الوالد، وليس في كلامه دلالة على أنه يتوقف وجوب نفقة الولد على والده على الحكم. انتهى كالأم عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: قول الزرقاني: "ذكر السيوري" انظر هذا النقل، والذي في الحطاب عند قول المصنف: أو إنفاق، ما نصه: في البرزلي عن السيورى: من له ولد غني وأبى من طلب نفقته منه يعطى من الزكاة. البرزلي: لأنها لا تجب إلا بالحكم، فكأنه لم يكن له ولد، فإن كان الأمر على العكس ففيه نظر على مذهب ابن القاسم وأشهب. انتهى. فتأمله فإنه ليس صريحا فيما زعمه الزرقاني من أن الأب يأخذها من ولده ولا في عكسه، بل الظاهر أن مراده الأخذ من الغير، وحينئذ فلا دليل لما زعمه. انتهى. وقوله: تقدم عن المدونة لخ، لم يتقدم له عن المدونة ما يفيد شيئا من ذلك قاله محمد بن الحسن. أيضا.
تنبيه: ذكر ابن زرقون عن عياض أنه روي عن مالك جواز إعطاء الرجل زكاته لمن تلزمه نفقته. ابن عبد السلام: ورأيت بخط الرجل الصالح أبي العباس أحمد بن العجلان ﵀ على هذا الموضع من كلام ابن زرقون ما معناه أنه عارض هذا النقل بما نقله عياض في الإكمال، فإنهم أجمعوا على أنه لا يدفعها إلى والديه وولده في حال يلزمه الإنفاق عليهم، وجمع الشيخ أبو العباس بين نقلي عياض بحمل الأول على أن ذلك في حال لا تلزمه نفقتهم، ويرى أن فقر الأب ومن في معناه له حالتان: الحالة الأولى: أنه يضيق ويحتاج لكن لم يشتد عليه ذلك، فهذا يجوز إعطاؤه من الزكاة ولا تلزمه نفقته، بل تبقى ساقطة عن ابنه كما كانت قبل ضيق حاله، والحالة الثانية: أن يشتد ضيق حاله ويصير فقره إلى الغاية وهذا يجب على ابنه أن ينفق عليه، ولا يجوز لابنه أن يدفع زكاته إليه. والله أعلم. انتهى. قاله في التوضيح.
وجاز إخراج ذهب عن ورق؛ يعني أن من لزمته الزكاة في الورق يجوز له أن يخرج عما لزمه في الورق من ربع العشر ذهبا وعكسه؛ يعني أنه يجوز عكس ما ذكر أي أن من له نصاب من الذهب حال حوله، يجوز له أن يخرج عما لزمه في الذهب من ربع العشر فضة، ومقتضى كلام المصنف أنه يجوز إخراج الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب من غير أولوية لأحدهما عن الآخر؛ وهو كذلك، وهذا هو مذهب المدونة وهو المشهور، وعن ابن لبابة وسحنون: لا يخرج الذهب عن الورق ولا الورق عن المذهب، وظاهره المنع، وحكى ابن بشير في ذلك قولين، ثالثها: يجوز إخراج الورق
стр. 2137
عن الذهب بخلاف العكس. قاله الشارح. وأما إخراج الفلوس عن أحد النقدين فالمشهور فيه الإجزاء مع الكراهة؛ لأن من أخرج القيمة أساء وأجزأه كما شهره غير واحد، ونقله في التوضيح خلاف ما يفهم من كلام المصنف الآتي من أن القيمة لا تجزئ حيث قال: أوطاع بدفعها لجائر في صرفها أو بقيمة لم تجز. والله أعلم. قاله الخطاب. وهذا في إخراجها عن أحد النقدين كما هو الموضوع، وأما لو أخرجها عن نفسها بأن تعطى عن الواجب فيها فلا يختلف في الإجزاء، وليس من إخراج القيمة. قاله محمد بن الحسن عن أبي زيد الفاسي. انتهى. قوله: وأما لو أخرجها عن نفسها لخ.
قال جامعه عفا الله عنه: يعني فيما إذا كانت للتجارة. والله سبحانه أعلم. وقال في النوادر في ترجمة قدر ما يعطى من الزكاة: ولا بأس أن يجمع النفر في الدينار أو يصرفها دراهم إذا كانت الحاجة كثيرة، وإن زكى دراهم فلا يصرف ما يخرج عنها دنانير ولا يصرفها بفلوس لكثرة الحاجة ليعمهم، ولكن ليجمع النفر في الدرهم إن شاء، وإن صرفها فلوسا وأخرجها فقد أساء وأجزأه. انتهى.
بصرف وقته، الباء متعلقة بإخراج، وهي باء الملابسة أي متلبسا بصرف وقته، أو المقابلة أي مقابلا بصرف وقته أي المذهب مقابل بصرفه من الفضة والفضة، مقابلة بصرفها من الذهب. قاله الشيخ إبراهيم. ومعنى كلام المصنف أن من أراد أن يخرج ذهبا عن فضة أو فضة عن ذهب يراعي في ذلك ما يتعامل به الناس في بيع الذهب بالفضة، وقته أي وقت إخراج أحد النقدين عن الآخر في الزكاة، فالمعتبر في ذلك وقت الإخراج ولو بعد وجوب الزكاة. مطلقا؛ يعني أن المعتبر صرف وقت الإخراج مطلقا، سواء كان مساويا للصرف الأول أو أنقص أو أزيد، والصرف الأول كل دينار بعشرة دراهم؛ وهو المشار إليه بقوله: "وفي مائتي درهم شرعي وعشرين دينارا ومجمع منهما بالجزء ربع العشر"، وهذا هو المشهور. وقيل: المعتبر الصرف الأول وهو في العونة، وقيل: المعتبر صرف وقت الإخراج ما لم ينقص عن الصرف الأول؛ وهو لابن حبيب. قال في الواضحة: يخرج على صرف يومه ما لم ينقص عن عشرة دراهم في الدينار، فليخرج على صرف عشرة. بقيمة السكة، الباء بمعنى: مع، متعلقة "بصرف"، ومعنى كلام المصنف أنه إذا أخرج الذهب
стр. 2138
عن ورق مسكوك، أو الورق عن ذهب مسكوك، فإنه تعتبر قيمة السكة في المخرج عنه اتفاقا، وأما سكة المخرج فلا شك في اعتبارها إن كان المخرج من غير نوع المخرج عنه، فلو وجب عليه من الفضة وزن عشرة دراهم وأراد إخراج قيمتها من المذهب فإنه يراعي في الذهب المخرج قيمته إن كان مسكوكا، وكذا لو وجب عليه نصف لقوم بما يعدله من الفضة على حالها من سكة وغيرها. قاله الشبراخيتي.
فتحصل من هذا: أنه إذا أخرج نوعا عن نوع آخر فإنما يعتبر ما يتصارف عليه الناس وقت الإخراج، فإذا أخرج عن المسكوك غير مسكوك اعتبر ما يعدل المسكوك من غير المسكوك إذ ذاك، وإن أخرج المسكوك عن المسكوك فإنه يعتبر ما يعدل المسكوك من المسكوك إذ ذاك، وإن أخرج المسكوك عن غير مسكوك اعتبر ما يعدل غير المسكوك من المسكوك، وكذا لو كانا غير مسكوكين فالمتبر ما يصارف عليه وقت الإخراج مطلقا أي سكا أو أحدهما أم لا، وقد علمت أن هذا إذا كان المخرج من غير نوع المخرج عنه، وكذا لو اتحد نوع المخرج والمخرج عنه، ولهذا قال: ولو في نوع؛ يعني أن قيمة السكة معتبرة في المخرج عنه، ولا فرق في ذلك بين أن يختلف نوع المخرج عنه والمخرج كما مر وبين أن يتحد نوعهما، فإذا وجب نصف دينار في عشرين دينارا مسكوكة ووجد ذلك النصف مسكوكا أخرجه ولا إشكال، وقد اعتبرت السكة هنا في المخرج والمخرج عنه، وإذا لم يجد نصف دينار مسكوكا وأراد أن يخرج عنها تبرا أو مكسورا فلا يراعي في المخرج وزن نصف دينار فقط، بل يراعي وزنه وقيمة سكته لأنه بسكته أزيد في الصرف من وزنه تبرا أو مكسورا لأنه لما ثبت للفقراء حق في سكة الذهب حين أخرج عنه ورقا، وجب أن يثبت مثله في إخراج نوعه عنه من تبر أو مكسور احتياطا للفقراء، ورد المصنف بلو قول ابن حبيب: لا تعتبر قيمة السكة في إخراج النوع عن نوعه.
والحاصل: أنه إن اتحد نوع المخرج والمخرج عنه، وكان كل منهما مسكوكا، فالأمر ظاهر -كما مر- وإن كان المسكوك هو المخرج عنه اعتبرت قيمة سكته -كما مر- وإن كان بالعكس اعتبر وزن المخرج عنه، كمن وجب عليه مثقال تبر فلا يخرج عنه دينارا مسكوكا، وإن كانت قيمته تزيد على مثقال التبر لأن وزن الدينار أقل من مثقال التبر، بل يخرج عنه وزنه من المسكوك ولا تعتبر
стр. 2139
قيمة زيادة سكته، وكذا من وجب عليه ربع عشر قطع فضة عنده وزنها مائتا درهم شرعي، فلا يخرج عنها من الفضة المسكوكة إلا وزنها، ولا تعتبر زيادة قيمة سكتها. وقوله: "ولو في نوع"، مثله لابن الحاجب وابن بشير وابن عبد السلام والتوضيح وغير واحد. قال الرماصي: وفيه نظر، وذلك أنهم نسبوا إخراج الجزء مع قيمة السكة للقابسي، ومقابله لابن حبيب مع أن القابسي لم يقل: يخرج النوع مع قيمة السكة، قال ابن محرز: لما ذكر قول ابن حبيب: يخرج الجزء فقط، عارضه شيخنا القابسي، وقال: قد وجب للمساكين في الدنانير ربع العشر مسكوكا شركة معه، فمتى أخرج قطعة تبر أخرج أقل مما يجب عليه، والصواب أن يخرج قيمة ذلك دراهم. انتهى. وذكر أن ابن إدريس الزواوي اعترض بمثل هذا على ابن الحاجب، وعلل منع إخراج النوع مع قيمة السكة بأنه ربا، قال: لأن أبا الحسن نص على أن المساكين وجب لهم الجزء شركة، فيجري الربا بينهم. انتهى. وأشار ابن عرفة إلى ذلك بقوله: فإن وجب في مسكوك ذهب جزء لم يوجد، ففي إجزاء قدره غير مسكوك ولزوم قيمته مسكوكا دراهم نقلا ابن محرز عن ابن حبيب والقابسي، ولم يحك غيره معزوا، كأنه المذهب. ونقل ابن بشير قول القابسي: والمخرج ذهب وَهَمٌ وَرِبًا. انتهى. فاعتراضه على ابن بشير يرد على ابن الحاجب والمؤلف. انتهى. نقله محمد بن الحسن.
وأما لو أخرج الردي عن الجيد أو الجيد عن الردي، ففيه ثلاثة أقوال: المنع مطلقا وانظر ما وجهه، والثاني الجواز مطلقا واختاره المصنف في التوضيح، قائلا: إذا جاز إخراج الذهب عن الورق وعكسه فإخراج الذهب عن مثله أجوز، والثالث جواز إخراج الردي عن الجيد بخلاف عكسه، وذكره ابن المواز، وظاهر كلام غير واحد ترجيحه، وذكره ابن عرفة. قاله الشبراخيتي. لا صياغة؛ يعني أن قيمة الصياغة غير معتبرة، فليست كقيمة السكة، فلا تعتبر في المخرج عنه وأولى المخرج، هذا إذا كان المخرج من نوع المخرج عنه، كما أشار إلى ذلك بقوله: فيه؛ أي في النوع الواحد أي لا تعتبر الصياغة فيما إذا اتحد نوع المخرج، والمخرج عنه والصياغة هي جعل النقد حليا، كما لو كان عنده ذهب مصوغ وزنه عشرون دينارا شرعية وقيمة صياغته خمسة
стр. 2140
مثلا، وأراد أن يخرج عنه ذهبا مكسورا أو تبرا، فإنه يخرج عن عشرين فقط ولا تعتبر الخمسة التي هي قيمة الصياغة على المشهور.
والفرق بين المصوغ والمسكوك بعد أن نقول إن كلا منهما زيادة، أن المصوغ لصاحبه كسرد وإعطاء الجزء الواجب بعد الكسر، فلم يكن للفقير حق في الصياغة، والمسكوك ليس له كسره فلم يأخذ الفقير ما نابه بل دونه. قاله في توضيحه. نقله عبد الباقي. وقوله: "لا صياغة"، بالجر عطف على السكة، وأطلق المصنف ليعم الحلى المحرم وغير المحرم، وقوله: "فيه"، الظاهر أنه متعلق بالاعتبار المقدر قبل "قيمة"؛ أي باعتبار قيمة السكة لا باعتبار قيمة الصياغة في النوع الواحد، ويحتمل أن يكون صفة "لصياغة". والله سبحانه أعلم.
وفي غيره تردد، مبتدأ وخبر؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في إلغاء قيمة الصياغة فيما إذا اختلف نوع المخرج والمخرج عنه واعتبارها حينئذ، فذهب أبو عمران ومن تبعه إلى إلغائها وهو الراجح، وذهب ابن الكاتب ومن تبعه إلى اعتبارها، فلو كان عنده وزن عشرين دينارا مصوغا وأراد أن يخرج عنه فضة، ولصياغة الذهب يساوي وزن ثلاثين دينارا، فعلى الأول يخرج من الفضة ما يعدل ربع العشر من العشرين من غير اعتبار ما زادته الصياغة فيها، وعلى الاعتبار يخرج من الفضة ما يعدل ربع العشر منها مصوغة، فإن قلت: قدم المصنف أن السكة والصياغة والجودة لا زكاة فيها، وقد ذكر هنا أنه يخرج عن قيمة السكة مطلقا، وقيمة الصياغة فيما إذا أخرج ذهبا عن ورق، وعكسه على أحد قولين وهو خلاف ما قدمه؟ فالجواب أن مراده بعدم زكاة السكة والصياغة والجودة أنه: لا يكمل بقيمتها نصاب، كمن عنده عشرة دنانير وقيمتها لسكتها عشرون فلا تجب عليه فيها زكاة، وكذا إن كان عنده وزن عشرة دنانير يساوي لصياغته أو لجودته عشرين فلا زكاة عليه، فلو بلغت الدنانير مثلا النصاب لوزنها لاعتبرت سكتها، وكذا صياغتها على أحد القولين. وللشيخ عبد الباقي هنا كلام فيه نظر.
الحطاب: لا يجوز إخراج العرض والطعام عن الورق أو المذهب لأنه من باب إخراج القيمة، ولا يجوز إخراجها ابتداء، فلو أخرج عرضا أو طعاما رجع به على الفقير ودفع له ما وجب عليه، فإن فات في يد الفقير لم يكن عليه شيء لأنه سلطه على ذلك، وذلك إذا أعلمه أنه من زكاته وإن
стр. 2141
لم يعلمه لم يرجع مطلقا فات أم لا؛ لأنه متطوع. قاله مالك. نقله في التوضيح وابن يونس. وقال ابن عرفة: ولا يخرج غيرهما عن أحدهما، فإن وقع فالمشهور لا يجزئ. ابن حارث: قاله أصبغ عن ابن القاسم، وقال أشهب: إن أعطى عرضا أجزأ وأعاده في باب المصرف بلفظ: وفي إجزاء عرض عن عين كقيمته نقلا ابن حارث عن أشهب وابن القاسم. انتهى. وقال الخطاب أيضا: وإذا وجب جزء ذهب أو فضة فأخرج أدنى أو أعلى بالقيمة، فقال ابن الحاجب: فيه قولان تبعا لابن شأس، وقبلهما ابن عبد السلام والشيخ في التوضيح، وقال ابن عرفة: ونقل ابن الحاجب جواز إخراج أدنى أو أعلى بالقيمة لا أعرفه، بل قول محمد: لا يخرج عن ردي قيمته من نوعه جيدا، بل قيمة ردي الذهب فضة أو عكسه أو منه. انتهى.
وسئل ابن أبي زيد عمن وجبت عليه زكاة فاشترى بها ثيابا أو طعاما وتصدق به؟ فقال: ابن القاسم يقول: لا يجزئه، وأشهب يقول: يجزئه، قلت: أجراها على ما لو أخرج ذلك من عنده، واختار اللخمي فيما إذا كان ذلك خيرا للفقراء جوازه، بل هو محسن. انتهى. قاله الخطاب.
لا كسر مسكوك، عطف على فاعل "جاز"؛ وهو "إخراج"؛ يعني أنه لا يجوز للشخص أن يكسر المسكوك ولو كان ليخرج منه قدر ما يجب عليه من الزكاة؛ لأنه من الفساد في الأرض، وأفاد بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾، أن إفسادهم كان قطع السكة قاله الشبراخيتي. وظاهر المصنف سواء كان كاملا أو رباعيا، أما الكامل فباتفاق، وأما الرباعي ففيه قولان، وكأنه رجح المنع في توضيحه، واحترز بالمسكوك من غيره، فإنه يجوز. قال ابن عرفة: وسمع القرينان: له إخراج زكاة حلي التجر منه. ابن رشد: لا كراهة في قطعه، قلت: إن كان فسادا ففيه نظر. انتهى. والله أعلم. قاله الخطاب.
إلا لسبك؛ يعني أن محل منع كسر المسكوك إذا كان كسره لغير سبك، وأما كسره لأجل سبك أي تذويب بأن يجعله حليا أو سبائك للحاجة إلى ذلك فإنه جائز. قاله الشارح. وظاهره أنه لا بد من الحاجة إلى سبكه، وأن السبك ليس هو الحاجة. قاله ابن غازي. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله: "إلا لسبك": بأن يجعله حليا وسبائك لن يجوز له لبسه كزوجة فيجوز، ولا يشترط شيء زائد على السبك فقول الشارح: أي فيجوز للحاجة إلى ذلك، وظاهره: أنه لا بد
стр. 2142
من الحاجة إلى سبكه، وأن السبك ليس حاجة، وليس كذلك إلا أن يقال: إنه بيان للعلة لا للاحتراز. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي مختصر البرزلي إن كان ليجعل حليا لبناته، ففي سماع عيسى: لا بأس به. ابن رشد: اتفاقا، قال علي الأجهوري عقبه: وأما قطعها ليجعلها سبائك، فأول كلامه يفيد جواز ذلك، ويدل عليه التعليل، وهو ظاهر المصنف، وينبغي التعويل عليه لا مفهوم قوله: ليجعلها حليا؛ لأنه خرج مخرج الغالب. انتهى. انتهى.
ووجب نيتها؛ يعني أن الزكاة تجب نيتها بأن ينوي إخراج ما وجب عليه في ماله، ولو نوى زكاة ماله أجزأته ويطالب بها أي بالنية الزكي عن نفسه إن كان مكلفا. وإن كان مجنونا أو صبيا فالمطالب بها الولي. قاله الشبراخيتي. سند: إن نوى عند عزلها كفاه ذلك عن النية عند دفعها، وإن لم ينو عند عزلها وجبت النية عند دفعها، قال بعض الشيوخ: ويفهم من كلام سند أنه لا يشترط إعلام المدفوع له أنها زكاة وهو ظاهر. قاله محمد بن الحسن.
وقال عبد الباقي: ووجب على مزك عن نفسه أو عن صبي أو مجنون نيتها عند عزلها أو إخراجها للفقير؛ يعني دفعها له. والله أعلم. وإن لم يعلمه أو يعلم بأنها زكاة كما يفيده التوضيح في محل وهو ظاهر المصنف هنا، وقيده في التوضيح، وفي محل آخر كالجواهر باشتراط إعلامه بها أي أو علمه، وبه أفتى بعض شيوخ البرزلي، واستظهره الناصر اللقاني، وعلى هذا فمن أراد إخراج الزكاة مع عدم الشرط المذكور قلد من لا يشترط. وقول إبراهيم اللقاني على ما نقله عنه تلميذه عند قوله ومصرفها فقير، يكره إعلامه بأنها من الزكاة أو من حق الله؛ لأن فيه جرح القلوب. انتهى. انظر ما سنده في الكراهة. انتهى.
وقوله: "ووجب نيتها"، فإن أخرجت بغير نية لم تجز، قال عبد الباقي: إلا من وكيل على ما يأتي في قوله: إن لم يكن مخرج ولو حكما، على ما يفيده القرافي من جريان تفصيل الأضحية هنا، وهو قوله: أو بعادة كقريب وإلا فتردد، ولا تجوز سرقة من مال من لا يزكي بقدر ما عليه لفقد النية، وإذا نوى رب مال بما سرق منه الزكاة لم تفد هذه النية؛ لأن شرطها عند عزلها أو دفعها -كما مر لكن ينبغي في المسألة الأولى الجواز إذا علم من شخص أنه لا يخرجها بحال، وليس ثم حاكم يُكرهه على إخراجها أو يتحيل ربها على منعه من أخذها؛ لأن براءته منها على
стр. 2143
قول خير من بقائها بذمته على كل قول، وظاهر المصنف عدم إجزاء فاقد النية ولو نسيانا أو جهلا، ونقل الشيخ كريم الدين الإجزاء فيمن نسي النية أو جهلها؛ وهو خلاف ظاهر المصنف. انتهى كلام عبد الباقي. ونحوه للشبراخيتي إلا أنه جزم بأنه إذا علم من الشخص أنه لا يخرج الزكاة وليس ثم حاكم يكرهه على إخراجها، فإنه تجوز السرقة منه بقدر ما عليه، ولم يقل: ينبغي، قال: لأن براءة ذمته على قول خير من بقائها في ذمته على كل قول، وقال الشبراخيتي: قال القرافي: فإذا أخرجها أحد من غير علم من هي عليه وغير إذنه، فمقتضى قول أصحابنا في إجزاء الأضحية بذبحِها صديقُ ربها، ومن شأنه أن يفعل ذلك بغير إذنه، أن الزكاة من هذا القبيل. انتهى. قال شيخنا في شرحه: قلت فيجري في الزكاة ما جرى من التفصيل في الأضحية المشار إليه بقول المصنف: "أو بعادة كقريب وإلا فتردد". انتهى.
وقوله: "ووجب نيتها" اعلم أن وجوب النية في الزكاة هو المشهور، لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنية، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وقال ابن بشير: إن قلنا: إن الفقراء شركاء بمقدار الزكاة، وأنها تكون كرد الوديعة فلا تفتقر إلى نية، وإن غلبنا عليها حكم العبادة افتقرت إلى النية. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "ووجب نيتها": لأنها عبادة متنوعة إلى فرض ونفل، وحكم إيجاب النية التمييز بين مراتب العبادات أو بين العادات والعبادات، وقد قال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، وقيل لا تفتقر إلى النية.
ويتحصل من كلام القرافي: أنها على القول بوجوب النية فيها يجري فيها ما يأتي في الضحية من قوله: "أو بعادة كقريب وإلا فتردد"، فإن لم يكن الفاعل لها عن ربها من هذا القبيل، فإنها لا تجزئ عن ربها لافتقارها لنية على الصحيح من المذهب لأجل شائبة العبادة، وعلى القول بعدم اشتراط النية فيها فينبغي أن يجزئ فعل الغير مطلقا، كالدين والوديعة ونحوهما، قال القرافي: وهذا القول قاله بعض أصحابنا وقاسها على الديون، وباشتراطها قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل ﵃: لما فيها من شائبة التعبد من جهة مقاديرها في نُصُيهَا ونحو ذلك، ولا يقال في كلام القرافي، الفرق بين الأضحية والزكاة أن الأضحية تعينت لأن المشهور أنها لا تتعين إلا بالنذر والذبح، فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب.
стр. 2144
وإذا أخرج الأب زكاة الفطر عن ولده أجزأ ذلك إن كان صغيرا، وإن كان كبيرا لم يجز على القول باشتراط النية في الزكاة وهو المذهب. قاله ابن الحاجب. نقله الخطاب. وقال: يريد -والله أعلم- إذا لم يعلمه الأب بذلك؛ وهو ظاهر من كلامه، فتأمله. والله أعلم. وفي الذخيرة: ولو تصدق بجملة ماله، فإن نوى زكاته وما زاد تطوع أجزأه وإلا فلا خلافا لأبي حنيفة، محتجا بأنه لم يبعد عن المقصود، ويشكل عليه بما لو صلى ألف ركعة ينوي اثنتين للصبح والبقية للنفل، فإنها لا تجزئ. انتهى. ونحو هذا ما ذكره البرزلي عن بعض الإفريقيين، أنه لو دفع مستغرق الذمة حائطه بعد الخرص للمساكين عن تبعاته وليست التبعات لشخص معين، ونوى دخول الزكاة فيه أن ذلك يجزئه عن الزكاة لأنها قد حضرت، وعما في ذمته عينا كان أو عرضا. والله أعلم. سند: والنية واجبة في أداء الزكاة عند كافة الفقهاء، وقال الأوزاعي: لا تجب لأن ذلك دين كسائر الديون. واعلم أن الأفعال المأمور بها على ثلاثة أقسام: قسم اتفق الناس فيه على صحة فعل غير المأمور، به عن الأمور كدفع المغصوب للمغصوب منه، ودفع النفقات للزوجات والأقارب. وقسم اتفق على عدم إجزاء فعل غير الأمور به وهو الإيمان والتوحيد والإجلال والتعظيم لله . وقسم اختلف فيه، هل يجزئ فعل غير المأمور به ويسد المسد أم لا؟ ومنه الزكاة. وقد علمت المشهور فيها. وبالله تعالى التوفيق.
وتفرقتها بموضع الوجوب؛ يعني أنه يجب أن تفرق الزكاة؛ أي تدفع لمستحقيها فورا بموضع وجوب الزكاة، قال الشيخ عبد الباقي: وموضع الوجوب هو في الحرث والماشية الموضع الذي جبيت منه مع وجود مستحق به وفيمن لا ساعي لهم، وفي النقد موضع المال والمالك والمستحق. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: موضع الوجوب هو الموضع الذي جبيت منه كما في المدونة، وهذا في الحرث والماشية بشرط وجود المستحق به، وأما النقد ومنه عرض التجارة لأنه إنما يزكى عوضه من العين فهو موضع المالك والمال والمستحق، فإن كان المالك ببلد والمال ببلد فإن كان قراضا فقد تقدم حكم زكاته، وكذا إن كان بضاعة، وإن كان عينا مودعة فتقدم أنها إذا قبضت بعد أعوام تزكى لماضي الأعوام. انتهى.
стр. 2145
وقال الأمير: ووجب نيتها وتفرقتها على من بموضع الوجوب ولو سافر لها، وليس انتقاله كنقلها له على أظهر الطرق، ولو لم يقم أربعة أيام. انتهى. وفسر موضع الوجوب، بقوله: مكان الحرث والماشية إن كان ساع، وإلا فمحل المالك كالعين. انتهى. قوله: مكان الحرث لخ؛ أي موضع الوجوب هو مكان الحرث لخ، وقال الخرشي: ويجب تفرقة الزكاة على الفور بموضع الوجوب؛ وهو الموضع الذي يجبى فيه المال وفيه المالك والمستحقون، وبعبارة أخرى المراد بموضع الوجوب: موضع المالك، وهذا في العين كالحرث والماشية إن لم يكن ساع، وإلا فالعبرة بموضعها. وقال محمد بن الحسن: قول الزرقاني: موضع المالك والمال لخ، فيه نظر، بل موضع المالك والمستحق فقط كما في الخرشي، وسيأتي: وزكى مسافر ما معه وما غاب لخ، ونص ابن شأس: وهل المعتبر مكان المال وقت تمام الحول، أو مكان المالك قولان. انتهى.
وقال الحطاب: مسألة: سئل السيوري عن قادمين إلى أهل بلد، هل يعطون من الزكاة كما يعطى فقراء البلد، أو يختص بها أهل البلد؛ فأجاب: أهل البلد هم الذين يعطون. البرزلي: كان أكثر من لقيناه من الشيوخ يقول: يعطون كأهل البلد، وبعضهم يفرق بين أن يقيم أربعة أيام فأكثر فيعطى والمختار (١) لا يعطى، ويجريها على مسألة قرطبة إذا حبس على مرضاها: هل يعطى منه من أقام أربعة أيام فأكثر أم لا؟ والصواب الإعطاء مطلقا؛ لأنه إما من أهلها أو من ابن السبيل، وكل واحد منهما له حق بنص التنزيل. انتهى من البرزلي. انتهى.
قال علي الأجهوري: وفي قوله: ابن السبيل، شيء لأنه يقتضي أنهم يعطون ما يعطاه ابن السبيل؛ وهو قدر ما يوصله. انتهى. وقال التتائي: وأفتى الشبيبي بأن الفقير. إذا جاء من بلد فوق مسافة القصر لبلد الزكاة، فإنه يعطى وليس من نقلها، وأفتى السيوري والغبريني بأنه من نقلها.
قال جامعه عفا الله عنه: الذي يتحصل من كلامهم هنا أن الفقير الذي يأتي من بلد فوق مسافة القصر لبلد الزكاة أنه يعطى من الزكاة، وأنه صار من فقراء البلد بمجرد حضوره، وأما كون ذلك نقلا للزكاة فغير ظاهر. والله سبحانه أعلم.
стр. 2146
أو قربه؛ أو هذه تنويعية؛ يعني أن تفرقة الزكاة يجب فيها أحد أمرين: إما أن تفرق بموضع الوجوب، وإما أن تفرق بقربه؛ وهو ما دون مسافة القصر على الراجح. وقال الناصر اللقاني في قول سحنون إن القريب هو ما لا تقصر فيه الصلاة وأما ما تقصر فيه الصلاة فلا تنقل إليه. انتهى. والمراد ما لا يقصر المسافر حتى يجاوزه كالبيوت والبساتين المسكونة. انتهى. وهو مردود بأنه تأويل للعبارة من غير احتياج إليه، وفي كلامهم ما ينافيه. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي: والمراد به يعني بقربه ما دون مسافة القصر، سواء كان في موضع الوجوب غير مستحق أو كان، وفضل عنه أو أعدم أو مثل أو دون؛ لأن هذا في حكم موضع الوجوب. انتهى.
وقوله: "أو قربه"، قال الخطاب: كما لو كان زرعه على أميال من البلد، فإنه يجوز له أن يحمله إلى فقراء الحاضرة. انظر فرض العين لابن جماعة. فإنه ذكر أنه يستأجر على نقلها منها، وقد ذكر هذا صاحب الطراز عن أبي حنيفة، فانظره. انتهى. ابن عرفة: ما على أميال من محلها كمحلها. سحنون: وكذا ما دون مسافة القصر. انتهى.
واعلم أن الزكاة تجزئ إذا نقلت ولم تفرق بموضع الوجوب أو قربه، أما إذا نقلت للأعدم فالأمر ظاهر، وأما إذا نقلت لمثل فقراء البلد، فقد نص المؤلف على الإجزاء، وإن كان ذلك لا يجوز ابتداء، وأما إن نقلت لدونهم في الفقر فالمذهب الإجزاء وإن كان ذلك لا يجوز ابتداء، خلافا لما مشى عليه المصنف من عدم الإجزاء، وأجاز نقل الزكاة الليث وأبو حنيفة، ونقله ابن المنذر عن الشافعي، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل، فلو خالف فنقل أجزأ عند المالكية على الأصح ولم يجز عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها.
إلا لأعدم؛ يعني أن الزكاة تجب تفرقتها بموضع الوجوب أو قربه، ولا تفرق في غير ذلك إلا لأجل شخص أعدم؛ أي أفقر ممن هو بموضع الوجوب أو قربه كائنا على مسافة أربعة برد فأكثر، فإنه ينقل أكثرها أي الزكاة، له أي لذلك الأعدم، ويقدم الأقرب فالأقرب كما في الأجهوري وغيره.
وقال الشيخ عبد الباقي والشيخ الخرشي: ينقل للأعدم أكثرها وجوبا على ظاهر المدونة. انتهى. وقال الشيخ المحقق الأمير: والأعدم له أكثرها قال عبد الباقي: وجوبا، ويرد عليه أنه سبق أن
стр. 2147
إيثار المضطر مندوب فقط، وأفهم الأكثر وجوب البعض في الموضع، فإن نقل الكل صح. انتهى. وقال غير واحد من شراح المصنف: وفهم من قوله: "فأكثرها له"، أنه لابد من تفرقة الأقل بموضع الوجوب، وإذا نقل للأعدم الكل فإنها تجزئ، وأما إذا فرق الكل بموضع الوجوب مع وجوب النقل للأعدم فالظاهر الإجزاء، ومفهوم قوله: "إلا لأعدم"، نقلها لدون أو مثل، فلا يجوز ولا تجزئ في الأول بخلاف الثاني. كما يأتي. بأجرة من الفيء؛ يعني أن نقل الأكثر من الزكاة للأعدم يكون بأجرة من الفيء؛ أي من بيت المال؛ أي كراء نقل الأكثر إلى الأعدم من بيت المال لا من عند مُخْرِجِ الزكاة. وقوله: "بأجرة من الفيء"، قال عبد الباقي: في معشر وماشية. انتهى. وقوله: "فأكثرها له بأجرة من الفيء"، في المدونة: إن فضل ينقل إلى أقرب البلدان. قاله الشارح. وقوله: "بأجرة من الفيء"، وعن ابن القاسم أنه يكري عليها من عند المالك قاله الشارح وقوله: بأجرة من الفيء هكذا روى ابن القاسم أن الإمام يكري عليها إذا نقلها من الفيء، وقال ابن القاسم: لا يكري عليها ولكن يبيع ذلك ويشتري مثلها بالموضع الذي أريد نقلها إليه. قاله الشارح، ونحوه للأجهوري. وزاد عن ابن القاسم: إلا أن يؤدي إلى ذلك اجتهاد. ابن رشد: ما قاله ابن القاسم هو ما أراده مالك. انتهى.
وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية، وفعل الشرط محذوف للعلم به؛ أي وإن لا يكن فيء، أو كان وتعذر. بيعت؛ أي فإن الزكاة تباع في بلد الوجوب، وإذا بيعت فيه اشتري بالثمن الذي بيعت في الموضع الذي نقلت إليه، مثلها، قال عبد الباقي: إن أمكن وإلا فرق الثمن عليهم كالعين. انتهى. وقال الخرشي: اشتري مثلها في الموضع الذي تنقل إليه إن كان خيرا، ولا يضمن إن تلفت، وإن شاء فرق ثمنها. والحاصل أن الإمام يفعل للفقراء المصلحة، فإن رأى المصلحة في نقلها أو شراء مثلها أو بيعها وتفريق ثمنها فعل. انتهى. وقال الشبراخيتي: قوله: واشتري مثلها؛ أي إن شاء، وإن شاء فرق ثمنها، وهذا إذا استوت المصلحة فيهما، وإلا تعين ما فيه المصلحة.
واعلم أنه إذا كانت المصلحة في نقلها أو شراء مثلها أو بيعها وتفريق ثمنها تعين ذلك، والظاهر أنه عند استواء المصلحة في النقل بالأجرة، وفي البيع بوجهيه يخير فيهما، كما يخير عند استواء
стр. 2148
المصلحة في تفرقة الثمن وفي اشتراء أصلها. انتهى. وقوله: "وإلا بيعت واشتري مثلها"، قال الشبراخيتي: قال أبو الحسن: ولا يضمنها إن تلفت. انتهى. وقد مر ذلك عن الخرشي، وقوله: "واشتري مثلها"، قال الشبراخيتي: وليس المراد بالمثلية هنا حقيقتها، بل المراد بالمثلية الجنس. انتهى.
وفي الأجهوري: والحاصل أنه إذا كانت المصلحة في وجه من الوجوه الثلاثة تعين، وإن استوت فيها خير في واحد منها. انتهى. وقوله: الثلاثة؛ يعني تفرقة الثمن، واشتراء مثلها، ونقلها بأجرة من الفيء. وقد مر أن الزكاة إذا نقلت من موضع الوجوب لقربه، تنقل بأجرة منها. كعدم مستحق؛ يعني أن موضع الزكاة إذا لم يكن فيه مستحق لها فإنها تنقل كلها بأجرة من الفيء إن كان وأمكن، وإلا بيعت واشتري مثلها؛ فهو تشبيه تام.
تنبيه: إذا أفضت الحال في المال إلى أن لا يقبله أحد كما يقع بعد نزول السيد عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، فقال الأبي: قال الشيخ -يعني ابن عرفة- لا تسقط الزكاة، وإذا لم يجد الإنسان من يستأجر لعمله عمل بنفسه، فإن عجز وجبت إعانته؛ لأن المواساة كما تجب بالمال تجب بالنفس. الأبي: وما تقدم للنووي من نسخ الجزية حينئذ لا يبعد أن تكون الزكاة كذلك؛ وهو في الزكاة أبين؛ لأنها إنما شرعت لإرفاق الضعفاء، فإن قلت إنما أسقط قبول الجزية نسخها لما ذكر من الأحاديث، قلت: وهذه أيضا كذلك، لقوله: (ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها (١)). انتهى. ثم ذكر في شرح هذه الجملة عن عياض؛ أي لا يبعث لأخذ زكاتها سعاة زهادة فيها لفيض المال مع أنها أنفس مال العرب. والقلاص جمع قلوص، وهي من الإبل كالفتاة من النساءة والحدث من الرجال. قاله الخطاب.
وقدم ليصل عند الحول؛ يعني أنه إذا لم يكن في موضع الزكاة مستحق لها، فإن الزكاة تقدم وجوبا أي يجب أن تخرج قبل الحول، ويبعث بها إلى موضع المستحق لتصل إلى الموضع الذي فيه المستحق عند الحول، وهذا في العين والماشية، وسيأتي أنها إن تلفت في هذه الحالة قبل الوصول إلى المستحق لا ضمان عليه فيها، والضمير للإمام أو الزكي على أن قدم بالبناء للفاعل،
стр. 2149
وعلى أنه مبني للمفعول فالضمير للمال المنقول وهو الزكاة المقدمة قبل الحول لتصل عند الحول، كذا يفيده غير واحد؛ وهو صريح في أن كلامه شامل للماشية بموضع الإمام وغيرها، وكذا يجب تقديم أكثرها قبل الحول ليصل للأعدم عند الحول، فكلامه شامل للأمرين كما يفيده غير واحد. انظر كتاب الأمير، وغيره.
ابن عرفة عن مالك: إذا نقلت الزكاة وجب أن يبعث بها بقدر تمام الحول بوصولها، خلافا للباجي أنه لا يبعث بها حتى يتم حولها، وعبارة الشارح عند قوله: "وقدم ليصل عند الحول"؛ أي أن الزكاة إذا نقلت إلى غير بلد مالكها فإنها تقدم قبل الحول بمقدار ما يكمل عند وصولها إلى ذلك البلد؛ وهو قول محمد. قال الباجي: لا تقدم ولا يرسلها إلا بعد وجوبها؛ وهو الظاهر، انتهى.
وإن قدم معشرا، تقدم حكم زكاة العين والماشية وهذا في زكاة المعشر؛ يعني أن من قدم زكاة شيء من المعشر قبل وجوبها بأن قدمها قبل الطيب لا تجزئه، سواء كان بموضعه مستحق أم لا. وقد مر قول المصنف: "والوجوب بإفراك الحب وطيب الثمر"، والمراد بالمعشر ما يجب فيه العشر أو نصفه من حب أو تمر على ما مر بيانه، وظاهره ولو كان التقديم يسيرا، وفهم من قوله: "وإن قدم معشرا"؛ أي زكاة معشر، أنه لو أخرج زكاة المعشر بعد الوجوب لأجزأت وهو كذلك، قال في الطراز: لو عجل زكاة زرعه قبل حصاده وهو قائم في سنبله، قال مالك عند ابن سحنون: تجزئه ولا أحب له أن يتطوع بها من قبل نفسه، يقول: لا يفعله أحد إلا أن يلجئه الساعي إلى ذلك، وإن فعل جاز لأن الزكاة قد وجبت بطيب الزرع. انتهى. وقال اللخمي لما ذكر الخلاف في تقديم الزكاة: وهذا في العين، ولا يصح في زكاة الحرث والزرع والثمار؛ لأنها زكاة عما لم يملك بعد ولا يدري ما قدرها، ويجوز في المواشي إذا لم يكن ثم سعاة على مثل ما يجوز في العين، وقوله: "معشرا"، على حذف مضاف؛ أي زكاة معشر، وكذا يقال في قوله: "أو دينا أو عرضا".
أو دينا؛ يعني أن المحتكر إذا زكى دينه أي دين النقد الذي مر عليه حول قبل أن يقبضه، فإن زكاته لا تجزئه، فإذا قبضه وجب عليه أن يزكى، وأما المدير فقد مر أنه يزكي دينه، فليس بمراد هنا إلا أن يكون دينه على معسر أو من قرض، فإنه حينئذ يكون كدين المحتكر؛ أي لا يجزئه زكاته قبل قبضه أو عرضا؛ يعني أن المحتكر إذا كان عنده عرض فزكى ثمنه بتقدير أن
стр. 2150
يبيعه، فإن تلك الزكاة لا تجزئه كما أنها لا تجزئه إذا أخرجها بعد أن باع العرض ولم يقبض الثمن النقد، فقوله: قبل القبض، ظرف للمسألتين، لكن معناه في الدين قبل قبض الدين، ومعناه في العرض قبل قبض ثمنه النقد، فيشمل صورتين ما إذا زكاه أي ثمنه قبل بيعه، وما إذا باعه وزكى الثمن قبل القبض، ومفهومه أنه لو قبض الثمن لزكاه على ما مر.
وعلم مما قررت أن هذا في المحتكر، وأما المدير فقد مر أنه يزكي العرض؛ أي قيمته. راجع ما مر إن شئت.
ولما كان قوله: "إلا لأعدم"، يفيد منع نقلها للمساوي في الحاجة والأدون، ولا يلزم من المنع عدم الإجزاء بل فيه تفصيل ذكره بقوله: أو نقلت لدونهم؛ يعني أنه إذا كان في موضع وجوب الزكاة مستحقون لها ونقلت الزكاة لمن دونهم في الحاجة على مسافة القصر، فإنها لا تجزئ، وأما إن نقلت لدون مسافة القصر فقد مر أنها في حكم موضع الوجوب، فقوله: "لأعدم"، له مفهومان هذا أحدهما. والآخر هو قول المصنف الآتي: أو نقلت لمثلهم. والله سبحانه أعلم. وقوله: "أو نقلت لدونهم"، خلاف المعتمد، والمعتمد الإجزاء فيما إذا نقلت لدون فقراء موضع الوجوب، وإن كان ذلك لا يجوز ابتداء كما في الأمير وحاشية بناني، فإنه قال عند قوله: "أو نقلت لدونهم": اعترضه المواق بأن المذهب الإجزاء، نقله عن ابن رشد والكافي.
أو دفعت باجتهاد لغير مستحق؛ يعني أن المزكي إذا اجتهد في دفع زكاته لمن هو مصرف لها في زعمه، فتبين أنه دفعها لغير مستحق في نفس الأمر كغني وعبد مع ظنه أولا أنه مستحق، والحال أنه تعذر ردها؛ أي الزكاة المدفوعة بالاجتهاد لغير المستحق؛ أي تعذر ردها منه، فإنه لا تجزئه، فإن لم يتعذر ردها ردها وصرفها في مصرفها وأجزأته، قال الشبراخيتي: وكذا إن فاتت ورد عوضها ثم إنه يرد عوضها؛ إذا أكلوها أو صرفوها فيما يتعلق بهم على المستحسن؛ لأنهم صانوا بها أموالهم، وأما إن تلفت بأمر من الله: فإن غروا من أنفسهم فكذلك، وإن لم يغروا لم يغرموا، ثم اختلف هل يغرمها ربها أم لا؟ انظر المواق. انتهى. وأما لو دفعها لمن ظنه غنيا فإذا هو فقير فإنها تجزئه ويأثم. قاله ابن العربي في عارضة الأحوذي في شرح الترمذي. قاله الحطاب.
стр. 2151
وقوله: "أو دفعت باجتهاد" لخ؛ أي هذا في المزكي نفسه، وأما الولي فتجزئ حيث تعذر ردها ولا ضمان عليه، قال ابن رشد: وأما الذي زكى مال يتيمه ثم انكشف أنه أعطاها غنيا وهو يظنه فقيرا، فلم يكن عليه أكثر مما صنع لأن الذي تعبد به إنما هو الاجتهاد في ذلك، ألا ترى أن من أهل العلم من يقول إنه: إذا أعطى زكاته لغني وهو لا يعلم أجزأته زكاته، ولا خلاف في أنه يجب أن ترد من عنده إذا علم به وقدر عليه. انتهى. قاله الخطاب. ويأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله. إلا الإمام؛ يعني أن الإمام إذا دفع الزكاة باجتهاده لمن يظنه فقيرا -مثلا- ثم تبين خلاف اجتهاده، فإن الزكاة تجزئ عن ربها، فلا يطالب بإخراجها ثانية لأنه حكم لا يتعقب، وأما الوصى ومقدم القاضي يدفعانها باجتهاد لغير مستحق، فإن تعذر ردها أجزأت، وإلا فلا. قال عبد الباقي: ونحوه للخرشي الأقسام ثلاثة: المزكي لا تجزئه تعذر ردها أم لا، والإمام تجزئ مطلقا، ومقدم القاضي والوصي فيهما التفصيل؛ إن تعذر ردها أجزأت، وإلا فلا. انتهى. وقولهما: إن الإمام تجزئ ولو لم يتعذر ردها، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل في كلام ابن عرفة والتوضيح وغيرهما أنها تنزع ممن دفعها له الحاكم إق أمكن وهو ظاهر؛ إذ كيف تكون الزكاة بيد الأغنياء ولا تنزع من أيديهم، ويدل على ذلك ما في المواق عن اللخمي وهو ظاهر المصنف. وقوله: "وتعذر ردها"، هذا الذي ذكره المصنف هو المشهور، وقيل: تجزئ بناء على أن المطلوب الاجتهاد وقد حصل.
وقال الشارح عند قوله: "أو دفعت باجتهاد لغير مستحق وتعذر ردها"؛ أي فلا يجزئه إذا دفعها لغني أو لعبد أو كافر، وتعذر أخذها منهم وإن اجتهد في دفعها وهو المشهور، وقيل: يجزئ بناء على أن الواجب عليه الاجتهاد وقد حصل، أو الإصابة ولم تحصل، وقيل: لا يجزئ في العبد والكافر، ويجزئ في الغني؛ لأن حاله يخفى غالبا. ابن رشد: وهذا إذا دفعها لهؤلاء أربابها، وأما إذا دفعها لهم الإمام فإنها تجزئ ولا غرم عليهم ولا على ربها؛ لأنه محل الاجتهاد واجتهاده نافذ. وقد علمت أن الوصي ومقدم القاضي كذلك، وقوله: "باجتهاد"، فهم من كلامهم أنه لو دفعها بغير اجتهاد لكان متعديا.
стр. 2152
أو طاع بدفعها لجائز في صرفها؛ يعني أن الشخص إذا طاع بدفع زكاته لإمام يجور في صرف الزكاة، وجار في صرفها بالفعل، فإن هذه الزكاة لا تجزئ، وكذا إذا أخذها منه طوعا لأنه مع الطوع في الدفع أو الأخذ من التعاون على الظلم، والواجب عليه جحدها والهرب بها ما أمكن، فإن طاع بدفعها له ولكن صرفها لمستحقها أجزأت، ومفهوم في صرفها أنه لو طاع بدفعها لجائر في أخذها، كأخذه أكثر من الواجب، ولكن يصرفها في مصرفها، فينبغي أن تجزئه البتة. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال ابن الحاجب: وإذا كان الإمام جائرا فيها لم يجزه دفعها إليه، قال في التوضيح: أي جائرا في تفرقتها وصرفها في غير مصارفها لم يجزه دفعها إليه لأنه من باب التعاون على الإثم، والواجب حينئذ جحدها والهروب بها ما أمكن، وأما إذا كان جوره في أخذها لا في تفرقتها؛ بمعنى أنه يأخذ أكثر من الواجب فينبغي أن يجزئه ذلك على كراهة دفعها إليه. انتهى. انتهى كلام الخطاب.
أو بقيمة؛ يعني أن من دفع في الزكاة غير عينها؛ بأن دفع قيمتها من عين أو عرض طائعا، فإن ذلك لا يجزئه، وظاهره أن ذلك لا يجزئ مطلقا، وفصل عبد الباقي تبعا للأجهوري، فقال: لا تجزئ العروض عن العين ولا عن الحرث، ولا عن الماشية، وكذا لا يجزئ حرث أو أنعام عن عين، ولا حرث عن أنعام أو عكسه، وأما دفع عين عن حرث أو ماشية فيجزئ مع الكراهة، فتأمل تلك الصور المتعلقة بقوله: "أو بقيمة". انتهى.
قال محمد بن الحسن: تأمل هذا التفصيل، وقد اعترض الشيخ أبو علي ما ذكره المصنف من عدم الإجزاء في القيمة طوعا؛ بأنه تبع ابن الحاجب وابن بشير، ومثلد قول ابن عرفة: إن أخرج العرض عن أحد النقدين لا يجزئ على المشهور. انتهى. مع أنه في التوضيح اعترضه بأنه خلاف المدونة، ونصه المشهور في إعطاء القيمة أنه مكروه لا محرم، قال في المدونة: ولا يعطي فيما لزمه من زكاة العين عرضا أو طعاما، ويكره للرجل شراء صدقته. انتهى. فجعله من شراء الصدقة، وأنه مكروه، ومثله لابن عبد السلام، قال ابن ناجي: قال ابن عبد السلام: ظاهر المدونة وغيرها أنه من باب شراء الصدقة، والمشهور فيه أنه مكروه لا محرم، ذكر هذا تعريضا بكلام ابن الحاجب. انتهى. فقول: "المصنف أو بقيمة"، خلاف ما اعتمده في التوضيح. قال أبو علي:
стр. 2153
وظاهر كلامهم أن ما في التوضيح وابن عبد السلام هو الراجح، ويدل له اختيار ابن رشد أن الإجزاء هو أظهر الأقوال وتصويب ابن يونس له كما نقله الشيخ أحمد، قال أبو علي: وأما تفصيل علي الأجهوري فلم أره لأحد. انتهى.
ويشهد للقول الأصح الذي هو إجزاء القيمة ما في صحيح البخاري عن طاووس، قال: قال معاذ لأهل اليمن: ايتوني بعرض ثياب خميص، أو ليس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة؟ رواه في التيسير، وقد تأول الخبر على أنه أخذ نفس الواجب وأبدله بما ذكر.
وفي الخطاب: لا يجوز إخراج العرض والطعام عن الورق والذهب؛ لأنه من باب إخراج القيمة، ولا يجوز إخراجها ابتداء، فلو أخرج عرضا أو طعاما رجع به على الفقير، ودفع له ما وجب عليه، فإن فات في يد الفقير لم يكن عليه شيء؛ لأنه سلطه على ذلك وذلك إذا أعلمه أنه من زكاته، وإن لم يعلمه لم يرجع مطلقا فات أم لا؛ لأنه متطوع. قاله مالك. نقله في التوضيح وابن يونس.
وقال ابن عرفة: وفي إجزاء عرض عين كقيمته نقلا ابن حارث عن أشهب وابن القاسم. انتهى. وقال الخطاب أيضا: وإذا وجب جزء ذهب أو فضة فأخرج أدنى أو أعلى بالقيمة، فقال ابن الحاجب: فيه قولان تبعا لابن شأس، وقبلهما ابن عبد السلام والشيخ في التوضيح، وقال ابن عرفة: ونقل ابن الحاجب جواز إخراج أدنى أو أعلى بالقيمة لا أعرفه، بل قول محمد لا يخرج عن ردي قيمته من نوعه جيدا، بل قيمة ردى الذهب فضة أو عكسه أو منه. انتهى. وسئل ابن أبي زيد عمن وجبت عليه زكاة فاشترى بها ثيابا أو طعاما وتصدق به فقال: ابن القاسم يقول: لا يجزئه، وأشهب يقول: يجزئه، قلت: أجراها على ما لو أخرج ذلك من عنده، واختار اللخمي فيما إذا كان ذلك خيرا للفقراء جوازه، بل هو محسن. انتهى. قاله الحطاب أيضا.
وقوله: لم تجز بسكون الجيم وضم التاء وكسر الزاي، جواب الشرط؛ أعني قوله: "وإن قدم معشرا"، فهو راجع للمسائل السبع، وفي الخرشي أنه إذا أخرج عن العين أو الحرث أو الماشية عرضا أنه لا يجزئ عند ابن القاسم، ويجزئه عند أشهب. انتهى. وقال الحطاب عند قول
стр. 2154
المصنف: "حقتان أو ثلاث بنات لبون الخيار للساعي"، ما نصه: لو أخذ المصدق أفضل من الواجب وأعطى عن الفضل ثمنا، أو أخذ أنقص وأخذ عن النقص فلا يجوز، وأما إن وقع فالمشهور الإجزاء، وكذا أخذ القيمة لا يجوز إذا وقع ونزل فالمشهور الإجزاء. انتهى كلام الحطاب. وقال عند قول المصنف: "والأصح إجزاء بعير"، ما نصه: ولو أخرج عن الشاة بعيرا يفي بقيمتها ففي إجزائه قولا عبد المنعم والباجي مع ابن العربي، وتخريجه المازري على إخراج القيم في الزكاة بعيد؛ لأن القيمة بالعين. انتهى. قلت: وفي قوله: بعيد نظر؛ لأنه ليس مراده حقيقة القيم، وإنما مراده أنه من هذا الباب، ألا ترى أنهم قالوا في باب مصرف الزكاة إنه لا يجوز إخراج القيم، وجعلوا منه إخراج المرض عن العين؟ انتهى.
وقال الشارح عند قوله: "أو بقيمة لم تجز"، ما نصه: هو إشارة إلى المسألة السابعة؛ وهي إذا دفع القيمة عن الواجب لم تجزه، ونقل غيره في ذلك الإجزاء. ابن يونس: وهو الصواب، وقيل: يكره ذلك، وشهره بعض الأشياخ. انتهى.
لا إن أكره، هذا مفهوم قوله: أو طاع بدفعها لجائر في صرفها أو بقيمة، فهو محترز الأمرين الأخيرين؛ يعني أن الشخص إذا أكرهه الأمير الجائر في صرف الزكاة على أن يدفعها له فإن الزكاة المدفوعة على هذا الوجه تجزئ، أما إن عدل في صرفها فلا إشكال في الإجزاء، وأما إن لم يعدل ففي الإجزاء قولان، والمشهور الإجزاء، ورد المصنف المقابل بقوله: "لا إن أكره"، ومحل الإجزاء إذا أخذها أوَّلًا ليصرفها في مصرفها، وأما لو علم أنه إنما يأخذها لنفسه فلا. قاله في التوضيح، وأصله لابن عبد السلام. قال بعد أن شرح كلام ابن الحاجب: وهذا إن صح فيكون مقصورا على ما إذا أخذها ليصرفها في مصارفها، أما إذا كان أخذه أولا إنما هو لنفسه كما يعلم قطعا من بعضهم، وكما هو في عامة أعراب بلادنا، فلا يتمشى ذلك فيهم. انتهى. قال الخطاب: وظاهر كلام أبي الحسن أن الخلاف جار ولو أخذها وأكلها، ونقله عن أبي إسحاق التونسي. فتأمله. والله أعلم انتهى. ما قاله الخطاب.
وكذا تجزئ لزكاة فيما إذا أكره المصدقُ ربَّ المال على أن يدفع له القيمة عرضا أو نقدا، وقوله: "لا إن أكره"؛ أي ولو حكما كخوفه أن يحلفه الإمام الجائر عليها. قاله عبد الباقي. وقال محمد
стр. 2155
بن الحسن عند قوله: "لا إن أكره": أي فإنها تجزئ ولو أخذها لنفسه، كما يدل عليه كلام أبي الحسن، وصرح به ابن رشد، وقال البرزلي: إنه المشهور الذي عليه العمل، وإن كان في ابن عبد السلام ما يخالفه، وهذا كله إذا أخذها باسم الزكاة، وإلا فلا تجزئ كما صرح به البرزلي والشيخ زروق وغيرهما.
وقد مر عند قول المصنف: "فإن تخلف وأخرجت أجزأ على المختار"، ما يفيد أن من تعذر عليه نفس الواجب يخرج القيمة. والله سبحانه أعلم. أو نقلت لمثلهم، هذا أحد مفهومي قوله: "إلا لأعدم "، والآخر هو قوله: "أو نقلت لدونهم"، وقد مر الكلام عليه وأن المعتمد فيه الإجزاء، وإن كان لا يجوز ابتداء. والله أعلم. ومعنى كلام المصنف أنه إذا كان في الموضع الذي وجبت فيه الزكاة مستحقون لها ونقلت منه لمثلهم في الحاجة وهم على مسافة أربعة برد فأكثر، فإن ذلك يمنع ابتداء، وإذا وقع فإن الزكاة تجزئ. وفي الخرشي: ويجوز من غير كراهة شراء زكاة الغير. وهذا إذا كانوا يصرفونها في مصارفها وإلا فلا يجوز لأنهم غصاب، كما قال ابن رشد. كمن تعدى على سلعة رجل فلا يحل لأحد شراؤها. ابن المواز: الإمام إذا كان غير عدل لا يحل للعامل عليها الأكل منها ولا يعمل إلا مكرها.
أو قدمت بكشهر في عين وماشية؛ يعني أن زكاة العين والماشية إذا قدمت قبل الحول بيسير فإنها تجزئ، وإن كان ذلك لا يجوز ابتداء وهذا هو المشهور، وسواء كان لهم ساع أم لا، ففي الطراز أنها: إذا دفعت للساعي قبل الحول بكشهر أجزأت، ومقابل المشهور قول أشهب: لا تجزئ قبل محلها كالصلاة قبل وقتها رواه عن مالك، ورواه ابن وهب، قال ابن يونس: وهو الأقرب وغيره استحسان. وقال في البيان: وحمل ابن نافع قول مالك عليه؛ وهو رأى أنها لا تجزئ قبل محلها بيوم ولا بساعة واحدة، وهو ضامن لها حتى يخرجها بعد محلها. انتهى. وفي كتاب الزكاة الأول من المدونة: ولا ينبغي إخراج شيء من عين أو حرث أو ماشية قبل وجوبه، إلا أن يكون قبل الحول بيسير فيجزئه، ولا يجزئه فيما بعد، قال أبو الحسن الصغير: قوله ولا ينبغي، هنا بمعنى لا يجوز، ثم قال: وقوله: إلا أن يكون قبل الحول، راجع للعين والماشية، وقوله: "بكشهر"، هو في نسخة الشبراخيتي، قال: وفي بعض النسخ: أو قدمت في
стр. 2156
عين وماشية، ولم يذكر مقدار ما يجزئ تقديمها فيه. انتهى. وهذه هي نسخة الحطاب، فإنه قال: لم أر في شيء من النسخ تقييد التقديم بالزمن اليسير، ولا بد منه كما تقدم في لفظ المدونة. ونقل أبو الحسن الاتفاق على أنها لا تجزئ فيما بعد، وهو ظاهر كلام اللخمي، فإنه قال: ومن عجل زكاته لعام أو لعامين أو في العام [نفسه] (١) قبل أن يقرب الحول لم تجزه، واختلف إذا قرب الحول. انتهى قال الخطاب: ولا أعلم في عدم الإجزاء إذا قدمت قبل الحول بكثير خلافا في المذهب، وصرح الرجراجي بذلك في شرح المدونة. انتهى.
تنبيهات: الأول: لم يبين في المدونة حد اليسير وذكر ابن رشد في حده أربعة أقوال: أحدها أنه اليوم واليومان ونحو ذلك؛ وهو قول ابن المواز، الثاني أنه العشرة الأيام ونحوها وهو قول ابن حبيب في الواضحة، الثالث أنه الشهر ونحوه وهو رواية عيسى عن ابن القاسم، الرابع أنه الشهران ونحوهما، وقع ذلك في المبسوطة. هكذا في البيان. وفي المقدمات: الرابع أنه الشهران فما دونهما، وهي رواية زياد عن مالك، ونقل اللخمي الأقوال الثلاثة الأول، ولم يقل فيها: ونحو ذلك، كما قال ابن رشد، بل قال محمد: إذا كان في مثل اليوم واليومين أجزأه ولا يجزئه ما فوق ذلك، ونقل الأقوال الأربعة عياض، وزاد هو واللخمي خامسا ولم يعزواه، وهو نصف شهر. ونقل ابن بشير وابن الحاجب في حد اليسير قولين آخرين: أحدهما أنه خمسة أيام، والثاني أنه ثلاثة أيام، قال ابن عرفة: ولا أعرفهما. انتهى.
قلت: القول بالثلاثة يشبه قول ابن المواز، واليومان ونحوهما. قاله الخطاب. ونقله الشبراخيتي، وقال: وحينئذ فالأقوال ستة قال الخطاب: ووجه صاحب الطراز قول ابن القاسم: إن حد اليسير الشهر، بأنه إذا بقي لحوله ثلاثون يوما ونحوها، فقد دخل شهر زكاته وكان ذلك أول وقت الأداء، وقد يكون بالفقراء حاجة مفدحة فيسامح في إخراجها ويكون ذلك أصلح للفقراء، وفي كلامه ميل إلى ترجيح هذا القول، فإنه فرع عليه وهو الظاهر، وقال الشريف الفاسي في تصحيح ابن الحاجب: وعليه اقتصر خليل في مختصره، فلعله وقع في نسخة من المختصر كذلك، ولو قال
стр. 2157
المصنف: أو قدمت بكشهر في عين وماشية لأفاد المسألتين؛ أعني التقييد باليسير وتحديده. والله أعلم. انتهى. وهذا التصويب هو النسخة التي شرحت عليها.
الثاني: قال الخطاب: إن "في"، في قول المصنف: "في عين"، للظرفية فهي ظرف للتقديم، ونقله عن البساطي وقال الشارح في الكبير: الذي يظهر لي أن حرف الجر في قوله: "في عين وماشية"، للسببية، كقوله ﵇: دخلت امرأة النار في هرة، والتقدير: أو قدمت إذا وجبت بسبب عين وماشية. انتهى. والظاهر ما للحطاب والبساطي، لا ما للشارح.
الثالث: يفهم من كلام المصنف أن الخلاف إنما هو في الإجزاء بعد الوقوع، لا في الجواز ابتداء وهو كذلك، فقد اعترض المصنف على ابن هارون في قوله: المشهور الجواز بأنه إنما نقل صاحب الجواهر والتلمساني الخلاف في الإجزاء، قال في التوضيح: وهو الأقرب لأنه لا شك أن المطلوب ترك ذلك ابتداء. انتهى.
وقد تقدم في لفظ المدونة أنه لا ينبغي، وقال أبو الحسن: إن معناه لا يجوز، وفي سماع عيسى: وأرى الشهر قريبا على زحف وكره، وقوله: على زحف بالزاي والحاء المهملة أي استثقال. والله أعلم. قاله الحطاب. والمراد بالتقديم هنا وفي قوله: "وإن قدم معشرا"، الإعطاء للمساكين قبل الوجوب، والمراد به في قوله: وقدم، ليصل عند الحول تقديم النقل لتصل للمساكين عند الحول. الرابع: وقع في شرح عبد الباقي وغيره كالحطاب وغيره أن قوله: "في عين وماشية"، محله في الماشية إذا لم يكن سعاة، وقال محمد بن الحسن: لا فرق في ذلك بين ما إذا كان لها سعاة وما إذا لم يكن لها ساع، قال: فإذا دفعت للساعي قبل الحول بكشهر فإنها تجزئ كما في الطراز، ونقله الحطاب عند قول المصنف: "فإن ضاع المقدم" لخ، وقوله: "أو قدمت بكشهر"، قد مر أن ذلك لا يجوز ابتداء وهو المشهور، أو المتفق عليه على ما قال الخطاب، وقد مر ذلك. ومر قول ابن هارون: والمشهور الجواز والاعتراض عليه، وفي التيسير عن أبي داود والترمذي ما يؤذن بالجواز، فقد روي عنهما عن علي ﵁، قال: سأل العباس ﵁ رسول الله
стр. 2158
صلى الله عليه وسلم في تعجيل الزكاة قبل أن يحول الحول مسارعة إلى الخير فأذن له في ذلك. فإن ضاع القدم فعن الباقي؛ يعني أن الشخص إذا قدم زكاته أي أخرجها قبل الحول، فضاعت قبل أن تصل إلى المساكين -مثلا- فإنه يزكي عن الباقي؛ أي يخرج زكاة ما حال عليه الحول من ماله إن كان فيه نصاب، ولا يزكي عما أخرجه في الزكاة، وظاهر المصنف سواء قدمها بكثير بحيث لا يجزئ إخراجها، أو بيسير بحيث يجزئ إخراجها لو وصلت لمستحقها، وظاهره أيضا يشمل التقديم الواجب وغيره، وحينئذ فأقسام تقديمها قبل الحول ثلاثة: أحدها: أن يقدمها قبل الحول بكثير فلا إشكال في عدم إجزائها، ضاعت قبل الوصول لمستحقها أو بعد الوصول إليه، ثانيها: أن يقدمها فتضيع قبل الوصول للمستحق، وقد كان قدمها في الزمن الذي لو وصلت فيه للمستحق لأجزأت، وهذا ظاهر المصنف أنها لا تجزئ، وهو الذي جزم به ابن رشد وذكره القاضي عياض عنه في التنبيهات، وقال ابن المواز: تجزئه ولا يضمنها، وذكر في الطراز أنه مقتضى المذهب، قال: لأنها زكاة وقعت موقعها، وذلك الوقت في حكم وقت وجوبها. انتهى. نقله الخطاب. قال الحطاب: وظاهر المذهب أن الزمن اليسير هنا يجري على الخلاف السابق فيه، وقيده ابن المواز باليومين والثلاثة. قاله محمد بن الحسن. ومفهوم قوله: "فإن ضاع المقدم"، أنه لو أخرجها بعد الحول وضاعت من يد الرسول قبل وصولها للمستحق لأجزأت، أما على قول ابن المواز من إجزائها حيث قدمت بالزمن اليسير فلا إشكال في ذلك وهو بين ظاهر؛ لأن قوله: وذلك الوقت في حكم وجوبها صريح أو كالصريح في أنه إذا أخرجها بعد الوجوب وأرسلها لمستحقها فضاعت قبل أن تصل إلى مستحقها فإنها تجزئه ولا ضمان عليه، وأما على ما جزم به ابن رشد وهو ظاهر المصنف فمقتضاه أنها تجزئه ولا ضمان عليه. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. ثالثها: التقديم الواجب وهو المشار إليه بقول المصنف: "وقدم ليصل عند الحول"، ولا شك أنها إذا قدمت هذا التقديم الواجب تجزئ إذا ضاعت من يد الرسول قبل الوصول للمستحق، فلا يشمله كلام المصنف لأنها إذا قدمت قبل الحول لتصل عند الحول فضاعت قبل وصولها للمستحق فإنما فعل واجبا فتجزئه، وأما حمل المصنف على ما يشمل التقديم الواجب
стр. 2159
وغير الواجب كما فعل الخرشي فمردود بما نقله التتائي عن أبي الحسن عند قول المصنف: "إلا لأعدم"، أنها إن تلفت حينئذ فلا ضمان، ومثله في نقل ابن عرفة عن النوادر، قال محمد بن الحسن محتجا على تصحيح ما لعبد الباقي من أن المصنف لا يشمل التقديم الواجب: فدل على أن كلام المصنف مقصور على غير الواجب. انتهى. قوله: فدل أي ما في النوادر وما في التتائي عن أبي الحسن. والله سبحانه أعلم.
وفي الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أنه إذا عجل الزكاة بالزمن اليسير، وضاع ما عجله قبل وصوله لمستحقه، فهل يجزئه وهو ظاهر كلام صاحب الطراز وكلام ابن المواز؟ إلا أن اليسير عند ابن المواز اليومان والثلاثة وظاهر كلام صاحب الطراز أنه على الخلاف السابق فيه، أو لا يجزئه؟ وهو الذي جزم به ابن رشد، وظاهر المصنف أنه مشى عليه. والله أعلم.
وفي الجواهر: ولو عجل الزكاة قبل الحول بالمدة الجائزة على الخلاف فيها ثم هلك النصاب قبل تمام الحول أخذها إن كانت قائمة بعينها وَعُلِم أي هلاك النصاب إن بَيَّن أنه زكاة معجلة وقت الدفع، وإن لم يبين ذلك لم يقبل قوله: وأما لو دفع الزكاة معجلة ثم ذبح شاة من الأربعين فحال الحول ولم ينجبر النصاب لم يكن له الرجوع؛ لأنه يتهم أن يكون ذبح ندما ليرجع فيما عجل. قاله الخطاب. ونقل نحوه عن ابن العربي، فقال: قال ابن العربي في عارضته: إذا قدم زكاة العين في الوقت الجائز ثم هلك المال قبل الحول فإنه يرجع في زكاته إن كانت قائمة وبين أنها زكاة، ولو قدم زكاة الغنم ثم ذبح منها ما نقصها عن النصاب لم يرجع لأنه يتهم، نعم لو ضاعت بأمر من الله تعالى رجع. انتهى.
وفي الذخيرة: لو عجل بالمدة الجائزة فهلك النصاب قبل تمام الحول أخذها إن كانت قائمة إن ثبت ذلك، وإلا فلا يقبل قوله. انتهى. وقال صاحب الطراز: وإذا جوز دفعها قبل الحول بنحو الشهر على قول ابن القاسم في العتبية، فدفع نصف دينار عن عشرين دينارا أو شاة عن أربعين، وبقي بقية ماله بيده حتى تم الحول، فهل يكون ذلك زكاة مفروضة، أم لا؟ ظاهر كلام ابن القاسم أنها زكاة، وهو قول الشافعي في الزكاة المعجلة، وقال أبو حنيفة: لا تكون زكاة، ثم قال: فلو تلف ذلك من يد الساعي قبل كمال الحول وقبل أن يدفعه للمساكين لم يضمنه على مقتضى
стр. 2160
المذهب؛ لأنها زكاة وقعت موقعها، وذلك الوقت في حكم وقت وجوبها، وعند المخالف لا يقع ذلك موقع الزكاة بنفسه، بل يقف على مراعاة شرائط الأداء عند انفلات الحول، ثم قال: واختلفوا إذا تغيرت أحوال رب المال قبل الحول فمات أو ارتد أو تلف ماله، هل له أن يسترد ما دفع، فقال أبو حنيفة: إن كان ذلك قائما بيد الإمام استرجعه، وإن وصل إلى الفقراء لم يكن له إليه سبيل، وقال الشافعي وابن حنبل: له استرجاعه بكل حال وهذا إذا بين عند الدفع أنها زكاة معجلة، ثم قال: ولو تغير حال الفقير عند الحول فارتد أو مات أو استغنى بغير الزكاة، فقال أبو حنيفة: قد وقعت موقعها ولا تسترد منه وهو وَفْقُ مذهب ابن القاسم في العتبية، ثم ذكر مذهب الشافعي وابن حنبل وفيه تفصيل، فليراجعه من أراده.
وقال ابن العربي في عارضته: فإن قدمها لشخص فقير ثم استغنى عند الحول، فإن كان غناه من الزكاة فَلَا كَلَامَ في الإجزاء، وإن كان بغيرها فيتخرج فيها القولان فيما إذا أعطى لشخص ظنه فقيرا فتبين غنيا، قال ابن القاسم في الأسدية: تجزئه، وقال في المدونة: لا تجزئه. انتهى.
قلت الجاري على قول صاحب الطراز إنها زكاة أنه لا ينظر إلى تغير الأحوال، والجاري على ما قاله ابن رشد أنه ينظر إلى تغير حال المال وربه والفقير، وقد جزم في الجواهر بأنه إذا قدمها قبل الحول ثم تلف المال أنه يستردها، ونصه: ولو عجل الزكاة قبل الحول بالمدة الجائزة على الخلاف فيها لخ، وقوله: "فإن ضاع المقدم"، فعن الباقي قد علمت أن المصنف مشى فيه على مذهب ابن رشد، ومذهب ابن رشد في ذلك أنها لا تجزئه إذا ضاعت قبل الوصول للرسول ولو قدمها بيسير، قال: كذا يأتي عندي على جميع الأقوال المتقدمة وإنما تجزئه إذا أخرجها قبل الحول ونفذها، لا فيما إذا ضاعت ولم تصل إلى أهلها ولا بلغت محلها.
وإن تلف جزء نصاب ولم يمكن الأداء سقطت؛ يعني أن الشخص إذا كان عنده نصاب حال عليه الحول وتلف جزؤه أي بعضه -والحال أنه لم يمكنه الأداء أي إخراج زكاته- سقطت عنه الزكاة؛ لأنه لما لم يمكنه الأداء كان كما لو تلف قبل الحول: قوله: "جزء نصاب"، وكذا لو تلف كله. والحامل: أن ما تلف بعد الحول بغير تفريط ولا إمكان أداء تسقط زكاته لأنه في حكم ما تلف قبل الحول، ومثلوا لعدم إمكان الأداء بعدم المستحق وبعدم إمكان الوصول إليه، وبغيبة
стр. 2161
المال. قاله الشبراخيتي. وأما تلف المال قبل الحول فلا يفصل فيه بين إمكان الأداء وعدمه كما في الشبراخيتي؛ لأنه غير مخاطب بها. ومفهوم قوله: "ولم يمكن الأداء"، أنه لو تلف مع إمكان الأداء ضمنها وهو كذلك، ومثله ما تلف بتفريط بعد الحول حيث لم يمكن الأداء، فلو قال المؤلف وإن تلف جزء نصاب بعده بلا تقصير سقطت، لكان أشمل، ويدخل في التفريط ما إذا أمكن الأداء وأخر. قاله الخرشي. وقوله: "سقطت"؛ أي حيث لم يبق نصاب، فإن بقي نصاب لم تسقط زكاته، وسقطت حصة ما قابل التالف إن كان يزيدها، ويشمل ذلك قوله: "وإن تلف جزء نصاب ولم" لخ، والله سبحانه أعلم.
وقوله: "سقطت"؛ أي بناء على أن الفقراء ليسوا شركاء، خلافا لقول ابن الجهم إنهم شركاء، وعليه فيكون لهم في العين ربع عشر ما بقي ولو درهما. كعزلها فضاعت؛ يعني أن الشخص إذا عزل زكاته عن ماله بعد الحول لمستحقها أو قبله، حيث يطلب بالتقديم بأن نوى بهذا الذي عزله من ماله الزكاة فضاعت أو تلفت بغير تفريط وغير إمكان أداء، فإنه تسقط عنه أي لا يلزمه إخراجها ثانية، فإن وجدها بعد أن ضاعت لزمه إخراجها ولو كان فقيرا مدينا، وأما لو عزلها قبل الحول فضاعت فإنه يضمنها -قاله مالك- لتنزل عزلها منزلة العدم، ويعتبر ما بقي. قال عبد الباقي، وقيده ابن المواز بما إذا عزلها قبل الحول بكثير، وأما بيوم أو بيومين أو في الوقت الذي لو أخرجها فيه لأجزأته فلا ضمان. انتهى.
قال محمد بن الحسن: اعتمد هنا تقييد ابن المواز ولم يعتمده فيما تقدم عند قوله: "فإن ضاع المقدم" لخ، وما كان ينبغي له ذلك. انتهى. وقال الشيخ سالم: تقييد ابن المواز ضعيف، وقوله: "كعزلها فضاعت"؛ أي ضاعت بغير تفريط.
وبما قررت علم أن التشبيه في سقوط الضمان مع عدم إمكان الأداء، وقوله: كعزلها فضاعت"، محله كما علم من التشبيه حيث لم يفرط ولم يمكن الأداء، فلو كان معه مستحق يمكن أن يؤديها له وترك تأديتها له اختيارا فتلفت، فإنه يضمنها. والله سبحانه أعلم. وفي القلشاني: أن الزكاة لو ضاعت بعد الإخراج بغير تفريط أجزأ، وفي الكفارة لا يجزئ لأن المطلوب في الزكاة الإخراج. لا إن ضاع أصلها؛ يعني أن الشخص إذا عزل زكاته بعد الحول ثم ضاع أصلها؛ وهو المال المزكى
стр. 2162
وبقيت هي فإنها لا يسقط عنه وجوب إنفاذها، بل يجب عليه إنفاذها لمستحقها، ولا يمسكها لأجل تلف المزكى تلف بتقصير أم لا، أمكن أداء الزكاة منه قبل ضياعه أم لا، وأما لو عزلها قبل الحول وتلف الأصل أو ضاع فإنه لا يلزمه إنفاذها، ثم صرح بمفهوم قوله: "ولم يمكن الأداء"، فقال: وضمن إن أخرها عن الحول؛ يعني أن الشخص إذا وجبت عليه الزكاة بمرور الحول وأخر إخراجها بعد الحول فتلف المال مع إمكان أداء الزكاة، فإنه يضمن زكاة ماله، وتصير حينئذ دينا في ذمته يجب قضاؤه.
قال عبد الباقي، والخرشي عند قوله "وضمن إن أخرها عن الحول": أياما، ومقتضاه أن من أخرها يومين لا ضمان عليه، وصرح بذلك الأجهوري، فقال: وضمن إن أخرها أياما لا فيما إذا أخرها أقل من ذلك. انتهى. وقال الخرشي وعبد الباقي والشبراخيتي: فإن أخرها يوما ونحوه لم يضمن. انتهى. وقد تقدم أنه إذا لم يمكن الأداء بعد الحول لا ضمان عليه إلا أن يقصر في حفظ المال حتى تلف فإنه حينئذ يضمن الزكاة ولو مع عدم إمكان الأداء، وقال في المعلم: وللإمام تأخير الزكاة إلى الحول الثاني إن أداه اجتهاده إليه. قاله في أوائل الزكاة في حديث العباس ﵁. انتهى. نقله الخطاب.
وقوله: "وضمن إن أخرها عن الحول"؛ أي مع إمكان الأداء كما علمت، فإن لم يمكن الأداء لم يضمن إلا أن يقصر في حفظها، فيضمن ولو بتأخير يوم ونحوه، أمكن الأداء أم لا. قاله عبد الباقي. وقوله: "وضمن إن أخرها عن الحول"، يجري في الحرث والماشية حيث لا ساعي، وفي العين وما بعده في الحرث فقط. قاله عبد الباقي. وقوله: "وضمن إن أخرها عن الحول"، قال الشارح: يريد مفرطا في التأخير، وقاله في آخر زكاة الفطر من المدونة. وزعم ابن رشد أن المشهور إذا ضاعت بغير تفريط لا شيء عليه، وهو مخالف لا في المدونة. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وقال الخرشي بعد جلب كلام: فتلخص من هذا أنه إذا تلف جزء النصاب بعد الحول أو تلف ما عزله من الزكاة بعد الحول وما في حكمه، فإن كان بتفريط في حفظها ضمن مطلقا، وإن كان تأخيرها مع إمكان الأداء ضمن أيضا فيما إذا أخرها أياما، لا فيما إذا أخرها أقل من ذلك. انتهى.
стр. 2163
أو أدخل عشرة مفرطا؛ يعني أن الشخص إذا عزل زكاة حرثه عشرا أو نصفه في بيته، ولم يمكنه إعطاؤه للمستحق لعدمه أو بعدم إمكان الوصول إليه، وفرط في حفظه حتى تلف، فإنه يضمن ذلك، ويدخل في المصنف ما لو أدخل عشرة أو نصفه في جملة حبة بيته وفرط في حفظه فتلف ذلك؛ فإنه يضمن زكاة ما تلف كلا أو بعضا، وأما إن أدخل عشرة أو نصفه بيته مفردا أو في جملة حبة مع إمكان الأداء فإنه يضمن، لكن هذه يشملها قول المصنف: "وضمن إن أخرها عن الحول". قاله محمد بن الحسن.
وقال الشبراخيتي: وأما لو ضاع بالجرين فلا يضمن نص عليه في المدونة، وفي الرجراجي: إذا أدخل (١) بيته على وجه الضمان فتلفت ضمنها، أمكن الأداء أم لا، فرط في الحفظ أم لا. قاله عبد الباقي. لا محصنا؛ يعني أنه إذا أدخل عشرة أو نصفه مفردا أو في جملة زرعه بيته محصنا له؛ بأن لم يمكنه الأداء وتلف بغير تقصير في حفظه فلا ضمان عليه، والتحصين الحفظ عن الضياع. وإلا؛ أي وإن لم تعلم كيفية إدخال ما ذكر بيته، هل أدخله على جهة التحصين أو التفريط وادعى التحصين، ففي تصديقه في دعواه تردد؛ أي قولان للمتأخرين حكاهما القاضي في التنبيهات، فعلى التصديق لا يضمن وعلى عدمه يضمن، ووجه التصديق أن الغالب التحصين في إدخال البيت، ووجه عدم التصديق أن الأصل بقاء الضمان وقال غير واحد: وليس هذا خاصا بمسألة الإدخال، بل هو جار فيها وفي مسألة التأخير، وقال الخرشي: إن قوله: "وإلا فتردد"، خاص بالثانية. انتهى.
وقال الأمير مشبها في الضمان: كأن أدخل عشرة البيت مثلا مفرطا لا محصنا لعدم وجود مستحق، وفي تصديقه في ادعاء التحصين قولان. انتهى. وأخذت من تركة الميت؛ يعني أن الزكاة تؤخذ من تركة الميت، وكيفية الأخذ هنا مجملة بينها في باب الوصية بأنها مقدمة عند ضيق الثلث على الفطرة، وعلى عتق الظهار إن أوصى بها إلا أن يعترف بحلولها ويوصي، فمن رأس المال كالحرث والماشية، وإن لم يوص فلا اعتراض عليه هنا في إجماله، وإذا مات ميت لا وارث له وهو ببلد سلطان وما له ببلد سلطان آخر، ورثه سلطان البلد الذي مات فيه. ذكره ابن رشد في
стр. 2164
أجوبته. قاله الطخيخي. والذي لابن رشد أن ماله لسلطان البلد الذي استوطنه ولو مات بغيره، وأما إن لم يستوطن بلدا له سلطان -والحال أنه مات بغيره- فهل يعتبر البلد الذي مات به أو البلد الذي المال به قولان مخرجان. واقتصر ابن رشد على الأول. قاله الشبراخيتي. وكرها؛ يعني أن الشخص إذا امتنع من أداء الزكاة فإنها تؤخذ منه كرها أي قهرا.
وإن بقتال؛ يعني أنه إذا لم يقدر على أخذ الزكاة ممن امتنع من أدائها إلا بقتال فإنه يقاتل عليها. قاله مالك. وقال أشهب: يحسن أدبه إن كان الوالي يقسمها، وإن كان على غير ذلك فلا يتعرض له. قاله الشارح. وقوله: "وكرها وإن بقتال"؛ أي وتنوب نية الإمام عن نيته. الفاكهاني: واختلف هل تجزئه نية الإمام والصحيح الإجزاء؟ ابن شعبان: ولا يقاتل أهل البلد إن منعوا زكاة الفطر. انتهى. وروى محمد: كالموطإ كل من منع فريضة عجز المسلمون عن أخذها منه وجب جهاده لأخذها. انتهى. قاله علي الأجهوري.
ابن عرفة: وفي تصديق من قال: ما معي قراض أو وديعة، أو علي دين، أو لم يحل حولي دون يمين طرق. اللخمي وعبد الحق: في المتهم روايتان لها ولغيرها الصقلى: ثالثها غير المتهم لها ولنقله وابن مزين. اللخمي: يسأل أهل رفقة القادم فإن لم يوجد مكذب صدق، ولا يصدق مقيم في دعوى حدوث عتقه أو إسلامه لظهوره، ويكشف في دعوى القراض والدين، ويصدق في دعوى عدم الحلول. انتهى. قاله الخطاب.
وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: اختلف فيمن أخذت منه كرها ثم تاب، هل تلزمه إعادتها لفقد النية أم لا؟ انتهى. قاله الخطاب. وقوله: "وإن بقتال"؛ أي لقول الصديق ﵁: والله لو منعوني عَنَاقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها. ابن شعبان: ظاهره كان الممتنع معاندا أو متأولا قاله الشيخ إبراهيم. وأدب؛ يعني أن من امتنع من أداء الزكاة تؤخذ منه كرها ويؤدب. فقوله: "وأدب"، راجع لقوله: "وكرها"، ولا يرجع لقوله: "وإن بقتال"؛ لأن من أخذت منه بقتال لا يؤدب وكفى قتاله. قاله الشيخ إبراهيم.
стр. 2165
وتؤخذ من الممتنع من أدائها كرها وإن بقتال، سواء كان امتناعه منها عنادا أو تأويلا كما مر، لقول الصديق ﵁: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى المصطفى ﷺ لقاتلتهم عليه، قال في التيسير: والعقال حبل معروف، وقيل صدقة عام، ولاختلاف الرواية أعدت هذا الأثر. والله سبحانه أعلم. سند: وإن لم يظهر للممتنع مال وهو معروف بالمال فللإمام سجنه حتى يظهر ماله؛ لأنه من حق الفقراء والإمام ناظر فيه، وإن ظهر له بعض المال واتهم بإخفاء غيره فظاهر المذهب لا يحلف. مالك: أخطأ من يحلف الناس من السعاة، وليصدقوا بغير يمين. وقوله: "وإن بقتال"؛ أي ولا يقصد قتله، فإن قتل فهدر. قاله الشيخ الأمير. وقال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أنه إن قَتَلَ أو قُتِلَ فحكمه كالباغية لصدق حدها عليه. انتهى. ودفعت للإمام العدل؛ يعني أن الزكاة يجب دفعها للإمام العدل حيث كانت ماشية أو حرثا، بل وإن كانت عينا؛ يعني أنه لا فرق في وجوب دفع الزكاة للإمام العدل بين أن تكون عينا وبين أن تكون غير عين، وهذا هو مذهب المدونة، وقيل: يخرج العين ربها، وهذا إذا لم يطلبها الإمام، فإن طلبها لم يحل منعها. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وقوله: "للإمام العدل"، هو ظاهر إذا كان عدلا في صرفها وغيره، وأما إذا كان عدلا في صرفها جائرا في غيره فلا يجب دفعها له، خلاف ما تقتضية عبارة الشيخ عبد الباقي، بل يكره دفعها له حينئذ كما في الخطاب والتوضيح، ونصه: وأما إن كان جوره في أخذها لا تفرقتها -بمعنى أنه يأخذ أكثر من الواجب- فينبغي أن يجزئه ذلك على كراهة دفعها إليه. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "للإمام العدل"، أراد به المحقق عدالته، ولا يجوز الإفتاء بأن الإمام يأخذ الزكاة حيث شك في عدالته، كما يفيده كلام الأبياري، فإنه أفتى حين طلب الإمام المعونة من الرعية أنه لا سبيل لذلك؛ لأن عدالته مشكوك فيها، والمفتون بأن عمر قد اقتضاها يبعثون من قبورهم في النار بلا زبانية. انتهى. أي لأنه لم يصل إليه أحد في العدالة، ولإيهام أن المشكوك في عدالته عدل. قاله عبد الباقي.
قوله: فإنه أفتى حين طلب الإمام المعونة لخ، قال محمد بن الحسن: مثل هذا وقع لسلطان المغرب يوسف ابن تاشفين حين مر إلى الأندلس بقصد غزو الإفرنج، فقاتلهم في موضع يسمى
стр. 2166
الزلاقة قرب بطليوس، قال ابن خلكان: روي أن يوسف حينئذ طلب من أهل البلاد المعونة على ما هو بصدده، فوصل كتابه في ذلك إلى المرية، وذكر فيه أن جماعة قد أفتوه بطلب ذلك اقتداء بعمر ﵁، فقال أهل المرية لقاضي بلدهم وهو أبو عبد الله بن البراء، وكان من أهل الدين والورع على ما يجب: لا بد أن تكتب جوابه، فكتب إليه: أما بعد ما ذكره أمير المؤمنين في اقتضاء المعونة، وأن أبا الوليد الباجي وجماعة القضاة بالعدوة والأندلس بأن أفتوه بأن عمر ﵁ اقتضاها، وكان صاحب رسول الله ﷺ وضجيعه في قبره، ولا شك في عدله فليس أمير المسلمين ممن لا يشك في عدله، فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك منزلته من العدل فالله سائلهم عما تقلدوه فيها، وما اقتضاها عمر ﵁ حتى حلف في المسجد أن ليس عنده درهم واحد من بيت مال المسلمين، فلتدخل أنت المسجد الجامع وتحلف بحضرة أهل العلم وحينئذ تستوجب ذلك. انتهى.
ومفهوم قوله للإمام العدل أن الإمام إذا كان جائرا في صرفها لم يجز دفعها له طوعا، بل يجب الهروب بها أو إخفاؤها، ولو طلبها الإمام العدل فادعى إخراجها لم يصدق. قاله مالك. وابن القاسم. وقال أشهب: يصدق؛ أي إن كان صالحا. قوله: "ودفعت للإمام العدل". ابن عرفة: فيها إن غلبوا على بلد وأخذوا زكاة الناس والجزية أجزأتهم. الصقلي: روى محمد: والمُتَغَلِّبُونَ كالخوارج. ابن عبدوس عن أشهب: إن طاع بدفعها لخارجي أجزأته، التونسي: إن طاع بدفعها لوال جائر لا يضعها موضعها لم تجزه. قاله الخطاب.
وقد مر قول المصنف: أو طاع بدفعها لجائر في صرفها، وفي الخرشي: وإذا عدل الإمام فلا يسع أحدا تفرقة زكاته دونه، وليدفع إليه زكاة العين وغيرها، وأما من لم يعدل فإن قدر أن يخفي عليه زكاة الماشية والحب فعل إن لم يحلفه، فإن لم يقدر فلا يحلف وليجتز بما أخذ، ويخرج ما فضل عنده. انتهى. وقال ابن الحاجب: وإذا كان الإمام جائرا فيها لم يجزه دفعها إليه طوعا، فإن أجبره أجزأته على المشهور وكذا الخوارج، وقال ابن رشد عن سحنون في ذي أربعين شاة تحت كل أمير عشرة بالأندلس وإفريقية ومصر والعراق: إن كانوا عدولا أخبرهم وأتى كلا منهم بشاة لكل أمير ربعها، فإن أخذه كل منهم بربع قيمتها أجزأه. انتهى.
стр. 2167
وإن غر عبد بحرية فجناية؛ يعني أن العبد إذا غر مفرق الزكاة إماما أو غيره بأنه حر، فدفع له الزكاة، ثم ظهر أنه رقيق، فإن وجدت معه كلها أو بعضها أخذت منه، وإن أتلفها أو بعضها فإنها تكون جناية في رقبة العبد، فيخير سيده بين إسلامه وفدائه فيباع فيها، وقيل: تكون في ذمته لأنه متطوع بالدفع. ابن يونس: والأول أصوب لأنه لم يتطوع إلا لما أعلمه أنه حر ثم غره، وإليه أشار بقوله: على الأرجح. قاله الشارح، وغيره. وبه يتضح لك صحة تعبير المصنف بصيغة الاسم. وفي حاشية بناني: مقتضى نقل المواق أن هذا ترجيح لابن يونس من عند نفسه، فيكون الأولى لو عبر بالفعل ثم رأيت لفظ ابن يونس، ونصه: قيل فإن غر عبد، فقال إني حر، فأعطاه من زكاته ففات ذلك، فقال بعض أصحابنا: في ذلك نظر، فيكون في رقبته كالجناية لأنه غره، أو في ذمته لأن هذا متطوع بالدفع. ابن يونس: والصواب أنه جناية لخ، وبه يظهر صحة تعبيره بالاسم دون الفعل. انتهى. وتأمله. اللخمي: إن أعطاها لعبد أو غني أو نصراني؛ وهو عالم لم تجز، وإن لم يعلم وكانت قائمة بأيديهم انتزعت منهم وصرفت لمستحقها، فإن أكلوها غرموها على المستحب من القول لأنهم صانوا بها أموالهم، وإن لم يغروا لم يغرموها. قاله ميارة.
وقوله: "وإن غر عبد بحرية"، فجناية قد مر أن ذلك يشمل ما إذا كان المفرق للزكاة إماما أو غيره، وقال الأجهوري: إنها إذا دفعت للعبد من الإمام باجتهاده فإنه لا يباع فيها لأنها إن تلفت فإنها تجزئ وإن كانت باقية، وقلنا إنها تجزئ كما هو أحد التقريرين السابقين، فكذلك ولا تنزع منه، وإن قلنا إنها لا تجزئ فتنزع منه ولا يباع. فتأمله. انتهى.
وزكى مسافر ما معه؛ يعني أن المسافر يزكي ما حال عليه الحول من ماله الذي معه لاجتماع المال وربه اتفاقا. وما غاب؛ يعني أن المسافر كما يزكي ما معه من ماله الذي حال عليه الحول، يزكي أيضا ما غاب عنه من ماله الذي حال عليه الحول كلا أو بعضا، ولا يؤخر الإخراج إلى أن يرجع اعتبارا بموضع المالك.
قال مالك: وهو أحب إلي، وقال أيضا: يؤخر اعتبارا بموضع المال. قال عبد الباقي: وشمل قوله: "غاب"، الماشية، وظاهره ولو لم يعلم ما بقي. ولعلي الأجهوري فتوى بالصبر حيث لم يعلم قدرها في غيبتها. انتهى. قوله: وشمل قوله: "غاب"، الماشية لخ، قال محمد بن الحسن:
стр. 2168
يعني إذا لم يكن لها ساع، وأما إن كان لها ساع فإنها تزكى في محلها، فلا يشملها كلامه. انتهى. اللخمي: وعلى من أراد سفرا أن يوكل من يخرج عنه عند حوله إن علم أنه لا يعود إلا بعده، فإن لم يفعل صار متعديا فتصير الزكاة في ذمته، فحينئذ يجب عليه إخراجها وإن كان محتاجا على أحد قولي مالك في اعتبار موضع المالك، وكذا على القول بجواز نقلها، وأما على قول سحنون فيؤخر حتى يصل إلى بلده. قاله أبو الحسن. وتقدم أن الإبل إذا كانت في السفر وربها في البلد لا تجب عليه زكاتها حتى ترجع.
وقال الحطاب: إذا جاء الحول والإبل في سفر فلا يصدقها الساعي ولا ربها حتى تقدم، فإن ماتت فلا شيء عليه لأنه لم يفرط، ولا يلزمه أن يخرج زكاتها إلا منها. انتهى. وقوله: "وما غاب"، يخرج عن ذلك القراض والبضاعة والودعة، فقد تقدم الكلام عليها.
إن لم يكن مخرج، شرط في قوله: "وما غاب"؛ يعني أنه يشترط في زكاة ما غاب عن المسافر من ماله أن لا يكون هناك مخرج يخرجها عنه في غيبته، وأما إن كان هناك مخرج يخرجها عنه بتوكيل أو لكون الإمام يأخذها ببلده، فإنه لا يزكي ما غاب عنه، وقد مر أنه يجب على من أراد سفرا أن يوكل من يخرج عنه عند حوله إن علم أنه لا يعود إلا بعده فإن، لم يفعل صار متعديا لخ. وقد مر أيضا أن إخراج من له عادة بالإخراج مجزئ على ما في الأضحية، وعليه فالمراد الوكيل ولو حكما. قاله علي الأجهوري.
ولا ضرورة؛ يعني أن المسافر يزكي ما غاب عنه من ماله حيث لم تنله ضرورة فيما يحتاج إليه من نفقة وغيرها، وأما إن نالته ضرورة فيما يخرجه مما معه عن الغائب، فإنه يؤخر إلى أن يجد من يسلفه ما يحتاج إليه ويزكي، ولا يؤخر إلى بلده وهو الذي رجحه اللخمي أو إلى بلده، ولو زال احتياجه أثناء السفر. ومقتضى كلام المواق عنها ترجيحه.
وعلم مما قررت أن الشرطين، أعني قوله، "إن لم يكن مخرج، "وقوله": ولا ضرورة، إنما هما فيما غاب من مال المسافر لا ما حضر منه مع المسافر، ففي كلام عبد الباقي نظر حيث جعل الشرط الأول خاصا بقوله: "ما غاب"، وجعل قوله: "ولا ضرورة"، عاما في الحاضر والغائب،
стр. 2169
والصواب أن الشرطين إنما هما في الغائب فقالا في الحاضر مع المسافر. والله سبحانه أعلم. قاله محمد بن الحسن، وما قاله عبد الباقي نحوه للشبراخيتي والأمير.
ولما أنهى الكلام على زكاة الأموال، أتبعه بالكلام على زكاة الأبدان، وهي زكاة الفطر، واختلف في وجه إضافتها للفطر، فقيل: من الفطرة وهي الخلقة لتعلقها بالأبدان، وقيل: لوجوبها بالفطر، فقيل: الفطر الجائز عقب الغروب من آخر يوم من رمضان، وقيل: الواجب بفجر يوم العيد، أشار إلى ذلك ابن العربي، وينبني عليه الخلاف الآتي في قوله: وهل بأول ليلة العيد أو بفجره خلاف؟ وفي الحديث: صوم رمضان معلق بين السماء والأرض حتى يؤدي زكاة الفطر، وحكمة مشروعيتها الرفق بالفقراء في إغنائهم عن السؤال، وقد مر أنه لا يقاتل من منع زكاة الفطر، ومر أيضا أن من منع فريضة عجز المسلمون عن أخذها منه وجب جهاده، وهو يفيد أنه يقاتل عليها من امتنع من أدائها ولم يقدر على أخذها منه إلا بالقتال، وإنما قدم المصنف زكاة الأموال على زكاة الفطر، وإن كان متعلقها أشرف من متعلق زكاة الأموال وهو الأبدان فإنها أشرف من الأموال؛ لأن زكاة الأموال دعامة من دعائم الإسلام مجمع على وجوبها، وأما هذه فقد اختلف في وجوبها وسنيتها، والمشهور الوجوب، وإليه أشار بقوله:
стр. 2170
فصل: ذكر فيه حكم زكاة الفطر وما يتعلق بذلك، والفطرة بكسر الفاء خاصة لفظة مولدة اصطلح الفقهاء عليها، وليست عربية ولا معربة؛ وهي كون الكلمة عجمية فساقها العرب على منهاجها؛ وهي من الفطرة التي هي الخلقة أي زكاة الخلقة، وهي المُخْرَجُ الآتي بيانه.
واعلم أن الفطرة فرضت في السنة الثانية من الهجرة في ثالث عشر من شعبان عام فرض رمضان. ابن عرفة: هي مَصْدَرًا إعطاء مسلم فقير لقوت يوم الفطر صاعا من غالب القوت أو جزءه المسمى للجزء المقصور وجوبه عليه، ولا ينتقض بإعطاء صاع ثان لأنه زكاة كأضحية ثانية، وإلا زيد مرة واحدة. واسْمًا صاع من غالب القوت أو جزؤه المسمى للجزء المقصور وجوبه، يعطى مسلما فقيرا لقوت يوم الفطر. انتهى. أما الحد المصدري فيناسب الإعطاء؛ لأنه مصدر، وإنما احتاج إلى ذكر رسمين لأن الزكاة الشرعية تطلق على أمرين؛ على الشيء المخرج، وعلى الإخراج. وقوله: مسلم، أصله مفعول فأُضيف إليه المصدر اختصارا، وقوله: لقوت، يظهر أن اللام لام علة للإعطاء ليخرج به إذا أعطى لغير قوت يوم الفطر، وإنما كان كذلك لقوله ﵊: (أغنوهم عن سؤال ذلك اليوم (١)). وقوله: صاعا، هو المفعول الثاني للمصدر، أعني قوله: إعطاء، وقوله: من غالب، صفة للصاع. وقوله: أو جزؤه، معطوف على الصاع المفعول، ليدخل في الحد صورة الشركة في العبد إذا كان لرجل فيه نصف ولآخر ثلث ولآخر سدس، فمذهب المدونة أن الزكاة فيه واجبة على الحصص، والضمير في جزئه يعود على الصاع والمسمى صفة لجزئه وللجزء متعلق بالمسمى، ومعنى المسمى المنسوب والمقصور صفة لقوله: للجزء، جرت على غير من هي له، ووجوبه نائب فاعل المقصور، والضمير في قوله وجوبه عائد على جزئه الموصوف بالمسمى، وضمير عليه عائد على الجزء المجرور باللام، والضمير في جزئه عائد على الصاع، وقوله: للجزء المراد به جزء الرقيق، فالجزء الأول مخرج، والجزء الثاني مخرج عنه؛ أي أن زكاة الفطر مصدرا إما إعطاء صاع فقط أو إعطاء جزئه المسمى للجزء الذي قصر وجوب الجزء المسمى عليه، فلو كان المالك للعبد ثلاثة، فالجزء المسمى ثلث من صاع، ولو قال: الموافق للجزء المخرج عنه لكان أوضح، ولو أطلق في قوله أو جزءَه لكان أحسن ليشمل ما إذا لم يقدر إلا على بعض صاع عن
стр. 2171
نفسه مثلا، وقوله: يعطى بالبناء للمفعول ونائب الفاعل مستتر يعود على الصاع أو جزئه، وأشار المصنف إلى بيان الحكم والسبب والقدر، بقوله: يجب بالسنة صاع؛ يعني أن زكاة الفطر واجبة على المشهور، ومقدارها صاع، ووجوبها بالسنة أي بالحديث لا بالقرآن على المشهور، والدليل على وجوبها ما في الموطإ عن ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان)، ومقابل المشهور في الوجوب قول أشهب: إنها سنة أَوَّل قوله في الخبر: (فرض)؛ بمعنى قدر، وهو بعيد لما في الترمذي: (بعث النبي ﷺ مناديا ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم)، ولِمَا قاله ابن دقيق العيد أنه وإن كان أصل فرض في اللغة قدر، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى، وقوله: في فجاج مكة، هو الصواب، كما ذكره غير واحد، وهو الواقع في سنن الترمذي. وَوهِمَ بعضهم من أن فرضها في السنة الثانية ومكة حرب، فجعلها المدينة زاعما أن بعث المنادي إنما يكون عقب الفرض، قال: ولو قلنا إن البعث بعد فلم خصها مع أنه فرض في الثانية أمورا كثيرة كزكاة المال والصوم. انتهى. وهذا توهيم للرواية بمجرد توهم العارضة، وهو معيب عند المحدثين، وأما ما زعم أنه إنما يكون عقب الفرض فغير لازم؛ إذ لم يقل بعث حين فرضت، وكذا لا يشكل عدم بعث المنادي في غيرها للفرق بين الصلاة والصوم لعلم حكمهما من القرآن دونها، وبعث النادي يحتمل سنة الفتح أو سنة حج أبي بكر بالناس، أو سنة حجة الوداع والأول أظهر، وقد تقرر أن الدليل إذا عارضه غيره وجب تأويله، فيجب تأويل قوله: في فجاج، بأحد ما قلنا ولا تُوهَّمُ الرواية على أنه لا يلزم بعث المنادي في كل حكم، وما سأل عنه هذا البعض يسأل عنه على ما قاله من المدينة. وقوله: "صاع"، فاعل "يجب"، وما ذكره المصنف من أن زكاة الفطر واجبة بالسنة هو المشهور كما مر؛ لأن آية الزكاة العامة سابقة عليها، فعلم أنها غير مرادة بها أو غير صريحة في وجوبها. قاله الأمير. وقيل: واجبة بالكتاب، فقيل: من عموم آيات الزكاة، وقيل: بدليل خاص؛ وهو قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾؛ أي أخرج زكاة الفطر، ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾؛ أي صلاة العيد، والمشهور كما قال اللخمي أن: معنى تزكى: تطهر، وإنما يقال فيمن يزكي زكى أي أدى الزكاة، ومعنى ﴿صلى﴾، أتى بالصلوات الخمس على أنه ليس في الآية أمر،
стр. 2172
وإنما تضمنت مدح من فعل ذلك، ويصح المدح على المندوب، والأعم لا دلالة له على الأخص، ولعل وجه استدلال الغير بذلك مع ظهور ما للخمي أن المدح يقتضي الطلب، والأصل فيه الوجوب حتى يثبت دونه. وقوله: "صاع"؛ أي إخراج صاع، والصاع أربعة أمداد، كل مد ملء اليدين المتوسطتين. لا مقبوضين ولا مبسوطتين قاله عبد الباقي.
وقال الخرشي والشبراخيتي: الصاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث بالبغدادي، وتقدم أن الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا. انتهى. وتقدم أن الدرهم المكي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، وقد حُزِرَ الصاع فَوُجِدَ أربع حفنات بكف الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما، هذا هو قدره الذي لا يختلف، فليس كل مكان فيه مد النبي ﷺ .
ونقل الرجراجي عن أبي محمد أنه قال: بحثنا عن مد النبي ﷺ فلم نقع على حقيقته؛ يعني حقيقة قدره، وأحسن ما أخذناه عن المشايخ أن قدر مد النبي ﷺ الذي لا يختلف أو لا يعدم في سائر الأمصار أربع حفنات بحفنة الرجل الوسط، لا بالطويل جدا ولا بالقصير جدا، ليست بمبسوطة الأصابع جدا ولا بمقبوضتها جدا؛ لأنها إن بسطت فلا تحمل إلا قليلا، وإن قبضت فكذلك. قال الرجراجي: وقد عارضته بما يزعم الناس أنه مده ﷺ ، فوجدناه صحيحا لا شك فيه. وكان عند شيخ الطريقة وإمام الحقيقة أبي محمد صالح مُدُّ عُبِّرَ يمُدِّ زيد بن ثابت ﵁، مكتوب عنده بسند صحيح، فعبرناه على هذا التعبير فكان مده ذلك القدر. وقوله: "صاع"؛ أي يجب إخراج صاع كامل في حق المسلم الحر القادر عليه عن نفسه وعن كل مسلم تلزمه نفقته بسبب من الأسباب الآتية.
واعلم أن أركان الفطرة أربعة: المخرج بفتح الراء، والمخرج عنه، والوقت المخرج فيه، ومن تدفع إليه، وتكلم المصنف على جميعها، فبدأ بالكلام على الركن الأول، وهو المخرج بفتح الراء، وَيُتَكَلَّمَ عليه باعتبار قدره ونوعه، فبدأ بالكلام على قدره، فقال: إنه صاع.
أو جزؤه؛ يعني أن الواجب في زكاة الفطر قدره صاع في حق المسلم القادر عليه الحر عن نفسه وعن كل مسلم تلزمه نفقته على ما يأتي، أو جزء صاع في عبد مشترك ومعتق بعضه كما يأتي، وفي حق من لم يجد غيره فيخرجه الشخص عن نفسه أو عمن تلزمه نفقته، لقول سند: من قدر
стр. 2173
على بعض الزكاة أخرجه على ظاهر المذهب، لخبر: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم (١)): وكلام سند ودليله شامل للمخرج عن نفسه وعمن تلزمه نفقته. قاله الشيخ سالم. فالمصنف أشار لمسألته ومسألة الرقيق الشاملة لصورتين، فالصور ثلاث، ولا يرد على تعميمه في المسألتين تكرار العبد المشترك أو المبعض مع ما سيذكره لأن ما هنا في بيان الوجوب، وما يأتي في بيان القدر كما هو مدلول قوله: بقدر الملك، وأشار إلى الركن الثاني وهو على قسمين: مخرج عن نفسه، ومخرج عن غيره. وبدأ بالأول فقال: عند؛ يعني أنه يجب إخراج ما ذكر من الصاع أو جزئه عنه؛ أي عن الشخص الحر المسلم القادر على ذلك، والوجوب يتعلق بالمكلف وبالولي، فيجب عليه إخراجها من مال الصبي والمجنون، والظاهر أن حرف الجر الذي هو عن على معناه الحقيقي وهو المجاوزة، وأنه متعلق بإخراج المقدر قبل صاع؛ أي يذهب بالصاع عنه إلى غيره، قاله جامعه عفا الله عنه. وقال الشيخ إبراهيم: إنه متعلق بيجب، وأنه بمعنى على؛ لأن عن معناها المجاوزة، فيصير المعنى يجب وجوبا مجاوزا له وهو فاسد، ولو عبر بعلى لأعادها مع المعطوف أيضا، فكان يقول: وعلى كل مسلم لخ، فيوهم أن الزكاة واجبة على القرابة والزوجية والرق بطريق الأصالة وليس كذلك. انتهى.
فضل عن قوته وقوت عياله، فضل بمعنى زاد من باب قتل وبمعنى بقي، مضارعه مثلث وماضيه بالكسر وبالفتح؛ يعني أن محل لزوم إخراج الصاع أو جزئه له إنما هو حيث فضل عن قوته إن كان وحده، أو قوته وقوت عياله إن لم يكن وحده، والمراد بعياله من تلزمه نفقته؛ وهو الآتي في قوله: "وعن كل مسلم يمونه بقرابة أو رق أو زوجية"، وشمل الزوجة المدخول بها والمدعو إلى الدخول بها، والمراد بقوله: "فضل عن قوته وقوت عياله": أنه فضل عن قوت من ذكر يوم الفطر، فإذا كان عندهم ما يقتات به يوم الفطر وزيادة وجب إخراجها من الزيادة، ولو خشي الجوع بعد يوم الفطر بسبب إخراجها مما زاد.
وبما قررت علم أن فاعل "فضل"، ضمير يعود على ما ذكر من الصاع وجزئه. والله سبحانه أعلم. واعلم أن تقدير الفطرة بالصاع في جميع الأنواع هو المعروف من المذهب؛ لأن ظاهر الحديث
стр. 2174
العموم، وقال ابن حبيب: تؤدى من الْبُرِّ نصف صاع، وبه قال أبو حنيفة وجماعة من الصحابة، وروى الستة عن ابن عمر ﵄، قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من بر أو صاعا من شعير على كل عبد أو حر أو صغير أو كبير، ذكرا أو أنثى من المسلمين (١)). وفي رواية: فعدل الناس به نصف صاع بر، وكان ابن عمر يعطي التمر فأعوز أهل المدينة التمر، فأعطى شعيرا. وقوله: "فضل عن قوته وقوت عياله"؛ أي في يوم الفطر -كما مر- خلافا لقول الحنفية إنها لا تجب إلا على من يملك نصابا خارجا عن مسكنه وأثاثه، بل تجب عندنا على من له دار أو عبد أو كتب [يحتاج كل] (٢) لذلك فيبيعه لأدائها، وهذا هو المشهور، وقيل: تجب على من لا تجحف به في معاشه، فعلى هذا لو فضل عن قوته صاع أو أكثر وكان إذا أخرجها يحدل له الإجحاف في معاشه لا يجب عليه إخراجها قاله في التوضيح. وقيل: تجب على من ملك قوت خمسة عشر يوما، وقيل: تجب على من لا يحل له أخذها، وسيأتي الكلام على من لا يحل له أخذها.
وقال في التوضيح: وذكر صاحب اللباب أن المذهب لم يختلف في أنه ليس من شروطها أن يملك المخرج نصابا، وعلم من هذا أن المذهب لا يعتبر ما قالته الحنفية من أنها لا تجب إلا على من ملك نصابا خارجا عن مسكنه وأثاثه، وقال اللخمي: واختلف هل تجب على من له عبد ولا شيء له سواه: أو يعطاها؟ فقال مالك في المبسوط فيمن له عبد لا يملك غيره: عليه زكاة الفطر، ورآه موسرا بالعبد، وقال في موضع آخر: لا شيء عليه، وقال أشهب في مدونته: ورأى أنها مواساة، وسبيل المواساة أن لا يكلفها من هذه صفته. انتهى. ونقله عنه ابن عرفة، ويأتي الخلاف في إعطائها لمالك العبد. قاله الخطاب. والقول بوجوبها على من له عبد لا يملك غيره يصدق به المصنف هنا، ويوافقه قوله فيما تقدم: "إلا زكاة فطر عن عبد عليه مثله"، وإذا لم يوجد عنده بعد ما يجب عليه من قوته وقوت عياله إلا صاع أو بعضه، وعنده من تلزمه نفقته بالزوجية والقرابة قدم الزوجية لتقديمها في النفقة، وجرى خلاف في تقديم الولد على الوالد،
стр. 2175
فَيُقدِّمُ فطرته واستوائهما فيخرج عند الضيق الموسر به عنهما، وكذا الحكم في تعدد الزوجات، فيخرج الموسر به عنهما أو عنهن، وكذا لو تعدد الولد، وكذا يصنع مع الأم والأب عملا في الجميع بقوله: "أو جزؤه"، هذا هو الظاهر، لا ما لعبد الباقي. والله سبحانه أعلم.
وعلم مما مر أنه لو قدر على إخراج صاع عن نفسه وعلى إخراج بعض صاع عمن تلزمه نفقته لزمه ذلك، وقوله: "قوته"، القوت بالضم في يقوم به بدن الإنسان من الطعام، يقال: قات أهله يقُوتُهُم قوتا وقياتة، ويقال في عنده قوت ليلة، وقيتة بكسر القاف وإبدال الواو ياء، وقوله: "عياله"، عيال الرجل من يعوله؛ أي من يقوم بنفقته، وواحد العيال عيل، ويجمع أيضا على عيائل، مثل جيد وجياد وجيائد، وأعال الرجل: كثر عياله فهو مُعِيلٌ والمرأة معيلة.
وإن بتسلف؛ يعني أنه يلزم إخراج في ذكر من الصاع أو جزئه حيث فضل عن قوته وقوت عياله، وإن كان لا ينال هذا الصاع أو جزءه إلا أن يتسلف، فيجب عليه أن يتسلف ليؤدي زكاة فطره إلى الفقراء، وهذا هو المشهور. وقال ابن المواز وابن حبيب: لا يلزمه أن يتسلف؛ لأنه ربما تعذر وجود القضاء فتبقى في ذمته، ولو قال: ولو بتسلف لكان أجرى على عادته؛ لأن الخلاف مذهبي. قاله الحطاب. وفي المدونة: ويؤديها المحتاج إن وجد أو وجد من يسلفه، فإن لم يجد لم يلزمه إن أيسر بعد أعوام قضاؤها لماضي السنين. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: "وإن بتسلف"، إنما يلزمه أن يتسلف إذا كان يرتجي وجود القضاء، قال أبو الحسن: قوله في المدونة: أو وجد من يسلفه، معناه إذا كان يرتجي القضاء، وقال ابن القصار: وسمعت من يقول إنه إنما يتسلفها من كان له من حيث يؤديها ويبين لمن يتسلفها منه أنه يخرجها زكاة عنه، فمتى فتح له رد. انتهى. قاله الحطاب. وقال:
فرع: اختلف في زكاة الفطر، هل يسقطها الدين؟ قال اللخصي: قال أشهب: لا تسقط بخلاف العين، وقيل: تسقط كالعين. انتهى. والقول الثاني لعبد الوهاب، وقال الشبيبي: الظاهر أن الدين لا يسقطها. انتهى. وقال أشهب: ظاهر الكتاب يسقطها الدين. انتهى من الذخيرة. وقال ابن فرحون: القول بالسقوط لابن القاسم، وقال أبو الحسن: اختلف، هل يسقطها الدين أم لا؟ قولان مشهوران. انتهى. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب.