وبهذا تعلم أن قول ابن رشد: إن من أصابه العطش الشديد فشرب، الصحيحُ أنه يكفر بالأكل والجماع بقيةَ يومه، إلا أن يتأولَ اختيارٌ منه لقول ابن حبيب: خلافُ المشهور. قاله البرزلي. قاله الحطاب. وفي حاشية الأمير: فلمن اضطر لشرب أن يأكل، ظاهره ولو قدم الأكل. وقال عبد اللك: إن بدأ بالجماع كفر وإلا فلا، وقال سحنون: لا كفارة عليه، ومن لم يقدر على الصوم نهارا لعادة، فله أن يبيت الفطر كمن أراد استعمال الدواء، وأرباب الحصاد يبيتون النية لاحتمال تخلفهم، ومنع مالك أرباب الصنائع من ارتكاب المشاق حتى يفطروا، وقال ابن محرز: يحتمل أن ذلك في الأغنياء دون الفقراء، ومعلوم وجوب حفظ المال. انتهى.
وفي المدونة: إذا احتاج لركوب الهدية ركبها، وليس عليه أن ينزل إذا استراح، وكذا إذا أبيح له تزويج الأمة بالشروط، وكذا من حلف بطلاق من يتزوج إلى سنين يدركها ثم خاف العنت، فإنه إذا أبيح له مرة فقط سقط يمينه. قاله الحطاب. فبسبب أن من زال عذره المبيح للفطر أثناء النهار في رمضان يجوز له أن يستمر على الإفطار بقية نهاره ولا يندب له الإمساك. لقادم من سفره المبيح للفطر وقدم مفطرا، الأكلُ والشرب بقية نهاره، وله أيضا وطء زوجة مسلمة بالغة عاقلة، وأمة كذلك إن طهرت الزوجة من حيضها أو نفاسها في يوم قدومه، وكذا الأمة، وأما الكافرة فيطؤها، وإن لم يكن لها عذر حيث لم تكن صائمة في دينها، ففي سماع أصبغ عن ابن القاسم أن النصرانية إذا كانت صائمة في دينها لا يفطرها زوجها المسلم، قال ابن رشد: وهذا مما لا اختلاف فيه أنه ليس له أن يمنعها مما تَشَرَّعُ به. قاله محمد بن الحسن. وكذا للقادم المذكور وطء مجنونة أو قادمة مثله، وكذا له وطء الصغيرة حيث لم تبيت الصوم، وانظر إن بيتته هل له أن يبطل صومها أم لا؟ قاله الحطاب، وغيره. وظاهر كلام اللخمي أنه ليس له أن يبطل صومها؛ لأنه قال: له وطؤها إذا كانت صغيرة ولم تصم، والظاهر أنه لا يعارضه قوله الآتي: "وليس لامرأة يحتاج لها زوج تطوع بلا إذن"، ومفهوم قوله: "طهرت"، أن المسلمة البالغة التي ليست بمريضة ولا ذات عذر لا يجوز له وطؤها، وهو كذلك وهذا ظاهر، وظاهر المذهب أنه له أن يطأ الكافرة، سواء كانت طاهرا قبل قدومه أو طهرت يوم قدومه، وقال ابن شعبان: لا يجوز، وإن وجدها بأثر
стр. 2242
الطهر لأنها متعدية بترك الإسلام، وقد مر أن للمضطر بجوع أو عطش الجماع، وإنما يطأ على ما مر في القادم؛ أي يطأ زوجة طهرت أو صغرت أو كفرت.
وقوله: "أو زوال عذر"، ذكر المصنف من أهل العذر المضطر كالجائع، وذي العطش، والمريض الذئي لا يقدر على الصوم، ومن ذي العذر المسافر سفر القصر، ومن العذر الحيض والنفاس، ومن ذلك أيضا المرضع يموت ولدها أثناء النهار، ومن العذر أيضا الصبا، فإذا بلغ الصبي أثناء النهار في رمضان مع تبييته للفطر فإنه لا يؤمر بالإمساك بقية يومه، وكذا لو بيت الصوم وأفطر عمدا قبل بلوغه فله الفطر بقية يومه، وكذا لو لم ينو صوما ولا فطرا فله الفطر بقية يومه كما لغيره ممن تقدمه، ولا يندب للجميع الإمساك بقية اليوم بعد زوال العذر المبيح للفطر. ومثل من ذكر في جواز الفطر وعدم ندب الإمساك بقية اليوم: المجنونُ، حيث زال الجنون أثناء اليوم، مع أنه لا يقال عذره يبيح الفطر لو علم برمضان، وأما الكافر يسلم أثناء النهار فيندب له الإمساك بقية يومه كما يأتي للمصنف، وأما من أفطر لأجل إكراه أو نسيان فيجب عليه الإمساك بعد زوال إكراهه أو نسبانه، وكذا الصبي يبيت الصوم ثم يبلغ أثناء النهار وهو صائم؛ فإنه يجب عليه الإمساك بقية يومه لأنه قد انعقد عليه نافلة. قاله في الطراز.
واختلف في المغمى عليه يفيق بعد الفجر، فقال ابن حبيب: لا يمسك بقية يومه، والذي يقتضيه المذهب أن يمسك، ولأنه صوم مختلف في إجزائه. قاله الحطاب.
ويتحصل من كلامهم هنا أن الصبي إذا بيت الصوم واستمر صائما حتى بلغ، أو أفطر ناسيا ثم بلغ في أثناء النهار ولم يحصل منه فطر عمدا قبل بلوغه، فإنه يجب عليه إتمام بقية اليوم، وأما لو بيت الفطر أو لم يبيت صوما ولا فطرا ثم بلغ في أثناء النهار فإنه يجوز له الفطر بقية يومه، ولا يندب له الإمساك، وكذا لو بيت الصوم وأفطر عمدا قبل بلوغه، ثم بلغ في ذلك اليوم فإنه لا يندب له الإمساك، وأما لو بيت الصوم ثم بلغ في أثناء صومه وأفطر عمدا بعد بلوغه، فالذي يدل عليه كلامهم أنه لا يجب عليه الإمساك، ولكن يجب عليه قضاء ذلك اليوم كما يفيده قول المصنف الآتي: "وفي النفل بالعمد الحرام" وقد نصوا هنا على أن هذا اليوم انعقد عليه الصوم فيه نافلة. والله سبحانه أعلم.
стр. 2243
﴿وفي الأمير ما نصه: والصبي إن بلغ صائما وجب إمساكه، وإلا فلا إمساك ولا كفارة بكل حال. انتهى. وهو صريح في أن الصبي إن بلغ صائما وأفطر عمدا لا كفارة عليه. والله سبحانه أعلم. وكف لسان: يعني أنه يستحب للصائم أن يكف لسانه عن الإكثار من الكلام المباح والكلام بغير ذكر الله سبحانه، وأما كف اللسان عن الحرام كالغيبة والنميمة والكلام بالفواحش فواجب في غير الصوم، ويتأكد وجوبه في الصوم ولكنه لا يبطل به الصوم. وقول الرسالة: وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه عن الكذب، حمله ابن ناجي على الوجوب وهو المتعين دون ما ذكره ابن عمر عن بعضهم، فإنه غير ظاهر. قاله عبد الباقي. وقوله: "وكف لسان"، معطوف على قوله: "إمساكه". واعلم أن المعصية تغلظ بحسب الزمان والمكان، وروى أنس عن رسول الله ﷺ : (خمس يفطرن الصائم: الكذب، والغيبة، والنميمة، واليمين الكاذبة، والنظر بشهوة (١)). ذكره في الإحياء. قال العراقي في تخريجه: رواه الأزدي في الضعفاء، وقال في الإحياء: قال سفيان: الغيبة تفسد الصوم. وعن مجاهد: خصلتان يفسدان الصوم: الغيبة والكذب. وقال القسطلاني: الجمهور على أن الغيبة والنميمة والكذب لا تفسد الصوم، ثم ذكر ما ذكره في الإحياء عن مجاهد وسفيان، ثم قال: والمعروف عن مجاهد: (خصلتان من حُفِظهما سلم له صومه الغيبة والكذب (٢)). رواه ابن أبي شيبة. ثم نقل عن السبكي: أنَّ ملابسة المعاصي تمنع ثواب الصوم إجماعا، قال: وفيه نظر نعم إن كثر توجهت المقالة. انتهى. قال الحطاب: يشهد لما حكاه السبكي حديث البخاري: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (٣)). ورواه أصحاب السنن، ورواه الطبراني بلفظ: (من لم يدع الخنا والكذب فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه (٤))، ذكره في الترغيب والترهيب (٥))، وحديث ابن ماجه، والنسائي: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع
стр. 2244
والعطش (١))، ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري وابن حبان في صحيحه. ذكره في الترغيب أيضا. وورد في الصحيحين عنه ﵊، أنه قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم (٢)). هذا لفظ البخاري. والرفث يراد به الجماع والفحش من القول، وخطاب الرجل المرأة فيما يتعلق بالجماع، وقال كثير من العلماء: المراد به في هذا الحديث الفحش وردي الكلام والصخب الصياح. واختلف في قوله ﷺ ، فليقل: إني صائم، فقيل: إنه يقوله بلسانه ويسمع ذلك للذي شاتمه لعله ينزجر، وقيل: يقوله بقلبه لِيَنْكَفَّ هو عن المشاتمة. قال النووي: والأول أظهر. انتهى.
قال الحطاب: وهو الذي يظهر من كلام ابن حبيب، وفي لفظ: (فإن شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم (٣)) ومعنى شاتمه أظهر شتمه متعرضا لمشاتمته وقال في العارضة في قوله ﵊ (إن جهل على أحدكم جاهل فليقل إني صائم (٤)): لم يختلفوا أنه يصرح بذلك في الفريضة واختلفوا في التطوع، والأصح أنه لا يصرح به وليقل لنفسه إني صائم، فَكَيْفَ أقول الرفث؟ وروى أبو داوود من أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقولن أحدكم إني قمت رمضان كله أو صمته) (٥) فلا أدري أكره التزكية، أو قال لابد من نومة أو رقدة؟ ولا بأس أن يقول الرجل إني صائم معتذرا، ولا يقوله متحدثا ولا متزينا، نقله الإمام الحطاب. وتعجيل فطر؛ يعني أنه يستحب تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب رفقا بالضعيف، ومخالفة لليهود المؤخرين وقت فطرهم على وجه التشديد، فيكره لذلك، وأما من أخره لأمر عارض أو اختيارا مع كمال صومه فلا يكره، ويندب كونه بالذي في خبر: (كان يفطر على
стр. 2245
رطبات فتمرات فإن لم يجد حسا حسوات من ماء (١)). انتهى. وحسا بالسين المهملة لا بمثلثة، لأن ذلك معنى آخر ليس بمراد هنا، وللشيخ أحمد المقري بتشديد القاف:
فطور التمر سُنَّهْ … رسول الله سَنَّهْ
ينال الأجر عبد … يحلّي منه سِنَّهْ
أي إن لم يكن رطب، وبعد التمر الماء. وقوله: سنة، الأول بضم السين أي طريقة لا مقابل الندب فقط، وكذا قول الرسالة: من السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور، وكذا قول القرطبية:
من سنن الصيام وقت الفطر … تعجيله بالماء أو بالتمر
وإنما قدم الماء للوزن كما في شارحها، وأسقط الرطب قبل التمر، قال شارحها: وإنما ندب التمر وما في معناه من الحلويات؛ لأنه يرد للبصر ما زاغ منه بالصوم، كما حدث به وهب فإن لم يكن فالاء لأنه طهور، ويقول عند فطره كما في الحديث: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله (٢)). فإن للصائم دعوة مستجابة، قيل: هي بين رفع اللقمة ووضعها في فيه، واستحب أبو الطيب من الشافعية كون التمر ثلاثا ولعل الرطب ثلاثا كذلك، ولم ينقل عندنا خلافه في علمي. قاله عبد الباقي. وهل المطلوب تعجيل الفطر قبل الصلاة أو بعدها؟ قال الحطاب: الباجي: لا خلاف بين أهل السنة أن تعجيل المغرب في أول الوقت مستحب؛ لأنها تصادف الناس متهيئين لها، ورفقا بالصائم الذي شرع له تعجيل الفطر، بعد أداء صلاته، وفي كتاب الصيام من الموطإ: وروى مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن: (أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا ثم يفطران بعد الصلاة وذلك في رمضان (٣))، وفي سنن أبي داوود: (كان رسول الله صلى الله
стр. 2246
عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يجد فتمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء (١)). قاله الحطاب. قال: فهذا الحديث يخالف كلام الباجي، وما تقدم عن الموطإ إلا أن يحمل هذا على الفطر بالشيء اليسير، وكلام الباجي وما في الموطإ على أن المراد به العشاء، وهذا هو الظاهر. ونقل ابن العربي أنه يستحب له تعجيل الفطر قبل الصلاة ولو بالماء.
وروى ابن عبد البر في التمهيد من أنس رضي الله تعالى ضنه: (رأيت رسول الله ﷺ لا يصلي حتى يفطر ولو على شربة ماء (٢))، (وكان ﷺ يفطر على شيء يسير قبل أن يصلي (٣))، قال الحطاب: وهذا هو الظاهر الذي عليه عمل الناس. انتهى. وسيأتي أنه يستحب الفطر قبل الصلاة. وفي النوادر: ولا ينبغي تأخير الفطر حتى يرى النجوم، ولا بأس لمن رأى سواد الليل أن يفطر قبل أن يؤذن ويصلى، وذلك إذا رأى سواد الليل قد طلع من موضع يطلع الفجر منه وتنبعث منه الظلمات.
وفي الحطاب عن بعض الشافعية: أن من كان بمكة يستحب له الفطر على ماء زمزم لبركته، فإن جمع بينه وبين التمر فحسن. قال الحليمي: والأولى أن لا يفطر على شيء مسته النار، وذكر فيه حديثا (٤)). وقال الجزولي: وإن كان عنده حلال ومتشابه أفطر بالحلال ولا يفطر بالمتشابه؛ لأنه جاء في الحديث: إن لله في كل ليلة من رمضان سبع مائة عتيق من النار إلا من اغتاب مسلما أو آذاه أو شرب خمرا أو أفطر على حرام. انتهى.
وفي سنن أبي داوود وابن السني عن معاذ بن زهرة، قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أفطر، قال: الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت (٥)). وفي كتاب ابن السني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: (كان النبي ﷺ إذا أفطر قال: اللهم لك
стр. 2247
صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم (١)). وقد مر أن الصائم يقول عند فطره، كما في الحديث: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله (٢)). وفي كتاب ابن السني وابن ماجة عن عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهما، قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول إن للصائم عند فطره لدعوة لا ترد (٣)). قال ابن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو إذا أفطر يقول: (اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي (٤))، زاد في الترغيب في رواية: أن تغفر لي ذنوبي. وفي الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم (٥)). قال الترمذي: حديث حسن، قال النووي: الرواية حتى بالمثناة فوق. انتهى.
قال الحطاب: ذكره في الترغيب، وذكر فيه رواية حين بالمثناة من تحت والنون. والله أعلم. وقال في العارضة في قوله ﵊: (للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه (٦))، الفرحة عند إفطاره بلذة الغذاء عند الفقهاء، وبخلوص الصوم من الرفث واللغو عند الفقراء، وفرحة عند لقاء ربه لا يرى من الثواب، وليس هذا الجزاء في الفرض وإنما هو لمن أكثر التطوع. انتهى. وما قاله من التخصيص غير ظاهر ولا يوافق عليه. قاله الحطاب. ونحوه للشبراخيتي عن بعض المحققين، وكره مالك الوصال ولو إلى السحر. اللخمي: هو إليه مباح، وإلى الليلة القابلة مكروه، لحديث: (من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر (٧)). انتهى. وقد (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال) (٨)). وفي الإكمال: قال بعض العلماء: الإمساك بعد الغروب، لا يجوز وهو كإمساك يوم الفطر ويوم النحر، وقيل ذلك جانز وله أجر الصائم. عياض:
стр. 2248
اختلف إذا حضرت الصلاة والطعام، فذهب الشافعي إلى تقديم الطعام، وذكر نحوه عن ابن حبيب، وحكى ابن المنذر عن مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون الطعام خفيفا. وفي الحطاب عن ابن ناجي: قلت: الأقرب ردهما إلى وفاق وهو البداءة بالصلاة إن لم يكن يتشوف للطعام فيكون الخلاف في حال، وبهذا التفصيل كان الشبيبي يفتي، وما ذكره عن عياض ذكره في الإكمال في شرح قوله ﷺ : (لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافع الأخبثين (١))، وقوله ﷺ : (إذا قُرِّبِ العَشاء وحضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب (٢)).
قال القاضي عياض: ووقع في غير مسلم في هذا الحديث زيادة حسنة تفسر المعنى؛ وهو قوله ﷺ : (إذا حضر العشاء وأحدكم صائم فابدءوا به قبل أن تصلوا (٣)). وذكر المازري عن شيخه نحوه، فقال لما ذكر الحديثين المتقدمين: معناه أن به من الشهوة إلى الطعام ما يشغله من صلاته، فصار ذلك بمنزلة الحقن الذي أمرنا بإزالته قبل الصلاة، وقال في الطراز: ومن بلغ به الجوع ثم حضر الطعام والصلاة فليبتدئ بقضاء حاجته من الطعام؛ لأنه يتفرغ بذلك للصلاة، فإن بدأ بالصلاة فإن كان باله مشغولا بحيث لا يدري ما صلى فيعيد أبدا، وإن كان دون ذلك ولكنه يُقلِقُه ويعجله فحسن أن يعيد في الوقت، وإن كان إنما تتوق نفسه إلى الطعام من غير أن يشتغل فلا شيء عليه.
الجزولي: إذا حضر الطعام والصلاة، فإن كان يخاف أن يشغله قدم الطعام، وإن علم أنه لا يشغله أفطر منه بشيء يسير وصلى؛ لأنه يستحب الفطر قبل الصلاة ولو بالماء.
تنبيه: قد علمت أن تعجيل الفطر مندوب كما مشى عليه المصنف، وقد مر كلام عبد الباقي على المصنف، وقال الحطاب: وما ذكره المصنف من الاستحباب صرح به اللخمي وغيره، وجعل ذلك في الرسالة سنة، فقال: ومن السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور، قال الشيخ أبو الحسن في الكبير، قال الحفيد: أجمعوا على أن من سنن الصوم تأخير السحور وتعجيل الفطر، وقال صاحب الجواهر:
стр. 2249
تعجيل الفطر سنة وتأخير السحور مستحب، والأمر في ذلك قريب، والأصل في ذلك ما ورد في الصحيحين أن رسول الله صلى القه عليه وسلم، قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر (١)).
وفي سنن الترمذي: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: (أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا (٢))، وروى مالك في الموطإ: (من عمل الناس تعجيل الفطر والاستيناء بالسحور (٣))، والمراد بتعجيل الفطر أن يكون ذلك بعد تحقق الغروب وعدم الشك فيه؛ لأنه إذا شك في الغروب حرم عليه الفطر اتفاقا، وفي النوادر: قال ابن نافع من مالك: وإذا غشيتهم الظلمة فلا يفطروا حتى يوقن بالغروب، وكذلك يستحب تأخير السحور ما لم يدخل إلى الشك في الفجر. قاله في المجموعة. انتهى. وتأخير سحور؛ يعني أنه يستحب تأخير السحور مع عدم الشك في الفجر، والسحور بالفتح: ما يتسحر به، وبالضم: اسم للفعل كالبخور بالفتح ما يتبخر به، وبالضم: الفعل وهو المراد هنا. كما قاله الشيخ إبراهيم. والفعل هنا هو الأكل في السحر، والسحر من نصف الليل الأخير إلى الفجر، وكلما تأخر كان أفضل، (فقد كان بين سحوره ﷺ والفجر قدر ما يقرأ القارء خمسين آية (٤)). كما في البخاري، وأشعر كلام المصنف بندب السحور وهو كذلك، فالسحور مندوب، وتأخيره مندوب ثان، فهما مندوبان.
وندب السحور، لخبر: (فصل ما بيننا وبين صوم أهل الكتاب أكلة السحر (٥))، ولخبر: (تسحروا ولو بجرعة من ماء (٦))، قال عبد الباقي: فكأنه قال: وسحور وتأخيره، وقال الشبراخيتي: وسكت المصنف عن حكم السحور، وهل هو سنة كما قاله عياض في قواعده أو مستحب كما قاله اللخمي وصاحب الإكمال حاكيا عليه إجماع الفقهاء؟ والأصل فيه خبر الصحيحين: (تسحروا فإن في السحور بركة) (٧)؛ والبركة تقويته على الصوم ونشاطه، وتخفيف المشقة، عليه والدعاء في السحر، واتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها.
стр. 2250
وروى ابن ماجه والحاكم في صحيحه وغيرهما أنه ﷺ ، قال: (استعينوا بالسحر على صيام النهار والقيلولة على قيام الليل (١))، ومن نظم الجلال السيوطي:
يا معشر الصُّوام في الحَرور … ومبتغي الجنة والأجور
تنزهوا عن رفث وزور … وإن أردتم غرف القصور
تسحروا فإن في السحور … بركة في الخبر المأثور
وفي حديث أبي هريرة: (ثلاثة لا يحاسب عليها العبد، أكلة السحور وما أفطر عليه وما أكل مع الإخوان (٢)). انتهى. وزاد بعضهم: وفضلة الضيف، لما نقل من بعض السلف أنه كان إذا جاء الأضياف يقدم لهم في وقت ما يقوم بنفقة شهر أو نحوه، فيقال له في ذلك، فيقول: قد ورد أن بقية الضيف لا حساب على المرء فيها، فكان لا يأكل إلا فضلة الضيف لأجل ذلك. قاله الشبراخيتي. وقد مر الحديث: (فصل ما بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكلة السحر (٣))، قال في الإكمال: صوابه بفتح الهمزة والرواية فبه بضمها، وبالضم إنما هو بمعنى اللقمة الواحدة، وبالفتح الأكل مرة واحدة وهو الأشبه هنا، والفصل بالصاد الفرق بين الشيئين. انتهى. قال ابن ناجي في شرحي المدونة والرسالة: قال التادلي: فيما ذكره نظر، والأشبه ما فيه الرواية لما فيه من التنبيه على قلة الأكل باللقمة الواحدة، بخلاف الأكل مرة واحدة، فإنه قد يكون فيه الطعام الكثير والشبع المذموم، انتهى.
وقال النووي: ضبطه الجمهور بفتح الهمزة وهي الرواية المشهورة في رواية بلادنا، وقال القاضي عياض: الرواية فيه بالضم، ولعله يريد في بلادهم. انتهى. قاله الحطاب.
وقد مر عنه أنه يستحب تأخير السحور ما لم يدخل إلى الشك في الفجر.
تنبيه: وقعت نازلة في بغداد في رجل حلف بالطلاق وهو صائم أن لا يفطر على حار ولا بارد، فأفتى ابن الصباغ إمام الشافعية بحنثه؛ إذ لابد له من أحدهما، وأفتى الشيرازي بعدم حنثه
стр. 2251
قائلا: إنه يفطر على غيرهما؛ وهو حصول الليل، لقوله ﵊: (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم (١))، وفتوى ابن الصباغ أشبه بمذهب مالك؛ لأنه يعتبر المقاصد، وفتوى الشيرازي صريح في مذهب الشافعي. انتهى. قاله الحطاب عن ابن ناجي. وفي الخرشي: فائدة: لو قُدِّرَ أن زمن الليل قَدْرُ ثلث ساعة، فإن بدءوا بالصلاة فاتهم الفطر، وإن بدءوا بالفطر فاتتهم الصلاة ودخل الفجر، فإنهم يبدءون بالفطر. انتهى. وصوم بسفر؛ يعني أن الصوم في السفر الذي يجوز فيه الإفطار أفضل من الإفطار، يريد لمن قوي على ذلك، وما مشى عليه المصنف هو المشهور، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ولشدة حرمة رمضان؛ لأن من أفطر فيه عليه الكفارة، بخلاف من أفطر في قضائه، وقد صرح في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم بأن مالكا استحب الصوم في السفر، وكره الإفطار فيه. وقوله: "وصوم بسفر"، خلافا لابن الماجشون القائل: يستحب الفطر، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ولحديث أبي داود: (ليس من البر الصيام في السفر (٢))، وروى بإبدال اللام ميما (٣) في الثلاثة. قاله غير واحد. وسيأتي ما فيه، ولحديث: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه (٤))، ولمالك في المختصر: ذلك واسع صام أو أفطر، وعن ابن حبيب: يستحب الإفطار إلا في سفر الجهاد. فتلك أربعة أقوال. وعلى المشهور فالحديث محمول على من كان يحصل له من الصوم مشقة شديدة، والآية على من قوي على الصوم، والفرق بين الفطر يكره في السفر والقصر يسن فيه مع أن كلا منهما رخصة مختصة بالسفر، أن القصر تبرأ معه ذمة المكلف بخلاف الفطر، وأيضا فإن صومه مع الناس أسهل من الانفراد في صومه غالبا، والدليل على أن الحديث فيمن يحصل له من الصوم مشقة شديدة ما في صدر الحديث: (أنه ﷺ رأى رجلا يظلل عليه، فقال ﷺ ذلك (٥)).
стр. 2252
فائدة: الحديث المذكور قد مر إبدال اللام فيه ميما في الثلاثة؛ وهو مسلم في البر، وأما في الصوم والسفر فقد نبة المحققون على أن إبدالها فيهما من لحن العامة من المحدثين. قاله الرهوني. انتهى. قوله: وعن ابن حبيب يستحب الإفطار لخ، قال الرهوني: الذي في المواق عن ابن حبيب عكس هذا وهو الصواب، ففي ابن يونس ما نصه: قال ابن حبيب: الصوم له أفضل إلا في الجهاد: فإن الفطر في سفره أفضل ليتقوى. انتهى المراد منه. ثم قال الرهوني: وقال ابن عرفة ما نصه: وفي رجحانه على الصوم، وعكسه ثالثها في سفر الجهاد، ورابعها سواء لابن الماجشون، والمشهور والصقلى عن ابن حبيب واللخمي عن سماع أشهب. انتهى منه بلفظه. انتهى المراد منه. وإن عدم دخوله بعد الفجر؛ يعني أن المسافر لا يجب عليه الصوم، وإن علم أنه يدخل وطنه بعد الفجر في أول النهار، بل هو باق على استحباب الصوم، فالمبالغة هنا لدفع توهم الوجوب. قاله الشارح وغيره. وقال الشبراخيتي: ولو قال: عقب الفجر كان أحسن. وصوم عرفة إن لم يحج: يعني أنه يندب لغير الحاج صيام يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وكذلك يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، فيندب صومه لغير الحاج، وأما الحاج فيكره له صوم كل منهما، والفطر في حقه أفضل فيهما للتقوي على الوقوف، ولأنه الوارد في الصحيح، ولأنه نهي عن صوم يوم عرفة بعرفة.
وفي الحديث عنه ﷺ : (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده (١)). رواه مسلم وأبو داوود. وصح عنه ﷺ (أنه كان في الحج يوم عرفة مفطرا) (٢): وفي المتيطية: ويكره للحاج أن يصوم بمنى وعرفة متطوعا؛ وهو حسن لغير الحاج؛ لأن بالحاج حاجة شديدة إلى تقوية جسمه لصعوبة العمل وكثرته في ذلك الوقت، وربما ضعف بالصوم فقصر من بعضه، فلذلك كره. انتهى، وقول المتيطية: بمنى؛ يعني يوم التروية. قاله الحطاب.
стр. 2253
وورد أن صيام يوم التروية كصيام سنة، وأن صيام يوم عرفة كصيام سنتين، وأن صوم يوم من سائر الأيام العشرة كصيام شهر. قاله الحطاب. وأما غير يوم التروية من أيام منى فالمطلوب فيه الإفطار كما يأتي، وفي حديث البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم (١))، وفي خبر أحمد ومسلم وأبي داود عن قتادة الأنصاري: (صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة) (٢)؛ يعني يكفر صغائر ذنوب صاحبه في السنة التي هو فيها والتي بعدها، بمعنى أن الله تعالى يحفظه أن يذنب فيها، أو يعطى من الثواب ما يكون كفارة لذنوبهما، قال صاحب العدة: وذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات. قاله الشيخ إبراهيم. وقال: وأما الحاج فيكره له صومه، لما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه [وأبو داود] (٣) والحاكم عن أبي هريرة أنه ﵊ (نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة (٤))؛ لأنه يوم عيد لأهل عرفة، فيكره صومه لذلك، وليقوى على الاجتهاد في الدعاء، (وصح أنه ﵊ كان مفطرا، وكذا عمر وعثمان (٥)).
ومثل يوم عرفة يوم التروية في استحباب صومه لغير الحاج وكراهته للحاج. وعشر ذي الحجة، بفتح الحاء وكسرها كما في الشبراخيتي وغيره، وكذا اللغتان في الحج كما قاله غير واحد؛ يعني أنه يستحب صيام عشر ذي الحجة لأنه روي أن صيام يوم منها كصيام شهر، هكذا قال في المقدمات. وقال في الذخيرة: روي أن صيام كل يوم منها يعدل سنة، قال في المقدمات: وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ أنها عشر ذي الحجة، وأن الشفع يوم النحر، وأن الوتر يوم عرفة. قاله الحطاب.
وقوله: "عشر ذي الحجة"، من عطف العام على الخاص، والمراد التسع؛ لأن العاشر هو يوم النحر صومه حرام، ففيه إطلاق الكل على الجزء، وندب صوم غير عرفة والتروية ولو لحاج، وعرفة لغير حاج كصيام سنتين، والتروية لغيره كسنة كما في الذخيرة، أو كشهر كما في الحطاب
стр. 2254
وغيرهما من بقية العشر صيام كل واحد منه كشهرين على ما للشارح، أو شهر على ما للحطاب أو سنة على ما للذخيرة. قاله عبد الباقي.
وقد ثبتت الفضلية لعشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة حتى قيل إنها أفضل من العشر الأخيرة من رمضان، لحديث: (ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أفضل منه في هذه (١))، والأظهر تخصيصه كما في الأمير، ويمكن أن يجتمع في عشر ذي الحجة أمهات العبادة؛ وهي الصلاة والصوم والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها، وهي مشتملة على يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر، وقوله: "وعشر ذي الحجة"، روى أبو داوود عن بعض أزواج النبي ﷺ أننها قالت. (كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة (٢))، وقد ثبت في صحيح البخاري أنه ﷺ ، قال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه (٣))؛ يعني العشر الأول من ذي الحجة.
وعلم مما مر أن غير الحاج يصوم تسعة أيام وهي الأُولُ من ذي الحجة، ولا يصوم العاشر وهو يوم النحر، وأن الحاج إنما بصوم سبعة يصوم السبعة الأول، ولا يصوم التروية ولا عرفة ولا يوم النحر، وقال أبو أمامة بن النقاش: فإن قلت أيهما أفضل عشر ذي الحجة أو العشر الأخير من رمضان. فالجواب أن عشر ذي الحجة أفضل لاشتمالها على اليوم الذي (ما رئي الشيطان في يومٍ غيرِ يوم بدر أدحر ولا أغيظ منه فيه وهو يوم عرفة (٤))؛ ولأنه يكفر بصيامه سنتين، ولاشتماله على أعظم الأيام حرمة عند الله تعالى؛ وهو يوم النحر الذي سماه الله تعالى: يوم الحج الأكبر، وليالي عشر رمضان الأخير أفضل لاشتمالها على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ومن تأمل هذا الجواب وجده شافيا كافيا، أشار إليه الفاضل المفضل بقوله: ما من أيام، دون أن يقول: ما من عشر ونحوه، ومن أجاب بغير هذا لم يدل بحجة صحيحة صريحة قط. انتهى. ولا يفهم من هذا الجواب أن ليالي عشر ذي الحجة لا فضيلة فيها، فإن أكثر المفسرين على أن المراد بقوله:
стр. 2255
﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾: العشر الأول من ذي الحجة، ولا شك أن الإقسام بها يقتضي اختصاصها بمزيد فضل، وهذا ظاهر. انتهى. قاله الحطاب. وعاشوراء؛ يعني أنه يندب صوم يوم عاشوراء؛ وهو اليوم العاشر من المحرم لا التاسع كما قيل به، ولا الحادي عشر كما قيل به وهو مردود، وإنما ندب صوم عاشوراء، لقوله ﷺ : (صوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله (١))، رواه مسلم وغيره، وفيه تيب على آدم، واستوت السفينة على الجودي، وفلق البحر لوسى، وأغرق فرعون، وولد عيسى، وأخرج يونس من بطن الحوت، ويوسف من الجب، وتيب على قوم يونس. وفي بعض كتب الوعظ أنه ﷺ ، قال لعمر: (إن الله خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والجنة في يوم عاشوراء، وخلق آدم فيه وأدخل الجنة فيه، وولد إبراهيم فيه ونجاه الله من النار فيه، ورفع عيسى إلى السماء فيه، ورفع فيه إدريس مكانا عليا، وأخرج يوسف من السجن فيه، وأعطي سليمان الملك فيه، وفيه كشف بصر يعقوب، وضر أيوب، وغفر لنبيه داوود فيه (٢))، وروي أنه يوم الزينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون، وأول مطر نزل من السماء كان يوم عاشوراء وفيه صامت الوحوش والهوام، لما رواه أبو موسى المديني أن رجلا أتى البادية في يوم عاشوراء فرأى قوما يذبحون ذبائح فأخبروه أن الوحوش صائمة، وقالوا له: اذهب بنا نرك فذهبوا إلى روضة وأوقفوه، فلما كان بعد العصر جاءت الوحوش من كل جهة وأحاطت بالروضة واقفة رؤوسها ليس شيء منها يأكل، حتى إذا غابت الشمس أسرعت جميعا فأكلت.
وأخرج الخطيبي في تاريخه مرفوعا أن: الصرد والطير صام يوم عاشوراء، وروي عن الخليفة القادر بالله أنه كان يبيت الخبز للنمل كل يوم فيأكله إلا يوم عاشوراء، ومثله مروي عن قثم رحمه الله تعالى، وتوقف عبد الحق في ثبوت ذلك، ولا يبعد أن يكون لها صوم خاص كما كان لبعض الأمم بترك الكلام. انظر الشبراخيتي. وفي الحطاب أن الإمام الشافعي، قال: إن عاشوراء اليوم التاسع من المحرم، وقال إمامنا مالك: والأكثر هو العاشر، وهو الذي تدل عليه الأحاديث كلها.
стр. 2256
وفي المقدمات: أفضل الأيام للصيام بعد رمضان عاشوراء، وكان هو الفرض قبل رمضان. الفاكهاني: في شرح الرسالة انظر تفضيل عاشوراء على يوم عرفة، وقد جاء في الصحيح (أن يوم عرفة يكفر السنة التي قبله والتي بعده (١))، (وأن عاشوراء يكفر التي قبله (٢)). والتكفير منوط بالأفضلية، فصن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل. قاله الحطاب. وقال ففي كلامه ميل إلى تفضيل عرفة وهو الظاهر، قال في التوضيح: وإنما كان يوم عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء يكفر سنة لأن يوم عرفة يوم محمدي، ويوم عاشوراء يوم موسوي. ولبعضهم:
صيام عاشورا أتى ندبه … في سنة محكمة ماضيه
قال النبي المصطفى إنه … تكفير ذنب السنة الماضيه
ومن يوسع يومه لم يزل … في عامة في عيشة راضيه
وقد ذكروا فيما يفعل فيه اثنتي عشرة خصلة وهي: الصلاة، والصوم، والصدقة، والاغتسال، والاكتحال، وزيارة عالم، وعيادة المريض، ومسح رأس اليتيم، والتوسعة على العيال، وتقليم الأظفار، وقراءة سورة الإخلاص ألف مرة، وصلة الرحم. ونظمها بعضهم، فقال:
صم صل صل زر عالما عد واكتحل … رأس اليتيم امسح تصدق واغتسل
وسع على العيال فلم ظفرا … وسورة الإخلاص ألفا تقرأ
قال الشيخ علي الأجهوري: وذيلتها ببيت ذكرت فيه أنه لم يرد شيء منها إلا الصيام والتوسعة على العيال، فقلت:
ولم يرد من ذي سوق الصوم كذا … توسعة وغير هذا انتبذا
стр. 2257
وممن قال بتوسيع النفقة على الأهل يوم عاشوراء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وجابر بن عبد الله، ومحمد بن المنتشر، وابنه، وأبو الزبير، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وسفيان بن عيينة، وغيرهم من المتأخرين. ورَوَى ما فيه استحباب ذلك من أئمة الحديث في كتبهم المشهورة، الطبرانيُّ في الكبير، والبيهقيُّ في الشعب: وابنُ عبد البر في الاستذكار، وغيرهم من أئمة الحديث.
وفي حديث شعبة [عن أبي] (١)، ابن الزبير عن جابر: أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته، قال: جربناه فوجدناه كذلك، وقال أبو الزبير مثله، وقال شعبة: مثله رواه ابن عبد البر في الاستذكار ورجاله رجال الصحيح، وروى الطبراني في الكبير من ابن مسعود مثله، وروي عن عمر بن الخطاب بإسناد جيد موقوفا: (من وسع على أهله ليلة عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة (٢))، وقد مر الحديث الذي رواه مسلم وغيره: (صوم عاشوراء أحْتَسِبُ على الله أن يكفر السنة التي قبله (٣))، وقد روى الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا: (من اكتحل يوم عاشوراء بالأثمد لم ترمد عينه أبدا (٤))، قال ابن حجر: موضوع أورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقال الحاكم: والاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن النبي ﷺ فيه أثر؛ وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين.
وقال الشيخ زروق في شرح القرطبية: فيوسع يومه وليلته من غير إسراف ولا مراءاة ولا مماراة، وقد جرب ذلك جماعة من العلماء فصح، وقال ابن حبيب: يستحب في يوم عاشوراء التوسعة على العيال، وفي المدخل: والتوسعة فيه أي في يوم عاشوراء؛ أي على الأهل والأقارب واليتامى والمساكين، وزيادة النفقة والصدقة مندوب إليها بحيث لا يُجْهَدُ لكن بشرط عدم التكلف، وأن لا يصير ذلك سنة يستن بها لابد من فعلها. وكان بعض العلماء يتركون النفقة فيه لينبهوا على أنها ليست بواجبة، ومما أحدثوا فيه من البدع زيارة القبور، وزيارة القبور في هذا اليوم بدعة مطلقا للرجال والنساء، ومن البدع التي أحدثتها النساء فيه دخول
стр. 2258
الجامع العتيق بمصر، واستعمالهن الحناء في هذا اليوم على كل حال، فمن لم تفعلها منهن فكأنها ما قامت بحق هذا اليوم، ومن ذلك البخور، فمن لم تشتره منهن في ذلك اليوم وتتبخر به فكأنها ارتكبت أمرا عظيما. قاله الحطاب.
وقال القباب: قال القاضي أبو الفضل في المشارق: عاشوراء اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية. قاله ابن دريد. انتهى. قاله الحطاب.
واعلم أن المشهور أن عاشوراء كغيره، فلا يصح صومه إلا بنية من الليل، والشاذ لابن حبيب صحة صومه بنية من النهار. قاله الحطاب. وتاسوعاء؛ يعني أنه يستحب صوم تاسوعاء؛ وهو اليوم التاسع من المحرم، لما في صحيح مسلم أنه ﵊، قال: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع (١))، فلم يأت العام القابل حتى توفي ﷺ ، ولأنه قد تقدم أنه اختلف في يوم عاشوراء: هل هو التاسع أو العاشر؟ وقال ابن رشد: من أراد أن يتحراه صامهما، وبقي على المصنف من الأيام التي ورد الترغيب في صومها: ثالث المحرم، فيه دعا زكرياء ربه فاستجيب له، والسابع والعشرون من رجب؛ لأن فيه بعث محمد ﷺ ، والخامس والعشرون من ذي القعدة لأن فيه أنزلت الكعبة على آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ومعها الرحمة، ونصف شعبان ذكره ابن عرفة لا ذكر أن مما ورد الترغيب في صومه شعبان، فقال: خصوصا يوم نصفه، ومَا مَرَّ من أن السابع والعشرين من رجب بعث فيه سيد الوجود ﷺ قَالَه في التوضيح. واعترضه المسناوي بأن المعروف أن البعثة كانت في ربيع الأول أو في رمضان على خلاف بين أهل التاريخ، ووفق بينهما بأن الرؤيا كانت في ربيع الأول وملاقاة الملك كانت في رمضان، والقول بأنها كانت في رجب إما ضعيف جدا أو غير صحيح. نقله محمد بن الحسن.
ومن الأيام المرغب في صيامها: يوم الخميس، ويوم الاثنين نص على ذلك اللخمي وابن رشد، قال في المقدمات: (كان رسول الله ﷺ يصوم يوم الاثنين والخميس، وقال: إن
стр. 2259
الأعمال تعرض على الله فيهما، وأنا أحب أن يعرض عملي على الله سبحانه وأنا صائم (١))، فصيامهما مستحب. قاله الحطاب.
وقال الشيخ زروق: صيام يوم المولد كرهه بعض من قرب عصره ممن صح علمه وورعه، قائلا إنه من أعياد المسلمين، فينبغي أن لا يصام فيه. انتهى. ولعله يعني ابن عباد، فقد قال في رسالته الكبرى: وأما المولد فالذي يظهر أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم، وكل ما يفعل فيه مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشمع، وإمتاع البصر والسمع، والتزين بلبس فاخر الثياب، وركوب فاره الدواب، أمر مباح لا ينكر على أحد، قياسا على غيره من أوقات الفرح.
والحكم بكون هذه الأشياء بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سر الوجود، وارتفع فيه علم الشهود، وانقشع بسببه ظلام الكفر والجحود، وادعاء أن هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإيمانْ، ومقارنة ذلك بالنيروز والمهرجانْ، أمر مستثقل تشمئز منه القلوب السليمهْ، وتدفعه الآراء المستقيمهْ، ولقد كنت -فيما خلا من الزمان- خرجت يوم مولد إلى ساحل البحر، فاتفق أن وجدت هنالك سيدي الحاج بن عاشر رحمه الله تعالى وجماعة من أصحابه، وقد أخرج بعضهم طعاما مختلفا ليأكلوه هنالك، فلما قدموه لذلك أرادوا مني مشاركتهم في الأكل، وكنت إذ ذاك صائما، فقلت لهم: إني صائم، فنظر إلى سيدي الحاج نظرة منكرة، وقال لي ما معناه: إن هذا اليوم يوم فرح وسرور، ويستقبح في مثله الصيام بمنزلة العيد، فتأملت كلامه فوجدته حقا وكأني كنت نائما فأيقظني. قاله الحطاب. والمحرم؛ يعني أنه يستحب صوم المحرم لخبر مسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم (٢))، وقال ابن عطية: قال قتادة: اصطفى الله تعالى من الملائكة جبريل، ومن الشهور المحرم ورمضان، ومن البقاع المساجد، ومن الأيام الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الكلام ذكرَه، فينبغي أن يعظم ما عظم الله تعالى، فإن قيل إذا تقرر أن أفضل الصيام بعد رمضان صيام المحرم، فكيف كان أكثر صيامه ﷺ في شعبان
стр. 2260
فإنه كان يصومه أو إلا قليلا؟ فالجواب أنه ﷺ لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر عمرد قبل التمكن من صومه، أو لعله كانت تعرض له فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه من مرض أو سفر. قاله بمعناه النووي. قاله الشبراخيتي.
وفي الخرشي: وثبت عنه ﷺ أنه سمى المحرم شهر الله (١))، قال السيوطي: سئلت لم خص الله تعالى المحرم بشهر الله دون سائر الشهور مع أن فيها ما يساويه في الفضل ويزيد عليه كرمضان، ووجدت ما يجاب به أن هذا الاسم إسلامي دون سائر الشهور، فإن أسماءها كلها على ما كانت عليه في الجاهلية.
وكان اسم المحرم في الجاهلية صفر الأول، والذي بعدد صفر الثاني، فلما جاء الإسلام سمى الله تعالى المحرم، فأضيف إليه بهذا الاعتبار وهي إضافة تخصيص وتشريف، كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾، وكقولهم في الكعبة بيت الله. ورجب؛ يعني أنه يستحب صيام رجب وأمثل ما ورد فيه ما رواه النسائي من حديث أسامة بن زيد، قلت: (يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان (٢))، ففيه إشعار بأن في رجب مشابهة برمضان، وأن الناس يشتغلون فيه من العبادة بما يشتغلون في رمضان ويغفلون عن نظير ذلك في شعبان؛ ولذلك كان يصومه، وفي تخصيص ذلك بالصوم إشعار بفضل صيام رجب، وأن ذلك كان من المعلوم المقرر لديهم، ومن ذلك ما رواه أبو داوود أنه ﵊ قال لبعض أصحابه: (صم من [الحُرُم] (٣) واترك، صم من [الحرم] (٤) واترك، صم من [الحرم] (٥))، واترك، وقال بأصابعه الثلاث فضمها وأرسلها (٦))، ففي هذا الخبر وإن كان في إسناده من لا يعرف ما يدل على استحباب صيام بعض رجب؛ لأنه أحد الأشهر الحرم. قاله الحطاب.
стр. 2261
وقال محمد بن الحسن: واعترض الحطاب ذكر المصنف لرجب بما نقله عن ابن حجر؛ بأنه لم يرد في فضل رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين حديث يصلح للحجة به، ولذا قال المواق: ولو قال المصنف والمحرم وشعبان لوافق المنصوص. انتهى.
وفي الحطاب: وأما الأحاديث الواردة في فضل رجب، أو في فضل صيامه، أو في فضل صيام شيء منه صريحة فهي على قسمين: ضعيف وموضوع، فمن الضعيف: إن في الجنة نهرا يقال له رجب ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر، وله شاهد باطل وهو أن في الجنة نهرا يقال له رجب ماؤه الرحيق من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا أعده الله لصوّام رجب، ومنه ما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ لم يصم بعد رمضان إلا رجبا وشعبان، ومنه أنه ﷺ كان إذا دخل رجب، قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا لرمضان.
ومن الأحاديث الباطلة: رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي. وفي رواية وقع فيها طول وزيادات من جعلة تلك الزيادات، فمن صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر، وأسكنه الفردوس الأعلى إلى آخره.
ومن الأحاديث الباطلة أيضا: فضل رجب على الشهور كفضل القرآن على الأذكار، وفضل شعبان على الشهور كفضل محمد ﷺ على سائر الأنبياء، وفضل رمضان على سائر الشهور كفضل الله على عباده.
ومنها: من صلى المغرب في أول ليلة من رجب ثم صلى بعدها عشرين ركعة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد مرة، ويسلم فيهن عشر تسليمات، أتدرون ما ثوابه؟ فإن الروح الأمين جبريل علمني ذلك، قال راوي الحديث وهو أنس: قلت الله ورسوله أعلم، قال: حفظه الله في نفسه وأهله وماله وولده، وأجير من عذاب القبر، وجاز على الصراط كالبرق بغير حساب ولا عذاب، وهذا حديث موضوع. وكذا الحديث الذي فيه رجب شهر الله لأنه مخصوص بالمغفرة، وفيه تحقن الدماء، وفيه تاب الله على أنبيائه، وفيه أنقذ أولياءه من يد أعدائه الخ. ومنها حديث: من صام ثلاثة أيام من رجب كتب الله له صيام شهر، ومن صام سبعة أيام أغلق
стр. 2262
عنه سبعة أبواب النار، ومن صام ثمانية أيام فتح الله له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام نصف رجب كتب الله له رضوانه، ومن كتب الله له رضوانه لم يعذبه، ومن صام رجبا كله حاسبه الله حسابا يسيرا. ومنها: إن شهر رجب شهر عظيم من صام يوما منه كتب الله له صوم ألف سنة، ومن صام مند يومين كتب الله له صوم ألفي سنة، ومن صام منه ثلاثة أيام كتب الله له صوم ثلاثة آلاف سنة، ومن صام منه سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية فيدخل من أيها شاء، ومن صام منه خمسة عشر يوما بدلت سيئاته حسنات ونادى مناد من السماء قد غفر الله لك فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله وهو حديث موضوع. ومنها حديث: من فرج من مؤمن كربة في رجب أعطاه الله في الفردوس قصرا مد بصره، أكرموا رجبا يكرمكم الله بألف كرامة ولا أصل له، بل اختلقه السقطى. ومنها حديث: رجب من الأشهر الحرم، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يوما وَجَوَّدَ صيامة بتقوى الله نطق الباب ونطق اليوم، فقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفرا له. رواد النقاش. ومنها حديث: من صام يوما من رجب كان كصيام سنة، ومن صام سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم؛ ومن صام ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة ومن صام عشرة أيام لم يسئل الله شيئا إلا أعطاه، ومن صام خمسة عشر يوما نادى مناد من السماء قد غفر لك ما تقدم فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله، وفي شهر رجب حمل نوح في السفينة فصام، وأمر من معه أن يصوموا شكرا لله وجرت السفينة بهم فاستقرت على الجودي في يوم عاشوراء، وفي رجب تاب الله على آدم وعلى مدينة أهل يونس، وفيه فلق البحر لموسى، وفيه ولد إبراهيم وعيسى.
ومن الأحاديث الضعيفة حديث: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم، رجب لا يقارنه أحد من الأشهر. ولذلك يقال له: شهر الله والأصم وثلاثة أشهر متواليات؛ يعني ذا القعدة وذا الحجة والمحرم، ألا وإن رجبا شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، فمن صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان
стр. 2263
الله الأكبر، وأسكنه الفردوس الأعلى، ومن صام من رجب يومين فله من الأجر ضعفان، وإن كل ضعف مثل جنان الدنيا، ومن صام من رجب أربعة أيام عوفي من البلاء من الجنون والجذام والبرص ومن فتنة المسيح الدجال ومن عذاب القبر، وهو حديث طويل ورد من طرق، وفي بعضها زيادة على بعض؛ ففي بعضها: خيرة الله من الشهور شهر رجب.
واعلم أنه اشتهر أن أهل العلم يتسامحون في إيراد الأحاديث في الفضائل وإن كان فيها ضعف ما لم تكن موضوعة، وينبغي مع ذلك اشتراط أن يعتقد العامل (١) كون ذلك الحديث ضعيفا، وأن لا يشهر ذلك ليلا يعمل المرء بحديث ضعيف، فيشرع ما ليس بشرع ويراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله ﷺ : (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين (٢))، فكيف بمن عمل به؟ ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل إذِ الكُلُّ شرع. نقله الحطاب. وأخرج ابن ماجة في سننه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب (٣))، وليس بالقوي، وكان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله ليلا يتخذ عيدا وإسناده صحيح، وكان عمر يضرب أيدي الرجال في رجب إذا رفعوها عن الطعام حتى يضعوها فيه، ويقول: إنما هو موسم كان أهل الجاهلية يعظمونه. ابن حجر: هذا النهي منصرف لمن يصومه معظما لأمر الجاهلية، فمن صامه لقصد الصوم في الجملة من غير أن يجعله حتما أو يخص منه أياما معينة يواظب على صومها أو ليالي معينة يواظب على قيامها، بحيث يظن أنها سنة فهذا من فعله مع السلامة مما استثني، فلا بأس به، فإن خص ذلك أو جعله حتما فهذا محظور؛ وهو في المنع بمعنى قوله ﷺ : (لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام (٤)). رواه مسلم وإن صامه معتقدا أن صيامه أو صيام شيء منه أفضل من صيام غيره، ففي هذا نظر ويقوي جانب المنع ما في الصحيح
стр. 2264
عن ابن عباس: (ما رأيت رسول الله ﷺ يتحرى صوم يوم يفضله على غيره إلا يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان (١)). نقله الحطاب.
وحاصل ما لهم هنا أن صوم رجب مندوب حيث لم يكن هناك مانع كتعظيم أمر الجاهلية، وأنه لا إثم على من صامه كله، وأما حديث: إن جنهم تسعر من الحول إلى الحول لصوام رجب فغير صحيح ولا تحل روايته، وأنه يلزم ناذره، ويكفي في ندب صومه ما ورد من النصوص في فضل الصوم مطلقا، والحديث الوارد في سنن أبي داوود في صوم الأشهر الحرم، وقد تقدم في فضل الصوم ما فيه كفاية.
وللدميري رحمه الله تعالى:
تتميم الأصب صومه ندب … لكل قادر وبالنذر يجب
وأحمد كرهه إذا انفرد … والمانع المُطْلِق قوله يرد
والنهيَ عنه قد روى ابن ماجه … وضعفه استبان في الديباجه
والشيخ عز الدين قال من نهى … عن صومه في كل حالة سها
وشَدَّد النكير في الرد عليه … وقال لا يرجع في الفتوى إليه
إذ الذين نقلوا الشريعه … ما كرهوا صيامه جميعه
وفي عموم طلب الصوم اندرج … وزال عن صائمه به الحرج
وابن الصلاح قال من روى رجب … فيه عذاب صائميه قد وجب
غير صحيح لا تحل نسبته … إلى رسول الله ضل مثبته
ففي عموم الفضل للصوم نصوص … تدل لاستحبابه على الخصوص
قوله: الأصبُّ هو رجب، وله ستة عشر اسما: رجب لأنه كان يرجب في الجاهلية أي يعظم أو لترك القتال فيه، يقال: أقطع الرجب، والأصم لأنه لا تسمع فيه قعقعة السلاح، والأصب
стр. 2265
بموحدة لأنهم كانوا يقولون إن الرحمة تصب فيه، ومنها رجم بالميم لأن الشياطين ترجم فيه، والشهر الحرام، والهرم لأن حرمته قديمة، والمقيم لأن حرمته ثابتة، والمعلى لأنه رفيع عندهم، والفرد وهو اسم شرعي، ومنصل الأسنة، ومنصل الأَلِّ أي الحرب، ومنزع الأسنة. وشهر العتيرة لأنهم كانوا يذبحونها فيه، والبدي، والمشعشع، وشهر الله.
وذكر بعض القُصَّاصِ أن الإسراء كان في رجب وهو كذب. نقله الحطاب. وقال: ذكر ابن عرفة في الأشهر المرغب في صومها شوالا، ولم أره في كلام غيره من أهل المذهب، لكن وقفت في جمع الجوامع للجلال السيوطي على حديث ذكره فيه، ونصه: (من صام رمضان وشوالا والأربعاء والخميس دخل الجنة (١)). قال المناوي في شرحه عن الذهبي: ورجاله ثقات. انتهى. قال محمد بن الحسن: الذي رأيته في الجامع الكبير وعليه شرح المناوي: (من صام رمضان وشيئا من شوال والأربعاء والخميس دخل الجنة (٢)). انتهى.
وهل أول الأشهر الحرم، المحرم وآخرها ذو القعدة فتكون كلها في عام واحد أو أولها ذو القعدة وآخرها رجب فتكون من عامين؟ اختلف في ذلك، والأول أولى، وفقه هذا الخلاف أن من نذر صيام الأشهر الحرم، يقال له على القول الأول: ابدأ بالمحرم، ثم برجب ثم بذي القعدة، ثم بذي الحجة، وعلى القول الآخر يقال: ابدأ بذي القعدة حتى يكون آخر صيامك في رجب من العام الثاني، قال معناه ابن عرفة، قال الحطاب: هذا لازم إن نذر أن يصومها مرتبة، وإلا فالظاهر أنه على جهة الأولى. والله أعلم. ومن قال المحرم هو الأول احتج بأنه أول السنة، ومن قال أولها ذو القعدة احتج بأن رسول الله ﷺ بدأبه حين ذكر الأشهر الحرم. وشعبان؛ يعني أنه يندب صوم شعبان لما رواه الإمام مالك والبخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل
стр. 2266
صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان (١)). وهذا لفظ الموطإ. قاله الحطاب.
وذكر بعض أهل العلم أن السبب في ذلك أنه كان ﷺ ربما حصل له الشغل عن صيام ثلاثة الأيام من كل شهر بسفر أو غيره، فيقضيها في شعبان، فلذلك كان يصوم في شعبان أكثر مما يصوم في غيره، ويقوي هذا التأويل ما رواه أبو داوود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن من أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ ، قال: (إذا دخل النصف من شعبان فلا يصومن أحد (٢))، وفي رواية: (إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام (٣))، وقد ذكر بعض أهل العلم أن معنى هذا النهي المبالغة في الاحتياط ليلا يختلط برمضان ما ليس منه (٤))، ويكون هذا بمعنى نهيه عن أن يتقدم أحد عن رمضان بيوم أو يومين. قاله الحطاب.
وفي خبر عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان (٥))، وفي رواية لمسلم: كان يصومه -يعني شعبان- إلا قليلا، وفي رواية: (كان يصومه كله) (٦) وفسر بأنه يصومه كله، في سنين؛ بأن يصوم في سنة من أوله، وفي أخرى وسطه، وفي أخرى من آخره. واعلم أن الشهور كلها مذكرة إلا جمادى.
تنبيه: ذكر الدميري في شرح سنن ابن ماجه عن الحليمي أنه لم يوجد لصوم رجب ذكر في الأصول المعروفة، سوى ما روي أن النبي ﷺ (سئل عن صوم رجب، فقال: أين أنتم من شعبان (٧))، وهذا يحتمل أن يكون معناه أن رجبا قد ظهر فضله فإنه من المحرم وكان معظما في الجاهلية، فلا تسئلوا عنه وسلوا عن شعبان، وحينئذ يجوز أن يكون صومه مستحبا،
стр. 2267
ويحتمل أن يكون معناه أنه منفصل عن رمضان وهو كالأشهر التي قبله، وإنما المتصل برمضان؛ والشبيه به من بعض الوجوه شعبان، فإن فيه ليلة النصف كما في رمضان ليلة القدر، فسلوا عنه لا عن رجب، قال الحليمي: وهذا أشبه؛ لأن ذا القعدة من الحرم، ولم يرد في صيامه شيء. قاله الحطاب.
وروى عبد الرزاق من زيد بن أسلم أن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت لامرأة ذكرت لها أنها تصوم رجبا: صومي شعبان فإن فيه الفضل، فقد ذكر لرسول الله ﷺ ناس يصومون رجبا، فقال رسول الله ﷺ : وأين هم من صيام شعبان؟. نقله الحطاب. وإمساك بقية اليوم لمن أسلم؛ يعني أن الكافر إذا أسلم في نهار رمضان، فإنه يستحب له الإمساك في بقية ذلك اليوم لتظهر عليه صفات الإسلام بسرعة، ولم يجب عليه الإمساك بقية اليوم لتأليفه للإسلام. قاله غير واحد. ما مشى عليه المصنف هو قول ابن القاسم وأشهب وعبد الملك وابن حبيب وابن خويز منداد؛ لأنه لما غفر الله له ما تقدم ساوى المجنون يفيق.
وقال الباجي: ومن قال أصحابنا بخطاب الكفار؛ وهو مقتضى قول مالك وأكثر أصحابه، أوجب عليه الإمساك. وهذا فيكون ظاهر المذهب وجوب الإمساك. القاضي عياض: وهو تخريج بعيد، ولو كان كذلك لما اختص باليوم الذي أسلم فيه عما قبله، ولا فرق بينه وبين ما سبقه لفوات صومه شرعا كاليوم السابق، ولو كان على ما قال لكان القضاء والإمساك واجبين على القول بخطابهم، ولم يقل بوجوب ذلك أحد من شيوخنا، وإنما استحب لتظهر عليهم صفات المسلمين في ذلك اليوم.
ونقل اللخمي عن أشهب في المجموعة أنه قال: لا يمسك بقية اليوم، قال: وعلى قوله لا يقضيه وهو أحسن؛ لأن الإسلام .. ما قبله. عياض: تخريج اللخمي ترك القضاء على القول بترك الإمساك، واستحبابه على استحباب الإمساك فيه نظر؛ لأنه لا يطرد؛ إذ الحائض ممنوعة من الإمساك والقضاءُ واجبٌ .. ، والناسي في الفرض مأمور بالإمساك وعليه القضاء، والمغمى عليه
стр. 2268
والمحتلم لا يمسكان ولا قضاء، والناسي لصومه يفطر في التطوع مأمورٌ بالإمساك ولا قضاء فلا ملازمة بينهما. نقله الحطاب.
وقال في مختصر الوقار: وكذلك الصبية تحيض في أول حيضتها في يوم من شهر رمضان؛ فإنه استحب لها قضاء ذلك اليوم. انتهى. نقله الحطاب أيضا. قال: وإذا بلغ الصبي أو الصبية وهو صائم فإنه يتمادى؛ لأن صومه انعقد نافلة ظاهرا وباطنا، فإن كان مفطرا فهو كالحائض. قاله سند. أي فلا يستحب له الإمساك ولا يجب عليه قضاء ما مضى من رمضان، ولا قضاء اليوم الذي بلغ فيه. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وإمساك بقية اليوم لمن أسلم فيه لتأليفه للإسلام، وإلا فالواجب عليه بمقتضى القاعدة السابقة في قوله: أو زوال عذر مباح الخ، وجوب الإمساك؛ لأنه لا يباح له الفطر مع العلم برمضان؛ لأن الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وكذا يقال في: وقضاؤه؛ يعني أن الكافر إذا أسلم في نهار رمضان، فإنه يستحب له أن يمسك عن المفطرات بقية ذلك اليوم -كما مر- ولا يجب عليه، ويندب له أيضا قضاء ذلك اليوم الذي أسلم فيه، ولا يجب عليه ترغيبا له في الإسلام. وقوله: "وقضاؤه"، ظاهره أنه يندب له قضاء ذلك اليوم الذي أسلم فيه، سواء أمسك بقيته أم لا. وتعجيل القضاء؛ يعني أنه يندب لمن أفطر رمضان أو شيئا منه أن يعجل قضاء، ذلك لأن المبادرة إلى الله تعالى أولى من التأخير، وإبراء الذمة من الفرائض أولى، وليخرج (١) من خلاف من يقول إنه على الفور، ومن يقول إنه يقضي متتابعا. انظر الشبراخيتي.
وفي الخرشي عند قوله "وتعجيل القضاء": أي وندب تعجيل القضاء لما ترتب في الذمة [من كل] (٢) صوم موسع في قضائه رمضان أو غيره لمبادرته بالطاعة في أول وقتها كالصلاة المؤداة في الوقت المتسع، وأما ما ضيق في وقته كقضاء ما فات لعذر من كفارة متتابعة كظهار، فواجب تعجيله ووصله، ويستحب البدء بقضاء رمضان الأول إن ترتب عليه اثنان، ففي النوادر: إذا لم يزل مريضا من الأول إلى انقضاء الثاني فليبتدئ إذا أفاق بالأول، فإن بدأ بالثاني أجزأه. انتهى. ونقله
стр. 2269
الحطاب. ومتابعته؛ يعني أنه كما يستحب تعجيل القضاء، يستحب أن يكون متتابعا لأن في القضاء متفرقا خلاف ما ندب إليه من المبادرة بالقضاء لتراخي الآخر عن الأول.
أخرج المنذري والدارقطني وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة، قالت: نزلت: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ متتابعات، فسقطت متتابعات، قال البيهقي: أي نسخت. قاله الشبراخيتي.
وبما قررت علم أن قوله: "وتعجيل القضاء ومتابعته"، مندوبان. ككل صوم لم يجب تتابعه؛ يعني أن من عليه صوم، لا يلزمه أن يتابعه، فإنه يندب له أن يتابعه ككفارة اليمين ثلاثة أيام، فإن فرقها أجزأه وبيس ما صنع، وكصيام الجزاء والتمتع وثلاثة أيام في الحج، قال مالك: ما ذكره الله تعالى من صيام الشهور فمتتابع، وأما الأيام مثل: قضاء رمضان، وكفارة اليمين، وصيام الجزاء والمتعة، وصيام ثلاثة أيام في الحج، فأحب إلي أن يتابع ذلك كله، فإن فرقه أجزأه، وأما الصوم الذي يلزم تتابعه فيلزم تتابع قضائه أيضا. وبدء بكصوم تمتع؛ يعني أنه يندب لمن عليه صوم تمتع وقضاء رمضان، أن يبدأ بصوم التمتع قبل قضاء رمضان، ومثل صوم التمتع صوم القِرَانِ فيبدأ به قبل قضاء رمضان، وكذا كل صوم ترتب من نقص في حج، فإنه يندب له أن يبدأ به قبل قضاء. رمضان.
وعلم مما قررت أنه دخل بالكاف صوم القِرَان وكل نقص في حج، والله سبحانه أعلم. إن لم يضق الوقت؛ يعني أن محل ندب البدء بكصوم التمتع إنما هو حيث لم يضق الوقت على قضاء رمضان، وأما إن ضاق الوقت على قضاء رمضان فإنه لا يستحب تقديمه، بل يجب تقديم قضاء رمضان حينئذ. وقوله: "وبدء بكصوم تمتع"؛ أي ليصل سبعته بالثلاثة التي صامها في الحج، فلو بدأ بقضاء رمضان [لفصل] (١)، به بين جزئي صوم التمتع، وهذه العلة قاصرة؛ لأن من لم يكن قدم صوم الثلاثة يندب له البدء بصومها مع السبعة قبل قضاء رمضان، والعلة المطردة هي أنه لما كان قضاء رمضان واجبا موسعا فيه مع حده بغاية وهي [قدرة] (٢))، بشعبان، وغيرُهُ واجبٌ؛ مطلقا لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ بيان لمبدإ فعله وهو غير محدود بغاية،
стр. 2270
فإن قلت: قوله في قضاء رمضان ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ غير محدود بغاية أيضا، قلت: فهمه الإمام لدليل آخر على ما إذا لم يفرط فيه حتى دخل رمضان آخر وإلا أطعم.
والحاصل أنه يجب تقديم القضاء إن ضاق وقته، وتقديم الثلاثة إن ضاق وقتها؛ يعني ويؤخر القضاء، فإن كان في الحج وبقي ثلاثة أيام وعليه ثلاثة أيام من رمضان، صام عن التمتع لأن الوقت تعين لها وهو وقت أدائها، بخلاف رمضان فإنه قضاء. قاله الأجهوري.
ويندب تقديم التمتع إن فات وقت الثلاثة وقد فعلها أو لم يفعلها، ويندب تقديم القضاء إن دخل عليه رمضان آخر، ويخير إن بقي من وقت الثلاثة ما يسع فعلها وفعل القضاء وكان يتم الصلاة، فإن كان يقصرها قدم التمتع لأن صوم رمضان وقضائه ساقط في السفر، فهذه خمسة أقسام، فبان من هذا أن محل قوله: "وبدء"، حيث قدم الثلاثة في وقتها مع انقضائه وأراد صوم السبعة أوَاخِر الثلاثة أيضا حتى انقضى وقتها وأراد صومها مع السبعة، وأما إن أراد قبل خروج وقت الثلاثة أن يصوم القضاء فليس فيه حالة ندب، وإنما فيه حالة وجوب أو تخيير.
وفي النوادر: وإذا كان عليه صيام ظهار وقضاء، بدأ بأيهما شاء إلا أن لا يدركهما قبل رمضان، فليبدأ بقضاء رمضان قبل نذره. قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم.
واعلم أن الصور سبع: إحداها أن يضيق وقت القضاء فيجب تقديمه، الثَّانِيَةُ أن يضيق وقت الثلاثة فيجب تقديمها، الثَّالِثَةُ أن يفوت وقت الثلاثة وقد فعلها فإنه يندب تقديم التمتع، الرَّابعَةُ أن يفوت وقت الثلاثة ولم يفعلها فإنه يندب تقديم التمتع الثلاثة والسبعة وهاتان هما قوله وبدء بكصوم تمتع الخ، الخَامِسَةُ أن يدخل عليه رمضان آخر فإنه يندب تقديم القضاء بعد مضي الحاضر، السَّادِسَةُ أن يبقي من وقت الثلاثة ما يسع فعلها وفعل القضاء وكان يتم الصلاة فإنه يخير في تقديم أيهما شاء فلا يندب تقديم واحد منهما، السَّابعَةُ إن يبقى من وقت الثلاثة ما يسع فعلها وفعل القضاء وكان يقصر الصلاة فإنه يقدم التمتع. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. وفدية لهرم وعطش؛ يعني أن الهرم بكسر الراء إذا كان لا يقدر على الصوم في زمن من الأزمنة، فإنه يُستحب له الفدية وهي الكفارة الصغرى مد عن كل يوم يفطره، وأما إن قدر على الصوم في زمن من الأزمنة فإنه يؤخر إليه ولا فدية عليه حينئذ لا وجوبا ولا ندبا، والهرم
стр. 2271
الشيخ الكبير، وكذلك العطش بكسر الطاء إذا كان لا يقدر على الصوم في زمن من الأزمنة، وأما إن قدر على الصوم في زمن من الأزمنة فإنه يؤخر إليه ولا فدية عليه حينئذ لا وجوبا ولا ندبا. وقوله: "وفدية لهرم وعطش" سواء في ذلك الذكر والأنثى، وفي مختصر الوقار: ولا بأس أن يشرب المتعطش إذا بلغ الجهد منه، ولا يعد الشرب إلى غيره ولا قضاء عليه قاله الحطاب.
وقد علمت أنه خلاف المشهور كما مر عند قول المصنف: "كمضطر"، ولهذا اعترض الرماصي اقتصار الحطاب عليه؛ بأنه يوهم أنه المذهب مع أنه معارض بقول المصنف، وبما نقله الحطاب نفسُه هناك، وتخصيصي الفدية المندوبة بالهرم والعطش اللذين لا يقدران على الصوم في زمن صحيح، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فالوجوب إنما هو لمن قدر على الصوم، وفرط فيه حتى دخل عليه رمضان آخر كما يأتي في قول المصنف: "وإطعام مده ﷺ لمفرط" الخ، وقوله: "وفدية لهرم وعطش"؛ أي ولا يلزمه الصوم لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. انظر الشبراخيتي.
وقال التتائي: وما ذكره المؤلف من الاستحباب شهره ابن عبد السلام، وقول ابن الحاجب: لا فدية على المشهور ظاهره نفي الوجوب والاستحباب تعقبه المؤلف بنقل ابن الجلاب، والرسالة الاستحباب، وبنقل ابن بشير الوجوب. وصوم ثلاثة من كل شهر؛ يعني أنه يستحب صوم ثلاثة أيام من كل شهر غير معينة، لخبر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أوصاني خليلي بثلاثة لا أدعهن، بالسواك عند كل صلاة، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام (١))، ولخبر عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان رسول الله ﷺ لا يعين (٢))، وما مر من أن الثالثة السواك لعبد الباقي. قال الرهوني: انظر من ذكر هذا عن أبي هريرة فإني لم أجده بعد البحث عنه، والمحفوظ عن أبي هريرة أن الثالث ركعتا الضحى لا السواك، هكذا في الصحيحين والمنذري، وعزاه للبخاري ومسلم وأبي داوود والترمذي والنسائي وابن خزيمة، قال عبد الباقي:
стр. 2272
وكان إمامنا مالك رحمه الله تعالى يصوم أول يوم من الشهر وحادي عشرة وحادي عشريه كما في التتائي، لا أوله وعاشره ويوم عشريه كما في الشارح عن المقدمات، والأول أيضا أنسب لجعل كل حسنة بعشر أمثالها. انتهى.
قوله: لا أوله وعاشره ويوم عشريه كما في الشارح عن المقدمات، مثل ما في الشارح في الحطاب عن المقدمات والذخيرة، والعجب كيف يكون ما في التتائي أرجح مما في المقدمات. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "وصوم ثلاثة من كل شهر"، قال الخرشي وغيره: أي زيادة على الخميس والاثنين لأنهما مستحبان مستقلان، وقال الحطاب: وروي أن صيام الغر وهي أول يوم ويوم عشر ويوم عشرين صيام الدهر، وأن ذلك صوم مالك رحمه الله تعالى. انتهى. والذي عليه المعول عن مالك عدم التعيين. انظر الرهوني. وكره كونها البيض؛ يعني أن الإمام مالكا كره أن تجعل الأيام الثلاثة المذكورة في قوله: "وصوم ثلاثة من كل شهر"؛ أيام الليالي البيض، وهي ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر مخافة اعتقاد الجاهل وجوبها، وفرارا من التحديد، وإن كان الحديث بها ثابتا لخبر الترمذي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر (١))، وأما حديث: إن آدم لما أهبط من الجنة سودت الشمس جسده فلما تيب عليه أمره بصيامها فابيض في اليوم الأول ثلثه، وباقيه في تالييه فهو ضعيف إن لم يكن باطلا.
وبما قررت علم أن المصنف حذف المضاف إلى الموصوف، والموصوف لأنه حذف أيام المضافة إلى الليالي الموصوفة، وأقام الصفة مقام ذلك فالبيض صفة للليالي لا للأيام؛ لأن الأيام كلها بيض والذي يصام إنما هو الأيام لا الليالي: وقوله: "وكره كونها البيض"، محل الكراهة إن قصد تعيينها، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان رسول الله ﷺ لا يعين (٢)). انتهى. وأما لو صامها على سبيل الاتفاق فلا كراهة، وما ذكره المصنف من كراهة صومها هو
стр. 2273
المشهور من مذهب مالك، ومقابله ما روي عن مالك من صومه لها، وحضه لهارون الرشيد على صيامها، ولم يعمل به أصحاب مالك.
وقال ابن الحاجب: وورد صوم ثلاثة من كل شهر، وروت عائشة: كان لا يعين، وروى أبو الدرداء: الأيام البيض، واستحب القابسي من أول الشهر. قال في التوضيح: ورد ثلاثة أيام مطلقة ومقيدة، فروت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه ﷺ (كان لا يبالي من أي الشهر صام (١))، وروى أبو الدرداء (الأيام البيض، وهي: صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة (٢)). وروي (أنه كان يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام (٣))؛ وهو يشهد للقابسي، واختار بعضهم الأول والحادي عشر والحادي والعشرين. انتهى. كستة من شوال؛ يعني أن الإمام مالكا رضي الله تعالى عنه كره صوم ستة من شوال، قال ابن الحاجب: وكره مالك صيام ستة بعد يوم الفطر وإن ورد للعمل، قال في التوضيح: أشار بقوله: وإن ورد، لما في مسلم (من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر (٤))، قال في [الموطإ] (٥): لم أرَ أحدا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك من أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء، [لو رأوا] (٦) في ذلك رخصة عند أهل العلم. انتهى.
وقال في المقدمات: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر، فكره مالك رحمه الله تعالى ذلك مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء، وأما الرجل في خاصة نفسه فلا يكره له صيامها. قاله الحطاب. وقال صاحب المدخل: رحم الله تعالى مالكا: لقد وقع ما خافه، جعلوا للفطر منها عيدا سموه عيد الأبرار، ولعمري هو أحق بأن يسمى عيد الفجار. انتهى. قاله الشبراخيتي.
стр. 2274
وقال في العارضة: وصل الصوم بأوائل شوال مكروه جدا؛ لأن الناس صاروا يقولون نشيع رمضان، وكما لا يتقدم لا يشيع، ومن صام رمضان وستة أيام كمن صام الدهر قطعا، لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾؛ يعني من شوال أو من غيره، وما كان من غيره أفضل، ومن أوسطه أفضل من أوله، وهو أبين وأحوط للشريعة وأذهب للبدعة، ورأى ابن المبارك والشافعي أنها من أول شوال ولست أراه، ولو عَلِمْتُ من يصومها من أول الشهر وملكت الأمر أدبته وشردت به لأن أهل الكتاب بمثل هذه الفعلة غيروا دينهم. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: قد مر قول ابن الحاجب: إن الأيام إنما يكره صومها للعمل، وقد مر تصريح الإمام بذلك في الموطإ، وإذا كان الأمر كذلك فيخف تهويل بعض الناس وتعظيمه لشأن ذلك، وقوله: إن المصنف خالف صريح الحديث، وذلك لأنه قد تقرر أن ما عليه عمل أهل المدينة يقدمه الإمام على خبر الآحاد، فقول ابن الحاجب للعمل يكفي حجة للإمام مالك. والله سبحانه أعلم. قوله في الحديث الشريف: فكأنما صام الدهر، المراد عمره. قاله الشبراخيتي.
واعلم أن الإمام مالكا استحب صيام الستة في غير شوال، وإن كان قد ورد الترغيب في ست من شوال خوفا من إلحاقها برمضان عند الجهال، وإنما عينه الشرع من شوال للخفة على المكلف لقربه من الصوم، وإلا فالمقصود حاصل في غيره، فيشرع التأخير جمعا بين المصلحتين.
وفي الحطاب: حمل تعيينها من شوال على التخفيف في حق المكلف لاعتياده الصيام لا تخصيص حكمها بذلك؛ إذ لو صامها في عشر ذي الحجة لكان ذلك أحسن لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة والسلامة مما اتقاه مالك. انتهى. وقوله في الحديث الشريف: فكأنما صام الدهر، فإن قيل يشترط في التشبيه المساواة [أو] (١)، المقاربة وهنا ليس كذلك والأجر على قدر العمل ولا مداناة بين عشر الشيء وكله، فالجواب أن المعنى: فكأنما صام الدهر لو كان من غير هذه الأمة، أشار له الحطاب، وهذا الأجر مختلف فخمسة أسداسه الناشئة من رمضان أعظم أجرا
стр. 2275
لكونها ثواب الواجب، وسدسه ثواب النفل، ولم يقل بستة وهو الأصل لوجوب تأنيث المذكر في العدد؛ لأن العرب تغلب الليالي على الأيام لسبقها. قاله الحطاب.
وقال عبد الباقي عند قوله: "كستة من شوال"، لمقتدى به متصلة برمضان متتابعة، وأظهرها معتقدا سنية اتصالها، فإن انتفى قيد من هذه الأربعة لم يكره. انتهى. وقوله: لمقتدى به، قال محمد بن الحسن: انظر التقييد به مع ما في المواق من أنه إنما كره مالك صومها لذي الجهل، وقال المازري: ولعل الحديث لم يبلغ مالكا. انتهى. وقوله، فكأنما صام الدهر، معناه كما تقدمت الإشارة إليه أن الحسنة بعشر أمثالها، فالشهر بعشرة أشهر، والستة بشهرين فكملت السنة، فإذا تكرر ذلك في السنين فكأنما صام الدهر، ونحو هذا يقال في صوم ثلاثة من كل شهر، وقال الأمير: وتخصيص شوال قيل ترخيص للمتمرن على الصوم حتى إنها بعده أفضل لأنها أشق، ولا شك أنها في عشر ذي الحجة أفضل فليتأمل. انتهى.
تنبيه: من مكروهات الصوم: الوصال، والدخول على الأهل، والنظر إليهن، وفضول الكلام والعمل، وإدخال الفم كل رطب له طعم، والإكثار من النوم بالنهار. نقله القاضي عياض، وابن جزي. قاله الحطاب وغيره.
وقال الخرشي: ويكره للضيف أن يصوم إلا بإذن رب المنزل، وقال الأمير عاطفا على مكروهات الصوم: وشم روائح. وذوق ملح؛ يعني أنه يكره للصائم أن يذوق ملحا ثم يمجه أي يرميه من فيه قبل وصوله أو ريقه لحلقه، فيكره له أن يذوق الملح في طعام مثلا لينظر هل اعتدل أم لا، ثم يمجه ولو لصانع يحتاج لذوقه لما فيه من التغرير، ونبه رحمه الله تعالى على ذلك؛ لأن ذوق الملح يحتاج إليه صانع الطعام غالبا، فربما يتوهم جوازه. قاله الشيخ إبراهيم. وكره أيضا ذوق خل وعسل ونحوهما. قاله عبد الباقي وغيره.
والذوق مصدر ذاقه، الجوهري: ذوق الطعام اختبار طيبه، يقال: ذاقه ذوقا وذواقا ومذاقا ومذاقة وأذقته أنا. وعلك، بكسر العين وسكون اللام كما في الرهوني والقسطلاني؛ يعني أنه يكره للصائم مضغ العلك والمراد به هنا كل ما يعلك أي يمضغ من تمر وغيره، ليطعمه صبيا مثلا ثم يمجه أي يرميه من فيه قبل وصوله للحلق، وليس المراد به خصوص الصمغ.
стр. 2276
وبما قررت علم أن قوله ثم يمجه، راجع لمسألتي الملح والعلك وأن العامل في قوله: "علك"، مضغ لا ذوق لعدم صحة تسلطه عليه، إلا أن يقال إن معنى ذوق: تناول، فيصح تسلطه عليه حينئذ، وقوله: "ثم يمجه" وجوبا فيما يظهر، وعليه فإن أمسكه في فيه ولم يبتلع منه شيئا حتى دخل وقت الغروب، هل يأثم لأنه مظنة وصول شيء منه إلى حلقه أم لا؟ قاله عبد الباقي. وفهم منه أن صومه صحيح؛ وهو ظاهر. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه.
وقال في المدونة: ويكره له ذوق الملح والطعام ومضغه وإن لم يدخل إلى جوفه ومضغ العلك. أبو الحسن: ليداوي به شيئا؛ يدل عليه مقارنته مع ما قبله ويعني أيضا إذا مضغه مرة، وأما لو مضغه مرارا ويبتلع ريقه فلا شك أنه يفطر؛ لأنه يبتلع بعض أجزائه. قاله الحطاب.
وقال بعد جلب كلام: حاصله أنه إذا ابتلع ريقه فإنه يفطر -والله أعلم- وقال ابن نافع عن مالد: وأكره للصائم مضغ الطعام للصبي ولحس المداد، فإن دخل جوفه منه شيء فليقض، ومن صام من الصبيان فليجتنب ذلك كله، ولا يذوق الصائم الملح والعسل وإن لم يدخل جوفه، قال عبد الملك: وإن وصل شيء منه إلى جوفه من غير تعمد فليقض، وإن تعمد فليكفر، قال أشهب: وأكره لحس الداد ومضغ العلك وذوق القدر والعسل في الفرض والنافلة.
ومن كتاب ابن حبيب: ويكره له ذوق الخل والعسل، ومضغ اللبان والعلك، ولمس العقب ولحس المداد، والمضغ للصبي، فإن فعل شيئا من ذلك ثم مجه فلا شيء عليه، فإن جاز شيء منه إلى حلقه ساهيا فليقض، وإن تعمد فليكفر ويقض، وكل ما يلزم فيه الكفارة في رمضان من هذا أو من غيرد ففيه في التطوع القضاء، وكل ما ليس فيه إلا القضاء في رمضان فليس فيه في التطوع قضاء، وأما في قضاء رمضان وكل صوم واجب ففيه القضاء في هذين الوجهين. وقوله: ولمس العقب، هو مثل قوله في المدونة: بعد ما تقدم أو يلمس الأوتار (بفيه أو يمضغها قال في الصحاح والعقب بالتحريك العصب الذي يعمل منه (١)) الأوتار، الواحدة عقبة، تقول منه عقبت السهم والقدح والقوس إذا لويت شيئا منه عليه. انتهى. وقال بعضهم: والفرق بين العقب والعصب أن العصب يضرب إلى الصفرة
стр. 2277
والعقب يضرب إلى البياض. انتهى كلام الحطاب. ومداواة حفر زمنه؛ يعني أنه يكره للصائم مداواة الحفر زمن الصوم؛ وهو النهار، وأما في الليل فلا تكره مداواته كما في الشارح.
وقوله: "ومداواة حفر زمنه"، فإن داوى الحفر زمن الصوم فلا شيء عليه إن سلم منه، فإن ابتلع منه شيئا غلبة قضى وعمدا كفر. قاله عبد الباقي. والحفر بسكون الفاء وفتحها: تزلع في أصول الأسنان، يقال: حفرت أسنانه إذا فسدت أصولها. ابن عرفة: وفيها كراهة مداواة الحفر فيه، وفي الذخيرة: كره في الكتاب ذوق الأطعمة ووضع الدواء في الفم للحفر أو عقبٍ أو غيره، قال سند: فإن وجد طعمه في حلقه ولم يتيقن الازدرادَ فظاهر المذهب إفطاره، خلافا للشافعية، وقاسوا الطعم على الرائحة، والفرق أن الرائحة لا تستصحب من الجسم شيئا، بخلاف الطعم. إلا لخوف ضرر؛ يعني أن محل كراهة مداواة الحفر في نهار الصوم إنما هو حيث لم يخف بتأخير المداواة إلى الليل ضررا، وأما إن خاف بذلك ضررا وهو حدوث مرض أو زيادته ومنه التألم به وإن لم يحدث له غيره فلا تكره المداواة، بل تجب إن خاف هلاكا أو شديد أذى وإلا جاز، ومثل الحفر غيره. كما قاله عبد الباقي.
وقد مر أن مداواة الحفر ليلا جائزة، فإن داواه ليلا ووصل شيء منه إلى حلقه نهارا فالظاهر أنه يقضي، وليس كهبوط الكحل المستعمل بالليل نهارا؛ لأنه ليس فيه وصول شيء إلى الجوف، بخلاف دواء الحفر. قاله عبد الباقي. وقوله: "إلا لخوف ضرر"، فإن سلم منه فلا شيء عليه، وفي الغلبة القضاء، وفي العمد الكفارة كما تقدم في المكروه. قاله الحطاب. ويكره للنساء غزل الكتان في الصوم إذا كن يرقنه (١) بأفواههن ما لم تضطر المرأة لذلك، فلا كراهة هذا إذا كان دميثا (٢) له طعم يتحلل، فإن كان مصريا جاز مطلقا احتاجت أم لا، وأفتى ابن قداح أن غزالة الكتان إذا وجدت طعم ملوحة الكتان في حلقها بطل صومها. قاله الشبراخيتي. وفيه ما يخالف فتوى ابن قداح؛ وهو أن من ابتلع خيطا من حرير أو كتان فعليه القضاء إن لم تكن صنعته، فإن كانت فهو كغبار الطريق لصانعه. انتهى.
стр. 2278
ومما يكره أيضا حصاد الزرع إذا كان يؤدي إلى الفطر ما لم يضطر الحصاد إلى ذلك، وأما رب الزرع فله الخروج للوقوف عليه وإن أدى إلى الفطر؛ لأن رب المال مضطر لحفظه كما في المواق عن البرزلي. قاله محمد بن الحسن.
وقال ابن عبد الصادق: وسئل السنهوري عن صاحب الزرع والحصاد يحصل له العطش في نهار رمضان، هل يباح له الفطر أم لا؟ فأجاب: أما صاحب الزرع فيجوز له الفطر بلا إشكال، وأما الخدامة فالمحتاج منهم للحصاد يجوز له الفطر، وأما غير المحتاج فيكره له ذلك لكن لا يبيت أحد منهم على الفطر بل يبيتون على الصوم، فإن حصل لأحد منهم عطش أبيح له الفطر، ويقضي زمن الاستطاعة. انتهى. ونذر يوم مكرر؛ يعني أن من المكروه نذر صوم يوم مكرر؛ كأن ينذر صوم كل يوم خميس. ابن وهب عن مالك: وإنه لعظيم أن يجعل على نفسه شيئا كالفرض، ولكنه يصوم إذا شاء ويفطر إذا شاء وإنما كره الكرر لأنه قد يأتي به على كسل، فيكون لغير الطاعة أقرب، وأيضا التكرر مظنة الترك، وقوله: "ونذر يوم مكرر"؛ أي وكذا غيره من كل مكرر كأسبوع أو شهر أو عام، فهو اقتصار على أقل قليل، فكلما كثر المكرر كان أولى بالكراهة، وأما يوم أو أسبوع أو عام معين فلا كراهة في شيء من ذلك. قاله الخرشي.
ولا خصوصية للصوم بهذا الحكم لأن التعليل يجري في كل ما يلتزمه الشخص من صلاة أو صدقة أو حج. قاله الخرشي. ومقدمة جماع؛ يعني أنه يكره للصائم أن يفعل شيئا من مقدمة الجماع، ومثل لمقدمة الجماع بقوله: كقبلة وفكر؛ يعني أن القبلة للذة مكروهة لا إن كانت لوداع أو رحمة، وكذا يكره الفكر والنظر إذا كانا مستدامين، ولا يكرهان إذا لم يكونا مستدامين حيث علمت السلامة من مني ومذي وإنعاظ، خلاف ظاهر المصنف كما لأبي علي، ولا فرق في ذلك بين الشاب والشيخ، ولا بين الفرض والنفل، ولا بين الرجل والمرأة. ابن القاسم: شدد مالك في القبلة في الفرض والنفل، ولمس اليد أيسر منها، وهي أيسر من المباشرة، والمباشرة أيسر من العبث بالفرج على كل شيء من الجسد، وما ذكره المصنف من الكراهة حيث علمت السلامة هو الموافق لما شهره في التوضيح، وقال اللخمي مباحة في هذه الحالة، وتعقب به الشارح كلام المصنف هنا.
стр. 2279
وقوله: "كقبلة وفكر"، إنما جمع المصنف بين المثالين؛ لأنه لو اقتصر على القبلة وهي من الأعلى، لتوهم أن الأدنى وهو الفكر جائز، ولو اقتصر على الفكر لتوهم أن الأعلى حرام مطلقا. إن علمت السلامة؛ يعني أن محل الكراهة في مقدمة الجماع للصائم إنما هو حيث علمت السلامة من مني ومذي وإنعاظ، وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا تعلم السلامة مما ذكر، بل تحقق عدمها أو شك في ذلك. حرمت، القدمة.
وقد قدمت أن معنى قول المصنف: "إن علمت السلامة"، من مني ومذي وإنعاظ، وقال الحطاب: ومعنى قوله: "إن علمت السلامة"، قال في التوضيح: يعني من المني، والمذي وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد في قوله: والقبلة والملاعبة: وما ذكره من كراهة القبلة وما في معناها هو المشهور إن علمت السلامة من المني والمذي والإنعاظ، وإن علم نفيها أو اختلف حاله حرمت، وكذا إن شك على الأرجح من قولين حكاهما ابن بشير بالكراهة والتحريم، ولا قضاء في مجردها فإن أنعظ أو أمذى قضى على المشهور، وإن أمنى قضى وكفر على المشهور. انتهى.
وما ذكره في الفكر هو الذي ارتضاه في توضيحه آخرا، فإنه قال في قول ابن الحاجب: والمبادي كالفكر والنظر والقبلة والمباشرة والملاعبة إن علمت السلامة لم تحرم وإن علم نفيها حرمت: وإن شك فالظاهر التحريم، وقال: لم يذكر اللخمي وابن بشير التفصيل الذي ذكره المصنف إلا في الملاعبة والمباشرة والقبلة، وأما النظر والفكر فنص ابن بشير على أنهما إذا لم يستداما لم يحرما اتفاقا.
واعلم أن كراهة مقدمة الجماع للصائم تتفاوت في الأشدية، فأخفها الفكر، وأشد منه لمس اليد، وأشد منه القبلة، وأشد منها المباشرة، وأشد من المباشرة الملاعبة بالفرج على شيء من الجسد. انظر الحطاب.
وقال محمد بن الحسن: قال ابن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أنه إن نظر وتذكر قاصدا إلى التلذذ بذلك، أو لمس أو قبل أو باشر فسلم فلا شيء عليه، وإن أنعظ ولم يمذ ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أن عليه القضاء وهي رواية ابن القاسم، والثاني أنه لا شيء عليه وهي رواية أشهب، والثالث الفرق بين المباشرة فيقضي وما دونها فلا قضاء؛ وهو قول ابن القاسم الذي أنكره
стр. 2280
سحنون، وإن أمذى فعليه القضاء إلا أن يحصل عن نظر أو تذكر من غير قصد متابعة، ففيه قولان أظهرهما أنه لا قضاء عليه، وإن أنزل فثلاثة أقوال، قال مالك في المدونة إن عليه القضاء والكفارة مطلقا، وأصح الأقوال قول أشهب: لا كفارة عليه إلا أن يتابع حتى ينزل، والثالث الفرق بين اللمس والقبلة والمباشرة فيكفر مطلقا، وبين النظر والتذكر لا كفارة عليه فيهما إلا أن يتابع ذلك حتى ينزل، وهذا القول هو ظاهر ابن القاسم في المدونة. انتهى باختصار. انتهى كلام محمد بن الحسن. وقال الشبراخيتي: وأما الإنعاظ، فقال الناصر اللقاني: فيه القضاء على قول ابن القاسم في المدونة: ورواية ابن وهب وأشهب فيها عن مالك سقوط القضاء، وقاعدة الشيوخ أن قول مالك في المدونة مقدم على قول ابن القاسم فيها، فَإن قُلْتَ: القول بأن الإنعاظ من المفطرات رواية ابن القاسم لا قوله كما سيأتي للتتائي ونحوه في الحطاب، فَالْجَوابُ أنه في المدونة من قوله وفي غيرها من روايته، ومعلوم أن رواية غيره في المدونة مقدمة على قوله فيها، وعلى روايته في غيرها. انتهى. فالشبراخيتي جعل المشهور في الإنعاظ عدم لزوم القضاء، وقد مر قريبا عن الحطاب عن الشيخ زروق أن المشهور في الإنعاظ لزوم القضاء. والله سبحانه أعلم. وحجامة مريض من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ يعني أن المريض إذا كان صائما فإنه تكره له الحجامة، والمراد بالمريض من يحس من نفسه بالضعف أو لا يعلم ما يحصل له، وإن كان صحيحا في نفسه فتكره له الحجامة مخافة أن يحصل له تغرير، فإن علم عدم السلامة حرمت. واحترز بقوله: فقط عن الصحيح وهو القوي الذي يعلم من نفسه السلامة فلا تكره له الحجامة.
والحاصل أن من علم من نفسه السلامة فلا تكره له الحجامة وهو الصحيح، ومن لم يعلم من نفسه السلامة وهو المراد بالمريض -وإن كان صحيحا في نفسه- تكره له مع الشك، وتحرم مع تحقق عدم السلامة، وبهذا الحمل يوافق المصنف ظاهر المدونة والرسالة، وهو الذي يدل عليه نقل التوضيح، وإذا تقرر أن من لم يعلم من نفسه السلامة لا يحتجم فإنما ذلك إذا لم يكن تأخير الحجامة يضربه، وإلا وجب عليه فعل ذلك، وإن أدى إلى الفطر. والله أعلم.
واعلم أنه إن احتجم أحد على تغرير ثم احتاج إلى الفطر فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يتعمد الفطر. قاله الحطاب. وقوله: "وحجامة مريض"، مثل الحجامة الفصادة، وأما خبر: (أفطر الحاجم