← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

العسل شورا واشتاره: استخرجه، والعرجد: العرجون، والصدف: ما يستكن فيه الجوهر في البحر، والترياق: دواء مركب معروف يدخل فيه لحوم الأفاعي، والأسود: الحية العظيمة، والطريدة: الوحشية يطردها الصيادون أو الجوارح، وانتظمها الصقر: أنشب فيها مخالبه كالانتظام بالرمح، واللئا كالفتى: الثور الوحشي أو البقرة، وغشي السرح: هجم عليه، والسرح: الماشية، والصفرد: طائر جبان يقال له: أبو المليح. وليحذر الطالب من الإفراط في الاجتهاد مخافة السئامة، فإن (المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى (١)) كما في الحديث، وطباع الناس مختلفة وقوتهم، فليعمل كل على طبعه وقوته. السادس: من آداب العالم في نفسه تقوى الله تعالى، ودوام خوفه ومراقبته في جميع حركاته وسره وعلانيته، وليستشعر ما أودعه الله تعالى من أمانته فيجتهد في حفظها ويحذر من الخيانة فيها، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وفي الحديث: (تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار وتواضعوا لمن تتعلمون منه ولمن تعلمونه ولا تكونوا جبابرة العلماء (٢))، ومنها أن يصونه كما صانه أهله، ويحفظ عليه ديباجته وشرفه، ولا يمتهنه بذهابه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة، أو إلى من يتعلمه منه، ففي بيته يؤتى الحكم، وقال أبو شجاع الجرجاني: ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي … لأخدم من لاقيت لكن لأخدما وعن الزهري: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم فإذا دعت ضرورة إلى ذلك أو تعينت مصلحة في ذلكَ مع النية الصالحة فلا بأس، ومنها: أن يزهد في الدنيا ويتنزه عن فضولها لأنه أعلم الناس بخستها وشرف الزهد فيها: وقد قال الشافعي: لو أُوصِيَ لأعقل الناس صرف إلى الزهاد ولا أحد أحق بكمال العقل من عالم، وَمِنْهَا: أن ينزه علمه عن أن يجعله سلما للأغراض الدنيوية من مال وجاه ورياسة وتقدم وشهرة ونحو ذلك، فإن ذلك يبطل أجره، ويسقط منزلته،

стр. 2347

ويكسف نوره ويمنع المزيد منه، وروي عن سفيان بن عيينة رضي الله تعالى عنه: أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة من أبي جعفر سلبته، وَمِنْهَا: أن يتنزه عن أدنى الأفعال والرذائل طبعا وشرعا، فلا يشتغل بحرفة رذيلة، ولا أمر منكر ولا خارج عن المروءة، ولا موهم لذلك لأنه إما أن يتبعه من وراءه في غير أمر محدود، وإما أن يقع فيه فيهتك عرضه ولا ينتفع به، ولذا قال ﷺ : (إنها صفية (١))، فحق كذلك على العالم إن وقع في شيء له وجه لم يعلمه الناس أن يبينه، وَمنْهَا: أن يأخذ نفسه بالكمال في أفعاله وأقواله ليكون قدوة لغيره، فيحصل له أجره وأجر من تبعه، ومنها: أن يجاهد في رياضة نفسه وتطهيرها من جميع الصفات المذمومة كالكبر والعجب والرياء والحسد والحقد وحب الدنيا، وغير ذلك مما شرح في كتب التصوف وتحليتها بالكمالات أضدادها لتحصل له التخلية والتحلية، فيجمع بين الظاهر؛ والباطن ولا يرضى بمجرد الظاهر فإن الباطن هو اللباب، وَمنْهَا: الدوام محلى تعاطيه والحرص على الازدياد منه، وَمنْهَا: أن لا يستنكف عن أخذ العلم ممن لقي ولو دونه، فإن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أينما وجدها، وبهذا يكثر استمداده ويدوم انتفاعه، وقد أخذ جماعة من الصحابة عن التابعين، ومنها: أن يبث علمه للناس ويودعه صدور الرجال، فبذلك تنبت شجرة العلم وتتصل مادته وذلك بالتدريس والتلقين والتصنيف والإفتاء: وقد قال ﷺ لعلي يوم خيبر: (لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٢)). ويروى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : (مثل الذي يتعلم العلم ولا يحدث به مثل الكنز ولا ينفق منه (٣))، وفي رواية أخرى: (مثل الذي يتعلم العلم ولا يحدث به الناس كمثل الذي رزقه الله مالا لا ينفق منه (٤))، وقال علي كرم الله وجهه: لم يؤخذ على الجاهل عهد بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهد ببذل العلم للجهال؛ لأن العلم كان قبل الجهل، وفي حديث آخر: (من الصدقة أن يتعلم الرجل العلم فيعمل به ثم يعلمه (٥))،

стр. 2348

ويروى عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة كما يسأل الأنبياء؛ يعني عن التبليغ. والله سبحانه أعلم. وعن ابن القاسم: كنا إذا ودعنا مالكا يقول لنا: اتقوا الله وانشروا هذا العلم وعلموه ولا تكتموه، وفي الحديث: (ألا أخبركم عن الأجود؟ اللهُ الأجودُ، وأنا أجودُ ولد آدم، وأجودُهم من بعدي رجل علم علما فنشره (١)). وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى بعض عماله: أما بعد فمر أهل الفقه والعلم من جندك فلينشروا علمهم في مجالسهم ومساجدهم والسلام. وعن علي كرم الله وجهه: من علم وعمل وعلَّم دعي في ملكوت السماوات عظيما، وفي الحديث: (ما تصدق رجل بصدقة أفضل من علم ينشره (٢)). وينبغي للمدرس إذا خرج إلى مجلسه أن يتطهر من الحدث والخبث، ويتنظف ويلبس أحسن ثيابه مما يليق بمثله في زمانه وبلده قاصدا بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة لا رياء ولا فخرا ولا شرفا ويختلف الحال باليسار والوقت، فمن الناس من يغلب عليه حال العلم والمعرفة فينبسط، ومنهم من يغلب عليه حال الخوف والورع فينقبض ويتقشف والكل على هدى، ثم يركع ركعتي الاستخارة إن كان وقت ركوع طالبا من الله تعالى أن يختار له؛ لأن نشر العلم وإن كان مطلوبا قد يعرض له ما يكون به محرما أو مكروها، ولو كان مطلوبا فقد يكون شيء آخر أهم منه وأوكد وأولى بالتقديم فلا بد من النظر في هذا كله، والاستعانة بالاستخارة ليلا يقع في محظور وهو يظن أنه في مأمور وهو شأن كل مغرور، فنسأل الله تعالى العافية بمنه، وليستحضر نية صالحة في بث العلم وبيان فوائده وتبليغ أحكام الله تعالى إلى عباده، والإعانة على الدين ونية غرس العلم وحياطته عن شبهة الضالين وتخليط الجاهلين، ونحو هذا من المقاصد الحسنة، ويستعيذ بالله تعالى من النية الفاسدة والمقاصد الخَسِيسَة. وإذا خرج من بيته يقول: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، بسم الله على نفسي ومالي وديني، اللهم رضني بقضائك وبارك لي فيما قدِّر لي حتى لا أحب تعجيل ما

стр. 2349

أخرت ولا تأخير ما عجلت، ويقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل وأضل وأذِل وأذَل وأظلم وأظلَم وأجهل أو يجهل علي، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك (١))، وغير ذلك من الأذكار الواردة عند الخروج، وليقل: اللهم ثبت جناني وأدر الحق على لساني ونحو ذلك من الدعاء اللائق به: ثم لا يزال ذاكرا الله تعالى وداعيا ومتعوذا إلى أن يصل إلى مجلسه، فإن كان في مسجد حياه بتحية وإلا فالركوع حسن إن كان الوقت، ثم سلم على الحاضرين وجلس مستقبلا إن أمكن بسكينة وتواضع ووقار متربعا، أو كجلسة التشهد أو نحو ذلك مما يمكن، ولا يمد رجليه ولا إحداهما من غير عذر ولا يرفع إحداهما على الأخرى، ولا يتكئ على يديه، ولا يكون على حالة تؤذن بالاستخفاف بالجلساء أو خفة وطيش كالعبث باللحية، وإدارة الخاتم وفرقعة الأصابع وتشبيكها، وكثرة الضحك والالتفات والمزاح، ولا يكون أيضا على حالة تشغل الفكر كالجوع الشديد والعطش والهم والنصب والنوم والقلق والحر والبرد المؤلمين ونحو ذلك. ومِنْهَا: أن يبرز للناس لينتفع به القوي والكبير والصغير والضعيف، وهذا يختلف باختلاف العلوم، فرب علم يصلح للعامة كظواهر الشرع وما في معناها من المواعظ والتنبيهات والحكم، فلا بد أن يتخذ له مجلسا عاما بارزا فيه لينتفع به الراوي والمستفتي والسائل على الإطلاق، وعلم آخر إنما هو للخاصة كدقائق التصوف وعلم الكلام وسائر العلوم العقلية، فلا بد أن يجعل لأربابه خاصة حيث يصلح بهم ولا يتأذون بغيرهم ولا يتأذى بهم، ولينزل المتعاطين منازلهم في السن والشرف والنجابة، وقد كان ﷺ يكرم أصحابه ويكنيهم ويسميهم بأحب أسمائهم إليهم، وهذا مع التلطف بالجميع وخفض جناح الرحمة لهم. واعلم أن الانتفاع بالعلم بالعمل به وبثه للعباد، فبالعمل به في نفسه ينتفع به عند الله تعالى، وبتعليم العباد ينتفع عند الله تعالى وعند العباد. واعلم أن من لم يعظم العلم لا ينفعه الله تعالى به، ومن أهانه أهانه الله تعالى كما قيل:

стр. 2350

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم … ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا … محياه بالأطماع حتى تجهما واعلم أن موت العالم هو انكسار السفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير، وهذا كقول الشاعر: لعمرك ما الرزية فقد مال … ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية موت نفس … يموت بموتها بشر كثير السَّابعُ: اعلم أن السلف رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في كتب العلم وتخليده في الصحف، فمنهم من كره الكتب ورأى التعويل على الحفظ، ومنهم من رخص في الكتب مخافة التغرير، واحْتَجَّ الأَوَّلُ بما روي عنه ﷺ : (لا تكتبوا العلم عني شيئا سوى القرآن فمن كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه (١))، ويقال: دخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث وأمر إنسانا أن يكتبه، فقال له زيد: إن رسول الله ﷺ (أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديث فمحاه (٢)). وقال علي كرم الله وجهه في خطبه: اعزموا على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حين يتبعون أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم، وقيل لأبي سعيد: لو اكتتبنا الحديث؟ فقال: لا، خُذُوا عَنَّا كما أخذنا عن النبي ﷺ ، وقيل له أيضا: (نكتب ما سمعنا منك؟ قال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف، إن نبيكم ﷺ كان يحدث فنحفظ فاحفظوا كما كنا نحفظ (٣))، وقيل له: إنك تحدثنا حديثا عجيبا وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص، فقال: (أردتم أن تجعلوه قرآنا ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن النبي ﷺ (٤)).

стр. 2351

وعن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما كان مع ابن شهاب إلا كتاب فيه نسب قومه قال ولم يكن القوم يكتبون إنما كانوا يحفظون، ومن كتب منهم الشيء إنما كان يكتبه ليحفظه فإذا حفظه محاه، وقال ابن سيرين إنما ضلت بنو إسراءيل بكتب ورثوها عن آبائهم، ويروى عن الشعبي قال: ما كتبت سوادا في بياض قط، وما استعدت حديثا من إنسان مرتين، وقال الأوزاعي: كان هذا العلم شيئا شريفا أخذ من أفواه الرجال يتلقونه ويتذاكرونه، فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله. وأقوال السلف في كراهة الكتب كثيرة، وقد لاح من جملتها أن العلة في ذلك على ثلاثة أوجه: الأَوَّلُ المحافظة على الأدب وأن لا يظاهر بكتاب الله تعالى كتاب آخر، ويتضمن هذا الوجه الفرق بين كلام الله تعالى وكلام غيره، وأن كلام الله تعالى موثوق به إذ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو ثابت بالتواتر فلا بأس بكتبه وكلام الغير لا يوثق به كذلك، أما من جهة القائل أو من جهة السند فلعله ليس كذلك فتركه عن الكتب أولى. الثاني: خوف تضييع الحفظ والاتكال على المصحف والعلم إنما هو في الصدور كما قال القائل: ليس بعلم ما حوى القمطر … ما العلم إلا ما حواه الصدر ويقال: حفظ سطرين، خير من حمل وقرين، ومذاكرة اثنين، خير من هذين، وقال أبو العتاهية: من منح الحفظ وعى، ومن ضيع الحفظ وهى، وقال بعضهم: حرف وعي في تامورك خير من عشرة في تابوتك، وقال القائل: علمي معي حيثما يممت أحمله … بطني وعاء له لا بطن صندوق إن كنت في المبيت كان العلم فيه معي … أو كنت في السوق كان العلم في السوق غيره: استُودع العلمُ قرطاسا فضيعه … وليس مسْتَوْدع العلم القراطيس

стр. 2352

الثالث: الذريعة، فإن العلم ما دام في صدور الرجال فإنهم لا يمنحونه غير أهله، فإذا صار إلى الصحف وقع عليه من ليس من أهله وناهيك بهذا الفساد لا سيما في زماننا، وقد فسدت الكتب بالتحريف وقلة الضبط فينقل الخطأ ويقع الفساد من كل وجه. واحتَجَّ الآخرون بالنقل والعقل، أَمَّا النَّقلُ ففعل النبي ﷺ وأمره، أما الفعل فنعني به التقرير؛ لأنه ﷺ ما يكتب بيده، فقد كان الوحي يكتب بين يديه، والرسائل التي فيها العلم في كتاب عمرو بن حزم في الصدقات والديات والفرائض وغيره، وأما الأمر فأمره ﷺ الكُتَّابَ بما ذكر، وقال ﷺ في خطبته بمكة: (اكتبوا لأبي شاه (١))؛ رجل من أهل اليمن، وكان عبد الله بن عمرو يكتب كل ما يسمع من رسول الله ﷺ ، قيل: فنهته قريش وقالوا: تكتب كل ما تسمع ورسول الله ﷺ يتكلم في الرضى والغضب؟ فذكر ذلك للنبي ﷺ -قال- فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: (اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج إلا الحق (٢))، ويروى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قلت يا رسول الله ﷺ : (أأكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم، قلت: في الرضى والغضب؟ قال: نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا (٣))، وفي الصحيح، قيل لعلي كرم الله وجهه: (هل عندكم شيء سوى القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله تعالى عبدا فهما في كتابه وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر (٤))، ورري عن النبي ﷺ ، قال: (قيدوا العلم بالكتاب (٥))، وروي ذلك عن عمر أيضا، وعن ابن عباس وعن بعض السلف: الكتاب أحب إلي؛ أي من النسيان، وقال آخر: يعيبون علينا الكتاب، وقال تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾، ووصى مالك بعض أصحابه عندما ودعه، فقال: أوصيك بتقوى الله في السر والعلانية، والنصح لكل مسلم، وكتابة العلم من عند

стр. 2353

أهله، وعن الخليل بن أحمد: ما تكتب بيت مال وما في صدرك للنفقة وكلام السلف في الترخيص في الكتاب والتحريض عليه كثير أيضا. وأمَّا العَقْلُ فإن في الكتاب احتياطا للعلم عن أن يضيع بالنسيان وبموت أهله، والوجه الذي احتيط به [للقرآن (١)] فكتب في الصحف والمصاحف يُحْتَاطُ به للعلوم، ولولا الكتب المدونة لضاع كثير من العلم، ولولا التواريخ المؤرخة لم تصل إلينا علوم الأقدمين ولا عرفت تراجيح الناس، وأما الذين كرهوا الكتب من السلف كابن عباس وابن شهاب والنخعي والشعبي ونحوهم فإنهم كانوا عربا والعرب أعطوا الحفظ، فكانوا يحفظون القصائد والخطب في مجامعهم وأنديتهم ولا يستعيدونها. وقد حدث النبي ﷺ بخبر قس بن ساعدة، وأنه سمعه يخطب، وأنه لقيه في سوق عكاظ وسمعه يخطب، فحكى ﷺ خطبته بوجهها ثم قال: مع شعر لا أرويه، فقال رجل: أنا أرويه إذ كان حاضرا معه فأنشده بوجهه، وجلس نافع بن الأزرق إلى ابن عباس يسأله عن مسائل، فإذا بعمر بن أبي ربيعة -فجلس وهو شاب- فأنشد عمر قصيدته التي يقول في أولها: أمِنْ آلِ نْعم أنت غاد فمبكر .................................. فقال نافع: عجبا لك يابن عباس، الناس يضربون إليك أكباد الإبل ليسمعوا منك وأنت تسمع الخنا من شاب من قريش، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وأين الخنا؟ فقال نافع: قوله -أي- في هذه القصيدة: رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت … فيخزى وأما بالعشي فيخصر

стр. 2354

فقال: ما هكذا قال، وإنما قال: فيضحى: وليس بخنا، فقال نافع: أكنت تحفظ هذه القصيدة؟ فقال: لا، ولا سمعتها قط إلى الآن، ولو شئت لأعدتها عليك، فقال: لله أبوك فافعل فأعادها ابن عباس كما هي وفيها نحو ثمانين بيتا، فقال نافع: ما رأيت أروى منك، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما رأيت أروى من عمر. وتقدم قول الشعبي: ما استعدت حديثا، وكان إذا أراد أن يدخل السوق سد أذنيه بالصوف خشية أن يسمع ما لا ينبغي، وكان يقول: ما دخل أذني [شيئا (١)] قط فنسيته، فلما انشرحت صدورهم بالإيمان والمعرفة ازدادوا حفظا إلى حفظ، فلا يقاس بهم غيرهم، فالاحتياط الكتب كما قيل: العلم صيد والكتابة قيده … قيد مصيدك بالحبال الموثقه ومن أعطي حفظا مع ذلك كان الفضل له وإلا فلا يضيع علمه ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾، نعم لا ينبغي لذي الهمة أن يتكل على الكتُبِ ولا أن يغتر بكثرتها عنده. الثَّامِنُ: ينبغي للتلميذ أن يراعي نوبته عند الشيخ، وهذا متأكد لأنه من الحقوق، فلا يطلب السبق على من سبقه بالدرس والسؤال، وقد رووا في هذا خبرا؛ وهو أن أنصاريا جاء إلى النبي ﷺ يسأله، وجاء رجل من ثقيف، فقال النبي ﷺ : (يا أخا ثقيف إن الأنصاري قد سبق بالمسألة فاجلس كيما نبتدئ بحاجة الأنصاري قبل حاجتك (٢))، أو كما قال ﷺ ، فإن كان للمتأخر حاجة ضرورية قد علمها السابق أو أشار الشيخ بتقديمه لعذر تعين، وإن كان غريبا استحب للسابق عليه إيثاره على نفسه لمكان غربته وإلا فلا؛ لأن المسارعة إلى العلم والاشتغال به قربة وقد قالوا: الإيثار بالقرب مكروه. واعلم أنه يطلب من التلميذ أن يخلع عنه جلباب الحياء والكبر في التعلم، ويرمي نفسه في غمرات الطلب، فلا يستحي ولا يأنف أن يسأل عما لا يعلم، ويستفهم عما لا يفهم، ولا أن

стр. 2355

يقول لم أفهم، فإن الوجه إذا لم يحمر في هذا لم يبيض أبدًا. وينسب إلى عمر رضي الله تعالى عنه: من رق وجهه رق علمه، وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في دين الله تعالى (١))، وقالت أم سليم لرسول الله ﷺ : (إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ (٢))، وقال الشاعر: وليس العمى طول السؤال وإنما … تمام العمى طول السكوت على الجهل وقالوا: من رق وجهه عند السؤال، ظهر نقصه عند اجتماع الرجال، ولابد أن يكون ذلك بأدب وتلطف وحسن تأنٍّ، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير وإنما طلب زواله لحاجة التفقه في الدين مخافة البقاء في غمرات الجهل، ولابد من الاقتصار على ما لم يكن منه بد، والمحافظة على الحياء فيما وراء ذلك، وقد كان ﷺ فيما وصفه الواصفون (أشد حياء من العذراء في خدرها (٣))، ومع ذلك متى احتاج لأمر لابد منه لم يعقه الحياء عن الحق، فقال للرجل المقر بالزنى: (نِكْتَهَا (٤)) لا يكني لتوقف الحدود على مثل هذا، وأمر بذلك فقال: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا (٥))، وقال علي رضي الله تعالى عنه: (كنت رجلا مذاء فاستحييت من رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني، فامرت المقداد أن يسأل (٦)). الحديث. فالطالب متى أمكنه أن يستفيد العلم مع المحافظة على الحياء كان أولى، مع أن الحياء المطلوب هو الحياء عن الفحش وما لا ينبغي، وأما الحياء عن مجرد الكلام وما يحتاج كدأب النساء فلا فضيلة فيه. انظر القانون.

стр. 2356

وقد مر جلوس التلميذ بين يدي الشيخ -أعني صاحب الدرس- فإن كان معه كتاب أمسكه معه ولا يطرحه في الأرض، ثم لا يقرأ حتى يأذن له الشيخ ولا يقتصر حتى يأمره، وليس لغيره أن يقول له: اقتصر إلا بإذن الشيخ، فإن اقتصر الشيخ لتعب أو ملل أو غرض فليقتصر هو ولا يزاحم الشيخ، وعند استفتاحه للقراءة يحمد الله تعالى ويصلي على النبي ﷺ وعلى آله وصحبه، ويترحم على مصنف الكتاب، ثم يدعو للشيخ، فيقول ثلاثا: قال الشيخ رحمه الله تعالى ورضي عنكم يريد شيخه إن كان حاضرا، أو عن إمامنا أو عن شيخنا أو أستاذنا حاضرا كان أو غائبا، أو نحو هذا من العبارات، وقد قال العلماء: إن الطالب إذا لم يعرف هذه الآداب الاستفتاحية ونحوها فعلى الشيخ أن ينبهه عليها لأنها متأكدة: وينبغي لكل من الطلبة أن ينصح إخوانه ويحبهم ويحب لهم الخير، ويؤنسهم من وحشة الغربة ودهشة الولوج في تضايق الفهوم، ويشاركهم فيما ظفر به ولا يضن عليهم بفائدة حصلها وقاعدة حررها، عونا لهم ما أمكنه في ذات الله تعالى، فبذلك يزكو علمه ويصلح حاله وتربح تجارته، وإلا لم يثبت له علم، وإن ثبت لم تكن له ثمرة، وقد جرب ذلك عند أهل العلم فصح، وليحذر من المهالك الموبقات وهي أن يحسدهم إرادة الامتياز عليهم، أو يفخر عليهم لنسبة التحصيل إلى عقله ونسيان ربه الفتاح العليم الذي امتن عليه بما حصل من غير حول منه ولا قوة. والله الموفق والمعين. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم (١))، (وطالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر (٢))، ويروى: (اطلبوا العلم ولو بالصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم (٣))، وقد تكلموا في متن هذا الحديث، فضعفه قوم، وقال آخرون: هو وإن لم يثبت معناه صحيح، وقد اختلفوا في المراد منه، والأظهر أن المراد طلب ما يجب على الإنسان في خاصة نفسه من إيمان بالله تعالى وصفاته وأسمائه، وبرسله وباليوم الآخر، والصلاة بأحكامها والزكاة كذلك على من له مال والحج وسائر

стр. 2357

الأمور المطلوبة، وجميع ما نهي عنه، وما يحل، وما يحرم، وفي كل معاملة يريد الأخذ فيها، ومتى تعين عليه ما هو فرض كفاية التحق بهذا القسم أيضا فكان طلب العلم فريضة. ومن أقوى الأسباب في رسوخ العلم المذاكرة فيه وتعليمه، قالت أم الدرداء رضي الله تعالى عنها: طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت لنفسي أشفى من مذاكرة العلماء، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: إحياء العلم مذاكرته، وقال بعض السلف: إذا سمعت حديثا فحدث به حين تسمعه ولو أن تحدث به من لا يشتهيه فإنه يكون كالكَتْبِ في صدرك. التاسع: اعلم أنهم حضوا على التعلم في الصغر وذكروا له فضلا، يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (من تعلم العلم وهو شاب كان كوشم في الحجر، ومن تعلم العلم بعدما يدخل في السن كان كالكاتب على ظهر الماء (١))، ويروى عن الحسن قال: طلب العلم في الصغر كالنقش في الحجر، ويروى عن علقمة قال: ما حفظت وأنا شاب فكأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة، ويروى عن لقمان أنه قال لابنه: يابني ابتغ العلم صغيرا فإن ابتغاء العلم يشق على الكبير، ويقال من أدَّبَ ولده أرغم أنف عدوه، وقال الشاعر: يُقَوِّمُ من ميل الغلام المؤدِّبُ … ولا ينفع التأديبُ والرأسُ أشيب * * * قد ينفع الأدب الأحداث في مهل … وليس ينفع بعد الكِبرة الأدب إن الغصون إذا قومتها اعتدلت … ولن تلين إذا قومتها الخشب وقال نفطويه:

стр. 2358

أراني أنسى ما تعلمت في الكبر … ولست بناس ما تعلمت في الصغر وما العلم إلا بالتعلم في الصبا … وما الحلم إلا بالتحلم في الكبر ولو فلق القلب المعلم في الصبا … لألفي فيه العلم كالنقش في الحجر وما العلم بعد الشيب إلا تعسفا … إذا كل قلب المرء والسمع والبصر وما المرء إلا اثنان عقل ومنطق … فمن فاته هذا وهذا فقد دمر العاشر: ها أنا أذكر لك فيه جملا وجيزة في فضل العلم، منها حديث ومنها حكمة (اغد عالما أو متعلما ولا تكن الثالث فتهلك (١))، العلم خير من المال لأن العلم يحرسك والمال تحرسه، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، العلماء، ورثة الأنبياء، العلم أكثر من أن يحاط به فخذوا من كل علم أحسنَه، قيمةُ كُل إنسان ما يحسن فتكلموا في العلم تتبين أقداركم، وهذا القول لعلي كرم الله وجهه لم يسبق إليه. قال الشاعر: لا يكون السري مثل الدني … لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي قيمة المرء كل ما يحسن المر … ء قضاء من الإمام علي غيره. يلوم على أن رحت للعلم طالبا … أَجَمِّع من عند الرواة [فنونا (٢)] فيا لائمي دعني أعاني بهمتي … فقيمة كل الناس ما [يحسنونا (٣)]

стр. 2359

الحكمة ضالة المؤمن، الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك، شكر العالم على علمه أن يبذله لمن يستحقه، كل شيء يعز حين يندر والعلم يعز حين يغزر، العلم مثل السراج من مر به اقتبس منه، خير العلم ما نفع منه، العلم نور الدين، هلاك العلم بالجهال وهلاك الجهال بالعلم، علامة العلم التصرف في كل معنى، لا عدوى أضر من جهل، لا يستغني الإنسان عن العلم حتى يستغني عن الحياة، بالعلم تعرف النعمة وبالمعرفة تشكر، وبالشكر تستحق، العلم ثمرة الطلب، والطلب ثمرة التوفيق، أفضل العلم وقوف الرجل عند علمه، عمل قليل في علم خير من كثير في جهل، ما تعلمه ولا تعمل به لغيرك نوره وعليك بوره، فضل من وعى العلم على من علمه إياه كفضل من لبس التاج على من صاغه، فإن زينة التاج للابسه وحظ صانعه الدخان وحمل المطرقة، إن الرجل يطلب العلم لغير الله فيأبى العلم أن يكون إلا لله حتى يرده إلى الله، النظر إلى العالم عبادة، العلم بصر والجهل عمى، تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة. الناس موتى إلا العلماء؛ إذا استرذل الله عبدا حظر عنه العلم والأدب، كاد العلماء يكونون أربابا، كل عز لم يؤكد بعلم فإلى الذل يصير، لا غنى عن علم الفرائض والنوافل وعلم الفرائض أولى، ما ازداد أحد علما إلا ازداد على العلم حرصا، منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال. العلم منار سبل أهل الجنة، والأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والزين عند الأخلاء، والسلاح على الأعداء. أربعة يسود بها العبد: العلم، والأدب، والفقه، والأمانة. أقرب الأشياء من الله العلم، [يرفع (١)] الله بالعلم أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدى بأفعالهم، العلم يرفع الخسيسة ويتمم النقيصة، الناس مع العلماء كالأيتام في حجور الأوصياء، العلم حافظ العمل من التقصير والغلو، جفاء العلم ترك العمل به والتعليم له، هلك خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب مشهودة. وفي معناه قيل:

стр. 2360

أخو العلم حي خالد بعد موته … وأوصاله تحت التراب رميم وذو الجهل ميت وهو يمشي على الثرى … يعد من الأحياء وهو عديم العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم، علم بلا عمل كشجرة بلا ثمر، العلم من الله وله، من حجب عنه العلم عذبه الجهل. واعلم أن ثمرة العلم عند العالم العمل به، والعمل قسمان: عيني كصلاته وصومه، وكفائي كبثه نفعا للعباد، وقد يتعين هذا كما إذا لم يوجد من يقوم به غيره، فإن كان كفاية فقد مر أن الاشتغال به مع صحة القصد أولى من عبادة أخرى لا تتعدى ولا سيما مع كثرة الجهل في العامة وهذا بحسب الظاهر، وإلا فالمعرفة لمن فتح له فيها أعلى، وإذا كانت أعلى كان سببها من العزلة والرياضة أولى، ولابد من النظر في هذا. قاله في القانون. وقال: وكنت أيام صحبة أستاذنا الإمام أبي عبد الله بن ناصر رحمه الله تعالى تنازعني نفسي إلى التجرد والسياحة وترك التعليم، وكان لا يرى ذلك، فقلت له ذات يوم: أيهما أفضل العلم أم المعرفة؟ قال: المعرفة، قلت: فلم لا نشتغل بأسبابها؟ قال: المعرفة قسمة من قسم له شيء يأتيه، وما رأيت في هذا الزمان أفضل من تعليم العلم، وكنت مرة بمدينة فاس أيام رشيد بن الشريف فكنت أدرس وأخذ الجوائز وأركب إليه وآكل من طعامه وألبس كغيري، فضاقت نفسي من ذلك وهممت أن أفر بنفسي وأسيح في الأرض وأدع العيال لخالقهم جل وعلا، فذكرت ذلك لشيخنا أبي محمد عبد القادر بن علي الفاسي، فقال: لو كان ذلك بحالة صحيحة أمكن، ولكن يخشى أن تكون فيه شهوة فلا تربح فيه فأمسكت عن ذلك، ومعنى ما أشار إليه أن العبد إذا تحرك لله تعالى كان عبدًا لله تعالى فأعانه وكفاه، وإذا تحرك لنفسه كان عبد نفسه فيوكل إليها ويهلك معها، وبسط هذا الكلام أن العبد إذا تحرك لأداء فريضة تعينت شرعا أو ترك محرم فقد علم أنه تحرك لله: لأن الله تعالى هو الذي حتم عليه ذلك الفعل أو الترك، وإن تحرك لحالة لا يظهر وجوبها شرعا ولكن يراها أفضل من حالته الوقتية فهو لا يدري أباعثه أمر الله وهو كونه تعالى طلب منه الحالة الفضلى، -وإن لم يكن وجوب- أم باعثه شهوة نفس فيكون عبد نفس، ومثال

стр. 2361

ذلك في هذه الصورة أن يقال: مريد الخروج إلى السياحة يحتمل أن يكون باعثه كراهية الدنيا وأهليها ومحبة المولى والرغبة في الجلوس بين يديه بلا علاقة أو نحو هذا من المقاصد الحسنة، فيكون تحركه لله فيكون عبدًا لله سبحانه، ويحتمل أن يكون الباعث أو الموجب لضيق النفس إنما هو غلظ النفس وكبرها، والأنفة من التذلل لغيره، والدخول تحت حكمه فيكون قد خالف الشرع ظاهرا بترك عياله بلا قيم وهرب عن طاعة من ولاه الله تعالى، واشتغل بالاعتراض عليه بالتكبر عليه، وهو اعتراض على الله تعالى فيستوجب المقت من الله تعالى، وهو يظن أنه يسعى في القُرَب وهكذا فمن هذا احتاج الناس إلى الشيخ المربي، ومما قيل في مدح العلم والحث عليه من الشعر قوله: مع العلم فاسلك حيثما سلك العلم … وعنه فكاشف كل من عنده فهم ففيه جلاء للقلوب من العمى … وعون على الدين الذي أمره حتم فإني رأيت الجهل يزري بأهله … وذو العلم في الأقوام يرفعه العلم يعد كبير القوم وهو صغيرهم … وينفذ منه فيهم القول والحكم وأي رجاء في امرئ شاب رأسه … وأفنى سنيه وهو مستعجم فدم يروح ويغدو الدهر صاحب بطنه … تركب في أحضانها الشحم واللحم إذا سئل المسكين عن أمر دينه … بدت رحضاء العي في وجهه تسمو وهل أبصرت عيناك أقبح منظرا … من اشيب لا علم لديه ولا حلم هي السوأة السوآء فاحذر سماتها … فأولها خزي وآخرُ هاذم فخالط رواة العلم واصحب خيارهم … فصحبتهم زين وخلطتهم غنم ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم … نجوم إذا ما غاب نجم بدا نجم فو الله لولا العلم ما اتضح الهدى … ولا لاح من غيب الأمور لنا رسم وقال آخر: رأيت العلم صاحبه شريف … وإن ولدته آباء لئام وليس يزال يرفعه إلى أن … يعظم قدره قوم كرام

стр. 2362

ويتبعونه في كل أمر … كراعي الضأن يتبعه سوام ويحمد قوله في كل أفق … ومن يك عالما فهو الإمام فلولا العلم ما سعدت نفوس … ولا عرف الحلال ولا الحرام فبالعلم النجاة من المخازي … وبالجهل المذلة والرغام هو الهادي الدليل إلى المعالي … ومصباح يضيء به الظلام كذاك عن الرسول أتى عليه … من الله التحية والسلام وإن طلابه حق على من … له عقل وليس به سقام فإما عالما تغدو وإما … إلى التعليم يخرجك اغتنام وسائر ذاك من لا خير فيه … ومن يك عالما فهو الإمام كذاك عن النبي أتى عليه … من الله التحية والسلام وينسب لصالح بن جناح: تعلم إذا ما كنت لست بعالم … فما العلم إلا عند أهل التعلم تعلم فإن العلم زين لأهله … ولن تستطيع العلم إن لم تعلم تعلم فإن العلم أزين للفتى … من الحلة الحسناء عند التكلم وقال سابق البربري: العلم يجلو العمى عن قلب صاحبه … كما يجلي سواد الظلمة القمر وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها … ولا البصير كأعمى ماله بصر وقال أبو بكر بن مروان رحمه الله تعالى من قصيدته: العلم زين وتشريف لصاحبه … أتت إلينا بذا الأنباء والكتب والعلم يرفع أقواما بلا حسب … فكيف من كان ذا علم له حسب فاطلب بعلمك وجه الله محتسبا … فما سوى العلم فهو اللهو واللعب وقال آخر: يعد رفيع القوم من كان عالما … وإن لم يكن في قومه بحسيب

стр. 2363

وإن حل أرضا عاش فيها بعلمه … وما عالم في بلدة بغريب وقال آخر: لقد ضلت حلوم من أناس … يرون العلم إفلاسا وشوما كسانا علمنا فخرا وجودا … وبالجهل اكتسوا جهلا ولو ما هم الثيران إن فكرت فيهم … فكيف بأن ترى ثورا حليما فَجَانِبْهُمْ ولا تعتب عليهم … وكن للكتب دونهم نديما ويروى عن شيخ الشيوخ ابن لب رضي الله تعالى عنه قال هممت بطاعة أشتغل بها فبت مفكرا في ذلك فإذا بهاتف يقول: إذا الأحباب فاتهم التلاقي … فما صلة بأفضل من كتاب ولبعضهم في مدح الحديث: ألا إن خير الناس بعد محمد … وأصحابه والتابعين بإحسان أناس أراد الله إحياء دينه … بحفظ الذي يروي عن الأول الثاني إذا عالم عالي الحديث تسامعوا … به جاءه القاصي من القوم والداني وساروا مسير الشمس في جمع علمه … وأوطانهم أضحت لهم غير أوطان وقال آخر: واظب على جمع الحديث وكُتْيه … واجهد على تصحيحه في كَتْبه واسمعه من أربابه نقلا كما … سمعوه من أشياخهم تسعد به ولأبي عمر رحمه الله تعالى: العلم يرفع كل بيت هين … والفقه يجمل باللبيب الدين فالمرء يكرم بالوقار وبالنهى … والمرء تحقره إذا لم يرزن وإذا طلبت من العلوم أجلها … فأجلها علم التقي المؤمن علم الديانة وهو أرفعها لدا … كل امرئ متيقظ متدين

стр. 2364

هذا المصحح لا مقالة جاهل … فأجلها منها مقيم الألسن يعني بقوله: مقالة جاهل، قول بعضهم: النحو يصلح من لسان الألكن … والمرء تكرمه إذا لم يلحن فإذا أردت من العلوم أجلها … فأجلها منها مقيم الألسن وكفر إن تعمد؛ يعني أن الكفارة الكبرى تجب على المكلف بأحد المفطرات الآتية، واختلف هل هي على التراخي أو الفور كالقضاء؟ وتجب بشروط خمسة: أَحَدَها أن يتعمد الفطر، ثانِيَها أن يكون فطره ذلك اختيارا فلا كفارة على ناس ولا على غير مختار، كمن فعل شيئا من موجبات الكفارة مكرها أو غلبة؛ لعدم وصف هذه الثلاث بالتعمد حقيقة إلا من استاك بجوزاء نهارا عمدا وابتلعها غلبة فعليه الكفارة كما يأتي. واعلم أن الكفارة مأخوذة من الكفر بفتح الكاف وهو الستر، وبالضم ستر الحق، والبحر كافر لستره لما فيه، وأكثر موارد الكفارة رفع الإثم وستره كما في الصوم والظهار، وسميت كفارة غيره بذلك تشبيها وإن لم يكن بها إثم كما في اليمين بالله تعالى؛ إذ قد لا يكون الحنث حراما بل واجبا أو مندوبا. ثالِثُ الشروط: أن يكون منتهكا للحرمة، وإليه أشار بقوله: بلا تأويل قريب، ولو قال بلا تأول لكان أحسن. والله تعالى أعلم؛ يعني أنه يشترط في لزوم الكفارة للمفطر في رمضان أن يكون في فطره منتهكا للحرمة، فالمتأول تأويلا قريبا لا كفارة عليه، والمتأول تأويلا قريبا هو المستند لأمر موجود، وستأتي أمثلته، ومنطوق المصنف صورتان: إحداهما أن يفعل موجب الكفارة غير متأول، الثانية أن يفعل موجب الكفارة متأولا تأويلا بعيدا، ومفهومه صورة واحدة؛ وهي أن المتأول تأويلا قريبا لا كفارة عليه، ومن تعمد الفطر في يوم ثلاثين ثم جاء الثبت أنه يوم العيد فلا كفارة عليه ولا قضاء، وكذلك الحائض تفطر متعمدة ثم تعلم أنها حاضت قبل فطرها، وعن حمديس وجماعة من الطلبة: عليهما الكفارة، ووجهه الانتهاك: ونظير ذلك على الأول من تزوج امرأة معتقدا أنها في العدة ثم تبين أنها خرجت منها فنكاحه صحيح، خَاطَرَ وسَلِمَ، الشرط الرابع: أشار إليه بقوله: وجهل؛ يعني أنه يشترط في لزوم الكفارة أن يكون غير جاهل بحرمة

стр. 2365

موجب الكفارة؛ بأن يكون عالما بالتحريم، وأما لو جهل الحرمة كحديث عهد بالإسلام يظن أن الصوم لا يحرم الجماع مثلا وجامع فلا كفارة عليه، وأما جهل وجوب الكفارة مع علمه الحرمة فلا يسقط عنه وجوب الكفارة، وقوله: "وجهل"، عطف على "تأويل"، وقوله: "وجهل"، خلافا لابن حبيب القائل: إن الجاهل كالعامد، عليه الكفارة، فإنه قال في الذي يتناول فلقة: إن كان ساهيا فلا كفارة عليه، وإن كان عامدا كان عليه الكفارة والقضاء، قال الإمام الحطاب: والمعروف من المذهب أن الجاهل في حكم المتأول فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يقصد انتهاكا. انتهى. تنبيهات: الأَوَّلُ: فإن قِيلَ ما الفرق بين الجاهل والمتأول؟ فإنه جاهل بالحكم أيضا، فما الفرقَ بينهما؟ ثم إنهم فرقوا في المتأول بين التأويل القريب والبعيد، فَالجَوَابُ أنه لا فرق بينهما إلا إذا حمل الجاهل على من كان حديث عهد بالإسلام فجهل وجوب رمضان أو بعض ما يمنعه رمضان من أحكامه المشهورة، والمتأول من أفطر لوجه يخفى حكمه، بل قال بعض العلماء بجواز الإفطار به. الثَّانِي: قد مر أن المتأول تأويلا قريبا لا كفارة عليه، بخلاف المتأول تأويلا بعيدا، وقال اللخمي: قال الشيخ: أصل المذهب أن الكفارة إنما تجب على من قصد الفطر جرءة وانتهاكا، فمن أفطر متأولا فإن جاء مستفتيا ولم يظهر عليه صدق فيما يدعيه، وأنه لم يفعل ذلك جرءة ولا كفارة عليه، وإن ظهر عليه نظر فيما يدعيه، فإن كان ممن يرى أن مثله يجهل ذلك صدق، وإن أتى بما لا يشبه لم يصدق وألزم الكفارة، وهذا فائدة قولهم إن هذا ينوَّى ولا ينوَّى الآخر ويجبر على الكفارة، ولو كان إخراج الكفارة موكولا إليه إذا ادعى ما لا يشبه لم يكن للتفرقة وجه. انتهى. قاله الحطاب. الثَّالِثُ: علم مما مر أن من أكل في يوم الشك قبل أن يثبت الهلال ثم ثبت أنه من رمضان لا كفارة عليه، وكذلك الأسير إذا لم يعلم برمضان لم يذكر أحد قولا بوجوب الكفارة عليه. قاله الحطاب. وَحَاصل ما مر عن اللخمي أن مقتضى المذهب الإجبار على الكفارة، ولا يوكل إلى الأمانة، فمن ادعى سقوطها بجهل أو تأويل لم يصدق إلا أن يأتي بما يشبه، وقال صاحب القبس: هي

стр. 2366

موكولة إلى الأمانة، وقال القرافي: وتستقر الكفارة في الذمة عند العجز عنها، وقال الجزولي: لا يجوز للإنسان أن يفطر بالتأويل دون أن يسمع فيه شيئا. انتهى. وهذا معلوم لأنه لا يحل للإنسان أن يفعل شيئا دون أن يعرف حكم الله تعالى فيه. قاله الحطاب. وفيه أن من كان لا يؤدي زكاة الأموال أو وجبت عليه كفارة أو هدي أو عتق عن ظهار أو قتل فامتنع من أداء ذلك يجبر على إنفاذه. والله سبحانه أعلم. وأشار إلى الشَّرْط الخَامِسِ بقوله: في رمضان؛ يعني أن الكفارة الكبرى إنما تجب على من أفطر في رمضان لا في غيره، ولهذا قال: فقط، فمن نذر صوم الدهر وأفطر فيه متعمدا فلا كفارة عليه صغرى ولا كبرى على المشهور. قاله الخرشي. وكذا لا كفارة في كفارة أو ظهار ونحو ذلك، ولا كفارة كبرى في قضاء رمضان. وفي البيان: وسئل سحنون عمن نذر أن يصوم الدهر كله فأفطر يوما؟ قال سحنون: إن أفطره ناسيا أو من عذر فليس عليه شيء، وإن أفطره من غير عذر فعليه الكفارة، قيل: وما الكفارة؟ قال: إطعام مد. أخبر به أبو زيد عن ابن القاسم. قال ابن رشد: ولسحنون في كتاب ابنه أن عليه إطعام ستين مسكينا. ووجه هذا أنه لما أفطر متعمدا ما لا يجد له قضاء أشبه الفطر في رمضان متعمدا في أنه لا يجد له قضاء؛ إذ قد جاء أنه لا يقضيه بصيام الدهر وإن صامه، ووجه القول الأول القياس على كفارة التفريط لأنها كفارة وجبت للفطر عمدا في موضع لا يجوز الفطر فيه، واختلف فيمن نذر صيام الدهر فلزمه صيام ظهار أو كفارة يمين، فقال ابن حبيب: يصوم ذلك ولا شيء عليه، وقال سحنون: يصوم ويطعم عن كل يوم مدا. وبالله التوفيق. قاله الحطاب. وفي النوادر عن ابن الماجشون: من نذر صيام الدهر فأفطر ناسيا فلا شيء عليه، وعامدا عليه كفارة من أفطر يوما من رمضان؛ إذ لا يجد له قضاء، وقال سحنون في كتاب ابنه: عليه كفارة إطعام مسكين، ونقل في التوضيح عن الشيخ المقدسي المالكي أنه قال فيمن نذر صيام الدهر ثم أفطر متعمدا: قال كافة الناس لا شيء عليه، وليستغفر الله تعالى. قاله الحطاب. ومن نذر أن يصوم الدهر كله ولزمته كفارة يمين بالصوم، قال سحنون: فليصم ثلاثة أيام ليمينه ويطعم عن كل يوم مدا. ابن حبيب: ومن نذر صيام الدهر أو نذر صيام الاثنين والخميس ثم لزمه صوم شهرين لظهاره فليصمهما لظهاره، ولا شيء عليه لما نذر من صيام الدهر ومن الأيام المسماة. قاله مالك. وعلى قول

стр. 2367

سحنون: يطعم عدة ما صام لكل يوم مدا، وهذا أدنى الكفارة في الصوم. انتهى. ومثل صيام الكفارة صيام الهدي والفدية وغيره مما يشبه. والله أعلم. قاله الحطاب. تنبيهان: الأوَّلُ: اعلم أن الكفارة تتعدد بتعدد الأيام ولا تتعدد بتعدد الموجب، كالأكلات والوطئات في يوم واحد، وسواء أخرج الكفارة أم لا، الثَّانِي: قوله "بلا تأويل"، حال، والباء باء الملابسة؛ أي حال كون المتعمد متلبسا بانتفاء التأويل القريب وقوله: "في رمضان"، متعلق "بتعمد"، وليس متعلقا بقوله: "وكفر"، لفساد المعنى، ولأن إن لا يعمل ما قبلها فيما بعدها. جماعا، مفعول تعمد؛ يعني أن المكلف إذا تعمد الجماع في نهار رمضان فإنه تجب عليه الكفارة الكبرى. واعلم أن موجبات الكفارة الكبرى خمسة: أَحَدُهَا تعمد الجماع، وبدأ به لأنه مجمع عليه بخلاف غيره، والمراد بالجماع الوطء الذي يوجب الغسل، لا في هوى الفرج، ولا في وطء من غير بالغ، فلا كفارة على موطوءته البالغة إلا أن تنزل، ولا كفارة في وطء من لا تطيق أي لا كفارة على بالغ وطئها إلا أن ينزل، وقد مر عن عبد الباقي أن غير البالغ لا يفسد صومه بوطئه، ولا صوم موطوءته البالغة حيث لا يوجد منها مني أو مذي، قال محمد بن الحسن: قوله "لا يفسد صومه"، فيه نظر. وعلم مما قررت أن من تعمد الجماع الوجب للغسل تجب عليه الكفارة، سواء كان رجلا أو امرأة. وفي الحطاب عن الذخيرة، قال سند: وتجب عليه الكفارة ولو وطئ امرأته في دبرها أو فرج ميتة أو بهيمة، وقال عبد الوهاب: ومن احتلم في نهار رمضان لم يفسد صومه ولا قضاء عليه لما روي: (ثلاثة لا يفطرن الصائم (١))، فذكر الاحتلام من ذلك. نقله الشارح في الكبير. والله أعلم. انتهى. وما مشى عليه المصنف من اشتراط العمد في الجماع هو المشهور، وقاله في المدونة، وعن مالك أنه لا يشترط ذلك، وقاله عبد الملك. ثانِيهَا: تعمد رفع النية نهارا، وإلى ذلك أشار بقوله: أو رفع نية نهارا، قوله: "أو رفع"، عطف على قوله: "جماعا"؛ يعني أن من تعمد رفع نية الصوم أي نبذها ورفضها في نهار رمضان بعد

стр. 2368

أن أصبح صائما تجب عليه الكفارة الكبرى، وهذا هو الأصح وهو مذهب المدونة، وقال ابن القاسم: أحب إلي أن يكفر مع القضاء، وقوله: "أو رفع نية نهارا"، وأولى في لزوم الكفارة إذا أصبح ناويا الفطر، وسواء استمر بعد ذلك على نية الفطر أو نوى الصوم نهارا قبل أن يأكل، وصرح بذلك في المدونة ولا كفارة على من ارتد في نهار رمضان، ولا يلزم قضاء ما أفطره في ردته إذا أسلم كالكافر الأصلي، وقوله: "أو رفع نية نهارًا"، هذا إن رفض رفضا مطلقا أو معلقا على أكل أو شرب وحصل نهارا لا في معلق عليه ولم يوجد فلا كفارة، وكذا لا قضاء كما صوبه اللخمي قائلا: إنه جل قول مالك، خلافا لابن عبدوس. قاله عبد الباقي. فمعنى رفع النية هو الفطر بالنية لا نية الفطر، فلا تضر إذا لم يفطر بالفعل كما في الرماصي؛ وهو معنى ما في غيره إنما يضر الرفض المطلق، أما المقيد بأكل شيء فلم يوجد فلا، ومنه من نوى الحدث أثناء الوضوء ولم يحدث فليس رافضا، وانظر لو نوى أن يأكل في الصلاة مثلا فلم يفعل، وأما قول من ظن الغروب خطأً: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت (١))، فظاهر أنه لا يراد به الرفض، وإنما المعنى: على رزقك أفطر على حد: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، فإن الرزق لم ينتفع به بعد. قاله الأمير. ثالثها: تعمد الأكل نهارا، وإليه أشار بقوله: أو أكلا؛ يعني أن الصائم إذا تعمد في نهار رمضان أكلا لمتحلل أو غيره، ولو حصاة أو درهما أو فلقة طعام تلتقط من الأرض، فإنه تجب عليه الكفارة، وما ذكرته من أن غير المتحلل تجب فيه الكفارة هو على ما اختاره اللخمي، وهو قول عبد الملك، وقال ابن عبد السلام: الأقرب سقوط الكفارة بغير المتحلل، ونص اللخمي: واختلف في الحصى والدرهم، فقال ابن الماجشون في المبسوط: له حكم الطعام فعليه في السهو القضاء، وفي العمد القضاء والكفارة، وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: لا قضاء عليه إلا أن يكون متعمدا فيقضي لتهاونه، والأول أشبه لأن الحصى يشغل المعدة إشغالا ما وينقص من كلب الجوع. انتهى. والظاهر من كلام المصنف وقوع الكفارة بذلك لأنه مشى على ما اختاره اللخمي فيما مر، والذي اختاره هو قول عبد الملك بن الماجشون كما علمت، وقوله. "أو أكلا"، قال عبد الباقي:

стр. 2369

ووصل لجوفه. انتهى. قال محمد بن الحسن: صوابه لحلقه، ونص ابن الحاجب: ويجب بإيلاج الحشفة وبالمني، وبما يصل إلى الحلق من الفم خاصة. رَابعُهَا: تعمد الشرب، وإليه أشار بقوله: أو شربا؛ يعني أن الصائم إذا تعمد الشرب في نهار رمضان فإنه تلزمه الكفارة: وقوله: "أو شربا"، قال عبد الباقي: ووصل لجوفه. انتهى. قال محمد بن الحسن: صوابه لحلقه، ونص ابن الحاجب: ويجب بإيلاج الحشفة وبالمني وبما يصل إلى الحلق من الفم خاصة. انتهى. بفم؛ يعني أن الشرب الذي تحصل به الكفارة إنما هو حيث كان بالفم، لا إن حصل من غيره كأنف وأذن وعين، واحترز بقوله: فقط، عما يصل من الأنف والأذن للجوف، فإنه لا كفارة فيه على المشهور، وقال أبو مصعب: يكفر في الواصل من الأنف فكأنه يرى الكفارة معللة بالعمد أو يرى هذا انتهاكا، ويمكن رجوع قوله: "فقط"، للأكل، ويراد بالأكل وصول المأكول. وإن باستياك بجوزاء؛ يعني أن الكفارة تجب فيما وصل للجوف بسبب استياك بجوزاء حيث تعمد الاستياك بها نهارا وابتلعها عمدا أو غلبة لا نسيانا، قال عبد الباقي: أو استعملها ليلا وابتلعها نهارا عمدا لا غلبة أو نسيانا. انتهى. وقد مر من محمد بن الحسن أن الواصل للحلق كالواصل للجوف، وقال محمد بن الحسن هنا: حاصله -يعني ما لعبد الباقي- أنه إن تعمدها نهارا كفر في الصورتين، وهما إذا ابتلعها نهارا عمدا أو غلبة لا نسيانا، وأنه إن تعمدها ليلا كفر في صورة واحدة؛ وهي إذا ابتلعها نهارا عمدا لا غلبة أو نسيانا، وفي كلامه نظر، وذلك أن الكفارة لم يذكرها التوضيح إلا عن ابن لبابة؛ وهو قيدها بالاستعمال نهارا لا ليلا فالقضاء. نقله ابن غازي. ونقل عن ابن الحاجب لزوم القضاء فقط، ونقله المواق أيضا، ومثل الجوزاء كل رطب مغير للريق، ومثلها كما في ابن غازي: نبات الحرشف بحاء مهملة مفتوحة، فراء مهملة ساكنة، فشين معجمة مفتوحة، ثم فاء. قاله عبد الباقي. وقال الأمير عاطفا على ما فيه الكفارة: أو إدخال من فم فقط ولو درهما كواصل غلبة، وأولى عمدا من قيء استدعاه، أو جوزاء استاك بها نهارا لا ليلا، أو من غيرها حتى ينتهك، فمتى تعمد بلع الجوزاء وقد استاك بها ليلا كفر، كما في عبد الباقي، وهو ظاهر، وإن نازعه بناني. انتهى.

стр. 2370

قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وهو كالصريح في أن من جعل تمرا أو غيره في فيه فابتلعه غلبة لا كفارة عليه؛ وهو خلاف ما يأتي من أن من عبث بنواة في فيه فنزلت في حلقه فعليه القضاء والكفارة، وسيأتي أن إيجاب الكفارة في نزولها غلبة كإيجابها في مسألة الاستياك. والله سبحانه أعلم. وقد قدمت عن الحطاب عند قوله: "ثم يمجه": ولا يذوق الصائم الملح والعسل وإن لم يدخل جوفه، قال عبد الملك: وإن وصل منه إلى جوفه من غير تعمد فليقض وإن تعمد فليكفر. انتهى. وقوله: "بجوزاء"، الجوزاء هي القشر المتخذ من أصول الجوز، وأكثر من يستعمله أهل المغرب والهند. خَامِسُهَا: تعمد إخراج المني، وإليه أشار بقوله: أو منيا، عطف على قوله: "جماعا"؛ يعني أن الكفارة تجب بتعمد إخراج المني بغير جماع، والمني هو الماء الذي يتكون منه الولد بإذن الله تعالى، وقوله: "أو منيا"، علم من التقرير أنه على حذف مضاف؛ أي إخراج مني، قال الشيخ إبراهيم: وسواء كان المتعمد لإخراج المني رجلا أو امرأة. انتهى. وسواء تعمد إخراجه بتقبيل أو مباشر أو ملاعبة أو بإدامة فكر، كما أشار إلى ذلك بقوله: وإن بإدامة فكر؛ يعني أن تعمد إخراج المني بغير الجماع يوجب الكفارة، واحترز بقوله: "وإن بإدامة فكر"، عما إذا أنزل عن فكر أو نظر غير مستدامين، فإنه لا كفارة عليه عند ابن القاسم. واعلم أن في المسألة ثلاثة أقوال: أَحَدُهَا لمالك في المدونة؛ وهو القضاء والكفارة مطلقا، وَالثَّانِي لأشهب القضاء فقط مطلقا، وَالثَّالِثُ لابن القاسم في المدونة القضاء والكفارة إلا أن ينزل عن فكر أو نظر غير مستدامين. قاله في التوضيح، وابن عرفة عن البيان. وهذا أي قول ابن القاسم هو الذي جرى عليه المصنف، قال الرماصي: ولم يعرج ابن رشد على عادة السلامة ولا عدمها، وإنما ذكر ذلك اللخمي، فإنه لما حكى الخلاف في القبلة، هل فيها الكفارة إذا أنزل وهو قول مالك في المدونة، وقال أشهب وسحنون: إلا أن يتابع، واتفقوا على شرط المتابعة في النظر، قال: والأصل لا تجب الكفارة إلا إن قصد الانتهاك، فيجب أن ينظر إلى عادته، فمن كان عادته أن ينزل عن قبلة أو مباشرة أو اختلفت عادته كفر، وإن كانت عادته السلامة لم يكفرت وإلى اختيار اللخمي أشار بقوله: إلا أن يخالف عادته؛ يعني أن محل لزوم الكفارة عند اللخمي في إخراج المني بغير

стр. 2371

جماع إنما هو فيمن كانت عادته الإنزال عما فعله من المقدمات، أو اختلفت عادته، وأما إن فعل شيئا من المقدمات عادته عدم الإنزال منه فأنزل فإنه لا كفارة عليه. وبما قررت علم أن قوله: على المختار، راجع لجميع المقدمات، كما قاله الرماصي، وليس خاصا بما قبل المبالغة، فذكر اللخمي للقبلة والمباشرة على سبيل المثال لا على سبيل التخصيص، إذ غيرهما أحرى، وقد علمت أن اللخمي لم ينظر للمتابعة ولا عدمها، وإنما نظر للعادة وهذا لا يضر المصنف، بل نسج على منوال اللخمي، فإنه ذكر اتفاقهم على شرط المتابعة في النظر، ثم عقبه بذكر اختياره الراجع لجميع المقدمات. واعلم أن ما تقدم يقتضى أن اختيار اللخمي من عند نفسه لا من الخلاف كما يقتضيه المصنف؛ وأجاب الرماصي بأن تعقب اللخمي لما نشأ عن الخلاف الذي ذكره صح التعبير بصيغة الاسم. قاله محمد بن الحسن. ولا بد أن تكون القبلة لغير وداع أو رحمة، ولا فرق بين كونها بفم أو غيرد، وسواء في جميع ما مر حصل إنعاظ أم لا. وإن أمنى بتعمد نظرة فتأويلان؛ يعني أن ابن القاسم قال في المدونة: تسقط الكفارة عن من أنزل بنظر أو فكر غير مستدامين، وقال القابسي يكفر إن أمنى بنظرة واحدة متعمدا، فحمله صاحب النكت وهو عبد الحق على الوفاق بحمل ما في المدونة على ما إذا لم يتعمد النظر، وحمله ابن يونس على الخلاف، وإلى ما قاله عبد الحق وابن يونس أشار المصنف بالتأويلين المذكورين. الباجي: وقول القابسي هو الصحيح. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: إن التأويل بعدم التكفير هو المعتمد. انتهى. وقال الشبراخيتي: وظاهر ما في شرح الرسالة أن المعتمد من التأويلين سقوط الكفارة. انتهى. وقال عبد الباقي: ومن أمنى لقبلة وداع أو رحمة فلا كفارة عليه وعليه القضاء، ويحتمل لا قضاء عليه لأنه من المستنكح وسيأتي، وتقدم أن في المذي القضاء فقط وإن لم يستدم لسببه (١) على المشهور، وقيده ابن الحاجب بغير المشقة، وسيأتي قريبا نحوه للمصنف. انتهى. وذكر متعلق: "كفر"، بقوله: بإطعام ستين مسكينا؛ يعني أن من لزمته الكفارة الكبرى إنما يكفر بأحد أمور ثلاثة على سبيل التخيير، أَوَّلُهَا أن يطعم ستين مسكينا أي محتاجا فيشمل

стр. 2372

الفقير، والمراد بالإطعام التمليك فلو عبر به أو بالإعطاء لكان أولى. والله سبحانه أعلم. انظر الشبراخيتي. لكلٍّ مُدٌّ. مبتدأ وخبر، وهو تبيين للقدر الذي يعطى لكل مسكين، يعني أنه لا بد أن يعطي المكفر ستين مدا، لكل مسكين مد بمده ﷺ ، ويجزئ غداء وعشاء كما حققه الرهوني، فلو أعطى ستين مدا ثلاثين مسكينا لكل مدين فإنه لا يعتد بالزائد على المد، وله أن يسترجع من كل واحد ما زاد على المد فيعطيه لغيره حتى يكمل الستين، حيث بين لهم أنه كفارة: فإن ذهب ذلك من يد المسكين فلا رجوع له عليه لأنه هو الذي سلطه على هلاكه، كمن عوض عن صدقة ظانا لزومها، ولو أعطى ثلاثين مسكينا ثلاثين مدا لأجزأه ذلك، ويكمل الستين، ولو أطعم مسكينا واحدا ستين يوما لم يجزه، فإن قيل المقصود سد ستين خلة وهو حاصل فلم لا يجزئ، قيل: المقصود سد خلة ستين لأنه أبلغ في الأجر، ولتوقع أن يكون فيهم ولي مقبول الدعاء. نقله القرافي. واعلم أنه لا مدخل للبدنة في كفارة رمضان عند جمهور العلماء، قال في التمهيد فيما في الموطإ من حديث عطاء الخراساني في حديث المجامع في رمضان بعد ذكر الرقبة، فقال: هل تستطيع بدنة؟ هذا غير محفوظ في الأحاديث المسندة الصحاح، وذكر البدنة هو الذي أنكر على عطاء، ولا نعلم أحدا كان يفتي به إلا الحسن البصرى، فإنه كان يقول إذا لم يجد المجامع في رمضان عامدا رقبة أهدى بدنة إلى مكة. انتهى. قاله الحطاب. وتتعدد الكفارة بتعدد الأيام، ولا تتعدد في اليوم الواحد قبل التكفير اتفاقا ولا بعده على الأصح المعروف من المذهب كما قاله غير واحد؛ أي لا تتعدد في اليوم الواحد بالنسبة للفاعل، وأما بالنسبة لغيره فتتعدد كما لو وطئ أكثر من امرأة بالإكراه، فيخرج عن كل واحدة كفارة. والله سبحانه أعلم. وسيأتي أن الأمة لا عبرة بطوعها ما لم تطلب أو تتزين، ومقابل الأصح المعروف أنها تتعدد في اليوم الواحد بعد التكفير. وهو الأفضل؛ يعني أن التكفير بإطعام ستين مسكينا أفضل من التكفير بالعتق أو بصيام شهرين، وقوله: "وهو الأفضل"، قال ابن يونس: إن كان حرا مالك التصرف، ويكفر العبد والأمة بصيام إلا أن يضر ذلك بالسيد فيبقى دينا عليهما إلا أن يأذن

стр. 2373

السيد في الإطعام، ونقله في التوضيح. عبد الحق: ويحتمل بقاءها في ذمته إذا أبى من الصوم وهذا أبين. انتهى. وهذا يفيد أنه لا يجبره على الصوم، وإذا فعل السفيه موجب الكفارة -وقلنا إنها على التخيير كما هو المشهور المعروف- أمر وليه بالصيام لحفظ ماله، وإن لم يقدر عليه أو أبى كفر عنه وليه بالأقل من العتق والطعام، وقوله: "وهو الأفضل"، ولو لخليفة على المذهب، وبحث فيه القرافي بأنها إنما شرعت للزجر والملوك لا تنزجر بإطعام ولا عتق بل بالصوم، فهذا من النظر في المصلحة التي لا تأباها القواعد. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله: "وهو الأفضل": من العتق والصيام. ابن عطاء الله: لأنه أشد نفعا لتعديه لستين مسكينا فهو أفضل من العتق لتعديه لواحد، ومن الصوم لعدم تعديه، وظاهر المصنف عدم مراعاة الوقت والشخص، وهو المذهب خلافا لمن راعى الوقت ففضل العتق في الرخاء والإطعام في الشدة، ولمن راعى الشخص كأبي إبراهيم الأندلسي؛ فإنه أفتى لبعض أهل الغنى الواسع بالصيام لأنه يشق عليه وأردع له عن انتهاك حرمة الصوم، وبه أفتى يحيى بن يحيى للأمير عبد الرحمن حين سأل الفقهاء عن وطئه جارية له في رمضان، فلما أفتاه بالتكفير بالصوم سكت حاضروه ثم سألوه لم لم يخيره في أحد الثلاثة؟ فقال: لو خيرته وطه كل يوم وأعتق فلم ينكروا، وتعقبه بعضهم بأنه مما ظهر إلغاؤه، واتفق العلماء على إبطاله، وتأول بعضهم ذلك على أن المفتي رأى أن الأمير فقير، الذي بيده إنما هو للمسلمين. قاله الحطاب. وقال ابن عرفة: اللخمي: صنفها كفارة اليمين. انتهى. قاله الحطاب. وقال ابن عرفة: وفي كون إطعام الكفارة لأيام رمضانٍ واحدٍ كيمين واحدة لا يأخذ منها المسكين الواحد إلا ليوم واحد، أو أيامه كأيمان يجزئ أخذه لليومين نظر وهذا أبين. انتهى. وقال الجلاب: ولو أطعم ستين لإحدى كفارتيه ثم أطعم في اليوم الثاني للأخرى أجزأه مفهومه: لو أطعمهم عنهما في يوم واحد لم يجزه، وفيه نظر. انتهى. انظر الحطاب. أو صيام شهرين، يعني أن المكفر بالخيار بين أن يطعم -والإطعام هو الأفضل كما مر- وبين أن يصوم شهرين متتابعين منويي التتابع كاملين إن لم يبدأ بالهلال، والنية الواحدة كافية في أوله كما مر عند قوله: "وكفت نية لما يجب تتابعه"، وهذا هو الأمر الثاني، وأشار إلى الأمر الثالث

стр. 2374

بقوله: أو عتق رقبة؛ يعني أن المكفر بالخيار بين أن يطعم أو يصوم شهرين متتابعين، أو يعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب الآتية في الظهار. وبما قررت علم أن قوله: كالظهار، راجع للصوم والعتق، ومعنى التشبيه بالنسبة للصوم أن الشهرين يحسبان بالهلال إذا بدأ بالصوم من أول الهلال ناقصا كان أو كاملا، وإلا كمل النكسر ثلاثين، ويكونان متتابعين، ولا بد أن ينوي تتابعهما، ولا بد أن ينوي بصومهما الكفارة إلى غير ذلك مما يأتي في صوم شهري الظهار، ومعنى التشبيه بالنسبة للعتق أن تكون مؤمنة محررة للكفارة سليمة من قطع إصبع وعمى وبكم وجنون وإن قل، ومرض مشرف، وقطع أذنين، وصمم وهرم وعرج إلى غير ذلك مما يأتي في الظهار بأتم مما هنا فيراجع هناك وبالله تعالى التوفيق، وليس التشبيه في الترتيب كما علمت، ولا في أن المد هنا كالمد في باب الظهار. وعلم مما مر أن التخيير إنما هو في حق الحر المكلف الرشيد، وأما العبد والسفيه فقد مر الكلام عليهما عند قوله: "وهو الأفضل"، فراجعه إن شئت، وأما الصبي فلا قضاء عليه ولا كفارة. والله سبحانه أعلم. وما ذكره المصنف من أن الكفارة الكبرى تكون بأحد الأمور الثلاثة على التخيير هو المعروف والمشهور من المذهب كما نص عليه غير واحد، وقال ابن الحاجب: والمشهور أنها إطعام ستين مسكينا مدا مدا كإطعام الظهار دون العتق والصيام، وقيل: على الأَوْلَى، وقيل: على التخيير: وقيل: على الترتيب كالظهار، وقيل: العتق أو الصيام للجماع والإطعام لغيره، وفيها لا يعرف مالك إلا الإطعام لا عتقا ولا صوما. انتهى. قال في التوضيح: يعني أنه اختلف في الكفارة الكبرى، هل هي مقصورة على الإطعام، أو هي على التخيير في الثلاث، أو هي على الترتيب كالظهار أو تتنوع؟ ومقتضى كلامه أن المشهور الحصر في الإطعام، وفيه نظر، فإن الذي نص عليه غير واحد أن المعروف والمشهور من مذهبنا أنها على التخيير، لكن الإطعام أفضل لأنه أعم نفعا، ومنهم من علل استحباب الإطعام بكونه هو الوارد في الحديث، واستحب مالك في كتاب ابن مزين البداءة بالصوم ثم العتق، واستحب المغيرة البداءة بالعتق. وقال ابن حبيب: العتق أحب إلي، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع

стр. 2375

فالإطعام. هكذا نقل اللخمي. ونقل عياض عنه أنها على الترتيب، ونقل الباجي عن المتأخرين من الأصحاب أنهم يراعون في الفضل الأوقات والبلاد، فإن كانت أوقات شدة فالإطعام أفضل، وإن كانت أوقات خصب ورخص فالعتق أفضل، وقد أفتى الفقيه أبو إبراهيم من استفتاه في ذلك المعنى بالصيام لما علم من حاله أنه أشق عليه من العتق والإطعام، وأنه أردع له عن انتهاك حرمة الصوم، وتبع المصنف في القول الأول ابن بشير، وليس بجيد، والقول بأنها تتنوع لأبي مصعب وهو ضعيف؛ لأن الحديث الذي هو أصل هذه الكفارة إنما كان في الجماع، ووقع التكفير فيه بالإطعام، قوله: كإطعام الظهار، أي كجنس ما يطعم في الظهار، ويحتمل أنه يريد أن التشبيه في أنه لا يجزئه أقل من المد، وقد نص صاحب اللباب عليه، وذكر أنه قول مالك والشافعي، وليس المراد التشبيه في القدر، فإن هذه بمد النبي ﷺ ، وتلك بمد هشام على المشهور، واحتج من قال بالترتيب بما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: هلكت، واقعت أهلي وأنا صائم، فقال له النبي ﷺ : هل تجد رقبة فتعتقها؟ قال: لا، فقال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال: لا، فقال: هل تجد إطعام ستين مسكينا؟ فقال: لا، فأتي النبي ﷺ بعرق، فقال: تصدق به (١)). الحديث. ويتوجه عليه اعتراض لأن قوله: هل تجد، لا يدل على الترتيب، وحمل مطرف وابن الماجشون وابن حبيب وصاحب النكت وغيرهم قوله في الكتاب: لا يعرف مالك غير الإطعام: لا يعرف المستحب، وأخذوا من ذلك أن التصدق بالطعام أفضل من العتق. انتهى. ثم قال ابن الحاجب: ويكفر ولي السفيه عنه، وعلى الترتيب تكون كالظهار، وفي إجزاء صيامه فيه مع وجود الرقبة قولان. انتهى. قال في التوضيح: أي أن السفيه إذا فعل موجب الكفارة كفر عنه وليه، فإن قلنا بالتخيير أمره بالصيام لحفظ ماله، وإن لم يقدر كفر عنه بالأقل من العتق والإطعام. عبد الحق: ويحتمل أن تبقى في ذمته، قال: وهو الأبين، وإن قلنا بالترتيب كان الأمر فيها كما إذا ظاهر، ثم أشار إلى حكمه في الظهار بقوله: وفي إجزاء صومه فيه؛ أي في الظهار مع وجود الرقبة قولان:

стр. 2376

أحدهما الإجزاء لأن سفيهه لا يردعه عتقه عن تكرير الظهار، فلو التزم العتق لأدى إلى إتلاف ماله، وهو قول محمد، والثاني: أنه لا يجزئه بل يتعين العتق وقوفا مع النص وهو ظاهر المذهب، وفرق ابن كنانة بين أن يتكرر منه الظهار وأن لا يتكرر. انتهى. وعن أمة وطئها؛ يعني أن السيد إذا وطئ أمته في نهار رمضان فإنه يكفر عنها ولو طاوعته، إلا أن تطلبه كما قاله الصقلى أو تتزين كما بحثه المصنف. أو زوجة أكرهها؛ يعني أن الزوج إذا وطئ زوجته في نهار رمضان مكرها لها على ذلك، فإنه يلزمه أن يكفر عنها ولو أمة، ولو كان الزوج عبدا وهي حرة، وإذا كان الزوج عبدا وأكره زوجته فإن الكفارة تكون جناية في رقبته، فإن شاء السيد أسلمه فيها وإن شاء فداه، وهل بقيمته كما يفيده كلام النوادر، أو قيمة الرقبة التي يكفر بها وهو الذي ارتضاه ابن محرز وهو الظاهر؟ قاله غير واحد؛ لأنه إنما يفديه بأرش جنايته، وليس لها أن تأخذها وتصوم؛ إذ لا ثمن للصوم، ولها أن تأخذه وتعتق غيره أو تطعم. كما قاله ابن سودة. وقوله: "أو زوجة أكرهها"؛ أي ولا بد من كون الزوجة عاقلة بالغة مسلمة، فإن كانت صغيرة أو كافرة أو غير عاقلة لم تجب الكفارة عليه عنها لأنه يكفر عنها نيابة؛ وهي إذا كانت بصفة من هذه الصفات لا كفارة عليها، فلا كفارة على مكرهها عنها، وكذا يقال في الأمة، أي لابد من كونها عاقلة بالغة مسلمة، ولو أكره رجلان امرأة على الوطء ووطآها فالكفارة على الأول منهما دون الثاني؛ لأنه لم يفسد صومها، ولا أوجب عليها ما لم يكن، ولو أكرهت الزوجة زوجها أو الأمة سيدها على الوطء، أو أكرهت الأجنبية أجنبيا على وطئها: فالظاهر أنه لا كفارة على المرأة في هذه المسائل الثلاث: لأن انتشار الرجل يخرجه عن الإكراه. كما قاله الشبراخيتي، وغيره. وقوله: "وعن أمة وطئها"، فإن أعتقها قبل أن يكفر عنها فالكفارة عنها لازمة له، وإنما قال المصنف: في الأمة وطئها وفي الزوجة أكرهها، لينبه على أن طوع الأمة كالإكراه كما مر، ولذلك لا تحد المستحقة، وإن كانت تعلم أن واطئها غير مالك، قال ابن يونس: إلا أن تطلبه هي بذلك فيلزم الأمة الكفارة، وتحد المستحقة إن لم تعذر بجهل، وقال ابن عاشر: وفي قوله: "وطئها" إشعار بأنه لو أكرهها على أن يطأها الغير لم تلزمه كفارة، وهو كذلك. قاله محمد بن الحسن.

стр. 2377

نيابة؛ يعني أن الزوج إنما يكفر عن زوجة أكرهها نيابة وكذا السيد، فإنما يكفر عن أمته نيابة، فيكفر كل منهما عنهما، وإن لم تأذنا له في ذلك أو منعتاه لتكليف الشرع له بذلك، ومعنى قوله: "نيابة"، أنه يكفر عنها بما يمكن أن ينوب عنها فيه، وقوله: "وعن أمة"، وقوله: "نيابة"، معطوفان على مقدر؛ أي وكفر عن نفسه أصالة وعن أمة أو زوجة نيابة، فعن أمة معطوف على عن نفسه، ونيابة معطوف على أصالة، وهذا من النوع المسمى عند البديعيين بالاكتفاء. فلا يصوم، هذا إيضاح لقوله: "نيابة"، بذكر محترزه؛ يعني أن السيد إذا وطئ أمته فإنه يكفر عنها بغير الصوم؛ لأن الصوم لا يقبل النيابة، وإنما يكفر عنها بالإطعام، وكذا الزوج إذا وطئ زوجته حرة أو أمة فإنه لا يكفر عنها بالصوم، لكونه لا يقبل النيابة، ويكفر عنها بالإطعام وبالعتق على ظاهر ما قاله الأمير، فإنه قال: وكفر بالإطعام فقط عن أمة إلا أن تطلب الجماع ولو بتزين، وبغير الصوم عن زوجة ولو أمة أكرهها، فإن أكره العبد زوجته فجناية، وليس لها حينئذ أن تصوم، وتأخذه لأنها إنما تكفر نيابة عنه فيها، وهو لا يكفر بالصوم. انتهى. قال الأمير والفرق بين السيد والزوج أن الولاء في مسألة الزوج لسيدها وفي مسألة السيد الولاء له، فكأنه لم يكفر عنها قال: وما قلناه استظهار. ولا يعتق عن أمة؛ يعني أن السيد لا يكفر عن أمته بالعتق لأنه لا ولاء للرقيق، وإذا كفر شخص عن آخر بإذنه له في التكفير عنه أجزأ، كما في إخراج شخص زكاة آخر عنه بإذنه، كذا يظهر، وإذا كفر عنه من عادته التصرف عنه في أموره بغير إذنه، فالظاهر أنه يجري فيه ما ذكره المصنف في الضحية، وقد تقدم أنه يجري مثله في الزكاة. واعلم أن الإكراه في باب العبادات يكون بخوف مؤلم كما في الطلاق، فالإكراه في العبادة كالإكراه في الطلاق، وعلم مما مر أن من أكره امرأة على أن يطأها جماعة بيوم واحد، فالكفارة عنها على الواطئ الأول، وأنه لو أكرهها رجلان على أن يطأها غيرهما كفر عنها ذلك الغير، ولو كان الواطئ في المسألتين مكرها نظرا لانتشاره. وقال الأمير: فإن أكره امرأة لشخص كفر عنها، إلا أن يطيع مجامعها فعليه كفارتها. انتهى. واعلم أن من أكره أجنبية على أن يجامعها وجامعها فإنه يكفر عنها نيابة، والمبعضة والمعتقة لأجل إن ارتكب السيد الحرمة ووطئهما، فكما إذا أكره أجنبية ووطئها.

стр. 2378

تنبيهان: الأول: اعلم أن الأمة إن لم تكن ذات شائبة فإنه يحل للسيد الاستمتاع بها بجميع أنواعه إن لم تكن ذات مانع، كتزوج ومحرمية وعدة وخنوثة، وكونها مشتركة: وأما ذات الشائبة فإن كانت مدبرة أوأم ولد فكما إذا لم تكن ذات شائبة، يحل للسيد الاستمتاع بها إلا لمانع، وأما إن كانت مبعضة أو معتقة لأجل أو مكاتبة فإنه لا يحل الاستمتاع بها. الثاني: يجوز انتزاع مال القن وكذا أم الولد والمدبرة إن لم يمرض السيد، وكذا المعتق لأجل إن لم يقرب الأجل، فإن مرض السيد في الأوليين أو قرب الأجل في المعتق لأجل لم يجز، وأما المبعض والمكاتب فلا يجوز انتزاع مالهما. وإن أعسر كفرت، راجع لقوله: "أو زوجة أكرهها"؛ يعني أن الزوج إذا وطئ زوجته في نهار رمضان مكرهة وهي صائمة، فإنه تلزمه الكفارة عنها إن كان موسرا، فإن كان معسرا فإن الزوجة تلزمها الكفارة عن نفسها بالأصالة بأحد الأنواع الثلاثة، وقيل: تندب لها، وقال الشبراخيتي: وهل وجوبا أو ندبا؟ قولان، واقتصر في الحاشية على الأول فقال: "كفرت"، أي وجوبا لأن الكفارة واجبة. انتهى. وقال محمد بن الحسن عند قوله "وإن أعسر كفرت": ظاهره أنها مطلوبة بذلك، واعترضه مصطفى بأن عبارة عبد الحق تدل على أنها غير مطلوبة بذلك، حيث قال: لأنها غير مضطرة إلى أن تكفر عن نفسها ولا مأخوذة بذلك، قال: إلا أن يقال ولا مأخوذة بذلك على الوجوب، فلا ينافي الاستحباب وهو بعيد. انتهى. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله "وإن أعسر"، إنما يرجع للزوج لا للسيد كما قرره بذلك غير واحد، وهو ظاهر لأن السيد لا يكون معسرا مع وجود الأمة في الغالب. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. والله سبحانه أعلم. ورجعت إن لم تصم؛ يعني أن الزوج إذا وطئ زوجته في نهار رمضان مكرهة، فإنه يكفر عنها إن أيسر، فإن أعسر فإنها تكفر عن نفسها بأحد الأمور الثلاثة، فإن لم تكفر بالصوم بأن كفرت بالإطعام أو بالعتق، فإنها ترجع على الزوج بالأقل من قيمة الرقبة ونفس وكيل الطعام؛ يعني أنها إذا كفرت بالعتق ولم تشتر الرقبة؛ فإنها ترجع بالأقل من قيمة الرقبة ونفس كيل الطعام، فإن اشترت الرقبة رجعت بالأقل من ثلاثة أشياء: قيمة الرقبة، والثمن الذي اشترتها به: ومكيلة الطعام، وإذا كفرت بالطعام ولم تشتره، فإنها ترجع بالأقل من قيمة الرقبة ومكيلة

стр. 2379

الطعام، فإن اشترت الطعام رجعت بالأقل من ثلاثة أشياء: قيمة الرقبة، ومكيلة الطعام، والثمن الذي اشترته به. كما قاله الخرشي، والأمير، وغيرهما. واعلم أن نفس الكيل لا ينسب لقيمة الرقبة، وإنما تنسب قيمته لقيمة الرقبة، فإن كانت قيمته أقل من قيمة الرقبة رجعت بنفس الكيل؛ أي بمثل الكيل الذي دفعت لأنه مثلي. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإن أعسر كفرت" الخ، لا مفهوم لقوله: "أعسر"، بل لو فعلت ذلك مع يسره كان الحكم كذلك. قاله الشبراخيتي، وغيره. وَمَفْهُومُ قوله: "إن لم تصم"، أنها لو كفرت بالصيام فقط، أو ضمت له إطعاما أو عتقا بغير إذنه لم ترجع على الزوج بشيء وهو كذلك، وكذا بإذن لها في أحدهما فصامت ثم فعلته نظرا لتقدم الصوم. قاله عبد الباقي. قال: ويحتمل -وهو الظاهر- رجوعها عليه بأقلهما، كما إذا فعلته ثم صامت. انتهى. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: والظاهر ما قاله أولا من عدم الرجوع لشمول المصنف لذلك. والله سبحانه أعلم. وفي تكفيره عنها إن أكرهها على القبلة حتى أنزلا تأويلان، مبتدأ وخبره قوله: "وفي تكفيره عنها"؛ يعني أن شراح المدونة اختلفوا فيما إذا قبل الرجل امرأته مكرهة حتى أنزلا؛ أي أنزلت هي وهو؛ بأن خرج منهما مني: هل يكفر عنه وعنها، أو لا يكفر إلا عن نفسه فقط؟ فلزوم تكفيره عنها له ذهب إليه ابن أبي زيد وحمديس، وعدم اللزوم له ذهب إليه القابسي وابن شبلون، قال عياض: وهو ظاهر المدونة. نقله محمد بن الحسن. وقال الحطاب عن التوضيح ما نصه: ورجح مذهب ابن أبي زيد لأن الانتهاك من الرجل خاصة. انتهى. وفي التوضيح: اختلف في الذي يقبل امرأته مكرهة حتى ينزلا، فقال ابن القابسي: يكفر عن نفسه فقط وعليها القضاء، وقال الشيخ أبو محمد وحمديس: يكفر عنها وكل أول المدونة على ما ذهب إليه. نقله الحطاب. وقوله: "أنزلا": يعني أو أنزلت هي، فالمدار على إنزالها، وعلى ما لابن أبي زيد يأتي فيه نحو ما تقدم من قوله: "وإن أعسر كفرت"، وأما على الثاني فلا كفارة، وعبارة المصنف تقتضي أنها إذا أنزلت ولم ينزل لا يكفر عنها، وليس كذلك، فلهذا قلت: يعني أو أنزلت. والله سبحانه أعلم.

стр. 2380

وفي تكفير مكره رجل ليجامع قولان، مبتدأ، وخبره المجرور المتقدم، قرره غير واحد على أن قوله: "مكره" بفتح الراء -قاله الشبراخيتي- من إضافة الصفة للموصوف؛ أي أنه إذا أكره رجل على الجماع في نهار رمضان وهو صائم، فإنه اختلف في لزوم الكفارة له؛ أي للرجل المكره بالفتح على قولين، فقيل: يلزمه أن يكفر عن نفسه نظرا لانتشاره وهو قول عبد الملك وهو ضعيف، وقيل: تسقط عنه الكفارة وهو المعتمد، قال عياض: وأكثر أقوال أصحابنا أنه لا كفارة عليه، وكذا الباجي فإنه قال: ذهب أكثر أصحابنا إلى أنه لا كفارة عليه وهو الصحيح، وقول عبد الملك ضعيف، وهذا التقرير فيه تعسف جدا، والأولى أن يقرأ: "مكره" بكسر الراء من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، والمعنى عليه أن من أكره رجلا على الجماع اختلف، هل يكفر المكره بالكسر عن الرجل المكره بالفتح أو لا يكفر عنه؟ فقد نقل ابن الحاجب في وجوب الكفارة على المكره بالكسر قولين واستقرب ابن عبد السلام والمصنف السقوط لأنه متسبب، والمكره بالفتح مباشر، وقد قال ابن عرفة: نقل ابن الحاجب وجوب الكفارة على مكره رجل على وطء لا أعرفه إلا من قول اللخمي، ومن قول ابن حبيب. انتهى. فغاية الأمر أن المعتمد السقوط، وهذا أيضا لازم على التقرير الأول، وأما من أكره امرأة على الجماع، فإن أكرهها لنفسه كفر عنها، وإن أكرهها لغيره كفر عنها ذلك الغير، ولو كان ذلك الغير مكرها نظرا لانتشاره، ومن أكره غيره على الشرب عليه -أي المكرِه بالكسر- الكفارة عن المكرَه بالفتح؛ وهو قول مالك وابن حبيب؛ وهو ظاهر المدونة عند بعض الشيوخ، ومثل الشرب الأكل فيما يظهر، وذكر في التوضيح أن مذهب المدونة سقوطها عمن أكره شخصا وصب في حلقه ماء، ولا كفارة على المكرَه بفتح الراء على أكل أو شرب، ولا على امرأة مكرهة على الجماع، وقال في التنبيهات: واختلف في الرجل المكره على الوطء، فقيل: عليه الكفارة؛ وهو قول عبد الملك: وأكثر أقوال أصحابنا أنه لا كفارة عليه، ولا خلاف أن عليه القضاء، والخلاف في حده والأكثر على إيجاب الحد. انتهى. نقله الحطاب. مسألة: قال عبد الحق عن أبي عمران فيمن غر رجلا وقال له لم يطلع الفجر وجعل يأكل: أنه لا كفارة على الغار؛ لأنه غرور بالقول، قال: ولو أطعمه بيده لقمة وجعل الطعام في فيه، فهاهنا يكفر عنه لأنه غرور بالفعل، ولا كفارة على

стр. 2381

الآكل لأنه غير منتهك إذا لم يعلم أنه كذب وغره. انتهى. نقله الحطاب عن المسائل الملقوطة. وعطف كما في حاشية الشيخ بناني على إن تعمد، قوله: لا إن أفطر ناسيا، هذا مفهوم قوله بلا تأويل قريب؛ يعني أن من أفطر في نهار رمضان ساهيا بأكل أو شرب أو جماع مثلا، فظن لفساد صومه الإباحة فتأول جواز الفطر ثانيا عمدا فأفطر لذلك، فإنه لا كفارة عليه وهذا هو المشهور، وقيل تجب عليه الكفارة، وثالثها إن أفطر بجماع كفر وبغيره لا كفارة. قاله الحطاب. وقوله: "لا إن أفطر ناسيا"، هو وما بعده إلى قوله: "فظنوا الإباحة"، من التأويل القريب، قال في التوضيح تبعا لابن عبد السلام: القريب ما كان مستندا لسبب أي أمر موجود، والبعيد ما استند إلى سبب غير موجود، وهذا التعريف يقتضي أن تأويل المحتجم والحاجم قريب، وهو المذهب خلاف ما يأتي للمصنف. أو لم يغتسل إلا بعد الفجر؛ يعني أن من وجب عليه الغسل من حائض أو نفساء أو جنب فلم يغتسل إلا بعد الفجر، فظن أن ذلك يفسد صومه ويبيح له الإفطار فأفطر بعد ذلك متعمدا، فعليه القضاء ولا كفارة عليه، ولم يحك المصنف في التوضيح، ولا ابن عبد السلام ولا ابن عرفة في هذا خلافا، لكن قال ابن عبد السلام: العذر في هذه أضعف من التي قبلها، ولهذا يمكن إجراء الخلاف فيها. قاله الحطاب. واعلم أن مذهب الفضل بن عباس وأبي هريرة أن من أصبح جنبا يفسد صومه لذلك، أو تسحر قربه؛ أي قرب الفجر؛ يعني أن من تسحر قرب الفجر فظن أن ذلك يفسد صومه ويبيح له الإفطار فأفطر بعد ذلك متعمدا فعليه القضاء ولا كفارة عليه، والعذر هنا أضعف من المسألتين قبله؛ إذ لم يقل أحد: إن من تسحر قرب الفجر يبطل صومه، قال الشارح في الكبير: ولا يبعد إجراء الخلاف فيها قاله الحطاب. وقال عبد الباقي بعد شرحه لكلام المصنف: والذي في سماع أبي زيد تسحر في الفجر. قاله التتائي. أي فالتسحر قربه من التأويل البعيد، وهو المعتمد كما في الحطاب، فلم يستند لأمر موجود أي يعذر به شرعا وإن كان موجودا حقيقة. انتهى. قوله: وهو المعتمد، كما في الحطاب، فيه نظر إذ لم يقل الحطاب إلا أن العذر هنا أضعف من اللتين قبله. قاله محمد بن الحسن. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وصدق في أن الحطاب لم يقل إلا ذلك، وعبارة الخرشي: وأما التسحر قربه فمن التأويل البعيد. انتهى. ويؤيد

стр. 2382

هذا قول الحطاب: والعذر في هذا أضعف منه في المسألتين قبله؛ إذ لم يقل أحد إن من تسحر قرب الفجر يبطل صومه. أو قدم ليلا؛ يعني أن المسافر إذا قدم ليلا فظن أن الصوم لا يلزمه صبيحة تلك الليلة التي قدم فيها، فأصبح مفطرا لظنه الإباحة فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وعذره أضعف من المسألتين الأوليين؛ إذ لم يذهب أحد إلى ما توهمه. قاله ابن عبد السلام. وهو قريب من الثالثة، ولم أر فيه خلافا لكن لا يبعد إجراء الخلاف فيه. والله أعلم. قاله الحطاب. وكلام ابن عبد السلام دال على الجزم بعدم الخلاف فيه، ولا يصلح قول الحطاب، لكن لا يبعد إجراء الخلاف فيه قاله الخرشي. أو سافر دون القصر. يعني أن الشخص إذا سافر دون مسافة القصر، فظن أن ذلك يبيح له الفطر، فبيت الفطر وأصبح مفطرا، فإنه لا كفارة عليه، وعليه القضاء: وعذره هنا أقوى من المسائل التي قبله؛ إذ قد ذهب بعضهم إلى أن ذلك يبيح له الإفطار. قاله الحطاب. وهنا أربع مسائل يحتاج إلى الكلام فيها، إحداها هذه: أعني قوله: "أو سافر دون القصر"، وهي أن يسافر مسافة دون مسافة القصر ويبيت الفطر إن تأول فلا كفارة وإلا كفر. ثانيتها: أن يسافر مسافة دون مسافة القصر، وهو صائم ثم يفطر في أثناء النهار، وهذه قال الحطاب فيها ما نصه: وأما من أصبح في الحضر صائما وسافر دون القصر فأفطر، فالظاهر أنه يجري فيها الخلاف فيمن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فأفطر لذلك، وسيأتي الخلاف فيه بل هذا أحرى لوجوب الكفارة فيه. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: أي فلا يكفر تأول أم لا على القول الذي مشى عليه المصنف، وظاهر ما يأتي للمصنف، أعني قوله: ولا كفارة إلا أن ينويه بسفر أنه لا كفارة في هذه، واعتراض عبد الباقي هنا على الحطاب ساقط. والله سبحانه أعلم. ثالثتها: أن تبلغ المسافة القصر لكن لا يقصر فيها لمعصية مثلا، قال الشبراخيتي ما معناه: ولا يستفاد من المصنف الحكم فيمن أفطر في سفر فيه مسافة القصر، ولكن لا يقصر فيه لمعصية مثلا، هل حكمه كذلك أم لا؟ والظاهر الأول، بل هو أولى ممن سافر دون مسافة القصر. انتهى. قوله:

стр. 2383

كذلك؛ أي كمسألة المصنف، وهي ما إذا سافر دون مسافة القصر. والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: والظاهر أن من أفطر بسفر قصر عاص به حكمه كمسافر دونه، بل أولى منه. انتهى. رابعتها: أن يصبح في الحضر صائما ثم يسافر في يومه ذلك، فيفطر في أثناء ذلك اليوم، ويأتي للمصنف أنه لا كفارة فيها؛ وهي التي قاس عليها الحطاب من أصبح في الحضر صائما ثم سافر دون مسافة القصر وأفطر في يومه ذلك، وبالله تعالى التوفيق، وسيأتي الكلام على فطر المسافر بأتم من هذا عند قول المصنف: "وفطر بسفر قصر شرع فيه قبل الفجر" لخ. أو رأى شوالا نهارا؛ يعني أن من رأى شوالا نهارا يوم ثلاثين في رمضان، فظن أن ذلك يبيح له الإفطار، فأفطر فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وظاهره سواء كانت رؤيته قبل الزوال أو بعده؛ وهو ظاهر الرواية، فقد حكاها في التوضيح فيمن رأى هلال شوال نصف النهار، وكذلك ابن عرفة، ولا شك أنها قبل الزوال أعذر لوجود الخلاف في إباحة الإفطار. وبما قررت علم أن الضمير في قوله: فظنوا الإباحة، عائد على الأشخاص الستة أصحاب المسائل الست، وهم: المفطر ناسيا، والذي لم يغتسل إلا بعد الفجر، والقادم من السفر ليلا، والمتسحر قرب الفجر، والمسافر دون مسافة القصر، والرائي لهلال شوال نهارا. أي أن محل عدم لزوم الكفارة إنما هو فيمن أفطر منهم ظانا إباحة الفطر، وأما من علم منهم الحرمة أو ظنها أو شك فيها فإنه يكفر ويكون آثما، قال الإمام الحطاب عند قوله: "فظنوا الإباحة" ما نصه: راجع إلى المسائل الستة واحترز به ممن علم أنه لا يجوز له الإفطار بذلك فأفطر متعمدا فلا خلاف في وجوب الكفارة عليه. انتهى. وقال الحطاب أيضا: يفهم من قول المصنف: "فظنوا الإباحة"، أنهم لو شكوا في الإباحة لزمتهم الكفارة وأحوى إن لم يكن عندهم إلا توهم الإباحة، وهذا ظاهر لأنهم مع ظن الإباحة يسقط عنهم الإثم كما سيأتي من كلام ابن رشد، وأما مع عدم ظن الإباحة فلا يجوز لهم الإقدام على الفطر، وأنهم آثمون في إقدامهم على الإفطار مع الشك أو الوهم، فإن أفطروا فعليهم الكفارة. والله أعلم. انتهى.

стр. 2384

وقال الحطاب أيضا: كل من ذكرنا أنه لا كفارة عليه لظنه الإباحة فالظاهر أنه لا إثم عليه لأنه لم يقصد ارتكاب محرم، وقد قال ابن رشد في آخر سماع عيسى من كتاب الصوم في مسألة من أصبح صائما ثم عزم على السفر فأفطر قبل خروجه، ومسألة من أفطر بعد خروجه متأولا: أظهر الأقوال أن لا كفارة عليه إنما هي تكفير، ومن تأول فلم يذنب وإنما أخطأ، والله تعالى قد تجاوز لأمة نبيه ﷺ عن الخطإ والنسيان، ووجه قول من يوجب الكفارة في ذلك هو أنه لم يعذره بالجهل إذا كان ذلك عنده من الأمور التي لا يسع جهلها، فإذا لم يعلم فكان يلزمه أن يتوقف حتى يسأل، فإذا لم يفعل فإقدامه قبل أن يسأل يوجب عليه الكفارة، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. انتهى. ويزاد على الست: من أكل يوم الشك بعد ثبوت الصوم ظانا الإباحة، كما قدم المصنف بقوله: "وإن ثبت نهارا أمسك وإلا كفر إن انتهك"، وسيأتي أن من بيت الصوم في الحضر ثم سافر بالفعل بعد الفجر وأفطر فلا كفارة عليه، تأول أم لا، حصل منه قبل ذلك عزم على السفر أم لا، وأما من أفطر لإكراه فإنه يلزمه الإمساك كما مر، فإن أفطر بعد زوال العذر أي الإكراه متعمدا فالظاهر أنه تلزمه الكفارة إن انتهك: وإن لم ينتهك بأن تأول أي ظن الإباحة فإنه لا كفارة عليه، هذا هو الظاهر. كما قاله محمد بن الحسن. وقوله: "فظنوا الإباحة"، كان ينبغي له أن يقول: وظنوا الإباحة بواو الحال، بخلاف بعيد التأويل، قد مر عن المصنف أن صاحب التأويل البعيد هو المستند إلى سبب غير موجود: لكنه لا يطرد في جميع المسائل التي ذكرها، وقد ذكر المصنف له هنا خمسة أمثلة، ومعنى كلام المصنف أن صاحب التأويل البعيد يخالف صاحب التأويل القريب في سقوط الكفارة، فإن صاحب التأويل القريب تسقط عنه الكفارة كما علمت، وصاحب التأويل البعيد تلزمه الكفارة ولا ينفعه تأويله، وقوله: "بعيد التأويل"، من إضافة الصفة للموصوف. قاله الشبراخيتي. كراء ولم يفعل مثال لبعيد التأويل؛ يعني أن من رأى هلال رمضان، فشهد بذلك ولم تقبل شهادته، فظن لرد شهادته أنه لا يلزمه الصوم صبيحة تلك الليلة، فأصبح مفطرا، فإنه لا ينفعه تأويله، وتلزمه الكفارة لبعد تأويله، وقوله: "كراء ولم يقبل"، قد تقدم أن في وجوب الكفارة عليه

стр. 2385

وعدمه تأويلين، وهما قولان لابن القاسم وأشهب، فابن القاسم يقول بالوجوب، قال في التوضيح: وهو المشهور، وأشهب يقول بالسقوط وهو الظاهر، وهما خلاف في حال هل تأويله قريب أو بعيد، وجعل ابن الحاجب وغيره قول أشهب خلافا، وإليه ذهب ابن يونس، ونقل أبو الحسن عن الشيوخ أنهم جعلوه تقييدا، وذكر المصنف فيما تقدم التأويلين، وجزم هنا بوجوب الكفارة وأنه من التأويل البعيد، فكأنه ترجح عنده. والله أعلم. قاله الحطاب. وقوله: "كراء ولم يقبل"، هذا قد استند لسبب موجود، ولذا قال الشيخ عبد الباقي في تعريف "بعيد التأويل": إنه المستند لسبب معدوم غالبا. أو لحمي ثم حم؛ يعني أن من كانت تعتاده الحمى في يوم، كما إذا كانت تأتيه في يوم بعد يوم أو يومين، فأصبح مفطرا أو أفطر قبل أن تأتيه الحمى وهو قادر على الصوم إذا لم تأته الحمى، ثم جاءته الحمى في بقية يومه فعليه الكفارة على المشهور؛ لأن ذلك تأويل بعيد لاستناده لسبب لم يوجد عند فطره، ومقابل المشهور قول ابن عبد الحكم: لا كفارة عليه لأن ذلك عنده من التأويل القريب، وقوله: "أو لحمى ثم حم"، المعطوف محذوف تقديره: مفطر أو مبيت للفطر لأجل حمى، أو الحيض ثم حصل؛ يعني أن المرأة إذا كانت عادتها أن يأتيها الحيض في يوم من الشهر، فأصبحت في ذلك اليوم مفطرة، أو أفطرت فيه لأجل اعتياد الحيض لها فيه ثم جاءها الحيض في أثناء ذلك النهار، فإنه يلزمها القضاء والكفارة كالمسألة التي قبلها، وقال ابن عبد الحكم: لا كفارة عليها، ورآه من التأويل القريب، وقال الشيخ الأمير ممثلا للتأويل البعيد: كاعتياد حمى أو حيض وإن حصلا بعد فطره، وأما إن تبين أن الحيض كان حصل قبل فطرها فلا كفارة، كمن أفطر آخر يوم من رمضان فتبين أنه عيد لا شيء عليه. اهـ. أو حجامة؛ يعني أن من أفطر ظانا الإباحة لأجل حجامة فعلها بغيره أو فعلت به، تلزمه الكفارة عند ابن حبيب، وقال ابن القاسم: لا كفارة على حاجم أو محتجم وهو المعتمد، فكان حقه أن يفتى به فهو من التأويل القريب، وجزم البساطي بأن معنى قول المصنف: "أو حجامة"، يعني به الحاجم، فإنه قال: قوله "أو حجامة"؛ يعني من حجم غيره، وأما من احتجم فعليه القضاء فقط عند ابن القاسم. انتهى. وقال الشارح: مراد المصنف أن من احتجم في
следующие страницы →