← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

عليه وسلم: (الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء (١))، وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان من السماء، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا (٢))، وفي أخرى يقول الله تعالى: (يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك (٣))، وروى النسائي عن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد ينفق من كل مال له زوجين في سبيل الله إلا استقبلته صحبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده، قيل: وكيف ذاك؟ قال: إن كان إبلا فبعيرين وإن كان بقرا فبقرتين (٤))، وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (دينارا أنفقته في سبيل الله، ودينارا تنفقه في رقبة، ودينارا تصدقت به على مسكين، ودينارا تصدقت به على أهلك (٥))، وروى الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي مسعود البدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة (٦))، وأخرج رزين عن أبي مسعود البدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (تصدقوا فيوشك الرجل أن يمشي بصدقته، فيقول الذي يعطاها: لو جئت بها بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لي فيها فلا يجد من يقبلها منه (٧))، وروى الشيخان عن أبي موسى ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب فلا يجد أحدا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء (٨)).

стр. 2102

وفي صحيح البخاري أنه ﷺ ، قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عَدْلٌ، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه (١)). قوله: سبعة يشمل النساء فيما يمكن أن يدخلن فيه شرعا، فلا يدخلن في الإمامة العظمى ولا في ملازمة المسجد؛ لأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، وقوله: في ظله إضافة الظل إليه سبحانه إضافة تشريف، كناقة الله: والله تعالى منزه عن الظل؛ إذ هو من خواص الأجسام، والمراد ظل عرشه كما في حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن، وقوله: يوم لا ظل إلا ظله؛ أي يوم القيامة، وقوله: عدل، بسكون الدال هو الذي يضع الشيء في محله، يقال: رجل عدل ورجال عدل وامرأة عدل، أو العدل الجامع للكمالات الثلاثة: الحكمة والشجاعة والفقه؛ أو العدل المطيع لأحكام الله، والمراد به من له نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام، ولابن عساكر: إمام عادل اسم فاعل، وفي حديث سلمان: (أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله تعالى (٢))، وقوله: تحابا في الله أي لا لغرض دنيوي، وقوله: اجتمعا عليه؛ أي على الحب في الله أي لم يقطعهما عارض دنيوي، سواء اجتمعا حقيقة أم لا، وقوله: وتفرقا عليه؛ أي لم يزالا على ذلك حتى فرقهما الموت. والله سبحانه أعلم. وقوله: منصب بكسر الصاد أي صاحبة نسب شريف، وقوله: دعته أي إلى نفسها للزنى كما يدل عليه السياق، وقوله: فقال، أي بقلبه أو لسانه ليزجر نفسه، وقوله بصدقة أي تطوعا وقوله: فأخفاها حتى لا تعلم لخ؛ أي لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما علم صدقة اليمين للمبالغة في الإخفاء، وصور بعضهم إخفاء الصدقة، بأن يتصدق على الضعيف في صورة المشتري منه، فيدفع له مثلا درهما فيما يساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة، وقوله: ففاضت عيناه. أسند: الفيض إلى العين

стр. 2103

مع أن الفائض هو الدمع لا العين، مبالغة لأنه يدل على أن العين صارت دمعا، ونظم العلامة أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل السبعة المذكورة، فقال: وقال النبي المصطفى إن سبعة … يظلهم الله الكريم بظله محب عفيف ناشئ متصدق … وباك مصل والإمام بعدله وزيد ثامن؛ وهو رجل كان في سرية مع قوم بلغوا العدو فانكشفوا فحمى آثارهم، وفي لفظ أدبارهم حتى نجوا ونجا أو استشهد، وتاسع، وهو رجل تعلم القرآن في صغره فهو يتلوه في كبره، وعاشر وحادي عشر، وهما رجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة، ورجل إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت عن حلم، وثاني عشر: رجل تاجر اشترى وباع فلم يقل إلا حقا، وثالث عشر ورابع عشر: من أنظر معسرا أو وضع له، وخامس عشر: أو ترك لغارم، وسادس عشر: من أنظر معسرا أو تصدق عليه، وسابع عشر: أو أعان خُرِقا؛ أي الذي لا صنعة له ولا يقدر أن يتعلم صنعة، وثامن عشر وتاسع عشر والعشرون: من أَعان مجاهدا في سبيل الله، أو غارما في عسرته، أو مكاتبا في رقبته، الحادي والعشرون: من أظل رأس غاز، والثاني والثالث والرابع والعشرون: الوضوء على المكاره، والمشي إلى المساجد في الظلم، وإطعام الجائع؛ ومعنى الوضوء على المكاره أن يكره نفسه على الوضوء كما في شدهّ البرد، والخامس والعشرون: من أطعم الجائع حتى يشبع، والسادس والعشرون أن سيد التجار رجل لزم التجارة التي دل الله عليها من الإيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله، فمن لزم البيع والشراء فلا يذم إذا اشترى ولا يمدح إذا باع، وليصدق الحديث ويود الأمانة، ولا يتمنى للمؤمنين الغلاء، فإذا كان كذلك كان أحد الذين في ظل العرش، وسنده ضعيف. والسابع والعشرون: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم ﵊: يا خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، وإن كلمتي سبقت لمن حسّن خلقه أن أظله تحت عرشي، وأسقيه من حظيرة قدسي، وأدنيه من جواري. والثامن والتاسع والعشرون: من كفل يتيما أو أرملة، الثلاثون والحادي والثاني والثلاثون: أتدرون من السابق إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (الذين إذا أعطوا الحق قبلوه،

стр. 2104

وإذا سُئِلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم (١)). وفي سنده، ابن لهيعة: والثالث والثلاثون: وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله، والرابع والثلاثون: الوالي العادل ظِلُّ الله، فمن نصحه في نفسه وفي عباد الله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والخامس والثلاثون: من أراد أن يظله الله بظله فلا يكن على المؤمنين غليظا وليكن بالمؤمنين رحيما، والسادس والثلاثون: من يصبر عند الثكل، والسابع والثامن والثلاثون: عن فضيل ابن عياض، قال: بلغني أن موسى قال: أي رب، من يظل تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: يا موسى الذين يعودون المرضى، ويشيعون الهلكى، والتاسع والثلاثون: شيعة علي ومحبوه: وهو حديث ضعيف، والأربعون: والحادي والثاني والأربعون: عن أبي الدرداء أن موسى قال: يا رب من يساكنك في حظيرة القدس. ومن يستظل بظلك يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: أولئك الذين لا ينظرون بأعينهم الزنى، ولا يبتغون في أموالهم الربا: ولا يأخذون على أحكامهم الرشا، والثالث والرابع والخامس والأربعون: رجل لم تأخذه في الله لومة لائم، ورجل لم يمد يده إلى ما لا يحل له، ورجل لم ينظر إلى ما حرم عليه وفيه عنبسة وهو متروك، والسادس والأربعون: من قرأ إذا صلى الغداة ثلاث آيات من سورة الأنعام إلى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ وهو ضعيف، والسابع والثامن والتاسع والأربعون: واصل الرحم وامرأة مات زوجها وترك عليها أيتاما صغارا، فقالت: لا أتزوج على أيتامي حتى يموتوا أو يغنيهم الله، وعبد صنع طعاما فأطاب صنعته وأحسن بضعته ودعا عليه اليتيم والمسكين فأطعمهم لوجه الله، والخمسون والحادي والخمسون: رجل حيث توجه علم أن الله معه، ورجل يحب الناس لجلال الله وفيه متروك، والثاني والخمسون: المؤذن في ظل رحمة الله حتى يفرغ من أذانه وفيه متهم بوضعه، والثالث والرابع والخامس والخمسون: من فرج عن مكروب من أمتي، وأحيا سنتي، وأكثر الصلاة علي، والسادس والسابع والثامن والخمسون: حملة القرآن في ظل الله مع أنبيائه وأصفيائه، والتاسع والخمسون: المريض، والستون: أهل الجوع في الدنيا، والحادي والستون، الصائمون، والثاني والستون: من صام من رجب ثلاثة عشر يوما وهو شديد الوهاء، والثالث والستون: من صلى ركعتين بعد ركعتي المغرب

стр. 2105

قرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة؛ وهو منكر، والرابع والستون: أطفال المؤمنين. والخامس والستون: ابن الرجل الذي مات ابنه، فقال له النبي ﷺ : (أما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش)؟، والسادس والستون: من ذكر بلسانه وقلبه، والسابع والثامن والتاسع والستون: رجل لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله. انظر القسطلاني (١)). السابع: روى رزين عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها (٢))، وروى الترمذي عنه ﷺ أنه، قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتتكفأ، فأرساها بالجبال فاستقرت، فتعجبت الملائكة ﵈ من شدة الجبال، فقالت: ربنا هل خلقت خلقا أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الماء، قال: نعم الريح، قالوا: فهل خلقت خلقا أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم إذا تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله (٣)). ولله در الجزائري حيث يقول: فاعجب لقدرة مولانا التي بهرت … إذ زاد ما في الهوى ثقلا على ثقل وروي عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ (وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى، والعليا هي النفقة والسفلى هي السائلة (٤))، رواه في التيسير عن الستة إلا الترمذي، ومراده بالستة: الشيخان مسلم والبخاري، وإمامنا مالك ﵀ وأصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي.

стр. 2106

وروى الشيخان والنسائي عن عدي بن حاتم ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة (١))، وفي رواية: (من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تعغ فليفعل (٢))، وروى الخطيب عن أبي هريرة ﵁: (لو مرت الصدقة على يد مائة لكان لهم من الأجر مثل أجر المبتدئ من غير أن ينقص من أجره شيئا (٣))، رواه في الجامع الصغير، وروى أبو هريرة ﵁، قال: قيل يا رسول الله: (أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل وابدأ بمن تعول (٤))، الجهد بالضم الطاقة، والمقل: الذي له مال قليل؛ فهو يعطي بقدر ماله، وروى أبو داود أن سعد بن عبادة أتى رسول الله ﷺ ، فقال: (أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء (٥))، وروى إمامنا مالك عن زيد بن أسلم ﵁، قال قال رسول الله ﷺ : (أعطوا السائل ولو جاء على فرس (٦))، ولأبي داود عن علي ﵁: (للسائل حق ولو جاء على فرس (٧))، وأخرج مالك ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ولا تواضع عبد لله إلا رفعه الله (٨)). وروى أبو داود والنسائي عن عوف بن مالك ﵁، قال: (خرج النبي ﷺ يوما وبيده عصا فقد علق رجل قِنْوَ حَشَفٍ، فجعل يطعن فيه ويقول: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب من هذا إن رب هذه الصدقة يأكل حشفا يوم القيامة (٩))، القنو: العذق بما فيه من الرطب، وروى البخاري ومسلم والنسائي عن جرير ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: (ليتصدق الرجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره … حتى قال: ولو بشق تمرة، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، ثم تتابع الناس

стр. 2107

حتى رأيت كومين من ثياب وطعام، حتى تهلل وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (١)). وروى الشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية، لأتصدقن بصدقة فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، أما السارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى (٢)). انتهى. وهذه الأحاديث في التيسير، وفيه عنه ﷺ : (خير الصدقة ما كان على ظهر غنى وابدأ بمن تعول (٣))، رواه البخاري وأبو داود والنسائي. الثامن: اعلم أنه لا ينبغي لك أن تنفق ما بيدك وتبقى تتكفف الناس، فإن ذلك مذموم، فقد روى أبو داود والنسائي عن أبي سعيد ﵁ (أن رجلا دخل المسجد بهيئة بذة -والنبي ﷺ يأمر بالصدقة- فتصدق فأعطاه النبي ﷺ ثوبين، ثم قال: تصدقوا فطرح الرجل أحد [ثوبيه (٤)]، فقال ﷺ : أترون إلى هذا الذي رأيته بهيئة بذة فأعطيته ثوبين ثم قلت تصدقوا فطرح أحد ثوبيه خذ ثوبك وانتهره (٥))، وروى أبو داود عن جابر ﵁، قال: (جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله أصبت هذه من

стр. 2108

معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه فأتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه فأتاه من قبل ركنه الأيسر، فقال مثل ذلك فأعرض عنه، فأتاه من قبل خلفه فقال مثل ذلك، فأخذها ﷺ فخذفه بها فلو أصابته لأوجعته، وقال: (يأتي أحدكم بجميع ما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يتكفف الناس، خير الصدقة ما كان على ظهر غنى (١)) يتكفف الناس: يسألهم ويطلب منهم ما يأخذ ببطن كفه، وروى النسائي عنه ﷺ أنه قال: (الصدقة على المسكين صدقة: وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة (٢)). ودفع أكثر منه؛ يعني أنه يجوز أن يدفع للفقير والمسكين أكثر من النصاب؛ أي القدر الذي تجب فيه الزكاة بشرط أن لا يزيد على كفاية سنة. قاله غير واحد. وكفاية سنة هذا هو الذي عليه المدار، ومعناه أن الفقير والمسكين إنما يعطيان كفاية سنة ولا يعطيان ما زاد على كفاية سنة؛ لأنهما إذا أخذا كفاية سنة زال عنهما الفقر والمسكنة، فصارا غنيين، والزكاة لا تدفع للأغنياء، فمتى أخذ واحد منهما ما يكفيه لسنة بنصاب أو دونه فإنه لا يأخذ بعد ذلك منها شيئا، وليس المراد بالسنة حقيقتها، وإنما المراد إعطاؤه بقدر ما يغنيه إلى وقت يعطى فيه، فإذا كانت الزكاة تدفع في السنة مرتين فإنه يعطى من كل واحدة ما يبلغه للأخرى. قاله الشيخ إبراهيم. وإذا كانت الزكاة لا تفرق كل عام فيأخذان أكثر من كفاية سنة كما في حاشية البناني؛ أي لأن المراد بكفاية السنة ما يغنيه إلى وقت يعطى فيه، ومنع المغيرة أن يعطى الفقير أو المسكين النصاب، ولم يحك ابن رشد غيره، وفي كلام المصنف بحث؛ إذ قوله: ودفع أكثر منه"، إن أراد به كفاية سنة فالواجب حذفه والاقتصار على قوله: "وكفاية سنة"، وإن أراد به ما يشمل الزيادة على كفاية سنة فليس له سند في ذلك. قاله الأجهوري. وقال الخرشي: ولا يعطى أكثر من كفاية العام حيث كان يرجى له شيء، وإلا أعطي ما يغنيه حيث كان حَالَ الأخذ فقيرا. انتهى.

стр. 2109

وقال الأمير: وإنما يأخذان أي الفقير والمسكين كفاية سنة، ولم يبق بعدُ وَصْفُهُمَا حتى يأخذان زيادة. انتهى. وقال الحطاب: قال في الذخيرة: وإذا أعطي المحتاج، فروى ابن نافع: ذلك غير محدود ويعطيه قوت السنة بقدر المقسوم، وقد تقل المساكين وتكثر، وروى المغيرة: لا يعطى نصابا، وقاله أبو حنيفة؛ لأن الدفع بوصف الفقر فلا يخرج به عنه، وعلى الأول يعطيه قوت السنة، وإن اتسع المال زاد ثمن العبد ومهر الزوجة، وفي الجواهر: يعطى الغارم قدر دينه والفقير والمسكين كفايتهما وكفاية عيالهما، والمسافر قدر ما يوصله إلى مقصده أو موضع ماله، والغازي قدر ما يقوم به حالة الغزو، والمؤلفة بالاجتهاد، والعامل أجرة مثله، ومن جمع وصفين استحق سهمين، وقال سند: قال ابن القاسم: يعطى منها العامل بقدر كثرة عمله وقلته. انتهى. ويأتي الكلام في دفعها جميعها للعامل عند قوله: "وندب إيثار المضطر"، وفي النوادر عن علي وابن نافع: كم أكثر ما يعطى الفقير منها والصدقة واسعة؟ قال: لا حد فيه وذلك على قدر اجتهاد متوليها، قيل: فيعطي قاسمها للفقير قوت سنة ثم يزيد الكسوة؟ قال: ذلك بقدر ما يرى من كثرة الحاجة وقلتها، ثم قال عنهما: قيل والفقير يعطى منها الشيء الكثير مثل العبد أو ما ينكح به؟ قال: إن كان يسع ذلك للمساكين فيعانوا بذلك لم أر بها بأسا، ولكن أكره أن يأخذ هذا حظ مساكين كثيرة بهذا التفضيل الواسع. انتهى. وفي البرزلي: وسئل اللخمي عن شيخ زمن له بيت يكريه بنحو الدرهمين في الشهر، وغرفة تصدق بها على ولده وهو يسكن معه، أترى أن يعطى من الزكاة والكفارة وليس له ما يعيش به إلا من كراء ذلك البيت ولا يكفيه؟ فأجاب: إذا كان كسب الشيخ ما ذكرت فهو في عداد الفقراء، فيأخذ الزكاة والكفارة والفطرة. البرزلي: لم يوجب عليه بيع البيت وأكله لأنه عنده لا يكفيه، فأشبه الفقير الذي له القليل. انتهى. وفي جواز دفعها لمدين؛ يعني أنه اختلف فيما إذا دفع شخص الزكاة لآخر عليه دين للدافع، ثم بعد أن دفعها أخذها الدافع لها من الدين في دينه أخذها مع تراخ أم لا، فأجاز ذلك ابن عبد السلام، وقال: تجزئه، والذي يفهم من كلام الباجي منع هذه الصورة، وقوله: تردد، مبتدأ

стр. 2110

خبره في جواز؛ أي في الجواز والمنع رأي ابن عبد السلام، وكلام الباجي، فهو من تردد المتأخرين في الحكم لعدم نص المتقدمين. قال محمد بن الحسن: الظاهر من كلامهم أنه لا فرق بين أن يأخذها من حينه أم لا، ولم أر من شرط التراخي. قاله مصطفى. فَقَوْلُ من قال: عبر بثم المقتضية للتراخي يرشد إلى أنه لو لم يكن تراخ بأن أخذها عقب دفعها لا يكون الحكم كذلك غير ظاهر، وقوله: "تردد"، محله أي التردد حيث لم يتواطآ على ذلك وإلا منع قطعا، كما جزم به ابن عرفة واستظهره في التوضيح، وفهم من كلام المصنف أنها تجزئ إن أخذ غيرها أو دفعها ولم يأخذ شيئا، أو أخذ دينه ثم دفعها. كما قاله الأجهوري. وقال ابن عرفة: الأظهر إن أخذه بعد إعطائه بطوع الفقير دون تقديم شرط أجزأ، وكرها كذلك إن كان له ما يواريه ويعيشه الأيام وإلا فلا وبشرط كما لم يعطه. واعلم أن الراجح من التردد القول بالجواز؛ لأنه قد رجحه المصنف في التوضيح وابن عرفة، وقال الحطاب: إنه أظهر. ابن عبد السلام: فلو أعطاها له جاز أخذها منه في دينه. انتهى. وهو ما قدمته عن الأجهوري. وجاب، هذا هو الصنف الثالث من الأصناف الثمانية، وتقدم الكلام على اثنين منها وهما الفقير والمسكين؛ يعني أن الجابي من الذين يُعْطَوْن من الزكاة، وقوله: "وجاب"، معطوف على فقير؛ وهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين وهما الياء والتنوين، والجابي اسم فاعل من جبى المال يجيبه إذا جَمَعَهُ، فالجابي هو الذي يجمع الزكاة ومن أصل هذا المعنى قوله : ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ومنه أيضا: الجابية وهي الحوض الكبير يجتمع فيه الماء، قال تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾، وقال الشاعر: نفى الذم عن آل المحلق جفنة … كجابية الشيخ العراقي تفهق وقال طرفة: بجفان تعتري نَادِيَنَا … من سديف حين هاج الصِّنَّبرْ كالجوابي لا تني مُتْرَعَةً … لقرى الأضياف أو للمحتضر

стр. 2111

قوله ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ الجفنة الواحدة منها يجتمع عليها ألف رجل يأكلون منها، وقوله : ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها، تتخذ من الجبال باليمن، يصعد إليها بالسلاليم. ومفرق؛ يعني أن المفرق للزكاة من الذين يعطون الزكاة، والمفرق للزكاة هو القاسم لها على أهلها ممن تعطى لهم الزكاة، والجابي والمفرق هما المشار إليهما، بقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، وهم السعاة المتقدمون في قول المصنف، وخرج الساعي، وقوله: "ومفرق" مرفوع معطوف على فقير. وقوله: "وجاب": مثل الجابي في إعطاء الزكاة الكاتب وهو الذي يضبط الزكاة بالكتابة، والحاشر وهو الذي يجمع أرباب الأموال لأخذ ما عليهم، ولا يرد على الحاشر ما تقدم من أن السعاة عليهم أن يأتوا أرباب الماشية على مياههم، ولا يقعدون في قرية ويبعثون إليهم لأنه هنا يحمل على الذي يجمعهم من مواضعهم في قريتهم إلى الساعي بعد أن يأتيهم إليها، ولا يعطى منها راع أي الذي يرعاها، ولا ساق أي الذي يسقيها فهو اسم فاعل من السقي، ونحوه للتوضيح والشارح، وروي عن مالك أن العاملين هم سقاتها ورعاتها، ولا يعطى منها -أي من الزكاة- حارسها، وعبارة الأمير: وعامل إلا راعيا وساقيا وحارسا؛ لأنهم لا عمل لهم في جبايتها، بل أجرتهم من بيت المال، ولا مفهوم لحارس في الأصل. انتهى. ولعل الفرق أن شأن الزكاة الاحتياج إلى الأربعة الأول بخلاف الثلاثة الأخيرة لكونها تفرق غالبا عند أخذها، والمراد بالأربعة الأول: الجابي والمفرق والمكاتب والحاشر، وبالثلاثة الأخيرة: الراعي والساقي والحارس. وفي الحطاب عن الشامل أن: الحارس كالكاتب والقاسم، وروى أبو داود والترمذي عن رافع بن خديج ﵁: (العامل على الصدقة كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته (١))، ولا يعطى من الزكاة المفتي والقاضي والعالم؛ لأنهم يعطون من بيت المال، قال عبد الباقي: ولذا إن لم يعطوا منه أعطوا منها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأما الفقيه والمفتي والقاضي فرزقهم من بيت المال، فإن لم يكن أو كان ولم يعطوا أعطوا منها. انتهى. ونحوه للخرشي، قال محمد بن الحسن: ظاهر هذا أنهم حينئذ

стр. 2112

يعطون من الزكاة لو كانوا أغنياء، وليس بصحيح لأن آية الصدقة محكمة لم ينسخها شيء بإجماع، قال في المعيار: لا يجوز إعطاء الزكاة لأهل الفقه أو الجاه أو غير ذلك، وإنما تعطى كما أمر الله للفقراء والمساكين. انتهى. وما نقله الجنان عن الحفيد ليس هو المذهب، ولا تجوز الفتوى به على أن الحفيد إنما حكى الخلاف فقط، ولم يقل الإعطاء هو المذهب ولا رجحه كما نقل عنه الجنان، وقوله: "وجاب ومفرق"، قال في الشامل: ولا ينبغي له أن يأكل ولا ينفق إن كان الإمام غير عدل، وإلا جاز. انتهى. وقال في العتبية: قلت: فإن كان العامل عليها مديانا أيأخذ منها مثل ما يأخذه الغارمون؟ قال: لا، إلا أن يعطيه السلطان منها على وجه الاجتهاد، قال ابن رشد: إنما قال إن العامل على الزكاة إذا كان مديانا لا يأخذ منها كما يأخذ الغارمون من أجل أنه هو الذي يقسمها، فلا يحكم لنفسه، ويجوز للإمام أن يعطيه من أجل دينه سوى ما يجب له لعمالته. انتهى. قاله الحطاب. خبر مبتدإ محذوف؛ أي وكل منهما حر؛ يعني أنه يشترط في الجابي والمفرق أن يكون كل منهما حرا، فلا يستعمل عليها عبد. واعلم أن المراد بالجابي من له عمل في الزكاة كما تقدمت الإشارة إليه، فيشمل الكاتب والحاشر، فلابد من حرية كل، ابن القاسم: ولا يستعمل على الصدقة عبد ولا نصراني، فإن فات ذلك أخذ منهما ما أَخَذَا وَأُعْطيَا من غير الصدقة بقدر عنائهما. انتهى. قاله في النوادر. قاله الحطاب. وقال في الشامل: ولو استُعْمِلَ عَبْدٌ أو نصراني فأجرته من الفيء لا منها على الأصح، ويرد ما أخذ منها. عدل؛ يعني أنه يشترط في العامل على الزكاة أن يكون عدلا أي سالما من الحيف فيما ولي عليه: فعدالة الجابي في جَبْيهَا، وعدالة المفرق في تفرقتها، وليس المراد عدل الشهادة، وإلا كان قوله وكافرٍ مكررا، واقتضى أنه يعتبر فيه أن يكون ذا مروءة بترك غير لائق إلى آخر ما يعتبر فيه، وليسَ كذلك ولا عدل رواية وإلا كان قوله: وكافر مكررا أيضا، ولم يصح قوله: "حر"؛ لأن العبد عدل رواية. قاله الشبراخيتي. عالم بحكمها؛ يعني أنه يشترط في العامل على الزكاة أن يكون عالما بحكمها أي يعرف قدر ما يؤخذت والقدر الذي تؤخذ فيه، ومن تدفع له، ومن تؤخذ منه ليلا يأخذ غير حق أو يمنع مستحقا أو يضيع حقا، وقال الأمير: إن تولية العامل الفاسق فسق.

стр. 2113

غير هاشمي؛ يعني أنه يشترط في العاملين على الزكاة أن يكونوا من غير بني هاشم -أهل بيت النبي ﷺ لحرمتها على آله ﷺ ؛ إذ هي أوساخ الناس؛ وهي تنافي نفاسة أهل البيت، فإن قيل: يأخذونها على أنها أجرة عمل لا على أنها زكاة، بدليل أنه يستعمل عليها الغني؟ فالجواب: أنهم ينزهون عنها ولو أخذوها أجرة لأنها أوساخ الناس وهم يجنبون ذلك، وبهذا اتضح الفرق بين الهاشمي والغني، كما قاله أحمد. وقوله: "غير هاشمي"؛ أي فلا يستعمل جابيا أو مفرقا ونحوهما مما يعد به عاملا، أما في غير ذلك فيجوز. الباجي: يجوز أن يستعمل في الحراسة والسوق الهاشمي والذمي؛ لأنها إجارة محضةٌ انتهى. قاله الرماصي. وكافر؛ يعني أن العامل على الزكاة يشترط فيه أن يكون غير كافر، فيشترط فيه أن يكون مسلما حرا ذكرا بالغا غير فاسق وغير هاشمي، وقد أشعر إتيانه بالأوصاف مذكرة باشتراط ذكوريته، وقد نص ابن عرفة على اشتراط الذكورية. قاله عبد الباقي. ويستفاد من كلام المصنف في المفقود حيث جعله حاكما أنه لابد من بلوغه، واشتراط كونه غير فاسق كما في الشبراخيتي لأن الفاسق لا أمانة له، وعلم من تفسير العدل بأنه العدل فيما ولي فيه أنه لا يستغنى عن قوله: وكافر، وقال الخرشي: ولا يستعمل عليها عبد، ولا كافر، ولا امرأة، ولا صبي، ولا فاسق، فإن استعملوا أعطوا أجر مثلهم من غيرها أي من حيث يعطى العمال والولاة، وذلك من الفيء. انتهى. وقال الشارح؛ لا يجوز استعمال عبد ولا كافر فيها. محمد: إذ لا حق لهما في الزكاة، فإن استعملا رُجِعَ عليهما بما أخذاه وأعطيا أجرتهما من الفيء، وقال محمد بن نصر: يجوز، وقد نص اللخمي وغيره على منع استعمال آل النبي ﷺ في الزكاة. انتهى. وإن غنيا، مبالغة في أن الجابي أي العامل على الزكاة من مستحقي الزكاة فقيرا كان أو غنيا، يعني أن العامل على الزكاة لا يشترط فيه أن يكون فقيرا، بل يجوز أن يكون العامل عليها غنيا كما يجوز أن يكون فقيرا، ويعطى منها في الحالتين؛ لأنها أجرته فلا تنافي الغنى. وبدئ به؛ يعني أنه يبدأ بالعامل في إعطاء الزكاة؛ أي يقدم في الإعطاء ويدفع له جميعها إن كانت قدر عمله فأقل، ثم بالمساكين والفقراء على العتق لأن سد خلتهم أولى، ولا يستأجر العامل

стр. 2114

عليها بجزء منها كربع أو خمس لما في ذلك من الجهل بقدر الأجرة. قاله الشيخ ميارة. وتقدم المؤلفة إن وجدوا على الفقراء؛ لأن الصون من النار مقدم على الصون من الجوع، كما يبدأ بالغازي أي حتى على العامل إن خشي على الناس، ويقدم ابن السبيل إذا لحقه ضرر على الفقير لأنه في وطنه. قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره. وأخذ الفقير بوصفيه؛ يعني أن العامل إذا كان فقيرا، فإنه يأخذ بوصفيه؛ وصف الفقر، ووصف العمل حيث لم يغنه حظ العمل، وكذا كل من جمع بين وصفين، ولا يأخذ منها العامل إذا كان مديانا إلا بإعطاء الإمام. ابن رشد: لأنه يقسمها فلا يحكم لنفسه، قاله الحطاب. وتعليله يقتضي أنه لا يأخذ منها بوصف الفقر إلا بإعطاء الإمام. قاله الشيخ سالم. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: وأخذ ذو أوصاف بها إلا فقيرا كفاه وصف آخر لسنة لزوال الفقر. انتهى. وبما قررت علم أن قوله: "الفقير"، صفة لموصوف محذوف؛ أي أخذ العامل الفقير؛ واعلم أن من له وصفان فأكثر يأخذ بهما أو بها عاملا أو غيره، وقوله: "وأخذ الفقير بوصفيه"، هو المشهور، قال الشارح: يريد أن العامل إذا كان فقيرا فإنه يجوز أن يأخذ الزكاة بوصفي العمل والفقر، وهو المشهور، وقيل: إنما يأخذ بأكثرهما استحقاقا، فإن كان بوصف الفقر يستحق أكثر أخذ به فقط، وإن كان بوصف العمل يستحق أكثر أخذ به وصار غنيا، وقيل: يعطى بحسب اجتهاد الإمام. انتهى. وقال الشبراخيتي: "وأخذ الفقير بوصفيه"؛ أي وصف الفقر والعمل إذا لم يغنه حظ العمل، وكذا كل من جمع بين وصفين، وينبغي إلا أن يكون الأخذ بأحدهما يغنيه، وإذا كان العامل مديانا فلا يأخذ لغريمه منها إلا بإعطاء الإمام بالاجتهاد، ولا مفهوم لقوله: "بوصفيه"، وكذلك بأوصافه إذا كان في المال سعة، ولم يكن ما يأخذه بأحد الأوصاف يكفيه. ولا يعطى حارس الفطرة منها؛ يعني أن الحارس لزكاة الفطر -أي الحافظ لها- لا يعطى أجرة على حفظه لها منها أي من الفطرة، بل يعطى أجرته من بيت المال، وقوله: "حارس الفطرة"، وكذلك جباتها، ولا مفهوم للفطرة، وكذا زكاة المال لا يعطى حارسها منها، وقد تقدم عن الحطاب قول: بأن حارس المالية يعطى منها. نقله عن الشامل. وقوله: "ولا يعطى حارس الفطرة منها"؛ أي بوصف الحراسة، وأما بغيره كالفقر فيعطى منها. قاله الشيخ إبراهيم. ويتحصل من

стр. 2115

كلامه وكلام الشيخ عبد الباقي أن حارس المالية كذلك؛ أي إن أعطي بوصف الفقر جاز. والله سبحانه أعلم. ومؤلف، هذا هو المصنف الرابع المذكور، بقوله : ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾؛ يعني أن من المستحق للزكاة المؤلفة قلوبهم، تستمال قلوبهم بإعطاء الزكاة لهم ليركنوا إلينا ويألفونا وفسرت الآية بأنهم كفار نتألفهم بإعطائها ليسلموا، وهذا التفسير هو الذي ذكره المصنف بقوله: كافر ليسلم؛ أي المراد بقولي مؤلف كافر يتألف؛ أي تطلب مؤالفته؛ أي ركونه إلينا بإعطاء الزكاة، فيميل قلبه إلى الإسلام، فقوله: "كافر"، إما خبر مبتدأ محذوف؛ أي وهو، أو عطف بيان. والله سبحانه أعلم. وظاهر التعليل عدم اشتراط الحرية في المؤلفة قلوبهم، سواء فرعنا على أن المراد بهم الكفار ليرغبوا في الإسلام أم لا. قاله الشيخ ميارة. وما مشى عليه المصنف هو أحد أقوال ذكرها ابن عرفة، والثاني أنهم حديثوا عهد بإسلام لم يتمكن الإسلام من قلوبهم، والثالث أنهم مسلمون لهم أتباع كفار، ومقتضى عزو ابن عرفة أن الثاني هو أرجح الأقوال؛ لأنه عزاه للباجي عن أهل المذهب، ولابن زرقون عن ابن مزين عن ابن القاسم، وعزا ما مشى عليه المصنف لابن حبيب، وعزا الثالث لنقل اللخمي، وإذا أعطى الكافر للتألُّف ولم يسلم، فينبغي أن يرجع عليه لأنه أعطي على معنى لم يحصل، وإذا علمت هذه الأقوال وعزوها علمت أن في اقتصار المصنف على ما لابن حبيب تبعا لتصدير ابن الحاجب به نظرا. قاله بناني. وحكمه باق؛ يعني أن هذا الحكم أي جواز إعطاء الزكاة لهذا الكافر ليسلم باق؛ أي لم ينسخ، وهذا قول عبد الوهاب، وصححه ابن بشير وابن الحاجب، والراجح خلافه. ابن عرفة وفي انقطاعهم بفشو الإسلام فلا يعود حكمهم، وعوده إن احتيج إليهم قول أصبغ مع الباجي عن المذهب؛ ورواية ابن رشد وابن زرقون عن القاضي. انتهى. وقال القباب في شرح قواعد عياض: والمشهور من المذهب انقطاع سهم هؤلاء بعزة الإسلام، وقال عبد الوهاب: إن دعت الحاجة إلى استيلافهم في بعض الأوقات رد إليهم سهمهم، وهذا هو الذي رجحه اللخمي وابن عطية، فكان على المصنف الاقتصار على المشهور أو يذكره وينبه على ترجيح اللخمي. نقله محمد بن الحسن. وقوله: "وحكمه باق"؛ أي لم ينسخ، قال عبد الباقي: خلافا لأبي حنيفة إن احتيج له كما في ابن الحاجب، وانظر هل المراد بالحاجة له دخوله في الإسلام لإنقاذهم من الكفر أو إعانته لنا؟

стр. 2116

فعلى الثاني لا يعطون الآن، وعلى الأول يعطون إن علم من حال المعطي التألف للإسلام بالإعطاء، وهذا هو مقتضى الشارح وهو الملائم لجعله شرطا، ثم إذا أعطي ولم يسلم نزعت منه. انتهى. قوله: هل المراد بالحاجة الخ هذا الاحتمال غير ظاهر بل غير صحيح، فتأمله إذ لا يليق أن يكون بهذا المعنى شرطا لأنه حينئذ محتاج إليه دائما، وكلام الأئمة كالصريح في الثاني. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "مؤلف كافر ليسلم"، فيه أن القلوب تميل إلى من أحسن إلى أهلها وتحبه، فقد قال صفوان: (أعطاني رسول الله ﷺ وهو أبغض الخلق إلي فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي (١))، وأعطى نوفل بن مخرمة والحارث بن بشير في حالة الكفر، وأعطى بعض رجال من قريش ومن العرب، ولم يزل ذلك في حياته ﷺ وحياة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر حتى كثر المسلمون فقطعه عنهم، فكلمه في ذلك أبو سفيان بن حرب وكان معهم، فقال عمر: قد أغنى الله عنك وعن أصحابك فأعز الإسلامَ وأهلَه. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الجلال السيوطي عند قول الله : ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾؛ أي الصدقة من جاب، وقاسم، وكاتب، وحاشر، والمؤلفة قلوبهم ليسلموا أو يثبت أو يسلم نظراؤهم أو يذبوا عن المسلمين أقسام، والأول والآخر لا يعطيان اليوم عند الشافعي لعز الإسلام، بخلاف الآخَرَيْنِ فيعطيان على الأصح. انتهى. وأشار إلى المصنف الخامس من الأصناف الثمانية بقوله: ورقيق مؤمن يعني أن من الذين تصرف لهم رقيق أي إعتاق رقيق، بشرط أن يكون مؤمنا ففيه حذف مضاف فهو كقوله: "وراكد يغتسل فيه"، ولا فرق بين الرقيق المعيب وغيره عند ابن القاسم، خلافا لأصبغ القائل بعدم إجزاء الرقيق المعيب، وعليه رد المصنف بالمبالغة في قوله: ولو بعيب، قال الشارح: والأول أظهر لأن المعيب أحوج إلى الإعانة، وقوله: "ورقيق مؤمن"، هو المراد بقول الله : ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، ومعناه عندنا الرقيق يشترى من الزكاة. ويعتق، فقوله: منها، أي من الزكاة متعلق بيشترى مقدرا كما أشرت إليه في الحل، وهو الذي يدل عليه

стр. 2117

تقرير الشارح، فإنه قال عند قوله "يعتق منها": أي يشترى منها ويعتق وهو ظاهر، وقوله: "يعتق"، يحتمل كونه حالا وهو قول الخرشي، ويصح أن يكون صفة ثانية لرقيق. وعلم مما قررت أنه لابد أن يشترى الرقيق من الزكاة ويعتق، وأما لو أعتق رقيقا لم يشتره من الزكاة ونوى به الزكاة فإنه لا يجزئه، وقال الأمير: وهل لابد أن يشترى منها أو يكفي عتق من عنده؟ خلاف حكاه الرماصي، وإيضاح كلام المصنف أن من مصارف الزكاة رقيقا مؤمنا وكيفية ذلك أن يشتري الوالي أو من ولي زكاة نفسه بمال الزكاة رقيقا مؤمنا ويعتقه، وبنى المصنف يعتق للمجهول للإشارة إلى أنه لا فرق بين أن يعتقه الإمام والمتصدق، وما فسر به المصنف الرقبة من أن معناها أن يشترى بالزكاة رقيق ويعتق هو المشهور، وقيل: المراد بذلك إعانة المكاتبين في آخر كتابتهم بما يعتقون. قاله الشارح. وقوله: "مؤمن"، هو المشهور؛ لأنها تقوية للمسلمين فلا يُقَوَّى بها كافر. ابن الحاجب: بشرط الإسلام على المشهور، وفي إجزاء المعيبة قولان، وقوله: "ولو بعيب"، نكره ليشمل الخفيف وغيره، كالعمى والزمانة، ورد المصنف بلو قول أصبغ بعدم اغتفار العيب مطلقا، وقول ابن القاسم باغتفار الخفيف فقط، وما اختاره المصنف وهو قول ابن حبيب باغتفار العيب مطلقا عزاه اللخمي لمالك وأصحابه، ونقله الباجي عن ابن حبيب عن مالك وأصحابه. قاله محمد بن الحسن. فقد اقتصر عليه المصنف، وقوله: "ورقيق مؤمن"، قال عبد الباقي: وظاهر المصنف ولو هاشميا وهو كذلك فيما يظهر. انتهى. قال محمد بن الحسن: أي كما لو تزوج هاشمي أمة غيره فولده هاشمي رقيق لسيدها، وقوله: وهو كذلك غير صحيح، لما تقدم أن كونه غير هاشمي شرط في الجميع، نص عليه ابن عبد السلام. انتهى. وقوله: "منها"، قد مر الكلام على أنها متعلقة بيشترى مقدرة، وفي حاشية الرماصي ما يخالف ذلك كما مرت الإشارة إليه، ونصه: عبارة أهل الذهب يشترى ويعتق، وحاد المؤلف عن تلك العبارة فَعَمَّمَ لقول أبي الحسن سَوَّى اللخمي بين شرائه منها وعتق المالك له بقيمته عن زكاته، ويدخله ما يدخل من أخرج عن زكاته عرضا، وقد يقال: هذا أخف لأن الرقبة مما تصرف فيه الزكاة وهو ظاهر، وبهذا يندفع قول الأجهوري: أخل المؤلف بقيد؛ وهو أن يشترى فلا يجزئ أن يعتق ما ملكه بغير شراء منها. وقال الرصاع في قول ابن عرفة شراء

стр. 2118

الرقيق يعتقون: تأمل قوله شراء فلو كان عنده عبد فأعتقه عن الزكاة فليس من الرقاب، وقد وقع ما يوهم الخلاف فيه. انتهى. وعلى هذا التقرير تكون "منها"، متعلقة بيعتق. لا عقد حربة فيه؛ يعني أنه يشترط في الرقيق الذي يشترى من الزكاة ويعتق أن يكون لا عقد حرية فيه؛ أي يشترط فيه أن لا يكون ذا شائبة حرية من كتابة أو تدبير أو إيلاد أو عتق لأجل أو تبعيض. وفي النوادر: ومن ابتاع مدبرا أو مكاتبا فأعتقه، فعلى قول مالك الأول: لا يجزئه ويرد، وعلى الآخر لا يجزئه ولا يرد، وكلام المصنف يحتمل الرد وعدمه؛ إذ ليس فيه تعرض لرد العتق وعدمه وإنما فيه التعرض لعدم الإجزاء. كما قاله عبد الباقي عن الشيخ سالم. وانظر لو اشتراه على وجه يعتق فيه بمجرد الشراء كقوله: إن اشتريته فهو حر عن زكاتي، هل يجزئ أم لا؟ والظاهر الأول، واستظهر بعض مشايخي الثاني، وينبغي فيه جري التأويلين الآتيين في قوله: وفي إن اشتريته فهو حر عن ظهاري تأويلان، فإن دفعها للحاكم فاشترى بها من يعتق على الدافع بالشراء وأعتقه الحاكم جاز لأنه فك رقبة والولاء للمسلمين. قاله اللخمي. كما في أحمد، وهو ظاهر لأن شراءه كالحكم، ولأنها دخلت في ذمته بإعطائها له، فشراؤه اجتهاد وحكم، ولذا بنى المصنف يعتق للمجهول ليفيد أنه لا فرق بين أن يعتقه الإمام أو المتصدق، ولا يقاس عليه ما إذا اشترى به المزكي من يعتق عليه بنفس الشراء لأنه قياس فاسد لوجود النص، بخلافه لنقل الجزولي عن مالك المنع، والفرق ظاهر مما تقدم. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني وشرح عبد الباقي. وقال ابن الحاجب: وفي المكاتب والمدبر والمعتق بعضه، ثالثها إن كمَّل عِتقَه أجزأ وإلا فلا. انتهى. ووولاؤه للمسلمين؛ يعني أن هذا الرقيق الذي أعتق من الزكاة ولاؤه للمسلمين وليس للمزكي؛ لأن المال للمسلمين فالولاء لهم، وإن اشترط المزكي الولاء لنفسه فالشرط باطل والزكاة مجزئة والولاء للمسلمين. وإن اشترطه له؛ الضمير في له للمزكي، واللام فيه بمعنى: عن، والضمير البارز في الفعل -أعني اشترطه- عائد على العتق، والمستتر عائد على المزكي والجملة شرطية استينافية، وجوابها قوله الآتي: لم يجزه؛ يعني أن الشخص إذا اشترى من الزكاة رقيقا وأعتقه، واشترط أنه معتق له عن نفسه: فإنه لا يجزئه، وصورة هذا أن يقول: أنت حر عني وولاؤك للمسلمين، فلا يجزئه العتق

стр. 2119

عن زكاته الواجبة عليه، ولكن يمضي عتقه ويكون الولاء له أي للمعتق نفسه؛ لأن الولاء لمن أعتق، وقوله: "وإن اشترطه له"، هذا هو المشهور، وقال أشهب: يجزئه وشرطه باطل وولاؤه للمسلمين، وجعل اللخمي المسألة على ثلاثة أوجه، فقال: من اشترى رقبة من زكاته ثم قال: هي حرة عن المسلمين وولاؤها لي كان ولاؤها للمسلمين وشرطه باطل وهو مجزئ عنه، واختلف إذا قال: حر عني وولاؤه للمسلمين، ثم ذكر القولين واختار الإجزاء، ثم قال: ولو كان له عبد يملكه، فقال: هو حر عني وولاؤه للمسلمين لم يجزه قولا واحدا. قاله الحطاب. وجعلي قوله: "وإن اشترطه"، شرطا وجوابه: "لم يجزه"، هو الصواب كما قاله الرماصي. ونصه: والصواب أنه شرط، جوابه: لم يجزه، والضمير للعتق، وعليه الشراح كلهم، قال في المدونة: وإن أعتق عن نفسه أعاد ولم يجزه؛ لأن الولاء له، وأما جعله مبالغة ويكون الضمير البارز في الفعل للولاء فإنه -وإن كان صحيحا في نفسه- لا يلتئم مع ظاهر المصنف؛ إذ يصير قوله: "أو فك أسيرا"، محذوفة منه أداة الشرط. أو فك أسيرا، قوله: "أو فك" عطف على اشترطه؛ يعني أن من فك بزكاته أسيرا من المسلمين في أيدي العدو لا تجزئه زكاته، والفك ماض، وهذا هو المشهور، ومقابله لابن حبيب قائلا: هو أحق وأولى من فك الرقاب التي بأيدينا، ووافقه ابن عبد الحكم، قال الحطاب: ولو أخرجها فأسر قبل صرفها جاز فداؤه بها، ولو افتقر لم يعطها، وفرق بعودها له وفي الفداء عادت لغيره. قاله في الشامل. ونقله ابن يونس. انتهى. قال محمد بن الحسن: هذا لابن عبد الحكم، ومذهبه جواز فك الأسير بالزكاة مطلقا كالعتق فهو مقابل، وبهذا يسقط تنظير الشيخ سالم، هل هذا وفاق أو مقابل؟ ولو أطلق أسير بفداء دين عليه أعطي اتفاقا لأنه غارم. قاله ابن عرفة. عن ابن حارث. نقله الحطاب. قال: ونقله ابن فرحون في شرح ابن الحاجب، ونصه: قال أبو علي ابن قداح: وأما إن قاطع الأسير على نفسه وخرج إلى أرض المسلمين وطلب منهم، فإنه يعطى من الزكاة لأنه غارم، والظاهر أنه إذا أطلق في بلاد الكفار وطلبها من المسلمين المتأخرين (١) في تلك البلاد أنه يعطى، كما يؤخذ من لفظ ابن عرفة، ومن

стр. 2120

التعليل بأنه غارم. قاله الحطاب. ولا تصرف في كفن ميت، ولا بناء مسجد، ولا لعبد، ولا لكافر -كما مر- ولا لقاض، ولا لإمام مسجد، ولا لفقيه، ولا لقارئ لأن رزقهم من بيت المال، فعلى هذا التعليل إذا انقطع ذلك عنهم من بيت المال يجوز صرفها لهم. قاله الحطاب. وظاهره أنهم يعطون وإن كانوا أغنياء، قال محمد بن الحسن: وليس بصحيح لأن آية الصدقة محكمة لم ينسخها شيء بإجماع، قال في المعيار: ولا يجوز إعطاء الزكاة لأهل الفقه أو الجاه أو غير ذلك، وإنما تعطى كما أمر الله للفقراء والمساكين، وقد مر هذا وقد مر أنه نقله الجنان عن الحفيد، وأنه ليس هو المذهب، وأنه لا تجوز الفتوى به على أن الحفيد إنما حكى الخلاف فقط، ولم يقل: الإعطاء هو المذهب ولا رجحه، قال عبد الباقي: وأشعر قوله: "أو فك أسيرا"، بجواز دفعها لمن اشتراه من الكفار بفداء في ذمته -أي الأسير- وهو كذلك لأنه غارم. انتهى. وقد مر هذا عن الحطاب وهو متفق عليه، وبما قررت علم أن قوله: لم يجزه، جواب الشرط، فهو راجع للمسألتين، أعني قوله: "وإن اشترطه له"، وقوله: "أو فك أسيرا"، وقد مر أن الأسير إذا أطلق بدين عليه فإنه يعطى من الزكاة؛ لأنه غارم، وظاهر ذلك أنه يشمل زكاة نفسه وزكاة غيره، وبه صرح عبد الباقي. وأشار إلى المصنف السادس بقوله: ومدين. وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾؛ يعني أن من مصارف الزكاة المدين فيعطى منها ما يوفي دينه، والمدين من عليه دين بفتح الدال؛ وهو ما أجل كالمدينة بالكسر، وجمع الدين أَدْيُنٌ وَدُيُونٌ ودنته بالكسر، وأدنته: أعطيتة إلى أجل، ورجل داين ومدين ومديون ومدان وتشدد داله: عليه دين أو كثيرة، وادان وأدان واستدان وتدين: أخذ دينا، ورجل مديان: يقرض كثيرا ويستقرض كثيرا ضد، ويشترط في الدين الإسلام والحرية وعدم بنوة لهاشم كما في الفقير. ولو مات؛ يعني أن الزكاة تصرف للمدين فيقضى بها دينه حيا كان أو ميتا، وقوله: "ولو مات" هو قول ابن حبيب وهو الأصح، وقال محمد: لا يقضى منها دين الميت، وعليه رد المصنف بلو، وقوله: "ولو مات"؛ أي لأن الميت أحق بالقضاء، وكان امتناعه ﷺ من الصلاة على المدين قبل نزول الآية؛ يعني آية الصدقة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. الآية. ثم

стр. 2121

صار قضاؤه على السلطان. يحبس فيه، الجملة صفة لمدين، والضمير المجرور بفي عائد على الدين؛ يعني أنه يشترط في إعطاء الزكاة للمدين أمور ثلاثة: أحدها أن يكون هذا الدين يحبس فيه؛ أي شأنه أن يحبس فيه الدين، فيدخل دين الولد على والده فتدفع الزكاة للوالد ليقضي بها دين ولده، وإن كان الولد لا يحبس والده؛ لأن الدين دين لآدمي، وذلك شأنه أن يحبس فيه، وإنما منع من الحبس هنا مانع العقوق. والله سبحانه أعلم. وفي الفيشي على العزية: أنه لا يعطى الوالد من الزكاة ليقضي دين ولده، ويدخل أيضا في قوله: "ومدين"، الدين على المعدم الثابت عدمه؛ لأن شأنه أن يحبس فيه كدين الولد على والده، إلا أنه عرض عن الحبس عارض الأبوة، وعارض العدم في المعدم الثابت عسره، واحترز بقوله: "يحبس فيه"، عن دين الكفارات والزكاة، فإنه لا يحبس فيهما كما في الشارح في الصغير، وقيل: إنها تعطى لن ترتب في ذمته دين زكاة وكفارة. قاله الشيخ ميارة. وقال الإمام الحطاب: وانظر قوله: إن دين الزكاة لا يحبس فيه مع ما نقله صاحب الشامل وغيره، ونصه: وإن عرف بمنعها ولم يظهر له مال حبس. انتهى. وقال غير واحد: إنه لا يعارضه كما ظنه الحطاب؛ لأن حبسه ليس لدين الزكاة، وإنما هو لامتناعه من إخراج ما وجب عليه من الزكاة زمن وجوبه، كما قالوا في امتناع الوالد من إنفاقه على ولده إنه يحبس لامتناعه من النفقة. انتهى. قال محمد بن الحسن: وفيه نظر، والظاهر ما ذكره الحطاب كما يدل عليه ما تقدم عند قوله: "لا بدين كفارة أو هدي"، وبه تعلم أن الأولى لو عبر بكونه دين آدمي. انتهى. والذي أشار إليه هو كلام أبي عبد الله بن عقاب من أكابر أصحاب ابن عرفة، قال: دين الزكاة ودين الكفارة يطالب بهما الإمام، ونقل ذلك عن اللخمي والمازري، ونص اللخمي: الذي يقتضيه المذهب أن الكفارة مما يجبر الإنسان على إخراجها ولا توكل إلى أمانته، وهذا هو الأصل في الحقوق التي في الأموال، فمن كان لا يؤدي زكاته أو وجبت عليه كفارات أو هدي فامتنع من أداء ذلك فإنه يجبر على إنفاذه. وقاله ابن المواز فيمن وجبت عليه كفارات فمات قبل إخراجها أنها تؤخذ من تركته. انتهى. واستظهر الحطاب أن المُصَادَرَ غارم، قال الأجهوري: كالمتعقب له. وقد مر أن المشهور أن الأسير لا يفك بالزكاة، وأشار إلى الأمر الثاني بقوله: لا في فساد؛ يعني

стр. 2122

أنه يشترط في إعطاء الزكاة للمدين مع ما مر أن يكون تداين هذا الدين في غير معصية، وأما إن تداينه -أي تحمله- في معصية وهي المراد بالفساد كزنى وشرب خمر وقمار، فإنه لا يعطى منها، وكذا لا يعطى منها من أنفق ماله فيما لا يجوز؛ لأنه يصرفه في مثل ما صرف الأول إلا أن يتوب أو يخاف عليه. قاله الشيخ إبراهيم. ونحوه لعبد الباقي، ونسبه للخمي، وأشار إلى الثالث بقوله: ولا لأخذها؛ يعني أنه لا يعطى من الزكاة من كان عنده كفاية سنة، فاتسع في الإنفاق بالتداين لأجل أن يعطى من الزكاة لأنه تحيل وقصد ذميم فعومل بنقيضه، بخلاف ما إذا كانت عنده ضرورة أي حاجة غير الاتساع، فاستدان لها ناويا أداءها من الزكاة فلا يمنع منها لأنه قصد صحيح، فيوفى له بقصده بأن يعطى منها. قاله عبد الباقي. إلا أن يتوب، راجع لقوله: لا في فساد؛ يعني أن الشخص إذا تداين في فساد وتاب فإنه يعطى من الزكاة، قال الشارح مفسرا للمصنف: أي فلو تاب من تداين في فساد، كما إذا اشترى من أهل الذمة خمرا بدين في ذمته فإنه يعطى، ولم يحك بعض الأشياخ غيره، وأطلق ابن شأس الخلاف فيه، وحكى اللخمي جواز الإعطاء عن ابن عبد الحكم إذا حسنت حالته واستقربَهُ ابن عبد السلام؛ لأن المنع كان لحق الله تعالى، وهو مما تؤثر فيه التوبة، وإليه أشار بقوله: على الأخص. ومقابله ما تقدم عن ابن شأس فإنه أطلق الخلاف ولم يقيده بالتوبة؛ أي فلا يعطى منها إن تداينه في فساد تاب أم لا، وفيه الخلاف أنه يعطى منها تاب أم لا. وتقدم أن الاستثناء راجع للأول وهو قوله: "لا في فساد"، وهل يجري في الثانية أو يقال التداين لأجل أخذ الزكاة ليس محرما حتى يحتاج إلى التوبة؟ قاله الشيخ أحمد. وعليه فمن تداين على الوجه المذكور لا يعطى منها بحال. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وقد يقال: يمكن رجوعه للثانية أيضا؛ لأنه لما تداين وعنده كفايته كان سفها، والسفه حرام. انتهى. وعلم مما قررت أنه يشترط في الدين الذي تستحق الزكاة من أجله ثلاثة شروط: أن يكون لآدمي، وأن يتداين في غير معصية، وأن لا يتداين لأخذ الزكاة. وذكر شرط دفع الزكاة للمدين الذكور بقوله: إن أعطى ما بيده من عين؛ يعني أن الزكاة إنما تدفع للمدين بشرط أن يعطى ما بيده من العين فعلا أو تقديرا كعشرين وبقي عليه مثلها فتدفع من الزكاة ليوفي بها بقية دينه.

стр. 2123

وفضل غيرها؛ يعني أنه كما يشترط أن يعطي ما بيده من العين، يشترط أيضا أن يعطي ما بيده من الفاضل عما لابد له منه من غير العين حيث كان فيه فضل، كما إذا كان الدين الذي عليه ألفين وله دار وخادم يساويان ثلاثة آلاف، ويكفيه استبدال غيرهما بألفين فيباعان وَيُعْطَى الألف في دينه، ويعطى من الزكاة الألف الأخرى، ويكفي الاستبدال بما يصلح للسكنى والخدمة، وكذا المركوب وإن لم يناسب حاله كما هو ظاهر عباراتهم، فإن ساوى الفاضل دينه لم يعط من الزكاة بوصف الدين. قال ابن عرفة: صار فقيرا لا غارما. انتهى. وقوله: "إن أعطى ما بيده من عين وفضل غيرها"، اعلم أن الذي حوم عليه المصنف بهذا الكلام، أن المدين الذي تدفع له الزكاة يقابل ما عنده مما يباع على المفلس بدينه، فإن لم يف بدينه قضى من الزكاة ما بقي من دينه، وإن وفى بدينه لم يعط من الزكاة على أنه مدين، وأما ما يترك للمفلس فلا يؤخذ منه بل يبقى له، ويصير فقيرا تدفع له الزكاة بوصف الفقر، وقال الأمير: ومدين آدمي لا يجد ما يدفعه مما يباع على المفلس، وهو معنى قول الأصل: "إن أعطى ما بيده" لخ، وليس بلازم الدفع بالفعل، كما أفاده شيخنا، قال: ومما يباع على المفلس دار سكناه، وليسكن بالكراء، وكتب طالب العلم ينتفع بها كآلة الصانع. انتهى. وتقدم أنه يشترط في المدين: الإسلام، والحرية، وعدم بنوة لهاشم، وفي كلام الأجهوري نظر، حيث قال: والظاهر أن الدين يعطى منها لدينه ولو كان هاشميا؛ إذ لا مذلة عليه في ذلك، ولأن مذلة الدين أعظم من مذلة إعطاء الزكاة في دينه. انتهى. إذ هذا لا يقاوم حرمتها على بني هاشم، ويرد كلام الأجهوري ما تقدم عن القرافي وغيره المنقول في الحطاب. وقال عبد الباقي: ومن المدين المصادر من ظالم إن فكه منه شخص بدين في ذمة المصادر بالفتح، قياسا على ما مر في دفعها لأسير فك من الكفار بدين في ذمته، فكل منهما غارم بخلاف الفاك بها نفسها من الكفار والظالم فلا تجزئ. انتهى. وقد مر أن إعطاء ما بيده من العين وفضل غيرها بالفعل ليس بشرط، بل يكفي التقدير، ذكره الخرشي والأمير، وأشار إلى المصنف السابع المذكور، بقول الله : ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، بقوله: ومجاهد؛ يعني أن المجاهد في سبيل الله من مصارف الزكاة، والمجاهد هو الغازي فتصرف له فيما ينتفع به في غزوة من نفقة وغيرها قال عبد الباقي عند قوله

стр. 2124

"ومجاهد": أي وجب عليه الجهاد لكونه حرا مسلما ذكرا قادرا، والراد به المتلبس، ولا ينافيه أنه إن جلس نزعت منه -كما يأتي- لأنه كلام على الحكم بعد الوقوع، والظاهر أن التلبس به يحصل بالشروع فيه أو في السفر، حيث احتيج له، ويدخل فيه الرابط التلبس بالرباط. انتهى. قوله: والمراد به المتلبس بالغزو، قال محمد بن الحسن: مثله في التوضيح، وهو غير ظاهر، وفي المواق عن ابن عرفة: تعطى لن عزم على الخروج. تأمله. انتهى. وكلام التوضيح الذي أشار إليه هو قوله: تنبيه: لا يعطى الغازي إلا في تلبسه بالغزو، فإن أعطي برسم الغزو فلم يغز استرد، نص عليه اللخمي وغيره. انتهى. وقوله: "ومجاهد"، ولابد من أن يكون غير هاشمي -كما مر- وآلته؛ يعني أن الزكاة يشترى بها للمجاهد ما يحتاج إليه من آلة الحرب من سيف ورمح وغيرهما، وذهب أحمد بن حنبل إلى أن المشار إليه بقول الله : ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الحج، والمراد به عندنا الجهاد؛ لأن هذا اللفظ إذا أطلق يتبادر منه إلى الذهن الغزو. قاله في التوضيح. وقوله: "وآلته"، من عطف على مجاهد أي ومصرف الزكاة مجاهد وآلته. ولو غنيا؛ يعني أن الزكاة تصرف في المجاهدين ولو كانوا أغنياء، هذا هو المشهور، ومثله في المدونة. وفي الحديث عنه ﷺ : (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة، وذكر منها الغازي)، ورد المصنف بلو قول ابن دينار: إن كان معه في غزوة ما يغنيه وهو غني ببلده فإنه لا يأخذ منها. انتهى. واعلم أنه يشترى من الزكاة خيل وسلاح، ويبعث ذلك لمن يغزو به، وقال اللخمي: ابن عبد الحكم: وفي صلح العدو، ونقله ابن عرفة، وقبله الشيخ بهرام، والشيخ زروق في شرح الإرشاد وضيرهم. قاله الحطاب. وقوله: "ولو غنيا"؛ أي بشهادة حال، أو علم بمال. وفي التوضيح أن المجاهد الغني من أهل الزكاة، قال: لأنا لو اشترطنا عدم الغازي لدخل في القسم الأول -يعني الفقراء- ولأنه ﵊ استثنى الغازي من الغني الذي تحرم عليه الصدقة، إلا أن مالكا والشافعي كرها ذلك للغني، ولعله على طريق الأولى. انتهى. كجاسوس؛ يعني أن الجاسوس وهو الذي يرسل للإطلاع على أخبار العدو ويعلمنا بذلك لنكون على بصيرة، يعطى من الزكاة لسعيه في مصالح المسلمين، فهو في معنى المجاهد، ويشترط أن لا

стр. 2125

يكون هاشميا، وبهذا التفسير فسره الخرشي، فقال: وهو شخص يرسله الإمام ليطلع على عورات العدو ويعلم حالهم، ثم يعلمنا بذلك لنكون على بصيرة؛ وهو من قولهم: جسست الخبر وتجسسته فحصت عنه، ثم إن الجاسوس يعطى من الزكاة ولو كافرا، ووقع في عبارة غير واحد أن الجاسوس يعطى من الزكاة ولو هاشميا كافرا؛ لأن الكفر منع حرمته فيعطى أوساخ الناس، بخلافه إن كان جاسوسا مسلما، فيشترط أن لا يكون هاشميا. انتهى. قال محمد بن الحسن: وهو غير صحيح؛ إذ لا يتصور ذلك إلا مرتدا وهو لا يقر على ردته. لا سور؛ يعني أن الزكاة لا تصرف في السور المتحفظ به من الكفار، فلا يبنى منها وهذا هو المشهور، وقال محمد بن عبد الحكم: تبنى منها حصون المسلمين. انتهى. والسور هو البناء المحيط بالقرية، وهو من أعظم الحصون، ولا يطمع العدو في القرية بحسب العادة ما دام سورها حصينا، وحكى ابن الحاجب في السور قولين، قال في التوضيح: والمشهور المنع، وقد علمت أن مقابل المشهور قول ابن عبد الحكم. ومركب؛ يعني أن الزكاة لا تصرف في عمل مركب يركب فيه المسلمون ويقاتلون فيه الكفار، وهذا هو المشهور، وقال محمد بن عبد الحكم: يعمل منها -أي الزكاة- المركب للغزو، ويدفع منها أجر النواتية. قاله الشارح. وإنما لم تصرف الزكاة في السور، وإن كانت القرية لا يطمع فيها العدو حيث لم يختل سورها وفي المركب للغزو لأن منفعتهما أعم مما هو المقصود الآن. قاله الشبراخيتي. ولا تصرف الزكاة في عمارة المساجد وبناء القناطر وتكفين الموتى، وما تقدم من أن قول ابن عبد الحكم تبنى منها حصون المسلمين، ويعمل منها المركب في الغزو، ويدفع منها أجر النواتية مقابل للمشهور هو الذي قاله الشارح، ومثله للمصنف في التوضيح. وقال محمد بن الحسن: إن قول ابن عبد الحكم لم ينقل اللخمي غيره، واستظهره في التوضيح، وقال ابن عبد السلام: هو الصحيح، ولذا اعترض المواق المصنف وقال: إنه لم ير المنع لمن قبل ابن بشير فضلا عن تشهيره. وأشار إلى المصنف الثامن بقوله: وغريب محتاج لما يوصله؛ يعني أن الغريب -أي الذي تغرب عن وطنه- من المستحقين للزكاة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾، فتعطى له الزكاة بشروط ثلاثة: أحدها أن يكون محتاجا لما يوصله إلى بلده، فلو كان

стр. 2126

معه ما يوصله إلى بلده لم يعط منها حيث كان غنيا ببلده، وإلا فسيأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى، ثانيها أشار إليه بقوله: في غير معصية؛ يعني أنه يشترط في إعطاء الزكاة للغريب أن يكون قد تغرب في غير معصية، فلا يعطى مسافر لمعصية، كقتل إنسان ظلما، وهتك حرمة لا فيه من إعانة على الفساد. وبما قررت علم أن متعلق قوله: "يوصله"، محذوف تقديره، لبلده، وأن قوله: "في غير معصية"، متعلق بقوله: "وغريب"، وقد مر أنه إذا تغرب في معصية لا يعطى من الزكاة، قال عبد الباقي: ولو خيف عليه الموت في بقائه إلا أن يتوب فيعطى منها، ولو لم يخف عليه الموت بعد التوبة كما استظهره بعض أشياخ علي الأجهوري، وهذا كله حكم العاصي بسفره، وأما العاصي فيه فلا ينبغي أن يمنع إعطاؤه كما في التيمم والقصر، وظاهر قوله: "محتاج لما يوصله"، أنه غير محتاج لا ينفقه؛ وهو كذلك، فإن احتاج لما ينفقه أعطي أيضا، وانظر هل مطلقا أو يجري فيه قوله: ولم يجد مسلفا؟ انتهى قوله: ولو خيف عليه الموت في بقائه، قال محمد بن الحسن: فيه نظر لقول اللخمي: لو كان في سفر معصية لم يعط إلا أن يتوب أو يخاف موته. نقله ابن عرفة. وتقدم للزرقاني عنه مثله فيمن تداين لفساد، لكن نقل أبو علي عن التبصرة ما يفيد تفصيلا، ونصها: ولا يعطى منها ابن السبيل إن خرج في معصية وإن خشي عليه الموت نظر في تلك المعصية، فإن كان يريد قتل نفس أو انتهاك حرمة لم يعط، ولا يعطى منها ابن السبيل ما يستعين به على الرجوع إلا أن يكون قد تاب، أو يخاف عليه الموت في بقائه إن لم يعط. ففصل بين المسير والرجوع وهو ظاهر. انتهى. وقوله: "وغريب"؛ أي ولا بد أن يكون حرا مسلما غير هاشمي. وقوله: "محتاج لما يوصله في غير معصية"، هذان الشرطان وجوديان، وثالث الشروط عدمي، وإليه أشار بقوله: ولم يجد مسلفا وهو ملي ببلده؛ يعني أن ابن السبيل إنما تعطى له الزكاة حيث لم يجد مسلفا، أو وجد من يسلفه ما يوصله لبلده لكنه معسر في موضعه، وأما إن وجد من يسلفه ما يوصله لبلده وهو ملي في بلده فلا تعطى له الزكاة، فالصور ثلاث، فالمنطوق صورتان، والمفهوم صورة واحدة، وقال أصبغ عن ابن القاسم: يعطى منها الغازي وابن السبيل

стр. 2127

وإن كانا غنيين بموضعهما ومعهما ما يكفيهما، ولا أحب أن يقبلا ذلك، فإن قبلا فلا بأس، قال أصبغ: أما الغازي فلا بأس أن يعطى وإن كان مليا وهو له فرض، وأما ابن السبيل فلا يعطى إذا كان معه ما يكفيه لأنه حينئذ لا يعد من أبناء السبيل، قال ابن القاسم: وابن السبيل هو الذي في غير بلده، وقد فرغت نفقته، وليس معه ما يتحمل به إلى بلده، وإن كان في غير غزو ولا تجارة فهو ابن السبيل كائنا مَّا (١) كان من المسلمين. انتهى. قاله الخطاب. وصدق؛ يعني أن من ادعى أنه ابن السبيل ليعطى من الزكاة يصدق في ذلك؛ أي يصدق في أنه غريب ويعطى من الزكاة، وظاهره أنه يصدق بغير يمين. قاله غير واحد. وإن جلس نزعت منه؛ يعني أن الغريب المحتاج لا يوصله لبلده إذا وهبت له الزكاة وجلس ولم يسافر، فإنها تنزع منه إن كانت باقية، كما يشعر به تعبيره به بنزعت، فإن ذهبت لم يرجع عليه بها، ولكن مقتضى التعليل بأنه أخذها لشيء ولم يحصل اتباعه بها دينا عليه، ويجري مثل ذلك في قوله: "كغاز"، وفهم من قوله: "وإن جلس نزعت منه"، أنه معه شيء ينفقه، وأما إذا لم يكن معه شيء ينفقه فإنه فقير، فلا ينزع منه ما يستحقه بوصف الفقر. قاله اللخمي. وقال أيضا: من أخذ زكاة لفقره لم يردها إن استغنى قبل إنفاقها. قاله الخطاب وقوله: "وإن جلس نزعت منه"، قال الشبراخيتي: إلا أن يسوغ له الأخذ من الزكاة لأجل الفقر، وقال الأجهوري: وإن كان محتاجا لا ينفقه فإنه يعطى بوصف الفقر، وسيأتي عند قول المصنف "وتفرقتها بموضع الوجوب أو قربه"، التصريح بأن ابن السبيل إذا كان فقيرا يعطى من الزكاة ويكون من فقراء البلد، وليس ذلك من نقل الزكاة، والسفر لأجل الزكاة سفر معصية على ما نص عليه العلماء، ولا تجزئ دافعها إن علم. نقله ابن عبد الصادق عن الأخضري الكبير. والله سبحانه أعلم. كغاز؛ يعني أن الغازي إذا دفعت له الزكاة، ثم إنه جلس ولم يغز فإنها تنزع منه. الشبراخيتي: وتعبيره في ابن السبيل بنزعت يقتضي أنها باقية، فلو ذهبت لم يرجع عليه بها، وهذا بخلاف الغازي فإنها تنزع منه إذا كانت موجودة، وتكون عليه إن تلفت؛ لأن الغزو في معنى المعاوضة.

стр. 2128

انتهى. ونحوه للأجهوري، وقوله: "وإن جلس نزعت منه كغاز"، محل نزعها منهما ما لم يكن ذلك القدر الذي أخذا يسوغ لهما لفقرهما، وإلا فلا ينزع منهما كما في الخرشي. وقال الخطاب: قال اللخمي: ومن أخذ زكاة لفقره لم يردها إن استغنى قبل إنفاقها، ثم ذكر الغازي وابن السبيل كما قال المصنف، وقال فيه: إلا أن يكون ذلك القدر يسوغ له لفقره، وإن لم يكن ابن السبيل. انتهى. والظاهر أن الغازي كذلك. قاله جامعه والله أعلم. وفي غارم يستغني تردد؛ يعني أن الغارم. -أي المدين- إذا استغنى قبل دفع الزكاة في دينه، فإن اللخمي تردد في أمره أي توقف فيه، ونصه على ما نقله الخطاب: وفي الغارم يأخذ ما يقضي به دينه قبل أدائه إشكال، ولو قيل تنزع منه لكان وجها، ونقله المواق وغيره فالتردد هنا للخمي وحده. قاله غير واحد. فقوله: "وبالتردد"،: لتردد المتأخرين، قد تقدم في شرح الخطبة أن المراد جنس المتأخرين، فيصدق بالواحد كما هنا، ويتبين من كلام اللخمي أنه اختار أنها تنزع فلا وجه لحكاية التردد، وكان المناسب أن يقول: واختار أخذها من غارم يستغني. قاله الشبراخيتي. وقال الأمير: فإن جلس نزعت. اللخمي: كغارم يستغني، وتعقب ما في الأصل من التردد. انتهى. وقال عبد الباقي: والمعتمد نزعها من غارم يستغني قبل دفعها في دينه. انتهى. وقال الأجهوري بعد ما نقل كلام اللخمي ما نصه: فقد اختار أنها تنزع منه، فلا وجه لحكاية التردد، فكان المناسب أن يقول: واختار أخذها من غارم استغنى، وقال التردد للخمي وحده، فتحصل مما مر أنها تنزع من الغارم يستغني. وندب إيثار المضطر؛ يعني أنه يندب لمتولي تفرقة الزكاة مالكا أو غيره أن يوثر المضطر؛ أي يفضله في الإعطاء على غيره، فيوثر المسكين على الفقير، قال في المدونة: ومن لم يجد إلا صنفا واحدا مما ذكر الله تعالى في كتابه أجزأه أن يجعل زكاته فيهم، وإن وجد الأصناف كلها آثر أهل الحاجة منهم، وليس في ذلك قسم مسمى. انتهى. وقال في الذخيرة: إن لم يجد إلا صنفا واحدا أجزأ الإعطاء له إجماعا، وإن وجد الأصناف كلها أجزأه صنف عند مالك وأبي حنيفة، وقال الشافعي: يجب استيعابهم إذا وجدوا، واستحسنه أصبغ ليلا يندرس العلم باستحقاقهم، ولما فيه

стр. 2129

من الجمع بين مصالح سد الخلة والإعانة على الغزو ووفاء الدين وغير ذلك، ولما يرجى من بركة دعاء الجميع ومصادفة ولي فيه، وانعقد الإجماع على عدم استيعاب آحادهم. قاله الخطاب. تنبيهات: الأول: قال ابن عبد السلام: وأما إجزاؤها إذا دفعت إلى صنف واحد من الثمانية، أو إلى شخص واحد من ذلك المصنف، ففيه الاضطراب العلوم بين علماء الأمصار، والذي تسكن النفس إليه هو تعميم الأصناف بحسب الإمكان، وقد استقرئ (١) ذلك من المذهب -انتهى- فيفهم منه أن دفعها إلى الشخص الواحد من المصنف كدفعها إلى المصنف في جري الخلاف، فيكون المذهب فيه الإجزاء وهو ظاهر. قاله الخطاب. وهو ظاهر كما قال. والله أعلم. الثاني: قال اللخمي: يبدأ من الزكاة بأجر العاملين، ثم بالفقراء والمساكين على العتق؛ لأن سد خلة المؤمن أفضل من ذلك؛ لأن من حق من وجبت عليهم الزكاة ألا تصرف زكاتهم لغير الفقراء إلا بعد سد خلتهم؛ لأن صرفها إلى غيرهم يوجب عليهم المواساة لأولئك قبل العام الثاني، وإن كان هناك مؤلفة بدئ بهم لأن استنقاذهم من النار بإدخالهم في الإسلام أو تثبيتهم عليه إن كانوا قد أسلموا أفضل الأعمال، وذلك أولى من إطعام الفقير، وقد يبدأ بالغزو إذا خشي على المسلمين، ويبدأ ابن السبيل على الفقير إذا كان يدركه في بقائه، وتأخره ضرر، والفقير في وطنه أقل ضررا، وذكره القرافي وصدره بقوله: الحكم الثاني الترتيب، ولا شك أن هذا لبيان ما هو أولى أن يفعل، ولعله مراد المؤلف بقوله: "وندب إيثار المضطر"، ولم يذكر اللخمي تبدئة المساكين على الفقراء؛ لأن المشهور أن المساكين أحوج، ومعلوم أن الأحوج مقدم. قاله الخطاب. الثالث: قال سند: إن استوت الحاجة، قال مالك: يُوثِرُ الأدين ولا يَحْرِم غيره، وكان عمر ﵁ يوثر أهل الحاجة، ويقول: الفضائل الدينية لها أجور في الآخرة، والصديق ﵁ يوثر سابقة الإسلام والفضائل الدينية لأن إقامة بنية الأبرار أفضل من إقامة بنية غيرهم، لما يترتب على بقائها من المصالح. انتهى. ونحوه في النوادر، وما ذكره عن العمرين ﵄ عكس ما نقله ابن يونس وأبو الحسن وغيرهما عنهما، إلا أنهما نقلا عن عمر أنه قال: لو

стр. 2130

استقبلت من أمري ما استدبرت لقسمت ذلك قسما واحدا، ولئن بقيت إلى قابل لألحقن الأسفل بالأعلى. والله أعلم. قاله الخطاب. الرابع أطلق القرافي وابن الحاجب وصاحب الشامل وغيرهم القول بأن دفعها لصنف مجزئ، قال في التوضيح: وقيد ذلك ابن عبد السلام وابن هارون بما عدا العامل، قالا: إذ لا معنى لدفعها جميعا له، قال المصنف: ولعل هذا إنما هو إذا أتى بشيء له بال، وأما إن حصلت له مشقة وجاء بالشيء اليسير فينبغي أن يجوز إعطاؤه الجميع، وهو مقتضى كلام الباجي، ثم وما قاله ظاهر، وجزم به الشارح في شرحه الكبير، وقال ابن عرفة بعد ذكره الأصناف الثمانية: وصرفها في أحدها غير العامل مجزئ. انتهى. ويقيد بما قاله صاحب التوضيح، والحاصل: أنها لو دفعت لصنف واحد أجزأ إلا العامل، فلا تدفع له إلا أن تكون قدر عمله. والله أعلم. قاله الخطاب. وقال عبد الباقي: فلا تدفع إلى العامل إلا إن كانت قدر عمله. وفي التوضيح والشارح: إنما تدفع له إن كانت شيئا يسيرا لا يساوي عمله، وقال الشارح عند قوله "وندب إيثار المضطر": يعني أنه يستحب في تفريق الزكاة إيثار المضطر أي المحتاج، وكذا قال مالك: ابن القاسم: ولا يرضخ لغيرهم ممن لا يستحق الزكاة. انتهى. دون عموم الأصناف؛ يعني أنه لا يندب استيعاب الأصناف الثمانية بإعطاء الزكاة، فيجوز دفع جميعها لصنف واحد إلا العامل، فلا تدفع له إلا إذا كانت قدر عمله كما تقدم، وما ذكره المصنف يفيد أنه لا يستحب مراعاة الخلاف، وفي ذلك خلاف، والراجح منه استحباب مراعاته كما ذكره غير واحد. قاله الشبراخيتي. وتقدم أن أصبغ يقول بندب تعميم الأصناف وهو الذي رد عليه المصنف بقوله: دون عموم الأصناف، وقال عبد الباقي: ثم محل عدم ندب عموم الأصناف، إلا أن يقصد لرعي خلاف الشافعي، فيعمم لندب مراعاته كما ذكره غير واحد. انتهى. والاستنابة، عطف على قوله: "إيثار المضطر"؛ يعني أنه يندب لرب المال أن يستنيب؛ أي يوكل وكيلا يتولى عنه إخراج الزكاة ودفعها، وكره له توليها خوف قصد المحمدة أو خوف الوقوع فيها. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي في كبيره: خوف وقوع المحمدة أي حصولها غَيْرُ خوف قصدها؛ الأول محمود، والثاني مذموم، ويشهد لذلك قوله ﵊: (إذا مدح المؤمن

стр. 2131

في وجهه ربا الإيمان في قلبه (١)). انتهى. وقال الخرشي في صغيره: يعني أن الاستنابة في تفرقة الزكاة تستحب، ويكره أن يليها بنفسه خوف المحمدة والثناء، وعمل السر أفضل. ومن آدابها دفعها باليمين، ودعاء الْمُصَدِّقِ والإمام لدافعها، والصلاة عليه، وأوجبه داود. انتهى، وقد قال عياض في قواعده: ومن آداب الزكاة أن يسترها عن أعين الناس، وقد قيل الإظهار في الفرائض أفضل ونحوه لسيدي زروق، قال: إلا أن يكون الغالب تركها، فيستحب الإظهار للاقتداء به. انتهى. وقال في المدونة: ولا يعجبني أن يلي أحد تفرقة صدقة ماله خوف المحمدة والثناء، وعمل السرّ أفضل، ولكن يدفع ذلك إلى رجل ينوبه فيقسمه. أبو الحسن: قال صاحب التقريب: لا أحب، وهذا يبين أنه حمل لا يعجبني على معنى الكراهة، وأراد خوف قصد المحمدة، ولو جزم أنه قصد المحمدة لصرح بالمنع، ولو جزم أنه يسلم من ذلك لصرح بالجواز، ولابد أن يكون عالما بأحكامها ومصرفها، وإلا وجب عليه أن يتعلم ذلك أوأن يستنيب من يعلم ذلك. قاله الخطاب. تنبيهات: الأول: قال عياض في قواعده: من آداب الزكاة أن يسترها عن أعين الناس، قال: وقد قيل الإظهار في الفرائض أفضل، قال شارحه: قال ابن بطال: لا خلاف بين أيمة العلم أن إعلان صدقة الفرض أفضل من إسرارها، وأن الإسرار بصدقة النوافل أفضل من إعلانها، ثم ذكر عن ابن عطية وغيره خلافا في صدقة الفرض، لكن ضعف القول بإسرارها، ثم قال: وما بدأ به المؤلف هو القول المرجوح المطعون عليه، وإنما قدمه لأنه مذهب مالك. انتهى. قاله الخطاب. الثاني: قال الشيخ زروق في شرح القرطبية: فأما سترها فمستحب لما يعرض من الرياء إلا أن يكون الغالب على الناس تركها، فيستحب الإظهار للاقتداء. انتهى. وهذا عكس ما قال ابن عطية على ما نقل القباب، فإنه قال: كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء. انتهى. قاله الخطاب. قال: وهذا -والله أعلم- يختلف باختلاف الأحوال، فمن أيقن بسلامته من الرياء وحسن قصده في الإظهار استحب له، ومن غلب عليه خوف الرياء استحب له الإسرار، ومن تحقق وقوع الرياء وجب عليه الإخفاء والاستنابة. والله أعلم. انتهى.

стр. 2132

الثالث: عد عياض في آدابها: دفعها باليمين، وقال: ويستحب للمتصدق وللإمام الدعاء والصلاة على دافعها. انتهى. وفي الذخيرة: ولا يجب على الساعي أن يدعو لصاحب الصدقة، خلافا لداود، واستحسنه الشافعي. انتهى. وفي الجواهر: ولا يجب على الإمام ولا على نائبه أن يَدْعُوَ لصاحب الصدقة إذا أخذها منه لكن يندب إلى ذلك. انتهى. قاله الخطاب. الرابع: قال في التمهيد في شرح الحديث الثاني عشر لزيد بن أسلم لما أن قال الأعرابي لرسول الله ﷺ : (إنك لتعطي لمن شئت (١)): يحتمل أن يكون هذا من الأعراب الجفاة الذين لا يدرون حدود ما أنزل الله على رسوله، وفي هذا الحديث دليل على ما قال مالك من أن من تولى تفريق الصدقات لم يعدم من يلومه، قال: وقد كنت أتولاها بنفسي فأوذيت وتركت ذلك. انتهى. قاله الخطاب. الخامس: قال سند في الكلام على مصرف الزكاة: من دفعت إليه زكاة ليفرقها في أهلها وكان هو من أهلها، جاز أن يأخذ منها بالمعروف، قال مالك في الموازية: فيمن أعطي مالا في خروجه لحج أو غزو ليصرفه على من قطع به فقطع به هو فليأخذ منه بالمعروف، وهذا بين لأن علة الاستحقاق قائمة، فلا فرق بينه وبين غيره من المستحقين. انتهى. وما ذكر عن الموازية نحوه في كتاب النوادر في كتاب الزكاة، وفي كتاب الحج الثاني فيمن بعث معه جزاء أو فدية أو جزاء صيد أنه لا يأكل منه، قال: إلا أن يكون الرسول مسكينا فجائز أن يأكل منه، قال في الطراز في شرحه: ونظيره الكفارة والزكاة تدفع لبعض المساكين، ليفرقها على المساكين فله أن يأخذ نصيبه منها بالعدل. انتهى. وقال أبو الحسن الصغير: يؤخذ من شرح هذه المسألة أن من أعطيت له صدقة يفرقها أنه يجوز له أن يأخذ مقدار حظه إذا كان مسكينا، وهي مسألة فيها قولان، وسببها الوكيل هل هو معزول عن نفسه أم لا؟ وهل المأمور بالتبليغ داخل تحت الخطاب أم لا؟ ويقوم منه أن من جعل ماء له في العطاش أنه يشرب منه إن عطش. انتهى. قاله الخطاب. وفي رسم البز من سماع ابن القاسم: أجاز لمن بعث معه بمال في حج أو غزو ليفرقه على المنقطعين أن يأخذ منه إذا احتاج بالمعروف، والمعروف ألا يحابي نفسه فيأخذ أكثر مما يعطي غيره، واستحب له إن وجد من يسلفه أن يتسلف ولا يأخذ منه شيئا، واستحب له إذا رجع أن يعلم

стр. 2133

ربه بذلك، فإن لم يمضه وجب غرمه له، وإن فات ولم يمكنه إعلامه لم يكن عليه أن يتمحص منه؛ لأنه أجاز له الأخذ ابتداء، وإن قال له صاحبه إن احتجت فخذ جاز له أن يأخذ باتفاق مثل ما يعطي غيره، ولا يجوز له أن يأخذ لنفسه أكثر إلا أن يعلم أن صاحب المال يرضى بذلك. انتهى. قاله الخطاب. وفي رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الحبس فيمن حبس على ذوي الحاجة أنه يعطى منه ورثته إن احتاجوا. والله أعلم. قاله الخطاب. وقد تجب؛ يعني أن الاستنابة قد يعرض لها الوجوب كما إذا تحقق وقوع الرياء منه، وكالجاهل بأحكامها. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: فتجب إذا جزم بقصد المحمدة، أو جهل كيفية تفرقتها، فإن جزم بعدم قصد المحمدة ولم يخف الوقوع فيها، جاز. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقد تجب الاستنابة إذا علم من نفسه الرياء أو لا يعلم من يستحقها. انتهى. وقال الحطاب: ولابد -يعني- في الندب أن يكون عالما بأحكامها ومصرفها، وإلا وجب عليه أن يتعلم أو أن يستنيب من يعلم ذلك. انتهى. وقال عن أبي الحسن: ولو جزم أنه قصد المحمدة لصرح بالمنع، ولو جزم أنه يسلم من ذلك لصرح بالجواز. انتهى. فبقي قول الإمام لا يعجبني أن يلي أحد تفرقة صدقة ماله على ما إذا خيف قصد المحمدة. والله سبحانه أعلم. وكره له حينئذ تخصيص قريبه؛ يعني أنه يكره حين الاستنابة للنائب أي الوكيل على دفع الزكاة أن يخص بها قريب رب المال المستنيب له، وكذا إيثاره، وأما تخصيص النائب قريب نفسه فالظاهر أنه ممنوع لأنه خلاف ما استنابه عليه، بخلاف إعطائه شيئا أو أخذه هو منها بوصف الفقر، فيجوز. قاله عبد الباقي. وأما تخصيص رب المال قريب نفسه فيمنع ولا يجزئه حيث كانت تلزمه نفقته وإلا كره كما رواه ابن القاسم، وروى مطرف أنه يجوز، وروى الواقدي أن إعطاءهم أفضل. قوله: وأما تخصيص رب المال، قال محمد بن الحسن: الذي في المواق والتوضيح أن التفصيل والخلاف في الإعطاء لا في خصوص التخصيص كما يوهمه الزرقاني، تأمله. قاله محمد بن الحسن. وقوله: لأنه خلاف ما استنابه عليه، يؤخذ منه أنه لو علم من قرينة حاله أو مقاله أنه آذن في صرفها لقريب النائب كلها، لجاز للنائب تخصيص قريب نفسه بها لأجل ذلك.

стр. 2134

واعلم أنه ينبغي للشخص أن يختار لصدقته أهل الفضل والصلاح؛ لأن سد خلتهم أولى من سد خلة غيرهم، وبما قررت علم أن الضمير المجرور باللام للنائب، وأن الضمير في قريبه لرب المال، وقوله "حينئذ"؛ أي حين الاستنابة، والظرف متعلق بكره، وقد مر عن ابن القاسم على نقل محمد بن الحسن عن التوضيح والمواق أنه: يكره لرب المال إعطاء زكاته لقريبه الذي لا تلزمه نفقته، قال بعض: إنما كره إعطاء قرابته خوفا من أن يحرمهم صلة القرابة اتكالا لهم على الزكاة، قال مطرف: وحضرت مالكا يعطي زكاته قرابته. وفي شرح الشيخ ميارة أنه يعطيهم لكن يستحب أن لا يباشر ربها إعطاءهَا لَهُمْ. انتهى. وقال الشبراخيتي: وسئل ابن رشد عمن يخص قرابته بزكاته، فأجاب: إن فعل أجزأه، وإن وجد أحوج منهم فالاختيار أن لا يخصهم، وقال أبو الطيب: إعطاء القرابة أولى ممن يساويهم في الفقر. انتهى. وقال ابن الحاجب: فإن كانوا قرابة لا تلزمه نفقتهم وليسوا في عياله، فثلاثة الجواز والكراهة والاستحباب، قال في التوضيح، الكراهة للمدونة، قال فيها: وأما من لا تلزمه نفقته من قرابته فلا يعجبني أن يلي هو إعطاءهم، ولا بأس أن يعطيهم من يلي تفرقتها بغير أمره، كما يعطي غيرهم، وإن كانوا لها أهلا، قال اللخمي: فكرهه فيها خوفا أن يحمد عليها، والإباحة رواها مطرف عنه في كتاب ابن حبيب، قال: لا بأس بذلك، وحضرت لمالك يعطي زكاته قرابته، والاستحباب رواه الواقدي عن مالك، قال مالك: أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول. وذكر المازري أنها: صدقة وصلة. الباجي: ولم يختلف قول مالك في الجواز إذا ولى غيره إخراج زكاته. انتهى. وهل يمنع إعطاء زوجة زوجا أو يكره؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول المدونة، وقال ابن القاسم: ولا تعطي المرأة زوجها من زكاتها، هل هو محمول على المنع، وإليه ذهب اللخمي؟ أو الكراهة، وإلى هذا التأويل ذهب ابن القصار وبعض أشياخه؟ وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، تأويل المنع للخمي -كما عرفت- وتأويل الكراهة لابن القصار وبعض أشياخه.

стр. 2135

وقال أشهب: أكره ذلك، فإن أعطته ولم يرد ذلك عليها فيما يلزمه من نفقتها أجزأها، وإن رد عليها فيما يلزمه من نفقتها لم يجزها، وفرق ابن حبيب بين صرفه عليها مطلقا أي فيما يلزمه وفيما لا يلزمه فلا يجزئ، وبين أن يصرف ما تعطيه في مصلحته فيجزئه، ونص ما قاله اللخمي عن ابن حبيب إن يستعن بما تعطيه في النفقة عليها فلا يجزئها، وإن كان في يده ما ينفق عليها وهو فقير ويصرف ما تعطيه في مصلحته وكسوته أجزأها، قال اللخمي: فإن أعطى أحد الزوجين الآخر ما يقضي منه دينه جاز؛ لأن النفقة في ذلك لا تعود على المعطي. نقله في التوضيح. وقوله: وهل يمنع إعطاء زوجة؟ لخ، وأما إعطاء الزوج زكاته لزوجته فممنوع بلا كلام، قاله الشبراخيتي. قال: ومحل هذا ما لم يكن إعطاء أحدهما للآخر ليدفعه في دينه ولينفقه على غيره، وإعطاء الولد لوالده حيث تجب عليه نفقته، وعكسه ليدفعه في دينه جائز أيضا. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "تأويلان": وأما عكسه؛ يعني إعطاء الزوج للزوجة فيمنع قطعا، ومحل المنع والتأويلين ما لم يكن إعطاء أحدهما الآخر ليدفعه في دينه أو ينفقه على غيره وإلا جاز كإعطاء الولد لوالده حيث تجب نفقته عليه، وعكسه ليدفعه في دينه فإنه جائز أيضا. انتهى. وقال الحطاب: قال ابن فرحون: وفي التبصرة أن الرجل إذا أخرج من زكاته ما يقضي به دين أبيه، وأبوه فقير تلزمه نفقته جاز؛ لأن المنفعة لا تعود على المعطي. انتهى. وانظر ما مراده بالتبصرة، فإني لم أره في اللخمي، وقال الشيخ أبو الحسن. في شرح هذه المسألة: في المدونة ويؤخذ منه أن من دفع إلى أبويه الفقيرين لقضاء دين عليهما أن ذلك يجزئه، وذكر كلام اللخمي المتقدم. والله أعلم. انتهى. وقال عبد الباقي: ذكر السيوري أن إعطاء الولد لوالده الفقير قبل الحكم بالنفقة عليه ولو لينفقها على نفسه يجزئه؛ لأنها إنما تجب بالقضاء، ونحوه تقدم عن المدونة عند قوله: أو والد بحكم إن تسلف. قال البرزلي: وأما عكس هذا وهو إعطاء الوالد زكاته لولده الفقير ففيه نظر على مذهب ابن القاسم وأشهب. انتهى. قال بعض الشراح: والجاري على قول المصنف: أو ولد إن حكم بها، أن لا فرق بين الوالد والولد في شرط الحكم؛ وهو مذهب ابن القاسم. انتهى المراد منه. وذكره الخطاب عند قوله: أو إنفاق، قلت: الحكم إنما يعتبر في كونها تسقط الزكاة وفي وجوب نفقة

стр. 2136

الوالد، وليس في كلامه دلالة على أنه يتوقف وجوب نفقة الولد على والده على الحكم. انتهى كالأم عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: قول الزرقاني: "ذكر السيوري" انظر هذا النقل، والذي في الحطاب عند قول المصنف: أو إنفاق، ما نصه: في البرزلي عن السيورى: من له ولد غني وأبى من طلب نفقته منه يعطى من الزكاة. البرزلي: لأنها لا تجب إلا بالحكم، فكأنه لم يكن له ولد، فإن كان الأمر على العكس ففيه نظر على مذهب ابن القاسم وأشهب. انتهى. فتأمله فإنه ليس صريحا فيما زعمه الزرقاني من أن الأب يأخذها من ولده ولا في عكسه، بل الظاهر أن مراده الأخذ من الغير، وحينئذ فلا دليل لما زعمه. انتهى. وقوله: تقدم عن المدونة لخ، لم يتقدم له عن المدونة ما يفيد شيئا من ذلك قاله محمد بن الحسن. أيضا. تنبيه: ذكر ابن زرقون عن عياض أنه روي عن مالك جواز إعطاء الرجل زكاته لمن تلزمه نفقته. ابن عبد السلام: ورأيت بخط الرجل الصالح أبي العباس أحمد بن العجلان ﵀ على هذا الموضع من كلام ابن زرقون ما معناه أنه عارض هذا النقل بما نقله عياض في الإكمال، فإنهم أجمعوا على أنه لا يدفعها إلى والديه وولده في حال يلزمه الإنفاق عليهم، وجمع الشيخ أبو العباس بين نقلي عياض بحمل الأول على أن ذلك في حال لا تلزمه نفقتهم، ويرى أن فقر الأب ومن في معناه له حالتان: الحالة الأولى: أنه يضيق ويحتاج لكن لم يشتد عليه ذلك، فهذا يجوز إعطاؤه من الزكاة ولا تلزمه نفقته، بل تبقى ساقطة عن ابنه كما كانت قبل ضيق حاله، والحالة الثانية: أن يشتد ضيق حاله ويصير فقره إلى الغاية وهذا يجب على ابنه أن ينفق عليه، ولا يجوز لابنه أن يدفع زكاته إليه. والله أعلم. انتهى. قاله في التوضيح. وجاز إخراج ذهب عن ورق؛ يعني أن من لزمته الزكاة في الورق يجوز له أن يخرج عما لزمه في الورق من ربع العشر ذهبا وعكسه؛ يعني أنه يجوز عكس ما ذكر أي أن من له نصاب من الذهب حال حوله، يجوز له أن يخرج عما لزمه في الذهب من ربع العشر فضة، ومقتضى كلام المصنف أنه يجوز إخراج الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب من غير أولوية لأحدهما عن الآخر؛ وهو كذلك، وهذا هو مذهب المدونة وهو المشهور، وعن ابن لبابة وسحنون: لا يخرج الذهب عن الورق ولا الورق عن المذهب، وظاهره المنع، وحكى ابن بشير في ذلك قولين، ثالثها: يجوز إخراج الورق

стр. 2137

عن الذهب بخلاف العكس. قاله الشارح. وأما إخراج الفلوس عن أحد النقدين فالمشهور فيه الإجزاء مع الكراهة؛ لأن من أخرج القيمة أساء وأجزأه كما شهره غير واحد، ونقله في التوضيح خلاف ما يفهم من كلام المصنف الآتي من أن القيمة لا تجزئ حيث قال: أوطاع بدفعها لجائر في صرفها أو بقيمة لم تجز. والله أعلم. قاله الخطاب. وهذا في إخراجها عن أحد النقدين كما هو الموضوع، وأما لو أخرجها عن نفسها بأن تعطى عن الواجب فيها فلا يختلف في الإجزاء، وليس من إخراج القيمة. قاله محمد بن الحسن عن أبي زيد الفاسي. انتهى. قوله: وأما لو أخرجها عن نفسها لخ. قال جامعه عفا الله عنه: يعني فيما إذا كانت للتجارة. والله سبحانه أعلم. وقال في النوادر في ترجمة قدر ما يعطى من الزكاة: ولا بأس أن يجمع النفر في الدينار أو يصرفها دراهم إذا كانت الحاجة كثيرة، وإن زكى دراهم فلا يصرف ما يخرج عنها دنانير ولا يصرفها بفلوس لكثرة الحاجة ليعمهم، ولكن ليجمع النفر في الدرهم إن شاء، وإن صرفها فلوسا وأخرجها فقد أساء وأجزأه. انتهى. بصرف وقته، الباء متعلقة بإخراج، وهي باء الملابسة أي متلبسا بصرف وقته، أو المقابلة أي مقابلا بصرف وقته أي المذهب مقابل بصرفه من الفضة والفضة، مقابلة بصرفها من الذهب. قاله الشيخ إبراهيم. ومعنى كلام المصنف أن من أراد أن يخرج ذهبا عن فضة أو فضة عن ذهب يراعي في ذلك ما يتعامل به الناس في بيع الذهب بالفضة، وقته أي وقت إخراج أحد النقدين عن الآخر في الزكاة، فالمعتبر في ذلك وقت الإخراج ولو بعد وجوب الزكاة. مطلقا؛ يعني أن المعتبر صرف وقت الإخراج مطلقا، سواء كان مساويا للصرف الأول أو أنقص أو أزيد، والصرف الأول كل دينار بعشرة دراهم؛ وهو المشار إليه بقوله: "وفي مائتي درهم شرعي وعشرين دينارا ومجمع منهما بالجزء ربع العشر"، وهذا هو المشهور. وقيل: المعتبر الصرف الأول وهو في العونة، وقيل: المعتبر صرف وقت الإخراج ما لم ينقص عن الصرف الأول؛ وهو لابن حبيب. قال في الواضحة: يخرج على صرف يومه ما لم ينقص عن عشرة دراهم في الدينار، فليخرج على صرف عشرة. بقيمة السكة، الباء بمعنى: مع، متعلقة "بصرف"، ومعنى كلام المصنف أنه إذا أخرج الذهب

стр. 2138

عن ورق مسكوك، أو الورق عن ذهب مسكوك، فإنه تعتبر قيمة السكة في المخرج عنه اتفاقا، وأما سكة المخرج فلا شك في اعتبارها إن كان المخرج من غير نوع المخرج عنه، فلو وجب عليه من الفضة وزن عشرة دراهم وأراد إخراج قيمتها من المذهب فإنه يراعي في الذهب المخرج قيمته إن كان مسكوكا، وكذا لو وجب عليه نصف لقوم بما يعدله من الفضة على حالها من سكة وغيرها. قاله الشبراخيتي. فتحصل من هذا: أنه إذا أخرج نوعا عن نوع آخر فإنما يعتبر ما يتصارف عليه الناس وقت الإخراج، فإذا أخرج عن المسكوك غير مسكوك اعتبر ما يعدل المسكوك من غير المسكوك إذ ذاك، وإن أخرج المسكوك عن المسكوك فإنه يعتبر ما يعدل المسكوك من المسكوك إذ ذاك، وإن أخرج المسكوك عن غير مسكوك اعتبر ما يعدل غير المسكوك من المسكوك، وكذا لو كانا غير مسكوكين فالمتبر ما يصارف عليه وقت الإخراج مطلقا أي سكا أو أحدهما أم لا، وقد علمت أن هذا إذا كان المخرج من غير نوع المخرج عنه، وكذا لو اتحد نوع المخرج والمخرج عنه، ولهذا قال: ولو في نوع؛ يعني أن قيمة السكة معتبرة في المخرج عنه، ولا فرق في ذلك بين أن يختلف نوع المخرج عنه والمخرج كما مر وبين أن يتحد نوعهما، فإذا وجب نصف دينار في عشرين دينارا مسكوكة ووجد ذلك النصف مسكوكا أخرجه ولا إشكال، وقد اعتبرت السكة هنا في المخرج والمخرج عنه، وإذا لم يجد نصف دينار مسكوكا وأراد أن يخرج عنها تبرا أو مكسورا فلا يراعي في المخرج وزن نصف دينار فقط، بل يراعي وزنه وقيمة سكته لأنه بسكته أزيد في الصرف من وزنه تبرا أو مكسورا لأنه لما ثبت للفقراء حق في سكة الذهب حين أخرج عنه ورقا، وجب أن يثبت مثله في إخراج نوعه عنه من تبر أو مكسور احتياطا للفقراء، ورد المصنف بلو قول ابن حبيب: لا تعتبر قيمة السكة في إخراج النوع عن نوعه. والحاصل: أنه إن اتحد نوع المخرج والمخرج عنه، وكان كل منهما مسكوكا، فالأمر ظاهر -كما مر- وإن كان المسكوك هو المخرج عنه اعتبرت قيمة سكته -كما مر- وإن كان بالعكس اعتبر وزن المخرج عنه، كمن وجب عليه مثقال تبر فلا يخرج عنه دينارا مسكوكا، وإن كانت قيمته تزيد على مثقال التبر لأن وزن الدينار أقل من مثقال التبر، بل يخرج عنه وزنه من المسكوك ولا تعتبر

стр. 2139

قيمة زيادة سكته، وكذا من وجب عليه ربع عشر قطع فضة عنده وزنها مائتا درهم شرعي، فلا يخرج عنها من الفضة المسكوكة إلا وزنها، ولا تعتبر زيادة قيمة سكتها. وقوله: "ولو في نوع"، مثله لابن الحاجب وابن بشير وابن عبد السلام والتوضيح وغير واحد. قال الرماصي: وفيه نظر، وذلك أنهم نسبوا إخراج الجزء مع قيمة السكة للقابسي، ومقابله لابن حبيب مع أن القابسي لم يقل: يخرج النوع مع قيمة السكة، قال ابن محرز: لما ذكر قول ابن حبيب: يخرج الجزء فقط، عارضه شيخنا القابسي، وقال: قد وجب للمساكين في الدنانير ربع العشر مسكوكا شركة معه، فمتى أخرج قطعة تبر أخرج أقل مما يجب عليه، والصواب أن يخرج قيمة ذلك دراهم. انتهى. وذكر أن ابن إدريس الزواوي اعترض بمثل هذا على ابن الحاجب، وعلل منع إخراج النوع مع قيمة السكة بأنه ربا، قال: لأن أبا الحسن نص على أن المساكين وجب لهم الجزء شركة، فيجري الربا بينهم. انتهى. وأشار ابن عرفة إلى ذلك بقوله: فإن وجب في مسكوك ذهب جزء لم يوجد، ففي إجزاء قدره غير مسكوك ولزوم قيمته مسكوكا دراهم نقلا ابن محرز عن ابن حبيب والقابسي، ولم يحك غيره معزوا، كأنه المذهب. ونقل ابن بشير قول القابسي: والمخرج ذهب وَهَمٌ وَرِبًا. انتهى. فاعتراضه على ابن بشير يرد على ابن الحاجب والمؤلف. انتهى. نقله محمد بن الحسن. وأما لو أخرج الردي عن الجيد أو الجيد عن الردي، ففيه ثلاثة أقوال: المنع مطلقا وانظر ما وجهه، والثاني الجواز مطلقا واختاره المصنف في التوضيح، قائلا: إذا جاز إخراج الذهب عن الورق وعكسه فإخراج الذهب عن مثله أجوز، والثالث جواز إخراج الردي عن الجيد بخلاف عكسه، وذكره ابن المواز، وظاهر كلام غير واحد ترجيحه، وذكره ابن عرفة. قاله الشبراخيتي. لا صياغة؛ يعني أن قيمة الصياغة غير معتبرة، فليست كقيمة السكة، فلا تعتبر في المخرج عنه وأولى المخرج، هذا إذا كان المخرج من نوع المخرج عنه، كما أشار إلى ذلك بقوله: فيه؛ أي في النوع الواحد أي لا تعتبر الصياغة فيما إذا اتحد نوع المخرج، والمخرج عنه والصياغة هي جعل النقد حليا، كما لو كان عنده ذهب مصوغ وزنه عشرون دينارا شرعية وقيمة صياغته خمسة

стр. 2140

مثلا، وأراد أن يخرج عنه ذهبا مكسورا أو تبرا، فإنه يخرج عن عشرين فقط ولا تعتبر الخمسة التي هي قيمة الصياغة على المشهور. والفرق بين المصوغ والمسكوك بعد أن نقول إن كلا منهما زيادة، أن المصوغ لصاحبه كسرد وإعطاء الجزء الواجب بعد الكسر، فلم يكن للفقير حق في الصياغة، والمسكوك ليس له كسره فلم يأخذ الفقير ما نابه بل دونه. قاله في توضيحه. نقله عبد الباقي. وقوله: "لا صياغة"، بالجر عطف على السكة، وأطلق المصنف ليعم الحلى المحرم وغير المحرم، وقوله: "فيه"، الظاهر أنه متعلق بالاعتبار المقدر قبل "قيمة"؛ أي باعتبار قيمة السكة لا باعتبار قيمة الصياغة في النوع الواحد، ويحتمل أن يكون صفة "لصياغة". والله سبحانه أعلم. وفي غيره تردد، مبتدأ وخبر؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في إلغاء قيمة الصياغة فيما إذا اختلف نوع المخرج والمخرج عنه واعتبارها حينئذ، فذهب أبو عمران ومن تبعه إلى إلغائها وهو الراجح، وذهب ابن الكاتب ومن تبعه إلى اعتبارها، فلو كان عنده وزن عشرين دينارا مصوغا وأراد أن يخرج عنه فضة، ولصياغة الذهب يساوي وزن ثلاثين دينارا، فعلى الأول يخرج من الفضة ما يعدل ربع العشر من العشرين من غير اعتبار ما زادته الصياغة فيها، وعلى الاعتبار يخرج من الفضة ما يعدل ربع العشر منها مصوغة، فإن قلت: قدم المصنف أن السكة والصياغة والجودة لا زكاة فيها، وقد ذكر هنا أنه يخرج عن قيمة السكة مطلقا، وقيمة الصياغة فيما إذا أخرج ذهبا عن ورق، وعكسه على أحد قولين وهو خلاف ما قدمه؟ فالجواب أن مراده بعدم زكاة السكة والصياغة والجودة أنه: لا يكمل بقيمتها نصاب، كمن عنده عشرة دنانير وقيمتها لسكتها عشرون فلا تجب عليه فيها زكاة، وكذا إن كان عنده وزن عشرة دنانير يساوي لصياغته أو لجودته عشرين فلا زكاة عليه، فلو بلغت الدنانير مثلا النصاب لوزنها لاعتبرت سكتها، وكذا صياغتها على أحد القولين. وللشيخ عبد الباقي هنا كلام فيه نظر. الحطاب: لا يجوز إخراج العرض والطعام عن الورق أو المذهب لأنه من باب إخراج القيمة، ولا يجوز إخراجها ابتداء، فلو أخرج عرضا أو طعاما رجع به على الفقير ودفع له ما وجب عليه، فإن فات في يد الفقير لم يكن عليه شيء لأنه سلطه على ذلك، وذلك إذا أعلمه أنه من زكاته وإن
следующие страницы →