← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

أو غالب من مضمضة؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم أن لا يصل إلى حلق الصائم شيء من المضمضة أو الاستنشاق غلبة أم لا، وإنما خص الغالب لأنه روي من مالك قول بعدم القضاء في الغالب، وسواء كانت المضمضة لحر أو عطش أو وضوء، وقال الحطاب: قال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: وابتلاع ماء المضمضة يوجب القضاء لا بقاياه مع الريق بعد طرحه بالكلية فإنه لا يضر. قاله الحطاب. أو سواك؛ يعني أنه يشترط في صحة الصوم أن لا يصل إلى حلق الصائم شيء من السواك غالبا أم لا، قال الشبراخيتي: ونبه على ذلك ليلا يتوهم أن الشارع لما طلب السواك من الصائم يغتفر ما سبق منه للحلق، فلا قضاء فيه فرفع ذلك التوهم. وعلم من كلام المصنف صريحا أن المضمضة والسواك يضر ما وصل منهما للحلق وإن لم يمكن طرحه وأولى الواصل عمدا، وكذا يفطر بالواصل للحلق منهما سهوا. وقضى في الفرض؛ يعني أن من أفطر في الفرض رمضان أو غيره، يجب عليه قضاء ذلك اليوم الذي أفطر فيه. مطلقا؛ أي عمدا اختيارا أو إكراها أو نسيانا، كان حراما أو واجبا كمن خاف هلاكا أو شديد أذى، وهذا شروع من المصنف رحمه الله تعالى في أحكام الإفطار بعد أن ذكر شروط الصحة، وهي أي أحكام الإفطار على سبيل الإجمال سبعة: الإمساك، والقضاء، والإطعام، والكفارة، والتأديب، وقطع التتابع، وقطع النية الحكمية. واعلم أن من أفطر في الفرض العين يجب عليه الإمساك مطلقا عمدا أم لا، ويجوز الفطر بقية ذلك اليوم في المضمون مطلقا عمدا أو سهوا كقضاء رمضان والنذر المضمون، وفي النفل واجب في النسيان وجائز في العمد الحرام، ويأتي الكلام على العمد الحلال، والفرض المعين هو رمضان، والنذر العين والتمتع وقضاء رمضان إذا ضاق وقتهما. قاله محمد بن الحسن. لكن بصيغة أذكرها قريبا إن شاء الله تعالى. وما مر من أن الفرض المعين يجب الإمساك على من أفطر فيه بقية ذلك اليوم يستثنى منه ما تقدم عند قوله: "أو زوال عذر مباح له الفطر مع العلم برمضان". قاله محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: ثم إن كان عامدا فإن كان معينا كرمضان والنذر المعين، وما أشبه ذلك مما ليس

стр. 2312

مضمونا في الذمة وجب عليه إمساك بقية اليوم، وإن كان مضمونا لم يجب عليه إمساك بقيته وإن كان غير عامد، فإن كان في رمضان أمسك، وإن كان في قضائه خير والإمساك أولى وإن كان كالظهار، وقتل النفس مما يجب تتابعه فأفطر أول يولم لم يستحب (١) له الإمساك بقيته ثم يستأنف العدة شهرين، وإن أفطر أثناءه، فمن قال: الفطر مسقط حكم الماضي فله أن يفطر، وإن كان كجزاء الصيد وفدية الأذى وكفارة اليمين مما لا يجب تتابعه فهو مخير بين الإمساك وعدمه. قاله اللخمي. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله وما أشبه ذلك الصواب إسقاطه، وقد يجاب عنه بتصوره في القضاء والتمتع إذا ضاق وقتهما، ونظم ذلك الشيخ الأجهوري فقال: أوجب على المفطر في شهر الصيام … إمساك باقي اليوم حتما يا إمام إن لم يكن إفطاره لعذر … يبيحه مع علمه بالشهر أو لصبا أو لجنون ولزم … إمساك مكره على فطر علم كذاك مفطر بنذر عينا … سهوا ويقضيه كما قد بينا كالفطر في كفارة الظهار … على انتفا القطع على المختار إن لم يكن بأول الأيام … إذ بعده يبدأ بالصيام وما به قطع تتابع فلا … يلزمه الإمساك فيه مسجلا وفطره سهوا بصوم النفل … إذ ليس ذا لصومه بمبطل وفي سوى جميع ذا لا يلزم … إمساكه ففطره لا يحرم كمفطر سهوا بتكفير اليمين … أو في قضا شهر الصيام يا فطين والنذر مضمونا وهذه دُرَرْ … نظمتها نظما بديعا مختصر قال مفيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: علم من هذا أن من شك هل حصل منه مفطر في قضاء رمضان أم لا، أو شك هل تسحر في قضاء رمضان قبل الفجر أو بعده، يجوز له الفطر، وفي

стр. 2313

الخرشي: وإن سمع المؤذن وهو يأكل ولا علم له بالفجر فيكف ويسئل المؤذن عن ذلك الوقت، فيعمل على قوله: فإن لم يكن عنده عدلا ولا عارفا فليفطر، فإن كان في قضاء رمضان فليقض، ويباح له فطر ذلك اليوم أو التمادي. انتهى. وفي الحطاب: التصريح بأن من شك هل حصل له وصول الحقنة للجوف أم لا، كمن أكل وهو شاك في الفجر، وفيه أن من شك في حصول مفطر يلزمه القضاء، وفي الشبراخيتي: أنه يدخل تحت قول المصنف: "وكأكله شاكا في الفجر"، من قال له شخص أكلت قبل الفجر، وقال له آخر أكلت بعده. تنبيهان: الأول: قال الخرشي: من نذر شهرا معينا فأفطر جميعه، فهل يقضيه مفرقا وهو قول ابن القاسم، أو يقضيه متتابعا وهو قول أشهب؟ انتهى. الثاني: قال الجزولي: مفسدات الصوم عشرون، عشرة متفق عليها، وعشرة مختلف فيها، فالمتفق عليها: تعري الصوم من النية، والأكلُ، والشربُ، والجماعُ وإن لم يكن إنزال، والإنزال وإن لم يكن جماع، والذي مع تقدم سببه ومداومته، والحيض، والنفاس، وخروج المولد، والاستقاء إذا رجع من القيء شيء. والعشرة المختلف فيها: الفلقة من الطعام، وغبار الطريق، وغبار الدقيق، وما وصل من غير مدخل الطعام والشراب بل من أنف أو أذن أو عين، وما ينحدر من الرأس، وابتلاع ما لا يتحلل مثل الحصى، والذي إذا لم يتعمد سببه، والاستقاء إذا لم يرجع من القيء شيء، والقيء غلبة إذا رجع منه شيء، والردة، ورفض النية. قاله الحطاب. وإن بصب في حلقه نائما؛ يعني أن الفطر بأي وجه كان يوجب القضاء في الفرض، ولو كان الفطر حاصلا بسبب صب ماء في حلق الصائم في نومه، بخلاف صوم التطوع فلا قضاء عليه في ذلك قال الشبراخيتي. ولا كفارة عليه ولا على الصاب على المذهب، وقال عبد الباقي: ولا كفارة على الصاب لعدم لذته وعدم خطاب النائم. كمجامعة نائمة، تشبيه في وجوب القضاء؛ يعني أن المرأة الصائمة إذا جومعت وهي نائمة ولم تشعر بذلك الجماع، فإنه يجب عليها قضاء ذلك اليوم الذي جومعت فيه، قال عبد الباقي: وعليه الكفارة عنها على المعتمد كما هو ظاهر المدونة في الحج،

стр. 2314

واعتمده أبو الحسن وابن راشد وغيرهما للذة المجامع في النائمة دون ظاهرها (١) هنا من عدم تكفيره عنها، وإن اقتصر عليه في التوضيح وأحمد (٢))، قوله: وعليه الكفارة عنها لخ، قال محمد بن الحسن: تفريقه بين الفرعين في كلام المصنف غير صواب؛ إذ الذي في المدونة وأبي الحسن التسوية بينهما، ونصها: ومن أكره أو كان نائما فصب في حلقه ماء في رمضان، أو جومعت امرأة نائمة فالقضاء يجزئ بلا كفارة. انتهى باختصار. ونقله الحطاب وابن عرفة والمواق. قال أبو الحسن: وسكت عن الفاعل، هل تلزمه الكفارة أم لا؟ وأوجبها ابن حبيب على الفاعل فيهما (٣)، وبه قال أبو عمران؛ وهو ظاهرها في كتاب الحج الثالث، قال: وهو تفسير لقول ابن القاسم فتبين أنه لا فرق بين الفرعين. والله أعلم. والفرق الذي ذكره الزرقاني إنما فرق به في التوضيح بين من أكره زوجته على الوطء وبين من أكره شخصا وصب في حلقه ماء، وهما غير فرعي المصنف. انتهى. وقال الحطاب: قال في المدونة: ومن أكره أو كان نائما فصب في حلقه ماء في رمضان، أو في نذر، أو ظهار، أو في صيام كفارة القتل، أو في صيام متتابع، أو جومعت امرأة نائمة في رمضان فالقضاء في ذلك كله يجزئ بلا كفارة، وتصل القضاء في ذلك كله بما كان من الصوم متتابعا، وإن كان في صوم تطوع فلا قضاء عليه. انتهى. ابن عرفة: وفيها لا كفارة على من جومعت نائمة، أو صب في حلقه ماء كذلك، ولا على فاعله، وقال في التوضيح في مسألة من أكره زوجته أو أمته على الوطء لما ذكر أن المشهور أن عليه أن يكفر عنها ما نصه: عورضت هذه المسألة بمن أكره شخصا وصب في حلقه ماء، فإنه نص في المدونة على أنه لا كفارة عليه، نعم أوجبها ابن حبيب، وقد يفرق بينهما بأن المكره لزوجته أو أمته حصلت له لذة فناسب أن تجب عليه الكفارة عنها، وأما من صب في حلق إنسان ماء فلم يحصل له شيء ويؤيده أنه لو أكره غيره على أن يجامع لم تكن عليه كفارة عند الأكثر، ونقل

стр. 2315

قبله عن التنبيهات أنه قال: أكثر أقوال أصحابنا لا كفارة عليه، وعن عبد الملك أن عليه الكفارة. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. وقال في الطراز في آخر باب الإفطار بالإكراه: ويجري التفريع في الأكل كرها على حكم الأكل سهوا في وجوب القضاء في الواجب، وسقوطه في التطوع، وفي الكف معه وعدم قطع التتابع، وكل ذلك مذكور في المدونة موضحا. انتهى. ونقل ابن يونس أيضا أنه يجب عليه الكف. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال الأمير: إن مجامع النائمة والصاب في حلق النائم يكفر كل منهما عمن فعل به ذلك على الراجح، كما في بناني. وكأكله شاكا في الفجر، عطف على قوله: "كمجامعة نائمة"؛ يعني أن من أكل شاكا في طلوع الفجر واستمر على شكه، يلزمه قضاء ذلك اليوم، ويحرم عليه أكله في حالة الشك، ولا كفارة عليه اتفاقا، والمراد بالشك عدم التيقن. قاله الشبراخيتي. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: كلام الشبراخيتي صريح أو كالصريح في أنه يحرم عليه الأكل في حال توهمه طلوع الفجر، وأنه يجب عليه القضاء إن أكل متوهما طلوع الفجر؛ وهو الموافق لقول ابن يونس: لا يرتفع الفرض بغير يقين. انتهى. وقوله: "وكأكله شاكا"، قد علمت أن محله حيث استمر على شكه، وأما إن تبين أنه أكل قبل الفجر فيعمل على ما تبين كما نص عليه غير واحد، وقوله: "وكأكله شاكا"، جار في الفرض والنفل لأنه من العمد الحرام، كما نص عليه محمد بن الحسن رادا على عبد الباقي، فإنه قال وينبغي جريان المصنف في النفل أيضا، ويحتمل عدم قضائه مع الشك المذكور بمنزلة الفطر ناسيا. انتهى. وما قاله محمد بن الحسن ظاهر، وقوله: "وكأكله شاكا في الفجر"، وأولى في الغروب، فيجب عليه القضاء بلا خلاف مع الحرمة اتفاقا، وفي وجوب الكفارة خلاف هذا إن علم أنه أكل قبل الغروب، فإن بقي على شكه فلا كفارة عليه ويلزمه القضاء، وأما لو تبين أنه أكل بعد الغروب فلا قضاء عليه، ومن أكل في آخر يوم من رمضان متعمدا ثم تبين أنه يوم الفطر، فقيل: عليه الكفارة، وقيل: لا. ذكره ابن القصار. قاله الحطاب. وقال الخرشي: ولا كفارة على من أكلت متعمدة فتبين أنها حاضت قبل ذلك، ولا على من أفطر في آخر يوم من رمضان متعمدا ثم تبين أنه يوم العيد كما اقتصر عليه البرزلي. انتهى.

стр. 2316

وقوله: "وكأكله شاكا في الفجر"، قد مر أنه يحرم عليه الأكل في حالة الشك وهو المشهور، وقيل: يندب له ترك الأكل، وعليه فيندب له القضاء، وقيل يباح له الأكل، وعليه فلا يندب له القضاء، ولا يجب عليه ذكره الشاذلي وغيره: وفي بعض النسخ وفي الفجر بالواو، وعلى هذه النسخة يكون المصنف أفاد حكم المسألتين بالتصريح؛ أعني مسألتي الشك في الغروب والشك في الفجر، وقوله: "وكأكله شاكا في الفجر"، يدخل فيه ما لو قال له شخص: أكلت بعد الفجر، وقال له آخر: أكلت قبل الفجر. قاله الشبراخيتي. أو طرأ له الشك يعني أن الشخص إذا أكل معتقدا بقاء الليل أو حصول الغروب، ثم طرأ له الشك فإنه يجب عليه قضاء ذلك اليوم. واعلم أن الشك في الصورتين المشتمل عليهما قوله: "وكأكله شاكا"، سابق، وفي الأخيرتين المشتمل عليهما قوله: "أو طرأ له الشك"، لاحق، وقوله: "أو طرأ له الشك"، هذا في الفرض، وأما النفل فلا قضاء عليه فيه. قال عبد الباقي: والنفل مخالف للفرض في هذا، فليس عليه قضاء فيه، هذا هو الظاهر. انتهى. قوله: هذا هو الظاهر، قال محمد بن الحسن: قصور؛ إذ عدم القضاء هو نص المدونة كما في المواق؛ لأن فطره ليس بعمد حرام. انتهى. وقوله: "أو طرأ له الشك"، قال الشبراخيتي: ظاهره ولو بعد فراغ الصوم، وهذا يناسب قول مالك: إن الصلاة عبادة واحدة. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: علم مما تقدم أنه لا بد في صحة الصوم الفرض من حصول اليقين، فمن شك أنه حصل منه مفطر أو توعم ذلك وجب عليه قضاء ذلك اليوم، وكلام الشبراخيتي وابن يونس صريح في ذلك أو كالصريح. والله سبحانه أعلم. ومن لم ينظر دليله اقتدى بالمستدل؛ يعني أن الشخص إذا لم يعرف دليل الصوم؛ أي لم يعرف الدليل المتعلق بالصوم وجودا أو عدما من فجر أو غروب فإنه يقتدي بالمستدل والمستدل هو العدل العارف بالأوقات، أو المستند إلى العدل العارف. وظاهر كلامهم أن من لم يعرف دليل الصوم له أن يقتدي بالمستدل، وإن قدر هذا الذي لم يعرف الدليل على الاستدلال. وبما قررت علم أن المراد بالنظر في قوله: "ومن لم ينظر دليله": المعرفة، فقوله: "ومن لم ينظر دليله "؛ أي لم يعرف دليله.

стр. 2317

وعلم مما قررت أيضا أن الضمير في قوله: "دليله"، عائد على الصوم، ويصح أن يرجع للفجر أو الغروب، والأول أولى لشموله لهما. واعلم أن من تسحر للنافلة فظهر له أن ذلك بعد الفجر يجب عليه الإمساك؛ لأن صومه لم يفسد، فهو بمنزلة من أفطر في النفل ناسيا، وأما من تسحر لقضاء رمضان ثم تبين له أن ذلك بعد الفجر فإنه لا يجب عليه الإمساك، قال الشيخ ميارة: ومن تسحر لنفل أو قضا … فبان ذا من بعد فجر قد أضا فالأول الفطر عليه يحرم … إن بيتهْ ولا قضاء يلزم وذيلت هذين البيتين بثالث فقلت: والنص في الثاني جواز الفطر … وكونه يمسك أولى فادر وقد علمت أن محل لزوم الإمساك لمن تسحر للنافلة إن بيت الصوم، وأما إن كانت نيته أن يتسحر ثم يعقد الصوم بعد سحوره، فله أن يأكل بقية يومه ولا قضاء عليه، وكذا إن لم ينو الصوم من أول الليل. ابن حبيب: وإن سمع المؤذن وهو يأكل ولا علم له بالفجر، فيكف ويسأل المؤذن عن ذلك الوقت، فيعمل على قوله: فإن لم يكن عنده عدلا ولا عارفا فليقض، وإن كان في قضاء رمضان فليقض، ويباح له فطر ذلك اليوم أو التمادي. انتهى. قاله الخرشي. وإلا احتاط؛ يعني أن من لم يعرف دليل الصوم إذا لم يجد مستدلا أو وجده [فاقدا بعض] (١)، ما يعتبر فيه، فإنه يحتاط بتأخير الفطر وتقديم السحور، بحيث يتيقن الغروب في الأولى وبقاء الليل في الثانية. وبما قررت علم أن معنى قوله: "وإلا": وإن لا يجد مستدلا عدلا عارفا بالأدلة. الجوهري: الدليل ما يستدل به، والدليل الدال، وقد دله على الطريق يدله دَلالة ودِلالة ودُلولة. انتهى.

стр. 2318

وقوله: "ومن لم ينظر دليله"، قد تقدم أن المراد به: لم يعرف، وكذا الحكم لو عرف فله أن يقتدي بالعدل العارف، والفرق بين هذا وبين قوله في القبلة: "ولا يقلد مجتهد غيره"، كثرة الخطإ في القبلة لخفائها دون دليل الصوم. إلا المعين؛ مستثنى من قوله: "وقضى في الفرض مطلقا" استثناء متصلا؛ يعني أن الشخص إذا نذر أن يصوم زمنا عينه كتسع ذي الحجة مثلا وأفطر فيه لأجل مرض. فإنه لا يلزمه قضاؤه إذا صح، فمحل لزوم قضاء الصوم المفروض بالفطر فيه مطلقا إنما هو في غير النذر المعين إذا أفطر فيه لأجل واحد من هذه الأمور الثلاثة: المرض، والحيض، والنسيان، وأما إن أفطر فيه لأجل المرض فإنه لا يلزمه قضاء سواء أفطره كله أو بعضه، وكذا لا يلزمه قضاؤه كلا أو بعضا حيث أفطر لأجل الحيض، كما أشار إلى ذلك بقوله: أو حيض؛ يعني أو نفاس، ومثله الإغماء والجنون، وإنما لم يقض لفوات الزمن، فإن زال عذره -وقد بقي منه يوم أو أكثر- فإنه يصومه. والله سبحانه اعلم. أو نسيان؛ يعني أن النذر المعين كما لا يجب قضاؤه على من أفطر فيه لمرض أو حيض، لا يجب قضاؤه أيضا على من أفطر فيه لأجل نسيان؛ أي لكونه نسي أنه نذر هذا الزمن الذي أفطره، وقوله: "أو نسيان"، قال عبد الباقي: ضعيف، والمعتمد قضاؤه مع وجوب إمساك بقية يومه، والفرق بينه وبين المرض أن الناسي معه ضرب من التفريط، وكذا إن أفطر فيه مكرها أو لخطإ وقت كصوم الأربعاء يظنه الخميس المنذور، أو بسبب سفر قصر لأن رخصته خاصة برمضان. انتهى. قوله: وكذا إن أفطر فيه مكرها الخ؛ أي عليه القضاء وهو الذي في الطراز، وقال الحطاب: إنه المشهور، وفي الخرشي أنه لا قضاء عليه في الإكراه، وأصله في التلقين ويدل عليه قول ابن عرفة لكنه خلاف المشهور كما علمت. قاله محمد بن الحسن. وقال الشبراخيتي: وقوله: "أو نسيان"، تبع فيه تشهير ابن الحاجب، وهو خلاف ما تجب به الفتوى، والذي في المدونة أن فيه القضاء مع وجوب إمساك بقية يومه، ومثل النسيان في القضاء خطأ الوقت وفطر السفر والمكره. انتهى. وقال عبد الباقي: وشمل المصنف ناسي تبييت الصوم في المعين ثم تذكر أثناءه، والمفطر فيه ناسيا بعد تبييت الصوم، وتارك التبييت عمدا معتقدا أنه الذي قبله أو بعده، ثم تبين في أثنائه أنه المعين، فيجب عليه الإمساك وعدم القضاء على كلام المصنف، والراجح وجوب القضاء في هذه

стр. 2319

الصور الثلاث انتهى كلام عبد الباقي. وقال: وأما إن بيت الصوم معتقدا أنه المعين فتبين أنه اليوم الذي قبله، فينبغي أن يكون حكمه حكم النفل، فإن أفطر فيه ناسيا وجب الإمساك، ولا قضاء عليه لذلك اليوم؛ إذ المعين باق عليه كما قدمناه بقولنا: أو خطأ وقت، فإن يبت الصوم معتقدا أنه المعين فتبين أنه الذي بعده أجزأ، وكان قضاء عنه كأسير صام شوالا يظنه رمضان، وانظر لو بيته معتقدا أنه الذي قبله أو بعده فتبين له أثناء النهار أنه عينه، فهل يجزئه نظرا لذاته وإن لم ينوها كمصادفة الملتبس عليه الشهور على أحد الترددين المتقدمين فيه أولا نظرا لعدم نية عينه، ويفرق بينه وبين ما تقدم بأن ذلك نوى ما وجب عليه شرعا، وهذا لم ينو ما وجب عليه. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله: وهذا لم ينو ما وجب عليه، فيه نظر، بل هذا نوى ما وجب عليه شرعا لما اعتقد مضي اليوم المعين. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: ما قاله محمد بن الحسن لا يجري فيما إذا بيت الصوم معتقدا أنه اليوم الذي قبل المعين كما هو ظاهر، وكذا لا يجري فيما بعده أيضا حيث نوى به التطوع مثلا، والظاهر أن هذا هو معنى ما قاله عبد الباقي، وحينئذ فلا وجه لتعقبه له، وما قاله محمد بن الحسن إنما يظهر إذا نوى الصوم عن نذره المعين مع اعتقاد أنه اليوم الذي بعده فإذا هو اليوم المعين، ولا يخفى على من تأمل كلام عبد الباقي أن هذا الذي قاله محمد بن الحسن ليس مرادًا لعبد الباقي. والله سبحانه أعلم. واحترز المصنف بقوله: "المعين"، عن النذر المضمون إذا أفطر فيه لمرض أو نحوه من الأمور السابقة، فإنه يجب عليه فعله بعد زوال المانع لعدم تعيين وقته، وهذا إذا داخل فيما قبل الاستثناء، ولا يجب فيه إمساك بقية اليوم كما مر، وفي الأمير: ولا يقضي عن النذر المعين الذي أفطر فيه لحيض أو مرض نعم لنسيان أو إكراه، وأولى اختيارا أو لسفر وخطإ بسبق وأتم ما هو فيه والخطأ بتأخير قضى عن ذلك المعين. انتهى. فالفطر في النذر المعين لسفر أو اختيارا داخل في قول المصنف: "وقضى في الفرض مطلقا"، ففي التوضيح: وأما لو أفطر لسفر فيجب عليه القضاء اتفاقا، قاله الحطاب.

стр. 2320

وتقدم نظم الشيخ علي الأجهوري فيمن يجب عليه الإمساك إذا أفطر، ومن لا يجب عليه، وله في ذلك أيضا: في كل مفطر فرض بالأصالة أوْ … بنذر عين عليه الكف قد حتما كالفطر سهوا بأثنا الذْ تتابعه … حتم على القول أن القطع قد عدما أما على أن فطر السهو يقطعه … فالكف في ذا لديهم ليس منحتما ككف مفطر مضمون كذا بقضا … شهر الصيام ولو سهوا بذا حكما والفطر في النفل سهوا لا يخل به … فلا قضاء وإمساك به لزما قوله: والفطر في النفل سهوا لا يخل به، مثل السهو الجهل والإكراه، فإنه لا يفسد بهما النفل كما ذكره الحطاب عند قول المصنف: "والقضاء في التطوع بموجبها، وهنا لغز وهو أنه قد يجب على الحائض والمريض قضاء الصوم المعين، والجواب أن ذلك فيما إذا نذر أحدهما أن يعتكف أباما بعينها ثم جاءه العذر فإنه يقضي ذلك، وقوله: وأفطر فيه لمرض، هذا هو المشهور، وقيل: يجب القضاء بفطر مرض في الحضر، وقال الحطاب عند قوله "إلا المعين لمرض أو حيض أو نسيان": تبع رحمه الله تعالى ابن الحاجب في تشهير القول بعدِّ النسيان من مسقطات القضاء، وقبله في التوضيح أيضا وهو خلاف مذهب المدونة قال فيها: ومن تسحر بعد الفجر ولم يعلم بطلوعه أو أكل ناسيا لصومه، فإن كان في تطوع فلا شيء عليه ولا يفطر بقية يومه، فإن فعل قضاه، ثم ذكر حكم النذر المطلق، ثم قال: وإن كانت أياما بعينها أو أكل في رمضان فليتماد على صومه وعليه القضاء. وقد وَهَّمَ ابن عرفة ابن الحاجب في تشهير القول بعَدِّ النسيان من مسقطات القضاء في النذر المعين، فقال بعد أن حكى وجوب القضاء بالفطر فيه نسيانا: فيه ثلاثة أقوال: الأول وجوب القضاء والثاني عدمه، والثالث التفصيل بين أن يختص بفضل فلا يجب القضاء، أولا يختص فيجب، وَجَعْلُ ابنِ الحاجِب الثانيَ المشهورَ وَهَمٌ. انتهى.

стр. 2321

وفي النفل بالعمد الحرام؛ يعني أن صوم التطوع يجب قضاؤه على من أفطر فيه عمدا إذا كان فطره ذلك حراما؛ بأن يفطر عمدا من غير ضرورة ولو لسفر طرأ عليه أو تطوع به فيه، خلافا لابن حبيب لا بالفطر ناسيا أو مكرها، ولا إن أفطر فيه جهلا لأنه لا يفسد مع الجهل والنسيان والإكراه إلا الفرض، ولا إن لم يحرم الفطر، كشدة جوع أو عطش، أو خوف تجدد مرض أو زيادته، أو أمر والديه أو شيخه أو سيده إذا تطوع بغير إذنه، فلا يجب فيه قضاء، ولا يجب فيه الكف أيضا. قاله عبد الباقي. وأما العمد الحرام في النفل، فهل يجب معه الإمساك أولا؟ قولان. قاله ابن الحاجب. وقال ابن عرفة: الشيخ: روى ابن نافع لا وجه لكف مفطره عمدا لا لعذر، ونقل ابن الحاجب وجوب الكف لا أعرفه. انتهى. وقد علمت أن الفطر في النفل سهوا لا يوجب خللا، فمن حلف بالطلاق ليصومن غدا وصامه ثم أفطر فيه سهوا لا حنث عليه، وبه صرح التتائي عن ابن عرفة، وإن ترك صومه سهوا حنث كمن حلف ليفعلن غدا كذا وتركه نسيانا، وقوله: "وفي النفل بالعمد الحرام"، قد مر أن السفر ليس بعذر، قال الحطاب: وفي السفر روايتان، مذهب المدونة أنه ليس بعذر، وروى ابن حبيب أنه عذر يسقط القضاء، وكذلك أوجب في المدونة القضاء على من تطوع بالصوم في السفر ثم أفطر، وفي الجلاب رواية أخرى بسقوطه. انتهى جميعه من التوضيح. ونص المدونة: ومن تسحر بعد الفجر وهو لا يعلم، أو أكل ناسيا لصومه فإن كان في تطوع فلا شيء عليه ولا يفطر بقية يومه، فإن فعل قضاه، قوله: لا شيء عليه، نفي للوجوب، وهل قضاؤه مستحب أم لا؟ سمع ابن القاسم استحباب قضائه، ولم يحك ابن رشد غيره، وقال ابن بشير: في استحبابه قولان، ولو أكل في النفل ناسيا حرم عليه الأكل ثانيا؛ لأن صومه لم يفسد كما مر. انتهى كلام الحطاب. وقال الحطاب: وعلم من قوله: "العمد الحرام"، أنه لو أفطر متأولا، لا قضاء عليه، وقال ابن ناجي: ظاهر كلام الباجي يقتضي أن من أفطر في تطوعه متأولا أنه لا يقضي، لقوله: كل ما يسقط الكفارة في رمضان يسقط القضاء في التطوع.

стр. 2322

تنبيهات الأول: قال في المدونة: ويكره أن يعمل في صوم التطوع ما يكره أن يعمل في صوم الفريضة. أبو الحسن: مثل الحقنة، والسعوط، وذوق الملح والطعام، ومضغ العلك، وسائر ما تقدم مما يكره في الفرض. انتهى. وقد مر أن من أفطر في النفل ناسيا ثم أكل بعد ذلك متعمدا أنه يحرم عليه ذلك ويلزمه القضاء، وقال الشارح: فإن أفطر في تطوعه ناسيا فظن أن صومه قد فسد فأفطر ثانيا فإنه يقضيه، هكذا قالوا. وفيه نظر فإنهم إنما ذكروا إذا أفطر ثانيا عامدا، وأما المتأول فظاهر كلام ابن ناجي أنه لا شيء عليه. قاله الحطاب. الثاني: علم من قوله: "وفي النفل بالعمد الحرام"، أن إتمام صوم النفل واجب ولا يجوز قطعه، ابن عبد السلام: هذا هو المذهب، ومذهب المخالف عندي أظهر للأحاديث الواردة في ذلك، وقال الأمير: وفي النفل بالعمد الحرام ولو بطلاق بت أو عتق، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، وتمسك الشافعية بظاهر: (الصائم المتطوع أمير نفسه (١)). انتهى. وتمام الحديث: إن شاء صام وإن شاء أفطر، والجواب ما قال الترمذي: إن هذا الحديث في سنده مقال، وأجيب أيضا بأن قوله المتطوع؛ أي مريد التطوع، فقوله: إن شاء صام أي أنشأ الصيام، فالوجوب بالآية المتقدمة، ولقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، ولما في الموطإ وغيره (أن عائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين وأهدي لهما طعام فأفطرتا عليه، فدخل رسول الله ﷺ ، فقالت عائشة: يا رسول الله أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا عليه، فقال: اقضيا مكانه يوما آخر (٢))، ولو كان الفطر جائزا لم يلزمهما القضاء، ولأن العمل على ما قلناه، ألا ترى قول ابن عمر: ذلك يلعب بصيامه؟ قاله في التوضيح. الثالث: علم مما مر أن الأعذار التي لا يلزم المتطوع فيها قضاء إذا أفطر لأجلها عشرة: ثلاثة منها لا يفسد معها الصوم ويجب عليه الإمساك بقية يومه وهي: النسيان، والإكراه، والجهل. وسبعة لا يجب معها الكف عن المفطرات وهي: الحيض، والنفاس، والجنون، والإغماء، وشدة

стр. 2323

الجوع، وشدة العطش؛ إذا خاف من ذلك التلف أو المرض، والمرض ويشمل ذلك الحر الذي يتجدد منه مرض أو زيادته، ويزاد على ذلك فطره لأمر والديه أو شيخه. وقال بناني: حاصله -يعني عبد الباقي- أنه يجب الكف في فطره في التطوع بالعمد الحرام، ولا يجب في فطره بالعمد الحلال، وفيه نظر إذ الذي لابن عرفة عكسه، ونصه: الشيخ: لا وجه لكف مفطره عمدا إلا لوجه، ونقل ابن الحاجب وجوب الكف لا أعرفه. انتهى. ولو بطلاق بت؛ يعني أن من أفطر في التطوع لأجل حلف شخص عليه بالطلاق البت أي بالثلاث أو تكملتها، يلزمه القضاء ولا يكون حلف ذلك الشخص عليه بالطلاق البت وجها يبيح له الفطر، ومثل الطلاق البت المعتق. كما قاله غير واحد. ورد المصنف بلو القول بأن الحلف بالطلاق البت وجه يبيح الفطر في النفل، وقوله: "ولو بطلاق بت"، قال الشارح: فيه دليل على أنه لا يجوز له الفطر إذا حلف عليه شخص بالطلاق الثلاث ونحوه، وقد جاء في الحديث ما يدل عليه. انتهى. إلا لوجه؛ يعني أن الصائم في التطوع إذا حلف عليه شخص بالطلاق البت أو المعتق ليفطرن -وقلنا إنه يجب عليه تحنيثه لوجوب إتمام صوم التطوع بالشروع- فإنما محل ذلك إذا لم يكن لفطره وجه وأما إن كان لفطره وجه، كتعلق قلبه بمن حلف بطلاقها أو بعتقها ويخشى أن لا يتركها إن حنث، فإنه يباح له الفطر وحينئذ فلا قضاء عليه، وقال الخرشي عند قوله: "إلا لوجه"، مخرج من تحريم الفطر في النفل، ويكون ساكتا عن القضاء، قال ابن غازي: ولابد من القضاء على ما قاله عياض، وخالفه الحطاب، وأبقاه على ظاهره مستندا لما صرح به الشاذلي من نفي القضاء، ولقول المؤلف: "وفي النفل بالعمد الحرام"، وهذا ليس بحرام، وكلام عياض ضعيف. انتهى. كوالد، تشبيه لإفادة حكم أمر الوالد بالفطر في التطوع؛ يعني أن من أمره والده دنية أبا أو أما بالفطر في النفل، يباح له الفطر ولا يكون أمر الوالد وجها إلا إذا كان على وجه الحنان والرأفة والشفقة عليه من إدامة الصوم. وشيخ؛ يعني أن من أمره شيخه بالفطر في صوم التطوع له أن يفطر، وإنما يكون أمره وجها يبيح الفطر إذا كان على وجه الحنان والرأفة والشفقة عليه من

стр. 2324

إدامة الصوم. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وشيخ" قال ابن غلاب: هو شيخ الطريقة الذي أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه، وقال ابن ناجي: وظاهر المذهب أنه لا يتنزل منزلة الأب شيخه الذي يتعلم عليه العلم، وكان بعض من لقيته يفتي بأنه كهو. انتهى. وقال الأمير: هو المربي، ومثله شيخ علم شرعي على الظاهر. انتهى. وجاء عن عيسى بن مسكين أحد فقهاء المالكية أنه قال لصاحب له في صوم تطوع أمره بفطره: ثوابك في سرور أخيك المسلم بفطرك عنده أفضل من صيامك، ولم يأمره بقضاء. وقال عياض: قضاؤه واجب، ولم يذكره -يعني ابن مسكين- لوضوحه. انتهى. وقد مر عن الخرشي أن قول القاضي عياض هذا ضعيف، وقال بعض في قول ابن غلاب: إن المراد بالشيخ شيخ الطريقة الذي أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه، ولعله منزع صوفي كما حكي عن الشاب الذي قالوا له: كل معنا، فقال: إني صائم، فقال أبو يزيد البسطامي: دعوا من سقط من عين الله، وفي الحديث: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر (١)). قال: والمعلم في معنى الوالد بل أعظم، قال ابن رسلان: حتى قال بعض أصحابنا عقوق الوالد يغفر بالتوبة منه، بخلاف عقوق الشيخ المعلم، ولو حلف هذا الصائم -أي صائم التطوع- ليفطرن كفر عن يمينه. نقله في النوادر. والله أعلم. وروى الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : (من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم (٢))، قال في العارضة: حديث منكر السند صحيح المعنى؛ لأنهم يتكلفون له فيفسد عليهم، فينبغي أن يعلمهم حتى لا يخسروا. انتهى قاله الحطاب. وإن لم يحلفا؛ يعني أن أمر الوالد والشيخ للشخص بالفطر في التطوع يبيح له الفطر، وإن لم يحلفا له على الفطر ولا قضاء عليه على المشهور كما مر، ومثل الوالد السيد في عبده، وقد مر أن المراد بالوالد الوالد دنية أبا أو أما لا الجد وَالْجَدَّة، والمراد الأب والأم المسلمان لا الكافران، قال عبد الباقي: ولو ترك قوله: "إلا لوجه"، لكان حسنا؛ لأن الفطر مع الوجه غير حرام.

стр. 2325

تنبيهات: الأول: اعلم أن من آداب التلميذ مع الشيخ أن يعظمه، ولا يزال ناظرا إليه بعين الإجلال، ويعتقد فيه درجة الكمال، ويتواضع له ويخضع بين يديه ويهابه غاية الهيبة، ويعلم أن خضوعه له عز، وذلته بين يديه رفعة، ويقال إن الإمام الشافعي قيل له في ذلك؟ فقال: أهين لهم نفسي فهم يكرمونها … ولمن تُكْرَم النفسُ التي لا تهينها وأمسك ابن عباس على جلالة قدره بركاب زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، وقال أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه لخلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: كنت أتصفح الورقة بين يدي مالك تصفحا رفيقا هيبة له ليلا يسمع وقعها، وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له، ويقال: حضر بعض أولاد الخليفة المهدي عند شريك بن عبد الله، فاستند إلى الحائط، وسأل شريكا عن حديث فلم يلتفت إليه شريك، فقال: أتستخف بأولاد الخلفاء؟ قال: لا، ولكن العلم أجل عند الله تعالى من أن يضيعه، أو العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه، ولا ينبغي أن يخاطب شيخه كخطاب الناس بتاء الخطاب أو كافه، أو بمجرد اسمه، بل يا سيدي أو يا أستاذي، ويا أيها العالم أو الحافظ ونحو ذلك، وكذا إذا ذكره في غيبته، وليتحر التلميذ الصالح للمشيخة بأن لا يأخذ العلم إلا ممن هو أهل لأن يؤخذ عنه ويعرف ذلك إما بالنظر إن كانت له يد في العلم في الجملة، وإما بتقليد العارفين سؤالا واستخبارا فيأخذ عن المحقق الثقة، ويتحرى أهل الدين المتأدبين ممن جعل الله تعالى الفتح على يديه للعباد رجاء أن يأخذ العلم وأدبه والعمل به، فإنه لا خير في علم بلا عمل، ولا في زيادة علم مع نقصان أدب، قال بعض السلف: هذا العلم دين فانظروا من تأخذون عنه دينكم، وليحذر ممن فيه نزغة بدعة أو سوء اعتقاد ليلا يسري ذلك إليه فيهلك مع المهلكين، أو تَوَرُّطٌ في أودية الدنيا وصحبة الظلمة مخافة أن ينجر بذلك إليها، وليحذر أن يتقيد بالمشاهير وذوي الجاه وَيُعْرِضَ عن أهل الخمول إن كانت فيهم أهلية، بل يتبع أهل الحق والتحقيق كيفما كانوا؛ إذ

стр. 2326

العلم ضالة المؤمن لا يستنكف أن يأخذها ممن وجدها بيده رفيعا أو وضيعا، وليأخذ عمن أخذ العلم من أهله وتأدب بالمتأدبين، ولا يأخذ عن صحفي وهو من أخذ العلم من بطون الأوراق فقط. ويروى عن الإمام الشافعي: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام، وللداني رحمه الله تعالى: والعلم لا تأخذهُ عن صحْفي … ولا حروف الذكر عن كُتْبيِّ قال جامعه عفا الله تعالى عنه: والظاهر أنه أراد بحروف الذكر كيفية قراءة القرآن. والله سبحانه أعلم. وقال بعضهم: من أخذ الفقه من بطون الكتب غَيَّرَ الأحكام، ومن أخذ النحو من بطون الكتب لحن في الكلام، ومن أخذ الطب من بطون الكتب قتل الأنام، ومن أخذ التصوف من بطون الكتب خرج من الإسلام. ومن آداب التلميذ أيضا: أن ينقاد إلى شيخه في أموره كلها ولا يخرج عن رأيه وطاعته، بل يكون كالميت بين يدي الغاسل وكالمريض بين يدي الطبيب، فيخدمه ولا يمل من خدمته، ويحمد الله تعالى عليها، ويتبع إشارته فيما يأمره به، قال الشيخ أبو حامد رضي الله تعالى عنه: ومهمى أشار عليه شيخه بطريق في التعليم فليقلده وليدع رأيه، فخطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه، وقد نبه الله تعالى على ذلك في قصة موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، بقوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، هذا مع علو قدر موسى في الرسالة والعلم حتى شرط عليه السكوت، فقال: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. ومن آداب التلميذ مع الشيخ أيضا: أن يعرف له حقه، ويشكر صنيعه، والمنة التي أجرى الله تعالى على يديه، ويعتقد أنه أبوه بالولادة الروحانية وهي أفضل من الطبيعية، فلا يزال مثنيا عليه ومستغفرا له، وداعيا له ومسديا إليه غاية بما أمكنه من الإحسان مالا وخدمة كما قيل: أفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا

стр. 2327

وقد مر معنى هذا البيت عند قول المصنف: "والشكر له على ما أولانا من الفضل والكرم"، ولا يزال ساعيا في مكافأته بكل وجه يمكن، وفي الحديث: (من أسدى إليكم معروفا فكافئوه (١))، وكل ما يفعله في حضوره يفعله في غيبته، ويجاوب عنه من يذكره بسوء، وإن عجز قام عن المجلس، وكذا يعامل أولاده ومواليه وأقاربه وأحبابه وسائر من له به نسبة، وهذا شأن الصحبة والمحبة كما قيل: وقالوا يا جميل أتى أخوها … فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب ومن آداب التلميذ أيضا مع الشيخ: أن يصبر على جفوة شيخه وشراسته إن كانت في خلقه، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن اعتقاده فيه، وإلا حُرِمَ ما عنده. وقد قال قائل لسفيان بن عيينة: إن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك، فقال للقائل: هم حمقى إذا مثلك إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي. وليتلطف في إدخال السرور على قلب الشيخ وفي استعطاف قلبه وفي مصالحته إن جفا أو غضب، ولينسب الذنب إلى نفسه، وليبالغ في الاعتذار والتوبة والاستغفار والانكسار، ولينسب كل نقيصة إلى نفسه وكل فضيلة إلى شيخه، ولا يجادل ولا يمار، وليتحمل بحسن التحمل ما تجده النفس هنالك من الذل والهوان رجاء ما يعقبه من المعز والرفعة، كما يتحمل ما يلقاه من الغربة والضيق وسوء الحال، فإن عاقبة ذلك كله خير، ولبعضهم: فمن لم يذق ذل التعلم ساعة … تجرع كأس الجهل طول حياته وقال آخر: إن المعلم والطبيب كليهما … لا ينصحان إذا هما لم يكرما فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه … واصبر لجهلك إن جفوت معلما

стр. 2328

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ذللت طالبا وعززت مطلوبا، وليقدم فهم الشيخ على فهمه، ورأيه على رأيه كما قال الصحابي: اتهموا رأيكم، ومتى أعلمه الشيخ بفائدة أو حكمة أو لطيفة من دقائق الأدب كان علمها، فلا يظهر أنه كان عالما بها، وليشكر شكر من لم يعلم اللهم إلا أن يتعلق غرض الشيخ بشهادته بها مثلا فليذكر ذلك، والضابط السعي في حفظ قلب الشيخ، وليراع حق الله تعالى في ذلك لا مجرد الانتفاع، وليستعمل الأدب في الدخول على الشيخ، فيدخل عليه فارغ القلب من الشواغل، حسن الهيئة: نظيفا باحترام ووقار، فإن كان الشيخ في محل خاص فليستأذن برفق، فإن لم يأذن له انصرف سليم القلب، وإن كانوا جماعة وأذن لهم فليتقدم في الدخول أفضلهم وأسنهم للسلام، ثم يسلم الأفضل فالأفضل، وإن دخل عليه في محل خاص ثم وجده مع أحد يتحدث معه ثم سكت، أو في شغل فأمسك عنه ولم يبدأه بالكلام ولا باسطه، فليسلم سريعا ويخرج، إلا أن يلزمه الشيخ المكث، ويختلف الحال في ذلك، والضابط مراعاة الأدب وحفظ القلب، ولا يدخل مشغول البال على شيخه بجوع أو عطش أو هم أو نحوه؛ إذ يمنعه ذلك من الإصغاء والانتفاع، ولا يناد الشيخ من وراء الحجرات، ولينتظر خروجه، وليصبر إن كان نائما حتى يستيقظ، ولا يطوف عليه ليخرج إليه. وقد كان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يأتي باب زيد بن ثابت فيجده نائما، فيقال له: ألا نوقظه لك؟ فيقول: لا، وينظر حتى يستيقظ، وربما أصابته الشمس وهو على ذلك فلا يبالي، ولا يقترح على الشيخ ما يشق عليه من مجلس غير معتاد أو وقت أو تخصيص له بشيء من ذلك أو بملاحظة، فربما فعل الشيخ ذلك مع استثقاله له وفيه هلاكه اللهم إلا أن يكون هو افتقحه بذلك وامتن عليه به فليقبله شاكرا له. قال جميعه اليوسي في القانون إلا النزر منه جدا. وليجلس بين يدي الشيخ بالأدب جلوس الصبي أمام المؤدب إن أمكنه، قال اليوسي: من أغرب ما شاهدته في هذا أني كنت أيام البداية أجلس في حلقة شيخنا أبي بكر رحمه الله تعالى ناحية جنبه الأيسر وهم يقرءون الخلاصة، فكنت أفهم بعضا من كلامه وأشياء لا أفهمها حتى بلغنا نحو النصف، فاتفق لبعض من كان بين يديه أن خرج من البلد فجلست في موضعه بين يدي

стр. 2329

الشيخ، فكنت من ذلك اليوم كل ما يخرج من الشيخ يدخل في قلبي كالشمس المنيرة ولا يفوتني شيء، وقضيت العجب من ذلك. وليقبل على الشيخ بكليته مصغيا متلقيا ما يسمعه بقلب شهيد، ولا يتغافل حتى يمر الكلام ويلقى الشيخ في تقريره عناء وثم يسأل عنه هو سؤال من لم يسمعه قط، فإنه إن أعاده تألم بذلك، فقد قيل: أثقل من حديث معاد وإن لم يعد تألم هو وتألم الشيخ لتألمه وغفلته، ولا خير في شيء من ذلك، وليحذر من الالتفات يمينا وشمالا، أو فوق أو تحت عن الشيخ، ولا سيما عند كلامه معه، ولا يضرب بكميه، ولا يحسر عن ذراعيه، ولا يعبث بيديه أو رجليه، ولا ينظر إلى أهل المجلس عند ما يصدر منه بحث أو يلج في مباحثة الشيخ تبجحا بحاله أو ليرى ما يقولون فيه، فإن مثل هذا مفتون في نفسه ممقوت عند الله تعالى وعند الشيخ، إلا من عصمه الله، ولا يشبك أصابعه، ولا يعبث بلحيته، ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو وسادة، أو على يده إلى الوراء، ولا يولي الشيخ ظهره أو جنبه، ولا يشير بيديه حال البحث، ولا يكثر الكلام لغير حاجة، ولا التنحنح، ولا يبصق، ولا يتنخم ما أمكنه، فإن غلبه أخذ ذلك في ثوبه من غير صوت وحكه، وليخفض الصوت عند العطاس جهده، وليسد فاه عند التثاؤب. وفيما ينسب إلى علي كرم الله وجهه من الوصايا في هذا الباب: من حق العالم عليك أن تسلم على عامة مجلسه وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تعمد بعينيك غيره، ولا تقولن قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته، ولا تسار في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه إذا كمل، ولا تشبع من طول صحبته؛ فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك شيء منها. انتهى. فإن أمره بأمر يخالف الأدب، كالجلوس على فراشه، والتقدم بين يديه، فقيل: يراعي امتثال الأمر، وقيل: يراعي الأدب وهو أولى، كما فعل الصديق رضي الله تعالى عنه حين قال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ ، اللهم إلا أن يكون جزم أو بحث لا يمكن خلافه، وليحسن الأدب في مخاطبته للشيخ جهده فيخاطبه خطاب تعظيم

стр. 2330

وتبجيل، ويقبل قبول مطيع مذعن، فمتى ذكر الشيخ أمرا فلا يقل له لا نسلم هذا، أو من قاله أو من ذكره: فليتلطف وليكن في مجلس آخر، ولا يقل له لم ذلك؟ فقد قيل: من قال لشيخه لم لم يفلح أبدا، ومتى سمع من الشيخ أمرا فليستبشر به في الحال، وإن كان قد علمه كما مر، فإن ظهر أنه خلاف الصواب وأصر الشيخ عليه لغفلة أو قصور فلا ينكر عليه، ولا يلاجه إذ لا عصمة إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وليتحفظ من مواجهة الشيخ بصورة الرد عليه؛ كان يقول له الشيخ: أنت قلت كذا أو مرادك في فهمك أو خطر لك كذا، فيقول: لا ما قلت هذا وما خطر لي هذا، وما هو مرادي أو نحو هذا وليتحفظ أيضا من مواجهة الشيخ بصورة لا تليق في باب الحكايات، كأن يقول عند مخاطبة الشيخ: قال لي فلان أنت جاهل، أو لا خير فيك، أو فعل الله بك كذا، وليغير هذه العبارة كأن يقول، قال لي فلان يعني نفسه هو جاهل، أو الأبعد يعني نفسه: أو يخاطبه بما يجري على ألسنة جفاة العوام فيما بينهم، كقوله للشيخ عند الخطاب: أسمعت أفهمت أتدري أتعرف أو نحو ذلك، والعرف قد يختلف والضابط هو ما مر من مراعاة حفظ قلب الشيخ فللعبارة أثر، بل وللنظرة وللجلسة، فليحافظ على ذلك كله، وليحذر من أن يسبق الشيخ إلى شرح معنى أو جواب سائل، أو يعيده بعد ذكر الشيخ له إظهارا منه لمعرفته، اللهم إلا أن يلزمه الشيخ شيئا من ذلك فيمتثل، وليحذر أيضا من أن يقطع كلام الشيخ بسؤال أو حكاية أو غير ذلك، بل يصبر حتى يفرغ الشيخ فيسأل، وإن تصدر الشيخ يتحدث بعلوم أو حكايات أو أخبار ثم فرغ من قصة فلا ينبغي للتلميذ أن يذكر قصة أخرى تشبه ذلك، فيؤدي ذلك إلى انقطاع حديث الشيخ وصيرورة الكلام بينه وبين التلاميذ مناوبة، فهذا من سوء الأدب، بل من حق التلميذ أن يغمد لسانه ويفتح أذنيه لما يستفيد من الشيخ، وليدع علمه مطويا حتى يحتاج إليه. وقد قال الحكيم: إنما جعل للإنسان لسان واحد وأذنان ليكون سماعه أكثر، ولا يقل عند سماع قصة: قد نص عليها أو ذكرها فلان في كتابه أو نحو ذلك، بل يظهر من نفسه أنه ما رأى شيئا من ذلك ولا سمعه قط، فهو أحفظ لقلب الشيخ اللهم إلا أن يعلم أن الشيخ يحب ذلك، وليستعمل الأدب في المناولة، فإن تناول من الشيخ شيئا أو ناوله إياه فباليمين، فإن كان ورقة

стр. 2331

فتيا أو رسالة أو سؤال فليناولها منشورة ليلا يتكلف الشيخ نشرها إلا أن يخشى وجود سر لا يحب الشيخ الاطلاع عليه، وليقم بين يديه عند المناولة ولا يمد إليه بيده أو ينبذ الشيء إليه أو يزحف إليه زحفا، ولا أن يحوجه إلى أن يمد يديه إليه، بل إن علم أن الشيخ يثقل عليه إخراج يديه لتمسك المكتوب فليمسكه له حتى يقرأه، وإن ناوله كتابا هيأه له، وإن احتاج إلى مسألة منه في محل مخصوص فليره المحل ولا يحوجه إلى التفتيش، وإن ناوله قلما فليحده أولا، أو دواة فليفتحها ويهيئها، أو سكينا فليرد إليه حدها وهكذا سائر ما يتناول، وإن طلب الشيخ سجادة فليفرشها له إن أراد الصلاة أو الجلوس، وإذا قام بادر إلى أخذها، وكذا النعل وسائر الخدمة، وإلى الأخذ بيد الشيخ إن احتاجَ والمطلوب الخدمة بأي وجه أمكن مما يكون معه حفظ قلب الشيخ، وَمَنْ أَنِفَ من خدمة المشايخ أو استحيا فهو محروم. وقد قالوا: أربعة لا يستنكف عنهن ذو العقل ولو كان شريفا في نفسه أو أميرا: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم، وخدمته للضيف. وليستعمل الأدب في الجلوس إلى الشيخ، وليكن بين يديه كما مر، فإن تأتى له القرب جدا وأمن مضايقة الشيخ فليقرب كما في وصية لقمان، حيث قال: وزاحم العلماء بركبتك، وإلا وهو الأغلب فليتوسط فلا يزاحم حتى يثقل أو يمس الشيخ أو سجادته أو ثوبه، ولا يبعد حتى لا ينتفع، ومتى أمره الشيخ بشيء من ذلك، فإن رآه أدبا بادر إليه، وإلا فالأدب. كما مر. وليستعمل الأدب في المماشاة، فإذا خرج الشيخ فليكن وراءه فهو بمنزلة التابع فلا يتقدم عليه، ولا يمشي إلى جنبه غير أنهم استثنوا مواضع أربعة ينبغي التقدم فيها بين يدي المشايخ، وذلك إذا نزلوا سُفْلا، أو انطلقوا ليلا، أو خاضوا سيلا، أو حذووا ويلا؛ أي شيئا يتقى، أما أولا فمخافة أن يقع للشيخ زلل فيتداركه من تحته، وليلا يزل هو فيقع عليه، وأما ثانيا فمخافة أن يكون في الطريق شيء يؤذي من حيوان أو غيره، وأما ثالثا فلتجربة المحل ليلا تكون بركة يغرق فيها أو يكون الماء شديدا لا يحتمل، وأما رابعا فظاهر، وكل ما أشبه الأربعة فهو بها ملتحق، وأما المشي إلى جنبه فقد يحسن حين يحب الشيخ الأنس به أو بحديثه، وقد يأذن في الأخذ عنه تلك الساعة، فلا يمكن إلا ذلك وهو من الآداب المُلُوكِيّةِ في صحبة الرؤساء، وينبغي حينئذ أن

стр. 2332

يحيد له عن الجادة ولا يزاحمه، فإن أمكنه أن يقي الشيخ شمسا أو ريحا أو زحاما أو دابة أو كلبا عقورا أو فتنة مَّا فليكن من جهته على اليمين أو الشمال، وإن أقبل عليه الشيخ يحدثه فليكن من جهته الأخرى غير جهة الشمس أو الريح أو الدخان أو نحوه ليلا يلقى الشيخ ذلك بوجهه، وهذه أمثلة يعرف بها ما وراءها عند كل متيقظ لبيب، وإن أقبل الناس على الشيخ وهو معه فليعرفه بمن يحتاج إلى التعريف من أهل الأقدار مثلا ليلقى كلا بما يستحق، ومن لم يعلمه سأل عنه بلطف وأخبر الشيخ به ليكفيه أمر السؤال، وإن رأى أحدا يُسَارُّ الشيخ فليبعد حتى لا يسمع ما جرى، وإن لقي الشيخ في الطريق فليبدأه بالسلام على غاية البشاشة والترحيب، فإن رآه ماشيا بين يديه فلا يكلمه من خلف بل يبادر أمامه ليسلم عليه من قدام، وإن كان بعيدا فلا يناده بل يذهب حتى يصل إليه، فإن رآه في محل لا تليق فيه الملاقاة لضيق أو عورة أو لا يحب الشيخ فيه ملاقاة أوأن لا يراه بعينه أصلا فلا يلقاه حتى يمكن إذ الأهم حفظ قلب الشيخ، وقد يراه منقبضا في الوقت عن الناس فلا يزاحم. وقد حدثنا بعض أشياخنا عن بعض أشياخه رحم الله الجميع أنه خرج في يوم خميس فرأى تلميذا له قد أقبل من بعيد في طريقه تلك، وعلم أنه يلقاه، فيسلم عليه، فقال: يا فلان لا تفسد علي خميسي -أي بالسلام- واذهب من طريق أخرى، نعم إن كانت حيلة أو لطافة في بسطه وتأنيسه فلا بأس، وقد حكى الغزالي في الإحياء أنه ﷺ خرج يوما منقبضا فلم يستطع أحد أن يدنو منه، فجاءهم بعض من له لطف وفكاهة من الصحابة، فقال لهم: أرأيتم إن أضحكته لكم، فتقدم إليه، فقال يا رسول الله: بأبي أنت وأمي بلغنا أن الدجال يخرج في مسغبة ومعه جبل خبز، فقال ﷺ : نعم هو أهون على الله من ذلك، فقال: ما ترى فداك أبي وأمي آكل من ثردته حتى إذا تضلعت شبعا آمنت بالله وكَفرت بالدجال؟ فضحك ﷺ . قاله اليوسي في القانون. الثاني: ينبغي للتلميذ كما يتأدب مع الشيخ أن يتأدب مع الحاضرين ومع الرفقة كلها ويحترم مجلسه، فإن ذلك من احترام الشيخ فلا يسيء إلى أحد منهم بانتهار له أو شتمه أو اجتذابه أو

стр. 2333

الجلوس بين يديه أو فوقه أو استناد عليه بمرفقه أو رأسه أو نحو ذلك، إلا أن يكون بينه وبينه شيء من ذلك محتملا ولا يعارضه عند سؤاله للشيخ بجواب ولا بحث، ولا بسؤال آخر للشيخ فينسى سؤاله ولا يفرق بين متضايقين أو متعاونين إلا بإذنهما، وليوقر أكابر أهل المجلس وأفاضله أكثر، وينبغي لأهل المجلس أن يرحبوا بالوارد وَيَفْسَحُوا له ويكرموه بما ينبغي لمثله، وينبغي للواحد إذا فسح له أن يضم جناحية ولا يضيق على الناس، ومتى أساء أحدهم أدبا أو أساء إلى غيره فالشيخ أولى أن يؤدبه أو يزجره أو يصلح ذات البين أو من يقدمه لذلك، وإن أساء أحد إلى الشيخ فعلى أتباعه القيام بزجره والانتصار للشيخ وفاء بحقه، وهذا حق التلميذ أن ينتصر لشيخه بالحق حاضرا كان أو غائبا، حيا أو ميتا. الثالث: من المهمات تعظيم الكتب واحترامها فلا يضعها على الأرض ولا عند رجليه أو تحت رأسه، والكتب كلها مشتركة في هذا المعنى، وإن كانت تتفاوت في شدة الاعتناء ببعضها أكثر من بعض، وأن الكتاب لو فرض ما فيه أن يكون غير حق، فقد بقيت الحرمة للورق والحروف ولا يضع عليها شيئا غيرها إلا ما تصان به، وأما وضع بعضها على بعض فيجب أن يكون بالتعظيم، فيجعل الأشرف فوق غيره، وليحسن لها التجليد والأغشية من غير إسراف، ولا يصطنع الدفة من الورق المكتوبة فإنه من الإهانة، ولينزل الكتب عند وضعها في الخزانة منازلها، فلا بد أن يرفع الأشرف فوق غيره، ولا يخفى ذلك على من له خبرة بمراتب الفنون، وأعلى الكتبُ كتاب الله تعالى وهو المصحف، وكذا أجزاؤه، تم التفسير، ثم متن الحديث، ثم علوم الحديث، ثم الفقه، ثم الكلام، ثم أصول الفقه، ثم النحو والبيان وسائر علوم اللغة، ثم المعقول، وهكذا وإنما قدمنا الفقه على الكلام بحسب فضول الكلام، وإلا فمقصده أعلى. وقال بعضهم: المصحف، ثم كتب الحديث الصرف كالبخاري، ثم تفسير القرآن، ثم تفسير الحديث، ثم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم الفقه، ثم النحو، ثم أشعار العرب، ثم العروض، ويقدم في المستويين بكثرة الاحتواء على القرآن ثم الحديث ثم بالصحة والقدم والاشتهار، وجلالة المصنف، ولا ينبغي أن يوضع على الكتب شيء من غير الكتب إلا ما تصان به كما مر، ولا

стр. 2334

ينبغي أن تتوسد، وقد حكي أن رجلا بات متوسدا رسالة الشيخ ابن أبي زيد فأصبح أعمى، وقد أفتي في الأوراق المكتوبة بأن لا تكون صوانا لشيء احتراما لها. واعلم أن الكتب آلة لصاحب العلم عالما كان أو متعلما وسلاح، ومن لم تكن له كان أعزل، فمن أهم الأمور تحصيلها إما بالملكية إرثا أو شراء أو هبة وهي أولى وإما بعارية، فإن تعذر الملك لإعواز الثمن أو إعواز ما يشترى فلينسخ أو ليستنسخ إن أمكن وهو أولى، وليحذر مكيدة الشيطان وهي أن يسول له أن طلب العلم لا يكون بغير إعداد مؤنة كافية، وأن العلم لا يحصل بغير كتب، فيتعاطى أسباب الدنيا من تجارة أو غيرها فيفوته الغرض -والعياذ بالله تعالى- بجمود قريحة مثلا، أو موت، أو غير ذلك، فالأولى لطالب العلم في بداية أمره أن يرمي بنفسه في غمرات الطلب غير ملتفت إلى شهوة من ملبس ومنكح ومركب ونحو ذلك، وليعول على القسمة الأزلية وأن الله تعالى موصل إليه من فضله موصل إليه الضروري من أموره، وأن يعتمد على السماع والحفظ متكلا على الله تعالى في أن يعلمه من فضله، وهو على ذلك قدير، ثم إن كانت عنده الكتب أو أمكن استحصالها بغير تكلف ولا تعوق عن شغله فليطالع منها ما يقرب عليه، وليدع منها ما هو عميق مشتت للفكر إلى وقته، فإن الكتب سلاح وليس كل أحد يقاتل بكل سلاح، وإن تعذرت الكتب فليحضر فكرته وليتق الله تعالى، ويتوجه إليه بصدق التوجه، وليثق بفضل الله تعالى، وأنه لا يخيبه، وأنه إذا أعطى علما فسيعطي كتبا، ويقال في مثل هذا المقام: إن الشجاع في المضايق سلاح الناس كلها له، والفارس عند الغارات خيل الناس كلها له، فمن نجب في العلم كتب الناس كلها له، وما أعوز منها فالله تعالى يغني عنه، وأن الله تعالى إذا أراد شيئا كان، والله تعالى من فضله حقيق أن يكفي العالم أمر الرزق وجماعة معه كما وعد بذلك. وقد اختلفت أقوال الناس في إعارة الكتب، فمنهم من كرهها صونا للكتب عن الضياع، فقدما قيل: آفة الكتب العارية، ومنهم من يحض عليها لأنها من التعاون علي البر والحق التفصيل، فمن كان أهلا لأن يعار بظهور نجابة وظهور صيانة للكتب فينبغي أن يعار، وفي مثله يقال: حبس الكتب عن أهلها من الغلول، وينسب للإمام الشافعي يخاطب محمد بن الحسن: يا ذا الذي لم تر عيـ … ـنا من رآه مثله العلم يأبى أهْله … أن يمنعوه أهله

стр. 2335

وإذا وقعت العارية فواجب على المستعير شكر المعير ومكافأته ولو بالدعاء وصيانة الكتاب المستعار، فلا يعرضه لتلف ولا فساد، ولا يفتحه فتحا فاحشا، ولا يلوثه بيده ولا يوسخه بما فيها، ولا يضعه على الأرض أو الحصير، ولا ينظر حالة غلبة النوم، فربما سقط من يده أو على الصباح، أو سقط عليه المصباح وزيته، ولا يعرضه للندى أو الشمس أو الدخان أو السارق أو الفار أو غير ذلك، ولبعضهم: عليك بالحفظ دون العلم في كتب … فإن للكتب آفات تفرقها اللص يسرقها والفار يخرقها … والنار تحرقها والماء يغرقها وأن لا يؤذيه بالتلوي عليه حين يريد كتابه الذي أعاره له، ولا يفشي ما عسى أن يجده مكتوبا من أسرار مالكه أو غيره، وبالجملة يجب أن يفعل فيه ما يفعله لنفسه: أيها المستعير مني كتابا … ارض لي فيه ما لنفسك ترضى ولبعضهم: إذ استعرت كتابي وانتفعت به … فاحذر وقيت الردى من أن تغيره واردده لي سالما إني شغفت به … لولا مخافة كتم العلم لم تره ومتى علم من نفسه أنه عاجز عن القيام بذلك لم تجز له الاستعارة؛ لأن مقدمات الحرام حرام، وكل هذا مطلوب منه في كتب نفسه وكتب الأحباس، فإن حفظ المال واجب وتضييعه حرام، والكتب إذا ضيعت كان فيها تضييع المال وتضييع العلم، ولا بأس بكتابة الحواشي والفوائد على كتاب يملكه، ولا يكتب عليه صح فرقا بينه وبين التخريج، ولا ينبغي إلا الفائدة المناسبة للمتن الذي عليه الحاشية، كبحث فيه أو عَزْوِ نَاقِلِ أو منقول عنه وغير ذلك، وليحافظ على البيان في الكتابة، وليحذر الخط الردي وكثرة المحو، وَالضرب ليلا يظلم الكتاب فيفسد أكثر مما يصلح، والخط الحسن يبسط النفس وينشط الفهم ويزيد الحق وضوحا، وخطوط العلماء تكون غالبا ردية

стр. 2336

لاشتغالهم عن التصنع في الخط بما هو أهم، غير أنها تكون سالمة من اللحن متقنة مبينة، فتكون نافعة. قال جميعه في القانون إلا النزر منه جدا. وفيه أن الناسخ إذا وقعت له زيادة، فإن كانت كلمة واحدة فليضرب عليها بخط يجره عليها أو يكتب عليها لا، وإن كانت أكثر أو سطرا أو سطرين فليكتب على أول كلمة لا ومن وعلى آخرها لا، وإلى أي من هاهنا، إلى هنا أو يضرب على الجميع، وإن تكررت الكلمة سهوا فليضرب على الثانية لأن الأولى صواب إلا أن تكون الأولى آخر سطر فليضرب عليها حفظا لأول السطر ما لم تكن التي في آخر السطر مضافا إليها فليتركها لاتصالها بالمضاف، وإن سقط شيء أخرجه في الحاشية إن أمكن، ويشير إليه بخط لطيف. وليكن التخريج إلى جهة اليمين إن أمكن، وليكتبه إلى أعلى الورقة إن أمكن ليبقى ما بعده نقيا، فإن وجد تخريجا آخر جعله فيه ثم يكتب على ذلك صح، ولا بأس بكتابة الأبواب والفصول أو سائر التراجم بلون من حمرة أو صفرة أو خضرة، وكذا كل ما يقع في خلال الكتب من تنبيه أو بحث أو سؤال أو جواب أو تنكيت أو فائدة أو لطيفة أو نحو ذلك؛ لأنه أزيد في البيان وفي حسن الكتاب، فإن لم يوجد غير الحبر فليغلظ الخط ويمططه أكثر ليعلم ذلك؛ ولا بأس بالرمز بالحمرة أو غيرها لأسماء رجال أو نحو ذلك، غير أن ما لم يكن بينا من ذلك فلا بد من التنبيه عليه في صدر التأليف أو خاتمته مثلا، وإلا فلا يجوز الرمز الذي لا دليل عليه، وهذا كما تقول لا بد للمجاز من قرينة وللحذف من دليل، وإذا نسخ فليجود الخط وليجتنب الخط الرقيق فإنه سيندم عليه وقت الكبر وضعف البصر، وليكتب بالحبر فإنه أبقى، وليكن القلم محرفا، وليكن معه سكين حاد لبري القلم، ولينشر الورق المكتوب، وإذا نسخ فليستعمل الآداب في ذلك وهي أن يضع الكتاب المنسوخ منه على مرتفع ولا يضعه على الأرض ويفتحه بمقدار، وأن يكون على طهارة في بدنه وثوبه، وأن يكون الحبر والورق طاهرين، وأن يكتب البسملة في أول الكتاب، فإن كان الكتاب مبدوا بها وبالحمد والصلاة على النبي ﷺ فليكتب ذلك مع سائر الكتاب، وإلا فليكتبه أولا ثم يشتغل بعد بالكتاب، وكلما انقضى جزء حمد الله تعالى وصلى على النبي ﷺ ، ثم كتب: تم كذا ويتلوه كذا، فيكتب ذلك بيانا وإعلاما، وكلما كتب اسم الله تعالى فيتبعه بما ينبغي من التعظيم، نحو:

стр. 2337

سبحانه أو تعالى أو جل وعز وكلما كتب اسم النبي ﷺ صلى عليه بلسانه وقلبه، سواء كان في الأصل أولا، وكلما كتب اسم أحد من الصحابة أو علماء الدين وسائر الصالحين ترضى عنه وترحم ويكمل الصلاة والسلام بالكتابة، ولو تكررت في السطر مرارا، ولا يختصر كما يَخْتَصِرُ بعض المحرومين، ولا يصلي على غير الأنبياء إلا تبعا، وما كان مستغربا أو منكرا وهو صحيح في الحاشية أو في المتن فليكتب عليه: صح، وليجعلها صغيرة إن كانت في المتن، وإن وقع ما لا يدري أصواب أم خطأ فليكتب عليه كذا. الرابع: اعلم أن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات، وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات، خصوصا علم الفقه العذب الزلال، المتكفل ببيان الحرام والحلال، وفي الحديث عن النبي ﷺ : (إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني من الله فلا بلغني الله طلوع شمس ذلك اليوم (١))، وفي معناه قيل: دعوني وأمري واختياري فإنني … بصير بما أفري وأبرم من أمري إذا ما مضى يوم ولم أصطنع يدا … ولم أقتبس علما فما هو من عمري وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: تعلم الخير وعلمه الناس، فإني منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا لمكانهم، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا جاء الموت طالب العلم وهو في هذا الحال مات وهو شهيد (٢))، وقال ﷺ : ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كنقطة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كنقطة في بحر، وقال أيضا: (من سلك طريقا يلتمس فيها علما سهل الله عليه سبيلا إلى الجنة، أو سهل الله له طريقا إلى الجنة (٣))، وقال أيضا: (من غدا في طلب العلم صلت عليه الملائكة، وبورك له في معيشته، ولم ينقص رزقه، وكان عليه مباركا (٤))، (وعن ابن عباس رضي

стр. 2338

الله تعالى عنهما، قال: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر (١))، وعن أبي حنيفة قال: حججت مع أبي فإذا شيخ قد اجتمع عليه الناس، فقلت لأبي: ما هذا الشيخ؟ فقال رجل من أصحاب النبي ﷺ : يقال له عبد الله بن الحرث بن جزء، قلت: فأي شيء عنده؟ قال: أحاديث سمعها من رسول الله ﷺ ، فقلت: قدمني حتى أسمع منه، فقدمني إليه فسمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : (من تفقه في الدين كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب (٢)). قاله في القانون. وفيه عن يحيى بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه حضه على طلب العلم، وأخبره أن غلاما أقبل على طلب العلم عند ربيعة واجتهد ثم نزل به الموت وهو طالب لهذا الأمر: فرأيت جميع علمائنا قد ازدحموا على نعشه فنظر الأمير إليهم، وقال: قدموا من شئتم للصلاة عليه، فقدموا ربيعة فصلى عليه وألحده قبره هو وزيد بن أسلم، فبعد ثلاث رآه رجل من خيار بلدنا في أحسن صورة غلام أمرد عليه بياض متعمم بعمامة خضراء وتحته فرس أشهب نازلا من السماء، فسلم عليه، وقال: هذا ما بلغني إليه العلم، فقال الرجل: ما الذي بلغك إليه العلم؟ قال: أعطاني الله تعالى بكل باب [نعلمه (٣)] درجة في الجنة، فقال الله عز رجل: زيدوا لورثة أنبياءي، فقد حتمت على نفسي أنه من مات وهو عالم بسنتي وسنة أنبيائي أو طالب لذلك أن أجمعهم في درجة واحدة، وأعطاني ربي حتى بلغت درجة أهل العلم، فليس بيني وبين رسول الله ﷺ إلا درجة واحدة هو جالس فيها وحوله النبيئون كلهم، ودرجة فيها أصحابه وجميع أصحابهم والذين اتبعوهم بإحسان ونحن من بعدهم سوى ما لي عند الله تعالى من المزيد، فقال الرجل: ومالك عند الله تعالى من المزيد؟ فقال: وعدني أن يحشرني مع النبيئين في زمرة واحدة، فأنا معهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة قال الله : يا معشر العلماء هذه جنتي قد أبحتها لكم: وهذا رضواني قد رضيت عنكم، فلا تدخلوا الجنة حتى تقفوا فتشفعوا فأعطيكم ما شئتم، وأشفعكم فيمن استشفعتم له؛ لأُرِيَ عبادي كرامتكم ومنزلتكم عندي، فأصبح الرجل يحدث بهذه الرؤيا واشتهرت في المدينة، قال

стр. 2339

مالك: وكان معنا أقوام اشتغلوا بطلب العلم ثم انقطعوا عنه، فلما سمعوا بهذا الحديث رجعوا إلى طلب العلم فهم اليوم علماء بلدنا، وقال يحيى أيضا: أول شيء حدثني به الليث أول يوم لقيته، قال لي: ما اسمك؟ قلت: يحيى، قال: متعنا الله بك، فقال يا يحيى: جد في هذا الأمر وسأحدثك بحديث تزداد به بصيرة، قال: كنا عند ابن شهاب طالبين لهذا الأمر، فقال لنا يوما: يا معشر الطلبة أراكم تزهدون في هذا الأمر، بالله الذي لا إله إلا هو لو أن بابا من العلم جعل في كفة، وجعل أعمال المرء في كفة أخرى لرجح باب العلم، ومن عمل بمشورة أهل العلم فقد رشد، ومن عمل بغير علم وبغير مشورة فقد خسر خسرانا مبينا. وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول إذا رأى الشباب يطلبون العلم: مرحبا بينابيع الحكمة ومصابيح الظلم، خلقان الثياب، جدد القلوب، ريحان كل قبيلة، وقيل: كلمة حكمة من أخيك خير لك من مال تعطاه؛ لأن المال يطغيك والكلمة تهديك، وقال الحسن البصري: الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلماء، وقيل مثل العالم في البلد مثل عين عذبة في البلد، وقال ابن المبارك: خير سليمان بن داوود ﵉ بين الملك والعلم فاختار العلم، فآتاه الله الملك والعلم باختياره العلم. ويروى عن معاذ بن جبل: قال: قال رسول الله ﷺ : (تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدى بفعالهم وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه؛ لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام

стр. 2340

ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، هو إمام العمل والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء (١)). رواه في القانون عن أبي عمر. وعن سفيان: لا يراد الله تعالى بشيء أفضل من طلب العلم، وما طُلِب العلمُ في زمان أفضل منه اليوم، وعن النبي ﷺ : (من طلب علما فأدركه كُتِبَ له كفلان من أجر، ومن طلب علما فلم يدركه كان له كفل من الأجر (٢))، وجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله: (أي الأعمال أفضل؟ قال: العلم بالله ، قال: يا رسول الله أسألك عن العمل وتخبرني عن العلم؟ فقال ﷺ : قليل العمل ينفع مع العلم، وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل (٣))، وهذا محتمل لأن يكون روعي كون العلم عمل قلب، فالعلم داخل في الأعمال وهو أفضلها، وأن يكون تلقى السائل بغير ما يتطلب لكونه أولى به ويؤيده الجواب الأخير، وقال ﷺ : (من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء درجة واحدة (٤))، وقال أيضا: (رحمة الله على خلفائي، قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله (٥))، ويروى أنه (إذا كان يوم القيامة توضع حسنات الرجل في كفة وسيئاته في الكفة الأخرى فتشيل حسناته فإذا يئس وظن أنها النار جاء شيء مثل السحابة حتى يقع مع حسناته فتشيل سيئاته، فيقال له: أتعرف هذا من عملك؟ فيقول: لا، فيقال: هذا ما علمت الناس من الخير فعمل به من بعدك (٦))، وريء أبو زكرياء يحيى في النوم، فقيل له: يا أبا زكرياء ما فعل بك ربك؟ قال: زوجني مائة حوراء وأدناني وأخرج من كمه رقاعا كان فيها حديث، فقال بهذا، وريء محمد بن الحسن في النوم، فقيل له: إلى ما صرت؟ فقال: غفر لي، ثم قيل له: لم نجعل هذا العلم فيك إلا ونحن نريد أن نغفر لك، فقيل له: ما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقنا بدرجة، قال: فأبو حنيفة؟ قال: في أعلى عليين.

стр. 2341

ويروى أنه إذا كان يوم القيامة عزل الله ﵎ العلماء على الحساب، فيقول: ادخلوا الجنة على ما كان فيكم، إني لم أعمل حكمتي فيكم إلا لخير أردته بكم، وفي حديث: (يبعث الله العباد يوم القيامة، ثم يميز العلماء، ثم يقول لهم يا معشر العلماء: إني لم أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم (١))، وقيل: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم ﵇: إني عليم أحب كل عليم، وروي (أن النبي ﷺ مر بمجلسين في المسجد، أحدهما يدعون الله ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمون، فقال ﷺ : كل المجلسين على خير وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل، وإنما بعثت معلما ثم أقبل فجلس معهم (٢)). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (العالم أمين الله في الأرض (٣))، وقال أبو الأسود الدؤلى رحمه الله تعالى: الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك، وعن ابن شهاب: العلم ذكر يناله ذكور الرجال، وسأل رجل ابن عباس عن الجهاد، فقال: ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد؟ تأتي مسجدا فتعلم فيه القرآن وسنن النبي ﷺ والفقه في الدين. وقال بعضهم: اطلبوا العلم فإن كنتم ملوكا برزتم وإن كنتم سوقة عشتم، وقال الحجاج لخالد بن صفوان: من سيد أهل البصرة؟ قال: الحسن، قال ذلك وهو مولى، فقال: احتاج الناس إليه في دينهم، واستغنى عنهم في دنياهم، وما رأيت أحدا من أشراف أهل البصرة إلا وهو يروم الوصول إليه في حلقته ليستمع قوله ويكتب علمه، فقال الحجاج: هذا والله هو السؤدد. قاله في القانون. واعلم أن كل ما يذكر في فضيلة العلم وطلبه إنما يكون تنبيها وترغيبا، وإلا ففضله غني عن الكمال لأنه كمال الإنسان وبه امتاز عن سائر الحيوان، ثم هو مناط الشرع والتكليف، ومفتاح التعرف والتعريف، أفيحتاج إلى بيان وبه يكون البيان؟

стр. 2342

وكيف يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل الخامس: اعلم أن الرحلة في طلب العلم من شأن الرجال؛ إذ بها يحصل نيل الآمال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، وإن كان في الجهاد فالعلم أيضا من جملة سبيل الله إذا أريد به وجه الله تعالى، وقد روى حديث [عن (١)] أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي ﷺ : (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله (٢))، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن الخروج للتفقه وهو غرضنا، الثاني أنه للغزو ليتفقه الباقون وفي كليهما الحض على طلب العلم، ومن لم يجده في مكانه ارتحل إليه، وقال ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله (٣)). الحديث. فالهجرة كانت لفائدة الخروج عن الفتن والشواغل والعوائق، والوصول إلى العلم وتيسير الدين والرحلة في طلب العلم كذلك، وقال ﷺ : (اطلبوا العلم ولو بالصين (٤))، ورحل جابر بن عبد الله إلى الشام في حديث واحد، قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري، فأتيت منزلة فأرسلت إليه إن جابرا على الباب فرجع إلي الرسول، فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج إلي فاعتنقته واعتنقني، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ لم أسمعه أنا منه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الله ﵎ العباد أو الناس وأومأ بيده إلى الشام عراة بُهْمًا غُرْلًا، قال: قلنا ما بُهْمًا؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ ويسمعه من قَرُبَ أنا الملك الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة

стр. 2343

وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، قال: قلنا له: كيف؟ وإنما نأتي الله تعالى عراة حفاة غرلا، قال: بالحسنات والسيئات (١)). وارتحل موسى صلوات الله تعالى وسلامه على نبينا وعليه إلى الخضر، وقد ارتحل الإمام الشافعي إلى إمامنا مالك رضي الله تعالى عنهما بالمدينة فتفقه عليه، وارتحل يحيى بن يحيى وغيره من الأندلس إلى المدينة فأخذوا عن مالك وكذا ابن القاسم وغيره. واعلم أن للرحلة فوائد كثيرة منها: التخلص عن شواغل الوطن وفتَنِهِ الشرية والخيرية، ومنها: التجرد لأخذ العلم الذي هو شرطه، ومنها: الغربة التي هي عدم مظنة الألفة والخلطة ومعاشرة الناس التي هي إحدى العوائق، ومنها: ما يرجو من ثواب خطواته ومشقته وبركة ذلك في العلم والعمل وعاجلا، وآجلا، ومنها: ما يرجو من اعتناء الشيوخ به أكثر، فإن للغريب والقاصد والوافد من أرض إلى أرض مزيد حق ومنها: -وهو أعظمها- امتحان نفسه ليظهر صدقها، فإن النفس تدعي حب العلم وطلبه والحرص على تحصيلة، وأنها تؤثره على غيره، فإذا أعمل راحلته ونبذ أحباءه وحبائبه، وتصدى لقطع المسافة ومقاساة الجوع والعطش والحر والبرد والغربة والهوان كما قيل: لا يعدم المرء كنا يستكن به … وعيشة بين أهله وأحبابهْ ومن نأئ عنهم قلت مهابته … كالليث يحقر لما غاب عن غابهْ وقال غيره: إذا كنت في قوم عدى لست منهم … فكل ما علفت من خبيث وطيب وإن حدثتك النفس أنك قادر … على ما حوت أيدي الرجال فكذب والصبر على ذلك تبين صدقها.

стр. 2344

ومنها: ما يستفيد بالسفر والاغتراب من الأخلاق الحسنة والرياضات المستحسنة والتجاريب البينة، وظهور الحبيب من أهله والعدو إذا نجع، والحظوة الجديدة إذا رجع إلى غير ذلك. قاله في القانون. واعلم أن من عوائق التعلم طول الأمل، والاغترار بالزمن المستقبل، وأن سيحصل فتتزايد الشواغل وتضعف أسباب التحصيل ولا تعود. ومنها: طلب الحظوة به فتشغله عن التحصيل والتحقيق، وتستعجله عن دوام الطلب على أنه لو حصل شيء منه على هذه النية لم يكن له طائل وكأنه لم يحصل، ومنها: الاغترار بالذكاء. ومنها: الانتقال من علم إلى آخر قبل أن يحصل منه المراد، ومن كتاب إلى كتاب كذلك. ومنها: ضعف الحال وتعذر أسباب الاشتغال وذلك بالفقر وتطاول الأمراض. ومنها: الاتساع في الدنيا والاشتغال بتحصيلها حرصا عليها، ومنهومان لا يشبعان: طالب العلم وطالب دنيا، والمرء لا يستطيع القيام بهما في آن واحدت فهما بحران من غرق في أحدهما لم يصل إلى الآخر، فبادر قبل حصول فوت أو هرم أو مرض أو قسوة قلب أو غير ذلك، وفي معنى ذلك قيل: إذا هبت رياحك فاغتنمها … فإن لكل عاصفة سكون وإن درت نياقك فاحتلبها … فما تدري الفصيل لمن يكون ومنها: -أي عوائق التعلم- الزوجات والأولاد والآباء والأمهات، قال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، ومنها الكسل والفتور، ولله در اليوسي حيث يقول:

стр. 2345

والعلم بدء ليس أريا سيغا … لكن جناة الحنظل المتهبد علق نفيس لا يباع ونائر … متأبد عن كل فدم أوغد لم يصمه سهم ولم يبتزَّه … بازٍ ولم يصرع برمية مقلد لكن بأشراك الحلوم وهمة … نفاذه الأغراض فليتصيد وجواد فكر تمتطيه مأرب … أبدا بأقطار المدارك مسْنِدِ قيد الأوابد لا يزال على الونى … في كل معوصة يروح ويغتدى من بعد نزع الروح في استعطائه … ومذاق صبر للحوايا مصخد وتفكر وتدبر وتصبر … وتضرر وتقشف وتمعدد وتوسل وتوصل وتحول … وتغرب وتفرد وتهجد فوراء وخز النحل شور شهاده … ووراء شوك النخل نيل العرجد وأمام أصداف اللئالي غوصة … في البحر والترياق سم الأسود والصقر ينتظم الطريدة لا اللئا … والليث يغشى السرح دون الصفرد الأري: العسل، والسيغ السائغ أي السهل في الحلق، والجناة والجنا: ما يجتنى من الثمر، وهبد الحنظل وتهبده: كسره وطبخه، والعلق بالكسر: النفيس من كل شيء، ونارت الظبية تنور: نفرت وتأبد: توحش، والفدم: البعيد الفهم، والوغد: الأحمق الضعيف يقال: وغد بالضم وغادة فهو وغد وفلان أوغد من فلان، وابتزه: سلبه، والبازي جمعه بزاة، والمقلد كمنبر: عصا في رأسها اعوجاج، والأغراض جمع غرض وهو القرطاس ينصب للرمي، ونفذه السهم: خرج منه، والتاويب: سير النهار كله، والإسئاد: قيل هو الإسراع، وقيل: سير الليل جميعا، وقيل: الجمع بينهما، والأوابد: الوحش، وفرس قيد الأوابد كأنه قيد لها، والونى بالقصر: التعب، ونى الشيء يني ونيا وونى، والمعوص: الأمر الشديد والمشكل لا يدرك، والاستعطاء: الطلب، والمذاق، الذوق، والمصخد: المحرق أصخدته الشمس أحرقته، والتمعدد: التشبه بمعد -وَهُمُ العرب- في طعامها ولباسها الخشن، والتهجد: ترك الهجود وهو النوم، ووخز النحل: الطعن بإبرتها، وشار

стр. 2346

العسل شورا واشتاره: استخرجه، والعرجد: العرجون، والصدف: ما يستكن فيه الجوهر في البحر، والترياق: دواء مركب معروف يدخل فيه لحوم الأفاعي، والأسود: الحية العظيمة، والطريدة: الوحشية يطردها الصيادون أو الجوارح، وانتظمها الصقر: أنشب فيها مخالبه كالانتظام بالرمح، واللئا كالفتى: الثور الوحشي أو البقرة، وغشي السرح: هجم عليه، والسرح: الماشية، والصفرد: طائر جبان يقال له: أبو المليح. وليحذر الطالب من الإفراط في الاجتهاد مخافة السئامة، فإن (المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى (١)) كما في الحديث، وطباع الناس مختلفة وقوتهم، فليعمل كل على طبعه وقوته. السادس: من آداب العالم في نفسه تقوى الله تعالى، ودوام خوفه ومراقبته في جميع حركاته وسره وعلانيته، وليستشعر ما أودعه الله تعالى من أمانته فيجتهد في حفظها ويحذر من الخيانة فيها، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وفي الحديث: (تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار وتواضعوا لمن تتعلمون منه ولمن تعلمونه ولا تكونوا جبابرة العلماء (٢))، ومنها أن يصونه كما صانه أهله، ويحفظ عليه ديباجته وشرفه، ولا يمتهنه بذهابه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة، أو إلى من يتعلمه منه، ففي بيته يؤتى الحكم، وقال أبو شجاع الجرجاني: ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي … لأخدم من لاقيت لكن لأخدما وعن الزهري: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم فإذا دعت ضرورة إلى ذلك أو تعينت مصلحة في ذلكَ مع النية الصالحة فلا بأس، ومنها: أن يزهد في الدنيا ويتنزه عن فضولها لأنه أعلم الناس بخستها وشرف الزهد فيها: وقد قال الشافعي: لو أُوصِيَ لأعقل الناس صرف إلى الزهاد ولا أحد أحق بكمال العقل من عالم، وَمِنْهَا: أن ينزه علمه عن أن يجعله سلما للأغراض الدنيوية من مال وجاه ورياسة وتقدم وشهرة ونحو ذلك، فإن ذلك يبطل أجره، ويسقط منزلته،

стр. 2347

ويكسف نوره ويمنع المزيد منه، وروي عن سفيان بن عيينة رضي الله تعالى عنه: أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة من أبي جعفر سلبته، وَمِنْهَا: أن يتنزه عن أدنى الأفعال والرذائل طبعا وشرعا، فلا يشتغل بحرفة رذيلة، ولا أمر منكر ولا خارج عن المروءة، ولا موهم لذلك لأنه إما أن يتبعه من وراءه في غير أمر محدود، وإما أن يقع فيه فيهتك عرضه ولا ينتفع به، ولذا قال ﷺ : (إنها صفية (١))، فحق كذلك على العالم إن وقع في شيء له وجه لم يعلمه الناس أن يبينه، وَمنْهَا: أن يأخذ نفسه بالكمال في أفعاله وأقواله ليكون قدوة لغيره، فيحصل له أجره وأجر من تبعه، ومنها: أن يجاهد في رياضة نفسه وتطهيرها من جميع الصفات المذمومة كالكبر والعجب والرياء والحسد والحقد وحب الدنيا، وغير ذلك مما شرح في كتب التصوف وتحليتها بالكمالات أضدادها لتحصل له التخلية والتحلية، فيجمع بين الظاهر؛ والباطن ولا يرضى بمجرد الظاهر فإن الباطن هو اللباب، وَمنْهَا: الدوام محلى تعاطيه والحرص على الازدياد منه، وَمنْهَا: أن لا يستنكف عن أخذ العلم ممن لقي ولو دونه، فإن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أينما وجدها، وبهذا يكثر استمداده ويدوم انتفاعه، وقد أخذ جماعة من الصحابة عن التابعين، ومنها: أن يبث علمه للناس ويودعه صدور الرجال، فبذلك تنبت شجرة العلم وتتصل مادته وذلك بالتدريس والتلقين والتصنيف والإفتاء: وقد قال ﷺ لعلي يوم خيبر: (لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٢)). ويروى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : (مثل الذي يتعلم العلم ولا يحدث به مثل الكنز ولا ينفق منه (٣))، وفي رواية أخرى: (مثل الذي يتعلم العلم ولا يحدث به الناس كمثل الذي رزقه الله مالا لا ينفق منه (٤))، وقال علي كرم الله وجهه: لم يؤخذ على الجاهل عهد بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهد ببذل العلم للجهال؛ لأن العلم كان قبل الجهل، وفي حديث آخر: (من الصدقة أن يتعلم الرجل العلم فيعمل به ثم يعلمه (٥))،

стр. 2348

ويروى عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة كما يسأل الأنبياء؛ يعني عن التبليغ. والله سبحانه أعلم. وعن ابن القاسم: كنا إذا ودعنا مالكا يقول لنا: اتقوا الله وانشروا هذا العلم وعلموه ولا تكتموه، وفي الحديث: (ألا أخبركم عن الأجود؟ اللهُ الأجودُ، وأنا أجودُ ولد آدم، وأجودُهم من بعدي رجل علم علما فنشره (١)). وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى بعض عماله: أما بعد فمر أهل الفقه والعلم من جندك فلينشروا علمهم في مجالسهم ومساجدهم والسلام. وعن علي كرم الله وجهه: من علم وعمل وعلَّم دعي في ملكوت السماوات عظيما، وفي الحديث: (ما تصدق رجل بصدقة أفضل من علم ينشره (٢)). وينبغي للمدرس إذا خرج إلى مجلسه أن يتطهر من الحدث والخبث، ويتنظف ويلبس أحسن ثيابه مما يليق بمثله في زمانه وبلده قاصدا بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة لا رياء ولا فخرا ولا شرفا ويختلف الحال باليسار والوقت، فمن الناس من يغلب عليه حال العلم والمعرفة فينبسط، ومنهم من يغلب عليه حال الخوف والورع فينقبض ويتقشف والكل على هدى، ثم يركع ركعتي الاستخارة إن كان وقت ركوع طالبا من الله تعالى أن يختار له؛ لأن نشر العلم وإن كان مطلوبا قد يعرض له ما يكون به محرما أو مكروها، ولو كان مطلوبا فقد يكون شيء آخر أهم منه وأوكد وأولى بالتقديم فلا بد من النظر في هذا كله، والاستعانة بالاستخارة ليلا يقع في محظور وهو يظن أنه في مأمور وهو شأن كل مغرور، فنسأل الله تعالى العافية بمنه، وليستحضر نية صالحة في بث العلم وبيان فوائده وتبليغ أحكام الله تعالى إلى عباده، والإعانة على الدين ونية غرس العلم وحياطته عن شبهة الضالين وتخليط الجاهلين، ونحو هذا من المقاصد الحسنة، ويستعيذ بالله تعالى من النية الفاسدة والمقاصد الخَسِيسَة. وإذا خرج من بيته يقول: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، بسم الله على نفسي ومالي وديني، اللهم رضني بقضائك وبارك لي فيما قدِّر لي حتى لا أحب تعجيل ما

стр. 2349

أخرت ولا تأخير ما عجلت، ويقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل وأضل وأذِل وأذَل وأظلم وأظلَم وأجهل أو يجهل علي، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك (١))، وغير ذلك من الأذكار الواردة عند الخروج، وليقل: اللهم ثبت جناني وأدر الحق على لساني ونحو ذلك من الدعاء اللائق به: ثم لا يزال ذاكرا الله تعالى وداعيا ومتعوذا إلى أن يصل إلى مجلسه، فإن كان في مسجد حياه بتحية وإلا فالركوع حسن إن كان الوقت، ثم سلم على الحاضرين وجلس مستقبلا إن أمكن بسكينة وتواضع ووقار متربعا، أو كجلسة التشهد أو نحو ذلك مما يمكن، ولا يمد رجليه ولا إحداهما من غير عذر ولا يرفع إحداهما على الأخرى، ولا يتكئ على يديه، ولا يكون على حالة تؤذن بالاستخفاف بالجلساء أو خفة وطيش كالعبث باللحية، وإدارة الخاتم وفرقعة الأصابع وتشبيكها، وكثرة الضحك والالتفات والمزاح، ولا يكون أيضا على حالة تشغل الفكر كالجوع الشديد والعطش والهم والنصب والنوم والقلق والحر والبرد المؤلمين ونحو ذلك. ومِنْهَا: أن يبرز للناس لينتفع به القوي والكبير والصغير والضعيف، وهذا يختلف باختلاف العلوم، فرب علم يصلح للعامة كظواهر الشرع وما في معناها من المواعظ والتنبيهات والحكم، فلا بد أن يتخذ له مجلسا عاما بارزا فيه لينتفع به الراوي والمستفتي والسائل على الإطلاق، وعلم آخر إنما هو للخاصة كدقائق التصوف وعلم الكلام وسائر العلوم العقلية، فلا بد أن يجعل لأربابه خاصة حيث يصلح بهم ولا يتأذون بغيرهم ولا يتأذى بهم، ولينزل المتعاطين منازلهم في السن والشرف والنجابة، وقد كان ﷺ يكرم أصحابه ويكنيهم ويسميهم بأحب أسمائهم إليهم، وهذا مع التلطف بالجميع وخفض جناح الرحمة لهم. واعلم أن الانتفاع بالعلم بالعمل به وبثه للعباد، فبالعمل به في نفسه ينتفع به عند الله تعالى، وبتعليم العباد ينتفع عند الله تعالى وعند العباد. واعلم أن من لم يعظم العلم لا ينفعه الله تعالى به، ومن أهانه أهانه الله تعالى كما قيل:

стр. 2350

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم … ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا … محياه بالأطماع حتى تجهما واعلم أن موت العالم هو انكسار السفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير، وهذا كقول الشاعر: لعمرك ما الرزية فقد مال … ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية موت نفس … يموت بموتها بشر كثير السَّابعُ: اعلم أن السلف رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في كتب العلم وتخليده في الصحف، فمنهم من كره الكتب ورأى التعويل على الحفظ، ومنهم من رخص في الكتب مخافة التغرير، واحْتَجَّ الأَوَّلُ بما روي عنه ﷺ : (لا تكتبوا العلم عني شيئا سوى القرآن فمن كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه (١))، ويقال: دخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث وأمر إنسانا أن يكتبه، فقال له زيد: إن رسول الله ﷺ (أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديث فمحاه (٢)). وقال علي كرم الله وجهه في خطبه: اعزموا على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حين يتبعون أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم، وقيل لأبي سعيد: لو اكتتبنا الحديث؟ فقال: لا، خُذُوا عَنَّا كما أخذنا عن النبي ﷺ ، وقيل له أيضا: (نكتب ما سمعنا منك؟ قال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف، إن نبيكم ﷺ كان يحدث فنحفظ فاحفظوا كما كنا نحفظ (٣))، وقيل له: إنك تحدثنا حديثا عجيبا وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص، فقال: (أردتم أن تجعلوه قرآنا ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن النبي ﷺ (٤)).
следующие страницы →