وبما قررت علم أن قوله ثم يمجه، راجع لمسألتي الملح والعلك وأن العامل في قوله: "علك"، مضغ لا ذوق لعدم صحة تسلطه عليه، إلا أن يقال إن معنى ذوق: تناول، فيصح تسلطه عليه حينئذ، وقوله: "ثم يمجه" وجوبا فيما يظهر، وعليه فإن أمسكه في فيه ولم يبتلع منه شيئا حتى دخل وقت الغروب، هل يأثم لأنه مظنة وصول شيء منه إلى حلقه أم لا؟ قاله عبد الباقي. وفهم منه أن صومه صحيح؛ وهو ظاهر. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه.
وقال في المدونة: ويكره له ذوق الملح والطعام ومضغه وإن لم يدخل إلى جوفه ومضغ العلك. أبو الحسن: ليداوي به شيئا؛ يدل عليه مقارنته مع ما قبله ويعني أيضا إذا مضغه مرة، وأما لو مضغه مرارا ويبتلع ريقه فلا شك أنه يفطر؛ لأنه يبتلع بعض أجزائه. قاله الحطاب.
وقال بعد جلب كلام: حاصله أنه إذا ابتلع ريقه فإنه يفطر -والله أعلم- وقال ابن نافع عن مالد: وأكره للصائم مضغ الطعام للصبي ولحس المداد، فإن دخل جوفه منه شيء فليقض، ومن صام من الصبيان فليجتنب ذلك كله، ولا يذوق الصائم الملح والعسل وإن لم يدخل جوفه، قال عبد الملك: وإن وصل شيء منه إلى جوفه من غير تعمد فليقض، وإن تعمد فليكفر، قال أشهب: وأكره لحس الداد ومضغ العلك وذوق القدر والعسل في الفرض والنافلة.
ومن كتاب ابن حبيب: ويكره له ذوق الخل والعسل، ومضغ اللبان والعلك، ولمس العقب ولحس المداد، والمضغ للصبي، فإن فعل شيئا من ذلك ثم مجه فلا شيء عليه، فإن جاز شيء منه إلى حلقه ساهيا فليقض، وإن تعمد فليكفر ويقض، وكل ما يلزم فيه الكفارة في رمضان من هذا أو من غيرد ففيه في التطوع القضاء، وكل ما ليس فيه إلا القضاء في رمضان فليس فيه في التطوع قضاء، وأما في قضاء رمضان وكل صوم واجب ففيه القضاء في هذين الوجهين. وقوله: ولمس العقب، هو مثل قوله في المدونة: بعد ما تقدم أو يلمس الأوتار (بفيه أو يمضغها قال في الصحاح والعقب بالتحريك العصب الذي يعمل منه (١)) الأوتار، الواحدة عقبة، تقول منه عقبت السهم والقدح والقوس إذا لويت شيئا منه عليه. انتهى. وقال بعضهم: والفرق بين العقب والعصب أن العصب يضرب إلى الصفرة
стр. 2277
والعقب يضرب إلى البياض. انتهى كلام الحطاب. ومداواة حفر زمنه؛ يعني أنه يكره للصائم مداواة الحفر زمن الصوم؛ وهو النهار، وأما في الليل فلا تكره مداواته كما في الشارح.
وقوله: "ومداواة حفر زمنه"، فإن داوى الحفر زمن الصوم فلا شيء عليه إن سلم منه، فإن ابتلع منه شيئا غلبة قضى وعمدا كفر. قاله عبد الباقي. والحفر بسكون الفاء وفتحها: تزلع في أصول الأسنان، يقال: حفرت أسنانه إذا فسدت أصولها. ابن عرفة: وفيها كراهة مداواة الحفر فيه، وفي الذخيرة: كره في الكتاب ذوق الأطعمة ووضع الدواء في الفم للحفر أو عقبٍ أو غيره، قال سند: فإن وجد طعمه في حلقه ولم يتيقن الازدرادَ فظاهر المذهب إفطاره، خلافا للشافعية، وقاسوا الطعم على الرائحة، والفرق أن الرائحة لا تستصحب من الجسم شيئا، بخلاف الطعم. إلا لخوف ضرر؛ يعني أن محل كراهة مداواة الحفر في نهار الصوم إنما هو حيث لم يخف بتأخير المداواة إلى الليل ضررا، وأما إن خاف بذلك ضررا وهو حدوث مرض أو زيادته ومنه التألم به وإن لم يحدث له غيره فلا تكره المداواة، بل تجب إن خاف هلاكا أو شديد أذى وإلا جاز، ومثل الحفر غيره. كما قاله عبد الباقي.
وقد مر أن مداواة الحفر ليلا جائزة، فإن داواه ليلا ووصل شيء منه إلى حلقه نهارا فالظاهر أنه يقضي، وليس كهبوط الكحل المستعمل بالليل نهارا؛ لأنه ليس فيه وصول شيء إلى الجوف، بخلاف دواء الحفر. قاله عبد الباقي. وقوله: "إلا لخوف ضرر"، فإن سلم منه فلا شيء عليه، وفي الغلبة القضاء، وفي العمد الكفارة كما تقدم في المكروه. قاله الحطاب. ويكره للنساء غزل الكتان في الصوم إذا كن يرقنه (١) بأفواههن ما لم تضطر المرأة لذلك، فلا كراهة هذا إذا كان دميثا (٢) له طعم يتحلل، فإن كان مصريا جاز مطلقا احتاجت أم لا، وأفتى ابن قداح أن غزالة الكتان إذا وجدت طعم ملوحة الكتان في حلقها بطل صومها. قاله الشبراخيتي. وفيه ما يخالف فتوى ابن قداح؛ وهو أن من ابتلع خيطا من حرير أو كتان فعليه القضاء إن لم تكن صنعته، فإن كانت فهو كغبار الطريق لصانعه. انتهى.
стр. 2278
ومما يكره أيضا حصاد الزرع إذا كان يؤدي إلى الفطر ما لم يضطر الحصاد إلى ذلك، وأما رب الزرع فله الخروج للوقوف عليه وإن أدى إلى الفطر؛ لأن رب المال مضطر لحفظه كما في المواق عن البرزلي. قاله محمد بن الحسن.
وقال ابن عبد الصادق: وسئل السنهوري عن صاحب الزرع والحصاد يحصل له العطش في نهار رمضان، هل يباح له الفطر أم لا؟ فأجاب: أما صاحب الزرع فيجوز له الفطر بلا إشكال، وأما الخدامة فالمحتاج منهم للحصاد يجوز له الفطر، وأما غير المحتاج فيكره له ذلك لكن لا يبيت أحد منهم على الفطر بل يبيتون على الصوم، فإن حصل لأحد منهم عطش أبيح له الفطر، ويقضي زمن الاستطاعة. انتهى. ونذر يوم مكرر؛ يعني أن من المكروه نذر صوم يوم مكرر؛ كأن ينذر صوم كل يوم خميس. ابن وهب عن مالك: وإنه لعظيم أن يجعل على نفسه شيئا كالفرض، ولكنه يصوم إذا شاء ويفطر إذا شاء وإنما كره الكرر لأنه قد يأتي به على كسل، فيكون لغير الطاعة أقرب، وأيضا التكرر مظنة الترك، وقوله: "ونذر يوم مكرر"؛ أي وكذا غيره من كل مكرر كأسبوع أو شهر أو عام، فهو اقتصار على أقل قليل، فكلما كثر المكرر كان أولى بالكراهة، وأما يوم أو أسبوع أو عام معين فلا كراهة في شيء من ذلك. قاله الخرشي.
ولا خصوصية للصوم بهذا الحكم لأن التعليل يجري في كل ما يلتزمه الشخص من صلاة أو صدقة أو حج. قاله الخرشي. ومقدمة جماع؛ يعني أنه يكره للصائم أن يفعل شيئا من مقدمة الجماع، ومثل لمقدمة الجماع بقوله: كقبلة وفكر؛ يعني أن القبلة للذة مكروهة لا إن كانت لوداع أو رحمة، وكذا يكره الفكر والنظر إذا كانا مستدامين، ولا يكرهان إذا لم يكونا مستدامين حيث علمت السلامة من مني ومذي وإنعاظ، خلاف ظاهر المصنف كما لأبي علي، ولا فرق في ذلك بين الشاب والشيخ، ولا بين الفرض والنفل، ولا بين الرجل والمرأة. ابن القاسم: شدد مالك في القبلة في الفرض والنفل، ولمس اليد أيسر منها، وهي أيسر من المباشرة، والمباشرة أيسر من العبث بالفرج على كل شيء من الجسد، وما ذكره المصنف من الكراهة حيث علمت السلامة هو الموافق لما شهره في التوضيح، وقال اللخمي مباحة في هذه الحالة، وتعقب به الشارح كلام المصنف هنا.
стр. 2279
وقوله: "كقبلة وفكر"، إنما جمع المصنف بين المثالين؛ لأنه لو اقتصر على القبلة وهي من الأعلى، لتوهم أن الأدنى وهو الفكر جائز، ولو اقتصر على الفكر لتوهم أن الأعلى حرام مطلقا. إن علمت السلامة؛ يعني أن محل الكراهة في مقدمة الجماع للصائم إنما هو حيث علمت السلامة من مني ومذي وإنعاظ، وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا تعلم السلامة مما ذكر، بل تحقق عدمها أو شك في ذلك. حرمت، القدمة.
وقد قدمت أن معنى قول المصنف: "إن علمت السلامة"، من مني ومذي وإنعاظ، وقال الحطاب: ومعنى قوله: "إن علمت السلامة"، قال في التوضيح: يعني من المني، والمذي وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد في قوله: والقبلة والملاعبة: وما ذكره من كراهة القبلة وما في معناها هو المشهور إن علمت السلامة من المني والمذي والإنعاظ، وإن علم نفيها أو اختلف حاله حرمت، وكذا إن شك على الأرجح من قولين حكاهما ابن بشير بالكراهة والتحريم، ولا قضاء في مجردها فإن أنعظ أو أمذى قضى على المشهور، وإن أمنى قضى وكفر على المشهور. انتهى.
وما ذكره في الفكر هو الذي ارتضاه في توضيحه آخرا، فإنه قال في قول ابن الحاجب: والمبادي كالفكر والنظر والقبلة والمباشرة والملاعبة إن علمت السلامة لم تحرم وإن علم نفيها حرمت: وإن شك فالظاهر التحريم، وقال: لم يذكر اللخمي وابن بشير التفصيل الذي ذكره المصنف إلا في الملاعبة والمباشرة والقبلة، وأما النظر والفكر فنص ابن بشير على أنهما إذا لم يستداما لم يحرما اتفاقا.
واعلم أن كراهة مقدمة الجماع للصائم تتفاوت في الأشدية، فأخفها الفكر، وأشد منه لمس اليد، وأشد منه القبلة، وأشد منها المباشرة، وأشد من المباشرة الملاعبة بالفرج على شيء من الجسد. انظر الحطاب.
وقال محمد بن الحسن: قال ابن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أنه إن نظر وتذكر قاصدا إلى التلذذ بذلك، أو لمس أو قبل أو باشر فسلم فلا شيء عليه، وإن أنعظ ولم يمذ ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أن عليه القضاء وهي رواية ابن القاسم، والثاني أنه لا شيء عليه وهي رواية أشهب، والثالث الفرق بين المباشرة فيقضي وما دونها فلا قضاء؛ وهو قول ابن القاسم الذي أنكره
стр. 2280
سحنون، وإن أمذى فعليه القضاء إلا أن يحصل عن نظر أو تذكر من غير قصد متابعة، ففيه قولان أظهرهما أنه لا قضاء عليه، وإن أنزل فثلاثة أقوال، قال مالك في المدونة إن عليه القضاء والكفارة مطلقا، وأصح الأقوال قول أشهب: لا كفارة عليه إلا أن يتابع حتى ينزل، والثالث الفرق بين اللمس والقبلة والمباشرة فيكفر مطلقا، وبين النظر والتذكر لا كفارة عليه فيهما إلا أن يتابع ذلك حتى ينزل، وهذا القول هو ظاهر ابن القاسم في المدونة. انتهى باختصار. انتهى كلام محمد بن الحسن. وقال الشبراخيتي: وأما الإنعاظ، فقال الناصر اللقاني: فيه القضاء على قول ابن القاسم في المدونة: ورواية ابن وهب وأشهب فيها عن مالك سقوط القضاء، وقاعدة الشيوخ أن قول مالك في المدونة مقدم على قول ابن القاسم فيها، فَإن قُلْتَ: القول بأن الإنعاظ من المفطرات رواية ابن القاسم لا قوله كما سيأتي للتتائي ونحوه في الحطاب، فَالْجَوابُ أنه في المدونة من قوله وفي غيرها من روايته، ومعلوم أن رواية غيره في المدونة مقدمة على قوله فيها، وعلى روايته في غيرها. انتهى. فالشبراخيتي جعل المشهور في الإنعاظ عدم لزوم القضاء، وقد مر قريبا عن الحطاب عن الشيخ زروق أن المشهور في الإنعاظ لزوم القضاء. والله سبحانه أعلم. وحجامة مريض من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ يعني أن المريض إذا كان صائما فإنه تكره له الحجامة، والمراد بالمريض من يحس من نفسه بالضعف أو لا يعلم ما يحصل له، وإن كان صحيحا في نفسه فتكره له الحجامة مخافة أن يحصل له تغرير، فإن علم عدم السلامة حرمت. واحترز بقوله: فقط عن الصحيح وهو القوي الذي يعلم من نفسه السلامة فلا تكره له الحجامة.
والحاصل أن من علم من نفسه السلامة فلا تكره له الحجامة وهو الصحيح، ومن لم يعلم من نفسه السلامة وهو المراد بالمريض -وإن كان صحيحا في نفسه- تكره له مع الشك، وتحرم مع تحقق عدم السلامة، وبهذا الحمل يوافق المصنف ظاهر المدونة والرسالة، وهو الذي يدل عليه نقل التوضيح، وإذا تقرر أن من لم يعلم من نفسه السلامة لا يحتجم فإنما ذلك إذا لم يكن تأخير الحجامة يضربه، وإلا وجب عليه فعل ذلك، وإن أدى إلى الفطر. والله أعلم.
واعلم أنه إن احتجم أحد على تغرير ثم احتاج إلى الفطر فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يتعمد الفطر. قاله الحطاب. وقوله: "وحجامة مريض"، مثل الحجامة الفصادة، وأما خبر: (أفطر الحاجم
стр. 2281
والمحتجم (١))، فمنسوخ بخبر أنس: (رخص رسول الله ﷺ في الحجامة للصائم بعد أن كان ينهى عنها (٢))، وبخبر ابن عباس: (أنه ﵊ احتجم وهو صائم وأرخص لجعفر في الحجامة وهو صائم (٣))، وبخبر: (ثلاثة لا يفطرن الصائم الحجامة والقيء والحلم (٤))، أو أنه ﷺ علم بفطرهما بأكل أو شرب، أو عرضا أنفسهما للفطر الحاجم بمص الدم والمحتجم بطرو ضعف عليه، أو أطلق الفطر على نقص الأجر. قاله الخرشي. أو محمول على الحاجم الذي وجد طعم الدم في حلقه، والمحجوم الذي قد أغمي عليه بسبب ذلك أكثر النهار. قاله الشبراخيتي.
وقال ابن الهندي: يكره للصائم قلع الضروس، فإن فعل ولم يصل إلى حلقه دم فلا شيء عليه، وفي الجواهر: ولو ابتلع دما خرج من أسنانه أفطر إن كان قادرا على طرح ذلك، وقيل: لا يفطر، وإن كان مغلوبا لم يفطر، ويكره للصائم غمس رأسه في الماء. قاله الخرشي. وتطوع قبل نذر؛ يعني أنه يكره تطوع بصوم لمن عليه نذر من صيام، وكذا يكره تطوع بصلاة لمن عليه نذر من صلاة، وقوله: "وتطوع قبل نذر"، هذا في النذر المضمون، وأما النذر المعين فإن لم يجيء زمنه فلا كراهة في التطوع قبله، فإن جاء زمنه لم يجز له التطوع، فإن فعل أثم ولزمه القضاء. قاله الحطاب.
أو قضاء؛ أي وكذا يكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع قبله بصوم، وأما من عليه قضاء شيء من الصلوات فيحرم عليه التطوع بالصلاة لعدم الفورية في قضاء رمضان دون الصلوات الخمس.
تنبيهات: الأول: قال الإمام الحطاب: والظاهر أن كل صوم واجب في معنى النذر كما يفهم من كلام اللخمي، ومن كلام صاحب الطراز، وقوله: "وتطوع قبل نذر"، فإن تطوع قبل النذر صح صومه، وفي المجموعة: يتم تطوعه ثم يقضي ما عليه، وقد أخطأ في تطوعه قبله.
الثَّانِي: اختلف في المتأكد من نافلة الصوم كعاشوراء، هل المستحب أن يقضي فيه رمضان، ويكره أن يصومه تطوعا وهو قول مالك في العتبية؟ أو المستحب أن يصومه تطوعا وهو قوله في سماع ابن
стр. 2282
وهب؟ أو هو مخير؟ ثلاثة أقوال حكاها صاحب البيان، وأما ما دون ذلك من تطوع الصيام فالمنصوص كراهة فعله قبل القضاء. قاله الحطاب. وقال عن ابن رشد: وهذا كله على القول بأن قضاء رمضان على التراخي، وأما على القول بأنه على الفور وهو ظاهر المدونة في كتاب الصيام فلا يجوز لد أن يصوم يوم عاشوراء إذا كان عليه قضاء رمضان، قال: فيأتي في المسألة أربعة أقوال. انتهى. قوله: وأما على القول بأنه على الفور، وهو خلاف ما لابن الحاجب، فإنه قال: ولا يجب قضاء رمضان على الفور اتفاقا.
الثالث: قال في المدونة: وجائز أن يقضي رمضان في العشر الأول من ذي الحجة. انتهى. قال أبو الحسن. استحب عمر رضي الله تعالى عنه أن يقضى رمضان في عشر ذي الحجة، انتهى. وقاله ابن القاسم وسالم، قال: ويقضي في يوم عاشوراء، قال ابن يونس: إنما استحبوا ذلك لفضلها، فإذا لم يكن التطوع قضى فيها الواجب. قاله الحطاب. وفي شرح عبد الباقي: الأظهر حصول ثواب التطوع إن نواه مع نية القضاء، قياسا على غسل الجمعة مع الجنابة لا إن لم ينوه، وفي حاشية الأمير: أن من قال نويت صوم يوم عرفة غدا تطوعا وقضاء عن رمضان، لم يجز عن القضاء. كذا يظهر. انتهى. وفي المواق أن من عليه قضاء رمضانين بدأ بأولهما، ويجزئ العكس. والله أعلم. قاله محمد بن الحسن. ونقله الحطاب وغيره عن النوادر.
وقد مر أن التطوع بالصوم لا يجوز عند مجيء زمن النذر العين للصوم، وأنه إن فعل أثم ولزمه القضاء، وانظر هل تطوعه صحيح أم لا؟ قاله غير واحد. وقال الشبراخيتي: ولو قال المصنف: وتطوع قبل فرض، لكان أخصر وأشمل.
ومن لا تمكنه رؤية ولا غيرها كأسير كمل الشهور؛ يعني أن الذي لا تمكنه رؤية الهلال أول الشهر، ولا أن يسأل أحدا عنه كأسير ومحبوس ونحوهما، وهو يعرف الشهر الذي هو فيه؛ فإنه يكمل الشهور فيصوم رمضان على أن الشهور كلها كاملة، كما تقدم في مسألة ما إذا توالى الغيم شهورا متعددة، ثم يعمل بعد ذلك على ما يظهر له من نقص أو كمال، واحترز بقوله: "لا تمكنه رؤية ولا غيرها"، من الذي يمكنه ذلك، فإنه كغيره من المُطْلَقِينَ، فيعمل على ما ثبت عنده اتفاقا. قاله الخرشي.
стр. 2283
وقد مر أنه لا ينظر إلى توالي أربعة من الشهور كاملة ولا غير ذلك مما يقوله أهل الحساب. والله سبحانه أعلم. وإن التبست وظن شهرا صامه؛ يعني أن ما تقدم فيمن عرف رمضان من غيره ولم تلتبس عليه الشهور وإنما التبست عليه الأهلة، وأما إن التبست عليه الشهور فلم يعرف رمضان من غيره عرف الأهلة أم لا، فإنه لا يخلو إما أن يظن شهرا رمضان أولا، فإن ظن شهرا رمضان بأن ترجح عنده أنه هو رمضان، فإنه يصوم ذلك الشهر الذي ظن أنه رمضان.
وعلم مما قررت أن المراد بالالتباس عدم اليقين الشامل للظن، كما يفيد ذلك. قوله: "وظن شهرا"، ويعمل مع التباس الأهلة ما تقدم من تكميله للشهور ولا ينظر إلى قول المنجمين، وأما مع عدم التباس الأهلة فالأمر ظاهر. وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا يظن شهرا رمضان بأن استوت عنده الاحتمالات، تخير شهرا ويصومه، فلو شك في شهر قبل صومه، هل هو رمضان أو شعبان، وقطع فيما عداهما أنه غير رمضان صام شهرين، وكذا لو شك هل هو شعبان أو رمضان أو شوال، فإنه يصوم شهرين أيضا، ولو شك هل هو رمضان أو شوال صام شهرا واحدا؛ لأنه إذا كان رمضان فلا إشكال، وإن كان شوالا كان قضاء، ولو شك هل هو رجب أو شعبان أو رمضان صام ثلاثة أشهر، وليس له أن يؤخر صوم الشهر الأخير في هذه المسائل، بل يجب عليه صوم ما ذكر؛ لأن في التأخير ترك صوم ما يحتمل أن يكون رمضان، ولكن لا كفارة عليه إن أخر لعدم ظنه، وأما في مسألة قوله: "وظن شهرا صامه"، فقال عبد الباقي فيها: وينبغي أن يكون مثل رمضان المحقق في أنه تكفي فيه نية واحدة، وفي الكفارة عند تعمد إفطاره بخلاف من تخير شهرا وصامه. قاله الوالد. وسيأتي -عند قوله: "في رمضان فقظ: عن البرزلي ما يفيده. انتهى.
وقال الحطاب عند قوله: "وإلا تخير"، هذا هو القول الذي صدر به في الشامل، وفرع عليه ابن الحاجب، ومقابله يصوم السنة كلها، ثم إذا فرعنا على القول بأنه إنما يصوم شهرا واحدا، فلو شك في الشهر الذي هو فيه، هل هو رمضان أو شوال صام الذي هو فيه لا أكثر، فإن كان رمضان فقد صامه، وإن كان شوالا كان قضاء، فإن ساوى عدده ما قبله قضى يوما، وإن كان شهره أقل
стр. 2284
قضى يومين، وإلا فلا قضاء، وإن شك هل هو شعبان أو رمضان أو شوال صام الذي هو فيه والذي يليه، انتهى.
وقال الأمير: وأما إن شك أرجب أو شعبان أم رمضان فثلاثة وإنما التخيير إذا استوت الشهور كلها. انتهى. قال في الحاشية: والظاهر أن ما زاد على أربعة له حكم الكل على قاعدة تحديد اليسير بالكل في غير هذا المحل. انتهى. وأشار لا إذا زال الالتباس، وأن له أي الالتباس أحوالا أربعة، بقوله: وأجزأ ما بعده، هذا هو أحد الأحوال الأربعة؛ يعني أنه إذا تبين في مسألتي الظن والتخيير أن الشهر الذي صامه بعد رمضان، فإنه يجزئه ويكون قضاء عن رمضان اتفاقا، ولا تضره نية الأداء لأنها تنوب عن نية القضاء. بالعدد؛ يعني أنه إذا صام شهرا متأخرا عن رمضان في المسألتين، فإنه يعتبر في الإجزاء مساواته لرمضان في العدد، فلو صام شوالا وهما كاملان قضى يوما واحدا، وكذا لو كان كل منهما تسعة وعشرين، وإن كان الكامل رمضان فيومين، ولو كان شوال كاملا ورمضان تسعة وعشرين فلا قضاء، ولو تبين أنه صام ذا الحجة لم يعتد بأيام النحر الثلاثة، وأتى هنا بقوله: "بالعدد"، مع قوله الآتي: "والقضاء بالعدد"، ليلا يتوهم أن لهذا حكما غير ما يأتي، فيجزئ ما تعين، ولو ناقصا لعذره وعدم تعمده. لا قبله. هذا هو الثاني من الأحوال الأربعة؛ يعني أنه إذا تبين أن الذي صامه قبل رمضان فإنه لا يجزئه في مسألتي الظن والتخيير اتفاقا في السنة الواحدة، وعلى الشهور فيما زاد عليها فلا يجزئ شعبان الثانية عن رمضان الأولى، ولا شعبان الثالثة عن رمضان الثانية، وهكذا خلافا لعبد الملك، قال ابن عبد السلام: وأجراهما بعضهم على الخلاف في طلب تعيين الإمام في الصلاة، والمذهب أنه لا يشترط التعيين فتجوز الصلاة خلف من لا تعرف عينه، وقوله: "لا قبله"، العطوف محذوف؛ أي لا ما قبله وقبله صفة أو صلة. قاله الشبراخيتي. وقال بناني عن ابن عبد السلام: والأقرب عدم الإجزاء. قياسا على من بقي أياما يصلي الظهر مثلا قبل الزوال، وقد يفرق بأن أمارات أوقات الصلاة أظهر من أمارات رمضان، وفرض الصلاة متسع الوقت، فالمخطئ مفرط، ووجه المشهور الذي هو عدم الإجزاء اختلاف النية في ذلك؛ لأن شعبان الثاني لم ينوه لرمضان الأول، وفي البيان أن الصحيح عدم الإجزاء. ابن أبي زمنين: وهو الصواب عند أكل النظر. ابن راشد: هو
стр. 2285
المشهور. أو بقي على شكه، هذا هو الحال الثالث من الأحوال الأربعة؛ يعني أن من التبست عليه الشهور إذا صام شهرا ظنه رمضان، أو استوت عنده الاحتمالات وتخير شهرا وصامه، ثم إنه لم يتحقق بعد ذلك شيئا بل بقي على ما كان عليه من عدم الجزم، فإن ذلك لا يجزئه في مسألتي الظن والتخيير عند ابن القاسم، ويجزئه عند ابن الماجشون وأشهب وسحنون، فقوله: "أو بقي على شكه"، عطف على قوله: "لا قبله"، ولو أراد المصنف مذهب ابن الماجشون وأشهب وسحنون قدم قوله: "أو بقي على شكه، على قوله: "لا قبله"، كأن يقول: وأجزأه ما بعده كبقائه على شكه" قاله الشبراخيتي. وما مر من أن قوله: "أو بقي على شكه"، عام في الظن والتخيير هو للخرشي وعبد الباقي.
قال محمد بن الحسن: وفيه نظر، والظاهر أنه في صورة التخيير فقط كما يدل عليه كلام المصنف، وقوله: "أو بقي على شكه"، قد علمت أنه قول ابن القاسم، وأن أشهب قائل بالإجزاء، ووافقه سحنون وابن الماجشون. ابنُ يونس: وقول أشهب أصوب لأنه صار فرضه الاجتهاد، وقد اجتهد وصام، وليس عند اللخمي في هذا والذي بعده إلا الإجزاء، ونصه: وإن علم أنه صام رمضان أو بعده مضى صومه، وإن لم يتبين له شيء ولا حدث له أمر يشككه سوى ما كان عليه أجزأه صومه، وإن شك هل كان رمضان أو بعده؟ أجزأ، وإن شك هل كان رمضان أو قبله؟ قضاه. انتهى. بلفظه. انتهى كلام بناني. وقول اللخمي: وإن شك؛ أي حدث له شك؛ وهو محترز قوله: ولا طرأ له شك، كما في الخرشي.
فرع: قال الحطاب: قال اللخمي: وإن صام الأسير شهرا تطوعا ثم تبين أنه رمضان لم يجز عند ابن القاسم، ويجري فيه قول آخر أنه يجزئه قياسا على قوله فيمن صام رمضان عن عام فرط فيه: إنه يجزئه عن العام الذي هو فيه ولا يضره ما نوى لأنه مستحق العين: انتهى. ورده ابن عرفة بأن نية قضاء الواجب أقرب لأدائه من نية تطوعه. انتهى. والأول مذهب المدونة، وسمع عيسى ابن القاسم: من كان في أرض العدو فغمي (١) عليه رمضان، وكان عليه صيام شهر نذره وهو لا يراه رمضان، ثم تبين له أنه رمضان لا يجزئه لرمضان ولا لنذره. ابن رشد: أما رمضان فلأنه
стр. 2286
لم ينوه: وأما نذرد فيدخله الخلاف من مسألة من صام رمضان قضاء عن غيره. انتهى. وقوله: "أو بقي على شكه"، هو الموافق للقاعدة التي ذكرها ابن يونس، وسيأتي عند قول المصنف: "أو طرأ له الشك"، قال ابن يونس معللا للمدونة في قولها: ومن أكل في رمضان ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء. انتهى: إذ لا يرتفع فرض بغير يقين. انتهى. نقله في التوضيح. وقول ابن يونس: إذ لا يرتفع فرض بغير يقين، يفيد أن من توهم أنه أفطر في صومه الفرض، فإنه لا يكتفي بصومه ذلك لأنه لم يتيقن براءة الذمة، والذمة لا تبرأ إلا بيقين. والله سبحانه أعلم. وأشار إلى القسم المتمم للأحوال الأربعة، بقوله وفي مصادفته تردد؛ يعني أنه إذا التبست عليه الشهور وصام شهرا، ثم تبين له بعد ذلك أن الذي صامه هو رمضان، فإنه وقع التردد في إجزاء ذلك له وعدمه، وهو تردد في النقل عن ابن القاسم لابن رشد، وابن أبي زيد، ففي البيان: فإن علم أنه صادفه بتحريه لم يجزه على مذهب ابنِ القاسمِ ويجزئه على مذهب أشهب وسحنون، ونقل في النوادر الإجزاء عن ابن القاسم، وكذلك صدر صاحب الإشراف به. قاله في التوضيح. وفي المواق عن ابن عرفة: لم أجد ما ذكره ابن رشد عن ابن القاسم، وأخذُه من سماع عيسى بعيدٌ، قال: وما ذكر اللخمي إلا الإجزاء خاصة، وساقه كأنه المذهب ولم يعزه. قاله محمد بن الحسن.
وقال: قال الحطاب: وجزم به في الطراز، وعزا مقابله للحسن بن صالح ورده، وقال إنه فاسد. انتهى. فلو اقتصر المصنف على الإجزاء كان أولى. انتهى.
وبما قررت علم أن قوله: "وفي مصادفته تردد"، جار في مسألتي الظن والتخيير كما هو ظاهر التوضيح والواق وابن عرفة وابن الحاجب، وهو الذي قرر به أحمد. قاله محمد بن الحسن.
وتحصل مما مر أن المعتمد الإجزاء في ثلاثة من الأحوال الأربعة، وهي: المصادفة، وكونه صام ما بعدد، وكونه باقيا على شكه، ولهذا قال الأمير بالإجزاء ما لم يتبين قبله، وفيه: ولو شك أشعبان أم رمضان صام شهرين، وكذا إن زاد في الشك أشوال، وأما إن شك أرجب أم شعبان أم مضان فثلاثة، ولو شك أرمضان أم شوال صامه فقط، وإنما التخيير إذا استوت الشهور كلها
стр. 2287
فبالجملة الشك في رمضان وما بعده يكفيه شهر ويزيد على ما قبله شهرا، فإنه يصادف رمضان أو قضاءه -فتدبر- ولابد أن يجزم النية عند كل شهر كما سبق في الفوائت. انتهى كلام الأمير.
وأشار إلى شروط الصوم بقوله: وصحته مطلقا بنية؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم مطلقا -أي فرضا أو غيره، معينا أو غيره، أداء أو قضاء- أن يكون بنية، لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١))، ولا يقال: الصوم ليس بعَمَلٍ فلا يتناوله الحديث، وإنما هو كف؛ لأنا نقول: الكف عمل، ولقوله ﵊ حكاية عن ربه: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي فأنا أجزي به (٢))، وقول الطحاوي: والاستثناء منقطع بعيد. قاله في التوضيح.
وقد مر أن الصوم هو نفس النية، فلهذا قال: فإنه لي. والله سبحانه أعلم. مبيَّتةٍ؛ يعني أنه يشترط في صحة الصيام أيضا أن تكون النية مبيتة من الليل. لقوله ﷺ : (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (٣)). رواه أصحاب السنن الأربعة. قاله الحطاب.
ومعنى تبييت النية أن توقع النية في جزء من الليل. قاله غير واحد. أو مع الفجر؛ يعني أنه لا بد في صحة الصوم من أن تكون النية مبيتة أي حاصلة في الليل؛ أي غير مقارنة للفجر أو مقارنة للفجر، بأن تكون واقعة في قدر لحظة قبل الفجر، كما حرره الأجهوري، لقول الله : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، وذلك لأن الأصل في النية أن تكون مقارنة لأول العبادة، وإنما جوز الشرع تقديمها لمشقة تحرير الاقتران، وحكى في البيان قولا بأنه لا يصح إيقاعها مع الفجر. قاله الحطاب. وقال في فرض العين: وصفتها أن تكون مبيتة للصوم، سواء كان واجبا أو تطوعا أو نذرا أو كفارة، وأن تكون مبيتة من الليل أو مقارنة للفجر، وأن تكون جازمة من غير تردد، وينوي أداء فرض رمضان. انتهى.
стр. 2288
قال ابن جزي: وأما الجزم فيتحرز به من التردد، فمن نوى ليلة الشك صيام غد إن كان من رمضان لم يجزه لعدم جزم النية، ولا يضر التردد بعد حصول الظن بشهادة أو باستصحاب كآخر رمضان: أو باجتهاد كالأسير. انتهى. وقد مر عند قوله: "وإن التبست" الخ، أنه لا بد من الجزم بالنية في ذلك، وفي النوادر عن المختصر، قال مالك: والتبييت أن يطلع الفجر وهو عازم على الصيام، وله قبل الفجر أن يترك ويعزم، فإذا طلع الفجر فهو على آخر ما عزم عليه من فطر أو صيام، ابن حبيب: ومن نوى أن يصبح صائما فهو بالخيار، إن شاء تمادى، وإن شاء ترك ما لم يطلع الفجر. قاله الحطاب.
تنبيهات: الأول: أول وقت النية في الصوم الغروب، ولا يضره ما حدث بعدها من أكل أو شرب أو جماع أو نوم، بخلاف الإغماء والجنون فيبطلان النية السابقة عليهما مطلقا، استمرا إلى طلوع الفجر أم لا، قاله محمد بن الحسن رادا على عبد الباقي في قوله: ولا يضره ما حدث بعدها من أكل أو شرب أو جملا أو نوم، بخلاف الإغماء والجنون فيبطلان النية السابقة عليهما إن استمرا لطلوع الفجر، وإلا لم يضرا. انتهى. قال محمد بن الحسن رادا عليه: بل الإغماء والجنون يبطلان النية السابقة عليهما مطلقا، لكن إن لم يستمرا للفجر أعيدت قبله وإلا لم يصح ذلك. انتهى، وفي حاشية الأمير تقوية ما لعبد الباقي. والله سبحانه أعلم.
الثاني: علم مما مر أن النية لا تكفي نهارا. ابن بشير: لا خلاف عندنا أن الصوم لا يجزئ إلا إن تقدمت النية على سائر أجزانه، فإن طلع الفجر ولم ينوه لم يجزه في سائر أنواع الصيام إلا يوم عاشوراء، ففيه قولان؛ المشهور أنه كالأول لعموم قوله ﷺ : (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (١))، والشاذ اختصاص يوم عاشوراء بصحة الصوم وإن وقعت النية في النهار، ولا خلاف عندنا أن محل النية الليل، ومتى عقدها فيه أجزأته، ولا تشترط مقارنتها للفجر بخلاف الصلاة والطهارة والحج، فلا بد من اشتراط المقارنة أو التقدم بالزمن اليسير على ما تقدم. انتهى بلفظه. قاله محمد بن الحسن. وقال الحطاب ما معناه أن النية لا تكفي نهارا خلافا لمن
стр. 2289
أجاز ذلك إذا لم يأكل، ونقل في تعليل هذه المسألة أن النية هي القصد، والقصد إلى الماضي محال عقلا، وانعطاف النية معدوم شرعا، وذكر عن [الحجندي] (١) أنه أجاز لمن أكل في يوم من الأيام أن ينوي بعد ذلك الصوم نفلا، ونقل عن ابن العربي في عارضة الأحوذي في شرح الترمذي: أن هذا خرق للإجماع. انتهى.
وقال الشبراخيتي عند قوله: "مبيتة": فإن قلت ورد أنه ﷺ كان يقول لأهله: (هل عندكم ما نأكل، فإن قالوا لا قال فإني إذا صائم (٢))، فالجواب أن المراد بالصوم الصوم اللغوي جمعا بين الدليلين. انتهى. وقال الأمير في حاشيته: وعند الشافعي: تصح نية النافلة قبل الزوال وعند أحمد ولو بعده لهذا الحديث. وأجاب ابن عبد البر بأنه مضطرب. انتهى.
الثالث قال في التوضيح: لا يجوز تقديم النية قبل الليل وهو قول الكافة، وقال في البيان في سماع عيسى: والذي يوجبه النظر أن إيقاع النية قبل الغروب من ليلة الصوم لا يصح، لقوله ﷺ : (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (٣)). قاله الحطاب.
الرابع: قال في المقدمات: الذي يلزم من النية في صيام رمضان اعتبار القربة إلى الله تعالى بأداء ما افترض عليه من استغراق طرفي النهار بالإمساك عن الطعام والشراب والجماع. انتهى. وله نحو ذلك في الصلاة، وقال أيضا: واستشعار الإيمان شرط في صحة ذلك كله، فإن سها عن استشعار الإيمان لم يفسد عليه إحرامه لتقدم علمه به، قال: وكذلك إذا سها عن أن ينوي الوجوب، ووجوب الصلاة، والقصد إلى أدائها، والتقرب بها إلى الله تعالى لم يفسد إحرامه إذا عين الصلاة؛ لأن التعيين لها يقتضي الوجوب والقربة والأداء، لتقدم علمه بوجوب تلك الصلاة. انتهى. فكذلك هذا إذا نوى صوم رمضان أجزأه؛ لأن تعيينه يقتضي الوجوب لتقدم العلم به إلى آخر ذلك. قاله الحطاب.
стр. 2290
الخامس: من بيت صوم التطوع، فاستيقظ، فظن طلوع الفجر، فواقع أهله، ثم تبين أنه لم يطلع، فالأولى له الإمساك ذلك اليوم. قاله البرزلي. قلت: إذا كان قطع النية فالاستحباب واضح إذا أعاد النية قبله لأنه عبادة فالأولى إتمامها، وإن لم يعد النية حتى طلع الفجر فلا فائدة في إتمام النهار لأنه غير منوي، وأما لو تم على نيته أول الليل، وفعل الوطء نسيانا أو عمدا، واعتقد أنه غير ضار فالصواب في هذا إن تمادت هذه النية حتى طلع الفجر أنه يجب إتمامه. قاله الحطاب.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: مقتضى كلام الحطاب أن معنى قول البرزلي: فالأولى له الإمساك ذلك اليوم، أنه الأولى له أن يعيد النية ويمسك ذلك اليوم لإتمام العبادة. والله سبحانه أعلم. ولو لم يقطع النية ووطئ طلوع الفجر عامدا فهذا لا يمسك ولكن يجب عليه قضاء ذلك اليوم، كما يأتي في قوله: "وفي النفل بالعمد الحرام" بخلاف ما لو وطئ ناسيا أو ظانا عدم طلوع الفجر، فإنه يجب عليه الإمساك. والله سبحانه أعلم.
السادس: قوله: "بنية مبيتة"، هو شروع منه رحمه الله تعالى في شروط الصوم وهي تسعة، منها ما هو شرط في الوجوب فقط؛ وهو اثنان: البلوغ، والقدرة على الصوم. ومنها ما هو شرط في الصحة فقط؛ وهو أربعة: النية، والإسلام، والزمن القابل للصوم، والإمساك عن سائر المفطرات. ومنها ما هو شرط في الوجوب والصحة معا، وهو ثلاثة: النقاء من دم الحيض والنفاس، والعقل، ودخول شهر رمضان. فتلك أقسام ثلاثة تشتمل على شروط تسعة.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: ولا يخفى أن بعضها من الأركان، ففي إطلاق الشروط على ذلك تسامح والله سبحانه أعلم. وكفت نية لما يجب تتابعه؛ يعمي أن الصوم الذي يجب تتابعه وهو: رمضان في حق الصحيح الحاضر، وكفارة القتل والظهار، وكفارة الفطر في رمضان، والصوم المنذور تتابعه، وقضاء رمضان عند ضيق الوقت تكفي له نية واحدة في أول ليلة منه على المشهور، ومقابله ما روي عن مالك من وجوب التبييت كل ليلة، قال في البيان: وهو شذوذ في المذهب، وفهم من كلام المصنف أن المسافر والمريض لابد لهما من التبييت كل ليلة؛ لأن التتابع لا يجب عليهما وهو كذلك، وسيأتي للمصنف: "لا إن انقطع تتابعه"، وأشعر قوله: "وكفت نية لما يجب
стр. 2291
تتابعه"، أن المطلوب التبييت كل ليلة. وقد صرح عياض في قواعده والشبيبي وغيرهما بأنه يستحب تجديد النية لكل يوم من رمضان. والله أعلم. قاله الحطاب. لا مسرود، عطف على قوله: "لما يجب تتابعه": يعني أن الشخص إذا عزم على سرد صوم أيام أي تتابعها فإنه لا تكفي لصومها نية واحدة، بل لابد لكل يوم منها من نية تخصه، ودخل في ذلك من أراد قضاء رمضان متتابعا، ومن عزم على صوم رمضان في السفر أو في المرض، فلا بد من تبييت النية في ذلك لكل ليلة: وعن مالك أنه تجزئه نية واحدة في الصوم الذي عزم على تتابعه. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي عند قوله "لا مسرود: كأيام اختار صيامها مسرودة" أي متتابعة من غير أن يجب عليه شرعا تتابعها. انتهى. وقال الشبراخيتي: لا مسرود؛ بأن يختار الصائم أياما للصوم متتابعة من سرد الصوم إذا تابعه كما في الصحاح. انتهى.
وعلم من هذا أن المسرود هو الصوم المتابع الذي لا يجب تتابعه، وهو ما عزم الإنسان على أن يتابعه من غير الصوم الواجب التتابع. والله سبحانه أعلم. ويوم معين؛ يعني أن الشخص إذا نوى صوم يوم معين، كصوم يوم الاثنين أو الخميس دائما، أو نذر ذلك لا يصح صومه إلا بنية كل ليلة تلي ذلك اليوم قبله، ولا يكتفي بنية واحدة على الصحيح، وعن مالك أنه تجزئه نية واحدة في اليوم الذي نواه أو نذره. قاله الحطاب وغيره.
وقال محمد بن الحسن: ظاهر المصنف سواء كان منذورا أم لا كما شرحه به الزرقاني، ويفيده كلام ابن يونس في المواق خلافا لما في ابن الحاجب من تقييده بالمنذور، وأقره في التوضيح. ورويت على الاكتفاء فيهما؛ يعني أن المدونة رويت على أنه يكتفى بنية واحدة في مسألتي المسرود واليوم العين، أما المسرود فلأنه حصل له بالتتابع الشبه برمضان، وأما المنذور العين فلوجوبه وتكرره وتعين زمانه، قال الحطاب: ولم أقف على من روى المدونة على القول بالاكتفاء فيهما بشيء من شروحها. لا إن انقطع تتابعه بكمرض أو سفر، قوله: "لا إن انقطع" عطف على مقدر بعد قوله: "لما يجب تتابعه"؛ أي واستمر تتابعه أي وجوب تتابعه، لا إن انقطع تتابعه، ولذا ترك الإتيان بالواو قبل قوله: "لا إن انقطع تتابعه"، ومعنى كلام المصنف أنه إذا انقطع وجوب تتابع الصوم بسبب مرض، أو سفر، أو حيض، أو نفاس، أو إغماء، أو جنون، فإن تلك النية الأولى لا
стр. 2292
تكفي، ولو استمر صائما على المعتمد لانقطاع وجوب التتابع، بل لابد من تبييت النية كل ليلة؛ لأنه يشترط في الاكتفاء بنية واحدة وجوب التتابع، فإذا لم يجب ابتداء أو انتهاء فلابد من تبييتها كل ليلة في ذلك الذي لا يجب تتابعه، فإن انقطع وجوب التتابع ثم زال المانع اكتفى لما بقي بنية واحدة، كما أفاد ذلك بقوله: "وكفت نية لما يجب تتابعه"، وأما ما قبل الانقطاع فصحته بالنية الأولى معلومة لا تحتاج إلى التنبيه عليها. والله سبحانه أعلم.
وقد مر أنه لا تكفي النية الأولى، ولو استمر صائما على المعتمد؛ وهو الذي يفيده الشيخ سالم، وتحقيق المباني، وكفاية الطالب؛ وهو مفهوم قوله: "لما يجب تتابعه"، وقيل: لا يحتاج للتبييت كل ليلة -كما مر- وما في التتائي من إيهام تساوي القولين غير معول عليه، وعلى المعتمد يجب القضاء إذا لم يبيت وإن لم يفطر: وهل يجب الإمساك؟ ظاهر ما يأتي للمصنف أنه لا يجب الإمساك حيث قال: "وفطر بسفر قصر شرع فيه قبل الفجر ولم ينوه فيه"، فإنه صادق بما إذا نوى الفطر به، وما إذا لم ينو شيئا، قال الشيخ علي الأجهوري: وأيضا المسافر الذي لم ينو الصوم في السفر بمنزلة من أفطر في غير رمضان؛ إذ له الأكل فيه فرمضان في حقه كغيره. تأمل. انتهى.
واعلم أن حصول المرض والسفر في أثناء النهار لا يقطع استدامة النية حكما في ذلك اليوم، وإنما يقطع استصحابها في ابتداء الصوم فيما بعد ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب.
وعلم مما قررت أنه دخل بالكاف ما يفسد الصوم من حيض أو نفاس أو إغماء أو جنون، وكذا تبييت الفطر ولو ناسيا، وكذا الفطر عمدا. وقد مر أنه إذا زال العذر تكفي نية واحدة لما بقي لأنه يجب تتابعه، وأما الفطر في النهار ناسيا مع تبييت الصوم فلا يقطع التتابع على المعتمد، وأما المكره فحكمه حكم المريض؛ أي فيقطع التتابع لأجل إكراهه.
ولابن عاشر رحمه الله تعالى:
وَنِيَّةٌ تَكْفِي لِمَا تَتَابُعُهْ … يَجِبُ إِلاَّ إِن نَّفَاهُ مَانِعُهْ
стр. 2293
وقوله: "لا إن انقطع تتابعه بكمرض أو سفر"، قد علمت أن المدار إنما هو على انقطاع وجوب التتابع، وعبارة الحطاب: والمعنى أن النية إنما تكفي فيما يجب تتابعه ما لم يحصل فيه ما يقطع وجوب التتابع، كالمرض والسفر، فإن حصل ذلك فيه فلا تكفي النية السابقة، ولو أراد المكلف استمراره على الصوم ومتابعته فلا بد له من التجديد كل ليلة، وقال الفاكهاني في شرح الرسالة: من نوى جميع رمضان من أوله ثم سافر في أثنائه، اختلف فيه قول مالك، فقال في المبسوط: لا يحتاج إلى التبييت، وقال في العتبية: يحتاج إلى تجديد النية. انتهى. واستظهر في البيان الاكتفاء بنية واحدة في أوله، فإنه قال: وأما إن كان الصيام يجوز تفريقه كقضاء رمضان وصيامه في السفر وصيام كفارة اليمين وفدية الأذى، فاختلف إذا نوى متابعة ذلك، هل تجزئه نية واحدة في أوله، أو يلزمه تجديد النية لكل يوم؟ لجواز الفطر على قولين: الأظهر منهما أنه تجزئه نية واحدة في أوله ما لم يقطعها بنية الفطر عامدا، وأما ما لم ينو متابعته من ذلك فلا خلاف في أن عليه تجديد النية لكل يوم. انتهى.
وبما قررت علم أن قوله: "لا إن انقطع تتابعه"، معناه لا إن انقطع وجوب تتابعه، فلا يتوهم منه أنه إن استمر صائما تكفيه النية الأولى. وبنتاء، عطف على قوله: "بنية".؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم مطلقا فرضا أو نفلا أداء أو قضاء النقاء من الحيض والنفاس، يريد في جميع النهار، وأفاد أيضا أنه شرط وجوب، بقوله: ووجب إن طهرت قبل الفجر، يعني أن المرأة إذا طهرت قبل الفجر، فإنه يجب عليها صوم يوم تلك الليلة التي طهرت فيها؛ أي رأت علامة الطهر ولو الجفوف لمعتادة القصة، فلا تنتظرها لضيق الوقت. وإن لحظة؛ يعني أنه يجب عليها الصوم حين طهرت قبل الفجر، ولا فرق في ذلك بين أن تكون قد طهرت قبل الفجر بزمن يسع الغسل، وبين أن تكون قد طهرت قبله بزمن قليل قدر لحظة وما فوقها مما لا يسع الغسل، وهذا هو المشهور كما صرح به غير واحد، وقال ابن الماجشون: إن طهرت قبل الفجر بزمن يسع الغسل فلم تغتسل حتى طلع الفجر أجزأها صومها. وإن كان الوقت ضيقا لا يسع الغسل لم يجزها صومها انتهى من التوضيح. وعلى ابن الماجشون رد المصنف بالمبالغة كما قاله غير واحد، وظاهره
стр. 2294
أنه يجوز لها الأكل عنده، فإنه قال بعده: وقال محمد بن مسلمة: تصوم وتقضي، وفي كلام الطراز ما يدل على ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب.
ورد المصنف بالمبالغة أيضا ما حكى ابن شعبان من مراعاة حصول الغسل، واللحظة أقل جزء من الزمان، وأقل جزء من الزمان هو الجزء الملاقي للفجر من آخر الليل، فليس فيه معارضة لقوله: أو مع الفجر كما قيل، ووجه المعارضة أنه علق الوجوب هنا بما قبل الفجرة وفيما سبق بالمقارنة للفجرة قاله الشبراخيتي عن الشيخ علي الأجهوري. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: تأمل هذا التحرير فإنه عجيب. ومع القضاء إن شكت؛ يعني أن المرأة إذا أصبحت فشكت هل طهرت قبل الفجر أو بعده؛ فإنها تصوم يومها ذلك وتقضيه. قاله في المدونة. وهذا بخلاف الصلاة فإنها لا تؤمر بقضاء ما شكت فيه في وقته هل كان الطهر فيه أم لا؟ كشكها هل طهرت قبل الفجر أو بعده؟ بحيث لم يبق من وقت الصبح ما تدرك فيه ركعة بعد الطهر، فلا تجب عليها صلاتها، والفرق بينهما أن وقت الأداء في الصوم باق بخلافه في الصلاة. والله سبحانه أعلم. هذا هو الذي يظهر، لا ما لعبد الباقي تبعا لابن عبد السلام والتوضيح، فإنه غير صحيح كما قاله محمد بن الحسن. وقوله: "ومع القضاء إن شكت"، المراد بالصوم الذي يجب عليها هنا الصوم اللغوي، وهو الإمساك، ومن شك في نية صوم النفل هل حصلت قبل الفجر أو بعده؟ فهل يجب عليه الإمساك أم لا؟ وكذا من شك هل حصلت منه نية صوم قضاء رمضان قبل الفجر أو بعده؟ ونحو هذا، قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: الذي يتضح لي في هذه المسائل الكثيرة الوقوع أنه لا يجب عليه الإمساك للقاعدة المقررة، قال محمد بن الحسن عند قول المصنف: "وبشك في حدث بعد طهر عُلِمَ" مشيرا إلى الفرق بينه وبين الشك في الطلاق، قال في الذخيرة: الأصل أن لا يعتبر في الشرع إلا العلم لعدم الخطإ فيه، وقد تعذر في أكثر الصور، فجوز الشارع الظن لندرة خطئه وبقي الشك غير معتبر، ويجب اعتبار الأصل السابق، فإن شككنا في السبب لم يترتب المسبب، أو في الشرط لم يترتب المشروط، أو في المانع لم ينتف الحكم، فهذه قاعدة مجمع عليها لا تنتقض، وإنما اختلف العلماء في وجه استعمالها، فالشافعي يقول في مسألة الشك في الحدث بعد طهر علم الطهارة متيقنة والمشكوك فيه ملغى، ومالك يقول شغل الذمة بالصلاة متيقن
стр. 2295
محتاج إلى السبب المبري، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط، فيقع الشك في الصلاة الواقعة بالطهارة المشكوك فيها وهي السبب المبري، والمشكوك فيه ملغى فيستصحب شغل الذمة، والشك في عدم الصلاة شك في السبب، فيستصحب شغل الذمة حتى يأتي بسبب مبرئ، والعصمة متيقنة، والشك في السبب الرافع فتستصحب. انتهى.
وكذا الحكم لو شك في قضاء رمضان، هل حصل منه فطر أم لا؟ فلا يجب عليه الإمساك لما سأذكره عند قول المصنف: "وقضى في الفرض مطلقا". قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. والله سبحانه أعلم. وبعقل، عطف على قوله: "بنية"؟ يعني أنه يشترط في صحة الصوم ووجوبه العقل، فلا يصح من مجنون، ولا من معتوه، ولا من مغمى عليه على التفصيل الآتي، ولا يجب عليهم ما داموا بتلك الصفة، ولما أفهم قوله: "ومع القضاء إن شكت"، وجوب القضاء على الحائض، أفاد وجوب القضاء على المجنون والمغمى عليه في بعض أحواله نصا بقوله: وإن جن، الأولى التفريع بالفاء؛ يعني أن المجنون إذا أفاق فإنه يجب عليه قضاء ما كان مجنونا فيه من رمضان؛ قل ذلك الزمن الذي يجب صومه أو كثر، ولهذا قال: ولو سنين كثيرة؛ يعني أنه لا فرق في وجوب القضاء على المجنون إذا أفاق بين أن يجن سنين كثيرة كعشرة مثلا، وبين أن يجن ما هو أقل من السنين الكثيرة، وقوله: "وإن جن" الخ، تقريره أن تقول: وإن جن شخص جنونا مطبقا بعد أن بلغ عاقلا، أوأتى عليه البلوغ مجنونا، وقلت سنو جنونه، فيهما كالخمسة، بل ولو جن سنين كثيرة فيهما أيضا كالعشرة، فالقضاء في الأربعة اتفاقا في الأولى، وعلى المشهور في الباقي لأن الجنون مرض والمريض يقضي، ولا ينافي هذا قوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاث: الصبي حتى يحتلم، والنائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق (١))؛ لأن المراد من رفعه عدم الإثم في هذه الحالة. قاله الخرشي.
وقوله: "ولو سنين كثيرة"، قال الإمام الحطاب: هو مذهب المدونة، وقيل: إن قلت السنون فعليه القضاء، وذلك كالخمسة الأعوام، وإن كثرت فلا قضاء. ذكره اللخمي عن ابن حبيب عن
стр. 2296
مالك، وإليه أشار بقوله: "ولو سنين كثيرة"، وقيل: إن بلغ مجنونا فلا قضاء عليه، وإن طرأ عليه الجنون فعليه القضاء، وقال محمد بن الحسن عند قوله: "ولو سنين": هذا قول مالك وابن القاسم في المدونة، ورد بلو ما حكاه ابن حبيب عن مالك والمدنيين إن قلت السنون كالخمس ونحوها فالقضاء، وإن كثرت كالعشرة فلا قضاء، وأتى المصنف "بكثيرة" بعد قوله: "سنين"، ليلا يصدق ذلك على ثلاثة مع أنها ليست من محل الخلاف. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وتحصل مما مر أن الصور أربع: إحداها جن سنين قليلة بعد أن بلغ عاقلا؛ فعليه القضاء اتفاقا، الثانية جن سنين قليلة وأتى عليه البلوغ مجنونا، الثالثة والرابعة جن سنين كثيرة بلغ عاقلا أم لا، وهذه الثلاثة فيها القضاء على المشهور.
ولما كان للمغمى عليه ست حالات، أشار لأولاها بقوله: أو غمي يوما؛ أن المغمى عليه إذا تمادى به الإغماء يوما كاملا بأن أغمي عليه من قبل طلوع الفجر إلى أن غربت الشمس، فإنه يقضي ذلك اليوم ولا خلاف في هذا نص عليه غير واحد من الأشياخ. قاله الشارح.
وأشار إلى الحالة الثانية بقوله: أو جله؛ يعني أن المغمى عليه إذا تمادى به الإغماء جل النهار فإنه يجب عليه قضاء ذلك اليوم، سلم من الإغماء أوله أم لا، هذا هو مذهب المدونة، واستحب له أشهب القضاء. أو أقله؛ يعني أن الشخص إذا أغمي أقل النهار، وأولى إذا أغمي عليه نصف النهار، فإنه يجب عليه قضاء ذلك اليوم الذي أغمي عليه أقله أو نصفه ومحل وجوب القضاء عليه في مسألتي النصف، والأقل حيث لم يسلم من الإغماء أوله؛ أي أول النهار؛ بأن كان وقت النية مغمى عليه، وقد مر أن النية لا بد أن تكون مبيتة أو مع الفجر، فقوله: "أو أقله ولم يسلم أوله"، يشتمل على حالتين من حالات الإغماء يجب فيهما القضاء كما قررت، ولابد فيهما كما قال المصنف من أن يكون وقت النية سالما من الإغماء؛ بأن يطلع عليه الفجر وهو سالم من الإغماء، وقوله: "أو أقله ولم يسلم أوله"، هو نص المدونة، وفي سماع أشهب عن مالك: الإجزاء، وإنما يبطل الصوم في هذه المسائل الأربع من مسائل الإغماء لاختلال النية؛ لأن الإغماء يبطلها لو حصلت، فتبطل فيما إذا تمادى به الإغماء جل النهار، وفيما إذا لم يسلم أول النهار لفقدها عند
стр. 2297
محلها ولا عبرة بوجودها قبل ذلك، فلو جدد النية فيما إذا أفاق قبل طلوع الفجر فإنه يصح صومه حيث لم يغم عليه بعد ذلك جل النهار.
وعلم مما قررت أن قوله: فالقضاء جواب الشرط؛ أي باعتبار المحذوف الذي هو الخبر، فهو جار في المسائل الثمان. والله سبحانه أعلم.
وأشار إلى الحالتين الباقيتين من حالات الإغماء الست بقوله: لا إن سلم؛ يعني أن المغمى عليه إذا سلم أول النهار من الإغماء؛ بأن طلع عليه الفجر وهو سالم من الإغماء، فإنه لا قضاء عليه حيث أغمي عليه أقل النهار، بل ولو أغمي عليه نصفه؛ أي اليوم، فلا قضاء، ولو أغمي عليه فيما قبل لأنه أوقعها قبل الفجر أو معه، واحترز بقوله: "نصفه"، عما إذا أغمي عليه أكثر من نصفه فإنه يجب عليه القضاء، كما قال: "أوجله"، وقوله: "ولو نصفه"، هو مذهب المدونة، وقال ابن حبيب: لا يجزئه ولو كان أول النهار سالما، وعليه رد المصنف بلو، واتفق على الإجزاء فيما إذا كان الإغماء أقل النهار؛ وهو سالم أوله، وهو ظاهر كلام اللخمي. قاله الشارح. وظاهر كلام صاحب الطراز أن حكم الإغماء والجنون سواء؛ فإنه قال في باب الاعتكاف: إذا أغمي عليه أو جن، وكان في عقله حين الفجر أو أكثر النهار، ولم يخرج من المسجد حتى الليل، يجزئه عكوفه ذلك اليوم على ما مر في صحة صومه. والله أعلم قاله الحطاب.
وقال عبد الباقي: الراجح أن الجنون في يوم واحد يفصل فيه كالإغماء، وذكر المصنف المدة الطويلة في الجنون، وترك التفصيل في المدة القصيرة، وعكس في الإغماء باعتبار الغالب فيهما وإن كان الحكم فيهما واحدا، ولهذا يقدر ما قبل المبالغة -أعني قوله: "ولو سنين كثيرة"- يومين فما فوقهما. والله أعلم.
واعلم أن السكر حلالا أو حراما كالإغماء، فيفصل فيه تفصيله وكذا تغييب العقل مطلقا كان لعلة أم لا، ولا يجوز إن كان لغير علة، وأما النائم يوما أو يومين أو أكثر مع تبييت الصوم فلا قضاء عليه؛ لأنه لو نُبِّهَ لانتبه: هذا هو الظاهر لا ما لعبد الباقي من أن السكر الحرام كالإغماء في تفصيله، والحلال كالنوم، وأن تغييب العقل لعلة كالنوم ولغير علة كالإغماء؛ فإنه غير ظاهر. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية محمد بن الحسن.
стр. 2298
وقال في التوضيح: وأسقط أبو حنيفة والشافعي القضاء عن المجنون وهو الظاهر، واحتجاج أهل المذهب بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، الآية. والمجنون مريض ليس بظاهر. قاله الشبراخيتي. وبترك جماع؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم أن يترك الصائم في جميع نهاره الوطء؛ أي مغيب الحشفة وإن لم ينزل، أو قدرها ولو بدبر أو فرج ميتة، أو بهيمة من بالغ لا من غيره، فلا يفسد صومه ولا صوم موطوءته البالغة حيث لا يوجد منها مني أو مذي. قاله عبد الباقي، وغيره.
قال محمد بن الحسن: وفيه نظر، وقوله: "وبترك جماع". قال الحطاب: الأحسن أن يعد هذا وما بعده من الأركان إلا أن يكون المراد بالشروط ما لا تصح الماهية بدونه، كان داخلا أو خارجا، وهذا جار في أكثر الشروط التي ذكرها في هذا الباب، ولم يذكر المصنف الإنعاظ وذكر فيه في المدونة قولين، قال فيها: روى ابن وهب وأشهب عن مالك فيمن قبل امرأته أو غمزها أو باشرها في رمضان فلا شيء عليه إلا أن يمذي فيقضي. انتهى. فهذا يقتضي أنه لا قضاء في الإنعاظ. قاله الحطاب.
قال عبد الباقي: وهو المعتمد خلافا لقول ابن القاسم فيها، وروايته عن مالك في غيرها؛ أي في الحمديسية والعتبية كما في أحمد بالقضاء، لقاعدة الشيوخ أن رواية غير ابن القاسم فيها عن مالك مقدمة على قول ابن القاسم فيها، وعلى روايته في غيرها عن الإمام. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. قال محمد بن الحسن: هذا في نفسه صحيح لكن ذكر في التوضيح أن قول ابن القاسم بالقضاء في الإنعاظ هو الأشهر، فعلى المصنف لو درج عليه لكن محل القضاء في الإنعاظ الناشيء عن قبلة أو مباشرة أو لمس، فإن نشأ عن نظر أو فكر، فقال الحطاب: الظاهر فيه عدم القضاء ولو استديما، واستدل على ذلك بكلام التنبيهات وابن بشير وغيرهما، ونص التنبيهات: وإنما الخلاف عند بعضهم إذا حصل عن ملاعبة أو مباشرة، وأما إن كان عن نظر أو لمس فلا شيء عليه، وأطلق في البيان الخلاف. انتهى. وقال في البيان في رسم طلق من سماع ابن القاسم: إن نظر قاصدا إلى التلذذ بالنظر، أو تذكر قاصدا إلى التلذذ بذلك، أو لمس: أو قبل، أو باشر فسلم فلا شيء عليه، وإن أنعظ ولم يمذ ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها عليه القضاء وهي رواية ابن القاسم هذه، والثاني
стр. 2299
لا شيء عليه وهي رواية أشهب عن مالك في المدونة، والثالث الفرق بين المباشرة وما دونها من قبلة أو لمس، فإن أنعظ عن مباشرة فعليه القضاء، وإن أنعظ بما دونها فلا قضاء عليه؛ وهو قول ابن القاسم الذي أنكره سحنون. انتهى قاله الحطاب. وإخراج مني؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم أن لا يخرج الصائم المني، فإن أخرجه وإن لم يجامع وجب عليه القضاء، واحترز بقوله: إخراج من المني المستنكح كما يأتي، واحترز به أيضا من الاحتلام فإنه لا شيء عليه فيه؛ لأنه خروج لا إخراج.
فرع: لو جامع قبل الفجر ونزل منه بعد الفجر شيء، فالظاهر أنه لا شيء عليه كمن اكتحل ليلا ثم هبط نهارا. قاله الخرشي. وفي حاشية الأمير: إذا جامع ليلا فأمنى نهارا فلا شيء عليه، كمن اكتحل ليلا فوصل نهارا. انتهى. ومذي؛ يعني أن صحة الصوم مشروطة بترك إخراج المذي، ولو عن فكر أو نظر ولو غير مستدامين كما في المدونة، خلافا لابن بشير والأقفهسي، واحترز بإخراج المذي عن خروجه كالمستنكح، فإنه لا يضر كما يأتي للمصنف.
قال ابن القاسم: وإن جامعها دون الفرج أو باشرها فأنزل فالقضاء عليه والكفارة، وإن باشرها فأمذى أو أنعظ وحرك منه لذة وإن لم يُمْذِ فليقض. انتهى. وقيء؛ يعني أن صحة الصوم مشروطة بترك إخراج القيء، ففي المستدعى القضاء إلا أن يرجع فالكفارة، ولا قضاء في خروج غالبه إلا أن يرجع منه شيء، فالقضاء كما يأتي. وإيصال متحلل؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم ترك إيصال المتحلل للمعدة أو للحلق، ولا مفهوم لإيصال بل الوصول كذلك؛ أي يشترط في صحة الصوم عدم وصول متحلل أو غيره للحلق، وكذا يشترط عدم الوصول للمعدة. والله سبحانه أعلم. والمتحلل هنا كل ما ينماع ولو في الجوف، كما في الفيشي، ومعنى ذلك أن ما وصل من الأعالي وهو متحلل يفسد الصوم بوصوله للحلق، ولا يشترط وصوله للمعدة، وما دخل من الأسفل منه يفسد الصوم بوصوله للمعدة، وإذا ابتلع الصائم في النهار ما بين أسنانه من الطعام لم يجب عليه قضاء لأنه أمر غالب، قال ابن الماجشون: وإن كان متعمدا لأنه ابتدأ أخذه في وقت يجوز له، قال ابن رشد: وهو بعيد. قاله الحطاب. ونقله عنه عبد الباقي.
стр. 2300
قال محمد بن الحسن: ما ذكره -يعني عبد الباقي- من أن ابتلاع ما بين الأسنان لا يفطر، شهره ابن الحاجب وهو مذهب المدونة، والذي استبعده ابن رشد إنما هو نفي القضاء في العمد، والمدونةُ لم تصرح بالعمد، لكن يؤخذ من إطلاقها والله أعلم. انتهى. أو غيره؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم أيضا ترك إيصال غير المتحلل للحلق، فقوله: "أو غيره"، هو فيما إذا كان الداخل من منفذ عال كما في المواق، ونصه: ويجب الإمساك عما يصل إلى الحلق مما ينماع أو لا ينماع، وغير المتحلل كالحصاة والدرهم، وقال عبد الباقي: إن غير المتحلل إنما يفطر إذا وصل إلى المعدة، لا إن وصل للحلق وَرُدَّ. وهو غير صحيح قال محمد بن الحسن: قوله -يعني عبد الباقي- وأما وصول غيره أي المتحلل إليه أي الحلق ورد، فلا يوجب الفطر؛ أي وإنما يحصل الفطر بغير المتحلل إذا وصل للمعدة، وهذا تبع فيه البساطي وهو غير صواب لما نقله المواق عند قوله: "وبخور"، عن التلقين، ونصه في التلقين: ويجب الإمساك عما يصل إلى الحلق الخ، وناقش الرهوني بناني في ذلك، وقال: الصواب ما ذكره الزرقاني تبعا للبساطي، وساق من النقل ما لم يظهر لي منه قيام الحجة له على بناني. على المختار؛ يعني أنه اختلف في الحصاة والدرهم ونحوهما مما لا يتحلل منه في العدة شيء، هل له حكم الطعام أم لا؟ فقال عبد الملك: له حكم الطعام، فيفسد الصوم وليقض وجوبا، وقال ابن القاسم: لا قضاء عليه إلا أن يتعمد فيقضي لتهاونه بصومه. اللخمي: والأول أشبه لأن الحصاة تشغل العدة إشغالا ما، وتنقص كلب الجوع. قاله الشارح.
وبما قررت علم أن قوله: "على المختار"، خاص بقوله: "أو غيره"، فلو قال: كغيره بالكاف، كان أوفق لقاعدته الأغلبية، وعلم مما نقلت عن الشارح أن خلاف ابن القاسم محله فيما إذا لم يتعمد ابتلاع الدرهم أو الحصاة مثلا، وأما لو تعمد فيقضي اتفاقا، فمقابل المختار إنما هو فيما عدا المتعمد، وأما المتعمد فهو محل اتفاق بين ابن القاسم وعبد الملك. والله سبحانه أعلم. لمعدته، متعلق بقوله: "وإيصال"؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم ترك إيصال للمعدة، بـ سبب حقنة، وهذا أيضا متعلق "بإيصال"، وقوله: بمائع متعلق "بحقنة"، "والباء"، بمعنى: من؛ يعنى أنه يشترط في صحة الصوم أن يترك إيصال شيء للمعدة بسبب حقنة من منفذ واسع سافل كدبر
стр. 2301
لرجل أو امرأة، وأما فرج المرأة فنص غير واحد من الشراح على أن الواصل منه للمعدة كالواصل من الدبر، فيفسد به الصوم. قال الشيخ إبراهيم: وأما فرج المرأة فيجب عليها القضاء بحقنتها منه إن وصل للمعدة، فلا يشمله قول المصنف الآتي عاطفا على ما لا قضاء فيه: "وحقنة من إحليل"، وإن كان يقع على فرج المرأة في اللغة الإحليل كما في النهاية، وقال محمد بن الحسن: واعترض أبو علي لزوم القضاء بالحقنة من فرج المرأة؛ بأن فرج المرأة ليس متصلا بالجوف، فلا يصل إليه منه شيء، وفي الحطاب عن النهاية أن: الإحليل يقع على ذَكَرِ الرجل وفرج المرأة. انتهى.
واعلم أنه لابد في الواصل بسبب الحقنة من أن يكون مائعا كما قال المصنف، والمائع هو المتحلل، فلا يضر وصول جامد للمعدة بسبب حقنة إلا أن يتحلل عقب الإدخال قبل وصوله للمعدة، واحترزت بالنفذ الواسع عن الضيق كإحليل الرجل، فإن الواصل بسببه لا يضر كما يأتي للمصنف. والله سبحانه أعلم.
قال الشبراخيتي: والحقنة صب الدواء من الدبر بآلة مخصوصة لمن به أرياح أو داء في الأمعاء، وما حصل من الدواء للأمعاء حصل به الأخذ للكبد، وقال عبد الباقي نحوه، إلا أنه قال: وما حصل للأمعاء من طعام حصل به [مشابهة الغذاء] (١)، فإن الحقنة تجذب من المعدة ومن سائر الأمعاء، فصار ذلك في معنى الأكل. قاله سند. واحترز بالمائع من الجامد، ولو فتائل عليها دهن، وانظر هل مثله ما يصل للمعدة من ثقبة تحت المعدة أو فوقها، أو كالحقنة في الدبر، أو يجري على ما تقدم في الوضوء؟ انتهى.
وقال في المدونة: وتكره الحقنة والسعوط للصائم، فإن احتقن في فرض أو واجب بشيء يصل إلى جوفه فليقض ولا يكفر. انتهى. ومحل الكراهة حيث لم يتحقق وصول شيء بذلك للجوف أو للحلق، وعلم من المصنف أنه إذا تحقق وصول المائع للجوف بالحقنة أنها تحرم لإفسادها للصوم، وهذا إذا لم يضطر لها، وأما إن اضطر لها فإنها لا تحرم عليه. قاله الحطاب.
стр. 2302
والحاصل أن الحقنة إذا تحقق وصولها للجوف في الصوم، حرمت لإفسادها للصوم وإن تحقق عدم وصولها للجوف جازت، وإن استوف الاحتمالان كرهت. قاله أبو الحسن. فإن تحقق الوصول للجوف قضى، وإن تحقق عدمه فلا قضاء، وإن شك جرى على الخلاف فيمن أكل وهو شاك في الفجر.
تنبيهات: الأول: ما حكم الحقنة لغير الصائم؟ حكى ابن حبيب كراهتها عن جماعة من السلف إلا لضرورة؟ لأنها شعبة من عمل قوم لوط ولا تعرفها العرب؛ وهي من أدوية العجم، وروى الكراهة مطرف، وروى ابن عبد الحكم لا بأس بها، ويمكن حمله على الضرورة فيتفقان. قاله الخرشي.
ونقل الحطاب عن ابن حبيب في كتاب له في الطب: كان علي وابن عباس ومجاهد والشعبي والزهري وعطاء والنخعي والحكم بن عيينة وربيعة وابن هرمز يكرهون الحقنة إلا من ضرورة غالبة، ويقولون: لا تعرفها العرب وهي فعل العجم؛ وهي ضرب من عمل قوم لوط، قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف عن مالك أنه كرهها، وذكر أن عمر بن الخطاب كرهها، وقال: هي شعبة من عمل قوم لوط، قال عبد الملك: سمعت ابن الماجشون يكرهها، ويقول: كان علماؤنا يكرهونها، قال ابن حبيب: وكان من مضى من السلف وأهل العلم يكرهون التعالج بالحقن إلا من ضرورة غالبة لا يوجد عن التعالج بها مندوحة، وسئل مالك في مختصر ابن عبد الحكم عن الحقنة، فقال: لا بأس بها. الأبهري: إنما قال ذلك لأنها ضرب من الدواء، وفيه منفعة للناس، وقد أباح النبي ﷺ التداوي وأذن فيه، فقال: (ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله فتداوَوْا عبادَ الله (١)). انتهى. خليل: فظاهره معارضة النقل، ويمكن تأويله على حالة الاضطرار فيتفق النقلان. انتهى كلام الحطاب.
الثاني: ما ذكره المصنف من فساد الصوم بالحقنة من المائع هو في المدونة، وقال اللخمي: اختلف في الاحتقان بالمائعات، هل يقع به فطر أم لا يقع به؟ وهو أحسن لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة ولا إلى موضع يتصرف منه ما يغذي الجسم بحال. انتهى.
стр. 2303
الثالث: لا كفارة فيما وصل للجوف بالحقنة، وإن تعمد وهو ظاهر؛ إذ لا كفارة فيما وصل من غير الفم، قال عبد الحق: قال ابن سحنون: ولا تجب الكفارة فيما وصل من غير الفم من عين أو أذن أو غيرهما، وإن تعمد ذلك وهو يصل إلى حلقه. انتهى. نقله الحطاب. وقال الشبراخيتي: وفي المدونة كراهة الحقنة، وهل هي على بابها أو على التحريم؛ لأنها شعبة من عمل قوم لوط تفعلها العجم خلاف، وظاهرها النهي ولو من ضرورة. وفي التوضيح وغيره عن جماعة من الصحابة كراهتها إلا من ضرورة غالبة، قال ابن حبيب: وهو الذي رواه مطرف عن مالك. انتهى. أو حلق، عطف على قوله: "لمعدته"؛ يعني أن ما وصل من المنفذ العالي للحلق يفسد الصوم، فلا يشترط وصوله للجوف إلا على قول ضعيف، فقوله: "أو حلق"، هو راجع لقوله: "متحلل أو غيره"، فيما إذا كانا واصلين من منفذ عال، ولا أطلق المصنف في الحلق علم أنه راجع للمتحلل وغيره، ولما قيد الحقنة بالمائع علم أنها راجعة للمتحلل، ولما نوَّع الأعالي للمنفذ المتسع والضيق ولم يفعل ذلك في الأسافل دل على تقييد الأسفل بالمنفذ الواسع وهو الدبر لرجل أو امرأة، وفي فرج المرأة ما مر وإحليل الرجل لا قضاء في الواصل منه، فتقرير المصنف: ويشترط في صحة الصوم عدم وصول متحلل أو غيره لحلق الصائم في الواصل من منفذ أعلى واسعا أو ضيقا، ولا يشترط وصوله للجوف إلا على قول ضعيف، ويشترط في صحة الصوم عدم وصول المتحلل من منفذ سافل للمعدة بشرط أن يكون المنفذ واسعا، فقوله: "لمعدته"، في الواصل من المنفذ الأسفل، وقوله: "أو حلق" في الواصل من منفذ أعلى كما عرفت، وقوله: "بمائع" إنما أظهر الاسم ولم يجعله ضميرا يعود على المتحلل لأنه قدم ذكر المتحلل وغيره، فلو أعاد عليه ضميرا مفردا لتوهم أنه عائد على قوله "غيره"؛ لأن الضمير يعود على أقرب مذكور أو توهم عوده على المتحلل، وغيره على تأويل ما ذكر. والله سبحانه أعلم.
واعلم أن هذه المسألة تشتمل على ثمان صور لأن الصائم إذا وصل إلى داخله شيء، فإما أن يكون من أسفل أو من أعلى، وفي كل إما أن يكون متحللا أو غيره، فتلك أربعة، وفي كل منها إما أن يكون من منفذ ضيق أو واسع، فتلك ثمانية، فإن كان من أعلى اشترط وصوله للحلق متحللا أو غيره فيجب القضاء في الواصل للحلق من أعلى واسعا أو ضيقا، فتلك أربع صور يجب فيها
стр. 2304
القضاء، وإن كان من أسفل وجب القضاء في صورة وهي ما إذا كان الواصل للمعدة متحللا من منفذ واسع على ما مرة لا الواصل من ضيق كإحليل الرجل مانعا أو جامدا، ولا الواصل من منفذ واسع إذا كان جامدا. هذا تحقيق المسألة. والله سبحانه أعلم. وإن من أنف أو أذن أو عين؛ يعني أنه لا يشترط في إبطال الصوم بما وصل للحلق من المنفذ الأعلى أن يكون ذلك المنفذ واسعا كما مر، بل يجب القضاء فيما وصل من الأعلى ولو كان الأعلى منفذا ضيقا كأنف أو أذن أو عين، وسواء كان الواصل للحلق مائعا أو جامدا كما مر تحقيقه عن محمد بن الحسن، ولا قضاء فيما وصل من جائفة، ونَقْلُ ابن الحاجب القضاء فيه منكر، والذي يصل من العين ككحل نهارا، فإن تحقق عدم وصوله للحلق من هذه المنافذ فلا قضاء عليه كما في المدونة، ولو شك فقد قدمت ما يفيد أن المشهور فيه وجوب القضاء، وهو أن أبا الحسن قال: لو احتقن وشك في وصول الحقنة لجوفه جرى على الخلاف فيمن أكل وهو شاك في الفجر. انتهى: وسيأتي التصريح عنه بما يفيد ما ذكرت، ومحل وجوب القضاء فيما يصل من هذه المنافذ إن فعله نهارا، فإن فعله ليلا فلا شيء عليه في هبوط ذلك نهارا للحلق، بل ولا للمعدة كما نقله محمد بن الحسن عن الذخيرة، ونصها على ما قال: من اكتحل ليلا لا يضره هبوط الكحل في معدته نهارا. انتهى.
وفصل ابن هلال فقال في الكحل والحناء: يجوز فعلهما أول الليل، ويحرم آخره كالنهار. انتهى. وإنما كان الواصل نهارا من هذه المنافذ لا قضاء فيه فيما إذا استعمل ليلا؛ لأنه غاص في أعماق البدن فكان بمثابة ما ينحدر من الرأس إلى البدن، قال عبد الباقي: وأشعر كلامه -يعني المصنف كابن الحاجب- بأن ما وصل نهارا من غير هذه المنافذ لا شيء فيه، فمن دهن رأسه نهارا فوجد طعم ذلك بحلقه فلا قضاء عليه، والمعروف وجوب القضاء، ومثله من جعل الحناء برأسه نهارا فاستطعمها بحلقه فالقضاء كما ذكره الحطاب وابن غازي، وأما من حك رجليه بالحنظل فوجد طعمه في فيه، أو قبض بيده على الثلج فوجد برودته في جوفه فلا شيء عليه. انتهى. وظاهر قوله: "أو حلق"، شموله لمخارجه كلها أدناها وأوسطها وأعلاها الذي هو الهمزة والهاء، وللشافعية: مخرج الحاء المهملة له حكم الباطن عند النووي والرافعي، ومخرج الخاء المعجمة من الظاهر عند النووي دون الرافعي، ولم أر لأصحابنا فيه نصا. قاله الشيخ علي الأجهوري.
стр. 2305
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: يكفي من النص في ذلك قولهم الواصل للحلق مفطر، اللهم إلا أن يريد النص الأصولي وذلك خروج عن المقصود. والله سبحانه أعلم.
وقال الحطاب عن البرزلي ما نصه: من رعف فأمسك أنفه فخرج الدم من فيه ولم يرجع إلى حلقه فلا شيء عليه، قلت: لأن منفذ الأنف إلى الفم دون الجوف فهو ما لم يصل إلى الجوف لا شيء عليه. انتهى. انتهى. قال عبد الباقي: مقتضى قوله: ولم يرجع إلى حلقه فلا شيء عليه، يفهم منه أنه إن وصل لحلقه أفطر، وهو المناسب لما تقرر أن وصول المائع للحلق مفطر، ومقتضى قوله: آخرا فهو ما لم يصل إلى الجوف لخ، أن وصوله للحلق لا يفطر، ولعل المعتمد هو كلامه الأول. انتهى. وقد مر أن قوله: "أو حلق"، عطف على قوله: "لمعدته"؛ وهو الذي اختاره ابن غازي، قال: فكأنه اعتبر فيما يصل بالحقنة ما يليه وهو المعدة، وفيما يصل من الأعالي ما يليها وهو الحلق، فما جاوز ما يليه كان أحرى. وأما عطفه على حقنة فغير ظاهر، ولذا استبعده ابن غازي، فقال: ويحتمل على بعد أن يكون معطوفا على حقنة؛ كأنه قال: وسواء كان وصوله للمعدة بسبب حقنة أو بسبب مرور على حلق قاله محمد بن الحسن.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البعد وعدم الفائدة. والله سبحانه أعلم.
تنبيهات: الأول: لا شيء على من غسل رأسه بالغاسول في ليل أو نهار، وفي المدونة: ولا يكتحل ولا يصب في أذنه دهنا إلا أن يعلم أنه لا يصل إلى حلقه، فإن فعل فوصل إلى حلقه فليتماد في صومه، ولا يفطر بقية يومه وعليه القضاء، ولا يكفر إن كان في رمضان، فإن لم يصل إلى حلقه فلا شيء عليه. قاله أشهب. وفي نقل الحطاب: إن تحقق أنه يصل إلى حلقه لم يكن له أن يفعل، وإن شك كره، وإن علم أنه لا يصل فلا شيء عليه، والمعروف وجوب القضاء في دهن الرأس إن استطعمه، ومقتضى كلام ابن الحاجب سقوط القضاء وأنكر، قال سند: والمنع في جميع ذلك إنما هو لمن فعله نهارا، وأما من فعله ليلا فلا شيء عليه، قوله: إن تحقق أنه يصل لخ، هذا الحكم ابتداء، فإن فعل فقال الحطاب: قال أبو الحسن في الصغير: إن علم أنه وصل إلى جوفه فليتماد وعليه القضاء، وكذا إن شك، وإن علم أنه لم يصل فلا شيء عليه، وهذا أصل في
стр. 2306
كل ما يعمل من الحناء والدهن وغيره. وفي الكبير، قال بعض الشيوخ: هذا أصل كل ما يعمل في الرأس من حناء أو دهن أنه إن كان يصل إلى حلقه فليقض. الشيخ: ويختبر نفسه في غير الصوم. انتهى.
الثاني: قال سند بعد ذكره هذه الأشياء من الكحل والصب في الأذن والاستعاط والحقنة: فرع: إذا ثبت هذا فالمنع في جميع ذلك إنما هو لمن فعله نهارا، وأما من فعله ليلا فلا شيء عليه ولا يضره هبوطه نهارا؛ لأنه إذا غاص في أعماق الباطن لم تضر حركته، ويكون بمثابة ما ينحدر من الرأس إلى البدن من غير طريق الفم. انتهى. وقال ابن الحاجب: والجائفة كالحقنة بخلاف دهن الرأس، وقيل: إلا أن يستطعمه، قال ابن عبد السلام: هو خلاف في حال، وقال في التوضيح: كلامه يقتضي أن المشهور سقوط القضاء في دهن الرأس ولو استطعم، ولم أر الأول، واقتصر ابن شأس على الثاني، وكذا قال ابن عرفة إنه لا يعرف الأول، وقال البرزلي عن مسائل ابن قداح: مسألة من عمل في رأسه الحناء وهو صائم، فإن استطعمها في حلقه قضى وإلا فلا، وكذا من اكتحل، قلت: نقل ابن الحاجب عدم القضاء فيما وصل لحلقه من رأسه، والأول في السليمانية، وكذا الخلاف في الثانية، وثالثها الفرق بين النفل والفرض، وسبب الخلاف أن في هذا منافذ ضيقة ووصولها إلى الحلق نادر، فتجري على الخلاف في الطواري البعيدة النادرة، هل يختلف الحكم فيها أم لا؟ ولا كفارة في العمد مطلقا. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: خلاف في حال.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: يعني أن الأول لا قضاء عنده؛ لأنه يرى أن لا يستطعمه، والثاني يرى أنه يمكن أن يستطعمه، فإن استطعمه لزمه القضاء، وقوله: وكذا الخلاف في الثانية؛ يعني الثانية وكلام البرزلي وهي مسألة الكحل، والأولى هي مسألة الرأس، وقوله: والأول في السليمانية يعني القول الذي لم يره المصنف وابن عرفة؛ وهو القول بأنه لا قضاء عليه في دهن الرأس مطلقا استطعمه أم لا. والله سبحانه أعلم.
الثالث: المراد بالإيصال في قوله: "وإيصال متحلل أو غيره"، الوصول لا حقيقة الإيصال المقتضية لفعل ذلك عمدا، هذا بالنسبة للفرض، وأما النفل فلا يضر فيه الوصول سهوا كما سيقول، "وفي
стр. 2307
النفل بالعمد الحرام"، فمن أفطر في النفل ساهيا لا يبطل صومه بذلك؛ وهو محمل الحديث: (من أفطر ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه (١))، وقال اللخمي: يمنع من الاستعاط، ولا ينفك المستعط من وقوع ذلك إلى حلقه.
الرابع قال عبد الباقي: مقتضى المصنف أن نبش الأذن بكعود لا شيء فيه، ولو أخرج خرأها لأنه لم يصل به شيء للأذن ولا للحلق. انتهى. وبخور؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم عدم وصول بخور لحلق الصائم بفتح الباء، والمراد به هنا الدخان الحاصل مما يتبخر به، وفي القاموس: البخور كصبور: ما يتبخر به. نقله الشبراخيتي. وقوله: "وبخور"، فإن استنشقه صانعه أو غيره، أو بخار قدر يحصل به غذاء للجوف، فعليه القضاء؛ لأن ريح الطعام يقوي الدماغ، فيحصل له ما يحصل للآكل. قاله عبد الباقي. وقال: فإن لم يصل لحلقه لم يضره، ولو جاءه ريحه واستنشقه، ثم ما اقتصر عليه المصنف في البخور أحد قولين ذكرهما ابن عرفة من غير ترجيح، وكذا ابن غازي في تكميله، وأما ما لا يحصل به غذاء للجوف كدخان حطب فلا قضاء بوصوله لحلقه، كذا في فتاوي علي الأجهوري، وظاهره: ولو استنشقه لأنه لا يتكيف، والدخان الذي يشرب مفطر؛ إذ هو متكيف، ويصل إلى الحلق بل إلى الجوف أحيانا ويقصد. انتهى. وقوله: لا يتكيف، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل الدخان كله يتكيف، فالتفريق بينهما غير ظاهر. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "وبخور": قال الشارحان: معطوف على متحلل، فالمعنى وترك إيصال بخور للحلق حتى يجد طعمه، قال في السليمانية: من تبخر بالدواء فوجد طعم الدخان في حلقه قضى صومه، ومفهوم كلامه أن شم رائحة غير البخور كالمسك والعنبر، وما له رائخة طيبة غير مفطر وهو كذلك اتفاقا. انتهى.
وقد مر من الأمير: أنه يكره للصائم شم الروائح، فيعم الخبيثة والطيبة. والله سبحانه أعلم. وقال الحطاب عند قوله: "وبخور": أي بخور يصل إلى حلقه، كما قال في تهذيب الطالب عن السليمانية فيمن تبخر بالدواء فوجد طعم الدخان في حلقه، قال: يقضي يوما، بمنزلة من اكتحل
стр. 2308
ودهن رأسه فيجد طعم ذلك في حلقه فيقضي، وقال أبو محمد: أخبرني بعض أصحابنا عن ابن لبابة، أنه قال: من استنشق بخورا لم يفطر وأكره له ذلك. انتهى من التوضيح. فيحمل قول ابن لبابة على من شم الرائحة، ولم يجد طعم البخور في حلقه، فيتفق النقلان. والله أعلم. قال أبو الحسن في الصغير: قال ابن الماجشون: وإنما يفطر بما يصل إلى حلقه من طعم ذوق لا من طعم ريحه، ونحوه في النوادر، ثم ذكر كلام صاحب التهذيب عن السليمانية وابن لبابة، قال الشيخ: وأما المسك وغيره فلا خلاف أنه لا يفطر، قال ابن بشير: والفطر يقع بدخول جزء من المتناول لا بدخول رائحته. انتهى. وقال في الكبير: وهذا بخلاف استنشاق روائح المسك والغالية؛ هذا لم يختلف في أنه لا يجب عليه قضاء. الشيخ: واستنشاق قدور الطعام بمثابة البخور لأن ريح الطعام جسم ويتقوى به الدماغ، فيحصل به ما يحصل بالأكل. انتهى. فكأنه يقول إذا وجد طعم دخان القدر يفطر والله أعلم. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: تأمل قوله: لأن ريح الطعام جسم، وقوله: فكأنه يقول إذا وجد طعم دخان القدر يفطر، فإنه صريح أو كالصريح في أن الذي يفطر إنما هو استنشاق دخان القدر، وأما استنشاق مجرد الرائحة من غير دخان ولا فوار فإنه لا يضر لكنه يكره، والله سبحانه أعلم. وقال الشارح في الكبير: قال في التلقين: يجب الإمساك عن المشموم ولم يفصل. انتهى. نقله الحطاب. قال: وكأنه فهم هذا من قوله: والذي يجب الإمساك عنه في الصوم نوعان؛ أحدهما إيصال الشيء إلى داخل البدن، والثاني إخراج شيء عنه، فالذي يوصل إلى داخل البدن ما يصل إلى الحلق مما ينماع ويقع الاغتذاء به أو لا ينماع، أو يطعم أو لا يطعم، وذلك كالطعام والشراب المغذيين والدرهم والحصى وسائر الجمادات التي لا تطعم ولا تنماع ولا يقع بها غذاء ومثلها الكحل والدهن والمشموم وغير ذلك من المائعات والجامدات الواصلة إلى الحلق من مدخل الطعام والشراب، أو من غير مدخلهما كالعين والأنف والأذن وما تحدر من الدماغ بعد وصوله من بعض هذه المنافذ. انتهى. وكأنه اعتمد هذا في الشامل، فقال فيه: ولا يشم شيئا من الرياحين. انتهى. وانظر هذا مع ما يأتي في فصل الاعتكاف أن المعتكف يجوز له أن يتطيب، والمعتكف لا يكون إلا صائما. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب.
стр. 2309
وقال الأمير عاطفا على ما فيه الفطر: أو دخان كبخار القدر. وقيء؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم ترك إيصال قيء خرج غلبة للحلق ومثل القيء القلس، وقد قَدَّم أن في القيء المستدعى القضاء وإن لم يرجع منه شيء للحلق. وبلغم؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم ترك إيصال البلغم للحلق؛ والبلغم: النخامة. إن أمكن طرحه، راجع للقيء والبلغم؛ يعني أن محل لزوم القضاء في القيء والبلغم إنما هو حيث أمكن طرح كل منهما؛ بأن وصل إلى موضع يقدر على طرحه منه كما لو وصل إلى لسانه أو لهاته، وأما إن لم يمكن طرح القيء بأن لم يبلغ موضعا يقدر على طرحه منه، فحكمه حكم ما في المعدة أي لا قضاء، وإن لم يمكن طرح البلغم بأن لم يبلغ موضعا يقدر على طرحه منه فحكمه حكم ما في الصدر والرأس من البلغم؛ أي لا قضاء فيه.
والحاصل أنه يقضي حيث وصل الراجع من القيء والبلغم -على ما قال المصنف- للحلق بعد أن بلغ كل منهما الموضع الذي يقدر على طرحه منه، سواء كان رجوعهما إلى الحلق عمدا أو غلبة أو سهوا، وبتقريري لقوله: "أمكن طرحه"، علمت أنه لا منافاة بينه وبين قولي: غلبة. والله سبحانه أعلم. قال عبد الباقي: والمختار أنه لا قضاء في ابتلاع البلغم، ولو أمكن طرحه، ولو بعد وصوله إلى اللهوات مع كراهة ذلك كما في المواق، جمع لهاة: لحمة مشرفة على الحلق في أقصى الفم، ولا شيء عليه في ابتلاع ريقه إلا بعد اجتماعه. انتهى. قوله: إلا بعد اجتماعه، قال محمد بن الحسن: أي فعليه القضاء، وهذا قول سحنون، وقال ابن حبيب: يسقط القضاء مطلقا، وفي المواق عن سند: وما اجتمع من الريق في فم الإنسان فينفثه، ولو بلعه جاز وإن كان صائما. اهـ. وفي حاشية الأمير أن الأشهر قول ابن حبيب بإلغاء الريق المجتمع اهـ.
واعلم أن ما مشى عليه المصنف في البلغم هو قول سحنون، وقال ابن حبيب وابن القاسم: البلغم لغو، قال ابن عرفة: وفي لغو ابتلاع نخامة ولو عمدا بعد إمكان طرحها ونقضه قولا ابن حبيب مع ابن القاسم، قائلا: أراني سمعته عن مالك والشيخ عن سحنون شاكا في كفارة العامد. اهـ. وفي المواق من اللخمي أن محل الخلاف ما وصل إلى اللهوات وإلا يَصِلْ فَلا خلاف في لغوه وإن قدر على طرحه، والقول بأن ابتلاع البلغم لا يفطر هو الذي عليه اللخمي وابن يونس والباجي وابن رشد وعياض، وقال القباب: هو الراجح. قاله محمد بن الحسن. وقال الشبراخيتي: إن هذا
стр. 2310
القول رجحه القباب واقتصر عليه عياض في قواعده، وعزاه ابن رشد لأصبغ عن ابن القاسم، فينبغي أن يكون الفتوى به خلافا لقول سحنون إن عليه القضاء والكفارة. انتهى. واقتصر عليه الشيخ المحقق الأمير فقال: بخلاف البلغم فلا يضر رجوعه، وإن أمكن طرحه كالريق المجتمع. انتهى.
والحاصل أن المعتمد أنه لا قضاء في ابتلاع البلغم، ولو أمكن طرحه ولو بعد وصوله إلى اللهواتِ.
تنبيه: قال الحطاب عن الشيخ زروق: وفيمن ابتلع دما خرج من أسنانه غلبة قولان حكاهما في الجواهر. انتهى. ومن جامع الأمهات للسنوسي مسألة: قال ابن عرفة وغيره: ابن شأس: وابتلاع دم خرج من سنة غلبة لغو، وإن ابتلعه وهو قادر على طرحه أفطر، وقيل: لا يفطر قلت ولفظ ابن قداح: ومن وجد في فيه دما وهو صائم يمجه حتى يبيض ولا شيء عليه، ويستحب له غسله إذا قام إلى الصلاة أو إلى الأكل، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، ومن كثر عليه الدم إذا كان من علة دائمة فلا شيء عليه ابتلع منه شيئا أو لم يبتلع. قاله الحطاب.
تنبيه آخر: اعلم أنه إذا انفصل البلغم والريق عن الشخص صارا كغيرهما، فيفطر إن وصلا لحلقه بعد ذلك، ومر أن بلع ما بين الأسنان لا يفطر، وهو يضر عند الشافعية كالحنفية إن كثر مقدرين بنحو الحمصة والظاهر عندنا ضرر المتفاحش عرفا. قاله الأمير. وقال الأمير: في الحطاب: أن دم الأسنان يمج حتى يبيض الريق وإلا قضى، ولم يذكر كفارة، قال: فإن دام وعسر عفي عنه، واستحب أشهب القضاء منه. انتهى.
مطلقا راجع للقيء والبلغم، ومعناه في القيء كان من علة أو امتلاء تغير عن الطعام أم لا، رجع عمدا أو غلبة أو سهوا، ومعناه في البلغم سواء كان من الصدر أو من الرأس، وسواء وصل لطرف اللسان أو اللهوات أم لا، رجع عمدا أو سهوا أو غلبة، وتقدم أن الراجح في البلغم لا قضاء في ابتلاعه ولو وصل إلى اللسان أو اللهوات، وعليه فإذا وصل إلى اللهوات أو طرف اللسان ثم رجع فقد أساء ولا شيء عليه، وفي الخرشي عن ابن حبيب: كراهة ابتلاع البلغم لإمكان الانفكاك عنه، بخلاف الريق. انتهى.
стр. 2311
أو غالب من مضمضة؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم أن لا يصل إلى حلق الصائم شيء من المضمضة أو الاستنشاق غلبة أم لا، وإنما خص الغالب لأنه روي من مالك قول بعدم القضاء في الغالب، وسواء كانت المضمضة لحر أو عطش أو وضوء، وقال الحطاب: قال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: وابتلاع ماء المضمضة يوجب القضاء لا بقاياه مع الريق بعد طرحه بالكلية فإنه لا يضر. قاله الحطاب.
أو سواك؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم أن لا يصل إلى حلق الصائم شيء من السواك غالبا أم لا، قال الشبراخيتي: ونبه على ذلك ليلا يتوهم أن الشارع لما طلب السواك من الصائم يغتفر ما سبق منه للحلق، فلا قضاء فيه فرفع ذلك التوهم.
وعلم من كلام المصنف صريحا أن المضمضة والسواك يضر ما وصل منهما للحلق وإن لم يمكن طرحه وأولى الواصل عمدا، وكذا يفطر بالواصل للحلق منهما سهوا. وقضى في الفرض؛ يعني أن من أفطر في الفرض رمضان أو غيره، يجب عليه قضاء ذلك اليوم الذي أفطر فيه. مطلقا؛ أي عمدا اختيارا أو إكراها أو نسيانا، كان حراما أو واجبا كمن خاف هلاكا أو شديد أذى، وهذا شروع من المصنف رحمه الله تعالى في أحكام الإفطار بعد أن ذكر شروط الصحة، وهي أي أحكام الإفطار على سبيل الإجمال سبعة: الإمساك، والقضاء، والإطعام، والكفارة، والتأديب، وقطع التتابع، وقطع النية الحكمية.
واعلم أن من أفطر في الفرض العين يجب عليه الإمساك مطلقا عمدا أم لا، ويجوز الفطر بقية ذلك اليوم في المضمون مطلقا عمدا أو سهوا كقضاء رمضان والنذر المضمون، وفي النفل واجب في النسيان وجائز في العمد الحرام، ويأتي الكلام على العمد الحلال، والفرض المعين هو رمضان، والنذر العين والتمتع وقضاء رمضان إذا ضاق وقتهما. قاله محمد بن الحسن. لكن بصيغة أذكرها قريبا إن شاء الله تعالى.
وما مر من أن الفرض المعين يجب الإمساك على من أفطر فيه بقية ذلك اليوم يستثنى منه ما تقدم عند قوله: "أو زوال عذر مباح له الفطر مع العلم برمضان". قاله محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: ثم إن كان عامدا فإن كان معينا كرمضان والنذر المعين، وما أشبه ذلك مما ليس
стр. 2312
مضمونا في الذمة وجب عليه إمساك بقية اليوم، وإن كان مضمونا لم يجب عليه إمساك بقيته وإن كان غير عامد، فإن كان في رمضان أمسك، وإن كان في قضائه خير والإمساك أولى وإن كان كالظهار، وقتل النفس مما يجب تتابعه فأفطر أول يولم لم يستحب (١) له الإمساك بقيته ثم يستأنف العدة شهرين، وإن أفطر أثناءه، فمن قال: الفطر مسقط حكم الماضي فله أن يفطر، وإن كان كجزاء الصيد وفدية الأذى وكفارة اليمين مما لا يجب تتابعه فهو مخير بين الإمساك وعدمه. قاله اللخمي. انتهى.
قال محمد بن الحسن: قوله وما أشبه ذلك الصواب إسقاطه، وقد يجاب عنه بتصوره في القضاء والتمتع إذا ضاق وقتهما، ونظم ذلك الشيخ الأجهوري فقال:
أوجب على المفطر في شهر الصيام … إمساك باقي اليوم حتما يا إمام
إن لم يكن إفطاره لعذر … يبيحه مع علمه بالشهر
أو لصبا أو لجنون ولزم … إمساك مكره على فطر علم
كذاك مفطر بنذر عينا … سهوا ويقضيه كما قد بينا
كالفطر في كفارة الظهار … على انتفا القطع على المختار
إن لم يكن بأول الأيام … إذ بعده يبدأ بالصيام
وما به قطع تتابع فلا … يلزمه الإمساك فيه مسجلا
وفطره سهوا بصوم النفل … إذ ليس ذا لصومه بمبطل
وفي سوى جميع ذا لا يلزم … إمساكه ففطره لا يحرم
كمفطر سهوا بتكفير اليمين … أو في قضا شهر الصيام يا فطين
والنذر مضمونا وهذه دُرَرْ … نظمتها نظما بديعا مختصر
قال مفيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: علم من هذا أن من شك هل حصل منه مفطر في قضاء رمضان أم لا، أو شك هل تسحر في قضاء رمضان قبل الفجر أو بعده، يجوز له الفطر، وفي
стр. 2313
الخرشي: وإن سمع المؤذن وهو يأكل ولا علم له بالفجر فيكف ويسئل المؤذن عن ذلك الوقت، فيعمل على قوله: فإن لم يكن عنده عدلا ولا عارفا فليفطر، فإن كان في قضاء رمضان فليقض، ويباح له فطر ذلك اليوم أو التمادي. انتهى.
وفي الحطاب: التصريح بأن من شك هل حصل له وصول الحقنة للجوف أم لا، كمن أكل وهو شاك في الفجر، وفيه أن من شك في حصول مفطر يلزمه القضاء، وفي الشبراخيتي: أنه يدخل تحت قول المصنف: "وكأكله شاكا في الفجر"، من قال له شخص أكلت قبل الفجر، وقال له آخر أكلت بعده.
تنبيهان: الأول: قال الخرشي: من نذر شهرا معينا فأفطر جميعه، فهل يقضيه مفرقا وهو قول ابن القاسم، أو يقضيه متتابعا وهو قول أشهب؟ انتهى.
الثاني: قال الجزولي: مفسدات الصوم عشرون، عشرة متفق عليها، وعشرة مختلف فيها، فالمتفق عليها: تعري الصوم من النية، والأكلُ، والشربُ، والجماعُ وإن لم يكن إنزال، والإنزال وإن لم يكن جماع، والذي مع تقدم سببه ومداومته، والحيض، والنفاس، وخروج المولد، والاستقاء إذا رجع من القيء شيء. والعشرة المختلف فيها: الفلقة من الطعام، وغبار الطريق، وغبار الدقيق، وما وصل من غير مدخل الطعام والشراب بل من أنف أو أذن أو عين، وما ينحدر من الرأس، وابتلاع ما لا يتحلل مثل الحصى، والذي إذا لم يتعمد سببه، والاستقاء إذا لم يرجع من القيء شيء، والقيء غلبة إذا رجع منه شيء، والردة، ورفض النية. قاله الحطاب.
وإن بصب في حلقه نائما؛ يعني أن الفطر بأي وجه كان يوجب القضاء في الفرض، ولو كان الفطر حاصلا بسبب صب ماء في حلق الصائم في نومه، بخلاف صوم التطوع فلا قضاء عليه في ذلك قال الشبراخيتي. ولا كفارة عليه ولا على الصاب على المذهب، وقال عبد الباقي: ولا كفارة على الصاب لعدم لذته وعدم خطاب النائم. كمجامعة نائمة، تشبيه في وجوب القضاء؛ يعني أن المرأة الصائمة إذا جومعت وهي نائمة ولم تشعر بذلك الجماع، فإنه يجب عليها قضاء ذلك اليوم الذي جومعت فيه، قال عبد الباقي: وعليه الكفارة عنها على المعتمد كما هو ظاهر المدونة في الحج،
стр. 2314
واعتمده أبو الحسن وابن راشد وغيرهما للذة المجامع في النائمة دون ظاهرها (١) هنا من عدم تكفيره عنها، وإن اقتصر عليه في التوضيح وأحمد (٢))، قوله: وعليه الكفارة عنها لخ، قال محمد بن الحسن: تفريقه بين الفرعين في كلام المصنف غير صواب؛ إذ الذي في المدونة وأبي الحسن التسوية بينهما، ونصها: ومن أكره أو كان نائما فصب في حلقه ماء في رمضان، أو جومعت امرأة نائمة فالقضاء يجزئ بلا كفارة. انتهى باختصار. ونقله الحطاب وابن عرفة والمواق.
قال أبو الحسن: وسكت عن الفاعل، هل تلزمه الكفارة أم لا؟ وأوجبها ابن حبيب على الفاعل فيهما (٣)، وبه قال أبو عمران؛ وهو ظاهرها في كتاب الحج الثالث، قال: وهو تفسير لقول ابن القاسم فتبين أنه لا فرق بين الفرعين. والله أعلم. والفرق الذي ذكره الزرقاني إنما فرق به في التوضيح بين من أكره زوجته على الوطء وبين من أكره شخصا وصب في حلقه ماء، وهما غير فرعي المصنف. انتهى.
وقال الحطاب: قال في المدونة: ومن أكره أو كان نائما فصب في حلقه ماء في رمضان، أو في نذر، أو ظهار، أو في صيام كفارة القتل، أو في صيام متتابع، أو جومعت امرأة نائمة في رمضان فالقضاء في ذلك كله يجزئ بلا كفارة، وتصل القضاء في ذلك كله بما كان من الصوم متتابعا، وإن كان في صوم تطوع فلا قضاء عليه. انتهى.
ابن عرفة: وفيها لا كفارة على من جومعت نائمة، أو صب في حلقه ماء كذلك، ولا على فاعله، وقال في التوضيح في مسألة من أكره زوجته أو أمته على الوطء لما ذكر أن المشهور أن عليه أن يكفر عنها ما نصه: عورضت هذه المسألة بمن أكره شخصا وصب في حلقه ماء، فإنه نص في المدونة على أنه لا كفارة عليه، نعم أوجبها ابن حبيب، وقد يفرق بينهما بأن المكره لزوجته أو أمته حصلت له لذة فناسب أن تجب عليه الكفارة عنها، وأما من صب في حلق إنسان ماء فلم يحصل له شيء ويؤيده أنه لو أكره غيره على أن يجامع لم تكن عليه كفارة عند الأكثر، ونقل
стр. 2315
قبله عن التنبيهات أنه قال: أكثر أقوال أصحابنا لا كفارة عليه، وعن عبد الملك أن عليه الكفارة. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب.
وقال في الطراز في آخر باب الإفطار بالإكراه: ويجري التفريع في الأكل كرها على حكم الأكل سهوا في وجوب القضاء في الواجب، وسقوطه في التطوع، وفي الكف معه وعدم قطع التتابع، وكل ذلك مذكور في المدونة موضحا. انتهى. ونقل ابن يونس أيضا أنه يجب عليه الكف. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال الأمير: إن مجامع النائمة والصاب في حلق النائم يكفر كل منهما عمن فعل به ذلك على الراجح، كما في بناني. وكأكله شاكا في الفجر، عطف على قوله: "كمجامعة نائمة"؛ يعني أن من أكل شاكا في طلوع الفجر واستمر على شكه، يلزمه قضاء ذلك اليوم، ويحرم عليه أكله في حالة الشك، ولا كفارة عليه اتفاقا، والمراد بالشك عدم التيقن. قاله الشبراخيتي. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: كلام الشبراخيتي صريح أو كالصريح في أنه يحرم عليه الأكل في حال توهمه طلوع الفجر، وأنه يجب عليه القضاء إن أكل متوهما طلوع الفجر؛ وهو الموافق لقول ابن يونس: لا يرتفع الفرض بغير يقين. انتهى. وقوله: "وكأكله شاكا"، قد علمت أن محله حيث استمر على شكه، وأما إن تبين أنه أكل قبل الفجر فيعمل على ما تبين كما نص عليه غير واحد، وقوله: "وكأكله شاكا"، جار في الفرض والنفل لأنه من العمد الحرام، كما نص عليه محمد بن الحسن رادا على عبد الباقي، فإنه قال وينبغي جريان المصنف في النفل أيضا، ويحتمل عدم قضائه مع الشك المذكور بمنزلة الفطر ناسيا. انتهى. وما قاله محمد بن الحسن ظاهر، وقوله: "وكأكله شاكا في الفجر"، وأولى في الغروب، فيجب عليه القضاء بلا خلاف مع الحرمة اتفاقا، وفي وجوب الكفارة خلاف هذا إن علم أنه أكل قبل الغروب، فإن بقي على شكه فلا كفارة عليه ويلزمه القضاء، وأما لو تبين أنه أكل بعد الغروب فلا قضاء عليه، ومن أكل في آخر يوم من رمضان متعمدا ثم تبين أنه يوم الفطر، فقيل: عليه الكفارة، وقيل: لا. ذكره ابن القصار. قاله الحطاب.
وقال الخرشي: ولا كفارة على من أكلت متعمدة فتبين أنها حاضت قبل ذلك، ولا على من أفطر في آخر يوم من رمضان متعمدا ثم تبين أنه يوم العيد كما اقتصر عليه البرزلي. انتهى.