليه، ووكل إلى أمانته، وفي التخريص عليه انتقال من معلوم لمجهول، وإن كان غير مأمون وجب التخريص، ولو ادعى رب الحائط أن الخارص جَارَ عليه لا يصدق لأنه حاكم، والشخص إذا ادعى أن الحاكم جار عليه لا يصدق. انتهى. منه عند قوله: "وإنما يخرص".
وبما مر تعلم ما في كلام عبد الباقي والشبراخيتي، وقوله: "وإنما يخرص التمر والعنب"، المناسب للعنب الرطب وللتمر الزبيب، وكأنه أراد ما يصير تمرا؛ لأنه بعد صيرورته تمرا لا يخرص؛ لأنه يقطع الآن، ففي تخريصه انتقال من معلوم لمجهول. انظر الخرشي. إذا حل ببيعهما؛ يعني أن محل جواز التخريص المعتمد عليه في الزكاة إنما هو إذا حل بيع التمر والعنب، وأشار لعلة جواز التخريص في التمر والعنب جاعلا لها شرطا، بقوله: واختلفت حاجة أهلهما؛ يعني أن التخريص جار في التمر والعنب؛ لأجل اختلاف الحوائج فيهما من أكل وإهداء وبيع آخر وتبقية آخر، والعلة الحاجة كما في المدونة وإن لم تختلف، وقال ابن غازي: ليس هذا شرطا، فلو قال لحاجة أهلهما لكان أصوب. انتهى. ويصح أن تكون الواو هنا للتعليل كما ذكره بعضهم فيها، وهو تعليل بالمظنة: فيتعلق الحكم بالحاجة وإن لم توجد بالفعل. قاله الرماصي. نقله محمد بن الحسن. وفي الشبراخيتي: الأظهر أن يقال: العلة التوسعة على أهلهما، واختصت التوسعة بهما دون غيرهما من الحبوب لما تقدم، وقد نص في التوضيح على أن علة التخريص فيهما التوسعة على أهلهما على مذهب المدونة والموطإ؛ أي لأن الحاجة داعية إلى أكلهما رطبين. انتهى. ففهم منه أن العلة هي التوسعة، والحاجة علة للتوسعة. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: وإذا تأملت ما تقدم من النقل علمت أنه يجوز التخريص، وإن لم تكن حاجة لأنهما مظنة الحاجة. والله سبحانه أعلم. وعلل اللخمي التخريص المذكور بقوله: لأنه عادة فيهما، ولا يكاد يعرف في غيرهما، وعلل الباجي بقوله: لأن حبهما ظاهر وغيره مستور، وشمل غيرهما الزيتون فلا يخرص قبل طيبه على المشهور، بل يبقى حتى يجف على قول أو
стр. 1921
يتم جفافه على آخر، وما لابن رشد من أن ما أكل منه بعد طيبه وقبل جفافه يخرص ويزكى، موافق للمشهور من عدم جواز تخريص الزيتون؛ إذ معنى خرصه بعد أكله أن يتحرى قدره بعد أكله إن كان لم يحسبه، وهذا ليس هو التخريص على رؤوس الشجر المار. قاله محمد بن الحسن. نخلة نخلة، الأقرب أنه منصوب على الحال -قاله غير واحد-؛ يعني أن صفة الخرص هي أن يحزر الخارص كل نخلة على حدتها، ولا يجمع في الحزر أكثر من نخلة لأن الجمع أقرب إلى الخطإ، وكذا يحزر شجرة شجرة في العنب لا أزيد، ولو علم ما فيها جملة، قال عبد الباقي: إن اختلفت في الجفاف ولو في صنف واحد، فإن اتحدت في الجفاف ولو اختلفت الأصناف جمع في الخرص ولو عشرة. انتهى. ونحوه في الخرشي، وفيه: جَمَعَ مَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ. انتهى. وقوله: إن اختلفت في الجفاف الخ، قال محمد بن الحسن: أصل هذا القيد للحطاب، نقله عن سند، والصواب أن لا يقيد به كلام المصنف، بل يبقى كلامه على إطلاقه؛ لأن معنى ما نقله الحطاب أن النخيل أولا تخرص نخلة نخلة باعتبار ما فيها من الرطب، ثم يحزر ما تنقص حين تتمر جملة إن استوت في المائية واللحم، وحينئذ فالصواب إطلاق قول المصنف: "تخلة نخلة"، ويجعل هذا التقييد في قوله: "بإسقاط نقصها"، كما فعل السنهوري. وعيب على الحطاب نقل كلام سند عند قوله: "نخلة نخلة"، انتهى. وما قاله محمد بن الحسن ظاهر. قاله جامعه عفا الله عنه. وما أشار إليه عن الحطاب هو قوله: قال سند وصفة الخرص، قال مالك: يخرص نخلة نخلة ما فيها رطبا، فإن كان الحائط جنسا واحدا لا يختلف في الجفاف جمع جملة النخلات، وحزركم ينقص حين يتتمر وإن كان يختلف في المائية واللحم حزر كل واحد على حدته، وكذلك العنب ويكون الخارص عدلا عارفا. انتهى. قوله: في المائية واللحم، المراد باللحم شخصها، وبالمائية رطبيتها. قاله مقيده عفا الله عنه. وعلق "بيخرص". قوله: بإسقاط نقصها؛ يعني أن الخارص يقدر أنها تنقص بالجفاف إذا يبست، فيعتبر ذلك، فإن نقصت بتقدير الجفاف عن النصاب سقطت الزكاة، فيقبل قول الخارص العدل العارف قدرها كذا، وتنقص كذا إذا جفت فيكتفى بقوله: ويعمل عليه. لا سقطها؛ يعني أنه لا يعتبر النقص بسقوط الشيء من
стр. 1922
الثمرة، وكذا ما يأكله الطير وما أشبه ذلك تغليبا لحق الفقراء، وسقطها بفتح القاف ويكون بمعنى مفعول، وبإسكانها ويكون بمعنى فاعل. قاله الشيخ إبراهيم.
واعلم أن التخريص يجب إذا كان صاحب الثمر غير مأمون فيخرص عليه. فإن كان أمينا وكل إلى أمانته كما مر. وكفى الواحد؛ يعني أن الخارص الواحد يكفي في الجواز والإجزاء؛ لأنه حاكم فيما ولي فيه من التخريص، ولا يكون الخارص إلا عدلا عارفا كما روى علي، ويفهم منه اشتراط إسلامه، والأصل في ذلك إرساله ﷺ عبد الله بن رواحة لتخريص النخل من خيبر (١))، قال الشارح عند قوله: "وكفى الواحد"؛ لأنه ﵇ كان يبعث ابن رواحة خارصا وحده. انتهى.
وإن اختلفوا الأعرف؛ يعني أنه إذا تعدد الخارصون واتفقوا على قدر فالأمر ظاهر، وإن اختلفوا عمل بقول أعرفهم إذا كان اختلافهم في وقت واحد، فإذا قال أحدهم في شيء واحد: هو ستة أوسق، وأحدهم: ثمانية أوسق، وثالث عشرة أوسق، فإنه يعمل بقول أعرفهم إذا كان فيهم أعرف، فإن اختلفوا بأوقات مختلفة عمل بقول الأول، مركب من إن الشرطية ولا النافية أي، وإن لا يَكُنْ فيهم أعرف بأن استووا في المعرفة، وكان اختلافهم في وقت واحد، فإنه يؤخذ من قول؛ أي كل واحد منهم، أخذ بنسبة عددهم، فإن كانوا ثلاثة أخذ من قول كل واحد الثلث وأربعة الربع واثنين النصف وخمسة الخمس وهكذا، فإذا كانوا ثلاثة، وقال واحد منهم: ستة أوسق، والآخر: ثمانية، والآخر: عشرة، أخذ ثلث الستة وهو اثنان، وثلث الثمانية وهو اثنان وثلثا وسق، وأخذ ثلث العشرة وهو ثلاثة أوسق، وثلث وسق فيكون المزكى ثمانية أوسق، وليس ذلك أخذا بقول من رأى ثمانية، وإنما هو لموافقته ثلث مجموع ما قالوه، ولو رأى أحدهم مائة والآخر تسعين والآخر ثمانين، زكى عن تسعين، وليس ذلك أخذا بقول من رأى تسعين، وإنما هو لموافقة تسعين ثلث ما قالوه، ولو رأى أحدهم مائة وآخر ثمانين وآخر ستين زكى ثمانين، وليس ذلك أخذا بقول من رأى الثمانين، وإنما هو لموافقته ثلث مجموع ما قالوه. والله سبحانه أعلم.
стр. 1923
وقوله: "وإلا فمن كل جزء"، اعلم أن عبارته ﵀ تصدق بأخذ الثلث من قول أحدهم، والثلثين من قول الآخر، وربعا من قول الآخر، وليس ذلك بمراد، وتصدق أيضا بأنه لم يكن فيهم عارف، وليس بمراد أيضا، وإنما المراد أنهم استووا في المعرفة، وأنه يؤخذ الجزء بنسبة عددهم كما قررته به، ورد المصنف بقوله: فالأعرف قول ابن عبد السلام يعمل بقول الأعرف إن رأى الأكثر، فإن رأى الأقل ففي هذا الأصل اختلاف إذا أثبت شاهدان ونفى شاهدان. وما تقدم من أنه يعمل بقول الأول حيث اختلفوا في أوقات مختلفة. نقله الحطاب عن الزخيرة. وقد مر أن رب الحائط إذا ادعى حيف الخارص لا يصدق؛ لأن الخارص حاكم، فإذا ادعى حيفه وأتى بخارص آخر لم يُوَافَقْ.
وإن أصابته حائجة اعتبرت؛ يعني أن العنب والرطب إذا أصابتهما جائحة بعد التخريص وقبل الجفاف، فإن تلك الجائحة تعتبر بمعنى أنه ينظر في الذي وقعت فيه الجائحة، فإن بقي بعدها ما تجب فيه الزكاة زكي؛ أي زكي ما بقي فقط، ولا خلاف في ذلك، وإلا فلا، وسواء في هذين كان المجاح ثلثا أم لا؛ لأن الجميع على ملكه. وقال ابن الجهم: يخرج من الثاني بحسابه حيث لم يبق ما تجب فيه الزكاة. الباجي: ويصدق في الجائحة. أبو عمر: ما لم يتبين كذبه، فإن اتهم حلف، وأما إذا بيع بعد الوجوب فإن كانت الجائحة ثلثا فأكثر سقط عن البائع زكاة ما أجيح لوجوب رجوع المشتري بحصته من الثمن على البائع، ونظر لما بقي، فإن كان نصابا زكاه وإلا فلا، وإن كانت دون ثلث زكى الجميع أي جميع ما باع، وظاهره: ولو كان الباقي بعدها دون نصاب. وقولي: لوجوب رجوع المشتري، ظاهره: وإن لم يرجع بالفعل -قاله عبد الباقي- وهو ظاهر ما نقل المواق عن فتوى ابن القاسم، ووجهه: أن المشتري إذا لم يرجع بالفعل فكأنه قد وهب للبائع ذلك القدر الذي قد ملك الرجوع به، والتعليل الزي لابن رشد يوافقه. انتهى. انظر المواق. قاله محمد بن الحسن.
وإذا أخرج البائع زكاة الجميع، وحصل عند المشتري جائحة توجب له الرجوع: ورجع بالفعل، فالظاهر أن البائع يرجع حينئذ على الفقراء بثلث ما أعطاهم، وينزعه بالقرعة إن بين لهم حال الإعطاء قياسا على ما يأتي في اليمين. قاله عبد الباقي عن شيخه الأجهوري. اللخمي: فإن
стр. 1924
سرقت الثمار بعد الخرص أو أجيحت لم يكن عليه شيء، وإن أجيح بعضها زكى عن الباقي إن كان خمسة أوسق فأكثر، وإن كان أقل لم يكن عليه شيء. قاله الحطاب.
وبما قررت علم أن الضمير في قوله: "أصابته"، راجع لما وقع فيه الخرص؛ أي أصابت التمر والعنب المخَرَّص جائحة. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وإن أصابته جائحة اعتبرت"، شامل لما إذا بيع وما إذا لم يبع، كما في الشبراخيتي.
وإن زادت على تخريص عارف فالأحب الإخراج؛ يعني أن الثمرة إذا خرصها العارف بقدر ثم وجدت أكثر مما خرصها به، فإن الإمام مالكا قال: أحب إلي أن تؤدى الزكاة أي زكاة ما زادت به على تخريص العارف قال: لقلة إصابة الخراص، وهذا شامل لما إذا خرصها بما لم تكن فيه الزكاة، كأربعة أوسق فوجدت خمسة أوسق أو أكثر، ولما إذا خرصها بخمسة أوسق فوجدت ستة أوسق، والله سبحانه أعلم. وهل على ظاهره؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في فهم قول الإمام: "الأحب الإخراج"، فمنهم من حمله على ظاهره أي على أن المراد بالأحبية الندب، وهو فهم ابن رشد وعياض؛ لأنه حكم مضى، قال في التنبيهات: حمله بعضهم على الوجوب، وظاهر الكتاب خلافه، لقوله: أحب إلي، ولتعليله بقلة إصابة الخراص، فلو كان على الوجوب لم يلتفت إلى إصابة الخراص، ولا إلى خطئهم. أو الوجوب؛ يعني أن من الشيوخ من حمل الأحب على الوجوب؛ لأنه حكم تبين خطؤه وهو تأويل الأكثر، وصوبه ابن يونس وهو الراجح، واقتصر عليه المحقق الأمير، وعبارته: وإن زادت على خرص عارف وجب الإخراج، قال في الشرح: حمل أحب على الوجوب. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وسبب هذا الخلاف هل الواجب الاجتهاد أم الإصابة؟ قال في المنهج:
هل اجتهاد أم إصابة تجب … عليه قبلة كمسكين كذب
إن لم يل الوالي وإلا يجتزا … وراعف وخارص ذبح جزا
قوله: كمسكين كذب؛ أي في ادعائه الفقر، وقوله: وراعف أي ظن فراغ الإمام فأتم مكانه ثم أخطأ ظنه وبالعكس، وقوله: ذبح جزا؛ أي جزاء الصيد إذا حكم به عدلان ثم تبين أنه أكثر مما
стр. 1925
حكما به، هل يجزئ ذبحه أم لا؟ والله سبحانه أعلم. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، تأويل ابن رشد وعياض، وتأويل الأكثر. ومفهوم قوله: عارف، أنه إن كان غير عارف عمل بما تبين اتفاقا، كما أنه لو لم يكن عدلا وجب الإخراج اتفاقا، كما في الشبراخيتي. ومفهوم قوله: زادت أنه لو نقصت لم يكن الحكم كذلك، وهو كذلك فيعمل بتخريصه لا بما وجدت عليه، هذا ما تجب به الفتوى؛ لأنه لم يتبين خطؤه لاحتمال كون النقص من أهل الثمرة، ولا يقبل قولهم.
قال الحطاب: فإن نقصت، فجزم في الجلاب بأن الزكاة لا تنقص، وظاهر كلام الجواهر أن في ذلك خلافا، وقال ابن جماعة: فإن وجد أكثر أخرج الزائد، فإن وجد أقلّ منه لزمه الأكثر في ظاهر الحكم، ولا شيء عليه فيما بينه وبين الله تعالى. انتهى. وهو ظاهر يجمع بين النقول، وما ذكره ابن جماعة نحوه لابن رشد. والله أعلم. انتهى. وقال الخرشي: ولا يدخل الخلاف المذكور فيما إذا تحقق النقص من غلط الخارص. انتهى. والضمير في زادت للثمرة وفي التوضيح: واعلم أن النقص إنما يتحقق مع قيام البينة. نقله الشيخ إبراهيم.
وَلَمَا قَدَّمَ أَن رب الماشية يكلف الوسط، وكانت زكاة الحرث تخالفها تارة وتوافقها أخرى، بَيَّن ذلك مبتدئا بما يخالفها، بقوله: وأخذ من الحب كيف كان؛ يعني أن الحب إذا وجب فيه العشر أو نصفه، فإن ذلك القدر الواجب يؤخذ من الحب كيف كان، رديا أو أعلى أو وسطا، نوعا واحدا كقمح. أو نوعين كقمح مع شعير، أو ثلاثة كهما مع سلت أو أكثر كأصناف القطاني، ويخرج من كلّ بقدره على حالته التي هو بها، وليس عليه أن يشتري الوسط فيعطيه عن الأدنى أو الأعلى. قاله عبد الباقي.
وقد مر أنه إن أعطى الأعلى عن الأدنى أجزأ لا العكس، وقال الحطاب: يعني أن الزكاة تؤخذ من الحب كيف كان، فإن كان جيدا أخذت منه وكذا إن كان رديا أو وسطا، فإن كان نوعين أو أنواعا فإنه يؤخذ من كلّ نوع عشرة أو نصف عشرة، قال اللخمي: إذا كان القمح مختلفا جيدا أو رديا أخذ من كلّ شيء منه بقدره، وكذلك أصناف الزبيب. انتهى.
стр. 1926
وفي كتاب الأمير: أن الزبيب كالتمر، وشبه التمر بالحب في الحكم المذكور لكن على تفصيل بينه، بقوله: كالتمر نوعا أو نوعين؛ يعني أن التمر إذا كان نوعا واحدا، أخذت منه الزكاة كيف كان جيدا أو رديا أو وسطا، وكذلك إن كان نوعين كصيحاني وبرني، قال عبد الباقي: فإن كان النوع الواحد أصنافا أخذ من كلِّ صنف بحسبه، لا من وسط أصناف ذلك النوع الواحد. انتهى. قال محمد بن الحسن: هو غير ظاهر. انتهى. وإلا؛ أي وإن لا يكن التمر نوعا واحدا ولا نوعين، بل كان أنواعا: فإن الزكاة تخرج من أوسطها؛ أي الأنواع لا من أعلاها ولا من أدناها، قال الشبراخيتي: والمراد بالأنواع الأجناس، فالنوع الواحد كالبرني مثلا إذا تعددت أصنافه فإنه يؤخذ من كلّ صنف بحسبه. انتهى. وقد تقدم نحوه لعبد الباقي، وما ذكره المصنف ذكر عن أهل الذهب ما يوافقه، ورد تعقب ابن غازي عليه، وظاهر كلام المصنف مراعاة الوسط، سواء كانت الأنواع متساوية أو بعضها أكثر من بعض، تقارب اختلافها أو تباعد، وهو قول أشهب.
وقال عيسى بن دينار: يؤخذ من الأكثر، وكلام التوضيح الذي نقله بعض الشراح يفيد ترجيح قول عيسى، وانظر هزا مع ما تقدم من أن الأدنى لا يجزئ عن الأعلى، والفرق بين الحب والتمر أنه لو أخذ من كلّ صنف من التمر ما ينوبه لشق ذلك لاختلاف أنواع الحائط، قال سند: إن التمر يكثر اختلافه حتى أن الاختلاف يكون في ثمرة النخلة الواحدة. انتهى. وانظر إذا تعدد الوسط، كما إذا كان نوع أعلى ونوع أدنى، وثم نوعان كلّ منهما دون الأعلى، وفوق الأدنى وهما مختلفان جودة ورداءة، هل يخرج من كلّ إن تساويا قدرا وإلا فمن الأكثر؟ أو يخرج من كلّ مطلقًا؟ انتهى. قاله غير واحد. فإن كان الوسط ثلاثة أنواع، فمن وسطها؛ لأن وسط الوسط وسط، وهل الزبيب كالحب أو كالتمر؟ نقلا اللخمي وابن بشير عن المذهب، ولا يخفى أن في كلام الأئمة هنا إطلاق الجنس والنوع على المصنف وإطلاق المصنف عليهما، ولا مشاحة في ذلك.
واعلم أن الراجح في الزبيب أنه كالتمر، وفي الحطاب عن اللخمي: واختلف في التمر، فقال مالك: إن كان جنسا واحدا أخذ منه، ولم يكن عليه أن يأتي بأفضل منه، وإن كان أجناسا أخذ من الوسط، وقال في كتاب محمد: يؤخذ من كلّ صنف بقدره، وفي المقدمات: من أراد أن يخرج من صنف عن صنف آخر ما وجب عليه منه بالكيل، جاز من الأرفع ولم يجز من الأدنى.
стр. 1927
وفي الحطاب بعد أن نقل عن المقدمات: فهذا يدلُّ على أنه إذا كان في الحائط من التمر نوع أو نوعان أخذ من كلّ بحسبه، فقول ابن غازي: لم أقف فيه على نص غير ظاهر.
ولما أنهى الكلام على زكاة الماشية والحرث، أتبعه بالكلام على زكاة النقد، فقال: وفي مائتي درهم شرعي؛ يعني أن ما دون المائتين من الدراهم لا زكاة فيه، فإذا بلغت الدَّرَاهِمُ مائتين ففيها ربع العشر، والدراهم من الفضة والدنانير من الذهب، والمعتبر من الدراهم هنا الدرهم الشرعي، وهو الدرهم المكي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير. ابن عرفة: ونصاب الفضة خمس أواق مائتا درهم وزنه خمسون حبة شعيرا وخمسان، والأوقية أربعون درهما والدرهم الشرعي هو المسمى بدرهم الكيل؛ لأنه تقدر به مكاييل الشرع من أوقية ورطل ومد وصاع. حكاه ابن راشد القفصي عن بعضهم. وقد ذكر المصنف قدره قبل هذا، حيث قال: كلّ خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، وبه يعلم أن الدينار اثنان وسبعون حبة؛ إذ الدرهم المعتبر في الزكاة هو من الدراهم التي وزن عشرة منها كوزن سبعة كما يعلم من عدد حبات كلّ، وقال ابن ناجي: سمي درهم الكيل لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان؛ أي بتقديره وتحقيقه، وذلك أن الدراهم التي كان الناس يتعاملون بها نوعان: نوع عليه نقش فارس، والآخر عليه نقش الروم. فكان الناس يتعاملون بالنصف من هذه والنصف من هذه عند الإطلاق، وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مائة من هذه ومائة من هذه في النصاب، ذكر ذلك أبو عبيدة وغيره إلى زمن عبد الملك بن مروان. انتهى.
وقال غيره: كان أحد الدرهمين وزنه ثمانية دوانق، وكان وزن الآخر أربعة دوانق، فجمعهما عبد الملك وأخذ نصفهما، وضرب درهما وزنه ستة دوانق، والدانق ثمانية حبوب وخمسا حبة من وسط الشعير. أو عشرين دينارا؛ يعني أن الذهب لا يزكى منه ما دون عشرين دينارا، فإذا بلغ عشرين دينارا ففيه ربع العشر، والدينار هنا اثنان وسبعون حبة من وسط الشعير -كما تقدم- وفي المدونة: إذا كان عنده فلوس فيها مائتا درهم لا زكاة عليه فيها، والدنانير في الأحكام خمسة: ثلاثة كلّ دينار اثنا عشر درهما؛ وهي دينار الدية ودينار النِّكَاح ودينار السرقة، وتسمى دنانير الدم، واثنان كلّ دينار عشرة دراهم، وهما دينار الزكاة ودينار الجزية، وتسمى دنانير
стр. 1928
الزاي. والله أعلم قاله الحطاب. فأكثر، قد تقدم أنه لا زكاة في الورق في أقلّ من مائتي درهم، ولا زكاة في الذهب في أقلّ من عشرين دينارا، فإذا بلغت الفضة مائتي درهم فأكثر ففي ذلك ربع العشر، قلت الزيادة أو كثرت، فلا وقص في الفضة، وإذا بلغ الذهب عشرين دينارا فأكثر ففيه ربع العشر، فلا وقص فيه، فقوله: فأكثر هو جار في الذهب والفضة، وهو إشارة إلى أنه لا وقص في زكاة العين، ويشترى بما زاد على النصاب، ولا يمكن إخراج ربع العشر منه طعام أو غيره مما يمكن قسمة على أربعين جزءا. قاله بعض شيوخ ابن عبد السلام. ولعل حكمة هذا العدد كونه له ربعُ عُشُرٍ صحيحٌ. قاله التتائي. قال عبد الباقي: ومن خطه نقلت، وصحيح بالرفع صفة لربع.
قوله: "فَأكثر"، قد تقدم أنه يشير به إلى أنه لا وقص في زكاة العين، ولم ينقل أهل المذهب خلافه إلَّا عن أبي حنيفة، قال: لا شيء في الزائد حتى يبلغ أربعة دنانير في الذهب وأربعين درهما في الفضة.
واعلم أنه وقع لعبد الوهاب، وما زاد بحساب ذلك ما أمكن، هكذا قال ابن الحاجب، والمرتضى أنه ليس بمخالف للمذهب من أن ما زاد فبحسابه، وإن لم يمكن قسمة كما تقدم فيشترى به ما يمكن منه إخراج ربع العشر، فبهذا يعلم أن أهل المذهب لم ينقلوا خلافا في أن ما زاد فبحسابه، وقال ابن عبد السلام: كان بعض أشياخي يرى ما لعبد الوهاب خلافا، ويرى أن الإمكان المراد به انقسام الزائد على النصاب إلى جزء الزكاة، وَتَأَتِّي ذلك فيه، قال ابن عبد السلام: ويحتمل أن يقال: الإمكان المأخوذ من القول الأول هو الذي أوجبه في الثاني؛ لأنه ربما زاد النصاب زيادة محسوسة لا يمكن أن يشترى بها ما ينقسم على أربعين جزءا، قال الشارح: والأصل فيما ذكر المصنف ما ورد عنه ﵊ (أن: في مائتي درهم خمسة دراهم وليس فيما دونها صدقة وأن في عشرين دينارا نصف دينار ولا زكاة فيما دونها (١))، قال في الموطإ والسنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا كما تجب في مائتي درهم.
стр. 1929
وقد تقدم أن المراد بالدرهم الدرهم الشرعي وهو الدرهم المكي، لقوله ﵊: (المكيال على مكيال أهل المدينة والوزن على وزن أهل مكة (١))، وهو عند الكافة خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير المتوسط، وتكون الحبة منه غير مقشورة وقد قطع طرفاها اللَّذان خرجا عن خلقتها.؟
ومجمع منهما بالجزء؛ يعني أن من عنده ذهب وفضة فإنه تجب عليه الزكاة فيما إذا حصل نصاب بينهما، ويعتبر حصول النصاب منهما بالجزء؛ أي يعتبر ذلك بجزء من نصاب الذهب المتقدم وجزء من نصاب الفضة المتقدم، بحيث يتكمل نصاب منهما كثلث من أحدهما وثلثين من الآخر ونحو ذلك، واحترز بذلك عما لو بلغ ذلك قيمة النصاب لا بالتجزئة، فمن كان عنده مائة درهم من الفضة وعشرة دنانير من الذهب أو خمسة عشر دينارا وخمسون درهما، وجب في كلّ من النقدين ربع العشر ونحوه في المدونة والرسالة وغيرهما. قاله الشارح. ومعنى قوله: "بالجزء"، أنه يجعل كلّ دينار في مقابلة عشرة دراهم، كانت قيمته أقلّ أو أكثر، فلهذا لو كان معه مائة درهم وخمسة دنانير تساوي مائة درهم فلا زكاة. ولو كانت معه مائة درهم وعشرة دنانير تساوي خمسين درهما زكى، وكذا إذا كان معه الثلثان من هذا والثلث من هذا أو الربع من هذا وثلاثة الأرباع من هذا، فإنه يزكي. انتهى كلام الشارح.
وقوله: "بالجزء"؛ أي بالتجزئة والمقابلة بأن يجعل كلّ دينار في مقابلة عشرة دراهم بالوزن لا بالجودة والرداءة ولا بالقيمة، سواء كانت أقلّ من ذلك أو أكثر، فلا زكاة في مائة درهم، وتسعة دنانير قيمتها مائة درهم بخلاف ما لو كان عنده مائة وتسعون درهما ودينار واحد فإنه يزكي، والأحسن لو قال: أو مجمع بأو كالذي قبله. ربِع العشر، مبتدأ خبره في مائتي درهم، وأشعر اقتصاره على الورق والذهب بأنه لا زكاة في الفلوس النحاس، قال في الطراز: وهو المذهب. وفي المدونة: أن من حال الحول على فلوس عنده قيمتها مائتا درهم فلا زكاة عليه فيها إلَّا أن يكون مديرا. انتهى. وما يأتي في الصرف والسلم مبني على أن الفلوس نقود؛ وهو خلاف المذهب كما علمت. والله سبحانه أعلم.
стр. 1930
وإن لطفل أو مجنون؛ يعني أن الزكاة تجب في النقدين وإن كانا لصبي أو مجنون، لقول عمر ﵁ في الموطإ: (اتجروا في أموال اليتامى ليلا تأكلها الزكاة (١))، وفيه: (أن عائشة ﵂ كانت تخرج الزكاة من مال يتيمين كانا في حجرها (٢))، وهو قول مالك وجميع أصحابه خلافا لغيرهم، واتفقوا أن مواشيهما وحرثهما -أي الصبي والمجنون- تزكى لوجود النماء في ذلك. قاله الشارح وفي حاشية الرهوني: أن أبا حنيفة يوافق غيره من الأئمة على وجوب زكاة حرث الطفل والمجنون، وأن ماشيتهما عنده كالعين كما أفاده أبو البركات الحنفي في كنز الدقائق، وصرح به ابن يونس من أئمتنا، فقال: قال أبو حنيفة: ليس على الصبيان والمجانين زكاة مال ولا ماشية. انتهى. وقوله: "وإن لطفل"، قال الشبراخيتي: لخبر: (ألا من ولي مال يتيم فليتجر فيه ولا يتركه تأكله الصدقة (٣)).
وقد ألغز بعضهم في ذلك، فقال:
وتركي له في الخد خال … كمسك فوق كافور ندي
تعجب ناظري لما رآه … فقال الخال صل على النبي
فقلت له ملكت نصاب … حسن فأد زكاة ذا الحسن البهي
فقال أبو حنيفة لي إمام … يرى أن لا زكاة على الصبي
فإن تك مالكي القول أو من … يكون يرى برأي الشافعي
فلا تطلب زكاة الحسن مني … فإخراج الزكاة على الولي
وأما البالغ السفيه فتجب في ماله إجماعا، نقله غير واحد. ووجبت الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأنَّها من خطاب الموضع لا التكليف، والعبرة بمذهب الوصي في الوجوب وعدمه؛ لأن التصرف في المال منوط به لا بمذهب أبي الطفل لموته وانتقال المال عنه، ولا بمذهب الطفل؛ لأنه غير مخاطب بها أي خطاب تكليف، فلا ينافي خطابه بها من حيث الموضع، فلا يزكيهما أي