← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

تعالى: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾. الآية. ويحتمل أن الأمرين سبب لنزولها، فأبيح جميع ذلك من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وحكمة مشروعية الصوم هي مخالفةُ الهوى؛ لأنه يدعو إلى شهوتي الفم والفرج، وكسرُ النفس، وتصفية مرءاة العقل: والاتصاف بصفة الملائكة، والتنبيه على مواساة الجائع. قاله الحطاب. وقال بعضهم: لما تاب الله على آدم من أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي عليه في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوما، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض الله على ذريته ثلاثين يوما. نقله الدميري. قاله الخرشي. يثبت رمضان بكمال شعبان؛ يعني أن رمضان يثبت ويتحقق بأحد أمرين: أحدهما: الرؤية، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، والثاني: كمال شعبان ثلاثين يوما، وذلك إذا لم يُرَ الهلال لغيم أو غيره، وكذا الحكم في غير رمضان من المشهور، ولو توالى الغيم في شهور متعددة، فقال الإمام مالك: يكملون عدة الجميع حتى يظهر خلافه اتباعا للحديث، ويقضون إن تبين لهم خلاف ما هم عليه، فإن حصل الغيم في رمضان وما قبله من المشهور فكملوها ثلاثين ثلاثين ثم رأوا شوالا ليلة ثلاثين من رمضان لم يقضوا شيئا، لجواز أن يكون رمضان تسعة وعشرين، فإن رأوا شوالا ليلة تسع وعشرين من رمضان قضوا يوما واحدا، وإن رأوه ليلة ثمان وعشرين قضوا يومين، وإن رأوه ليلة سبع وعشرين قضوا ثلاثة أيام. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال الأمير: قال ابن حجر: تمني زواله من الكبائر، ولعله إذا كان بغضا للعبادة بل ربما خشي عليه الكفر، ومما يخالف تعظيم شعائر الله تعالى قول العوام آخره إنه مريض، أو يطلع في الروح. وفي كلام المصنف استعمال رمضان من غير ذكر الشهر؛ وهو الصحيح. كما قاله القرطبي في تفسيره. وهو مذهب البخاري والمحققين، لخبر: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة (١))، وقيل: يكره استعماله بلا إضافة شهر إليه، ونقله عياض وغيره، وما قيل إنه اسم من أسماء الله تعالى لم يثبت، وما روي فيه من الحديث [ضعيف] (٢))، وقيل: يجوز استعماله بلا إضافة شهر إليه بقرينة كصمنا رمضان، ويكره بدونها كجاء رمضان. انظر الشبراخيتي، والحطاب.

стр. 2207

وقد علمت أن كونه اسما من أسماء الله تعالى خلاف الصحيح، فلا إيهام، فيجوز استعماله من غير قرينة، واعلم أن الدميري من الشافعية وابن حجر في شرح البخاري ذكرا تبعا للنووي أن ووهب مالك أنه لا يجوز أن يقال: رمضان، من غير ذكر الشهر، فإن النووي ذكر في المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها أنه لا يقال رمضان على انفراده بحال، وإنما يقال شهر رمضان، قال: وهذا قول أصحاب مالك وغيرهم، وقال أكثر أصحابنا وابن الباقلاني: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة وإلا كره. والمذهب الثالث، مذهب البخاري والمحققين أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة، وبغير قرينة وهذا المذهب هو الصواب والمذهبان الأولان فاسدان. قال الحطاب: وما نسبه النووي لأصحاب مالك غريب غير معروف، وقد تكرر في لفظ مالك في الموطإ رمضان من غير ذكر الشهر. والله أعلم. والعجب من الأبي في نقله كلام النووي وسكوته عليه وعدم ذكره كلام القاضي عياض، ومن الفاكهاني حيث نقله في شرح العمدة ولم ينبه عليه، وظاهر المتيطي أن الخلاف في الجواز وعدمه، والذي يقتضيه كلام الإكمال أن الخلاف إنما هو في الكراهة وهو الظاهر، وكلام النووي ليس فيه التصريح بأن ذلك لا يجوز، بل ظاهر عبارته أن ذلك مكروه، واحتج القائلون بأنه لا يقال ذلك بحديث أبي هريرة: (لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان (١))، وهذا الحديث رواه البيهقي وضعفه، والضعف بين عليه، ورُوِيَ الكراهةُ في ذلك عن مجاهد والحسن البصري، والكراهة لا تثبت إلا بالشرع. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة جواز ذلك، ففي الصحيحين: (إذا جاء رمضان فتحت الجنة (٢))، وفي بعض الروايات: (إذا دخل رمضان (٣))، وهذا هو حجة المجيز. الجزولي: لا يجوز أن يضاف الشهر إلى اسمه ويقال شهر كذا إلا رمضان وربيعان، ومراده بعدم الجواز من حيث اللغة، ونقل عن سيبويه جواز إضافة شهر إلى سائر أعلام المشهور، وإنما اختص الثلاثة بإضافة لفظ الشهر إليها على القول الأول ليلا يلتبس شهر ربيع الأول والثاني بفصل الربيع، ولا قيل في رمضان إنه من أسماء الله تعالى وإن كان ضعيفا والله سبحانه أعلم. أو برؤية عدلين، هذا الأمر

стр. 2208

الثاني الذي يثبت به رمضان وهو الرؤية، وهي على وجهين: مستفيضة وسيأتي الكلام عليها، وغير مستفيضة وهي المراد هنا؛ يعني أن رمضان كما يثبت بكمال شعبان ثلاثين، يثبت برؤية عدلين ليلة ثلاثين من استهلال شعبان، كانا بصوب واحد أم لا ولكنهما متقاربان، ولو ادعيا رؤيته في الجهة التي وقع المطلب فيها من غيرهما وَلَمْ يُرَ، وأراد المصنف بالعدلين ما قابل المستفيضة وإن كانوا ثلاثة أو أكثر، وعند الحنفية كل مسلم عدل وكذا الشافعي في العبادات. واعلم أن تعهد الأهلة فرض كفاية للمؤقتات الشرعية. قاله الأمير. وروى أبو داوود عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عدّ ثلاثين يوما ثم صام (١))، وفي الحديث: (الشهر تسعة وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له (٢)). وقوله: الشهر تسعة وعشرون، قيل: إنه محمول على الغالب لقول ابن مسعود: (صمنا مع رسول الله ﷺ تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (٣))، أخرجه أبو داوود والترمذي، أو معناه أن الشهر يكون تسعا وعشرين وهكذا وقع في حديث أم سلمة في البخاري، وقوله: فإن غم عليكم، قال ابن حجر: بضم المعجمة وتشديد الميم؛ أي حال بينكم وبينه غيم، يقال: غممت الشيء إذا غطيته. قاله محمد بن الحسن. وقوله: فاقْدُروا له الباجي: عن إمامنا مالك: تقديره إتمام الذي أنت فيه ثلاثين، والتقدير يأتي بمعنى التمام؛ أي كقوله تعالى: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾؛ أي تماما، وفسر مالك الحديث المذكور بالخبر الآخر: (فأكملوا العدة ثلاثين (٤))، وهذا التفسير نسبه ابن حجر للجمهور، وقال الطحاوي: إن الحديث الثاني ناسخ للأول، وأن التقدير في الأول معناه أن ينظر إلى الهلال ليلة الواحد والثلاثين، فإن سقط لستة أسباع ساعة فهو من تلك الليلة، وإن سقط لضعفها فمما قبلها وأبطله ابن رشد. وقال عقبه. والذي أقول به في معنى التقدير المأمور به في الحديث أن ينظر في المشهور التي قبل شعبان، فإن

стр. 2209

توالى ثلاثة على الكمال حمل على النقص، وإلا حمل على الكمال وهو محمل الحديث الثاني. انتهى. قال الحطاب: وتفسير مالك هو الحق الذي لا غبار عليه، وما عداه فيه ما فيه. والحاصل أنه اختلف في الحديث على ثلاثة أقوال: قول الإمام إن الحديث الثاني تفسير للأول، وقول الطحاوي إنه ناسخ له، وقول ابن رشد بالجمع بينهما. قاله محمد بن الحسن. وتفسير مالك المتقدم عن الباجي هو الذي نسبه ابن حجر للجمهور، وقال فيه الحطاب: هو الحق الذي لا غبار عليه، وما عداه فيه ما فيه، وعلم من كلام المصنف أنه لا يلتفت لحساب المنجمين وهو كذلك كما يأتي للمصنف، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند قوله: "لا بمنجم"، وفي كلام الأجهوري هنا نظر. واعلم أن قولهم: "يثبت رمضان"، بكذا ليس المراد به خصوصية الثبوت عند القاضي، وإنما المراد ما هو أعم من ذلك؛ وهو أنه يثبت حكمه ويستقر وجوده عند القاضي وغيره. قاله الحطاب. تنبيهات: الأول: ما ذكره المصنف من اشتراط عدلين في الشهادة هو المشهور، قال في المدونة: ولا يصام رمضان ولا يفطر فيه، ولا يقام الموسم إلا بشهادة رجلين حرين مسلمين عدلين. انتهى. وهذا في حق من لم ير الهلال بنفسه، وأما من رآه فيلزمه الصوم. وتحصل مما مر أن رمضان لا يثبت بشهادة رجل وامرأة خلافا لأشهب، ولا بشهادة رجل وامرأتين خلافا لابن مسلمة، وفي النوادر: ولا يصام ولا يفطر بشهادة صالحي الأرقاء، ولا من فيه علقة رق، ولا بشهادة النساء والصبيان، ولا فرق في ذلك بين رمضان وغيره من المشهور إلا برؤية عدلين، وهذا هو المعروف، قال ابن عبد الحكم: رأيت أهل مكة يذهبون بهلال الموسم في الحج مذهبا لا ندري من أين أخذوه؛ لأنهم لا يقبلون في هلال الموسم إلا أربعين رجلا، وقيل عنهم خمسين، والقياس أن يجوز فيهم شَاهِدَا عَدْل كما يجوز في الدماء والفروج، ولا أعلم شيئا فيه أكثر من شاهدين إلا الزنى. وقال سند بعد أنَّ ذكر كلام ابن عبد الحكم: وعندي أنهم رأوا شأن الحج من أعظم العبادات البدنية وأعظم الحقوق، يعتبر فيه خمسون رجلا وهو القسامة في الدم، قاله الحطاب.

стр. 2210

الثاني: قال في الأذكار: روينا في مسند الدارمي وكتاب الترمذي (أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال، قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله (١))، قال الترمذي: حديث حسن، وفي مسند الدارمي أيضا: (كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال، قال: الله أكبر، اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله (٢)). وفي سنن أبي داوود: كان نبي الله ﷺ إذا رأى الهلال، قال: هلال خير ورشد، هلال خير ورشد آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات، ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا (٣))، وقوله: هلال خير ورشد، هكذا ذكرد في الأذكار مرتين، وصرح بذلك الدميري في شرح المنهاج، فقال: وفي أبي داوود كان يقول: هلال رشد وخير؛ مرتين، ورأيته في نسخة مصححة من أبي داوود مكررا ثلاثا، قال الدميري بعد أن ذكر ما تقدم: ويستحب أن يقرأ بعد ذلك سورة الملك [لأثر] (٤) ورد فيه ولأنها المنجية الواقية، قال الشيخ تقي الدين السبكي: وكأن ذلك لأنها ثلاثون آية بعدد أيام المشهور، ولأن السكينة تنزل عند قراءتها، وكان النبي ﷺ يقرؤها عند النوم. قاله الحطاب. الثالث: كان ﷺ يقول إذا دخل شهر رمضان: (اللَّهُمَّ سلمني من رمضان وسلم رمضان لي وسلمه مني (٥))، قوله: سلمني من رمضان أي لا يصيبني فيه ما يحول بيني وبين صيامه من مرض أو غيره، وقوله: وسلم رمضان لي هو أن لا يغم عليه الهلال في أوله وآخره فيلتبس عليه الصوم والفطر، وقوله: وسلمه مني؛ أي اعصمني من المعاصي فيه، والظاهر أن المراد بقوله: إذا دخل شهر رمضان، أنه كان يقول ذلك في الوقت الذي يتراءى الناس الهلال فيه قبل

стр. 2211

الرؤية، بدليل قول مفسر الحديث: إن معنى سلم رمضان لي هو أن لا يغم علي الهلال في أوله وآخره، فيتأتى ذلك. والله سبحانه أعلم. انظر الحطاب. الرابع: قال ابن فرحون في الألغاز: إذا تعلق برؤية الهلال فرض كالصوم والفطر فلا بد من اثنين، وأما إذا أريد بذلك علم التاريخ فإنه يقبل في ذلك رؤية الرجل الواحد والعبد والمرأة؛ لأنه خبر، فيقبل منهم، ونقله عن الطرطوشي، ودخل في قوله: إذا تعلق برؤية الهلال فرض، كل حكم شرعي، فإذا تعلق برؤية الهلال حلول دين أو كمال عدة معتدة فلا بد في ذلك من شاهدين. والله سبحانه أعلم. انظر الحطاب. الخامس: قال الخليل: مَأْخَذُ رمضان من الرمض بالتحريك؛ وهو مطر يأتي آخر الخريف، سمي هذا الشهر به لأنه يغسل الأبدان من الآثام ويطهر قلوبهم، وقيل: سمي به لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه أي في رمضان من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس. وفي القاموس: الرمض محركة: شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، ورمض يومنا كفرح اشتد حره، وقدمه احترقت، ويجمع رمضان على رمضانات ورمضانين وأرمضة وأرمُض، ورمضان إن صح أنه اسم من أسماء الله تعالى معناه: الغافر؛ أي يمحو الذنوب ويمحقها. واعلم أن أسماء المشهور منقولة سميت بحالات الأزمنة، فرمضان وافق زمن الحر هذا على الصحيح من أنه ليس من أسماء الله ، وسمي شوال شوالا لأن النوق تشيل فيه أذنا بها لظهور الحمل بها، وذو القعدة لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال، وذو الحجة لأنهم كانوا يحجون فيه، والمحرم لأنهم كانوا يحرمون فيه القتال، وصفر من الصفر بالسكون الذي هو الخلو فإن الطرقات يقل سالكها بسبب ذهاب الأمن في انسلاخ الأشهر الحرم، والربيعان من ربيع العشب لأنه قد يأتي فيهما، وَالجُمَادَيَانِ من جمد الماء لأنهما يأتيان في زمن البرد وشدته غالبا، ورجب شهر حرام من الترجيب وهو التعظيم، وشعبان وهو من التشعب لأن العرب كانت تختلف فيه وتظهر القتال لخروج الشهر الحرام.

стр. 2212

وقال أهل اللغة: الشهر مأخوذ من الشهرة، يقال: شهره يشهره شهرا إذا أظهره، سمي الشهر شهرا لشهرة أمره في حوائج الناس إليه في معاملاتهم ومناسكهم من حجهم وصومهم وغير ذلك. السَّادِسُ: ورد في خبر الصحيحين عنه ﷺ ، أنه قال: (شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة (١)). انتهى. ولا خلاف أنه إذا شهد عدلان ليلة ثلاثين من رمضان أو من ذي الحجة برؤية الهلال يعمل بشهادتهما، وقال ابن مسعود: (صمنا مع رسول الله ﷺ تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (٢))، وقال بعض الحفاظ: صام رسول الله ﷺ تسع رمضانات: اثنان ثلاثون ثلاثون، وسبعة تسعة وعشرون. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي عن بعضهم، أنه ﷺ صام تسع رمضانات؛ الكمل منها خمس، والناقص أربع. من تذكرة ابن عوان. انتهى. والجواب أن الأصح في معنى الحديث لا ينقص أجرها، والثواب المرتب عليهما، ومعنى ذلك أن ثواب العمل في كل واحد منهما إذا كان ناقصا يعدل ثوابه إذا كان كاملا، وهذا ظاهر في رمضان، وأما في ذي الحجة فمعناه: إذا أخطأ الجم فوقفوا في العاشر فإن ذلك يجزئهم، ولهم ثواب من وقف في التاسع، وقيل أيضا في معنى الحديث أن المراد لا ينقصان معا، بل إن جاء أحدهما ناقصا جاء الآخر كاملا ولا بد، قال ابن حجر: وهذان الجوابان هما المشهوران عن السلف. انظر حاشية الشيخ بناني. السابع: أفهم قوله: "بكمال شعبان أو برؤية"، أنه لو رأى الشخص النبي ﷺ وأخبره بالصوم لم يجب الصوم على صاحب المنام ولا غيره وهو كذلك إجماعا، قاله عياض: لأن من شروط التحمل العقل الكامل والراءي غير عاقل، ولا يضبط ما رآه في النوم كل الضبط لا للشك في رؤيته ﷺ ؛ لأن من رآه لم ير إلا الحق. انظر الشبراخيتي. الثامن: نقل الشيخ محمد بن البكري في مؤلفه إعلام الأنام بفضائل الصيام عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشَّهرَ كُلَّهُ، وغلت عتاة الجن، ونادى مناد كل ليلة إلى انفجار الصبح: يا باغي

стр. 2213

الخير تمّم وأبشر ويا باغي الشر قصّر وأقصر، هل من مستغفر يغفر له؟ هل من تائب يتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ ولله عند كل فطر في شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون ألفا، فإذا كان يوم الفطر أعتق الله ﵎ مثل ما عتق في جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفا (١)). رواه البيهقي. ونقل أيضا من رواية البيهقي والأصبهاني، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله في كل ليلة من رمضان ستمائة ألف عتيق من النار، فإذا كان آخر ليلة عتق بعدد ما مضى (٢))، وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان أول ليلة من رمضان نظر الله تعالى إلى خلقه، وإذا نظر إلى عبد لم يعذبه أبدا، ولله في كل يوم وليلة ألف ألف عتيق من النار، فإذا كانت ليلة تسع وعشرين أعتق فيها مثل ما أشتق في كل الشهر (٣))، ونقل أيضا: (ولله في كل من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار، فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بقدر ما أعتق من أول الشهر (٤))، ونقل العلامة ابن حجر الهيثمي في كتابه: إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب السماء فلا يغلق منها باب حتى يخرج آخر ليلة من رمضان، وليس من عبد مؤمن يصلي في ليلة منها إلا كتب الله له ألفا وسبعمائة حسنة بكل سجدة، وبنى له بيتا في الجنة من ياقوتة حمراء لها ستون ألف باب، لكل باب قصر من ذهب مرشح بياقوتة حمراء، فإذا صام أول يوم من رمضان غفر له ما تقدم من ذنبه إلى مثل ذلك اليوم من رمضان، واستغفر له كل يوم سبعون ألف ملك من صلاة الغداة إلى أن توارت بالحجاب؛ أي إلى غروب الشمس، وكان له بكل سجدة يسجدها في شهر رمضان بليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلها خمس مائة عام (٥)). رواه البزار والبيهقي وغيرهما. وذكر غيره عن أبي سعيد الخدري ما فيه مخالفة، فقال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن

стр. 2214

أبواب السماء وأبواب الجنة لتفتح لأول ليلة من شهر رمضان فلا تغلق إلى آخر ليلة منه إلى أن قال: فإذا صام أول يوم من شهر رمضان غفر له كل ذنب إلى آخر رمضان وكان كفارة إلى مثلها إلى أن قال: وكان له بكل سجدة يسجدها من ليله أو نهاره شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها (١)). قاله الشيخ علي الأجهوري. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه لا مخالفة، بل هي أجور وردت عن الشارع يتفضل المولى ﵎ بجميعها على من قابله يفَضْله، وقوله: إلى آخر ليلة منه، لا يخالف ما مر بجعل الغاية داخلة فيما قبلها. والله سبحانه أعلم. وللشيخ علي الأجهوري رحمه الله تعالى: برمضان كل يوم يعتق … ستون ألفا جا بذا المصدق ومثل كل ذي بيوم الفطر … يعتقه فيا له من أجر وجاء أن العتقا ستمئين … من الألوف كل يوم يا فطين ويعتق الله بيوم الفطر … بقدر ما أعتقه في الشهر وألف ألف كل يوم ذا ورد … لليلة العشرين مع سبع تعد فيعتق الله بها بقدر ما … أعتق في جميعه فلتعلما وجاء عند كل فطر وسحور … سبعة آلاف عتيق للغفور وصائم الأول منه تغفر … ذنوبه لمثله فاستبشروا سبعون ألف ملك تصلي … على الذي يصوم فاحفظ نقلي من الغداة للعشي كل يوم … وجاء هذا غير مخصوص بقوم ثم له بكل سجدة بليل … ألف وسبع مائة بغير ميل من حسنات وله رب السما … يبني بدار الخلد بيتا فاعلما وفي التيسير: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم

стр. 2215

فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان؛ فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخُلوفُ فم الصائم أفضل عند الله من ريح المسك (١)). وفي رواية: (الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإذا شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم (٢))، أخرجه الستة. وقوله: الصوم لي؛ أي لم يشاركني فيه أحد، ومعنى ذلك -والله تعالى أعلم- أن الصوم ليست له صورة ظاهرة، وإنما هو نية مع كف؛ أي نية الامتثال بالكف، وهذا الوجه لا تصح فيه الشركة؛ لأنه إذا لم يكن بهذه المثابة لم يكن صوما، وأما كون معناه أن الصوم لم يعبد به غير الله، فغير صحيح. والله سبحانه أعلم. والخلوف بضم الخاء: تغير ريح فم الصائم من ترك الأكل والشرب، والرفث: مخالطة الرجل المرأة بما يريد منها، وقيل: هو التصريح بذكر الجماع؛ وهو الحرام في الحج على المُحْرِمِ وأما الرفث في الكلام إذا لم يكن مع امرأة فلا يحرم، لكن يستحب تركه، والصخب: الضجة والجلبة. وفيه أيضا عن الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض)، وَرَوَى أيضا عن النسائي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قال: (قلت يا رسول الله: مرني بأمر ينفعني الله به، قال: عليك بالصوم فإنه لا عدل له) وَرَوَى أيضا عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة بابا يقال له الريان لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد). أخرجه الخمسة إلا أبا داود، وزاد الترمذي: (ومن دخله لا يظمأ أبدا)، وروى أيضا عن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وسلسلت الشياطين). أخرجه الستة إلا أبا دوود، وفي أخرى للنسائي: (وينادي مناد كل ليلة يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر (٣)). ولو بصحو بمصر؛ يعني أن الهلال يثبت برؤية العدلين، فيلزم الناس الصوم برؤيتهما الهلال، سواء رأياه في الصحو وهما بمصر كبير أو في غير ذلك، انفردا

стр. 2216

بالنظر إلى موضع أم لا، ورد المصنف بلو قول سحنون: لا تقبل شهادة الشاهدين إذا لم يشهد غيرهما في المصر الكبير والصحو، وأي ريبة أكبر من هذا، قال الحطاب: ولم أر من نقل عنه كم يكفي في ذلك، وهكذا قال اللخمي بعد أن حكى كلامه، ونصه: ولم يرو عنه في العدد الذي يكتفى به في ذلك شيء. انتهى. وحذف المصنف الوصف من قوله: "بمصر"؛ أي كبير لأنه رد بالمبالغة على سحنون، وخلافه إنما هو في المصر الكبير، مع أن التنوين يؤذن بالوصف بالكبير، وأن العادة قاضية بأن المصر إنما يكون كبيرا. قاله الخرشي. وقوله: "ولو بصحو بمصر" كبير هو قول مالك وأصحابه، وتقدم أن سحنون هو الذي رد عليه المصنف بلو، قال ابن بشير: وهو خلاف في حال إن نظر الكل إلى صوب واحد ردت، وإن انفردا بالنظر إلى موضع ثبتت شهادتهما، وعده ابن الحاجب قولا ثالثا واعترضه التوضيح، وتقدمت الإشارة في أول الحل إلى ما قال ابن الحاجب، وعلم مما مر أنه لو كان المصر صغيرا أو كانت السماء غير مصحية فيثبت برؤية العدلين اتفاقا. فإن لم ير بعد ثلاثين صحوا كذبا؛ يعني أن رمضان إذا ثبت برؤية عدلين ولم ير الهلال ليلة الحادي والثلاثين صاحية؛ أي لا غيم فيها؛ فإن الشاهدين يكذبان في شهادتهما؛ أي بالنسبة لغيرهما، وأما هما فيعملان على اعتقادهما على الظاهر. قاله الشبراخيتي. وقوله: "صحوا"، قال الخرشي والشبراخيتي: حال من قوله: "بعد" أي حال كون البعد ذا صحو، وقوله: "كذبا"، كانت رؤيتهما لرمضان بصحو أو غيم في بلد صغير أو كبير وهما شاهدا سوء. قاله مالك. ورؤيتهما بعد ثلاثين صحوا كالعدم، فلا تقبل لاتهامهما على تَرْوِيجِ شهادتهما، وكذا يكذب ما زاد عليهما ولم يبلغ عدد المستفيضة إذا لم ير بعد ثلاثين صحوا، فيصام الحادي والثلاثون. اللخمي: إذا شهد شاهدان على الهلال فأكمل عدة ذلك الشهر ثلاثين يوما والسماء مصحية، فلم يروا شيئا سقطت شهادتهما ولم يعمل بها ولم يصم الناس إن شهدا على هلال شعبان، ولم يفطروا إن شهدا على هلال رمضان، قال: وقول مالك شاهدا سوء، يريد قد تبين كذبهم؛ لأن الهلال لا يخفى مع إكمال العدة؛ لأنها ليلة إحدى وثلاثين، وإنما يخفى ويدركه بعض الناس دون بعض مع نقص الأول. ابن عبد السلام: وعلى المذهب يجب أن يقضي

стр. 2217

الناس يوما إذا كانت شهادة الشاهدين على رؤية هلال شوال، وعد الناس ثلاثين يوما ولم يروا هلال ذي القعدة، وكذلك يفسد الحج إذا شهدا بهلال ذي الحجة. وبما قررت علم أن قوله: "فإن لم ير بعد ثلاثين صحوا كذبا"، مفرع على ما قبل المبالغة وعلى ما بعدها، وأعني بالمبالغة قوله: "ولو بصحو بمصر"، وظاهر المصنف أنهما يكذبان، ولو حكم بشهادتهما حاكم وهو ظاهر حيث كان الحاكم به مالكيا، وأما لو حكم به من لا يرى تكذيبهما كالشافعي فإنه يجب الفطر؛ لأن مقتضى حكمه أن لا يراعى إلا العدد خاصة دون رؤية الهلال. قاله بعض شيوخنا وَاعْتُرِضَ عليه بمسألة المصنف، فأجاب بما قدمناه فَاعْتُرِضَ بأن الشهود قد ظهر فسقهم، فينقض الحكم المرتب على شهادتهم، فأجاب بأنه لم يظهر فسقهم عند الحاكم بهم بل عند غيره، والفسق المضر هو المتفق على كونه فسقا قاله أحمد. وفيه نظر؛ لأن حكم الشافعي بلزوم الصوم ليس حكما بالفطر بعد ثلاثين على الوجه المذكور، فلم يقع الحكم بما فيه الخلاف بين الإمامين، بل بما اتفقا عليه وهو لزوم الصوم أول الشهر، فلا يجوز للمالكي الفطر لأنه لم يقع فيه حكم من الشافعي. نعم، إن وقع منه حكم بموجب لزوم الصوم أي حين الرؤية كان حكما بالفطر بعد ثلاثين وإن لم ير الهلال. قاله عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: محل تنظيره إذا كان فرض الكلام أنه حكم بالصوم عند رؤيتهما ولم يقع منه حكم بالفطر لأجلهما، ولكنه مقتضى حكمه الأول. انتهى. وقال عبد الباقي. وغيره: وما ذكره الحطاب من عدم جواز الفطر حيث حكم الشافعي بالفطر أي عند تمام الثلاثين في مسألة المصنف، مبني على القول بعدم لزوم الصوم بحكم المخالف لا على القول بلزومه. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل إنما هو مفرع على مقابله وهو القول بلزومه. انتهى. وقوله: "صحوا"، قال الحطاب بعد أن نقل ما يدل على صحة كلام المصنف: وهو ظاهر؛ لأن الحكم عليهما بكونهما شاهدي سوء إنما يظهر حينئذ، وأما مع وجود الغيم أو صغر المصر وقلة الناس، فيحمل أمرهما على السداد. انتهى. وقوله: "فإن لم ير بعد ثلاثين صحوا كذبا"، مثلهما ما زاد عليهما ولم يبلغ عدد المستفيضة كما مر كانوا بصحو أو لا بمصر أو لا، وأما الجماعة المستفيضة فلا تكذب قاله الخرشي. وقال الأمير: وأما المستفيضة فلا يمكن فيها التخلف عادة،

стр. 2218

والظاهر لو فرض ذلك أنه علامة عدم تحقق الاستفاضة فإنها تختلف باختلاف الأحوال. انتهى. وجرى خلاف فيمن رأى هلال رمضان وحده فصام ثلاثين، ثم لم يره أحد والسماء مصحية، فقال محمد بن عبد الحكم وابن المواز: هذا محال ويدل على أنه غلط، وقال بعضهم: الذي ينبغي أن يعمل في ذلك على اعتقاده الأول، ويكتم أمره. ذكره في التوضيح. ولا يستبعد هذا بتكذيب الشاهدين المتقدم لأنه في تكذيبهم بالنسبة لصوم الناس، كما مر، قال بعض: ومقتضى كلام التوضيح أند يعحمل في الغيم [على رؤيته] (١)، وهو ظاهر. انتهى. وإذا ثبت برؤية عدل حيث لا يعتنى بأمر الشهر، ثم بعد ثلاثين رأى شوالا عدل غيره، فقط، فانظر هل يكذب أولا؟ والظاهر أنه إن كان يُعتَنَى بهلال شوال كذب وإلا لم يكذب، وهذا النظر على القول بعدم تلفيق شهادة شاهد بأوله لآخر آخره، وأما على التلفيق فلا يتأتى هذا النظر: ولو ثبت رمضان بعدلين ولم يكن يعتني بهلال شوال، ومضى ثلاثون ورآه عدل غيرهما، فالظاهر أنهما لا يكذبان لأن العدل بمنزلة عدلين؛ لأن الفرض أنه في محل لا يعتنى فيه بأمر الهلال. وقوله: "فإن لم ير بعد ثلاثين صحوا كذبا"، قال الأمير: فَإنْ قُلْتَ: من اكتفى في هذه الصورة بنية أول الشهر مقتضاه فساد جميع صومه لعدم تبييتها ولا قائل به، قلت: عذروه بالشبهة على أن بعض الأئمة كالشافعية لا يكذب في هذه الحالة مع الخلاف في تقديم النية في الجملة. انتهى. وقوله: "فإن لم ير بعد ثلاثين"، قال الحطاب: قال ابن ناجي في شرح المدونة: وقعت هذه المسألة بالقيروان، وجلس شيخنا أبو مهدي لرؤية هلال شوال بجامع الزيتونة ليلتين ولم يُرَ وانحرف على قاضي الزيتونة في تسرعه لقبول الشهادة، ولو كانت بثبت ما وقع في مسألة قال مالك في شهودها ما قال، ولم يقع في عصرنا قط، ولا بلغنا أنها وقعت في غيره. انتهى. قال الحطاب: وقد أخبرني والدي رحمه الله تعالى أنه وقع لهم في سنة من السنين أن جماعة شهدوا بمكة بهلال ذي الحجة ليلة الخميس حرصا على أن تكون الوقفة بالجمعة، ثم عد الناس ثلاثين يوما من رؤيتهم ولم ير أحد الهلال، لكن لطف الله تعالى بالناس ولم يفسد حجهم بسبب أنهم وقفوا بعرفة يومين، فوقفوا يوم الجمعة ثم دفع كثير منهم حتى خرجوا من بين العلمين،

стр. 2219

ثم رجعوا وباتوا بها، ووقفوا بها يوم السبت، ويقع بمكة في مثل هذا الحال -أعني إذا وقع الشك في وقفة الجمعة- خباط كثير والله أعلم. انتهى. ومستفيضة، مقتضى كلام علي الأجهوري وعبد الباقي والشبراخيتي أنه معطوف على قوله: "عدلين"، ومعنى ذلك أن رمضان يثبت برؤية الجماعة المستفيضة، ونص الأجهوري وقوله: "أو مستفيضة"، المراد بهم جماعة يفيد خبرهم العلم أو الظن القريب منه، ولا بد أن يكونوا كلهم ذكورا أحرارا، أو بعضهم كذلك؛ وهو ظاهر كلام التتائي. انتهى. ونص عبد الباقي عند قوله: "أو مستفيضة": وهم -كما قال ابن عبد الحكم- أن يخبر برؤيته من لا يمكن تواطؤهم على الكذب، وإن كان فيهم نساء وعبيد بحيث يحصل بهم العلم أو الظن القريب منه حتى لا يحتاجوا إلى التعديل، وإن لم يبلغوا عدد التواتر. انتهى. ونص الشبراخيتي: أو برؤية جماعة مستفيضة؛ وهي التي ينتشر عنهم الخبر بحيث يفيد خبرهم العلم الضروري أو الظن القريب منه، ويستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، ولابد أن يكونوا كلهم ذكورا أحرارا أو بعضهم كذلك، فلو كانوا كلهم عبيدا أو نساء، فإنه لا يكتفى بهم كما في الحطاب، والمستفيضة ليس لهم عدد محصور، لكنهم لا ينقصون عن خمسة، فقد تكون الخمسة مستفيضة إذا أفاد خبرهم العلم الضروري، وقد لا تكون إذا لم يفد ذلك. انتهى. ولا يخفى ما في كلام عبد الباقي والشبراخيتي كما حرره محمد بن الحسن، وذلك أن الذي ذكره ابن عبد السلام والتوضيح أن الخبر المستفيض هو المحصل للعلم أو الظن القريب منه وإن لم يبلغوا عدد التواتر، والذي لابن عبد الحكم أن المستفيض هو الخبر الحاصل ممن لا يمكن تواطؤهم على باطل -كما نقله عنه ابن يونس- وهذا هو التواتر المحصل للعلم، واقتصر عليه ابن عرفة والأبي والمواق، فهذا التفسير أخص والأول أعم منه، قال محمد بن الحسن: وخلط الزرقاني بينهما؛ إذ قوله: ولا يمكن تواطؤهم عادة على الكذب، يناقضه قوله بعده: بحيث يحصل به العلم أو الظن القريب منه، وكذا قوله: وإن لم يبلغوا عدد التواتر، وهذا أيضا وارد على كلام الشبراخيتي. وقال الخرشي إن قوله: "أو مستفيضة"، صفة لموصوف محذوف، معطوف على برؤية؛ أي برؤية مستفيضة؛ وهي التي يخبر بها من يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، ولو كان فيهم العبيد والصبيان: وأما الاستفاضة بالأخبار، بأن يقولوا سمعنا أنه رُئِيَ الهلال فلا يثبت بها لاحتمال أن

стр. 2220

يكون أصل الخبر عن واحدة ويقال: فاض الخبر يفيض واستفاض أي فشا وشاع، وحديث مستفيض أي منتشر في الناس، ولا تقل مستفاض، ولا يخفى أن قولهم جماعة مستفيضة إنما هو على جهة التجوز أي مستفيض خبر رؤيتها. والله سبحانه أعلم. وعم إن نقل بهما عنهما؛ يعني أن الحطاب بالصوم يعم سائر البلاد إذا نقل ثبوت رمضان عند أهل بلد "بهما"؛ أي بالعدلين والمستفيضة "عنهما"؛ أي عن العدلين والمستفيضة، فمعنى عم أنه يعم أهل البلاد وجوب الصوم بسبب ذلكَ النقل، لكن بشرط عدم البعد جدا والواو فيهما بمعنى أو، والحاصل أن صور النقل ست؛ لأن النقل إما عن رؤية العدلين أو المستفيضة أو عن الحكم، والناقل في الثلاث إما العدلان أو المستفيضة وكلها تعم لكن بشرط عدم البعد جدا في الجميع، والصور الستة يشملها كلام المصنف، قال أبو عمر: أجمعوا على عدم لحوق حكم رُؤْيَةِ مَا بَعُدَ كالأندلس من خراسان، وفي كلام عبد الباقي هنا نظر، وقوله: وعم إن نقل بهما عنهما، سواء كانت الشهادة المنقول عنها ثبتت عند حاكم عام كالخليفة، أو خاص على المشهور، أو نقلت عن غير حاكم، ومقابل المشهور قول عبد الملك: إذا كانت الشهادة عند حاكم خاص فإنه يقصر على من في ولايته، واعلم أنه إذا نقل العدلان عن العدلين فلا بد أن ينقل عن كل اثنان ليدى أحدهما أصلا، ويكفي نقل اثنين عن واحد ثم هما عن الآخر، واحترز بذلك عما إذا نقل واحد من الناقلين عن واحد من الأصلين ثم هما عن الآخر أو الآخر من الناقلين عن الآخر، من الأصلين، أو نقل واحد من الأصلين، وآخر عن الآخر من الأصلين فإن ذلك لا يفيد. لا بمنفرد، عطف على قوله: "برؤية عدلين"؛ يعني أن الهلال لا يثبت برؤية عدل واحد، فلا يصام ولا يفطر لرؤيته، ولو خليفة أو قاضيا أو مثل عمر بن عبد العزيز. ابن عرفة: والمذهب لغو رؤية العدل كغيره. ابن حارث: اتفاقا. انتهى. وظاهر كلامه أنه لا خلاف فيه، وقال اللخمي: منع مالك أن يصام بشهادة الواحد لا على وجه الوجوب، ولا على وجه الندب، ولا الإباحة، قال سحنون: ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت بقوله ولا أفطرت، ثم نقل عن ابن الماجشون إجازة الصوم برؤية الواحد، وروى في التيسير عن أصحاب السنن، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال. إني رأيت الهلال -يعني هلال

стр. 2221

رمضان - فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا (١)). وما قررت به كلام المصنف من أن قوله: "لا بمنفرد"، عطف على قوله: "برؤية عدلين"، والتقدير لا برؤية منفرد هو الذي قرر به غير واحد، وإن أبعده قوله: "لا بمنجم"؛ إذ لم يأت بالواو قبل لا، وأما من جعله معطوفا على قوله: "بهما"، فيلزم منه أن يكون المصنف ماشيا على الضعيف، فإن المذهب ما قاله أحمد بن ميسر: أن نقل المنفرد يعم، وهو الذي صوبه ابن رشد والصقلي، ولم يحك اللخمي والباجي غيره؛ وهو قول أبي محمد، ومقابله لأبي عمران: إن نقل المنفرد لا يلزم به الصوم إلا أهله. واعلم أن هذا الخلاف المذكور -أعني الخلاف بين ابن ميسر وأبي عمران- إنما هو في النقل عن المستفيضة، أو ثبوت عند حاكم، أو عن حكمه، فيعم على المعتمد في الأهل وغيرهم ومن لا يعتنون بأمره وغيرهم، وأما نقل الواحد عن رؤية الشاهدين أو عن أحدهما فلا عبرة به مطلقا، وعلى المعتمد الذي هو قبول النقل في الواحد فلا فرق بين أن يخبرهم بذلك ابتداء من نفسه، أو يبعثونه ليكشف لهم عن ذلك ويخبرهم، وإنما يفترق ذلك في حق الإمام، فإنه إن بعث رجلا إلى أهل بلد ليخبره عن رؤيتهم فأخبره أنهم صاموا برؤية مستفيضة أو بثبوت الهلال عند قاضيهم، وجب عليه أن يأمر الناس بالصيام لذلك اليوم، وإن أخبره بذلك من غير أن يرسله وجب على الإمام الصيام في نفسه خاصة، ولم يصح له أن يأمر الناس بالصيام حتى يشهد عنده بذلك شاهد آخر؛ لأنه حكم، فلا يكون إلا بشاهدين، وظاهره أن الذي يبعثه الإمام يكتفى بقوله بلا خلاف، بل يفهم من كلام أبي عمران أن غير الإمام إذا بعث من يكشف له عن رؤية الهلال أنه يلزمه العمل بما يخبره به. وفي المقدمات: صيام رمضان يجب بخمسة أشياء: إما أن يرى الهلال، أو يخبره الإمام أنه قد ثبتت عنده رؤيته، وإما أن يخبره العدل بذلك أو عن الناس أنهم رأوه رؤية عامة وكذلك إذا أخبره عن أهل بلد أنهم صاموا برؤية عامة أو بثبوت رؤيتة عند قاضيهم، وإما أن يخبره شاهدان عدلان أنهما قد رأياه، وإما أن يخبره بذلك شاهد واحد عدل في موضع ليس فيه إمام يتفقد أمرا

стр. 2222

الهلال بالاهتبال به. انتهى. قوله: أو يخبره الإمام أنه قد ثبت رؤيته عنده، هذا ظاهر وليس من خبر العدل الواحد؛ أي ظاهر إذا كان الحاكم موافقا للمخبر، وأما لو أخبر شافعي مالكيا، فينبغي أن يسأله بماذا ثبت، فإن أخبره أنه ثبت بشاهدين فلا إشكال، وأما لو أخبره أنه ثبت بعدل جرى على الخلاف في المسألة الآتية. والله أعلم؛ يعني قوله: ولزومه بحكم المخالف بشاهد الخ. فإن لم يبين له فانظر ما حكمه، وقد مر أنه إذا قال شخص: رأيت النبي ﷺ وأخبرني أن الليلة أول رمضان لم يصح بذلك الصوم لصاحب المنام ولا لغيره بالإجماع كما قاله القاضي عياض، وذلك لاختلال (١) ضبط النائم، لا للشك في رؤيته ﷺ . نقله النووي في شرح المهذب عن القاضي عياض. ونقله الدميري وغيره. قاله الحطاب. وكذا لو رأى النبي ﷺ وأخبره أنه طلق زوجته فإنه لا تحرم عليه بذلك. إلا كأهله؛ يعني أنه لا يلزم الصوم برؤية المنفرد لعدم ثبوت رمضان برؤيته هذا بالنسبة لغير أهل الراءي وأما أهل الراءي، فيلزمهم الصوم برؤيته، والمراد بأهله زوجته. وأدخلت الكاف من في حكمها، كالخادم والأجير ومن في عياله، وهذا مقيد بما إذا كان من ذُكِرَ لا يعتني بأمر الشهر، وأما إن كان من ذكر يعتني بأمر الشهر فإنه لا يلزمه الصوم برؤية المنفرد. والله سبحانه أعلم. دمن لا اعتناء لهم بأمره؛ يعني أنه لا يلزم الصوم برؤية المنفرد إلا من لا يعتنون بأمر الهلال من أهله وغيرهم، فإنهم يصومون برؤية المنفرد ويفطرون برؤيته، ولو كان هذا الراءي المنفرد عبدا أو امرأة حيث ثبتت العدالة ووثقت أنفس غير المعتنين بخبر كل برؤيته، ولم يكن ثم من يرصد الهلال من جهة الحاكم، وإلا لم يعمل برؤيته، وقد يقال إذا وُجِدَ من يرصده فقد اعتنى بأمره، واعْتُرِضَ عطف من لا اعتناء على أهله باقتضائه ثبوته لكأهله وإن اعتنوا به وليس كذلك؛ إذ إنما تعتبر رؤيته لغير المعتني به مطلقا، لا للمعتني به مطلقا، فلو قال: إلا من لا اعتناء لهم بأمره وحذف الكاف ومدخوله والواو قبل من لكان ظاهرا. وتحصل مما مر أن أقسام المنفرد ثلاثة: رؤيته للهلال لا تعتبر إلا في من لا اعتناء لهم بأمره. نقله عن المستفيضة، أو ثبوت عند حاكم أو عن حكمه فيعم لزوم الصوم به، ولا يخص اللزوم بمن لا

стр. 2223

اعتناء لهم بأمره، نقله عن رؤية عدلين أو أحدهما لا تعتبر مطلقا. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: لا يكفي نقل الواحد مجرد رؤية العدلين، اللهم إلا أن يرسل ليكشف الخبر فيكون كالوكيل سماعه بمنزلة سماع المرسلين له، فيجب عليهم على خلاف ولا أثر كما للناصر وغيره لكبره وارتفاعه، بحيث يقال ابن ليلتين، فقد ورد: آخر الزمان تنتفخ الأهلة، فكأنهم قاسوا عليه الارتفاع، والتزموا صريح الشرع من التعويل على مشاهدته. انتهى. وفي التوضيح: والتحقيق إنما قبل المؤذن الواحد دون مدعي رؤية الهلال؛ لأن المؤذن مستند في إخباره إلى أمر يطلع عليه غيره عادة، ولو أخطأ لكثر النكير عليه، بخلاف الهلال فإنه لا يعلم إلا بقوله. انتهى. الأبي: إنما تعتبر البينة في بلد بها قاض؛ لأنه الذي ينظر في البينة وعدالتها، ويتنزل منزلة القاضي جماعة من المسلمين ينظرون كنظره، فإن لم يكن في البلد معتن بالشريعة من قاض أو جماعة فذلك عذر يبيح الاكتفاء بالخبر بشرطه من الضبط والعدالة، وعلى هذا يقبل قول المرأة والعبد، وتكون هذه ضرورة تبيح الانتقال من الشهادة إلى الخبر كما ينقله الرجل إلى أهل داره، بل هو أولى. وفي المنتقى: إذا لم يكن بالموضع إمام، أو كان وَضَيَّعَ، فمن ثبت عنده برؤية نفسه أو برؤية من يثق به فيصوم بذلك ويفطر، ويحمل عليه من يقتدي به نقله الباجي وغيره عن عبد الملك. وسئل أبو محمد عن قرى بالبادية متقاربة، يقول بعضهم لبعض: إذا رأيتم الهلال فنَيِّروا، فرآه بعض أهل القرى فنيروا، فأصبح أصحابهم صُوَّمًا، ثم ثبتت الرؤية بالتحقيق، فهل يصح صومهم؟ قال: نعم، قياسا على قول عبد الملك بن الماجشون في الرجل يأتي القوم فيخبرهم أن الهلال قد رئي. نقله عنه المشذالي في حاشية المدونة. قلت: أما إذا كان يعلم أن المحل الذي فيه النار يعلم به أهل ذلك البلد، ويعلم أنهم لا يمكنون من جعل النار فيه إلا إذا ثبت الهلال عند القاضي أو برؤية مستفيضة، فالظاهر أنه ليس من باب نقل الواحد، وهذا كما جرت العادة بأنه لا يوقد القناديل في رؤوس المنابر إلا بعد ثبوت الهلال، فمن كان بعيدا أو جاء بليل ورأى ذلك فالظاهر أن هذا يلزمه الصوم بلا خلاف، فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب.

стр. 2224

وقد علم مما مر أنه كما يثبت رمضان برؤية المنفرد في حق من لا اعتناء لهم بأمر الشهر، يثبت شوال برؤيته أيضا في حقهم، وهذا يجري فيما إذا ثبت بالمستفيضة، ثم شهد منفرد في المحل المذكور ليلة ثلاثين بهلال شوال، وفيما إذا ثبت الصوم بعدلين ثم شهد بشوال عدل في المحل المذكور ليلة ثلاثين مع صحو السماء؛ لأن شهادته بمنزلة شهادة عدلين، وأما إذا ثبت الصوم برؤية عدل بالمحل المذكور، ثم شهد عدل آخر برؤيه شوال ولم يره غيره ليلة ثلاثين مع الصحو، فالظاهر أنه لا يكذب؛ لأن الشاهد بشوال في المحل المذكور بمنزلة عدلين. وعلى عدل أو مرجو رفع رؤيته؛ يعني أنه يجب على من رأى الهلال وهو عدل، أن يرفع رؤيته للهلال إلى الحاكم رجاء انضمام آخر، فتكمل الشهادة، ولاحتمال كون الحاكم ممن يرى العدل كافيا، وكذا يجب على من رأى الهلال وهو مرجو العدالة أن يرفع رؤيته إلى الحاكم لتلك العلة. وقوله: مرجو العدالة؛ أي يرجى قبول شهادته عند الناس لجهل حاله عندهم، فيشبه أن تقبل شهادته أو يزكى، ويجب رفع الرؤية على المرجو ولو علم جرحة نفسه. قاله أشهب. قاله ابن عرفة. انظر الحطاب. قال الحطاب: ولم أر من ذكر في هذا خلافا، بخلاف مسألة من شهد على عدوه، فإنه اختلف فيها، هل يخبر بالعداوة -وعليه مشى المصنف في باب الشهادات- أو لا يخبر بها، وصححه ابن رشد. انتهى. وعلم مما مر أن الراد بالمرجو هنا من لم يظهر فسقه، فيشمل الفاسق المستور حاله عن الناس، كما مر. والله سبحانه أعلم. ونص الباجي: وظاهر الكتاب يرفع للإمام، ولو علم من نفسه أنه ليس من أهل القبول وهو كذلك. قاله أشهب. انتهى. والمختار وغيرهما؛ يعني أنه اختلف في وجوب رفع الشهادة برؤية الهلال، وندبه وتركه على من ليس عدلا ولا مرجو العدالة وهو الفاسق المعلوم الفسق، واختار اللخمي ندب الرفع له، والقوك بالوجوب نقله ابن بشير وابن الحاجب، وعزاه في التوضيح لابن عبد الحكم، والقول بالندب لأشهب، والقول بترك الرفع للقاضي. ابن عرفة: إن لم يكن عدلا ولا مرجوا ففي استحباب رفعه وتركه نقلا اللخمي عن أشهب والقاضي، ونقلُ ابن بشير بدل استحبابه وجوبَه لا أَعْرِفُه. انتهى. قاله الحطاب.

стр. 2225

وقال: ظاهر المصنف أنَّ اللخميَّ اختارَ القولَ بالوجوب، والذي في كلامه في التبصرة إنما هو اختيار القول بالاستحباب. اهـ. وَيُجَاب عن المصنف بأنه استعمل على في حقيقتها في الأولين. ومجازها في الثالث، وَيتحَصَّل من كلامهم هنا أن الأقسام ثلاثة: العدل يجب عليه الرفع، ومرجو العدالة يجب عليه الرفع أيضا، ومرجو العدالة شامل لمن يعلم من نفسه الجرحة ولكن لا يطلع الناس على الأمر الذي استوجب من أجله الجرحة، ومن لا يعلم من نفسه ذلك فترجى تزكيته فيهما، القسم الثالث معلوم الجرحة عند الناس، وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال: وجوب رفع الرؤية، وندب الرفع، وترك الرفع، واختار اللخمي القول بندب الرفع خلاف ما يقتضيه المصنف من أن اللخمي اختار القول بالوجوب، وقد مر الجواب عنه، والقول بالوجوب لابن عبد الحكم، عزاه له في التوضيح، ونقله ابن بشير وابن الحاجب، والقول بالندب لأشهب، والقول بترك الرفع للقاضي. وإن أفطروا فالقضاء والكفارة؛ يعني أن الشخص إذا رأى هلال رمضان، سواء كان عدلا أو مرجوا أو غيرهما، فإنه يجب عليه الصوم، فإن أفطر متعمدا فعليه القضاء والكفارة لوجوب الصوم عليه بلا نزاع، فالضمير في قوله: "وإن أفطروا"، عائد على العدل والمرجو وغيرهما المنفردين برؤية الشهر. إلا بتأويل؛ يعني أنهم إذا أفطروا على وجه الانتهاك فلا إشكال في الكفارة، وأما إذا لم يكن فطرهم على جهة الانتهاك لحرمة الشهر، بل أفطروا متأولين يظن كل واحد منهم أن الصوم لا يلزمه برؤيته منفردا، فقال أشهب: لا كفارة على من حصل له ذلك منهم، والمشهور لزوم الكفارة، قال فيها: فإن أفطر لزمه القضاء والكفارة. أشهب: إلا أن يكون متأولا. فتأويلان؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول أشهب، هل هو خلاف لقول الإمام فيها؟ فإن أفطر فعليه القضاء والكفارة، وهذا التأويل هو المشهور؛ وهو تأويل ابن الحاجب وغيره، ومنهم من ذهب إلى أن قول أشهب تقييد لقول الإمام. ونقله أبو الحسن عن الشيوخ. قال الشبراخيتي: والشهور وجوب الكفارة والتأويل بعدم الكفارة ضعيف، وكان ينبغي له أن يقول: فالقضاء والكفارة ولو بتأويل، ويستغني عن هذا التطويل. انتهى. وقال الحطاب: والقول بوجوب الكفارة هو المشهور، ولذلك جزم به المصنف -انتهى. يعني- كما يأتي في قوله: "كراء ولم يقبل": فهذه هي المسألة الآتية، فلا فرق بين أن يكون رفع فَرُدَّ أم لا.

стр. 2226

وقال في التوضيح: فإن صام هذا الذي رأى الهلال وحده ثلاثين يوما، ثم لم ير أحد الهلال والسماء مصحية، فقال محمد بن عبد الحكم وابن المواز: هذا محال، ويدل على أنه غلط، وقال بعضهم: الذي ينبغي أن يعمل في ذلك على اعتقاده الأول ويكتم أمره، وظاهر كلامه في التوضيح أنه لو كان غيم يعمل على رؤيته، وهذا ظاهر. والله أعلم. قاله الحطاب. وقد مر هذا. وإذا لم يصم أهل العدل المنفرد برؤية الهلال ومن لا اعتناء لهم بأمره، فالذي يجب الجزم به فيهما أنه يجب على من أفطر منهم ولو متأولا الكفارة؛ لأن العدل في حقهم بمنزلة العدلين في حق غيرهم، فلا يتأتى منهم تأويل قريب في هذا. قاله الشيخ علي الأجهوري. وقوله: "إلا بتأويل فتأويلان"، سبب الخلاف، هل هو تأويل قريب أو بعيد؟ وسيصرح المصنف بأنه تأويل بعيد فيما يأتي: وهو قوله "كراء ولم يقبل". لا بمنجم؛ يعني أن رمضان لا يثبت بقول المنجم، والمنجم الحاسب؛ وهو الذي يحسب قوس الهلال ونوره، وقيل: إن المنجم هو الذي يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني، والحاسب هو الذي يحسب سير الشمس والقمر، وعلى كل لا يصوم أحد بقوله ولا يعتمد هو في نفسه على ذلك، وحرم تصديق منجم، ويقتل إن اعتقد تأثير النجوم وأنها الفاعلة بلا استتابة إن أسر ذلك، فإن أظهره وبرهن عليه فمرتد يستتاب، فإن لم يتب قتل، فإن لم يعتقد تأثيرها واعتقد أن الفاعل هو الله سبحانه لكن جعلها أمارة على ما يحدث في العالم، فعند ابن رشد مؤمن عاص يزجر عن اعتقاده ويؤدب عليه ويحرم تصديقه، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ولخبر: (من صدق كاهنا أو عرافا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد (١))، وعند المازري غير عاص، يجوز إذا أسند ذلك لعادة أجراها الله تعالى، كما يؤخذ من خبر: (إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقه (٢))، قال: وأما الحديث القدسي وهو: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي (٣))، الذي فيه يقولون بنوء كذا، فالنهي إذا نسبه للأنواء، والخبر السابق في الجواز إذا نسب ذلك لعادة أجراها الله تعالى، وكذا جمع مالك بين الحديثين. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: لا يثبت رمضان بمنجم؛ أي

стр. 2227

بقوله: أوله كذا، ولو في نفسه، وسواء وقع في القلب صدقه أولا، وفي الحديث: (من صدق كاهنا أو عرافا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد (١)). انتهى. والكاهن هو الذي يخبر عن الأمور المستقبلة، والعراف هو الذي يخبر عن الأمور الماضية أو المسروق أو الضال أو نحو ذلك. انتهى. وفي حديث آخر: (من أتى عرافا أو ساحرا أو كاهنا يؤمن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٢))، وفي حديث آخر: (من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما (٣))، وفي الترغيب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: (من أتى عرافا أو ساحرا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٤))، قال ابن زكري: وأفاد بقوله: فصدقه، أن الفرض أنه سأله معتقدا صدقه، فلو سأله استهزاء معتقدا كذبه لم يلحقه الوعيد، والمراد أن مصدق الكاهن إن اعتقد أنه يعلم الغيب كفر، وإن اعتقد أن الجن تلقي إليه ما سمعته من الملائكة وأنه بإِلْهَامٍ فصدقه من هذه الجهة لا يكفر، والعرافة مختصة بالأمور الماضية كمعرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، والكهانة مختصة بالحادثة. وقوله: لم تقبل له صلاة أربعين يوما، قال الأبي: عياض: مذهب أهل السنة أن السيئات لا تحبط الحسنات، وإنما يحبطها الكفر، فعدم القبول عدم الرضا وعدم قبول الأجر لا قبول الأداء وسقوط التكليف. قلت: القبول عبارة عن حصول الثواب، والصحة عبارة عن سقوط الأداء، فإذا لم تقبل له صلاة لم يثبت ثوابها، ويسقط التكليف، ولما ذكر المناوي عن النووي أن معنى عدم القبول عدم الثواب، ذكر أنه اعترض بأن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين، فكيف يسقط ثواب صلاة صحيحة بمعصية لاحقة؟ قال: فالوجه أن يقال: المراد من عدم القبول عدم تضعيف الأجر، وجاء في الخبر: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكر النجوم فأمسكوا) (٥) ومعنى الحديث إذا ذكر أصحابي بما شجر بينهم من الحروب والمنازعات فأمسكوا وجوبا عن الطعن فيهم والخوض في ذكرهم بما لا

стр. 2228

يليق بهم فإنهم خير الأمة وخير القرون، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا: قال الحافظ المنذري: المنهي عنه من علم النجوم، هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان، كمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الريح، وتغير الأسعار، ونزول الموت، وغير ذلك. ويزعمون أنهم يعرفون ذلك بسير الكواكب لافتراقها واجتماعها، وظهورها في بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله تعالى به لا يعلمه أحد غيره، فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم، والذي يعرف به الزوال وجهة القبلة، وكم مضى من الليل، وكم بقي منه فغير داخل في النهي. والله أعلم. (وإذا ذكر القدر فأمسكوا (١))، القدر بالتحريك هو تعلق الأشياء بالإرادة في أوقاتها الخاصة، فأمسكوا عن محاورة أهله ومقاولتهم لما في الخوض في ذلك من المفاسد، قال البَغَوِيُّ: سر القدر سر الله تعالى لم يُطلِع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، لا يجوز الخوض فيه والبحث عنه من طريق العقل، بل يعتقد أن الله تعالى خلق الخلق فجعلهم فريقين: أهل اليمين خلقهم للنعيم فضلا، وأهل الشمال خلقهم للجحيم عدلا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، فأمر ﷺ بالإمساك عن الخوض فيه؛ لأن من يبحث لا يأمن من أن يصير قدريا أو جبريا، ويجب من علم النجوم ما يعلم به أدلة القبلة عينا، ومقتضى القواعد أن يكون ما يعرف منه أوقات الصلاة فرضا على الكفاية لجواز التقليد في الأوقات وموطن الاستحباب هو ما يعين على الأسفار وينجي من ظلمات البر والبحر انتهى. وقال الحطاب: ولا يجوز لأحد أن يصوم بقول المنجم، ولا يجوز له هو أن يعتمد على ذلك وسواء في ذلك العارف فيه وغيره، وقد أنكر ابنُ العربي في العارضة على ابن شريح الشافعي في تفريقه بين من يعرف في ذلك ومن لا يعرفه، قال في التوضيح: وروى ابن نافع عن مالك في الإمام الذي يعتمد على الحساب أنه لا يقتدى به ولا يُتبع، قاله الحطاب. وقال: ظاهر كلام أصحابنا أن الراد بالمنجم الحاسب الذي يحسب قوس الهلال ونوره، ورأيت في كلام بعض الشافعية أن المنجم الذي يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني، والحاسب الذي يحسب سير الشمس والقمر، وإذا لم يعمل بقول الحاسب فمن باب أولى أن لا يعمل بقول المنجم، وقال ابن الحاجب

стр. 2229

ولا يلتفت إلى حساب المنجمين اتفاقا، وإن ركن إليه بعض البغداديين يشير به إلى ما روي عن ابن شريح وغيره من الشافعية، وهو مذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير من كبار التابعين. ابن بزيزة: وهي رواية شاذة في المذهب رواها بعض البغداديين عن مالك. انتهى. وقال في التوضيح: قوله وإن ركن إليه بعض البغداديين: يشير به إلى ما روي عن ابن شريح وغيره من الشافعية؛ وهو مذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير من كبار التابعين. ابن العربي: كنت أنكر على الباجي نقله عن بعض الشافعية لتصريح أئمتهم بلغوه حتى رأيته لابن شريح، وقاله بعض التابعين. وقد رد ابن العربي في عارضته على ابن شريح وبالغ في ذلك وأطال، وظاهر كلام المصنف أن ابن الشخير يقول: يُعْتَمَدُ على حساب المنجمين وليس كذلك، إنما يقول إنه يعمل على ذلك هو في خاصته كما يأتي بيانه، وقال القرافي في الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلاة: يجوز إثباتها بالحساب والآلات، وكل ما دل عليها، وقاعدة رؤية الهلال في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب، وفيه: قولان عندنا وعند الشافعية، والمشهور في المذهب عدم اعتبار الحساب، قال سند: لو كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه، مع أن حساب الأهلة والخسوف والكسوف قطعي، فإن الله سبحانه أجرى عادته بأن حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب السبعة على نظام واحد طول الدهر وكذلك الفصول الأربعة، والعوائد إذا استمرت أفادت القطع، وإذا حصل القطع فينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلاة، والفرق هاهنا -وهو عمدة السلف والخلف- أن الله ﵎ نصب زوال الشمس سببا لوجوب الظهر وكذلك بقية الأوقات، فمن علم سببا بأي طريق لزمه حكمه، فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع، وأما الأهلهّ فلم ينصب خروجها من شعاع الشمس سببا للصوم، بل نصب رؤية الهلال خارجا من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي ولا يثبت الحكم، ويدل لذلك قوله ﷺ : (صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته (١))، ولم يقل لخروجه من شعاع الشمس، كما قال في الصلاة: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾؛ أي لميلها. انتهى. وفيه

стр. 2230

إثبات القول بالاعتماد على حساب المنجم، كما نقله صاحب التوضيح وغيره. وما فرق به بين أوقات الصلاة ورؤية الأهلة حسن، وقد قبله ابن الشاط وله في الذخيرة نحو ذلك. انتهى كلام الحطاب. وقال الحطاب أيضا: ولو شهد عدلان برؤية الهلال. وقال أهل الحساب: إنه لا تمكن رؤيته قطعا، فالذي يظهر من كلام أصحابنا أنه لا يلتفت إلى قول أهل الحساب. وقال السبكي وغيره من الشافعية: إنه لا تقبل الشهادة لأن الحساب أمر قطعي والشهادة ظنية، والظن لا يعارض القطع، ونازع في ذلك بعض الشافعية. والله أعلم. وذكر ابن ناجي في شرح المدونة أن ابن هارون اعترض على ابن الحاجب في حكاية الاتفاق، بأن مطرفا يخالف في ذلك، وَرَدَّ عليه بأن مطرفا الذكور ليس هو مطرفا المالكي، وإنما هو من كبار التابعين. انتهى. وقال الحطاب: يكره الاشتغال بما يؤدي إلى معرفة نقصان الشهر وكماله: قال ابن رشد في المقدمات بعد أن ذكر أن الاشتغال بالنجوم فيما يعرف به سمت القبلة وأجزاء الليل جائز بل مستحب: وأما النظر في أمرها فيما زاد على ذلك مما يتوصل به إلى معرفة نقصان الشهور وكمالها دون رؤية أهلتها، فذلك مكروه لأنه من الاشتغال بعا لا يعني؛ إذ لا يجوز لأحد أن يعول في صومه وفطره على ذلك، فيستغني عن النظر إلى الأهلة بإجماع من العلماء، وإنما اختلف أهل العلم فيمن كان من أهل هذا الشأن إذا أغمي الهلال، هل له أن يعمل على معرفته بذلك أم لا؟ فقال مطرف بن الشخير: إنه يعمل في خاصته على ذلك، وقاله الشافعي في رواية، والمعروف من مذهبه ما عليه الجمهور من أنه لا يعمل على ذلك، وكذلك ما يعلم به الكسوفات لأنه لا يعني، وقال ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (١))، ولأنه يوهم العوام أنه يعلم الغيب فيزجر من ذلك ويؤدب عليه اهـ. قلت: ولا يحرم الاشتغال به لأنه ليس من علم الغيب، وإنما هو من طريق الحساب. والله أعلم. تنبيه: قال ابن حبيب: يجوز له تصديق المؤذن العدل العارف، فإن سمع الأذان وهو يأكل ولا علم له بالفجر، فليكف وليسئل المؤذن عن ذلك الوقت، فيعمل على قوله فإن لم يكن عنده عدلا

стр. 2231

ولا عارفا فليقض وإن كان في قضاء رمضان فليقض ويباح له فطر ذلك اليوم والتمادي، وإن كان في تطوع أتمه ولا قضاء عليه، وقول ابن حبيب: ولا علم عنده بالفجر، يفهم منه أنه لو كان له علم اعتمد عليه وهو الموافق لرواية عيسى الآتية؛ وهو الظاهر إذا أمن الاطلاع عليه والاقتداء به. الباجي: من يحضر مؤذنوه (١) عند الفجر، في وجوب كفه بأذانهم -وهو يرى أن الفجر ما طلع، [وبعدم] (٢) أذانهم وهو يرى أن الشمس غربت-[روايتا] (٣)، ابن نافع وعيسى عن ابن القاسم في المدونة. ولا يفطر منفرد بشوال؛ يعني أن من انفرد برؤية هلال شوال لا يجوز له الفطر، ولا خلاف في ذلك إذا أفطر ظاهرا بحيث لا يأمن الظهور؛ لأنه يعرض نفسه للأذى مع إمكان تحصيل غرض الشرع بأن يفطر بالنية. ولو أمن الظهور؛ يعني أن من انفرد برؤية شوال اختلف هل يباح له الفطر سرا بأن يفطر بحيث يأمن من الاطلاع عليه؟ فقيل: لا يباح له الفطر في تلك الحالة وهو المنصوص لمالك في العتبية؛ وهو الصحيح، وفي الجلاب قول بالإباحة، وعليه رد المصنف بلو. وقوله: "ولا يفطر منفرد بشوال"؛ أي بالأكل أو الشرب ونحو ذلك، وأما فطره بالنية فواجب لأنه يوم عيد وصومه حرام، وهذا هو المذهب، وعن ابن حبيب استحباب فطره بالنية، وضُعِّفَ. انظر الحطاب. إلا بمبيح؛ يعني أن محل حرمة الفطر المذكور على المنفرد برؤية شوال إنما هو حيث لم يحصل له عذر مبيح للفطر وأما إن حصل له عذر مبيح للإفطار من مرض أو سفر أو حيض فيجوز له الإفطار؛ أي ظاهرا. قال ابن ناجي في شرح المدونة: ولا خلاف في جوازه إذا كان العذر مما يخفى معه الفطر. ابن عبد السلام: ولو كان معه مرض يمكن معه الصوم بلا مشقة فَلْيُرِ هو من نفسه الشقة ويفطر، وقال عبد الباقي عند قوله: "إلا بمبيح": كحيض ومرض ادعاه، وكان بحيث تقبل دعواه فيه، وسفر ولو أنشأه لقصد الفطر في هذه الحالة فيجب عليه الفطر ظاهرا كما يجب بالنية عند عدم العذر بخلاف غير الراءي، فلا يجوز له إنشاؤه لقصد فطر، فإن تلبس به أبيح كما في الحطاب عند قوله: "وفطر بسفر قصر". وفي أحمد: يكره إنشاؤه، ويباح فطره بعده، ومثل المبيح فطر الراءي في وقت يلتبس بالغروب أو الفجر، بحيث لو

стр. 2232

ادعى أن فطره لظن ذلك لقبل منه، وانظر هل يجوز له الفطر ويدعي أنه نسي لأنه يقبل قوله أولا؛ إذ قبول قوله لا يسوغ له الإقدام على الفطر. انتهى. قوله: فيجب عليه الفطر ظاهرا: قال محمد بن الحسن: مثله في الحطاب عن ابن عبد السلام، وهو مشكل، ولم لا يقال الفطر بالنية يكفي؛ إذ الذي يحرم العيد هو الصوم والفطر بالنية كاف. انتهى. وفي الخرشي: لو أفطر شخص وادعى أنه رأى الهلال، فإن كان من أهل الخير والصلاح وعظ وشدد عليه، وإلا عزر، وفي الحطاب عن أشهب: يعاقب إذا كان غير مأمون إلا أن يكون ذكر ذلك قبل. انتهى. وقوله: "ولو أمن الظهور"، وقد علمت أن مقابل المشهور حكاه ابن الجلاب، وكأن المصنف وابن عرفة لم يقفا عليه؛ أي على كلام ابن الجلاب؛ لأن المصنف قال في التوضيح: إنه لم يره منصوصا، وإنما خرجه اللخمي من مسألة الزوجين يشهد عليهما شاهدان بالطلاق ثلاثا، والزوجان يعلمان أنهما شهدا بزور، فقد قيل: لا بأس أن يصيبها خفية، فالأكل مثله من باب أولى؛ لأن التخفي في الأكل أكثر من الجماع، وكذلك ابن عرفة لم ينقله إلا عن اللخمي. قاله الحطاب. وفي الخرشي عن الحطاب: فإن سافر قاصدا بذلك الفطر فإنه يباح له الفطر كمن تصدق بماله ليسقط عنه الحج، وكمن أخر الصلاة فسافر فيقصرها، وكمن تؤخر الصلاة لتحيض فتسقط عنها، فإنه يقصر وتسقط مع الإثم في الجميع، ذكره الجزولي. وقيل: لا يباح له الفطر معاملة له بنقيض قصده، وهو واضح إذا لم يكن له غرض إلا الإفطار. انتهى. وسيأتي هذا بأتم مما هنا إن شاء الله تعالى. وفي تلفيق شاهد أوله لآخر آخره؛ يعني أنه اختلف، هل تضم شهادة شاهد بالرؤية أول الشهر إلى شهادة آخر بالرؤية آخره، أو لا تضم؟ فخرج ابن رشد أنها تضم، خرجه على ضم الشهادتين المتفقتين فيما يوجبه الحكم وصححه، وقال يحيى ابن عمر: لا تضم، وصوبه ابن زرقون وهو الصحيح، فكان ينبغي للمصنف الاقتصار عليه، فيقول: ولا يلفق شاهد أوله لآخر آخره. قاله الشبراخيتي. وقال محمد بن الحسن: القول بالضم تخريج ابن رشد، والقول بعدمه ليحيى بن ضمر، ورجحه ابن زرقون، وشهره ابن رشد، فكان ينبغي للمصنف الاقتصار عليه، وقال عبد الباقي: إن الراجح عدم التلفيق، وقوله: "أوله" "وآخره"، كل منهما منصوب بنزع الخافض؛ أي بأوله وبآخره، وأطلق الآخر على مجاورة تغلبيا، فإنه إنما شهد

стр. 2233

بهلال شوال، وليس آخر رمضان، فأطلق الآخر على مجاوره وهو هلال شوال، فهو مجاز علاقته المجاورة، والضمير في أوله وآخره لرمضان. وقوله: "وفي تلفيق شاهد" الخ، فيه صورتان: إحداهما أن يكون بين الرؤية الأولى والثانية ثلاثون يوما، وفائدة التلفيق فيها وجوب الفطر لاتفاق شهادتهما على مضي الشهر وعدم قضاء اليوم الأول لعدم اتفاقهما على أنه من رمضان، وفائدة عدم التلفيق فيها أنه لا يجب الفطر بل يحرم؛ لأنه لا تلفيق حتى تتفق شهادتهما على مضي الشهر، ولا يجب قضاء الأول لأنه لم يثبت برؤية المنفرد، وإنما يثبت بما يثبت به شرعا، الثانية أن يكون بين الرؤيتين تسعة وعشرون، ففائدة التلفيق وجوب قضاء اليوم الأول الذي لم يصم برؤية المنفرد، وعدم جواز الفطر لأنه برؤية واحد، وشهادة واحد لا توجب كون هذا اليوم من شوال، لجواز كون الشهر كاملا، وفائدة عدم التلفيق فيها أيضا أنه لا يجب قضاء الأول ولا يجب الفطر أيضا، وقال بعضهم: تلفق في الصورة الأولى دون الثانية نقله ابن رشد عن بعضهم. وقال بعضهم بعكسه، وهو للخمي. ولزومه بحكم المخالف بشاهد؛ يعني أنه إذا حكم المخالف للمالكية في توقف ثبوت شهر الصوم على عدلين بثبوت رمضان بشاهد واحد كالشافعي، فإنه اختلف هل يلزم جميع الناس الصوم ولا يجوز لأحد مخالفته بناء على أن حكم الحاكم يدخل العبادات؟ قاله ابن راشد. القفصي. تلميذ القرافي: وما في التتائي والخرشي من أن القرافي تلميذ ابن راشد سهو. قاله محمد بن الحسن. وقد نص ابن راشد على ذلك أوائل شرحه على ابن الحاجب، وذكره ابن فرحون في الديباج والتوضيح في مواضع، انظر حاشية محمد بن الحسن. أولا يلزم المالكي الصوم في هذا وهو للقرافي، فإنه قال: لا يلزم المالكي الصوم بذلك؛ لأنه فتوى وليس بحكم. قاله الشارح. أي لأن الحاكم إنما حصل منه إثبات الشهادة فقط من غير زائد، فإذا قال شهد عندي فلان وحده وقد أجزت شهادته وحكمت بالصوم تنزل ذلك منزلة فتوى لا منزلة حكم؛ إذ الحكم لا يدخل العبادات، فليس لحاكم أن يحكم فيها، وقوله: "ولزومه بحكم المخالف"، لم ينقل ابن عطاء الله في هذا الفرع شيئا، وقوله: "ولزومه بحكم المخالف بشاهد"، وإذا قلنا بلزوم الصوم للمالكي كما قال ابن راشد فصام المالكي فأكملوا ثلاثين ولم ير الهلال، فحكم الحاكم الشافعي بالفطر على الراجح عندهم، فهل يجوز للمالكي أن يفطر معهم، ولو لم ير

стр. 2234

أحد الهلال أو يخالفهم في الفطر ويصبح صائما؟ والذي يظهر أنه لا يجوز [له] (١) الفطر. وقد قال مالك في المدونة: ويقال لمن قال يصام بشهادة واحد: أرأيت إن أغمي آخر الشهر، كيف يصنعون أيفطرون أم يصومون واحدا وثلاثين؟ فإن أفطروا خافوا أن يكون ذلك اليوم من رمضان. قاله الحطاب. قال: وقد وقعت هذه المسألة وصمنا بحكم المخالف، فلما كانت ليلة إحدى وثلاثين لم ير الناس الهلال بعد الغروب، ولم يلتفت الشافعية إلى ذلك، وكبروا وصار العامة يسألون عن الفطر مع عدم رؤية الهلال، فأقول لهم: قال الشافعية: يجوز الفطر، وعند المالكية لا يجوز الإفطار، فيقولون: نحن لا نعمل إلا على مذهب المالكية ثم لطف الله سبحانه، فرأوا الهلال حين ابتداء الظلام. انتهى. وقوله: تردد، مبتدأ مؤخر، وخبره المجرور قبله، أعني في تلفيق؛ فهو راجع للمسألتين، وقد مر الكلام على أهل التردد في المسألتين، قال الخرشي: وظاهر قوله: "بشاهد"، أن حكمه بأكثر من شاهد ليس كذلك، فيلزم اتباعه، وهل يجري التردد فيما إذا كان الشاهد غير مقبول الشهادة عندنا، كالعبد والأمة فإنهما يقبلان عند الحنابلة؛ وهو ظاهر بنائهم على أن حكم الحاكم يدخل العبادات أولا، ويتفق على عدم لزوم الصوم به. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: والظاهر الأول لأنه هو ظاهر كلامهم. ورؤيته نهارا للقابلة؛ يعني أنه إذا رئي الهلال نهارا فإنه يحكم به لليلة القابلة، فيستمر الناس على ما هم عليه من الفطر (٢) إن وقع ذلك في آخر شعبان؛ أو صوم إن وقع ذلك في آخر رمضان، وسواء كان رئي قبل الزوال أو بعده هذا هو الشهور، وقيل: إن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، فيمسكون إن وقع ذلك في شعبان، ويفطرون إن وقع ذلك في رمضان، ويصلون العيد رواه ابن حبيب عن مالك، وقال به هو وغيره، قال: وإذا رئي بعد الزوال فهو لليلة الآتية، سواء صليت الظهر أو لم تصل. قاله الحطاب. وفي مختصر الواضحة: وهو يرى بعد الزوال يوم ثلاثين ويوم تسع وعشرين، ولا يرى قبل الزوال في

стр. 2235

يوم تسعة وعشرين؛ لأنه للماضية ولا يكون هلالا قبل تمام تسعة وعشرين، وإذا رئي بالعشي يوم تسع وعشرين فإنه أُهِلَّ ساعتئذ، انتهى. وهو يقتضي أنه تثبت رؤيته بذلك ولو لم ير بعد الغروب، وصرح الشافعية بأن ذلك لا يكفي عن رؤيته ليلة ثلاثين، وأنه لا أثر لرؤيته نهارا حيث لم ير بعد الغروب. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: وظاهر المصنف أنه لا فرق بين أول رمضان وآخره، خلافا للإمام أحمد احتياطا للصوم. انتهى. وقال الخرشي: "ورؤيته نهارا للقابلة"، ولو لم ير بعد الغروب ولو صحوا. انتهى. واعلم أنه إذا رئي نهارا يوم تسع وعشرين فلا قائل إنه للماضية كما في الحطاب. وإن ثبت نهارا أمسك؛ يعني أنه إذا لم يثبت هلال رمضان ليلا وإنما ثبت نهارا، فإنه يجب الإمساك في ذلك اليوم على من أكل، وعلى من لم يأكل -وإن كان صومه غير صحيح لعدم النية- لحرمة الشهر، ويجب قضاء ذلك اليوم، وإن بيت الصوم فيه على أنه من رمضان لعدم جزم النية، وفي تحقيق الباني للشاذلي على الرسالة: والفَرْقُ بين إباحة الفطر للمسافر والحائض ومن ذُكِرَ معهما، ووجوب الإمساك على من أصبح أول يوم من رمضان لا علم عنده بالرؤية مَا قَالَهُ ابن عبد السلام؛ وهو أن هؤلاء جاز لهم الفطر في نفس الأمر وفي الظاهر، فصار هذا اليوم في حقهم كيوم من شعبان، وأما من طرأ عليه العلم بالرؤية فإنما أبيح له الفطر في الظاهر لا في نفس الأمر، فإذا ظهر ما في نفس الأمر تغير الحكم ووجب الإمساك. انتهى منه عند قول الرسالة: وإذا قدم المسافر مفطرا أو طهرت الحائض نهارا الخ. وبهذا تعلم أن قول الشيخ خليل: "وإن ثبت نهارا أمسك" الخ، إنما هو فيمن يلزمه الصيام، وأما المسافر فإنه معذور عذرا لم يَزُلْ، والمسافر إذا لم ينو الصوم بأن نوى الفطر، أو لا نية له يباح له الفطر كما يأتي في قول المصنف: "ولم ينوه فيه". والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. وقوله: "وإن ثبت نهارا" أي بوجه من الوجوه السابقة، وقوله: "وإن ثبت نهارا"؛ أي ثبت أنه رئي في الليلة الماضية. وإلا كفر إن انتهك؛ يعني أنه إذا ثبت الشهر نهارا فإنه يجب الإمساك عن المفطرات على من علم ذلك، فإن لم يمسك بأن أكل أو شرب أو جامع بعد علمه بثبوت الشهر فإنه يلزمه أن يكفر بإطعام ستين مسكينا أو غيره من النوعين الآتيين، بشرط أن

стр. 2236

ينتهك بأن يعلم وجوب الإمساك عليه ولا يبالي بذلك، فتجب عليه الكفارة لانتهاكه لحرمة الشهر. قاله في المدونة. وحكى ابن بشير وابن الحاجب قولا بعدم الكفارة، وأنكره ابن عرفة، وقال: لا أعرفه، ومفهوم قوله: "إن انتهك"، أنه إن فعل ذلك غير منتهك بل تأول أنه لما لم يصح له صوم ذلك اليوم لعدم النية جاز له الفطر فإنه لا كفارة عليه؛ وهو كذلك. قال الحطاب. ولم أقف على خلاف في ذلك وهو من التأويل القريب، فيضم إلى المسائل التي يذكرها المصنف من التأويل القريب بعد هذا. والله أعلم. ولو رأى الهلال شاهدان، وأخرا إلى طلوع الفجر من غير عذر بطلت شهادتهما، لقوله: وفي محض حق الله تعالى تجب المبادرة الخ، وكذا الشاهد الواحد لقوله: وعلى عدل أو مرجو رفع رؤيته، وقوله: "وإلا كفر إن انتهك"، هل الكفارة في ذلك للانتهاك وحده، أو للانتهاك مع الإفساد؟ وينبني على ذلك لو تعمد رجل أو امرأة الإفطار في رمضان، ثم تبين أنها حاضت قبل ذلك، أو أنه قبل الفجر فعليهما الكفارة على الأول لا على الثاني؛ لأنه لا إفساد حينئذ. قاله البرزلي. وقوله: "إن انتهك"، قد علمت أنه لا كفارة عليه إن تأول، قال عبد الباقي: وكذا لا كفارة عليه إن أفطر ذاهلا عن الحرمة والتأويل لأنه ناس. وإن غيَّمت ولم يُرَ فصبيحَتُه يَوْمُ الشك، غيمت بفتح الغين المعجمة وفتح الياء المشددة وفتح الميم، مبنيا للفاعل كما في القاموس والجوهري والمصباح، ومثله في الحطاب فاعله ضمير يعود إلى السماء كما يفيده عبد الباقي، فإنه قال: وإن غيمت السماء، معناه لابسها ما يمنع من رؤية الهلال لو ظهر كسحاب، ومعنى كلام المصنف أنه إذا كانت السماء ليلة ثلاثين من استهلال شعبان مغيمة أي متلبسة بغيم، ولم يثبت رؤية الهلال بعدلين، فإن صبيحة تلك الليلة هي يوم الشك المنهي عن صومه في الحديث. قوله: "فصبيحته"، من باب تسمية البعض: وهو الصبيحة باسم الكل، وهو اليوم. قاله الشيخ أحمد. وقال بعضهم: هذا لا يحتاج إليه والأولى كونه على تقدير مضاف؛ أي فصبيحته صبيحة يوم الشك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعند الشافعية أن يوم الشك صبيحة ليلة ثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مصحية حيث تحدث بالرؤية من لا تثبت به كعبد وامرأة أو فاسق، وإشاعة رؤية لم تثبت لا صبيحة الغيم، ومال إليه ابن عبد السلام لخبر: (فإن غم عليكم

стр. 2237

فاقدروا له (١))، وفي رواية: (فأكملوا العدة (٢))، فإنه يدل على أن ذلك اليوم من شعبان، قال عبد الباقي عن الأجهوري: أي بدون شك عملا بالاستصحاب وعدم الرؤية لا يثير شكا. انتهى. قوله أي بدون شك عملا الخ، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الشك حاصل قطعا كما هو ظاهر. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: الظاهر ما قاله عبد الباقي عن شيخه؛ لأن معنى قوله: بدون شك؛ أي شك يوجب أن يكون هو المعني بالحديث: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم (٣)). والله سبحانه أعلم. ومفهوم قوله: "وإن غيمت"، أنه إذا لم تكن السماء مغيمة فليس ذلك يوم شك، وهو كذلك خلافا للشافعية كما مر قريبا، وعليهم رد المصنف بمفهوم الشرط الذي هو كالمنطوق عند المصنف، وقال عبد الباقي: وينبغي اعتماد تفسير الشافعي للشك، وقال الأمير: -وَرُدَّ يعني تفسير الشافعي- بأن كلام من لا تقبل شهادتهم لغو وإن استَقْرَبَهُ ابنُ عبد السلام. وصيم عادة، جواب عن سؤال مقدر، ما حكم صوم يوم الشك؟ فأجاب بقوله: "وصيم عادة" الخ؛ يعني أن صوم يوم الشك يجوز لمن كانت عادته سرد الصوم، أو كانت عادته صوم يوم بعينه كالخميس والاثنين، فوافق ذلك يوم الشك. وقاله في التوضيح. وتطوعا؛ يعني أنه يجوز صوم يوم الشك تطوعا؛ أي بنية التطوع كما قال في الرسالة، وهذا هو المشهور، وعن ابن مسلمة كراهة ذلك؛ ونقل عنه اللخمي الجواز، فلعل له قولين، قوله: "وصيم عادة وتطوعا"، معناه أذن فيه، فلا ينافي أنه مندوب كما في قوله: "عادة وتطوعا"، أو واجب كما في قوله: وقضاء؛ يعني أن يوم الشك يجب صومه على من عليه صوم من رمضان فيقضيه في يوم الشك، ولو تذكر في أثنائه أنه قضاه، فقال ابن القاسم: لم يجز الفطر، فإن أفطر فهل يقضيه أولا؟ قولان لابن القاسم وأشهب، وصوب الثاني لأنه إنما التزمه ظنا أنه عليه. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وقضاء"، فإن لم يثبت كونه من رمضان فقد أجزأه، وإن ثبت أنه من رمضان لم يجزه عن القضاء ولا عن رمضان، فعليه قضاء يوم عن رمضان الحاضر، وقضاء ما في ذمته، وحكم كل صوم واجب كحكم القضاء، فلو نواه لكفارة أو لنذر غير معين أجزأه، إلا أن يثبت أنه من رمضان فلا يجزئه عن رمضان الحاضر ولا

стр. 2238

عن ما نواه، وعليه قضاء يوم عن رمضان الحاضر، ويقضي ما في ذمته من كفارة أو نذر أو فدية أو هدي، وإن كان النذر معينا فهي التي أشار إليها المؤلف بقوله: ولنذر صادف؛ يعني أن يوم الشك يصام -أي يجب صومه- لأجل مصادفة النذر له، كمن نذر أن يصوم يوما معينا أو أياما، كمن نذر صوم يوم الخميس أو الاثنين فوافق ذلك، أو نذر أن يصوم يوم قدوم زيد فقدم ليلة صبيحة يوم الشك، وكمن نذر أن يصوم يوم الخميس والجمعة والسبت مثلا فوافق، ويجزئه إن لم يثبت كونه من رمضان، فإن ثبت كونه من رمضان لم يجز عن رمضان ولا عن النذر، وعليه قضاء يوم لرمضان الحاضر ولا قضاء عليه للنذر لكونه معينا وقد فات، واحترز بقوله: صادف؛ أي وافق، مما إذا نذر صوم يوم الشك من حيث كونه يوم الشك احتياطا، فإنه لا يلزمه لأنه إما حرام أو مكروه وكلاهما لا يلزم نذره: وإن نذره لا من تلك الحيثية بل نذر صوم يوم الشك تطوعا لا ليحتاط به من رمضان، فإنه يلزمه ويصح صومه إن لم يتبين كونه من رمضان، فإن تبين أنه من رمضان لم يجز عن النذر ولا عن رمضان، وعليه قضاء يوم لرمضان الحاضر، ولا قضاء عليه للنذر لكونه معينا، وقد فات. قاله الحطاب. لا احتياطا راجع إلى أصل صيام يوم الشك لا لمسألة النذر؛ يعني وإن كان صحيحا في نفسه كما بينته لكنه ليس مراد المصنف، وإنما مراد المصنف أن يوم الشك لا يصام لأجل الاحتياط؛ أي أن يوم الشك لا يصام ليحتاط بذلك اليوم على تقدير كونه من رمضان للنهي عن ذلك؛ وهو ما صححه الترمذي من حديث عمار بن ياسر: (من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم (١))، ورواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه، ولم يبين المصنف كابن الحاجب هل النهي على الكراهة أو التحريم. التوضيح: وظاهر الحديث التحريم، وهو ظاهر ما نسبه اللخمي لمالك؛ لأنه قال: ومنعه مالك، وفي المدونة: ولا ينبغي صيام يوم الشك: وحملها أبو الحسن على المنع وفي الجلاب يكره صوم يوم الشك وقال ابن عطاء الله: والكافة مجمعون على كراهة صومه، ونحوه في ابن فرحون، وقال الأمير: وصيم إلا لاحتياط فيكره، والعصيان في الحديث شدة زجر، وقيل على ظاهره، وفي الحطاب: أجازت عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما صيامه، وابنا عمر وحنبل في الغيم رون

стр. 2239

الصحو، ومن صام يوم الشك احتياطا فعلم أن ذلك لا يجوز فليفطر متى علم ولو آخر النهار، وقال ابن عبد السلام: الظاهر أن النهي في الحديث على التحريم، لقوله: عصى أبا القاسم، وقال الفاكهاني: اتفقوا إذا كانت السماء مصحية على كراهة صومه احتياطا؛ إذ لا وجه للاحتياط في الصحو، وإنما الخلاف المتقدم إذا كان الغيم. انتهى. تنبيه: قال القلشاني: هذا الحديث يحتمل الإسناد إلى رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يكون عمار قاله عن دليل واضح عنده. انتهى. وندب إمساكه ليتحقق؛ يعني أنه يستحب الإمساك عن المفطرات في يوم الشك زمنا بقدر ما جرت العادة بالثبوت فيه؛ بأن يأتي المسافرون من نواحي البلد، وينتشر الناس، وتسمع الأخبار، فإن ارتفع النهار ولم يظهر موجب الصيام أفطر الناس، وقال القرطبي في شرح مسلم: يستحب إمساك جميع النهار وهو خلاف المذهب. قاله الحطاب. وقوله: "ليتحقق"؛ أي ليتيقن بحسب العادة ما يكون عليه من إفطار أو صيام. قال الشبراخيتي: واللام في ليتحقق لام التعليل. انتهى. وعبارة الحطاب تقتضي أنها للانتهاء، فإنه قال: يعني أنه يستحب الإمساك عن الإفطار في يوم الشك إلى أن يتحقق الأمر. انتهى. وعبارة الشبراخيتي صريحة في أن المراد بقوله: "ليتحقق"، تحقق كونه من رمضان، فإنه قال: وندب إمساكه زمانا بقدر ما جرت العادة فيه بالثبوت ليتحقق كونه من رمضان لورود خبرٍ من مسافر أو حاكم أو غيره، فإن تحقق وجب الإمساك وإلا أفطر الناس. انتهى. وما قررته به أولا من أن المراد ليتحقق الأمر من إفطار أو صوم قرره به غير واحد. لا لتزكية شاهدين؛ يعني أنه إذا شهد شاهدان برؤية الهلال -وهما يحتاجان إلى التزكية- فإنه لا يستحب إمساك زائد على الإمساك المتقدم. قاله غير واحد. قال محمد بن الحسن: هذا إنما يحتاج إليه إذا كان اليوم يوم شك؛ بأن كانت السماء مغيمة، فإن لم يكن اليوم يوم شك بل كان صبيحة صحو فلا إمساك أصلا. انتهى. وكلام المصنف كما في الحطاب مقيد بما إذا كان في تزكيتهما طول. انتهى. والذي يتحصل من كلامهم هنا أنه إن كانت الشهادة المذكورة يوم الشك، فإنه يندب الإمساك ليتحقق، ولا يندب إمساك زائد عليه، وإن كانت يوم صحو فإن كان في التزكية طول فلا يندب

стр. 2240

إمساك أصلا، وإلا ندب الإمساك شهدا بليل أو نهار، وإن شهدا بليل وكانت تزكيتهما تتأخر للنهار فليس على الناس أن يبيتوا الصيام. ابن عبد الحكم: ولو شهد شاهدان برؤية الهلال فاحتاج القاضي إلى الكشف عنهما وذلك يتأخر فليس على الناس صيام، فإن زكيا بعد ذلك أمر الناس بالقضاء، وإن كان في الفطر فلا شيء عليهم فيما صاموا. قاله الحطاب. أو زوال عذر مباح له الفطر؛ يعني أن من كان ذا عذر يباح لأجله الفطر فأفطر وزال عنه في أثناء النهار وكان ذلك من رمضان، لا يندب له الإمساك عن المفطرات في بقية يومه بسبب زوال عذره المبيح للفطر، فقوله: "زوال"، عطف على قوله: "لتزكية". مع العلم برمضان، الظرف متعلق بمباح؛ أي أن العذر الذي يبيح لصاحبه الفطر مع علمه برمضان لا يندب له الإمساك عند زوال عذره حيث أصبح مفطرا، وليس قوله: "مع"، متعلقا بزوال. قاله غير واحد. وعلم من هذا أن قوله: "مع العلم برمضان"، تبيين لحقيقة العذر، فالعذر الذي لا يباح له الفطر على تقدير العلم برمضان كالعدم، فزواله غير معتبر كخفيف مرض لا يباح لأجله الفطر، ومثل للعذر الذي يبيح الفطر في رمضان للعالم به، بقوله: كمفطر؛ يعني أن من اضطره العطش للشرب فشرب ثم زال عطشه، لا يندب له الإمساك في بقية اليوم الذي شرب فيه: وكذا من أصبح صائما فحصلت له ضرورة من جوع اقتضت فطره فأفطر لذلك؛ فإنه لا يندب له الإمساك، بل له أن يستديم الفطر بقية يومه ولو بالجماع عند سحنون. وقال ابن حبيب: يزيل ضرورته فقط، قال: -يعني ابن حبيب- فإن أكل بعد ذلك جهلا أو تأويلا أو تعمدا، فلا كفارة؛ لأنه شبيه بالمريض. قاله في التوضيح. اللخمي: والأول أقيس لأنه أفطر لوجه مباح، قياسا على العَطِش إذا كان يعلم أنه لا يوفي بصومه إلا أن يشرب في نهاره مرة واحدة، فإن له أن يبيت الفطر ويأكل ويصيب أهله، ولو كان برجل مرض يحتاج إلى الدواء في النهار إلى الشيء اليسير من شربة، لم يؤمر بالصيام ولا بالكف عما سوى ما يضطر إليه، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في مسألة الضطر لأكل الميتة، والمشهور في مسألة الميتة أنه يأكل ويشبع ويتزود، وكذا هنا يشرب ويأكل حتى يشبع ويجامع إن شاء،

стр. 2241

وبهذا تعلم أن قول ابن رشد: إن من أصابه العطش الشديد فشرب، الصحيحُ أنه يكفر بالأكل والجماع بقيةَ يومه، إلا أن يتأولَ اختيارٌ منه لقول ابن حبيب: خلافُ المشهور. قاله البرزلي. قاله الحطاب. وفي حاشية الأمير: فلمن اضطر لشرب أن يأكل، ظاهره ولو قدم الأكل. وقال عبد اللك: إن بدأ بالجماع كفر وإلا فلا، وقال سحنون: لا كفارة عليه، ومن لم يقدر على الصوم نهارا لعادة، فله أن يبيت الفطر كمن أراد استعمال الدواء، وأرباب الحصاد يبيتون النية لاحتمال تخلفهم، ومنع مالك أرباب الصنائع من ارتكاب المشاق حتى يفطروا، وقال ابن محرز: يحتمل أن ذلك في الأغنياء دون الفقراء، ومعلوم وجوب حفظ المال. انتهى. وفي المدونة: إذا احتاج لركوب الهدية ركبها، وليس عليه أن ينزل إذا استراح، وكذا إذا أبيح له تزويج الأمة بالشروط، وكذا من حلف بطلاق من يتزوج إلى سنين يدركها ثم خاف العنت، فإنه إذا أبيح له مرة فقط سقط يمينه. قاله الحطاب. فبسبب أن من زال عذره المبيح للفطر أثناء النهار في رمضان يجوز له أن يستمر على الإفطار بقية نهاره ولا يندب له الإمساك. لقادم من سفره المبيح للفطر وقدم مفطرا، الأكلُ والشرب بقية نهاره، وله أيضا وطء زوجة مسلمة بالغة عاقلة، وأمة كذلك إن طهرت الزوجة من حيضها أو نفاسها في يوم قدومه، وكذا الأمة، وأما الكافرة فيطؤها، وإن لم يكن لها عذر حيث لم تكن صائمة في دينها، ففي سماع أصبغ عن ابن القاسم أن النصرانية إذا كانت صائمة في دينها لا يفطرها زوجها المسلم، قال ابن رشد: وهذا مما لا اختلاف فيه أنه ليس له أن يمنعها مما تَشَرَّعُ به. قاله محمد بن الحسن. وكذا للقادم المذكور وطء مجنونة أو قادمة مثله، وكذا له وطء الصغيرة حيث لم تبيت الصوم، وانظر إن بيتته هل له أن يبطل صومها أم لا؟ قاله الحطاب، وغيره. وظاهر كلام اللخمي أنه ليس له أن يبطل صومها؛ لأنه قال: له وطؤها إذا كانت صغيرة ولم تصم، والظاهر أنه لا يعارضه قوله الآتي: "وليس لامرأة يحتاج لها زوج تطوع بلا إذن"، ومفهوم قوله: "طهرت"، أن المسلمة البالغة التي ليست بمريضة ولا ذات عذر لا يجوز له وطؤها، وهو كذلك وهذا ظاهر، وظاهر المذهب أنه له أن يطأ الكافرة، سواء كانت طاهرا قبل قدومه أو طهرت يوم قدومه، وقال ابن شعبان: لا يجوز، وإن وجدها بأثر

стр. 2242

الطهر لأنها متعدية بترك الإسلام، وقد مر أن للمضطر بجوع أو عطش الجماع، وإنما يطأ على ما مر في القادم؛ أي يطأ زوجة طهرت أو صغرت أو كفرت. وقوله: "أو زوال عذر"، ذكر المصنف من أهل العذر المضطر كالجائع، وذي العطش، والمريض الذئي لا يقدر على الصوم، ومن ذي العذر المسافر سفر القصر، ومن العذر الحيض والنفاس، ومن ذلك أيضا المرضع يموت ولدها أثناء النهار، ومن العذر أيضا الصبا، فإذا بلغ الصبي أثناء النهار في رمضان مع تبييته للفطر فإنه لا يؤمر بالإمساك بقية يومه، وكذا لو بيت الصوم وأفطر عمدا قبل بلوغه فله الفطر بقية يومه، وكذا لو لم ينو صوما ولا فطرا فله الفطر بقية يومه كما لغيره ممن تقدمه، ولا يندب للجميع الإمساك بقية اليوم بعد زوال العذر المبيح للفطر. ومثل من ذكر في جواز الفطر وعدم ندب الإمساك بقية اليوم: المجنونُ، حيث زال الجنون أثناء اليوم، مع أنه لا يقال عذره يبيح الفطر لو علم برمضان، وأما الكافر يسلم أثناء النهار فيندب له الإمساك بقية يومه كما يأتي للمصنف، وأما من أفطر لأجل إكراه أو نسيان فيجب عليه الإمساك بعد زوال إكراهه أو نسبانه، وكذا الصبي يبيت الصوم ثم يبلغ أثناء النهار وهو صائم؛ فإنه يجب عليه الإمساك بقية يومه لأنه قد انعقد عليه نافلة. قاله في الطراز. واختلف في المغمى عليه يفيق بعد الفجر، فقال ابن حبيب: لا يمسك بقية يومه، والذي يقتضيه المذهب أن يمسك، ولأنه صوم مختلف في إجزائه. قاله الحطاب. ويتحصل من كلامهم هنا أن الصبي إذا بيت الصوم واستمر صائما حتى بلغ، أو أفطر ناسيا ثم بلغ في أثناء النهار ولم يحصل منه فطر عمدا قبل بلوغه، فإنه يجب عليه إتمام بقية اليوم، وأما لو بيت الفطر أو لم يبيت صوما ولا فطرا ثم بلغ في أثناء النهار فإنه يجوز له الفطر بقية يومه، ولا يندب له الإمساك، وكذا لو بيت الصوم وأفطر عمدا قبل بلوغه، ثم بلغ في ذلك اليوم فإنه لا يندب له الإمساك، وأما لو بيت الصوم ثم بلغ في أثناء صومه وأفطر عمدا بعد بلوغه، فالذي يدل عليه كلامهم أنه لا يجب عليه الإمساك، ولكن يجب عليه قضاء ذلك اليوم كما يفيده قول المصنف الآتي: "وفي النفل بالعمد الحرام" وقد نصوا هنا على أن هذا اليوم انعقد عليه الصوم فيه نافلة. والله سبحانه أعلم.

стр. 2243

﴿وفي الأمير ما نصه: والصبي إن بلغ صائما وجب إمساكه، وإلا فلا إمساك ولا كفارة بكل حال. انتهى. وهو صريح في أن الصبي إن بلغ صائما وأفطر عمدا لا كفارة عليه. والله سبحانه أعلم. وكف لسان: يعني أنه يستحب للصائم أن يكف لسانه عن الإكثار من الكلام المباح والكلام بغير ذكر الله سبحانه، وأما كف اللسان عن الحرام كالغيبة والنميمة والكلام بالفواحش فواجب في غير الصوم، ويتأكد وجوبه في الصوم ولكنه لا يبطل به الصوم. وقول الرسالة: وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه عن الكذب، حمله ابن ناجي على الوجوب وهو المتعين دون ما ذكره ابن عمر عن بعضهم، فإنه غير ظاهر. قاله عبد الباقي. وقوله: "وكف لسان"، معطوف على قوله: "إمساكه". واعلم أن المعصية تغلظ بحسب الزمان والمكان، وروى أنس عن رسول الله ﷺ : (خمس يفطرن الصائم: الكذب، والغيبة، والنميمة، واليمين الكاذبة، والنظر بشهوة (١)). ذكره في الإحياء. قال العراقي في تخريجه: رواه الأزدي في الضعفاء، وقال في الإحياء: قال سفيان: الغيبة تفسد الصوم. وعن مجاهد: خصلتان يفسدان الصوم: الغيبة والكذب. وقال القسطلاني: الجمهور على أن الغيبة والنميمة والكذب لا تفسد الصوم، ثم ذكر ما ذكره في الإحياء عن مجاهد وسفيان، ثم قال: والمعروف عن مجاهد: (خصلتان من حُفِظهما سلم له صومه الغيبة والكذب (٢)). رواه ابن أبي شيبة. ثم نقل عن السبكي: أنَّ ملابسة المعاصي تمنع ثواب الصوم إجماعا، قال: وفيه نظر نعم إن كثر توجهت المقالة. انتهى. قال الحطاب: يشهد لما حكاه السبكي حديث البخاري: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (٣)). ورواه أصحاب السنن، ورواه الطبراني بلفظ: (من لم يدع الخنا والكذب فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه (٤))، ذكره في الترغيب والترهيب (٥))، وحديث ابن ماجه، والنسائي: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع

стр. 2244

والعطش (١))، ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري وابن حبان في صحيحه. ذكره في الترغيب أيضا. وورد في الصحيحين عنه ﵊، أنه قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم (٢)). هذا لفظ البخاري. والرفث يراد به الجماع والفحش من القول، وخطاب الرجل المرأة فيما يتعلق بالجماع، وقال كثير من العلماء: المراد به في هذا الحديث الفحش وردي الكلام والصخب الصياح. واختلف في قوله ﷺ ، فليقل: إني صائم، فقيل: إنه يقوله بلسانه ويسمع ذلك للذي شاتمه لعله ينزجر، وقيل: يقوله بقلبه لِيَنْكَفَّ هو عن المشاتمة. قال النووي: والأول أظهر. انتهى. قال الحطاب: وهو الذي يظهر من كلام ابن حبيب، وفي لفظ: (فإن شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم (٣)) ومعنى شاتمه أظهر شتمه متعرضا لمشاتمته وقال في العارضة في قوله ﵊ (إن جهل على أحدكم جاهل فليقل إني صائم (٤)): لم يختلفوا أنه يصرح بذلك في الفريضة واختلفوا في التطوع، والأصح أنه لا يصرح به وليقل لنفسه إني صائم، فَكَيْفَ أقول الرفث؟ وروى أبو داوود من أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقولن أحدكم إني قمت رمضان كله أو صمته) (٥) فلا أدري أكره التزكية، أو قال لابد من نومة أو رقدة؟ ولا بأس أن يقول الرجل إني صائم معتذرا، ولا يقوله متحدثا ولا متزينا، نقله الإمام الحطاب. وتعجيل فطر؛ يعني أنه يستحب تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب رفقا بالضعيف، ومخالفة لليهود المؤخرين وقت فطرهم على وجه التشديد، فيكره لذلك، وأما من أخره لأمر عارض أو اختيارا مع كمال صومه فلا يكره، ويندب كونه بالذي في خبر: (كان يفطر على

стр. 2245

رطبات فتمرات فإن لم يجد حسا حسوات من ماء (١)). انتهى. وحسا بالسين المهملة لا بمثلثة، لأن ذلك معنى آخر ليس بمراد هنا، وللشيخ أحمد المقري بتشديد القاف: فطور التمر سُنَّهْ … رسول الله سَنَّهْ ينال الأجر عبد … يحلّي منه سِنَّهْ أي إن لم يكن رطب، وبعد التمر الماء. وقوله: سنة، الأول بضم السين أي طريقة لا مقابل الندب فقط، وكذا قول الرسالة: من السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور، وكذا قول القرطبية: من سنن الصيام وقت الفطر … تعجيله بالماء أو بالتمر وإنما قدم الماء للوزن كما في شارحها، وأسقط الرطب قبل التمر، قال شارحها: وإنما ندب التمر وما في معناه من الحلويات؛ لأنه يرد للبصر ما زاغ منه بالصوم، كما حدث به وهب فإن لم يكن فالاء لأنه طهور، ويقول عند فطره كما في الحديث: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله (٢)). فإن للصائم دعوة مستجابة، قيل: هي بين رفع اللقمة ووضعها في فيه، واستحب أبو الطيب من الشافعية كون التمر ثلاثا ولعل الرطب ثلاثا كذلك، ولم ينقل عندنا خلافه في علمي. قاله عبد الباقي. وهل المطلوب تعجيل الفطر قبل الصلاة أو بعدها؟ قال الحطاب: الباجي: لا خلاف بين أهل السنة أن تعجيل المغرب في أول الوقت مستحب؛ لأنها تصادف الناس متهيئين لها، ورفقا بالصائم الذي شرع له تعجيل الفطر، بعد أداء صلاته، وفي كتاب الصيام من الموطإ: وروى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن: (أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان (٣))، وفي سنن أبي داوود: (كان رسول الله صلى الله
следующие страницы →