← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

نفسه مثلا، وقوله: يعطى بالبناء للمفعول ونائب الفاعل مستتر يعود على الصاع أو جزئه، وأشار المصنف إلى بيان الحكم والسبب والقدر، بقوله: يجب بالسنة صاع؛ يعني أن زكاة الفطر واجبة على المشهور، ومقدارها صاع، ووجوبها بالسنة أي بالحديث لا بالقرآن على المشهور، والدليل على وجوبها ما في الموطإ عن ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان)، ومقابل المشهور في الوجوب قول أشهب: إنها سنة أَوَّل قوله في الخبر: (فرض)؛ بمعنى قدر، وهو بعيد لما في الترمذي: (بعث النبي ﷺ مناديا ينادي في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم)، ولِمَا قاله ابن دقيق العيد أنه وإن كان أصل فرض في اللغة قدر، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى، وقوله: في فجاج مكة، هو الصواب، كما ذكره غير واحد، وهو الواقع في سنن الترمذي. وَوهِمَ بعضهم من أن فرضها في السنة الثانية ومكة حرب، فجعلها المدينة زاعما أن بعث المنادي إنما يكون عقب الفرض، قال: ولو قلنا إن البعث بعد فلم خصها مع أنه فرض في الثانية أمورا كثيرة كزكاة المال والصوم. انتهى. وهذا توهيم للرواية بمجرد توهم العارضة، وهو معيب عند المحدثين، وأما ما زعم أنه إنما يكون عقب الفرض فغير لازم؛ إذ لم يقل بعث حين فرضت، وكذا لا يشكل عدم بعث المنادي في غيرها للفرق بين الصلاة والصوم لعلم حكمهما من القرآن دونها، وبعث النادي يحتمل سنة الفتح أو سنة حج أبي بكر بالناس، أو سنة حجة الوداع والأول أظهر، وقد تقرر أن الدليل إذا عارضه غيره وجب تأويله، فيجب تأويل قوله: في فجاج، بأحد ما قلنا ولا تُوهَّمُ الرواية على أنه لا يلزم بعث المنادي في كل حكم، وما سأل عنه هذا البعض يسأل عنه على ما قاله من المدينة. وقوله: "صاع"، فاعل "يجب"، وما ذكره المصنف من أن زكاة الفطر واجبة بالسنة هو المشهور كما مر؛ لأن آية الزكاة العامة سابقة عليها، فعلم أنها غير مرادة بها أو غير صريحة في وجوبها. قاله الأمير. وقيل: واجبة بالكتاب، فقيل: من عموم آيات الزكاة، وقيل: بدليل خاص؛ وهو قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾؛ أي أخرج زكاة الفطر، ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾؛ أي صلاة العيد، والمشهور كما قال اللخمي أن: معنى تزكى: تطهر، وإنما يقال فيمن يزكي زكى أي أدى الزكاة، ومعنى ﴿صلى﴾، أتى بالصلوات الخمس على أنه ليس في الآية أمر،

стр. 2172

وإنما تضمنت مدح من فعل ذلك، ويصح المدح على المندوب، والأعم لا دلالة له على الأخص، ولعل وجه استدلال الغير بذلك مع ظهور ما للخمي أن المدح يقتضي الطلب، والأصل فيه الوجوب حتى يثبت دونه. وقوله: "صاع"؛ أي إخراج صاع، والصاع أربعة أمداد، كل مد ملء اليدين المتوسطتين. لا مقبوضين ولا مبسوطتين قاله عبد الباقي. وقال الخرشي والشبراخيتي: الصاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث بالبغدادي، وتقدم أن الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا. انتهى. وتقدم أن الدرهم المكي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، وقد حُزِرَ الصاع فَوُجِدَ أربع حفنات بكف الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما، هذا هو قدره الذي لا يختلف، فليس كل مكان فيه مد النبي ﷺ . ونقل الرجراجي عن أبي محمد أنه قال: بحثنا عن مد النبي ﷺ فلم نقع على حقيقته؛ يعني حقيقة قدره، وأحسن ما أخذناه عن المشايخ أن قدر مد النبي ﷺ الذي لا يختلف أو لا يعدم في سائر الأمصار أربع حفنات بحفنة الرجل الوسط، لا بالطويل جدا ولا بالقصير جدا، ليست بمبسوطة الأصابع جدا ولا بمقبوضتها جدا؛ لأنها إن بسطت فلا تحمل إلا قليلا، وإن قبضت فكذلك. قال الرجراجي: وقد عارضته بما يزعم الناس أنه مده ﷺ ، فوجدناه صحيحا لا شك فيه. وكان عند شيخ الطريقة وإمام الحقيقة أبي محمد صالح مُدُّ عُبِّرَ يمُدِّ زيد بن ثابت ﵁، مكتوب عنده بسند صحيح، فعبرناه على هذا التعبير فكان مده ذلك القدر. وقوله: "صاع"؛ أي يجب إخراج صاع كامل في حق المسلم الحر القادر عليه عن نفسه وعن كل مسلم تلزمه نفقته بسبب من الأسباب الآتية. واعلم أن أركان الفطرة أربعة: المخرج بفتح الراء، والمخرج عنه، والوقت المخرج فيه، ومن تدفع إليه، وتكلم المصنف على جميعها، فبدأ بالكلام على الركن الأول، وهو المخرج بفتح الراء، وَيُتَكَلَّمَ عليه باعتبار قدره ونوعه، فبدأ بالكلام على قدره، فقال: إنه صاع. أو جزؤه؛ يعني أن الواجب في زكاة الفطر قدره صاع في حق المسلم القادر عليه الحر عن نفسه وعن كل مسلم تلزمه نفقته على ما يأتي، أو جزء صاع في عبد مشترك ومعتق بعضه كما يأتي، وفي حق من لم يجد غيره فيخرجه الشخص عن نفسه أو عمن تلزمه نفقته، لقول سند: من قدر

стр. 2173

على بعض الزكاة أخرجه على ظاهر المذهب، لخبر: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم (١)): وكلام سند ودليله شامل للمخرج عن نفسه وعمن تلزمه نفقته. قاله الشيخ سالم. فالمصنف أشار لمسألته ومسألة الرقيق الشاملة لصورتين، فالصور ثلاث، ولا يرد على تعميمه في المسألتين تكرار العبد المشترك أو المبعض مع ما سيذكره لأن ما هنا في بيان الوجوب، وما يأتي في بيان القدر كما هو مدلول قوله: بقدر الملك، وأشار إلى الركن الثاني وهو على قسمين: مخرج عن نفسه، ومخرج عن غيره. وبدأ بالأول فقال: عند؛ يعني أنه يجب إخراج ما ذكر من الصاع أو جزئه عنه؛ أي عن الشخص الحر المسلم القادر على ذلك، والوجوب يتعلق بالمكلف وبالولي، فيجب عليه إخراجها من مال الصبي والمجنون، والظاهر أن حرف الجر الذي هو عن على معناه الحقيقي وهو المجاوزة، وأنه متعلق بإخراج المقدر قبل صاع؛ أي يذهب بالصاع عنه إلى غيره، قاله جامعه عفا الله عنه. وقال الشيخ إبراهيم: إنه متعلق بيجب، وأنه بمعنى على؛ لأن عن معناها المجاوزة، فيصير المعنى يجب وجوبا مجاوزا له وهو فاسد، ولو عبر بعلى لأعادها مع المعطوف أيضا، فكان يقول: وعلى كل مسلم لخ، فيوهم أن الزكاة واجبة على القرابة والزوجية والرق بطريق الأصالة وليس كذلك. انتهى. فضل عن قوته وقوت عياله، فضل بمعنى زاد من باب قتل وبمعنى بقي، مضارعه مثلث وماضيه بالكسر وبالفتح؛ يعني أن محل لزوم إخراج الصاع أو جزئه له إنما هو حيث فضل عن قوته إن كان وحده، أو قوته وقوت عياله إن لم يكن وحده، والمراد بعياله من تلزمه نفقته؛ وهو الآتي في قوله: "وعن كل مسلم يمونه بقرابة أو رق أو زوجية"، وشمل الزوجة المدخول بها والمدعو إلى الدخول بها، والمراد بقوله: "فضل عن قوته وقوت عياله": أنه فضل عن قوت من ذكر يوم الفطر، فإذا كان عندهم ما يقتات به يوم الفطر وزيادة وجب إخراجها من الزيادة، ولو خشي الجوع بعد يوم الفطر بسبب إخراجها مما زاد. وبما قررت علم أن فاعل "فضل"، ضمير يعود على ما ذكر من الصاع وجزئه. والله سبحانه أعلم. واعلم أن تقدير الفطرة بالصاع في جميع الأنواع هو المعروف من المذهب؛ لأن ظاهر الحديث

стр. 2174

العموم، وقال ابن حبيب: تؤدى من الْبُرِّ نصف صاع، وبه قال أبو حنيفة وجماعة من الصحابة، وروى الستة عن ابن عمر ﵄، قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من بر أو صاعا من شعير على كل عبد أو حر أو صغير أو كبير، ذكرا أو أنثى من المسلمين (١)). وفي رواية: فعدل الناس به نصف صاع بر، وكان ابن عمر يعطي التمر فأعوز أهل المدينة التمر، فأعطى شعيرا. وقوله: "فضل عن قوته وقوت عياله"؛ أي في يوم الفطر -كما مر- خلافا لقول الحنفية إنها لا تجب إلا على من يملك نصابا خارجا عن مسكنه وأثاثه، بل تجب عندنا على من له دار أو عبد أو كتب [يحتاج كل] (٢) لذلك فيبيعه لأدائها، وهذا هو المشهور، وقيل: تجب على من لا تجحف به في معاشه، فعلى هذا لو فضل عن قوته صاع أو أكثر وكان إذا أخرجها يحدل له الإجحاف في معاشه لا يجب عليه إخراجها قاله في التوضيح. وقيل: تجب على من ملك قوت خمسة عشر يوما، وقيل: تجب على من لا يحل له أخذها، وسيأتي الكلام على من لا يحل له أخذها. وقال في التوضيح: وذكر صاحب اللباب أن المذهب لم يختلف في أنه ليس من شروطها أن يملك المخرج نصابا، وعلم من هذا أن المذهب لا يعتبر ما قالته الحنفية من أنها لا تجب إلا على من ملك نصابا خارجا عن مسكنه وأثاثه، وقال اللخمي: واختلف هل تجب على من له عبد ولا شيء له سواه: أو يعطاها؟ فقال مالك في المبسوط فيمن له عبد لا يملك غيره: عليه زكاة الفطر، ورآه موسرا بالعبد، وقال في موضع آخر: لا شيء عليه، وقال أشهب في مدونته: ورأى أنها مواساة، وسبيل المواساة أن لا يكلفها من هذه صفته. انتهى. ونقله عنه ابن عرفة، ويأتي الخلاف في إعطائها لمالك العبد. قاله الخطاب. والقول بوجوبها على من له عبد لا يملك غيره يصدق به المصنف هنا، ويوافقه قوله فيما تقدم: "إلا زكاة فطر عن عبد عليه مثله"، وإذا لم يوجد عنده بعد ما يجب عليه من قوته وقوت عياله إلا صاع أو بعضه، وعنده من تلزمه نفقته بالزوجية والقرابة قدم الزوجية لتقديمها في النفقة، وجرى خلاف في تقديم الولد على الوالد،

стр. 2175

فَيُقدِّمُ فطرته واستوائهما فيخرج عند الضيق الموسر به عنهما، وكذا الحكم في تعدد الزوجات، فيخرج الموسر به عنهما أو عنهن، وكذا لو تعدد الولد، وكذا يصنع مع الأم والأب عملا في الجميع بقوله: "أو جزؤه"، هذا هو الظاهر، لا ما لعبد الباقي. والله سبحانه أعلم. وعلم مما مر أنه لو قدر على إخراج صاع عن نفسه وعلى إخراج بعض صاع عمن تلزمه نفقته لزمه ذلك، وقوله: "قوته"، القوت بالضم في يقوم به بدن الإنسان من الطعام، يقال: قات أهله يقُوتُهُم قوتا وقياتة، ويقال في عنده قوت ليلة، وقيتة بكسر القاف وإبدال الواو ياء، وقوله: "عياله"، عيال الرجل من يعوله؛ أي من يقوم بنفقته، وواحد العيال عيل، ويجمع أيضا على عيائل، مثل جيد وجياد وجيائد، وأعال الرجل: كثر عياله فهو مُعِيلٌ والمرأة معيلة. وإن بتسلف؛ يعني أنه يلزم إخراج في ذكر من الصاع أو جزئه حيث فضل عن قوته وقوت عياله، وإن كان لا ينال هذا الصاع أو جزءه إلا أن يتسلف، فيجب عليه أن يتسلف ليؤدي زكاة فطره إلى الفقراء، وهذا هو المشهور. وقال ابن المواز وابن حبيب: لا يلزمه أن يتسلف؛ لأنه ربما تعذر وجود القضاء فتبقى في ذمته، ولو قال: ولو بتسلف لكان أجرى على عادته؛ لأن الخلاف مذهبي. قاله الحطاب. وفي المدونة: ويؤديها المحتاج إن وجد أو وجد من يسلفه، فإن لم يجد لم يلزمه إن أيسر بعد أعوام قضاؤها لماضي السنين. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: "وإن بتسلف"، إنما يلزمه أن يتسلف إذا كان يرتجي وجود القضاء، قال أبو الحسن: قوله في المدونة: أو وجد من يسلفه، معناه إذا كان يرتجي القضاء، وقال ابن القصار: وسمعت من يقول إنه إنما يتسلفها من كان له من حيث يؤديها ويبين لمن يتسلفها منه أنه يخرجها زكاة عنه، فمتى فتح له رد. انتهى. قاله الحطاب. وقال: فرع: اختلف في زكاة الفطر، هل يسقطها الدين؟ قال اللخصي: قال أشهب: لا تسقط بخلاف العين، وقيل: تسقط كالعين. انتهى. والقول الثاني لعبد الوهاب، وقال الشبيبي: الظاهر أن الدين لا يسقطها. انتهى. وقال أشهب: ظاهر الكتاب يسقطها الدين. انتهى من الذخيرة. وقال ابن فرحون: القول بالسقوط لابن القاسم، وقال أبو الحسن: اختلف، هل يسقطها الدين أم لا؟ قولان مشهوران. انتهى. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب.

стр. 2176

وقال: محمد بن الحسن: ظاهره -يعني المصنف كظاهر المدونة- وجوب التسلف، وصرح ابن رشد بالاستحباب، قاله محمد بن الحسن. وقول ابن رشد هذا لا ينافي قول محمد وابن حبيب: إنه لا يلزمه أن يتسلف. والله سبحانه أعلم. واعلم أن قول المصنف: وإن بتسلف كالصريح في أنها لا تسقط بالدين؛ لأنه إذا وجب تداينها فأحرى أن لا تسقط بالدين وهو المذهب. قاله الشيخ إبراهيم. ومر قول الخطاب: لو أتى بلو لكان أجرى على عادته لخ، وأجاب التتائي بأنه قد يشير بإن للخلاف المذهبي. قاله عبد الباقي. وهل بأول ليلة العيد أو بفجره خلاف؛ هذا هو الركن الثالث، ويتعلق الكلام به من أربعة أوجه ستأتي قريبا إن شاء الله؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الوقت الذي يتعلق الخطاب بزكاة الفطر فيه، فمنهم من ذهب إلى أن الخطاب بها يتعلق بأول ليلة العيد؛ أي يحصل وجوبها عند أول ليلة العيد، وهو لابن القاسم في المدونة، وشهره ابن الحاجب وغيره، وذلك إذا غرب جميع قرص الشمس من آخر يوم من رمضان، فمن كان موجودا في ذلك الوقت تعلق به الخطاب بها، فلو مات بعد ذلك أخرجت عنه: ومن ولد بعد الغروب أو أسلم أو أيسر بعده لم تجب عليه، ومنهم من ذهب إلى أن الخطاب بها إنما يتعلق بطلوع الفجر من يوم الفطر؛ وهو المراد بالعيد فمن كان موجودا في ذلك الوقت، تعلق به الخطاب؛ أي وجب عليه، ومن مات قبل طلوع الفجر أو ولد بعده أو أسلم أو أيسر بعده لم تجب عليه وهذا القول شهره الأبهري، وقال ابن العربي: إنه الصحيح. وصححه أيضا ابن رشد، ورواه ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون عن مالك. وقوله: "خلاف"، مبني على الخلاف في المراد بالفطر المضاف إليه زكاة، هل هو الفطر الجائز بعد الغروب من آخر يوم من رمضان، أو الواجب بفجر يوم العيد. في الموطإ عن ابن عمر ﵄: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان (١)). وعلم مما قررت أن وقت الوجوب لا يمتد على كلا القولين، فمن أيسر بعد الغروب وأعسر قبل الفجر، أو ولد بعد الغروب ومات قبل الفجر لا تخرج عنه باتفاق القولين: وكذا عبد ملك بعد الغروب وزال ملكه قبل الفجر وكذا امرأة تزوجها بعد الغروب وماتت أو بانت منه قبل الفجر،

стр. 2177

ومن غربت عليه الشمس وهو في ملكه أو في عياله أو في عصمته وخرج عن ذلك قبل الفجر تجب عنه على الأول لا على الثاني، ومن طلع عليه الفجر وهو في ملكه أو في عصمته أو في نفقته ولم يكن وقت الغروب عنده وجب إخراجها عنه على الثاني لا على الأول. والحاصل: أن من ليس من أهلها وقت الغروب وطلع عليه الفجر وهو من أهلها يجب عليه إخراجها على الثاني لا على الأول، ومن طلع عليه الفجر وليس هو من أهلها وكان من أهلها وقت الغروب يجب إخراجها عنه على الأول لا على الثاني، ومن ليس من أهلها وقت الغروب ولا وقت انصداع الفجر لم يجب إخراجها عنه اتفاقا ولو كان من أهلها فيما بينهما. والله تعالى أعلم. وعلم من هذا أنها تجب على المطلق، والمعتق بالكسر، والبائع، ومن حدث إسلامه، ومن ولد له، والميت فتؤخذ من تركته، وأنها تسقط عن المطلق فتجب على المطلقة، وتسقط عن المعتق بالكسر فتجب على المعتق بالفتح، وتسقط عن البائع فتجب على المشتري، وأنها تسقط عمن حدث إسلامه أو حدث له ولد. قال عبد الباقي: والظاهر أن من قارنت ولادته وقت الغروب أو طلوع الفجر ومات حينئذ، بمنزلة من ولد وقتهما ومات بعده لا بمنزلة من ولد بعدهما، وأن من فقد وقتهما كمن فقد قَبْلُ. انتهى. وقوله: "وهل بأول ليلة العيد أو بفجره" اعلم أن في المسألة خمسة أقوال، المشهورين الذين ذكر المصنف، وبقي ثلاثة أقوال آخر؛ أحدها: أن الوجوب يتعلق بطلوع الشمس من يوم العيد وصححه ابن الجهم وأنكره بعضهم، وقال: لا خلاف أن من مات بعد الفجر تجب عليه الزكاة، وصوب القاضي عياض قول هذا المنكر. الثاني: أنه يمتد من غروب الشمس ليلة الفطر إلى غروب الشمس من يوم الفطر. الثالث: أنه يمتد من غروب الشمس ليلة العيد إلى زوال يوم العيد. ذكره في التوضيح. وعزاه لابن الماجشون. ويتعلق الكلام بالوقت في زكاة الفطر من أربع حيثيات: الوقت الذي يتعلق به الوجوب وهو المشار إليه بقوله: "وهل بأول ليلة العيد أو بفجره"، والوقت الذي يستحب إخراجها فيه؛ وهو المشار إليه بقوله وندب إخراجها بعد الفجر لخ والوقت الذي يجزئ إخراجها فيه وهو المشار إليه بقوله: "وإخراجه قبله بكاليومين"، والوقت الذي يحرم تأخيرها إليه، وهو ما بعد يوم الفطر، كما لسند ولابن الماجشون: آخر وقت أدائها الزوال. من

стр. 2178

أغلب الفوت. هذا تبيين منه ﵀ للنوع الذي يخرج منه الصاع، والقوت ما تقوم به البنية؛ يعني أن المخرج في زكاة الفطر من صاع أو جزئه إنما يكون من أغلب القوت؛ أي قوت البلد لا قوت المؤدي، بدليل ما يأتي. قال محمد بن الحسن: المعتبر الأغلب في رمضان على ما يظهر من الخطاب ترجيحه، لا في العام كله، ولا في يوم الوجوب. انتهى. وقال الأمير: من أغلب القوت عند الإخراج على الظاهر، وقال الشيخ يوسف بن عمر: ويعتبر في الجل العام كله. وقال بعض الفقهاء: إنما يراعى يوم الوجوب. انتهى. والمعتبر في المخرج عنه قوت بلده. وقوله: "من أغلب القوت"، يصح تعلقه بيجب، ويمكن أن يكون صفة لصاع أو حالا منه، فيتعلق بالكون أو الاستقرار. وقال الشبراخيتي عند قوله: "من أغلب القوت": والمعتبر في الغالب فيما يخرجه في شهر رمضان لا ما قبله، وكان يعجب شيخنا. نقله عن ابن ناجي. من معشر؛ بيان لقوله: "من أغلب القوت"؛ يعني أن زكاة الفطر إنما تخرج من أغلب القوت حيث كان معشرا، وأما إن كان أغلب القوت غير معشر مع اقتيات المعشر لكن الغالب اقتيات غيره وأولى مع التساوي، فإنها لا تخرج إلا من المعشر، ولا تخرج من غيره الأغلب أو المساوي، والمراد بالعشر ثمانية أصناف منه، فهو عام أريد به خاص، والأصناف الثمانية هي: قمح شعير وزبيب سلت … تمر مع الأرز دخن ذرة ولا يتناول كلام المصنف هنا -أعني قوله: "من معشر"- غير هذه الأصناف الثمانية، ويلحق بهذه المعشرات الثمانية الأقط، كما أشار إلى ذلك بقوله: أو أقط؛ يعني أن أغلب القوت إنما تخرج منه زكاة الفطر إذا كان معشرا؛ أي من هذه الأصناف الثمانية، أو أقطا، فإذا كان الأقط هو أغلب العيش أخرجت منه، كما أن هذه الأصناف الثمانية إذا كانت هي أو أحَدُها الأغلبَ أخرجت من ذلك الأغلب. والأقط: لبن جامد، كما في الشبراخيتي، وهو بفتح الهمزة وكسر القاف وبكسر الهمزة وسكون القاف، ونحوه في الحطاب. وقال إن الأقط جبن اللبن المخرج زبده. غير علس، صفة لقوله: "معشر"؛ يعني أن العلس إذا كان هو الأغلب في اقتيات أهل البلد فإنه لا تخرج منه زكاة الفطرة ولا مفهوم للعلس عن غيره من الأصناف سوى الثمانية المذكورة، وإنما

стр. 2179

أخرج المصنف العلس دون غيره من بقية الأصناف غير الثمانية للاعتناء بالرد على ابن حبيب الذي زاده على التسعة. وقال أشهب: إنها لا تخرج من الدخن والذرة والأرز، وإنما تخرج من الستة الباقية. إذا عرفت هذا فالذي تخرج منه حيث كان أغلب القوت إنما هو تسعة فقط؛ الأصناف الثمانية والأقط، فتخرج من واحد منها إن انفرد، ومن الغالب عند التعدد، ومن كل واحد إن لم يغلب شيء منها، فإن غلب غير هذه الأصناف التسعة مع اقتياتها فإنه لا يخرج من ذلك الغير، وإنما يخرج منها. إلا أن يقتات غيره؛ يعني أن غير المعشر أي غير الأصناف التسعة لا تخرج منه الزكاة إلا أن يكون هو المقتات وحده مع عدم اقتيات شيء من الأصناف التسعة. والحاصل: أنه إذا وجدت التسعة مع اقتياتها سوية خير في الإخراج من أيها، فإن لم يكن ذلك على السواء فمن الأغلب، وعلم من هذا أنه إذا لم يكن المقتات منها إلا واحدا تعين الإخراج منه، وإذا كان المقتات غيرها من بقية المعشر أو غيره ولم يقتت شيء من التسعة جاز الإخراج من التسعة ومن ذلك الغير، فإن كان الغير هو الأغلب مع ندور الاقتيات بالتسعة أو بعضها تعين الإخراج من التسعة، فعلم من هذا أن غير التسعة إذا كان هو العيش تخرج منه مع وجود التسعة أو بعضها كما حرره الرماصي ومحمد بن الحسن وغيرهما، خلاف ما في الحطاب ومن تبعه من أنه إذا كان غير التسعة هو المقتات ولم يقتت شيء من التسعة مع وجودها أو بعضها لا تخرج إلا من التسعة. واعلم أن ما تؤدى منه زكاة الفطر على ثلاثة أقسام: قسم تؤدى منه زكاة الفطر سواء كان جل العيش أولا، وكحو القمح والشعير والسلت إذا كان جل عيشهم غير هذه الثلاثة تؤدى من الثلاثة وتجزئه، والثلاثة فيما بينها يخرج الأعلى عن الأدنى ولا ينعكس، وغير هذه الثلاثة التي هي الستة الباقية من التسعة لا يخرج إلا من الأغلب منها، فإن لم تكن التسعة مقتاتة ولا بعضها أخرج من المقتات غيرها ولو مع وجود التسعة أو بعضها.

стр. 2180

وفي الحطاب عن الفاكهاني. والأفضل القمح، وقاله الأئمة والسلف، والسلت يلحق به لأنه من جنسه وأفضل من الشعير، وفي الخرشي عن أشهب: القمح أحب إلي ثم السلت، ثم الشعير أحب إلي من الزبيب، والزبيب أحب إلي من الأقط. تنبيهات: الأول: اعلم أنها إنما تخرج من غير التسعة حيث كان الغير يقتات بزمن الرخاء والشدة معا، لا زمن الشدة فقط كما قيد بذلك ابن رشد وأبو الحسن. وغيرهما قاله محمد بن الحسن ونحوه للرماصي، وعزاه لابن رشد وأبي الحسن، وقوله: "إلا أن يقتات غيره"، وإذا أخرجت من هذا الغير فمما غلب إن كان، فإن لم يكن أغلب خير في واحد منه قاله عبد الباقي. وفي الحطاب: وإذا اقتات أهل بلد نوعين أو ثلاثة على حد سواء ولم يكن في البلد جل، فالظاهر أنه يخرج كل واحد من قوته. الثاني: شمل قول المصنف غيره اللحم واللبن، وأفتى الشبيبي بأنه يخرج منهما مقدار عيش الصاع ولم يرتضه البرزلي، وقال. الصواب أنه يكال كالقمح وهو بعيد؛ لأن اللحم وشبهه أي كاللبن لا يكال. قاله ابن ناجي. قال الحطاب: وما قاله الشبيبي ظاهر. انتهى. وقال عبد الباقي: ويجاب عن البرزلي بأنه أراد بالكيل الوزن، كما وقع للفقهاء إطلاقه على الوزن في السلم والقرض وغيرهما. انتهى. وقال الأمير: وهل يقدر غير القمح بجرم المد أو شبعه، وصوب كما في الحطاب أو وزنه، خلاف. انتهى. الثالث: لا يجوز إخراج قيمة زكاة الفطر عينا ولا عرضا، ولا يجزئ دقيق، وفي ابن الحاجب: وفي الدقيق بزكائه قولان. انتهى. قال محمد بن الحسن: هما تأويلان كما لابن عرفة، ونصه: وفيها لا تخرج من دقيق. ابن حبيب: وكذا الخبز. الصقلي، وبعض القرويين: قول ابن حبيب تفسير، الباجي: خلاف. انتهى. وفي الأمير: وجاز دفع دقيق صاع حب، ووجه بعضهم عدم الإجزاء في الدقيق، بأن الحب يصلح لما لا يصلح له الدقيق ففي الدقيق تحجير ولو جاز الدقيق لجاز الخبز. انظر التوضيح. وقول ابن الحاجب بزكائه أي بزيادته، قال في التوضيح: احترز بذلك مما لو أخرج الدقيق بغير زكائه فلا يجزئ اتفاقا. انتهى. وقال ابن عبد الصادق: وهل يجوز أن يدفع عنها ثمنا أم لا؟ قولان. انتهى. ونقل الفاكهاني عن ابن القاسم أن: القطنية إذا

стр. 2181

كانت جل عيش قوم أجزأتهم، قال الخطاب: وهو مخالف لما في المدونة من أنه لم يقل بالإجزاء إلا إذا كان ذلك عيشهم، ولم يقل إذا كان جل عيشهم. فتأمله. الرابع: علم مما مر أن قول المصنف من معشر فيه بحث؛ إذ المراد به الأصناف الثمانية كما عرفت، وكذا قوله: غير علس فيه بحث أيضا لأنه لم يستثن إلا العلس فقط، وقد قدمت في أول الحل الاعتذار عنه. واعلم أن قوله: "إلا أن يقتات غيره"، معناه إذا لم يكن مقتاتا إلا ذلك الغير، ولم يكن غيره من الأصناف التسعة مقتاتا لا غالبا ولا نادرا ولا على السواء، فإنه حينئذ يجزئ إخراج زكاة الفطر من ذلك الغير، وهذا هو المشهور. ومقابله عدم الإجزاء. ووجه المشهور أن في تكليفه غير قوته حرجا عليه، ورأى في القول الآخر الاقتصار على ما ورد في الحديث، ورواه ابن القاسم في القطاني أنها لا تخرج، وإن كانت قوته. قاله الحطاب. وأشار إلى القسم الثاني من المخرج عنه، بقوله: وعن كل مسلم يمونه. قوله: "وعن كل" عطف على قوله: "عنه"؛ يعني أنه كما يلزم الشخص إخراج الصاع أو جزئه عن نفسه، يلزمه أيضا إخراج ذلك عن كل مسلم تلزمه نفقته بوجه من الوجوه الآتية. قوله: "يمونه" من مانه مونا إذا احتمل مؤنته كما في الصحاح. فهو بالتخفيف فقط؛ أي تلزمه نفقته، وهو من باب يقول. وأما مان يمين من باب يبيع فمعناه: كذب، كما في حاشية الأمير. بقرابة، متعلق بيمونه، والباء سببية؛ يعني أنه يلزم الشخص أن يخرج زكاة الفطر عن كل من تلزمه نفقته من المسلمين بسبب القرابة، وذلك محصور في الأبوين دنية والولد مباشرة؛ أي الذين لا مال لهم، فيخرجها الأب عن ولده، وإن لم يعلمه بها إن صغر، فإن بلغ فلا بد من إعلامه لأنه لا بد في الزكاة من النية على المذهب قاله ابن فرحون. وإعلامه قائم مقام النية، ومقتضى المذهب أنها لا تجب على كافر عن مسلم يمونه كعبد أسلم عند سيده الكافر قبل دخول وقت وجوبها عليه، واستمر بيده لوقت مضي وجوبها حتى نزع منه، أو أسلمت أم ولده، أوله قرابة مسلمون في نفقته كأبويه وولده الكبير الزمن. قاله في الطراز، وكذلك قال أبو حنيفة. وقال أحمد بن حنبل: تجب، وللإمام الشافعي قولان، قال عبد الباقي؛ وظاهر قول المصنف هنا "بقرابة"، وقوله الآتي: "أورق"، موافق لأحمد، وإن كان خلاف قول سند: مقتضى المذهب لا

стр. 2182

تجب: ولا ينافي ذلك قوله يجب بالسنة صاع؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. أو زوجية، يعني أنه يجب على الشخص أن يخرج زكاة الفطر عمن ينفق عليه بسبب الزوجية على المشهور إلحاقا لها بالقرابة لا بالأجراء، وقال ابن شأس: لا تجب على الزوج عن زوجته، وكلامه يشمل الزوجة الأمة؛ لأن نفقتها على الزوج، فلو كانت الزوجة حنفية والزوج مالكيا، فهل يخرج عنها مدين من القمح على مذهبها، أو أربعة أمداد على مذهبه؟ قولان. كما في شرح الإرشاد للشيخ سليمان البحيري. وينبغي أن يكون الراجح منهما اعتبار مذهبه قياسا على ما إذا اختلف مذهب الوصي والصغير، وهل يراعى في وجوب إخراج الزوج عنها كونه مالك نصابٍ فاضل عن داره وخادمه؟ لأنه لا تجب عليه الفطرة إلا بمراعاة ذلك كما تقدم، أو يراعي مذهبه؟ قاله عبد الباقي. وقوله: "أو زوجية". قال عبد الباقي وغيره: ظاهره شموله للزوج العبد، ففطرة زوجته ولو حرة عليه لوجوب إنفاقه من غير خراج وكسب: وليست فطرتها على سيده. قوله: وظاهره شموله للزوج العبد لخ، قال محمد بن الحسن: فيه نظر؛ إذ شرط من تجب عليه أن يكون حرا، فكيف يخاطب بها العبد؟ وفي الحطاب عن الجواهر: أن الذي تجب عليه هو الحر المسلم الموسر. انتهى. (وإن لأب) يعني أن الولد إذا لزمه إعفاف أبيه بزوجة، فإنه يجب عليه إخراج زكاة فطرتها للزوم نفقتها له، سواء كانت أمه أم لا؟ خلافا للمغيرة القائل إنه لا تلزمه فطرتها، حيث لم تكن أمه، عليه رد المصنف بالمبالغة. وقوله: "وإن لأب"؛ أي وإن تعددت على ما يأتي. والحاصل: أنه تلزمه فطرة ما يعف به أباه للزوم نفقتها له، فإن كانت تعفه واحدة لم يلزمه إلَّا نفقة واحدة وفطرتها، وإن كان لا يعفه إلا أكثر لزمه نفقته وفطرته. وخادمها؛ أي خادم كل واحدة ممن ذكر من ذي قرابة أو زوجة له أو لأبيه، حيث كانت الخادم المذكورة رقيقا لمن ذكر من ذي القرابة والزوجة، لا إن خدمه بأجرة وإن لزمه نفقته، وهذه من المسائل التي تجب فيها النفقة، ولا تجب فيها زكاة الفطر كمن التزم نفقته، والحامل البائن، والأجير بطعامه، وعبد عبده، وعبد مكاتبه، وكذا لا تلزم السيدَ العبدَ أو المكاتب، ونظمها من قال:

стр. 2183

عبد لعبد وأجير مخدم … والحامل البائن والملتزم وقوله: مخدم، صفة لأجير أي آجر أجيرا يخدمه بنفقته، ولو أعسر الزوج بنفقة الزوجة واختارت البقاء لزمها النفقة عن نفسها والفطرة حتى يوسر، فإن قدر على النفقة فقط لم يلزمها إخراج الفطرة، بل تسقط عنها ويستحب لها إخراجها، فإن أرادت الإخراج عن نفسها وأبى الزوج وهو موسر لم يجزه إخراجها قاله سند قال بعض: مفهوم قوله وأبى الزوج، أنه إن لم يأب جاز. قاله الخرشي. وإذا كان لكل من أبويه خادم لا يستغنى عنهما وهما فقيران، أدى عنهما وعن خادميهما إذا لم تكن الأم في عصمة الأب، فإن كانت في عصمته وكانا يستغنيان بخادم الأب عن خادم الأم أداها عن الجميع إلا خادم الأم، وإن استغنيا بخادم الأم لم يؤد عن واحد منهم ليسر الأب بخادمه، فعليه بيعها ويؤدي من ثمنها عنه وعن زوجته وعن خادمها، والولد يكون له الخادم كذلك. قاله في التبصرة. قاله الخرشي. ويخرج عن خادم واحد لزوجته إذا كان لابد لها منه، فإن كان لابد لها من اثنين فأكثر، بأن كانت ذات قدر أخرج عن ذلك. قاله الشبراخيتي. ومثله للحطاب وجَدِّ علي الأجهوري ناقلا له عن أبي الحسن، واعترضه الرماصي بأنه خلاف مذهب المدونة، وإنما هو قول أصبغ، وجعله ابن رشد وابن عرفة وغيرهما خلافا لها، وما نسبه لأبي الحسن ليس هو كذلك، وإنما نقله عن أصبغ مقابلا لها، ونص ابن عرفة: وفي وجوبها عن أكثر من خادم إلى أربع أو خمس إن اقتضاه شرفها، ثالثها عن خادمين فقط، الأول للعتبي عن أصبغ مع ابن رشد عن رواية ابن شعبان والمبسوط، والثاني ليحيى عن ابن القاسم مع ابن رشد عن ظاهرها، والثالث لسماع أصبغ عن ابن القاسم، قال الرماصي: وما يأتي في النفقة من قوله وإخدام أهله ولو بأكثر من واحدة، لا يأتي على مذهب المدونة، وهذا كله في التي هي أهل للإخدام، وإلا فلا يلزمه لخادمها نفقة ولا زكاة فطر. انظر حاشية الشيخ بناني أو رق؛ يعني أنه يجب على الشخص إخراج زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته بسبب الرقية أي الملك، فيخرج زكاة الفطر عن عبيدة وعن إمائه المسلمين صغارا أو كبارا، ولا فرق في ذلك بين القن ومن فيه شائبة، كالمدبر، وأم الولد، والعتق لأجل، وسواء كان رقيقه للتجارة أو للقنية،

стр. 2184

كانت قيمتهم نصابا أو أقل أصحاء أو مرضى. وقوله: "أو رق"، خرج به رقيق رقيقه؛ لأنه لا يمونهم؛ إذ نفقتهم على سيدهم. قاله في المدونة. قاله أحمد. نقله عبد الباقي. ولما كان الكاتب أحرز نفسه، وماله ونفقته على نفسه فربما يتوهم متوهم أن زكاة فطره ليست على السيد، أشار إلى وجوبها عليه، وللخلاف فيه بقوله: ولو مكاتبا؛ يعني أن السيد يلزمه أن يخرج زكاة الفطر عن عبده المكاتب على المشهور، مع أن السيد لا يمونه إذ نفقته على نفسه؛ لأن الأصل أن السيد يمونه، ولكنه كأنه بكتابته اشترط عليه ما هو لازم للسيد، فلم تسقط زكاة فطره عن السيد. قاله عبد الباقي. ورد المصنف "بلو" القول بأن المكاتب لا تجب على السيد زكاة فطره، نظرا إلى أنه ينفق على نفسه، وهما روايتان. قاله الشارح. وقوله: "ولو مكاتبا"، قال الخرشي: اسم كان المقدرة بعد لو، ضمير يعود على الرقيق لا بقيد كونه يمونه. وآبقا رجي، عطف على المبالغة، ففيه الخلاف أيضا؛ يعني أنه يلزم السيد أن يخرج زكاة الفطر عن عبده الآبق إذا كان مرجوا، قال سند في الطراز: كعبد خاف من سيده بجريمة ارتكبها فهرب منه ولم يعرف له بذلك سابقة، ولا هو ممن يتغرب ويصبر على الأسفار، أو يكون ذلك فعله كل حين يهرب ثم يعود فهذا على حكم المسافر والغائب الذي ينتظر قدومه، وحكم المغصوب حكم الآبق إن رجي خلاصه وجبت زكاة فطره وإلا فلا، انتهى. ومفهوم قول المصنف: "رجي"، أنه إن لم يرج الآبق ومثله المغصوب كما علمت، لم تلزم فطرة واحد منهما، فإن قبض بعد أعوام فلا زكاة فطر عليه في المغصوب لماضي الأعوام، وكذا الآبق، وأما قياس المغصوب على النعم المغصوبة فقياس مع وجود الفارق؛ لأن الماشية تنمو بنفسها. وقد من أن النعم المغصوبة تزكى بعد قبضها لماضي الأعوام على المعتمد، هذا هو الذي رجع إليه مالك ورجحه ابن عبد السلام، وصوبه ابن يونس: ولابن القاسم تزكى لعام واحد. تنبيهات: الأول: قوله: "وعن كل مسلم يمونه بقرابة" لخ، الأصل فيه حديث ابن عمر: (أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون (١))، رواه الدارقطني والبيهقي مع حديث ابن عمر أيضا: (فرض رسول الله ﷺ زكاة

стр. 2185

الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين (١)). الثاني: إنما تجب الفطرة عن الزوجة إذا دخل بها الزوج، أو دعى إلى الدخول -كما مر- وأما إن كان ممنوعا من الدخول بها فلا تجب عليه، وأما مع المساكنة ففيه قولان: أَحَدُهُمَا أنه كالمدعو للدخول فتجب عليه النفقة والفطرة، والثاني أنه كالممنوع فلا تجب عليه، ونقله ابن بشير. قاله الحطاب. الثالثُ: قد مر أن زكاة الفطر تجب عن الرقيق المسلم، فتجب عن المدبر وعن المعتق لأجل، وعن المكاتب على المشهور، وقيل: لا تجب، وقيل: تجب على المكاتب نفسه، وتجب عن العبد المرهون: والأعمى، والمجنون، والمخدم. قاله في الطراز. ولو غاب العبد غيبة طويلة في سفر من غير إباق ولم يعرف موضعه، فليود عنه زكاة فطره، وتجب عن العبد الموروث إذا لم يقبض إلا بعد يوم الفطر. قاله الخطاب. ويدخل في كلام المصنف من أعتق عبدا صغيرا، فإنه تلزمه نفقته والزكاة عنه، وذلك بسبب الرق. قال في مختصر الوقار: ويخرج زكاة الفطر عن الرضيع إذا أعتقه حتى يبلغ الكسب على نفسه، فتسقط عنه نفقته. انتهى. ومثله من أعتق زمنا، فقد ألزموه النفقة عليه، واختار سند سقوط النفقة بعتق الزمن. الرابع: احترز المصنف بقوله: "بقرابة أو زوجية أو رق"، عما إذا كان يمونه بغير هذه الأسباب الثلاثة، فإنه لا تجب عليه زكاة فطره، كمن التزم نفقة ربيبه أو غيره، وكمن استأجره بنفقته من حر أو عبد، فإن من التزم نفقة من ليس بقريبه كالربيب، أو قريب لا تلزمه نفقته بالأصالة فإنه لا يلزمه أن يخرج عنه زكاة الفطر باتفاق. قاله الخطاب. والمستأجر بنفقته نص عليه صاحب الذخيرة وغيره، وكذلك البائن إذا كانت حاملا بخلاف الرجعية؛ لأن الطلاق الرجعي لا يمنع العصمة، وإنما يهيئها للقطع، فالعصمة باقية قاله الخطاب. وقد مر أن رقيق الرقيق لا تجب على السيد الأعلى فطرتهم؛ لأنه لا يمونهم؛ إذ نفقتهم على السيد العبد، ومر أيضا أنه لا تجب فطرتهم على السيد العبد.

стр. 2186

الخامس: لو ارتد مسلم فدخل وقتُ الزكاة وهو مرتد تم تاب سقطت عنه، وإن جنى عبد جناية عمد تؤخذ فيها نفسه فلم يقتل إلا بعد الفطر ففطرته على سيده، ولو كان صبي في حجر رجل بغير إيصاء وله بيده مال رفع أمره إلى الحاكم، فإن لم يرفع وأنفق عليه وأخرج عنه زكاة الفطر فهو مصدق في الزكاة وفي نفقة المثل، ويؤديها الوصي عن اليتامى وعن رقيقهم من أموالهم. قاله الحطاب. وإذا أمسك عبيد ولده الصغار لخدمتهم ولا مال للولد سواهم، أدى الفطرة عنهم مع النفقة: ثم يكون له ذلك من مال الولد وهو العبيد؛ لأنهم أغنياء. قاله الحطاب. وقد مر عن الحطاب وغيره: أنه يجب على المرأة الفقير زوجها وهي موسرة أن تؤدي زكاة الفطر عن نفسها حيث أحبت المقام معه، وأنه إن قدر على أن ينفق عليها دون فطرتها تسقط عنه فطرتها كما تسقط عنها، ويستحب لها إخراجها عن نفسها في هذه الحالة، فإن أرادت المرأة أن تخرج زكاة الفطر عن نفسها والزوج موسر لم تجز؛ لأن الخطاب متوجه عليه دونها، ويختلف في هذا الفرع. انتهى. ومثله لو تطوع شخص غيره بزكاة الفطر وهو موسر، هل تسقط زكاة الفطر عن المخرج عنه إذا أعلمه بذلك أم لا تسقط عنه؟ قياسا على ما ذكره في الزوجة، وما جزم به هنا من عدم الإجزاء مخالف لما سيأتي له في الكلام على إخراج أهل المسافر عنه، حيث قال: وإذا لم يأمرهم ولم يكن ذلك عرفه معهم، فهذا يختلف فيه على الخلاف فيمن كفر عن غيره من غير علمه وإذنه، وأن يجزئه أحسن لأنه حق مال، فيسقط عنه إذا أدي عنه وإن لم يعلم به. انتهى. وهو خلاف ما في التوضيح في الكلام على إخراج أهل المسافر عنه، ونصه: وهذا ظاهر إذا كانت عادتهم أو أوصاهم، وإلا فالظاهر عدم الإجزاء لفقد النية. انتهى. انظر الحطاب. ومبيعا بمواضعة؛ يعني أن الأمة المبيعة بمواضعة زكاة فطرتها على بائعها إذا غشي الفطر قبل رؤية الدم لوجوب النفقة والضمان على البائع. أو خير؛ يعني أن الرقيق المبيع بخيار زكاة فطرته على بائعه حيث غشي الفطر قبل انقضاء أمد الخيار، كان الخيار لهما أو لأحدهما، أو لغير لوجوب النفقة والضمان على البائع ولانحلال بيع الخيار. وقوله: "ومبيعا"، عطف على المبالغة، وقوله: "أو خيار"، عطف على قوله: "مواضعة"، فالبيع بالمواضعة أو الخيار فيه خلاف أيضا، قال الشارح معللا كون فطرة المبيع بمواضعة أو خيار على بائعه: لأنَّ ضمانه منه

стр. 2187

حتى يخرج العبد من الخيار والأمة من الاستبراء. سند: ومن قال إن الملك ينتقل بالعقد جعل الزكاة على المشتري انتهى والمشهور ما ذكره المصنف في الرقيق البيع بمواضعة أو خيار. ومخدما، بفتح الدال؛ يعني أن من أخدم عبده لشخص مدة طويلة أو قصيرة، زكاة فطره على مالك رقبته من سيده الذي وهب خدمته، أو من يكون له بعد الإخدام إذا قبل لوجوب نفقته على من ذكر. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: وأما المخدم فنفقته على من له الخدمة. قاله ابن يونس. وحكى أبو الحسن قولين، قيل: على مالك الرقبة، وقيل: على المخدم، وقال ابن عرفة: روى الباجي المخدم يرجع لحرية على ذي خدمته ولربه في كونها عليه أي على ربه أو على المخدم، ثالثها إن قلت خدمته وفي نفقته الثلاثة، وعلى الأول مشى المصنف حيث قال: "ومخدما". إلا لحرية؛ يعني أن العبد المخدم؛ أي الذي وهبت خدمته لشخص آخر إذا كان يرجع للحرية بعد زمن الخدمة؛ بأن قال سيده: أخدمت عبدي هذا زيدا مثلا سنة أو أكثر أو أقل، وهو حر بعد ذلك، فإن زكاة فطرته تكون على مُخْدَمِه، بفتح الدال؛ أي الذي وهبت له خدمة العبد، وكذلك نفقته فإنها حينئذ على من وهبت له خدمته، طالت المدة أو قصرت كما علمت، وقال الشبراخيتي عند قوله: "فعلى مخدمه": لأن نفقته، عليه على المشهور ولم يبق للسيد فيه منفعة وظاهره أنه إذا جعله بعد الخدمة للشخص أنها تكون على سيده المخدِم بالكسر؛ وهو أحد أقوال ثلاثة، ولكن مذهب المدونة أنها تكون على الشخص في مدة إخدامه إن قبل، وتكون نفقته عليه أيضا في هذه المدة؛ لأن الفطرة تابعة للنفقة. انتهى. والمشترك والمبعض بقدر الملك؛ يعني أن العبد المشترك بين مالكين فأكثر تكون زكاته عليهما، أو عليهم بقدر الحصص، فمن له نصف العبد عليه نصف الفطرة، ومن له سدس العبد عليه سدس الفطرة، ومن له ثلثه عليه ثلث فطرته، وكذا الذي بعضه حر وبعضه مملوك، فعلى مالكه بقدر ماله منه، إن نصفا فنصف، وإن ثلثا فثلث، وإن خمسا فخمس. . . . وهكذا. قال في المدونة: وإذا كان عبد بين رجلين ودى كل واحد منهما نصف صدقة الفطر عنه، وإن كان لأحدهما سدس فسدس الزكاة عليه وخمسة أسداسها على شريكه، وهذا الذي مشى عليه المصنف هو المشهور.

стр. 2188

وعن مالك أن على كل واحد منهما زكاة كاملة، وقيل: على العدد فيكون على صاحب السدس نصف صاع، وعلى الآخر نصف صاع. قاله الشارح. وقال محمد بن الحسن عند قوله "والمشترك والمبعض بقدر الملك": مقابل هذا أنها على عدد رؤوس المالكين، ولهذه المسألة في هذا الخلاف نظائر أشار في الجواهر إلى ضابطها، بقوله: كل ما يجب بحقوق مشتركة، هل يكون استحقاقه بقدر الحقوق أو على عدد الرؤوس؟ قولان، لكن الراجح منهما متخالف، فالراجح الثاني في مسائل كأجرة القسم، وأجرة المراحيض، والسواقي، وحارس أعدال المتاع، وبيوت الطعام، وكذا صيد الكلاب. قال أبو عمران: لا ينظر إلى رؤوس الكلاب إنما ينظر إلى رؤوس الصيادين. انتهى. وكذا حارس البستان، وكتب الوثيقة، والراجح الأول في الفطرة والشفعة ونفقة الوالدين. قاله محمد بن الحسن. قوله: وكذا صيد الكلاب؛ أي إذا أرسل أحد الصائدين كلبا، وأرسل الآخر كلبين، فلو اشترك اثنان في كلب وتفاوتت حصتاهما فانظر ما الحكم؟ والمناسبُ أن يكون الصيد لن صاد بالكلب ويغرم لصاحبه أجرته وسيأتي في الوصية: "وضرب لمجهول فأكثر بالثلث"، وهل يقسم على الحصة؟ قولان، وقوله: وأجرة السواقي؛ أي كنس السواقي، وقوله: بيوت الطعام؛ أي أجرة حارس بيوت الطعام، وأما المبعض فالمشهور فيه ما ذكر المصنف، فلا شيء على العبد في جزئه الحر، وقيل عليهما فيؤدي السيد من زكاة فطره بقدر ما يملكه منه، وعلى العبد بقدر ما هو حر منه، وقيل: على السيد جميع فطرته، والقول الثاني رواه ابن حبيب عن أشهب، وهو في المبسوط، والثالث لعبد الملك نظرا إلى أنه لو مات ورث جميع ماله. انظر التوضيح. وقال أبو مصعب: لا شيء على السيد ولا على العبد من ذلك. قاله الشارح. ولا شيء على العبد؛ يعني أن المبعض لا شيء في بعضه الحر من زكاة الفطر، لا عليه هو ولا على سيده المالك لبعضه الآخر؛ وهو المشهور كما علمت، وكذا الحكم لو كان العبد مشتركا بين حر وعبد، فعلى الحر من فطرته بقدر ما يملكه منه، ولا شيء على السيد العبد فيما يملكه منه، وكذا لا شيء على العبد في رقيقه -كما مر- قال مالك في المدونة: ومن له نصف عبد باقيه حر فليؤد الذي له نصفه نصف صدقة الفطر عن حصته، ولا شيء على العبد لأنه لا زكاة عليه في ماله. ابن يونس: ولأن أحكام

стр. 2189

الرق جارية عليه بدلالة منع شهادته وميراثه ونقصان طلاقه وحده وسقوط الحج عنه، فكذلك الزكاة ساقطة عنه. انتهى. قاله الخرشي. وكذا لا يلزم العبد زكاة فطرة زوجته كما مر، ولنا عبد لا زكاة فطر عليه ولا على أحد عنه، وهو العبد الموقوف على مسجد، وفي الولد الذي ألحقته قافة بأب متعدد قولان للحنفية، فلأبي يوسف: على كل أب صاع لأن الزكاة لا تتبعض عنده، ولمحمد على كل واحد نصف صاع إن كانا اثنين، وثلث صاع إن كانوا ثلاثة، وهكذا نقله سند. ومقتضى كلامه أن الثاني موافق لمذهب مالك، وكذا يقال في زكاة فطر الأب على متعدد من أولاده حيث تجب نفقته على جميعهم، فإن وجبت على واحد لعجز غيره وجبت عليه فطرته. قاله غير واحد. وسيأتي قول المصنف: "ووزعت على الأولاد" الخ. والمشترى فاسدا فعلى مشتريه؛ يعني أن العبد المشتري شراء فاسدا زكاة فطرته ثابتة على مشتريه، كنفقته حيث قبضه لأن الضمان منه حينئذ، كما سيذكره المصنف بقوله: "وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض وسواء رده يوم الفطر أو بعده"، وقوله: "والمشترى فاسدا وأولى منه المعيب". وندب إخراجها بعد الفجر وقبل الصلاة؛ يعني أن زكاة الفطر يندب للمزكي أن يخرجها يوم العيد بعد طلوع فجره وقبل صلاة العيد، هذا هو ظاهر المصنف. وقال محمد بن الحسن: الذي يدل عليه كلام المدونة وغيرها أن المندوب إنما هو الإخراج قبل الغُدُوِّ إلى المصلى، وصدق في أن الذي يدل عليه كلام المدونة وغيرها أن المندوب إنما هو الإخراج قبل الغدو إلى المصلى؛ (لأنه ﷺ أمر بأدائها قبل الغدو إلى المصلى (١)). وقال أبو الحسن: محل الاستحباب إنما هو قبل صلاة العيد ولو بعد الغدو إلى المصلى، وهذا هو ظاهر المصنف. وفي الحطاب عن أبي الحسن: كره تأخيرها لطلوع الشمس، فعلى هذا ففي كلام أبي الحسن تدافع، قال أبو علي: ولم أجد في أبي الحسن ما نسب إليه من كراهة تأخيرها إلى طلوع الشمس، وفي الحطاب: قال في المدونة: ويستحب أن تؤدى بعد الفجر من يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، فإن أداها بعد الصلاة فواسع. انتهى. ونحوه في الجلاب واللخمي وابن الحاجب

стр. 2190

وغيرهم، وقال في الشامل: واستحب إخراجها بعد الفجر وقبل صلاة العيد إن وجبت. انتهى. وقال أبو الحسن: قوله في المدونة قبل الغدو إلى المصلى، هو صفة للفعل، ومحل الاستحباب إنما هو قبل الصلاة، فلو أداها قبل الصلاة بعد الغدو إلى المصلى فهو من المستحب. انتهى بالمعنى. وقال اللخمي: وقوله الأول في المدونة أحسن، وقال القباب: فجعله اللخمي اختلافا، والظاهر أنه ليس باختلاف، وأن الأولى عنده قبل الصلاة، وإن أداها بعد الصلاة فليس بآثم لأن وقت الأداء باق. انتهى. وما شرحت به قول المصنف من أن مراده بالصلاة صلاة العيد. قاله غير واحد. وقال الجزولي في شرح قول الرسالة: ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر، إخراجها بعد الفجر وقبل صَلاةٍ أَحْسَنُ. انتهى. وقال في مختصر الوقار: أفضل الأوقات لإخراجها في صبيحة الفطر بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح. قاله الحطاب. ونقل الحطاب أيضا عن أبي الحسن أنه قال: قال القاضي أبو بكر: ولا تكون طهرة للصائم إلا إذا أديت قبل الصلاة. انتهى. وقال في الذخيرة: قال سند: ولا يأثم بالتأخير ما دام يوم الفطر قائما، فإن أخرها عنه أثم مع القدرة. انتهى. ونقله في الشامل وغيره، قاله الحطاب. وإنما استحب إخراجها قبل أن يخرج إلى المصلى ليأكل منها الفقير في ذلك الوقت، قبل غدوه إلى صلاة العيد، لقوله ﵊: (أغنوهم في مثل هذا اليوم (١)). وقد (أمر النبي ﷺ بإخراجها قبل الغدو إلى المصلى (٢))، وفي المدونة ومن مات ليلة الفطر أو يومه ممن يلزمك أداء الفطرة عنه لم يُزِلْهَا موته، وإن مات رجل يوم الفطر أو ليلة الفطر فأوصى بالفطرة عنه كانت من رأس ماله، وإن لم يوص بها لم يجبر عليها، ويؤمرون بها كزكاة العين تحل عليه في مرضه، [وإنما] (٣) تكون من الثلث في ذلك كله ما فرط فيه في صحته ثم أوصى به، فإنه يبدأ في ثلثه على سائر الوصايا إلا المدبر في الصحة. انتهى. ونحوه في مختصر الوقار، وقال إن أوصى بإخراجها عنه وعمن يلزمه إخراجها عنه أخرجت من ماله، وقضي بذلك عليهم. انتهى. قاله

стр. 2191

الحطاب. وقوله: "وندب إخراجها بعد الفجر وقبل الصلاة"، فإن وجد مستحق لها في ذلك الوقت المندوب فالأمر ظاهر، وإن لم يوجد مستحق فيه فعزلها فيه كإخراجها في تحصيل الندب. قاله عبد الباقي، وغيره. ومن قوته الأحسن؛ يعني أن الشخص إذا كان يقتات أحسن غالب قوت البلد، فإنه يستحب له أن يخرج زكاة الفطر من قوته الأحسن، ولا يجب عليه ذلك، فإن كان غالب القوت الشعير وهو يقتات القمح فالمستحب له أن يخرج من القمح، فإن أخرج من الشعير أجزأه. قاله غير واحد. وقال عبد الباقي: ومن قوته الأحسن من قوت أهل البلد أو من أغلب قوتهم، لا الأحسن من قوته إذا اختلف، ورد بقوله: لا الأحسن من قوته إذا اختلف على الشارح، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند قوله: "ومن قوته الأدون". وقي مختصر الوقار: ومن كان عنده قمح في منزلة وأراد شراء الفطر من السوق، فإن كان إبقاء الذي في منزلة صيانة لجودة ما عنده فلا يفعل ذلك -ولله الفضل والخيار- وإن كان لأن الذي عنده قوت أهله فلا بأس بذلك. انتهى. وغربلة القمح؛ يعني أنه تندب غربلة القمح الذي يخرج في زكاة الفطر؛ أي إزالة ما فيه من تراب ونخالة ونحو ذلك، ولا خصوصية للقمح بندبية الغربلة، بل مثله في ذلك كل ما يخرج من الفطرة، فلو قال: وغربلة لكان أشمل. إلا الغلث؛ يعني أن محل ندب الغربلة في المخرج في الفطر إنما هو حيث لم يكن غلثا، وأما الغلث بالمثلثة وهو ما كثر من إضافة غيره إليه من تراب ونحوه، فإنه تجب غربلته حيث زاد غلثه على الثلث، فمحل ندب الغربلة حيث لم يزد الغلث على الثلث، بأن كان الثلث فدون. هذا هو الذي ذكره ابن رشد، وعلى ما استظهره ابن عرفة تجب غربلته حيث كان الثلث وما قاربه بيسير، وهذا الذي قررته به هو الذي يفيده النقل. قاله علي الأجهوري. قال: وقرر -يعني المصنف- على أنه تجب غربلته حيث كان غلثه ينقصه عن النصاب، ولا يتقيد ذلك بالثلث ولا بغيره. انتهى. والغربلة مصدر غربله، والغلث بفتح اللام وسكونها خلط الجيد بالردي، قال الجوهري: يقال: غلثت القمح بالشعير إذا خلطته به. القرافي: ولا يجزئ المسوس الفارغ بخلاف القديم المتغير الطعم عندنا، وعند الشافعي.

стр. 2192

ودفعها لزوال فقر؛ يعني أنه يستحب لمن زال فقره يوم الفطر بعد طلوع فجره أن يخرج زكاة الفطر. وإن زال فقره قبل الفجر من ذلك اليوم تجب عليه على أحد القولين المتقدمين. أو رق؛ يعني أن من زال رقه يوم الفطر بعد طلوع الفجر، بأن عتق العبد يستحب له أن يخرج زكاة الفطر، وإن زال رقه قبل فجر يوم الفطر وجبت عليه على أحد القولين المتقدمين، فقوله: "لزوال"؛ أي لأجل زوال فقره أو رقه. وقوله: يديه. أي العيد؛ أي الفطر متعلق بزوال؛ أي يستحب لمن زال فقره أو رقه يوم العيد بعد طلوع الفجر أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه، ويجب على سيده إخراجها عنه في الثانية، فقد طلبت مرتين في هذه الحالة. وقوله: "ودفعها"، عطف على فاعل "ندب". ويلغز بمسألة الرق، فيقال: زكاة فطر أخرجت عن واحد مرتين في عام واحد، وكذا بائع عبد بعد غروب آخر يوم من رمضان، ودخل وقت الفجر؛ وهو في ملك المشتري على أحد القولين المارين في تعلق الخطاب. قاله عبد الباقي. فتجب على البائغ على أن الوجوب متعلق بأول ليلة العيد، وعلى المشتري على أن الوجوب متعلق بفجره. وقوله: "ودفعها لزوال فقر أو رق يومه"، وكذلك يستحب إخراجها لمن أسلم بعد وقت الوجوب. قاله في المدونة. وكذلك يستحب أن يخرج عن المولود بعد وقت الوجوب. قاله في الطراز. قاله الحطاب. وللإمام العدل؛ يعني أنه يندب دفع زكاة الفطر للإمام العدل، وظاهر المدونة الوجوب، قال فيها: ويفرقها كل قوم في أمكنتهم من حضر أو بدو أو عمود، ولا يدفعونها إلى الإمام إذا كان لا يعدل، وإن كان عدلا لم يسع أحدا أن يفرق شيئا من الزكاة، وليدفعها إلى الإمام فيفرقها في مواضعها، ولا يخرجها منها إلا أن يكون بموضع محتاجٌ، فيخرجها إلى أقرب المواضع إليهم فيفرقها هنالك. انتهى. ونحوه في مختصر الوقار، وزاد: وأهل السفر في سفرهم، قال في الذخيرة: وليس للإمام أن يطلبها كما يطلب غيرها. انتهى. قاله الحطاب. واعلم أن زكاة الفطر لا تؤدى عن الحمل إلا أن يولد ليلة الفطر حيا أو يومه، فتؤدى عنه. ابن يونس: ولم يختلفوا عن مالك فيمن ولد قبل الفجر أو بعده، أنها على الأب. قاله ابن حبيب. وقال ابن الماجشون: هو فيه بعد الفجر مستحب، وقاله أشهب. وقوله فتودى عنه، الظاهر أنه

стр. 2193

على جهة الاستحباب إن ولد بعد الفجر كما قال عبد الملك. انظر أبا الحسن. وقال الخرشي: قال في المدونة: ولا تخرج عن أماكنها، فإن فعل أجزأ مع الكراهة عند ابن القاسم، خلافا لسحنون إذا نقلها إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وهذا إذا كان بموضعهم محتاج وإلا فليخرجها إلى أقرب المواضع، أبو الحسن: إن كان ربها هو المخرجَ فحملها عليه لا منها، ليلا يخرج أقل من صاع، وإن كان الإمام، فقيل: الأجرة منها، وقيل: من الفيء ولو طاع بدفعها لجائر لم تجزه، ولو أخذها الفقير ثم استغنى بها فله أن يخرجها عن نفسه؛ لأنه ملكها، لكن إن ملكها قبل الغروب يجب عليه الإخراج، وبعده يستحب له. انتهى. قوله: يستحب له، يريد على أحد القولين المتقدمين. قاله جامعه عفا الله عنه. والله أعلم. وعدم زيادة؛ يعني أنه يندب عدم الزيادة، يحتمل أن يكون مراده عدم الزيادة على الصاع، ويشير لقول القرافي: قيل لمالك: أتؤدى بالمد الأكبر؟ قال: لا بل بمده ﵊، فإن فعل خيرا فعلى حدة سدا لذريعة تغيير المقادير الشرعية. انتهى. ويحتمل أن يكون مراده عدم زيادة المسكين على صاع كما ذكر ابن يونس، ولا يعارضه قوله بعد: "ودفع صاع لمساكين أو آصع لواحد"؛ لأن المراد هنا بيان المستحب، وهناك بيان الجائز، ويمكن أن يكون المصنف أرادهما معا، فيحمل كلاهه على عدم زيادة على الصاع، وعلى عدم زيادة المسكين على صاع مشيرا به لكلام القرافي وابن يونس. قاله الحطاب. قال جامعه عفا الله عنه: وهذان الاحتمالان الثاني والثالث أولى منهما الأول، لما سيأتي عند قول المصنف: "وآصع لواحد". والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: وندب عدم زيادة على صاع، بل تكره الزيادة عليه؛ لأن التحديد به من الشارع، والزيادة عليه بدعة كالزيادة في التسبيح على ثلاث وثلاثين. قاله القرافي. أي حيث تحقق الزيادة، وأما مع الشك فلا. قاله الأجهوري. أي كما تقتضيه قاعدة أن الشاك غير المستنكح يبني على الأقل. انتهى. وهذا الذي حمله عليه عبد الباقي هو الاحتمال الأول عند الحطاب وقد تقدم أنه أولى، بل هو الصواب كما يعلم مما يأتي عند قول المصنف: "وآصع لواحد". وإخراج المسافر؛ يعني أنه يندب للمسافر أن يخرج عن نفسه زكاة الفطر في الحالة التي

стр. 2194

يخرج عنه أهله فيها؛ بأن ترك لهم ما يؤدونها منه، وهذا ظاهر إذا كان ذلك عادتهم أو أوصاهم، وإلا فالظاهر عدم الإجزاء لفقد النية،: وقال في سماع أشهب في الرجل يغيب عن أهله: أرى أن يؤدي زكاة الفطر عن نفسه؛ لأنه لا يدري أتؤدى عنه أم لا؟ وقولي في الحالة التي يخرج عنه أهله فيها: أي وأما في الحالة التي لا يخرجها أهله عنه فيجب عليه أن يخرجها. وجاز إخراج أهله عنه؛ يعني أن المسافر يجوز أن يخرج أهله عنه زكاة الفطر، قال ابن راشد في في اللباب: المخرج فيه موضع المالك، وإن أدى أهل المسافر عنه أجزأته، فإن لم يكن في مكانه محتاج ففي أقرب المواضع إليه. انتهى. قاله الحطاب. وقال في التوضيح عند قول ابن الحاجب: وإذا أدى أهل المسافر عنه اجزأ: هذا ظاهر إذا كانت عادتهم ذلك أو أوصاهم، وإلا فالظاهر عدم الإجزاء لفقد النية. وقال في سماع أشهب في الرجل يغيب عن أهله: أرى أن يؤدي زكاة الفطر عن نفسه؛ لأنه لا يدري أتؤدى عنه أم لا؟ وأما أهله فأرى أن يؤخرهم لعلهم أدوا عن أنفسهم. ابن رشد: هذا إن ترك عند أهله ما يؤدون منه الزكاة ولم يأمرهم فهو إذا لم يدر ما يفعلون يؤدي عن نفسه، ولا يؤدي عنهم؛ لأن الأقرب أن يؤدوا عن أنفسهم، ولا يؤدوا عنه، ولو أمرهم أن يؤدوا عنه في مغيبه لم يكن عليه أن يؤدي عن نفسه، ولو لم يترك عندهم ما يؤدون منه الزكاة لزمه أن يؤدي بموضعه عنه وعنهم؛ لأن الزكاة عليه. وقال اللخمي في تبصرته: وإن أخرج -يعني المسافر- عن أهله أخرج من المصنف الذي يأكلونه، وإن أخرجوا عنه فمن المصنف الذي يأكله. انتهى. وقال الأقفهسي: ولو كان مسافرا أخرج عن نفسه من المصنف الذي يأكل منه أهل البلد أو يأكه هو لا لشح، واختلف إذا أراد أن يزكي عن أهله أو أراد أهله أن يزكوا عنه، هل المعتبر موضعه أو موضع أهله؟ قولان. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي بعد أن نقل كلام اللخمي: فإذا لم يعلم المخرج بالكسر صنف ما يأكله المخرج عنه آخر الإخراج حتى يعلم، كذا ينبغي، ونحوه للخرشي وغيره، وقوله: "وجاز إخراج أهله عنه"، قال في الطراز: أما إن أمرهم بذلك أو كان هو عرفهم معه فذلك يجزئ بلا إشكال، وكانه استنابهم وإن لم يأمرهم ولم يكن ذلك عرفه معهم، فهذا يختلف فيه على الخلاف فيمن كفر عن غيره بغير علمه وإذنه، وأن يجزئه أحسن لأنه حق مالي فيسقط عنه إذا أدي عنه، وإن لم يعلم

стр. 2195

به كالدين. نقله الحطاب. وتقدم أنه يجزئ إخراج الأب الزكاة عن ولده الصغير، وإن لم يعلمه بذلك، بخلاف الكبير فلا بد من إعلامه؛ لأنه لا بد في الزكاة من النية على المذهب، وإعلامه قائم مقام النية. قاله ابن فرحون. وقال عبد الباقي عند قوله: "وجاز إخراج أهله عنه": إن اعتادوه عنه أو أوصاهم، وتكون وصيته بمنزلة النية، وإلا لم تجز عنه لفقد النية، كذا استظهر المصنف، وكذا يجوز إخراجه عنهم، والمعتبر في القسمين أغلب قوت المخرج عنه، فإن لم يوجد عند المُخرِج أو لم يعلم به أخر الإخراج -كذا ينبغي- انتهى. ودفع صاعٍ لِمَسَاكِين؛ يعني أنه يجوز دفع صاع واحد من زكاة الفطر لجماعة مساكين. قاله ابن يونس، عن ابن المواز. قاله الشبراخيتي. وقوله: "ودفع صاع لمساكين"؛ أي وجاز بالاجتهاد كما في الإرشاد: دفع صاع لمساكين. قاله الشبراخيتي. وآصع لواحد؛ يعني أنه يجوز دفع آصع من زكاة الفطر لمسكين واحد، قال الخرشي: وإن كان خلاف الأفضل، قال محمد بن الحسن: وفيه نظر؛ فإن ما ذكره رواية مطرف؛ وهي مقابلة لمذهب المدونة، قال أبو الحسن: ويجوز أن يعطيها عنه وعن عياله لمسكين واحد، هذا ووهب ابن القاسم، وقال أبو مصعب: لا يجزئ أن يعطي مسكينا واحدا أكثر من صاع، ورآها كالكفارة. وقد روى مطرف عن مالك أنه: استحب لمن تولى تفرقة فطرته أن يعطي لكل مسكين ما أخرج عن كل إنسان من أهله من غير إيجاب. انتهى. وناقشه الرهوني، وقوى ما ما للخرشي، وقوله: "ودفع صاع لمساكين أو آصع لواحد"، نبه به على مخالفة هذه لكفارة اليمين، والظهار، والصيام. وقال الأمير: "ودفع صاع لمساكين أو آصع لواحد"، إلا أن يخرج عن الفقر، وإن قدر عليها بها أخرجها، ولعطيه الظاهر تخريجه على ما سبق من دفع الزكاة لغريم، وأخذها منه. انتهى. وقوله: إلا أن يخرج عن الفقر؛ أي بحيث يستغني بما دفع له، فلا يدفع له بعد أن يستغني، وقوله: وإن قدر؛ أي الفقير عليها؛ أي على إخراج الفطرة بها أي بسبب الفطرة التي أعطيت له، متعلق بقدر. وقوله: "آصع"، بهمزة ثم ألف ثم صاد مهملة مضمومة ثم عين مخففة جمع صاع، وهذا الجمع من باب القلب، فإن جمع صاع أصوع، ثم قلب الواو همزة ثم نقلت الهمزة إلى موضع الفاء، فصار أَأْصُعًا، ثم أبدلت الهمزة الثانية ألفا فصار آصعا. وأنكر ابن مكي هذا الجمع، وقال: إنه

стр. 2196

من لحن العوام، وهذا الذي قاله ابن مكي خطأ صراح وذهول بين، بل لفظة آصع صحيحة فصيحة مستعملة في كتب اللغة والأحاديث الصحيحة. انتهى. وإنما قلبت الواو همزة في أصوع لثقل الضمة على الواو. قاله ابن مكي. وفي القاموس: الصاع والصواع بالضم والكسر والصوع ويضم: الذي يكال به وتدور عليه أحكام المسلمين، والجمع (١) أُصُعٌ وأصْؤُعٌ وأصْوَاعٌ وصيعان، أو هذا جمع صواع. قاله الحطاب. ومن قوته الأدون؛ يعني أن الواجب إخراج زكاة الفطر من أغلب قوت أهل البلد، ويستحب إخراجها من قوته إن كان أعلى -كما مر- فإن كان قوته أدنى، فإن كان ذلك لأجل عجز أي فقر أجزأه الإخراج من ذلك القوت الأدون اتفاقا، وإن كان لأجل عادة كبدوي يأكل الشعير بالحاضرة وهو ملي ففي الإجزاء وعدمه قولان، واعتمد المصنف الإجزاء، وهو ضعيف، والذهب القول بعدم الإجزاء كما ذكره ابن عرفة، خلاف ما اعتمده المصنف، ونص ابن عرفة: وفي كون المعتبر مما تؤدى مقتاته لا لبخل ومقتات أهل البلد نقلا ابن رشد عن محمد، والمذهب قائلا: إلا أن يعجز عن قوت بلده فمن قوته. انتهى. إلا لشح؛ يعني أنه إذا اقتات الأدون لشح أي بخل عن نفسه وعياله؛ فإنه لا يجزئه الإخراج من الأدون اتفاقا. وحاصل هذه المسألة: أن من كان يقتات أعلى من قوت أهل البلد أو من غالبه، يندب له أن يخرج زكاة الفطر من قوته الأعلى؛ وهو الذي تقدم في قول المصنف ومن قوته الأحسن، ومن كان قوته مساويا لقوت أهل البلد فأمره واضح، وَمَنْ قوته أدونُ من قوت أهل البلد فإن اقتاته لعجزه عن قوت أهل البلد أجزأه الإخراج من قوته اتفاقا، وإن اقتات الأدون مع القدرة على قوت أهل البلد إن كان لشح أي بخل -كأن يريد الأعلى للبيع مثلا- لم تُجْزِ من الأدون اتفاقا، وإن كان ذلك لعادة، كبدوي يأكل الشعير بالحاضرة وهو ملي لم يجزه الإخراج من الأدون على المعتمد، وما في كلام بعضهم من أن فيه قولين من غير ترجيح مردود بأن مفاد ما ذكره ابن رشد وابن يونس أن المعتمد القول بعدم إجزاء الإخراج منه، وأما من يقتات الأدون لكسر نفسه مع قدرته على قوت أهل البلد الأعلى فإنه لا يجزئه الإخراج من الأدون، فلا يجعل احتمالا لكلام المصنف. هذا هو تحرير المسألة.

стр. 2197

وظاهر قوله: ومن قوته الأدون"؛ أي أدنى من قوت أهل البلد، يشمل ما إذا كان له هو قوتان أعلى وأدنى. قاله جامعه عفا الله عنه. والله سبحانه أعلم. كما أن قوله: ومن قوته الأحسن؛ أي أعلى من قوت أهل البلد يشمل بحسب ظاهره من كان له قوت أعلى وأدنى؛ أي قوتا المخرج أحدهما أعلى من الآخر في المسألتين. والله سبحانه أعلم. وعلم مما مر أنه لو حذف المصنف قوله: "ومن قوته الأدون"، وزاد عقب قوله: "من أغلب القوت"، ما نصه: إلا لعجز فمن قوته الأدنى، لطابق المعتمد. وقال الأمير: ومن قوته الأدون عن قوت البلد إن كان لفقر لا شح أو كسر نفس أو عادة، على المعتمد. وبما مر علم أن ما استظهره التتائي من الكراهة في الأدون حيث اقتات الأدون لشح فيه نظر، ولذا اعترضه الرماصي بأن ابن عبد السلام صرح بعدم الإجزاء، وكذا الحطاب؛ وهو يدل على المنع. وإخراجه قبله بكاليومين؛ يعني أنه يجوز إخراج زكاة الفطر قبله أي قبل وجوب زكاة الفطر بثلاثة أيام، فالكاف مدخلة لليوم الثالث كما قررت، ونحوه في الجلاب، وفي المدونة: بيوم أو يومين، وانظر لم تبع الجلاب دون المدونة؟ قاله عبد الباقي. اللخمي: لو قدمها قبل وجوبها فضاعت عنده أو عند الإمام لم تجز، ولو أخرجها بعد وجوبها فضاعت قبل وصولها للمساكين، فقال ابن القاسم: تجزئه، ولو دفع ذلك للإمام لم يكن عليه شيء؛ لأنه وكيل. انتهى. نقله عبد الباقي عن أحمد. قوله: "لو قدمها قبل وجوبها" لخ، ما ذكره اللخمي من عدم الإجزاء اعترضه التونسي، واختار أنه متى أخرجها فضاعت في وقت لو أخرجها فيه لأجزأت، أنها تجزئ في هذا. انظر التوضيح. قال محمد بن الحسن. وقوله: "وإخراجه قبله بكاليومين"، خلافا لابن الماجشون وابن مسلمة القائلين: لا يجوز تقديمها قبل وجوبها. وهل مطلقا؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول المدونة: وإن أداها قبل ذلك بيوم أو يومين فلا بأس به، هل ذلك على إطلاقه فيجوز؟ سواء كان ربها هو المتولي لتفرقتها أو الإمام، أو غيرهما؟ وإليه ذهب اللخمي وهو المذهب، وهو الذي عليه الأكثر. أو لمفرق؛ يعني أن من الشيوخ من تأول المدونة على أن محل الجواز إذا أخرجت قبل وجوبها بيوم أو يومين إنما هو إذا دَفَعَ زكاة الفطر

стр. 2198

لمن يفرقها على الفقراء، وأما إن دفعت للمسكين أي دفعها ربها له فإنه لا يجوز تقديمها عن وقتها، ولا يجزئ إن وقع، وإليه ذهب ابن يونس. تأويلان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان. واعلم أن كل واحد من هذين التأويلين قول مشهور، والأرجح الإجزاء مطلقا لأنه ظاهر المدونة، ولأن صاحب الشامل بعد أن ذكر تشهير القولين، قال: وعليه -أي على الإجزاء مطلقا- الأكثر. انتهى. قاله الحطاب. وقد تقدم أن القول بالإجزاء مطلقا هو المذهب، واعلم أن محل الخلاف إنما هو إذا أتلفها الفقير قبل وقت الوجوب، وأما إن علم أنها قائمة بيد من أخذها إلى الوقت الذي تجب فيه فإنها تجزئ قولا واحدا؛ لأن لدافعها إن كانت لا تجزئ أن ينتزعها، فإذا تركها كان كمن ابتدأ دفعها حينئذ: ولأنه مستغن ببقائها في يده عن طواف ذلك اليوم. والله أعلم. قاله الحطاب. واعلم أن التأويلين على كلام المدونة؛ وهو ما إذا أداها قبل الوجوب بيوم أو يومين، وأما اليوم الثالث الذي دخل بالكاف فالمؤلف تبع فيه الجلاب. والله سبحانه أعلم. وفي الخرشي: أن إخراج الفطرة قبل وقتها بأقل من يومين، كإخراجها قبله بكاليومين. انتهى. ولا تسقط بمضي زمنها؛ يعني أن زكاة الفطر لا يسقط طلبها وجوبا فيما يجب، وندبا فيما يندب بسبب مضي زمنها الذي تعلق الخطاب بها فيه عمن كان موسرا بها فيه. قاله عبد الباقي. وقال في المدونة: وإن أخرها الواجد فعليه قضاؤها لماضي السنين. انتهى. وفي مختصر الوقار: ومن فرط فيها سنين وهو واجد لها أخرجها عما فرط فيه من السنين عن نفسه وعمن كان يجب إخراجها عنه في كل عام بقدر ما كان يلزمه، ولو أتى ذلك على ماله إذا كان صحيحا، وإذا كان مريضا وأوصى بها أخرجت من ثلثه. ابن يونس: ولو تلف ماله وبقيت لزمه إخراجها. القرافي. وحيث أخرجها ثم ذهبت أو ذهب ماله، أو لحقه دين ثم وجدها، قال سند: قال ابن المواز: ينفذها، ولا شيء عليه لأهل الدين كمن أعتق عبده ثم لحقه دين، ووجب قضاء الفطرة دون الأضحية؛ لأن الفطرة واجبة بخلاف الأضحية، والقضاء من شعار الفرائض، ولأن المقصود في زكاة الفطر سد

стр. 2199

الخلة وهو حاصل في كل وقت، والمقصود في الأضحية إظهار الشعائر (١) وقد فات، وقال الشاذلي في تحقيق المباني وتحرير المعاني من رسالة ابن أبي زيد القيرواني: ولا تسقط زكاة الفطر بمضي زمنها؛ لأنها حق للمساكين ترتب في ذمته ولا يأثم ما دام يوم الفطر باقيا؛ فإن أخرها عنه أثم مع القدرة بأن يكون متمكنا من إخراجها ويتعمد الترك، فإن لم يقدر على ذلك لعدم التمكن كالمسافر إذا كان ماله غائبا عنه ولا يجد من يسلفه فإنه لا يأثم. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: كلام هذا الرجل كالصريح في أن من كان له ما يؤدي منه زكاة الفطر إلا أنه لم يكن عنده وقت الوجوب ما يؤدي منه، لكونه غائبا عنه ولم يجد من يسلفه، يجب عليه قضاء زكاة الفطر وهو ظاهر المصنف. والله سبحانه أعلم. وإنما تدفع لحر مسلم فقير، هذا بيان لمصرف زكاة الفطر؛ يعني أنه يشترط فيمن تدفع له زكاة الفطر ثلاثة شروط: الأول الحرية فلا تدفع للعبد ولو ذا شائبة، الثاني: الإسلام فلا تدفع للكافر، الثالث: الفقر فلا تدفع لغني وَلَا خِلَافَ في ذلك عندنا. قاله الحطاب. قال في المدونة: ولا يعطاها أهل الذمة ولا العبيد، قال أبو الحسن: يريد ولا الأغنياء، فإن أعطاها من لا يجوز له أخذها عالما بذلك لم تجزه ولا ضمان عليهم، وإن لم يعلم نظرت فإن كانت قائمة بأيديهم استرجعها، وإن أكلوها وصانوا بها أموالهم ضمنوها، وإن هلكت بسبب من الله تعالى نظر، فإن غروا ضمنوا وإن لم يغروا لم يضمنوا. انتهى. وقوله: "فقير"، المراد به فقير الزكاة هذا هو المشهور، ومقابله لأبي مصعب، قال: لا يعطاها من أخرجها ولا يعطى فقير أكثر من زكاة إنسان. قال اللخمي: وهذا هو الظاهر لقوله ﵊: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم (٢))، فالقصد إغناؤهم ذلك اليوم، والقصد بما سواها من الزكاة ما يغنيه عما يحتاج إليه من النفقة والكسوة في المستقبل. انتهى. تنبيهات: الأول: قال الحطاب قال اللخمي: واختلف في صفة الفقير الذي تحل له، فقيل: هو من تحل له زكاة العين، وقال أبو مصعب: لا يعطاها من أخرجها، ولا يعطى فقير أكثر من زكاة

стр. 2200

إنسان وهو صاع، وهذا هو الظاهر لقوله ﵊: أغنوهم عن طواف هذا اليوم، فالقصد إغناؤهم ذلك اليوم، والقصد بما سواها من الزكاة ما يغنيه عما يحتاجه من النفقة والكسوة في المستقبل. انتهى المراد منه. ثم قال الحطاب بعد جلب أنقال: فالذي يظهر من كلامهم أن الفقير الذي تصرف له الفطرة هو فقير الزكاة على المشهور على ما قاله الجماعة، ويقيد على ما قاله اللخمي بأن لا يكون مالكا للنصاب. والله أعلم. انتهى؛ يعني أن اللخمي قال: لا أعلمهم يختلفون أنها لا تعطى لمالك نصاب. انتهى. وفي كلام اللخمي تدافع؛ لأنه قال في أوله من تحل له زكاة العين، ويمكن أن يقيد أول كلامه بآخره. كما قاله الحطاب. الثاني: علم مما مر أن مصرف زكاة الفطر ليس كمصرف زكاة الأموال؛ إذ تلك تصرف إلى الأصناف الثمانية كما مر، وهذه لا تصرف إلا إلى اثنين منها وهما الفقير والمسكين، ويعطى منها ابن السبيل إذا كان فقيرا بموضعه ولو كان غنيا ببلده، لقوله ﵊: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم (١))، وهذا إذا كان محتاجا لم يستغن عن ذلك انتهى. قاله الحطاب. ولو كان ابن السبيل معه ما يكفيه وهو محتاج إلى ما يوصله فلا تصرف له، وعلم من قول المصنف: "فقير"، أنها تدفع للمسكين بالأولى، ولا تصرف في شراء رقيق يعتق منها، ولا لغارم، ولا لمؤلف كافر، وقوله: "فقير"، قد قَدَّمْتُ عند قول المصنف: "وإن جلس نزعت منه"، ما يفيد أن من كان له مال ولم يمكن وصوله إليه أنه فقير، فتعطى له الزكاة فراجعه إن شئت، وفي كلام الحطاب هنا ما يفيد ذلك؛ أغني ما قدمته من قوله: ويعطى منها ابن السبيل إذا كان فقيرا بموضعه لخ. الثالث: قال في الشامل: ولا بأس بدفعها لأقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم على الأظهر، وللمرأة دفعها لزوجها الفقير، ولا يجوز له هو دفعها لها ولو كانت فقيرة؛ لأن نفقتها تلزمه، ومن أيسر بعد أعوام لم يقضها، وقال عبد الباقي: وأفاد المصنف بالحصر أنها لا تدفع لمن يليها ولا لمن يحرسها، ولا لبقية الأصناف الثمانية، ولا جابي لها، ففي الذخيرة: ليس للإمام أن يطلبها كما يطلب غيرها. انتهى. ولا يأخذها كرها وإن بقتال، فلا يقاتل عليها أهل البلد، كما قال ابن يونس وابن شعبان بخلاف الأذان، ولعل الفرق بينهما تكرره وشهرته، وتوقف معرفة الوقت عليه لجميعهم. وروى محمد كالموطإ: كل من

стр. 2201

منع فريضة عجز المسلمون عن أخذها منه وجب جِهادُه، وهو يؤذن بقتال من منع زكاة الفطر كما مر. والله سبحانه أعلم. وقد مر الجزم بإعطاء المرأة زكاة الفطر لزوجها الفقير، ومر الخلاف في دفعها زكاة المال له بين المنع والكراهة، والفرق بينهما، قلة النفع بزكاة الفطر بالنسبة لزكاة المال انظر حسن نتائج الفكر. وفيه عند قوله: "وإنما تدفع لحر مسلم" غير هاشمي فقير الزكاة على المشهور، فتدفع لمالك نصاب لا يكفيه لعامه. وقال اللخمي: لا تدفع له، ويؤيده خبر: (أغنوهم عن طواف هذا اليوم (١))، وروي: أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم، وروي: أغنوهم في هذا اليوم، وتدفع للمسكين بالأولى، فإن لم يوجدا ببلدها نقِلَت لأقرب بلد فيها هما أو أحدهما بأجرة من غيرها لا منها، ليلا ينقص الصاع، هذا إن أخرجها المزكي: فإن دفعها للإمام ففي نقلها حين فقدهما بالبلد للأقرب لها بأجرة منها أو من الفيء قولان. انتهى. وقد مر هذا. وفي الشبراخيتي: وإنما تدفع لحر مسلم فقير؛ أي والمسكين أولى، والمراد فقير الزكاة على المشهور، وعلى ما قاله الجماعة: فتدفع لمالك النصاب؛ لأن فقير الزكاة من عنده بلغة لا تكفيه لعيش عامة وإن ملك نصابا، وقال اللخمي: إنها لا تدفع لمالك النصاب اتفاقا. ذكره الحطاب. لكن في الحاشية: والذي يتحرر من الخلاف أن الفقير هنا هو الفقير في باب زكاة المال، وكلام اللخمي طريقة وظاهر كلام المصنف أنها لا تدفع لغير من ذكر وهو كذلك، فلا تدفع لمن يليها، ولا لمن يحرسها، ولا يعطى منها المجاهد، ولا يشترى له بها آلة، ولا للمؤلفة، ولا للجاسوس، ولا لابن السبيل إلا إذا كان فقيرا بالموضع الذي هو به، فيعطى منها بوصف الفقر، ولا يعطى منها ما يوصله لبلده، ولا يشترى منها رقيق يعتق، ولا لغارم. انتهى. الرابع: قال الحطاب: الحديث المذكور، أعني قوله ﷺ : (أغنوهم (٢))؛ يعني المساكين عن طواف هذا اليوم، هكذا رواه البيهقي وابن سعد في الطبقات بهذا اللفظ، وروي: أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم، وروي: أغنوهم في هذا اليوم. والله أعلم. انتهى.

стр. 2202

الخامس: قال الخرشي: قال سفيان الثوري: أعز الخلق خمسة أنفس: عَالِمٌ زَاهِدٌ فِي الدنيا، وفَقِيهٌ صُوفِيٌّ، وغَنِيٌّ مُّتَوَاضِعٌ، وفَقِيرٌ شَاكِرٌ، وشَريفٌ سُنِّيٌ. انتهى. ولما أنهى الكلام على الصلاة والزكاة الذين (١) لم يقعا في القرآن إلا مقرونين، شرع في الكلام على الثالث من أركان الإسلام، فقال:

стр. 2203

باب: في الصيام يقال: صام صوما وصياما، قال في المقدمات: الصيام هو الإمساك والكف والترك، ومن أمسك عن شيء وكف عنه وتركه فهو صائم عنه، قال الله : ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾؛ أي صمتا عن الكلام والكف عنه، وقال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة … وسط العجاج وخيل تعلك اللجما يريد بصائمة: واقفة ممسكة عن الحركة والجولان، وقولهم: صام النهار: معناه إذا انتصف؛ لأن الشمس إذا كانت في وسط السماء كانت واقفة غير متحركة لإبطاء مشيها، والعرب قد تسمي الشيء باسم ما قرب منه. انتهى. قاله الحطاب، وفي الصحاح، قال الخليل: الصيام قيام بلا عمل، والصوم الإمساك عن الطعام، وصام الفرس أي قام على غير اعتلاف، والصوم ركود الريح. وقوله: والبكرات شرهن الصائمة؛ أي التي لا تدور. انتهى. والصوم: ذرق النعامة، والصوم: البيعة؛ يعني واحدة البيع للنصارى، وقال البيضاوي: الصوم في اللغة الإمساك عما تنازع إليه النفس، ويسمى الصائم سائحا، وعنه عليه الصلاة، والسلام، أنه قال: (السائحون: الصائمون (١))؛ لأن الله تعالى إذا ذكر السائحين لم يذكر الصائمين، وإذا ذكر الصائمين لم يذكر السائحين. قاله الحطاب. وقال: قال أبو عبيد: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم، والصوم شجر في لغة هذيل. انتهى. وقال غيره: الصوم شجر على شكل شخص الإنسان كريه المنظر. انتهى. وقال الحطاب: الصوم في الشرع، قال في الذخيرة: الإمساك عن شهوتي الفم والفرج. أو ما يقوم مقامهما مخالفة للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد. انتهى. قوله: أو ما يقوم مقامهما؛ أي الفم والفرج، فيقوم مقام الفم الأنف ونحوه، فإن الواصل منه للجوف وللحلق مفطر، ويقوم مقام الفرج اللمس الموجب للفطر.

стр. 2204

وعرفه ابن عرفة بقوله: كف بنية عن إنزال يقظة أو وطء وإنعاظ ومذي، ووصول غذاء غير غالب غبار أو ذباب أو فلقة بين أسنان لحلق أو جوف زمن الفجر حتى الغروب دون إغماء أكثر نهاره. ولا يرد بقول ابن القاسم يبر حالف ليصومن غدا فبيت وأكل ناسيا، لقول ابن رشد: هو رعي للغو الأكل ناسيا، وإلا زيد بعد أو جوف: غير منسي في تطوع، قال الرماصي: ذِكرُه الإنعاظ على مذهب ابن القاسم أنه ناقض للصوم وهو المشهور، ويبطل طرده بمن جومعت نائمة، وكذا من قاء متعمدا، وقوله: دون إغماء أكثر نهاره، إنما قيد به مع أن الإغماء قبل طلوع الفجر المستمر لطلوعه مبطل ولو كان قليلا؛ وهو مذهب المدونة؛ لأن هذا يغني عنه قوله: كف بنية؛ لأن من أغمي عليه قبل طلوع الفجر لا نية له، ولذا أبطل ولو قل، وقوله: بنية، أخرج به الكف بغير نية، والباء للمصاحبة، وقوله: يقظة، خرج به إنزال النوم فإنه لا أثر له في الشرع، وقوله: غير صفة لغذاء، وقوله: أو ذباب، معطوف على غبار، وقوله: أو فلقة بين أسنان، معطوف على غبار، وقوله: لحلق، متعلق بوصول، وقوله: أو جوف معطوف على لحلق، والمراد بالجوف العدة، وقوله: زمن الفجر، معمول للكف بنية فكأنه قال: كف بنية من زمن الفجر إلى الغروب. وقال الحطاب: قال ابن رشد: إمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية، فيبطل طرده قولها: فيمن صب في حلقه ماء، ومن جومعت نائمة، ومن أغمي عليه أكثر نهاره أو أمذى يقظة. انتهى. واعلم أن الصوم واجب كتابا، لقوله : ﴿كتب عليكم الصيام﴾، وسنة لقوله ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت (١))، وإجماعا، قال الحطاب: أجمعت الأمة على وجوب صوم رمضان، فمن جحد وجوبه فهو مرتد، ومن امتنع من صومه مع الإقرار بوجوبه قتل حدا على المشهور من مذهب مالك. قال ابن عرفة: صوم رمضان واجب. جحده وتركه كالصلاة. انتهى. فيقتل حدا كالمتنع من الصلاة والوضوء وغسل الجنابة، ولا يقتله إلا السلطان،

стр. 2205

ومقابل المشهور قول ابن حبيب: إن تارك الصوم يقتل كفرا، قال في التوضيح: وقول ابن حبيب بالقتل كفرا في تارك الصلاة أقوى منه في الصوم؛ لأنه لا يوجد له هنا من الأدلة ما يوجد للصلاة، لأنا لا نعلم أحدا يوافقه على ذلك في الصوم إلا الحكم بن عيينة، بخلاف الصلاة فإنه وافق فيها جماعة من الصحابة والتابعين. انتهى. قاله الحطاب. وقال: فعلم منه أن المشهور أنه يقتل حدا، فقول القاضي عياض في قواعده: إنه يحبس ويمنع من الإفطار، مخالف للمشهور، وقد صرح بقتله لترك الصوم ابن يونس وغيره. والله أعلم. وشرط وجوبه: النقاء، والبلوغ، وصحته: الإسلام، والعقل، وعدم الحيض والنفاس زمنه. واختلف في الصوم الواجب قبله، فقال في الذخيرة: قيل عاشوراء، وقيل ثلاثة من كل شهر. انتهى. وذكر الهروي عن معاذ أن الواجب في أول الإسلام عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، وذكر عن عطاء أنه عاشوراء، واختلف في قوله: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾، فقيل: المراد به رمضان، والذين كتب عليهم الأنبياء وأممهم، وأنه كان واجبا على من قبلنا فجاء في الحر فحولوه وزادوا فيه. قاله الشعبي. وقيل: التشبيه في مطلق الصوم وإن اختلف العدد وقيل غير ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال الخرشي: وهل وجب قبله صوم ثم نسخ، وعليه فهل ثلاثة أيام من كل شهر أو يوم عاشوراء أو هما؟ وهل النسخ برمضان أو بأيام معدودات، ثم برمضان أولا؟ أقوال. انتهى. وَأَوَّلُ مَا فُرِضَ رمضان، خير بين صومه وبين الإطعام، لقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وكان في أول الأمر إنما يباح الأكل والشرب والجماع بعد الغروب إلى أن ينام المكلف أو يصلي العشاء فيحرم عليه جميع ذلك، ثم وقع لقيس بن صرمة بكسر الصاد المهملة وسكون الراء أنه طلب من امرأته ما يفطر عليه، فذهبت لتأتي له به قوجدته قد نام فأصبح صائما فغشي عليه في أثناء النهار، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم﴾. الآية. وروي أن عمر ﵁ أراد وطء امرأته، فزعمت أنها نامت فكذبها ووطئها ثم خون نفسه، وذكر ذلك للنبي ﷺ وذكر ذلك جماعة من الصحابة عن أنفسهم، فنزل قوله

стр. 2206

تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾. الآية. ويحتمل أن الأمرين سبب لنزولها، فأبيح جميع ذلك من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وحكمة مشروعية الصوم هي مخالفةُ الهوى؛ لأنه يدعو إلى شهوتي الفم والفرج، وكسرُ النفس، وتصفية مرءاة العقل: والاتصاف بصفة الملائكة، والتنبيه على مواساة الجائع. قاله الحطاب. وقال بعضهم: لما تاب الله على آدم من أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي عليه في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوما، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض الله على ذريته ثلاثين يوما. نقله الدميري. قاله الخرشي. يثبت رمضان بكمال شعبان؛ يعني أن رمضان يثبت ويتحقق بأحد أمرين: أحدهما: الرؤية، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، والثاني: كمال شعبان ثلاثين يوما، وذلك إذا لم يُرَ الهلال لغيم أو غيره، وكذا الحكم في غير رمضان من المشهور، ولو توالى الغيم في شهور متعددة، فقال الإمام مالك: يكملون عدة الجميع حتى يظهر خلافه اتباعا للحديث، ويقضون إن تبين لهم خلاف ما هم عليه، فإن حصل الغيم في رمضان وما قبله من المشهور فكملوها ثلاثين ثلاثين ثم رأوا شوالا ليلة ثلاثين من رمضان لم يقضوا شيئا، لجواز أن يكون رمضان تسعة وعشرين، فإن رأوا شوالا ليلة تسع وعشرين من رمضان قضوا يوما واحدا، وإن رأوه ليلة ثمان وعشرين قضوا يومين، وإن رأوه ليلة سبع وعشرين قضوا ثلاثة أيام. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال الأمير: قال ابن حجر: تمني زواله من الكبائر، ولعله إذا كان بغضا للعبادة بل ربما خشي عليه الكفر، ومما يخالف تعظيم شعائر الله تعالى قول العوام آخره إنه مريض، أو يطلع في الروح. وفي كلام المصنف استعمال رمضان من غير ذكر الشهر؛ وهو الصحيح. كما قاله القرطبي في تفسيره. وهو مذهب البخاري والمحققين، لخبر: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة (١))، وقيل: يكره استعماله بلا إضافة شهر إليه، ونقله عياض وغيره، وما قيل إنه اسم من أسماء الله تعالى لم يثبت، وما روي فيه من الحديث [ضعيف] (٢))، وقيل: يجوز استعماله بلا إضافة شهر إليه بقرينة كصمنا رمضان، ويكره بدونها كجاء رمضان. انظر الشبراخيتي، والحطاب.

стр. 2207

وقد علمت أن كونه اسما من أسماء الله تعالى خلاف الصحيح، فلا إيهام، فيجوز استعماله من غير قرينة، واعلم أن الدميري من الشافعية وابن حجر في شرح البخاري ذكرا تبعا للنووي أن ووهب مالك أنه لا يجوز أن يقال: رمضان، من غير ذكر الشهر، فإن النووي ذكر في المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها أنه لا يقال رمضان على انفراده بحال، وإنما يقال شهر رمضان، قال: وهذا قول أصحاب مالك وغيرهم، وقال أكثر أصحابنا وابن الباقلاني: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة وإلا كره. والمذهب الثالث، مذهب البخاري والمحققين أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة، وبغير قرينة وهذا المذهب هو الصواب والمذهبان الأولان فاسدان. قال الحطاب: وما نسبه النووي لأصحاب مالك غريب غير معروف، وقد تكرر في لفظ مالك في الموطإ رمضان من غير ذكر الشهر. والله أعلم. والعجب من الأبي في نقله كلام النووي وسكوته عليه وعدم ذكره كلام القاضي عياض، ومن الفاكهاني حيث نقله في شرح العمدة ولم ينبه عليه، وظاهر المتيطي أن الخلاف في الجواز وعدمه، والذي يقتضيه كلام الإكمال أن الخلاف إنما هو في الكراهة وهو الظاهر، وكلام النووي ليس فيه التصريح بأن ذلك لا يجوز، بل ظاهر عبارته أن ذلك مكروه، واحتج القائلون بأنه لا يقال ذلك بحديث أبي هريرة: (لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان (١))، وهذا الحديث رواه البيهقي وضعفه، والضعف بين عليه، ورُوِيَ الكراهةُ في ذلك عن مجاهد والحسن البصري، والكراهة لا تثبت إلا بالشرع. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة جواز ذلك، ففي الصحيحين: (إذا جاء رمضان فتحت الجنة (٢))، وفي بعض الروايات: (إذا دخل رمضان (٣))، وهذا هو حجة المجيز. الجزولي: لا يجوز أن يضاف الشهر إلى اسمه ويقال شهر كذا إلا رمضان وربيعان، ومراده بعدم الجواز من حيث اللغة، ونقل عن سيبويه جواز إضافة شهر إلى سائر أعلام المشهور، وإنما اختص الثلاثة بإضافة لفظ الشهر إليها على القول الأول ليلا يلتبس شهر ربيع الأول والثاني بفصل الربيع، ولا قيل في رمضان إنه من أسماء الله تعالى وإن كان ضعيفا والله سبحانه أعلم. أو برؤية عدلين، هذا الأمر

стр. 2208

الثاني الذي يثبت به رمضان وهو الرؤية، وهي على وجهين: مستفيضة وسيأتي الكلام عليها، وغير مستفيضة وهي المراد هنا؛ يعني أن رمضان كما يثبت بكمال شعبان ثلاثين، يثبت برؤية عدلين ليلة ثلاثين من استهلال شعبان، كانا بصوب واحد أم لا ولكنهما متقاربان، ولو ادعيا رؤيته في الجهة التي وقع المطلب فيها من غيرهما وَلَمْ يُرَ، وأراد المصنف بالعدلين ما قابل المستفيضة وإن كانوا ثلاثة أو أكثر، وعند الحنفية كل مسلم عدل وكذا الشافعي في العبادات. واعلم أن تعهد الأهلة فرض كفاية للمؤقتات الشرعية. قاله الأمير. وروى أبو داوود عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عدّ ثلاثين يوما ثم صام (١))، وفي الحديث: (الشهر تسعة وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له (٢)). وقوله: الشهر تسعة وعشرون، قيل: إنه محمول على الغالب لقول ابن مسعود: (صمنا مع رسول الله ﷺ تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (٣))، أخرجه أبو داوود والترمذي، أو معناه أن الشهر يكون تسعا وعشرين وهكذا وقع في حديث أم سلمة في البخاري، وقوله: فإن غم عليكم، قال ابن حجر: بضم المعجمة وتشديد الميم؛ أي حال بينكم وبينه غيم، يقال: غممت الشيء إذا غطيته. قاله محمد بن الحسن. وقوله: فاقْدُروا له الباجي: عن إمامنا مالك: تقديره إتمام الذي أنت فيه ثلاثين، والتقدير يأتي بمعنى التمام؛ أي كقوله تعالى: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾؛ أي تماما، وفسر مالك الحديث المذكور بالخبر الآخر: (فأكملوا العدة ثلاثين (٤))، وهذا التفسير نسبه ابن حجر للجمهور، وقال الطحاوي: إن الحديث الثاني ناسخ للأول، وأن التقدير في الأول معناه أن ينظر إلى الهلال ليلة الواحد والثلاثين، فإن سقط لستة أسباع ساعة فهو من تلك الليلة، وإن سقط لضعفها فمما قبلها وأبطله ابن رشد. وقال عقبه. والذي أقول به في معنى التقدير المأمور به في الحديث أن ينظر في المشهور التي قبل شعبان، فإن

стр. 2209

توالى ثلاثة على الكمال حمل على النقص، وإلا حمل على الكمال وهو محمل الحديث الثاني. انتهى. قال الحطاب: وتفسير مالك هو الحق الذي لا غبار عليه، وما عداه فيه ما فيه. والحاصل أنه اختلف في الحديث على ثلاثة أقوال: قول الإمام إن الحديث الثاني تفسير للأول، وقول الطحاوي إنه ناسخ له، وقول ابن رشد بالجمع بينهما. قاله محمد بن الحسن. وتفسير مالك المتقدم عن الباجي هو الذي نسبه ابن حجر للجمهور، وقال فيه الحطاب: هو الحق الذي لا غبار عليه، وما عداه فيه ما فيه، وعلم من كلام المصنف أنه لا يلتفت لحساب المنجمين وهو كذلك كما يأتي للمصنف، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند قوله: "لا بمنجم"، وفي كلام الأجهوري هنا نظر. واعلم أن قولهم: "يثبت رمضان"، بكذا ليس المراد به خصوصية الثبوت عند القاضي، وإنما المراد ما هو أعم من ذلك؛ وهو أنه يثبت حكمه ويستقر وجوده عند القاضي وغيره. قاله الحطاب. تنبيهات: الأول: ما ذكره المصنف من اشتراط عدلين في الشهادة هو المشهور، قال في المدونة: ولا يصام رمضان ولا يفطر فيه، ولا يقام الموسم إلا بشهادة رجلين حرين مسلمين عدلين. انتهى. وهذا في حق من لم ير الهلال بنفسه، وأما من رآه فيلزمه الصوم. وتحصل مما مر أن رمضان لا يثبت بشهادة رجل وامرأة خلافا لأشهب، ولا بشهادة رجل وامرأتين خلافا لابن مسلمة، وفي النوادر: ولا يصام ولا يفطر بشهادة صالحي الأرقاء، ولا من فيه علقة رق، ولا بشهادة النساء والصبيان، ولا فرق في ذلك بين رمضان وغيره من المشهور إلا برؤية عدلين، وهذا هو المعروف، قال ابن عبد الحكم: رأيت أهل مكة يذهبون بهلال الموسم في الحج مذهبا لا ندري من أين أخذوه؛ لأنهم لا يقبلون في هلال الموسم إلا أربعين رجلا، وقيل عنهم خمسين، والقياس أن يجوز فيهم شَاهِدَا عَدْل كما يجوز في الدماء والفروج، ولا أعلم شيئا فيه أكثر من شاهدين إلا الزنى. وقال سند بعد أنَّ ذكر كلام ابن عبد الحكم: وعندي أنهم رأوا شأن الحج من أعظم العبادات البدنية وأعظم الحقوق، يعتبر فيه خمسون رجلا وهو القسامة في الدم، قاله الحطاب.

стр. 2210

الثاني: قال في الأذكار: روينا في مسند الدارمي وكتاب الترمذي (أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال، قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله (١))، قال الترمذي: حديث حسن، وفي مسند الدارمي أيضا: (كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال، قال: الله أكبر، اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله (٢)). وفي سنن أبي داوود: كان نبي الله ﷺ إذا رأى الهلال، قال: هلال خير ورشد، هلال خير ورشد آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات، ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا (٣))، وقوله: هلال خير ورشد، هكذا ذكرد في الأذكار مرتين، وصرح بذلك الدميري في شرح المنهاج، فقال: وفي أبي داوود كان يقول: هلال رشد وخير؛ مرتين، ورأيته في نسخة مصححة من أبي داوود مكررا ثلاثا، قال الدميري بعد أن ذكر ما تقدم: ويستحب أن يقرأ بعد ذلك سورة الملك [لأثر] (٤) ورد فيه ولأنها المنجية الواقية، قال الشيخ تقي الدين السبكي: وكأن ذلك لأنها ثلاثون آية بعدد أيام المشهور، ولأن السكينة تنزل عند قراءتها، وكان النبي ﷺ يقرؤها عند النوم. قاله الحطاب. الثالث: كان ﷺ يقول إذا دخل شهر رمضان: (اللَّهُمَّ سلمني من رمضان وسلم رمضان لي وسلمه مني (٥))، قوله: سلمني من رمضان أي لا يصيبني فيه ما يحول بيني وبين صيامه من مرض أو غيره، وقوله: وسلم رمضان لي هو أن لا يغم عليه الهلال في أوله وآخره فيلتبس عليه الصوم والفطر، وقوله: وسلمه مني؛ أي اعصمني من المعاصي فيه، والظاهر أن المراد بقوله: إذا دخل شهر رمضان، أنه كان يقول ذلك في الوقت الذي يتراءى الناس الهلال فيه قبل
следующие страницы →