← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الآكل لأنه غير منتهك إذا لم يعلم أنه كذب وغره. انتهى. نقله الحطاب عن المسائل الملقوطة. وعطف كما في حاشية الشيخ بناني على إن تعمد، قوله: لا إن أفطر ناسيا، هذا مفهوم قوله بلا تأويل قريب؛ يعني أن من أفطر في نهار رمضان ساهيا بأكل أو شرب أو جماع مثلا، فظن لفساد صومه الإباحة فتأول جواز الفطر ثانيا عمدا فأفطر لذلك، فإنه لا كفارة عليه وهذا هو المشهور، وقيل تجب عليه الكفارة، وثالثها إن أفطر بجماع كفر وبغيره لا كفارة. قاله الحطاب. وقوله: "لا إن أفطر ناسيا"، هو وما بعده إلى قوله: "فظنوا الإباحة"، من التأويل القريب، قال في التوضيح تبعا لابن عبد السلام: القريب ما كان مستندا لسبب أي أمر موجود، والبعيد ما استند إلى سبب غير موجود، وهذا التعريف يقتضي أن تأويل المحتجم والحاجم قريب، وهو المذهب خلاف ما يأتي للمصنف. أو لم يغتسل إلا بعد الفجر؛ يعني أن من وجب عليه الغسل من حائض أو نفساء أو جنب فلم يغتسل إلا بعد الفجر، فظن أن ذلك يفسد صومه ويبيح له الإفطار فأفطر بعد ذلك متعمدا، فعليه القضاء ولا كفارة عليه، ولم يحك المصنف في التوضيح، ولا ابن عبد السلام ولا ابن عرفة في هذا خلافا، لكن قال ابن عبد السلام: العذر في هذه أضعف من التي قبلها، ولهذا يمكن إجراء الخلاف فيها. قاله الحطاب. واعلم أن مذهب الفضل بن عباس وأبي هريرة أن من أصبح جنبا يفسد صومه لذلك، أو تسحر قربه؛ أي قرب الفجر؛ يعني أن من تسحر قرب الفجر فظن أن ذلك يفسد صومه ويبيح له الإفطار فأفطر بعد ذلك متعمدا فعليه القضاء ولا كفارة عليه، والعذر هنا أضعف من المسألتين قبله؛ إذ لم يقل أحد: إن من تسحر قرب الفجر يبطل صومه، قال الشارح في الكبير: ولا يبعد إجراء الخلاف فيها قاله الحطاب. وقال عبد الباقي بعد شرحه لكلام المصنف: والذي في سماع أبي زيد تسحر في الفجر. قاله التتائي. أي فالتسحر قربه من التأويل البعيد، وهو المعتمد كما في الحطاب، فلم يستند لأمر موجود أي يعذر به شرعا وإن كان موجودا حقيقة. انتهى. قوله: وهو المعتمد، كما في الحطاب، فيه نظر إذ لم يقل الحطاب إلا أن العذر هنا أضعف من اللتين قبله. قاله محمد بن الحسن. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وصدق في أن الحطاب لم يقل إلا ذلك، وعبارة الخرشي: وأما التسحر قربه فمن التأويل البعيد. انتهى. ويؤيد

стр. 2382

هذا قول الحطاب: والعذر في هذا أضعف منه في المسألتين قبله؛ إذ لم يقل أحد إن من تسحر قرب الفجر يبطل صومه. أو قدم ليلا؛ يعني أن المسافر إذا قدم ليلا فظن أن الصوم لا يلزمه صبيحة تلك الليلة التي قدم فيها، فأصبح مفطرا لظنه الإباحة فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وعذره أضعف من المسألتين الأوليين؛ إذ لم يذهب أحد إلى ما توهمه. قاله ابن عبد السلام. وهو قريب من الثالثة، ولم أر فيه خلافا لكن لا يبعد إجراء الخلاف فيه. والله أعلم. قاله الحطاب. وكلام ابن عبد السلام دال على الجزم بعدم الخلاف فيه، ولا يصلح قول الحطاب، لكن لا يبعد إجراء الخلاف فيه قاله الخرشي. أو سافر دون القصر. يعني أن الشخص إذا سافر دون مسافة القصر، فظن أن ذلك يبيح له الفطر، فبيت الفطر وأصبح مفطرا، فإنه لا كفارة عليه، وعليه القضاء: وعذره هنا أقوى من المسائل التي قبله؛ إذ قد ذهب بعضهم إلى أن ذلك يبيح له الإفطار. قاله الحطاب. وهنا أربع مسائل يحتاج إلى الكلام فيها، إحداها هذه: أعني قوله: "أو سافر دون القصر"، وهي أن يسافر مسافة دون مسافة القصر ويبيت الفطر إن تأول فلا كفارة وإلا كفر. ثانيتها: أن يسافر مسافة دون مسافة القصر، وهو صائم ثم يفطر في أثناء النهار، وهذه قال الحطاب فيها ما نصه: وأما من أصبح في الحضر صائما وسافر دون القصر فأفطر، فالظاهر أنه يجري فيها الخلاف فيمن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فأفطر لذلك، وسيأتي الخلاف فيه بل هذا أحرى لوجوب الكفارة فيه. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: أي فلا يكفر تأول أم لا على القول الذي مشى عليه المصنف، وظاهر ما يأتي للمصنف، أعني قوله: ولا كفارة إلا أن ينويه بسفر أنه لا كفارة في هذه، واعتراض عبد الباقي هنا على الحطاب ساقط. والله سبحانه أعلم. ثالثتها: أن تبلغ المسافة القصر لكن لا يقصر فيها لمعصية مثلا، قال الشبراخيتي ما معناه: ولا يستفاد من المصنف الحكم فيمن أفطر في سفر فيه مسافة القصر، ولكن لا يقصر فيه لمعصية مثلا، هل حكمه كذلك أم لا؟ والظاهر الأول، بل هو أولى ممن سافر دون مسافة القصر. انتهى. قوله:

стр. 2383

كذلك؛ أي كمسألة المصنف، وهي ما إذا سافر دون مسافة القصر. والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: والظاهر أن من أفطر بسفر قصر عاص به حكمه كمسافر دونه، بل أولى منه. انتهى. رابعتها: أن يصبح في الحضر صائما ثم يسافر في يومه ذلك، فيفطر في أثناء ذلك اليوم، ويأتي للمصنف أنه لا كفارة فيها؛ وهي التي قاس عليها الحطاب من أصبح في الحضر صائما ثم سافر دون مسافة القصر وأفطر في يومه ذلك، وبالله تعالى التوفيق، وسيأتي الكلام على فطر المسافر بأتم من هذا عند قول المصنف: "وفطر بسفر قصر شرع فيه قبل الفجر" لخ. أو رأى شوالا نهارا؛ يعني أن من رأى شوالا نهارا يوم ثلاثين في رمضان، فظن أن ذلك يبيح له الإفطار، فأفطر فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وظاهره سواء كانت رؤيته قبل الزوال أو بعده؛ وهو ظاهر الرواية، فقد حكاها في التوضيح فيمن رأى هلال شوال نصف النهار، وكذلك ابن عرفة، ولا شك أنها قبل الزوال أعذر لوجود الخلاف في إباحة الإفطار. وبما قررت علم أن الضمير في قوله: فظنوا الإباحة، عائد على الأشخاص الستة أصحاب المسائل الست، وهم: المفطر ناسيا، والذي لم يغتسل إلا بعد الفجر، والقادم من السفر ليلا، والمتسحر قرب الفجر، والمسافر دون مسافة القصر، والرائي لهلال شوال نهارا. أي أن محل عدم لزوم الكفارة إنما هو فيمن أفطر منهم ظانا إباحة الفطر، وأما من علم منهم الحرمة أو ظنها أو شك فيها فإنه يكفر ويكون آثما، قال الإمام الحطاب عند قوله: "فظنوا الإباحة" ما نصه: راجع إلى المسائل الستة واحترز به ممن علم أنه لا يجوز له الإفطار بذلك فأفطر متعمدا فلا خلاف في وجوب الكفارة عليه. انتهى. وقال الحطاب أيضا: يفهم من قول المصنف: "فظنوا الإباحة"، أنهم لو شكوا في الإباحة لزمتهم الكفارة وأحوى إن لم يكن عندهم إلا توهم الإباحة، وهذا ظاهر لأنهم مع ظن الإباحة يسقط عنهم الإثم كما سيأتي من كلام ابن رشد، وأما مع عدم ظن الإباحة فلا يجوز لهم الإقدام على الفطر، وأنهم آثمون في إقدامهم على الإفطار مع الشك أو الوهم، فإن أفطروا فعليهم الكفارة. والله أعلم. انتهى.

стр. 2384

وقال الحطاب أيضا: كل من ذكرنا أنه لا كفارة عليه لظنه الإباحة فالظاهر أنه لا إثم عليه لأنه لم يقصد ارتكاب محرم، وقد قال ابن رشد في آخر سماع عيسى من كتاب الصوم في مسألة من أصبح صائما ثم عزم على السفر فأفطر قبل خروجه، ومسألة من أفطر بعد خروجه متأولا: أظهر الأقوال أن لا كفارة عليه إنما هي تكفير، ومن تأول فلم يذنب وإنما أخطأ، والله تعالى قد تجاوز لأمة نبيه ﷺ عن الخطإ والنسيان، ووجه قول من يوجب الكفارة في ذلك هو أنه لم يعذره بالجهل إذا كان ذلك عنده من الأمور التي لا يسع جهلها، فإذا لم يعلم فكان يلزمه أن يتوقف حتى يسأل، فإذا لم يفعل فإقدامه قبل أن يسأل يوجب عليه الكفارة، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. انتهى. ويزاد على الست: من أكل يوم الشك بعد ثبوت الصوم ظانا الإباحة، كما قدم المصنف بقوله: "وإن ثبت نهارا أمسك وإلا كفر إن انتهك"، وسيأتي أن من بيت الصوم في الحضر ثم سافر بالفعل بعد الفجر وأفطر فلا كفارة عليه، تأول أم لا، حصل منه قبل ذلك عزم على السفر أم لا، وأما من أفطر لإكراه فإنه يلزمه الإمساك كما مر، فإن أفطر بعد زوال العذر أي الإكراه متعمدا فالظاهر أنه تلزمه الكفارة إن انتهك: وإن لم ينتهك بأن تأول أي ظن الإباحة فإنه لا كفارة عليه، هذا هو الظاهر. كما قاله محمد بن الحسن. وقوله: "فظنوا الإباحة"، كان ينبغي له أن يقول: وظنوا الإباحة بواو الحال، بخلاف بعيد التأويل، قد مر عن المصنف أن صاحب التأويل البعيد هو المستند إلى سبب غير موجود: لكنه لا يطرد في جميع المسائل التي ذكرها، وقد ذكر المصنف له هنا خمسة أمثلة، ومعنى كلام المصنف أن صاحب التأويل البعيد يخالف صاحب التأويل القريب في سقوط الكفارة، فإن صاحب التأويل القريب تسقط عنه الكفارة كما علمت، وصاحب التأويل البعيد تلزمه الكفارة ولا ينفعه تأويله، وقوله: "بعيد التأويل"، من إضافة الصفة للموصوف. قاله الشبراخيتي. كراء ولم يفعل مثال لبعيد التأويل؛ يعني أن من رأى هلال رمضان، فشهد بذلك ولم تقبل شهادته، فظن لرد شهادته أنه لا يلزمه الصوم صبيحة تلك الليلة، فأصبح مفطرا، فإنه لا ينفعه تأويله، وتلزمه الكفارة لبعد تأويله، وقوله: "كراء ولم يقبل"، قد تقدم أن في وجوب الكفارة عليه

стр. 2385

وعدمه تأويلين، وهما قولان لابن القاسم وأشهب، فابن القاسم يقول بالوجوب، قال في التوضيح: وهو المشهور، وأشهب يقول بالسقوط وهو الظاهر، وهما خلاف في حال هل تأويله قريب أو بعيد، وجعل ابن الحاجب وغيره قول أشهب خلافا، وإليه ذهب ابن يونس، ونقل أبو الحسن عن الشيوخ أنهم جعلوه تقييدا، وذكر المصنف فيما تقدم التأويلين، وجزم هنا بوجوب الكفارة وأنه من التأويل البعيد، فكأنه ترجح عنده. والله أعلم. قاله الحطاب. وقوله: "كراء ولم يقبل"، هذا قد استند لسبب موجود، ولذا قال الشيخ عبد الباقي في تعريف "بعيد التأويل": إنه المستند لسبب معدوم غالبا. أو لحمي ثم حم؛ يعني أن من كانت تعتاده الحمى في يوم، كما إذا كانت تأتيه في يوم بعد يوم أو يومين، فأصبح مفطرا أو أفطر قبل أن تأتيه الحمى وهو قادر على الصوم إذا لم تأته الحمى، ثم جاءته الحمى في بقية يومه فعليه الكفارة على المشهور؛ لأن ذلك تأويل بعيد لاستناده لسبب لم يوجد عند فطره، ومقابل المشهور قول ابن عبد الحكم: لا كفارة عليه لأن ذلك عنده من التأويل القريب، وقوله: "أو لحمى ثم حم"، المعطوف محذوف تقديره: مفطر أو مبيت للفطر لأجل حمى، أو الحيض ثم حصل؛ يعني أن المرأة إذا كانت عادتها أن يأتيها الحيض في يوم من الشهر، فأصبحت في ذلك اليوم مفطرة، أو أفطرت فيه لأجل اعتياد الحيض لها فيه ثم جاءها الحيض في أثناء ذلك النهار، فإنه يلزمها القضاء والكفارة كالمسألة التي قبلها، وقال ابن عبد الحكم: لا كفارة عليها، ورآه من التأويل القريب، وقال الشيخ الأمير ممثلا للتأويل البعيد: كاعتياد حمى أو حيض وإن حصلا بعد فطره، وأما إن تبين أن الحيض كان حصل قبل فطرها فلا كفارة، كمن أفطر آخر يوم من رمضان فتبين أنه عيد لا شيء عليه. اهـ. أو حجامة؛ يعني أن من أفطر ظانا الإباحة لأجل حجامة فعلها بغيره أو فعلت به، تلزمه الكفارة عند ابن حبيب، وقال ابن القاسم: لا كفارة على حاجم أو محتجم وهو المعتمد، فكان حقه أن يفتى به فهو من التأويل القريب، وجزم البساطي بأن معنى قول المصنف: "أو حجامة"، يعني به الحاجم، فإنه قال: قوله "أو حجامة"؛ يعني من حجم غيره، وأما من احتجم فعليه القضاء فقط عند ابن القاسم. انتهى. وقال الشارح: مراد المصنف أن من احتجم في

стр. 2386

نهار رمضان، فظن أن صومه قد بطل فأفطر، فعليه الكفارة مع القضاء، ثم اعترض عليه بأن ذلك قول ابن حبيب، وهو خلاف قول ابن القاسم، زاد في الكبير: فذكر عن النوادر ما نصه: قال ابن حبيب: كل متأول في الفطر فلا يكفر إلا في التأويل البعيد، مثل أن يغتاب أو يحتجم، فتأول أنه أفطر لذلك، ثم قال: ومن العتبية، قال عيسى عن ابن القاسم فيمن احتجم في رمضان فتأول أن له الفطر فليس عليه إلا القضاء، وقال أصبغ: هذا تأويل بعيد. انتهى كلام النوادر. ثم قال الشارح: فانظر كيف جعل مسألة الحجامة من التأويل البعيد؟ وهو خلاف قول ابن القاسم، اللهم إلا أن تحمل مسألة ابن حبيب على فاعل الحجامة كما هو ظاهر لفظه، ومسألة ابن القاسم على المحتجم. انتهى. نقله الحطاب. وقال: ما ذكره عن النوادر هو كذلك، والاحتمال الذي أراد الجمع به بعيد؛ لأنه لا يظهر فرق بين تأويل الحاجم والمحتجم؛ لأن مستند كل منهما في الإفطار قوله ﷺ : (أفطر الحاجم والمحتجم (١)). رواه البخاري وأصحاب السنن. وقد نقل ابن يونس واللخمي وأبو الحسن الصغير كلام ابن حبيب بلفظ يحتجم، وجعلوه خلاف قول ابن القاسم، ولما ذكر ابن رشد كلام ابن القاسم المتقدم، قال في شرحه: وأوجب عليه ابن حبيب في الواضحة الكفارة، ولفظ ابن حبيب في مختصر الواضحة لفضل ابن مسلمة صالح لأن يحمل على كل منهما أو عليهما جميعا، فإنه قال: وكذلك الذي يتأول الإفطار مع الحجامة فيفطر فعليه الكفارة. انتهى. فتحصل من هذا أن مسألة المحتجم فيها قولان لابن القاسم وابن حبيب كما حكاه أهل المذهب، وأما مسألة الحاجم فليس فيها إلا ما يفهم من كلام صاحب النوادر الذي نقله عن ابن حبيب، ويظهر كونها مساوية لمسألة المحتجم، أو أحرى بوجوب الكفارة، وأما ما نقلوه عن ابن القاسم فليس فيه تعرض لنفي الكفارة فيها، إلا أن الذي يظهر أنه لا فرق بينهما، وأن ابن القاسم يقول بسقوط الكفارة فيها أيضا، وأن قوله أظهر من قول ابن حبيب؛ لأنه تقدم أن ابن عبد السلام

стр. 2387

والمصنف، قالا: إن التأويل القريب ما كان مستندا لسبب موجود، والتأويل البعيد ما كان مستندا لسبب غير موجود، كمسألتي الحمى والحيض. انظر الحطاب. ومن التأويل البعيد: من بيت الصيام في السفر ثم أفطر متأولا، فإن عليه الكفارة على مذهب المدونة الذي مشى عليه المصنف، وسواء أفطر في السفر أو أفطر بعد دخوله إلى الحضر. قاله الحطاب. تنبيه: أجاب العلماء عن الحديث الشريف -أعني قوله ﷺ : (أفطر الحاجم والمحتجم (١))، بأجوبة منها أنه منسوخ وهو الذي جزم به الشافعي، ومنها: أن معناه تعرضا للإفطار، أما المحتجم فبالضعف، وأما الحاجم فلا يأمن أن يصل إلى جوفه شيء بالمص، ومنها: أن معناه نقصان الأجر. والله سبحانه أعلم. انظر الحطاب. أو غيبة. يعني أن الصائم في نهار رمضان إذا اغتاب فظن إباحة الفطر، وأن صومه قد بطل فأفطر لذلك، فإنه يلزمه القضاء والكفارة، وقد مر الخلاف بين ابن القاسم وابن حبيب في الحجامة، قال الحطاب بعد ذكره للخلاف المذكور: ومثله يقال أيضا في مسألة الغيبة؛ أعني من اغتاب في نهار رمضان فظن أن ذلك يبطل صومه فأفطر لذلك، ولكني لم أر فيها إلا قول ابن حبيب بوجوب الكفارة. انتهى. واعلم أن فساد الصوم بالغيبة حكي عن سفيان وعن مجاهد، وأما الحجامة فحكى فيها صاحب الطراز عن ابن حنبل وابن إسحاق أنهما قالا: يفطر الحاجم والمحتجم، قال: وعن ابن حنبل رواية أن فيها الكفارة؛ وهو قول عطاء، واختاره ابن المنذر ومحمد بن إسحاق، واحتجوا بالحديث، واحتج الجمهور بأنه ﷺ احتجم وهو صائم. قاله الحطاب. وقد تقدم أجوبة العلماء عن الحديث الذي احتج به المخالف. والله سبحانه أعلم. ولزم معها القضاء إن كانت له، يعني أن الكفارة تارة تلزم الشخص عن نفسه، وتارة تلزمه عن غيره، كما لو وطئ امرأة وهي صائمة في نهار رمضان مكرها لها وهو مسافر مبيت للفطر، فإذا

стр. 2388

لزمته الكفارة عن نفسه فإنه يلزمه معها القضاء، فكل من لزمته الكفارة عن نفسه يلزمه معها القضاء، وأما إذا لزمته الكفارة عن غيره فإنه لا قضاء عليه، وإنما القضاء على الغير المكفر عنه؛ لأن الصوم لا يقبل النيابة. وبما قررت علم أن الضمير في قوله: "له"، عائد على المكفر، وجعل الشارح في الوسط والكبير الضمير في: "له"، عائدا على رمضان، ولا وجه له. قاله الحطاب. والقضاء في التطوع بموجبها؛ يعني أن كل ما يوجب الكفارة في رمضان يوجب القضاء في التطوع، ومفهومه أن ما لا يوجب الكفارة في رمضان لا يوجب القضاء في التطوع، فعلم من هذا أنه لا يفسد مع الجهل والنسيان والإكراه إلا الفرض، وقد مر أن الذي يوجب الكفارة في رمضان هو الفطر عمدا بلا تأويل قريب وجهل، ولا يرد على منطوق المصنف قول ابن القاسم: من عبث بنواة في فيه فنزلت في حلقه فعليه القضاء والكفارة في الفرض، ولا يقضي في النفل لأن المصنف درج على مذهب عبد الملك أن المتحلل وغيره سواء، يوجبان القضاء في النفل، والقضاء والكفارة في الفرض، وهذا القول هو الذي اختاره اللخمي كما مر، وابن القاسم هو الذي فرق بين المتحلل وغيره، وهو الذي خالف قاعدته، أن كل ما أوجب الكفارة في الفرض أوجب القضاء في التطوع، وقول ابن القاسم: فنزلت في حلقه، النقل عنه لغو ذلك في النفل فلا يقضيه بذلك نزلت فيه عمدا أو غلبة، خلاف ما لِعَبْدِ الباقي من أنه إن نزلت في حلقه عمدا فعليه القضاء والكفارة في الفرض، وعليه القضاء في النفل، فإن نزلت فيه غلبة فلا قضاء عليه في النفل، وعليه الكفارة والقضاء في الفرض، قال: وإيجاب الكفارة في الفرض في هذا عند نزولها غلبة كإيجابها في مسألة الاستياك. انتهى ما لعبد الباقي. وقوله: غلبة لخ، غير ظاهر، وكذا ما فرعه عليه، وَيَرِدُ على منطوق المصنف مسألة والد وشيخ المتقدمة، فإن من أفطر لأجل أمرهما في رمضان تلزمه الكفارة والقضاء، بخلاف النفل؛ فإنه إذا أفطر فيه لأجل أمرهما لا قضاء عليه كما مر لإباحة الفطر بذلك في النفل دون رمضان، وَيَرِدُ على مفهوم المصنف من أصبح صائما في الحضر ثم أفطر بعد ما شرع في السفر فإنه لا كفارة عليه في الفرض، ويقضي في النفل على ما مشى عليه المصنف، كما يأتي من قوله: "ولو تطوعا" وَيَرِدُ على

стр. 2389

المفهوم أيضا من أفطر من غير الفم فإنه يقضي في النفل ولا كفارة عليه في الفرض، -كما مر- ويرد على المفهوم أيضا من أمذى مطلقا ففيه القضاء في الفرض والنفل ولا كفارة، ويرد على المفهوم أيضا مسائل التأويل القريب، فإنه لا كفارة معه في الفرض ويقضي في النفل، لكن قال الحطاب فيمن أفطر في النفل ناسيا ثم أفطر ثانيا عمدا: فإن كان بلا تأويل قضى، وإن كان بتأويل فظاهر كلام ابن ناجي أنه لا قضاء عليه، والظاهر أنه يجري هذا في بقية مسائل التأويل القريب في النفل؛ لأن القضاء في النفل بالعمد الحرام، ولا حرام مع التأويل قاله محمد بن الحسن. وإذا تأملت هذا علمت أن قوله: وفي النفل بالعمد الحرام أحسن مما هنا، وأنه مغن عنه، ولا يرد عليه ما ورد على ما هنا. والله سبحانه أعلم. ولا قضاء في غالب قيء؛ يعني أن الصائم إذا خرج منه قيء غلبة ولم يزدرد منه شيئا فإنه لا قضاء عليه، فإن ازدرد منه شيئا بعد أن بلغ موضعا يقدر على طرحه منه كما إذا وصل إلى لسانه، فإنه يجب عليه القضاء رجع عمدا أو غلبة أو سهوا، فإن ازدرده قبل أن يبلغ موضعا يمكن طرحه منه فإنه لا قضاء عليه -كما مر- ومفهومه أن المستدعى فيه القضاء. كما مر. وقال ابن عرفة: القيء غلبة لغو إن لم يرجع منه شيء، وإن رجع بعد فصوله غلبة أو نسيانا، ففي القضاء رواية ابن أبي أويس في الغلبة، وابن شعبان في الناسي، فخرج اللخمي قول أحدهما في الآخر، وظاهر قول ابن الحاجب أنه عمدا كذلك لا أعرفه، بل ظاهر أقوالهم أنه كأكل. انتهى. والظاهر أن ما قيل في القيء يقال في القلس، وقال ابن عرفة: ابن حبيب في ابتلاع القلس جهلا: الكفارة. ابن القاسم مع رواية ابن نافع: لا قضاء في ابتلاعه ناسيا. قاله الرهوني. وذباب؛ يعني أنه لا قضاء فيما يدخل في فم الصائم من الذباب غلبة، وكذا البعوض كما في الجلاب. نقله الحطاب. وقوله: "وذباب"؛ لأن الصائم لا بد له من كلام، والذباب يطير فيسبق لحلقه، ولا يمكنه الامتناع منه، فأشبه ريق الفم. قاله سند. قال عبد الباقي: ويفهم منه أن البعوض ونحوه ليس كالذباب إلا أن يكثر طيرانه حتى يغلب دخوله، وبالبعوض جزم في الجلاب. انتهى.

стр. 2390

وغبار طريق؛ يعني أنه لا قضاء في دخول غبار الطريق لحلق الصائم غلبة وإن لم يكثر الغبار، وأما دخول غبار غير الطريق لحلقه غلبة فالقضاء فيما يظهر، وانظر إذا كثر غبار الطريق وأمكن التحرز منه بوضع حائل على فيه، هل يلزم بوضعه أم لا؟ وهو ظاهر كلام غير واحد. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله: "وغبار طريق": لأنه أمر غالب، وانظر إذا كثر الغبار بحيث يعلم أو يظن أنه إن لم يجعل على فيه حائلا دخل فيه الغبار بحيث يصل إلى حلقه، فهل يلزمه وضع حائل أم لا؟ والثاني هو ظاهر كلام غير واحد. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وإذا كان ظاهر كلام غير واحد فلا يظهر العدول عنه ولا التوقف فيه، ولقد صدقا في أنه ظاهر كلام غير واحد. والله سبحانه أعلم. قال الشبراخيتي: والظاهر أن الذباب ونحوه كذلك. انتهى. يعني، هل يلزمه وضع حائل على فيه أم لا؟ وظاهر كلام غير واحد أنه لا يلزمه ذلك. وقال الشبراخيتي أيضا: وانظر غبار غير الطريق، والظاهر أنه يجب به القضاء: فيختلف حكم غبار الطريق وغيرها. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: قد يكثر غبار غير الطريق بحيث لا يمكن التحفظ منه، ولو وضع على فيه وأنفه شيئا، وحينئذ فالظاهر أنه لا يضر كما يفهم من قولهم المار؛ لأنه أمر غالب. والله سبحانه أعلم. انتهى. وغزل النساء الكتان ويريقن الخيط بأفواههن يجوز مطلقا إن كان الكتان مصريا، وإن كان دمنيا له طعم يتحلل جاز للمحتاجة وكره لغيرها، وأفتى ابن قداح بأن غزالة الكتان إذا وجدت طعم ملوحته في حلقها بطل صومها. ذكره الحطاب. وقال بعده: ومن ابتلع خيطا من حرير أو كتان فعليه القضاء إن لم تكن صنعته، فإن كانت صنعته فهو كغبار الدقيق انتهى. وهو مخالف لفتوى ابن قداح، وذكر ابن غازي في تكميل التقييد في قولها: أو يلمس الأوتار بفيه أو يمضغها، ما نصه: في بعض التقاييد يعني وتر قسي الرماة والقطانين؛ لأنهما يصلحان بالريق وغزالة الكتان تحتاط وتمج ما استطاعت لأنه صنعتها. انتهى. وأخبرنا شيخنا الحافظ أبو عبد الله القوري أن فقهاء العبادسة كانوا يشددون في غزل الكتان، وأن فقهاء الونشريسيين كانوا ينكرون ذلك عليهم. انتهى. كلامه. قاله عبد الباقي.

стр. 2391

وفي المواق: وكره للذي يعمل أوتار العقب أن يجري ذلك في فيه يمضغة أو يلحسه بفيه. الباجي: فمن فعل شيئا من ذلك فمجه فقد سلم، وإن دخل في جوفه شيء منه فعليه القضاء. قاله مالك. والعقب بالتحريك: العصب يعمل منه الأوتار، وعقب القوس: لوى شيئا منها عليها. وفي المواق: يكره حصاد الزرع إذا كان يؤدي إلى الفطر ما لم يضطر الحَصَّاد إلى ذلك، وأما رب الزرع فله الخروج للوقوف عليه، وإن أدى إلى الفطر لأن رب المال مضطر لحفظه. انتهى. وقال الشبراخيتي: البرزلي: يقع السؤال عما إذا وقع الحصاد في زمن الصيف، هل يجوز للأجير الخروج للحصاد مع ضرورة الفطر أم لا؟ كانت الفتيا عندنا بجوازه إن كان محتاجا لصنعته لمعاشه وَمَالَهُ بُد منها، وإلا كره، وأما مالك الزرع فلا خلاف في جواز جمعه زرعه، وإن أدى إلى فطره، وإلا وقع في النهي عن إضاعة المال. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، وقوله: ضرورة الفطر، قال الشبراخيتي وعبد الباقي: أي الضرورة المبيحة للفطر، وهي المشقة الشديدة أو خوف المرض، وقوله: وأما صاحب الزرع لخ، ظاهره ولو مع إمكان استيجاره وتيسره، وهو خلاف ما يأتي في مسألة المرضع. أو دقيق: يعني أنه لا قضاء على الصائم بسبب وصول دقيق لجوفه حيث كان يصنعه. أو كيل؛ أي وكذا لا قضاء على الصائم فيما إذا وصل لجوفه غبار مكيل حب ونحوه إذا كان صانعا، للكيل أو جبس؛ يعني أنه لا قضاء على الصائم فيما إذا وصل لجوفه غبار جبس إذا كان يصنعه، ودخل في صانع الجبس من يكيله أو يطحنة أو يرفعه من محل لآخر، ومثل غبار الطريق طعم الدباغ لصانعه. وبما قررت علم أن قوله: لصانعه، قيد في الدقيق والكيل والجبس. التونسي: وفي لغو غبار الطريق والجبس والدباغ لصانعه نظر، لضرورة الصنعة وإمكان غيرها. ابن شأس: اختلف في غبار الجباسين، ومما يجري مجرى الصانع حارس قمحه عند طحنه خوفا من سرقته، وروى ابن محرز: لا يفطر من عطش في رمضان من علاج صنعته، والتشديد في منع ما يمنعه فرضا، والوقف عن الكفارة به. ابن محرز: والقياس جوازه لسفر التجر ثم خرجه على الخلاف في القَدْحِ المحوج إلى الجلوس في الصلاة، وابتلاع حبة بين أسنانه أنَّ غلبته لغو. انتهى. المشذالي: قوله: "إن ابتلع فلقة"، اختلف المذهب في القضاء في ذا الباب، وأجرى عليه الشيوخ لو حلف لا يأكل من

стр. 2392

هذا الطعام بعد أن أكل منه، وتبقى (١) منه بقية فلقة فابتلعها، فقالوا: اللازم على القضاء الحنث وعلى العدم العدم، وَخَرَّجَ ابن رشد في سماع أشهب: من نسي حصاة في يده من المسجد أو في نعله أنه إن ردها فحسن، وليس بواجب على من ابتلع فلقة؛ لأنه أمر غالب، فكما أنه لا قضاء فكذلك لا رد انتهى. قاله الحطاب. قوله: أو كيل، يدخل في الصانع للكيل من يمسك طرف ما يوضع فيه المكيل حيث احتيج له فيما يظهر؛ لأن العلة الحاجة وقد وجدت، ويحتمل أن هذا أمر نادر. قاله عبد الباقي. وقال البرزلي: وغبار الفحم، وغبار خزن الشعير، والقمح كالحكم في غبار الجباسين. وحقنة من إحليل، يعني أنه لا قضاء في الحقنة من الإحليل من أي شيء كانت الحقنة، والإحليل بكسر الهمزة: ثقب الذكر. تنبيه: قال غير واحد: وأما فرج المرأة فيجب عليها القضاء بحقنتها إن وصل للمعدة، فلا يشمله المصنف، قال الشبراخيتي: وفي النهاية: الإحليل يقع على ذكر الرجل وفرج المرأة. انتهى. ولا يريد المصنف فرج المرأة؛ إذ يجب عليها القضاء بحقنتها من فرجها. انتهى. وفي الحطاب: قال في التوضيح: قال عياض: الإحليل بكسر الهمزة ثقب الذكر من حيث يخرج البول ونحوه في الصحاح والقاموس، وقال في النهاية: والإحليل يقع على ذكر الرجل وفرج المرأة. انتهى. وقال محمد بن الحسن: واعترض أبو علي لزوم القضاء بالحقنة من فرج المرأة، بأن فرج المرأة ليس متصلا بالجوف، فلا يصل إليه منه شيء. انتهى. ودهن جائفة، يعني أنه لا قضاء في الدهن الذي يدخل في الجائفة؛ وهي الطعنة التي تصيب الجوف؛ وهي مختصة بالبطن والظهر، وإنما لم يكن في دهن الجائفة قضاء لأنه لا يدخل مدخل الطعام والشراب، ولو وصل إليه مات من ساعته. قاله ابن يونس. قال الشبراخيتي: وانظر ما وصل إلى الجوف من ثقبة تحت المعدة أو فوقها أو فيها، هل هو كما وصل من دهن الجائفة أو يجري على الحقنة من الدبر أو يفصل في الثقبة على ما مر في الوضوء. انتهى.

стр. 2393

ومني مستنكح؛ يعني أنه لا قضاء في خروج مني مستنكح، قوله: "مني" بالتنوين، "ومستنكح" بكسر الكاف أو بالإضافة ومستنكح بفتح الكاف، وسواء كان من رجل أو امرأة، والمني المستنكح هو الذي يكثر مجيئه بمجرد فكر أو نظر من غير تتابع، فإن قل مجيئه أو تساوى هو وعدمه فغير مستنكح. ومذي؛ يعني أنه لا قضاء على الصائم بسبب خروج المذي المستنكح، بأن يكثر مجيئه بمجرد فكر أو نظر من غير تتابع؛ فإن قل مجيئه أو تساوى هو وعدمه فغير مستنكح. قاله عبد الباقي. وقوله: "ومذي"، قد علمت أن المراد به المذي المستنكح، ولم يقيده بذلك؛ لأنه لا يحتاج إلى التقييد بذلك؛ لأنه معطوف على المقيد، والمعطوف على المقيد بقيد يعتبر فيه القيد أيضا عند أهل الأصول. انظر الشبراخيتي. ونزع مأكول، يعني أن الشخص إذا بيت الصوم وطلع عليه الفجر وهو يأكل، وبمجرد طلوع الفجر مج ما في فيه، ولم يقع منه ابتلاع للمأكول في الفجر، فإن صومه ذلك صحيح، فلا قضاء عليه. أو مشروب؛ يعني أن الشخص إذا بيت الصوم وطلع عليه الفجر وهو يشرب، وبمجرد انصداعه نزع ما في فيه ولم يحصل منه ابتلاع بعد انصداع الفجر، فإن صومه ذلك صحيح فلا قضاء عليه. وقوله: "ونزع مأكول أو مشروب"؛ أي وإن لم يتمضمض، قال البرزلي: من نام قبل أن يتمضمض حتى طلع الفجر وقد بيت الصيام فلا شيء عليه. انتهى. نقله ابن غازي. ونقل قبله عن نوازل ابن الحاج أنه يلقي ما في فيه ويتمضمض. أو فرج؛ يعني أن من بيت الصوم، وطلع عليه الفجر وهو يجامع، فنزع فرجه، يصح صومه، ولا قضاء عليه، وما مشى عليه المصنف هو قول ابن القاسم، وألزمه ابن الماجشون القضاء، وسبب الخلاف هل يعد النزع جماعا أم لا؟ وظاهر كلام المصنف عدم القضاء، ولو خرج مني أو مذي بعده وهو كذلك إن لم يحدث عن فكر مستدام بعده، وإلا فالكفارة في المني، والقضاء في المذي. قاله غير واحد. وبما قررت علم أن قوله: طلوع الفجر، ظرف لقوله: "نزع"، فهو راجع للثلاثة؛ أي المأكول، والمشرب والفرج. تنبيه: قال عبد الباقي عند قولهُ "طلوع الفجرُ" ما نصه: أي في الجزء الملاقي للفجر، سواء قلنا النزع وطء أم لا؛ لأنه واقع في اليل، ولا يتأتى قول التتائي؛ وهو مبني على أن النزع ليس بوطء

стр. 2394

إلا إذا كان المراد بقوله طلوع الفجر في طلوعه، مع أنه لا يصح لأنه إذا نزعه في طلوع الفجر كان نزعا في النهار، فلا يتأتى البناء المذكور. انتهى. قوله: أي في الجزء الملاقي لخ، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل مراد المؤلف ظاهره كما يدل عليه كلام اللخمي، ونصه: وقال ابن القاسم: لو كان يطأ فأقلع حين رأى الفجر صح صومه. انتهى. ومثله في ضبارة ابن شأس وابن الحاجب والتوضيح وابن عرفة وغير واحد، وعليه فالبناء الذي ذكره التتائي صحيح مثله في الجواهر والتوضيح، وقول مصطفى: -لا يحتاج لهذا البناء؛ لأنه لم يقع نزع إلا بعد الفجر. انتهى- غير ظاهر، ونص ابن شأس: ولو طلع الفجر وهو يجامع فعليه القضاء إن استدام، فإن نزع ففي إثبات القضاء ونفيه خلاف بين ابن الماجشون وابن القاسم، سببه أن النزع هل يعد جماعا أم لا؟ انتهى. وبه تعلم ما في قول عبد الباقي، فلا يتأتى البناء المذكور. وَلَمَّا كان الصائم متمسكا بواجب، وأفعاله لا تخلو عن بقية أقسام الشريعة من الجائز والستحب والمكروه والمحرم، تعرض المصنف لها، وبدأ بالجائز منها، فقال: وجاز سواك كل النهار؛ يعني أنه يجوز للصائم أن يستاك في جميع نهاره، وفي الرسالة: ولا بأس بالسواك للصائم في جميع نهاره، وأراد المصنف بالجواز ما قابل المحرم؛ لأن بعض ما ذكره من الجائزات مستحب كالسواك في بعض أحواله، وصوم الدهر، وبعضه جائز جوازا مستوي الطرفين كالمضمضة للعطش، وبعضه مكروه كالفطر في السفرت وبعضه خلاف الأولى كالإصباح بالجنابة. واعلم أن السواك يطلق على الآلة والفعل، والمراد هنا الفعل؛ لأن التكليف إنما يكون بالفعل، وقوله: "وجاز سواك"؛ أي وجاز باليابس، وكره للعالم والجاهل برطب لما يتحلل منه، فإن تحلل ووصل إلى حلقه فكالمضمضة، إن كان غلبة أو سهوا قضى فقط، وإن تعمد قضى وكفر، ويتأكد ندب السواك بوقت صلاة ووضوء ولو بصوم قبل الزوال برمضان، وأما بعده فيه ولو لهما فجائز، ويجب إذا توقف زوال مبيح تخلف عن جمعة عليه، ويحرم بجوزاء برمضان، فقد اعترته الأحكام الخمسة، وتقدم ذلك في فضائل الوضوء، وقوله: كل النهار، يعني عندنا وفاقا لأبي حنيفة، وخلافا للشافعي وأحمد القائلين بكراهته بعد الزوال، ولم يختلفا معنا فيه فيما قبل الزوال، فالخلاف في كراهته وجوازه إنما هو بعد الزوال لا قبله، فلو قال: وجاز سواك وإن بعد

стр. 2395

الزوال لكان أحسن، ليكون مشيرا بإن لخلاف الشافعي وأحمد، واستدلا بخبر: (لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك (١))، والسواك بعد الزوال يذهبه، وقوله: لخلوف، بضم الخاء وفتحُها خطأٌ أو لغة قليلة: هو تغير ريح الفم، قال المصنف: ولا دليل فيه على الكراهة؛ لأن الخلوف هو ما يحدث من خلو المعدة، وذلك لا يذهبه السواك. انتهى. فإن قيل: هو وإن لم يذهبه فهو يخففه وهو أثر عبادة فلا ينبغي إزالتها ولا تخفيفها كدم الشهيد، قلنا: المصلي يناجي ربه فيندب تطييب فيه، بخلاف الشهيد. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: جاز سواك كل النهار، وكرهه الشافعي بعد الزوال، لنا أنه كناية عن مدح نفس الصوم، وإن لم تبق حقيقة الخلوف كما يقال: فلان كثير الرماد كريم، وإن لم يكن رماد وهذا خير مما قيل: إن السواك لا يزيل الخلوف فإنه من المعدة، وفي الصحيح ما يقوي مذهب الشافعي من (أن موسى صام ثلاثين يوما، فوجد خلوفا فاستاك منه، فأمر بالعشرة كفارة لذلك (٢))، ولعله لمعنى يخصه، أو أن العبرة في شريعتنا بعمومات أحاديث السواك، فإنها مبنية على التيسير بخلاف الشرائع السابقة، وقد قال المعز بن عبد السلام في هذه المسألة بمذهبنا مع أنه شافعي، ورأيت خلافه لسيدي علي في مفاتيح الخزائن العلية، مع أنه مالكي. انتهى. وقال الخرشي عند قوله. "وجاز سواك كل النهار": أي وجاز لغير مقتض شرعي، وأما لمقتض شرعي كالوضوء والصلاة والذكر فمندوب. انتهى. وقول المصنف: "وجاز سواك كل النهار"، دليله قوله ﵊: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، فعم الصائم وغيره، وروى أبو داوود عن عامر بن ربيعة وأنس: (رأيت رسول الله ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أعد ولا أحصي (٣))، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يستاك لكل صلاة وهو صائم، فإن قيل الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فيعلم الخلوف منتنا، فكيف يكون عنده أطيب من المسك؟ فالجواب أنه ليس المراد أن رائحته طيبة، بل شبه الحسن الشرعي

стр. 2396

بالحسن العرفي، أي هذا المنتن في الشرع أفضل من ريح المسك عند الطبع، إما لصبر الصائم عليه، والصبر عمل صالح، أو للتسبب فيه بالصوم الذي هو عمل صالح، وإلا فالخلوف ليس من كسبه حتى يمدح عليه أو يمدح في نفسه، وقال الحافظ أبو الفضل بن حجر في شرح البخاري: اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك مع أنه منزه عن استطابة الروائح؛ يعني، وكذلك الاستلذاذت بالمحاسن والطيبات؛ لأن ذلك من صفات المخلوقات مع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه على وجهه. المازري: هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله تعالى، فالمعنى أطيب عند الله تعالى من المسك عندكم؛ أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وقيل: إن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك، وقيل: المعنى الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب إليه في الجُمَعِ والأعياد، وصححه النووي، ونقل القاضي حسين أن للطاعات يوم القيامة ريحا، فرائحة الصيام بين العبادات كالمسك. النووي: وقع نزاع بين ابن الصلاح والشيخ ابن عبد السلام، في أن هذا الطيب عام في الدنيا والآخرة، أو خاص بالآخرة فقط، والصواب ما ذهب إليه ابن الصلاح من أنه عام في الدنيا والآخرة. قاله الشيخ إبراهيم. واستدل عز الدين بما ورد: يقومون من قبورهم ورائحة أفواههم أطيب من المسك. ومضمضة لعطش؛ يعني أنه يجوز للصائم أن يتمضمض لأجل عطش أو حر، ولغير ذلك مما تطلب فيه أحرى؛ ولغير موجب يكره لأن فيه تغريرا، قال المصنف: وإذا تمضمض لعطش أو نحوه ثم ابتلع ريقه فلا شيء عليه إذا ذهب طعم الماء وخلص ريقه. قاله غير واحد. وقال الشبراخيتي: وإنما جازت المضمضة مع ما تقدم من أنه يكره للصائم ذوق الطعام ومضغ العلك للضرورة التي تلجئ إلى ذلك.

стр. 2397

الباجي: ولا يبلع ريقه حتى يزول طعم الماء من فيه، فإن وصل منها شيء للجوف غلبة أو اختيارا فحكمه تقدم، وخص العطش ليلا يتوهم عدم جوازها له. انتهى. وقوله: "ومضمضة لعطش" اعلم أنه تكره المبالغة في المضمضة للصائم، ويكره له غمس رأسه في الماء. المشذالي: وسئل عز الدين عمن دمي فمه فمج الدم ولم يغسل، فهل يبطل صومه بابتلاعه الريق النجس؟ فأجاب: بأن الصائم لا يحل له ابتلاع الريق النجس، ويبطل صومه إن فعل لأن الرخصة إنما وقعت في ريق يجوز ابتلاعه لما في طرحه من الحرج، وإذا كان ابتلاعه محرما في الصوم وغيره بطل صومه بابتلاعه لانتفاء سبب الترخيص في ابتلاعه. المشذالي: قال البرزلي: هذا بين إن لم ينقطع أثر الدم، وأما إن انقطع فقد مر أنه لا يضر؛ لأنه لم يبق إلا النجاسة الحكمية لا عينها، قال: ويلزم على ما حكى عبد الحق في مسألة الدلو الذي دهن بزيت "واستنجى به، أن هذا الماء كله نجس أن يقول هذا لأنه" (١) كله نجس، ولو انقطع أثر الدم حتى يغسله بالماء. كما نقل هذا الشيخ. انتهى. قاله الحطاب. وقال عن ابن قداح: ويقضي إن جاوز حلقه الدم، وإن مجه حتى ابيض فلا شيء عليه، ويستحب غسله للصلاة والأكل، وإن لم يفعل فلا شيء عليه. انتهى. وهو يجري على التطهير بالمائع غير الماء، والمشهور عدم الإجزاء في الصلاة، ولا يضر بالنسبة إلى الأكل؟ لأن عين النجاسة زالت، إلا أن يتكرر ذلك، فيسقط القضاء حينئذ كالمتكرر غلبة كالذباب، واستحب أشهب فيه القضاء. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال الأمير في الحطاب: إن دم الأسنان يمج حتى يبيض الريق وإلا قضى، ولم يذكر كفارة، قال: فإن دام وعسر عفي عنه، واستحب أشهب القضاء منه، انتهى. وقال الشيخ زروق: وابتلاع ماء المضمضة يوجب القضاء لا بقاياه مع الريق بعد طرحه بالكلية، فإنه لا يضر، وفيمن ابتلع دما خرج من أسنانه غلبة قولان حكاهما في الجواهر. انتهى. ومن جامع الأمهات للسنوسي مسألة: قال ابن عرفة وغيره: ابن شأس: وابتلاع دم خرج من سنة غلبة لغو، وإن ابتلعه وهو قادر على طرح ذلك أفطر، وقيل: لا يفطر. قاله الحطاب. وقال: قلت لفظ ابن قداح: ومن وجد في فيه دما وهو صائم فمجه حتى ابيض فلا شيء عليه، ويستحب

стр. 2398

له غسله إذا قام إلى الصلاة أو إلى الأكل، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، ومن كثر عليه الدم إذا كان من علة دائمة فلا شيء عليه ابتلع منه شيئا أو لم يبتلع. انتهى كلام الحطاب. وإصباح بجنابة؛ يعني أنه يجوز للصائم أن يصبح جنبا، فله أن يتعمد ترك الغسل من الجنابة في رمضان إلى أن يطلع الفجر لقوله جل وعز: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾؛ لأنه إذا أبيح له الجماع في جميع الليلة علم من ذلك أنه يجوز له أن يصبح جنبا، كما هو ظاهر. والله سبحانه أعلم. وهو وإن جاز خلافُ الأولى، وفي خبر الموطإ عن السيدتين أمنا عائشة وأمنا أم سلمة رضي الله تعالى عنهما أنهما، قالتا: (إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جنبا من غير احتلام في رمضان ثم يصوم (١))، ونبهتا بقولهما من غير احتلام؛ لأنه من الشيطان، ولا سبيل له عليه ﵊. قاله الشيخ إبراهيم. وقد مر أن مذهب الفضل ابن عباس وأبي هريرة فساد صوم من أصبح جنبا. نقله الحطاب. وصوم دهر؛ يعني أن صوم الدهر جائز، وهل هو الأفضل، أو الأفضل خلافه؟ قال مالك: سرد الصوم أفضل. ابن رشد: معنى كلام مالك أن سرد الصوم أفضل من الصوم والفطر إذا لم يضعف بسببه عن شيء من أعمال البر، وإن ضعف فالصومُ والفطرُ، وذكر البرزلي عن عز الدين بن عبد السلام الشافعي أن صوم الدهر أفضل إن قوي عليه، لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، وقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاصي: لا أفضل من ذلك، معناه: لا أفضل لك من ذلك، فإنه قال له: إذا فعلت ذلك نفهت نفسك وغارت عينك، ولأن أكثر الصحابة ما كانوا يسألون عن أفضل الأعمال إلا ليختاروه، وكذا قوله ﷺ : (أفضل الصيام صيام أخي داوود (٢))، ومحمول على من سأل أيُّ غب الصوم، وتفريقه أفضل، ويجب أن يحمل على ما ذكرت توفيقا بين الأحاديث.

стр. 2399

البرزلي: هذا الذي اختاره هذا الشيخ هو قول مالك في النوادر، وحمل ما ورد من النهي على من يشق عليه أو عمم صومه حتى صام ما يحرم صومه. انتهى. وقد ورد حديث أخرجه ابن حبان في صحيحه فيما أظن يفضل صوم الدهر. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وصوم دهر يندب إن لم يضعفه عن عمل بر، ولم يذهب أحد إلى جوازه مستويا، وإنما الخلاف في كراهته وندبه. انتهى. وقال محمد بن الحسن: ابن العربي: احتج على جواز صوم الدهر بالإجماع على لزومه لمن نذره ولو كان مكروها أو ممنوعا لَمَا لزم على القاعدة، القباب: وهذه حجة لا بأس بها. انتهى. وقد يقال في حجة ابن العربي إن القائل بكراهة الدهر يجيب عن لزوم نذره بما يأتي في رابع النحر. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجاز صوم دهر، ويقال له: الأبد والجواز ليس على بابه؟ إذ صوم الدهر مستحب، وما أجاب به رسول الله ﷺ السائل عن صومه، بقوله: (من صام الدهر لا صام ولا أفطر (١))، كما في البخاري، فمحمول على من صام فيه ما نهي عن صومه، أو على ذي عجز أو مضرة. ابن العربي: من فعل فعلا لله تعالى وأراد به شيئا آخر غير الرياء كصائم ليوفر نفقته لم يجز. انتهى. وجمعة؛ يعني أن صوم يوم الجمعة جائز، ومعنى قوله: فقط، أنه يجوز أن يخص يوم الجمعة بالصوم من غير صوم يوم معه قبله أو بعده، والمراد بالجواز الندب؛ إذ ليس لنا صوم يجوز جوازا مستوي الطرفين. مالك: ما سمعت من أنكر صوم يوم الجمعة منفردا، وَقَوْلُ الداودي لم يبلغه يعني مالكا حديث: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده (٢))، مردُودٌ بأنه من تقديم العمل على الحديث، وكذا خبر: (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ولا يومها بصيام (٣))، قاله الشبراخيتي. ونقل محمد بن الحسن بناني أن النهي عن صوم الجمعة محمول على التقية من فرضه، كما اتُّقِيَ قيام رمضان، وقد أُمِنَتْ هذه العلة بوفاته ﷺ ، ولذا يذكر عن ابن رشد أنه كان يصومه إلى أن مات.

стр. 2400

وفطر بسفر قصر؛ يعني أنه يجوز الفطر بسفر القصر، ومعنى ذلك أنه يجوز للمسافر سفرا تقصر فيه الصلاة أن يفطر؛ أي يأكل ويشرب، ومعنى الجواز: الإذن، إذ يكره له ذلك، وليس المراد بالفطر تبييت الفطر، وإنما المراد الفطر بالفعل كما قررت، لقوله: شرع فيه؛ أي في السفر بالفعل بأن أتى محل بدء القصر، وقد مر بيانه في فصل السفر. قبل الفجر متعلق بقوله: "شرع"؛ يعني أنه إنما يباح الفطر للمسافر حيث كان شروعه في السفر قبل الفجر؛ بأن يأتي محل بدء القصر قبل انصداع الفجر. وبما قررت علم أن معنى الفطر في كلام المصنف هنا هو معناه الحقيقي لا تبييت الفطر، بدليل قوله: "شرع فيه قبل الفجر"، كما مر، وبدليل قوله: ولم ينوه؛ أي الصوم، فيه؛ أي السفر؛ لأن تبييت الفطر في السفر يستلزم الشروع في السفر قبل الفجر، وأنه لم ينو الصوم فيه، فيكون اشتراط ذلك من تحصيل الحاصل، ومعنى قوله: "ولم ينوه فيه"، أن الفطر إنما يباح للمسافر حيث لم ينو الصوم في السفر. وتحصل من كلام المصنف أنه يجوز للمسافر الفطر بأربعة قيود: أَحَدُهَا أن يكون سفره سفر قصر، ثانِيهَا: أن يكون فطره بعد أن بلغ المحل الذي يقصر منه، ثَالِثُهَا: أن يكون بلوغه له قبل الفجر، رَابعُهَا: أن لا ينوي الصوم في السفر. فالقيد الأول يعم يوم السفر وما بعده كالرابع، وأما الثاني والثالث فإنهما يخصان بيوم السفر. وإلا، مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإلا بأن فقد شرط من هذه الشروط الأربعة التي أولها قوله: "قصر"، قضى، أي لزمه أن يقضي ما أفطر، وذكر هذا وإن استفيد من قوله: "وقضى في الفرض مطلقا"، ليرتب عليه قوله: ولو تطوعا، يعني أن من بيت الصوم تطوعا في الحضر، ثم سافر أو في السفر فأفطر لغير عذر من مرض ونحوه، فإنه يجب عليه قضاء ذلك اليوم، وفي المصنف بحث؛ لأن ما قبل المبالغة لا يصدق على التطوع حتى يبالغ عليه: لكون رخصة الفطر بالسفر خاصة برمضان، وليست في واجب غيره، ولا في تطوع، ويدل على قصرها عليه أيضا المبالغة المذكورة؛ إذ لو رخص بالسفر في التطوع لم يجب قضاؤه؛ لأن القضاء في التطوع إنما يكون بالعمد الحرام، وفهم من قوله: "بسفر قصر"، أنه يفطر ولو أقام يومين أو ثلاثة ما لم ينو إقامة أربعة أيام، صرح به في النوادر، ونقله ابن عرفة. ولا كفارة؟ يعني

стр. 2401

أنه إذا أفطر مع فقد الشروط المتقدمة فإنه لا كفارة عليه، وإن كان يحرم عليه الفطر. إلا أن ينويه؛ أي لا كفارة عند فقد الشروط المتقدمة إلا فيما إذا نوى الصوم. بسفر؛ أي نوى الصوم في السفر، فيكفر بفطره، تأول أم لا، وهاتان صورتان، وكذا يكفر من لم يشرع في السفر قبل الفجر مع رفع نيته ليلا حتى مضى وقتها، سواء عزم على السفر بعد الرفع المذكور أو قبله، تأول أم لا، أفطر بالفعل أو بالنية، فيكفر في هذه الثمانية أيضا، فتلك عشر. وكذا يكفر إن بيت الصوم بحضر؛ وهو مفهوم ينويه بسفر، ثم أفطر متأولا أم لا، قبل عزمه وشروعه بعد الفجر، وكذا بعد عزمه إن أفطر غير متأول، أو تأول ولم يسافر يومه، فإن تأول وسافر يومه لم يكفر، كما أنه إن بيت الصوم في الحضر ثم سافر بالفعل بعد الفجر فأفطر فلا كفارة، تأول أم لا، حصل منه قبل ذلك عزم على السفر قبل الفجر أم لا، وصور التكفير واردة على حصر المصنف، خلافا لعبد الباقي. وسأل سحنون ابن القاسم عن الفرق بين من بيت الصوم في الحضر ثم أفطر بعد أن سافر بعد الفجر فلا كفارة، وبين من نوى الصوم في السفر ثم أفطر، فعليه الكفارة كما قال المصنف "إلا أن ينويه بسفر"؟ فقال ابن القاسم: لأن الحاضر كان من أهل الصوم، فخرج مسافرا فصار من أهل الفطر، فسقطت عنه الكفارة، والمسافر كان مخيرا في الصوم والفطر، فلما اختار الصوم وترك الرخصة صار من أهل الصيام، فعليه ما على أهل الصيام من الكفارة. قاله عبد الباقي. وعلم مما قررت أن الضمير المجرور بفي في الموضعين عائد على السفر، وأن الضمير المنصوب بالفعل في الموضعين عائد على الصوم، والله سبحانه أعلم. تنبيهات: الأول: يجوز للمسافر أن يفطر ما جاز له أن يقصر، قال ابن رشد: وهذا مما لا خلاف فيه لقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، إلا أن مالكا استحب له الصيام، وَيَكرَه له الفطر لقوله : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وفهم من كلام المصنف أنه يجوز الفطر للمسافر في البحر إذا كان سفرا تقصر فيه الصلاة؛ وهو كذلك لقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، قال ابن رشد: المسافر في البر

стр. 2402

والبحر سواء في جواز الفطر ووجوب القصر، لقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، وهذا مما لا خلاف فيه أحفظه. قاله الحطاب. الثَّانِي: قال ابن يونس: تحصيل اختلافهم -يعني في المسألة المتقدمة- على أربعة أوجه: أصبح صائما في السفر ثم أفطر، أصبح صائما في الحضر ثم سافر فأفطر، أفطر ثم سافر، عزم على السفر فأفطر ثم بدا له فلم يسافر، ففي كل وجه قولان، قيل: يكفر، وقيل: لا يكفر. نقله محمد بن الحسن بناني. الثَّالِثُ. قال الجزولي: ويفطر في السفر الواجب والمندوب من غير خلاف، واختلف في المباح والمكروه والمحظور، والمشهورُ يجوز له في المباح ولا يجوز له في المكروه ولا في المحظور. انتهى. قاله الحطاب. وقال: رأيت بخط بعض طلبة العلم عن شارح الرسالة الزهري أن من تعمد السفر في رمضان لأجل الإفطار أنه لا يفطر ويعامل بنقيض مقصوده، وهذا ظاهر لأن سفره حينئذ لا يكون مباحا إذا لم يكن له غرض إلا الإفطار، قال: وكذلك من كان له مال يبلغة الحج فتصدق به ليسقط عنه الحج، ذكر ذلك عند قول الرسالة: وإن حاضت لأربع ركعات من النهار، وأنها لو كانت تعلم أن ذلك يوم حيضتها، وأخرت الصلاة إلى ذلك الوقت عمدا فإنه يلزمها القضاء. انتهى. وذكر الشيخ يوسف بن عمر هذه المسائل الثلاثة، إلا أنه قال: إن الحائض لا يلزمها قضاء وهي عاصية، والمتصدق يسقط عنه الحج، والمسافر لا يلزمد إلا القضاء، وزاد المقيم يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ليسافر ويصليها صلاة قصر له ذلك، وكذلك الجزولي ذكر هذه المسائل كما ذكرها الشيخ يوسف بن عمر، ثم قال: وهذا آثم في ذلك كله، وما ذكره الشيخ يوسف بن عمر والجزولي في هذه المسائل المذكورة ذكره اللخمي في زكاة الفطر من تبصرته، إلا أنه قال: وجميع ذلك مكروه، ونصه: ومن البخاري قال أنس: قال النبي ﷺ : (لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة (١))، ثم قال: اختلف في الحديث هل محمله على الوجوب أو على الندب، والمعروف من قول مالك وأصحابه أن محمل الحديث على الوجوب، وروي عنه في مختصر ما ليس في المختصر فيمن باع إبلا بعد الحول بذهب، فرأى أنه يزكي زكاة

стр. 2403

الذهب، فعلى هذا محمل الحديث عنده على الندب؛ لأنه فر قبل الوجوب، ولو تصدق رجل من ماله ليسقط عنه الحج، وعلم ذلك أو سافر في رمضان إرادة سقوط الصوم عنه الآن، أو أخر صلاة الحضر عن وقتها ليصليها في السفر ركعتين، أو أخرت امرأة صلاة بعد دخول وقتها، رجاء أن تحيض فحاضت قبل خروج وقتها فجميع ذلك مكروه ولا يجب على هذا في السفر صيام، ولا أن يصلي أربعا ولا على الحائض قضاء. انتهى. ونقله ابن عرفة في الخلطة وقبله، إلا أنه ناقشه في احتجاجه على حمل الحديث على الندب بالمسائل المذكورة، ونصه: اللخمي: محمل الحديث على الوجوب، ورواية ابن شعبان: من باع إبلا بعد الحول بذهب فرارا زكى زكاة العين على الندب. ثم قال: وَاحْتِجَاجُ اللخمي على حمله على الندب بأن من قصد سقوط الحج عنه بصدقة ما ينفي استطاعته: أو سافر في رمضان لسقوط صومه، أوأخر صلاة ليصليها في سفره، أو امرأة لتحيض فتسقط لم يعاملوا بنقيض مقصودهم. يُرَدُّ بأنه في الحج تكليف ما لا يطاق، وبأن السفر والتأخير غير منهي عنهما، والتفريق والاجتماع نهي عنهما: وتعبيره بالندب دون الكراهة متعقب، يعني أنه كان الأولى أن يقول: هل محمله على الوجوب أو على الكراهة؟ بدل قوله: "أو على الندب". قاله الحطاب. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: الأولى أن يقول: هل محمله على الحرمة أو على الكراهة. والله سبحانه أعلم. لكن الأمر سهل، ولهذا قال: كان الأولى. قال الحطاب عقب كلامه هذا: قال الونشريسي في قواعده: من الأصول المعاملة بنقيض المقصود الفاسد، ونقضوا هذا الأصل في المتصدق بكل المال لإسقاط فرض الحج، ومنشئ السفر في رمضان للإفطار، ومؤخر الصلاة إلى السفر للتقصير، أو الحيض للسقوط. انتهى. فما قاله الزهري من أنه لا يفطر ويعامل بنقيض مقصوده، مخالف لما قاله اللخمي وغيره، إلا أن ما قاله ظاهر إذا لم يكن له غرض من السفر إلا الإفطار في رمضان؛ لأن سفره حينئذ لا يكون مباحا، وقد تقدم في كلام الجزولي أنه مؤثم في هذا كله؛ وهو يقتضي عدم الجواز، وصرح في المدخل بأنه لا يجوز له التصدق بماله، وتقدم في كلام الشيخ يوسف بن عمر في الحائض أنها عاصية، وصرح اللخمي بأن جميع ذلك مكروه، فالفطر في

стр. 2404

هذه الحالة لا يتأتى على المشهور من أنه لا يجوز له الفطر في السفر المكروه أو الحرام -كما تقدم في كلام الجزولي- فتأمله. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. الرَّابعُ: أذكر فيه مسائل قد مرت أو مر أكثرها، فأقول: المَسْأَلةُ الأُولَى: من سافر دون مسافة القصر في رمضان، فبيت الفطر في سفره ذلك لم يكفر إن تأول، وإن لم يتأول كفر، وهذه هي المشار إليها، بقوله المار: أو سافر دون القصر. المَسْأَلَة الثَّانِيَةُ: أن يبيت الصوم ثم يسافر دون مسافة القصر فيفطر، استظهر الحطاب أنه يجري فيها ما جرى فيمن سافر مسافة القصر فأفطر من الخلاف، وقد علمت أن المشهور أنه لا كفارة فيها كما قال المصنف، "ولا كفارة". وظاهر المصنف هنا أنه لا كفارة فيها؛ أي في مسألة ما إذا بيت الصوم ثم سافر دون مسافة القصر فأفطر. والله سبحانه أعلم. المَسْأَلَةُ الثَّالِثَة: أن يبيت الصوم ثم يسافر مسافة القصر فيفطر بعد شروعه في السفر، وقد علمت المشهور فيها؛ وهو أنه لا كفارة. المَسْأَلَةُ الرَّابعَةُ: أن يبيت الصوم في السفر ثم يفطر، وقد علمت أن المصنف مشى على لزوم الكفارة فيها. قال الحطاب: مسائل الفطر للمسافر خمس مسائل: الأولى: إذا عزم على السفر بعد الفجر ولم يسافر فيجب عليه أن يبيت الصيام: قال اللخمي، لم يختلف المذهب في أنه لا يجوز له الفطر قبل أن يتلبس بالسفر، وقال ابن عرفة: ومبيح تبييت الفطر الاتصاف بالسفر لا تبييته، أبو عمر: اتفاقا، فإن بيت الإفطار، فصرح أبو الحسن بأنه لا خلاف أن عليه القضاء والكفارة، وظاهره سواء كان عامدا أو متأولا؛ وهو ظاهر. الثَّانِيَّة: إذا بيت الصيام في الحضر ثم عزم على السفر، فلا يجوز له الإفطار قبل خروجه، فإن أفطر قبل خروجه ففي ذلك أربعة أقوال حكاها ابن الحاجب في المتأول، وظاهر كلامه أن العامد عليه الكفارة وهو ظاهر. والأقوال الأربعة: وجوب الكفارة لمالك وأبي حنيفة والشافعي وسحنون، والثاني عدم وجوبها لأشهب،

стр. 2405

والثالث لابن حبيب تجب إن لم يأخذ في أهبة السفر، والرابع لسحنون أيضا وأشهب تجب إن لم يسافر، قال ابن رشد: وأظهر الأقوال لا كفارة عليه بحال؛ لأن الكفارة إنما هي تكفير الذنب، ومن تأول لم يذنب، وإنما أخطأ، والله تعالى تجاوز عن الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. انتهى. الثالثة: إذا أصبح صائما ثم سافر، هل يجوز له الإفطار أم لا؟ فالمشهور من المذهب أنه لا يجوز له الإفطار، وقال القاضي أبو الحسن: ابن القصار يكره له الإفطار، وقال ابن حبيب: يجوز له الفطر وإن أفطر عامدا، فالمشهور أنه لا كفارة عليه كما صرح به ابن الحاجب وقبله في التوضيح. الرابعة: إذا بيت الصيام في السفر، هل يجوز له الفطر أم لا؟ المشهور لا يجوز له الفطر، وقال ابن الماجشون: يجوز له الفطر، وعلى المشهور فإن أفطر متأولا فظاهر المدونة أن عليه الكفارة، وصرح بذلك في سماع موسى من العتبية، وقال أشهب في المدونة: لا كفارة عليه، قال ابن رشد: وهو الأظهر، وعليه اقتصر ابن الحاجب، وإن أفطر متعمدا فالمشهور أن عليه الكفارة، ولمالك في المدونة: لا كفارة عليه، حكاه في البيان، وتقدم الفرق على المشهور بين من أصبح صائما ثم سافر فأفطر فلا كفارة عليه، وبين من بيت الصيام في السفر ثم أفطر فعليه الكفارة، وعكس المخزومي، فقال بالكفارة مع العمد في المسألة الثالثة دون الرابعة؛ لأنه رأى أن حرمة الصوم في حق من أنشأه في الحضر أقوى؛ لأنه لا يجوز له حين الإنشاء إلا الصوم، بخلاف من أصبح صائما في السفر فإنه مخير في الفطر حين أنشأ الصوم. الخامسة: أشار إليها بقوله: كفطره بعد دخوله؛ يعني أن من بيت الصوم في السفر ثم دخل الحضر فأفطر بعد دخوله تلزمه الكفارة والقضاء، وظاهر كلامهم أنه لا خلاف في ذلك، ولا يجوز له الفطر بلا خلاف. قاله الحطاب. وسواء قدم أول النهار أو وسطه أو آخره، وقوله: "بعد دخوله"، أي لمحل يقطع حكم سفره، وللشيخ علي الأجهوري:

стр. 2406

وسفر القصر به يفطر من … شرع فيه قبل فجر فاعلمن بأن يجيء بدء قصر قبل ما … يصبح هذا هو الشروع فاعلما إلا لمن نوى به الصوم فذا … عليه إن أفطر تكفير خذا وامنعه إن يشرع بعيد الفجر … بكل حال من تعاطي الفطر وما به كفارة إن حصلا … بعد شروعه بحال مسجلا كقبله وبعد نية السفر … إن كان بالتأويل فطره استقر إذا يسافر يومه فإن جلس … كفر لو لمطر له حبس وفي سوى هذين فالتكفير … يلزمه بالفطر يا خبير وكل ذا إذا نوى وأفطرا … على الذي فصلت فيما غبرا أما إذا لم ينو قبل النية … كفر مطلقا بغير مرية لأنه كحاضر قد أغفلا … نيته في وقتها وأهملا قوله: قبل النية، أي قبل فوات محل النية، وقوله: كحاضر؛ أي كالحاضر الذي لم يسافر ولم يعزم على السفر، وقد مر الكلام على من سافر مسافة تبلغ مسافة القصر إلا أنه عاص بسفره عند قول المصنف: "أو سافر دون القصر"، فراجعه إن شئت. وبمرض خاف زيادته؛ يعني أنه يجوز الفطر للشخص بسبب مرض حاصل، خاف زيادته بسبب صومه بقول طبيب أمين، أو موافق مزاجه، أو تجربة نفسه، قال الشيخ عبد الباقي عند قوله: "خاف زيادته": ولو حكما كحصول تألم أعمى بضر بان بعينه، ولا يحصل به زيادته. انتهى. وقال البرزلي عن ابن أبي زيد: إذا كان الصوم يضربه ويزيده ضعفا أفطر، ويقبل قول طبيب أمين أنه يضربه ويفطر الزمن إذا أضربه الصوم، وكذا كل صوم مضر يبيح الفطر. البرزلي: هي تتخرج على مسألة التيمم والصلاة، فلا خلاف إن خاف الموت، واختلف فيما دونه على قولين، والمشهور الإباحة، وذهب بعض السلف إلى أن مطلق المرض ولو قل يبيح الفطر، قال

стр. 2407

ابن يونس: قال في المجموعة عن أشهب في مريض لو تكلف الصوم لقدر عليه أو الصلاة قائما لقدر إلا أنه بمشقة وتعب: فليفطر ويصلي جالسا ودين الله يسر. قال مالك: رأيت ربيعة أفطر في رمضان في مرض، ولو كان غيره لقلت يقوى على الصوم إنما ذلك بقدر طاقة الناس، قال أبو محمد: من قول أصحابنا أن المريض إذا خاف إن صام يوما أحدث له زيادة في علته، أو ضررا في بصره، أو غيره من أعضائه، فله أن يفطر. انتهى كلام الحطاب. أو تماديه؛ يعني أنه يجوز للمريض الفطر إذا خاف بسبب صومه تمادي المرض أو تأخر برئه، قوله: "خاف زيادته أو تماديه"، قال الشبراخيتي: والخوف الذي يعتبر لا بد أن يكون بقول طبيب أمين، وكذا إن علم ذلك من نفسه أو ممن هو موافق له في المزاج كما في التيمم، وكلام البرزلي يفيده، ولا شك أن التمادي من جملة ما تصدق عليه الزيادة، فكان المناسب لمرامه حذف قوله: "أو تماديه"، ثم إن من زيادة المرض حصول التألم به وإن لم يحصل له زيادة المرض، ثم إن الزيادة تصدق بزيادة يخاف معها الهلاك أو شديد الأذى، مع أنه يجب فيهما الفطر لما قاله بعد، ولذا كان اللائق أن يقول: إلا لخوف هلاك أو شديد أذى، بدل قوله: ووجب إن خاف هلاكا، يعني أن المريض -لأنه هو الذي الكلام فيه- يجب عليه الفطر إن خاف بصومه الهلاك لأن حفظ النفوس واجب ما أمكن، ومثل المريض في ذلك الصحيح، قال عبد الباقي مجيبا عما تقدم عن الشبراخيتي: وهذا كالاستثناء من قوله: "وبمرض"، فكأنه قال: إلا أن يخاف هلاكا الخ، فيجب. انتهى. ويعتمد في ذلك على قول أهل المعرفة. أو شديد أذى؛ يعني أنه يجب على الشخص الفطر إذا خاف بسبب الصوم شديد الأذى، وقوله: "أو شديد أذى"، من إضافة الصفة للموصوف، وعبر المصنف بالخوف لأنه لا يشترط التحقيق، ويعتمد على قول أهل المعرفة هنا. الشبراخيتي: واعلم أن الصحيح إذا خاف بصومه الهلاك فحكمه حكم المريض، وأما إن خاف حصول الأذى الذي يوجب الفطر للمريض فينبغي أن يكون كذلك، ويرجع في معرفة الذي يوجب الفطر والذي يجوزه لأهل المعرفة، ثم إن الجهد الشديد يبيح الفطر ولو للصحيح كما هو ظاهر

стр. 2408

كلام الحطاب، وصرح به بعض الشراح، لكن مقتضى ما في المجموعة وما ذكره اللخمي أنه إنما يبيح ذلك للمريض. انتهى كلام الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: ومفهوم قوله: "بمرض"، أن خوف أصل المرض بصومه ليس حكمه كذلك وهو كذلك على أحد قولين؛ إذ لعله لا ينزل به، والآخر يجوز. انتهى. وفيه أن المريض يجوز له الفطر إن حصل له بصومه شدة وتعب، لا إن خاف حصولهما. انتهى. وقد صرح غير واحد بأنه يرجع في معرفة الأذى الشديد الذي يوجب الفطر والجهد الشديد الذي يبيحه لأهل المعرفة، وقوله: "ووجب إن خاف هلاكا أو شديد أذى": قال الخرشي: مجرد الخوف كاف، وشبه في الحكمين السابقين كما قاله غير واحد وهما وجوب الفطر وجوازه كما قاله الشبراخيتي قوله: كحامل؛ يعني أن الحامل إذا خافت على ولدها الذي في بطنها بسبب صومها يسير ضرر، فإنه يباح لها الفطر، ويجب عليها الفطر إن خافت بالصوم عليه هلاكا أو شديد أذى، ومرضع، عطف على "حامل"، فهو في حيز التشبيه؛ يعني أن المرضع إذا خافت بالصوم على ولدها الذي ترضعه يسير ضرر، فإنه يباح لها الفطر، ويجب عليها الفطر إن خافت عليه بذلك هلاكا أو شديد أذي، ومفهوم قوله: "ولديهما": أنهما لو خافتا على أنفسهما لدخلتا في قوله: "وبمرض"؛ لأن الحمل مرض والرضاع في حكمه، وقوله: "كحامل"، وكذا إذا خافت حدوث علة عليها أو على ولدها كما في المواق عن اللخمي، نقله محمد بن الحسن، وظاهر قوله: "خافتا على ولديهما"، أنه لا يباح لهما الفطر بمجرد الجهد من غير خوف، وقد صرح اللخمي بجوازه لهما، وحكى ابن الحاجب الاتفاق عليه، واستظهره في توضيحه قائلا: فإذا كانت الشدة مبيحة للفطر كالمرض فالحامل والمرضع أولى بذلك. انتهى. قاله عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: وبذلك صرح ابن رشد أيضا في رسم "صلى نهارا"، من سماع ابن القاسم، ونصه: للمرضع على المشهور من مذهب مالك في الفطر ثلاثة أحوال: حال لا يجوز لها فيه الفطر والإطعام؛ وهي إذا قدرت على الصيام ولم يجهدها الإرضاع، وحال يجوز لها فيه الفطر والإطعام؛ وهي إذا أجهدها الإرضاع ولم تخف على ولدها، وحال يجب عليها فيه الفطر والإطعام وهي إذا خافت على ولدها. انتهى. لم يمكنها استيجار؛ يعني أن محل جواز الفطر

стр. 2409

للمرضع أو وجوبه حيث خافت على ولدها إنما هو إذا لم يمكنها أن تستأجر من يرضع ولدها لعدم مال أو مرضعة، أو لكون الولد لم يقبل غيرها. قاله غير واحد. أو غيره، عطف على "استيجار"؛ يعني أن محل جواز الفطر للمرضع أو وجوبه حيث خافت على ولدها بسبب الصوم إنما هو حيث لم يمكنها استيجار على الرضاع أو غيره كمن يرضع لها مجانا، أي لا يمكنها واحد منهما، فالنفي هنا على طريقة: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، أي لا تطع واحدا منهما، ومفهومه أنه لو أمكنها استيجار أو غيره لوجب عليها الصوم وهو كذلك. خافتا على ولديهما، يعني أن حل جواز الفطر أو وجوبه للحامل والمرضع إنما هو حيث خافتا على ولديهما؛ بأن خافت الحامل على ما في بطنها والمرضع على ولدها الذي ترضعه، وقد مر أن محل الوجوب إنما هو حيث خافتا على ولديهما هلاكا أو شديد أذى، وأن محل الجواز حيث خافتا عليهما ضررا يسيرا، وقد مر أنه إن حصل لهما جهد بدون خوف على ولديهما يجوز لهما الفطر، ومفهوم قوله: "ولديهما"، أنه لو خافتا على أنفسهما لكان ذلك داخلا في قوله: "وبمرض خاف" لخ، منطوقا ومفهوما. والله سبحانه أعلم. وأشار إلى مفهوم قوله: لم يمكنها استيجار بقوله والأجرة في مال الولد؛ يعني أنه إذا أمكن المرضع أن تستأجر من يرضع ولدها فإنه يجب عليها الصوم كما مر، وتكون الأجرة في مال الولد إن كان له مال؛ لأن نفقته في ماله حين سقط رضاعه بلزوم الصوم لها، وظاهره ولو كان الرضاع واجبا عليها لولا الصوم، ثم إذا لم يكن للولد مال ووجد مال الأبوين، فهل تكون الأجرة مبدأة في مال الأب، وإليه ذهب اللخمي والتونسي، أو تكون مبدأة في مالها؛ أي الأم، وإليه ذهب سند؟ تأويلان، مبتدأ حذف خبره، أي في ذلك تأويلان، وقد علمت أصحاب التأويلين ومحلهما فيمن يجب عليه الرضاع، وأما إذا لم يجب عليها كعلية القدر والبائن فيتفق على أنها في مال الأب، قوله: "أو مالها"، قال الرهوني عن ابن ناجي: إن لم يجحف بها. انتهى. وقوله: "أو مالها"، وعليه فلا ترجع بها، ومثل من ترضع ولدها من ترضع ولد غيرها إن كانت محتاجة في الفطر وعدمه كما بحثه المصنف، بقوله: وينبغي أن يكون حكم ولد غيرها كذلك إن كانت محتاجة. قاله الخرشي، والشبراخيتي، وعبارة عبد الباقي: وانظر، هل إباحة الفطر

стр. 2410

-يعني المشار إليه بقوله: "خافتا على ولديهما"- شاملة لمن ترضع ولد غيرها فإني لم أره، لكن في توضيحه عند قوله: "وثوب مرضعة"، وهذا واضح في ولدها، وينبغي أن ولد غيرها كذلك إذا كانت محتاجة. انتهى. قاله الشيخ سالم. انتهى. واعلم أن الراجح من التأويلين أن الأجرة في مال الأب إن لم يكن للولد مال على الراجح، وعبارة الأمير: وأطعمت المرضع فقط والأجرة في مال الولد ثم أبيه، ولو دَنِيَّةَ على الراجح مما في الأصل، والمقابل يراها عوضا عن الرضاع اللازم لها، وقوله: ثم هل مال الأب أو مالها تأويلان، قال عبد الباقي: وفي المواق نوع اعتراض على ذكر المصنف التأويلين، فإنه قال: اللخمي: إذا كان الحكم الإجارة فإنه يبدأ بمال الولد، فإن لم يكن فمال الأب، فإن لم يكن فمال الأم، ولم يذكر ابن عرفة غير هذا. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله: وفي المواق نوع اعتراض لخ، اعتراضه ساقط لأنه في التوضيح نقل مقابل ما للخمي عن سند، فانظره. انتهى. وقد مر ترجيح الأمير للتأويل الأول، وهو قول اللخمي، وقوله: "كحامل ومرضع" لخ، اعلم أن المشهور أنهما إذا افطرتا لذلك فإنه يجب الإطعام على المرضع دون الحامل على المشهور فيهما، وقيل عليهما، وقيل لا عليهما، وقيل يجب على الحامل إن خافت على ولدها، ويسقط إن خافت على نفسها، وقيل يجب الإطعام على الحامل إذا خافت على ولدها قبل مضي ستة أشهر، وإن خافت في الشهر السابع لم تطعم وهو لأبي مصعب. وحاصل هذا أن في المرضع قولين، وفي الحامل أربعة أقوال، والخلاف جار فيهما مطلقا؛ أي خافتا على أنفسهما أو ولديهما؛ لأنه أطلق في المرضع وفصل في الحامل، وكيفية إطعامهما كإطعام المفرط، وسيأتي. والقضاء بالعدد. عطف على فاعل وجب في قوله: "ووجب إن خاف هلاكا أو شديد أذى"، والمعنى أنه يجب قضاء رمضان إذا أفطر فيه لعذر أو لغير عذر، ولا خلاف في وجوب قضائه، والمشهور أنه يجب قضاؤه إذا أفطره كله بالعدد أي على حسب شهر رمضان، فإن كان رمضان ثلاثين وجب عليه أن يصوم ثلاثين يوما، وإن كان رمضان تسعة وعشرين يوما، وجب عليه أن يصوم في القضاء تسعة وعشرين يوما، لقوله : ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾،

стр. 2411

وسواء في ذلك ابتدأ في القضاء بالهلال أو بغيره، وروى ابن وهب أنه إن ابتدأ في القضاء بالهلال أجزأه ذلك، سواء وافقت أيامه عدد رمضان الذي أفطره أو كان عدد القضاء أنقص، ويجب التكميل إن كانت أيام شهر القضاء أكثر. نقله الحطاب. والمشهور أن قضاء رمضان لا يجب على الفور، وفي الذخيرة: يجوز تأخيره إلى شعبان، ويحرم بعده، وقيل: يجب على الفور، وحكى ابن بشير الاتفاق على أنه لا يجب على الفور وكذا ابن الحاجب وابن ناجي في شرح المدونة، وحصل ابن عرفة في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه على الفور، الثاني: أنه على التراخي لبقاء قدره قبل تاليه بشرط السلامة. الثَّالِثُ: أنه على التراخي حتى يبقى قدر ما عليه من الأيام من شعبان مطلقا. قاله الحطاب. ويشهد للقول بأن وجوب قضاء رمضان ليس على الفور قول عائشة رضي الله تعالى عنها: (يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، للشغل برسول الله ﷺ (١))، قال في الإكمال: فيه حجة على أن قضاء رمضان ليس واجبا على الفور، خلافا لداوود في إيجابه من ثاني شوال، وأنه آثم متى لم يُتِمَّهُ، فإذا لم يكن على الفور فوقته موسع مقيد ببقية السنة ما لم يدخل رمضان آخر لكن الاستحباب المبادرة. قاله الحطاب. وقوله: "والقضاء بالعدد"، هذا أعم مما مر من قوله: "وأجزأ ما بعده بالعدد؛ لأن ذلك خاص بمسألة الالتباس. ذكره دفعا لما يتوهم من إجزائه، وإن كان أقل عددا من رمضان لعذره وهذا عام في مسألة الالتباس وغيرها. والله سبحانه أعلم. وتحصل مما مر أن قضاء رمضان كلا أو بعضا يجب على التراخي، فهو موسع فيه حتى لا يبقى من السنة إلا قدر ما يسعه قبل رمضان. والله سبحانه أعلم. بزمن أبيح صومه؛ يعني أنه يشترط في قضاء رمضان أن يكون في زمن يباح فيه الصوم، فلا يصح في الأيام المنهي عن صومها كيوم العيد، وتاليي النحر، ولا فيما كره صومه كرابع النحر على المشهور، قال محمد بن الحسن: لا يصح صومه أي رابع النحر قضاء كما في المواق عن المدونة، وشهره في التوضيح والشامل، وصححه ابن بشير كما في الحطاب، وفي الأيام المعدودات أي الثلاثة بعد يوم النحر، ثلاثةٌ: المشهور هو ما قدمته من عدم الإجزاء، وقيل بالإجزاء، وقيل يجزئ الثالث. غير رمضان، يعني

стр. 2412

أنه لا يصح قضاء رمضان في رمضان، فإن صام رمضان عامة قضاء عن رمضانٍ مَّضى لم يجزه عن واحد منهما. قال في التوضيح: قال ابن الجلاب: إنه الصحيح من الأقوال، وقال ابن رشد: هو الصواب عند أهل النظر كلهم، ووجهه أن رمضان لا يقبل غيره، فلا يجزئ عن القضاء، وأما عدم إجزائه عن الأداء فلأنه لم ينوه، وقيل: يجزئ عن القضاء لأن الأعمال بالنيات، وقيل: يجزئ عن الأداء لأن رمضان لا يقبل غيره، وإذا قلنا: لا يجزئ رمضان في الحضر عن واحد منهما، فقال ابن المواز: يكفر عن الأول مدا لكل يوم، ويكفر عن الثاني كفارة العمد في كل يوم. أبو محمد: يريد إلا أن يعذر بجهل أو تأويل، وقال أشهب: لا كفارة عليه لأنه قد صامه ولم يفطره. أبو محمد: وهو الصواب انتهى من التوضيح. واقتصر ابن عرفة على كلام ابن المواز. قاله الحطاب. ولو نذر صوم شهر بعينه لم يقض فيه، فإن قضى فحكمه حكم رمضان، قاله اللخمي، قاله الحطاب. وفي قول المصنف: "أبيح صومه"، إشكال؛ لأنه إذا أراد بالمباح: المباحَ الشرعي المستوي الطرفين فليس في السنة يوم أبيح صومه بهذا المعنى؛ لأن التطوع بالصوم مندوب إليه، وإن أراد بالمباح: الجائز الشامل للواجب والمندوب والمكروه والمباح، دخل فيه رابع النحر لأن صومه تطوعا مكروه على المشهور، فلو قال المصنف بزمن لم يمنع فيه من التطوع لصح كلامه، واستغنى عن قوله: "غير رمضان "، والمنع يشمل المحرم والمكروه. قاله الحطاب. تنبيهات: الأول: من نذر صوم الأبد ثم لزمه قضاء رمضان، أو صوم ظهار أو كفارة يمين، فعليه أن يصوم ما لزمه، قال ابن حبيب: ولا شيء عليه وقال سحنون: عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا. الثاني: من دام مرضه من رمضان حتى انقضى آخر، بدأ بالأول ويجزئ العكس. والله أعلم. قاله ابن عرفة عن ابن عبدوس عن أشهب. قاله الحطاب. الثالث: قال الإمام الحطاب: أيام رمضان هل يجب قضاؤها على الترتيب فينوي اليوم الأول من أيام القضاء لليوم الأول من الأيام الفائتة؟ لم أر فيه نصا صريحات والظاهر أنه لا يجب، ونقل عن

стр. 2413

سند أنه قال في فصل السهو في شرح مسألة من سها عن سجدة: وأما أيام رمضان فليس الترتيب فيها بمقصود، وإنما هو من ضرورة التعيين. الرابع: شمل قوله: "غير رمضان"، من كان مسافرا، ومن كان مقيما فلا يصح للمسافر أن يقضي رمضان في رمضان كما يأتي للمصنف، وأما الحاضر فقد مر الكلام عليه أول الحل. وإتمامه يعني أن من ظن أن في ذمته يوما، فشرع فيه، فإنه يلزمه إتمامه إن تبين له أنه ساقط عنه، ككونه ذكر قضاءه: أي قضاء اليوم الذي ظن أنه في ذمته: وككونها حاضت فيه وهو نذر معين، وكذا لو بلغ الصبي في أثناء النهار وهو صائم، فإنه يجب عليه إتمام ذلك اليوم، وسواء في ذلك رمضان وغيره كالنذر المعين والتطوع، ويقرب من مسألة المصنف هذه مسألة ابن قداح: من تلبس بصلاة الظهر ثم ذكر أنه صلاها، الظاهر أنه يتمادى على نافلته، ومن تلبس بصلاة العصر ثم ذكر أنه صلاها، فإن كان عقد ركعة أضاف إليها أخرى وسلم بنية النافلة، وإن لم يعقد ركعة قطع. انتهى. ومن أحرم بحج عما عليه ثم تبين له أنه قد أدى ما عليه، فإنه يتعين عليه ما أحرم به إلا أن الواجب الأول. انتهى. -والله أعلم- قاله الحطاب. وقوله: "وإتمامه" لخ، قال عبد الباقي: فإن أفطر فيه عمدا أو سهوا فعليه قضاؤه عند ابن شبلون وابن أبي زيد، وقال أشهب: لا يجب، وعليهما فيدخل في قوله: "وفي وجوب قضاء القضاء خلاف". انتهى. قوله: أو سهوا، فيه نظر لما يذكره بعد من أن الخلاف خاص بالعمد. انتهى. وقال الشارح بعد أن ذكر وجوب الإتمام عن ابن القاسم: ابن أبي زيد وابن شأس: فإن أفطر فعليه قضاؤه، ولأشهب لا شيء عليه. انتهى. وفي وجوب قضاء القضاء خلاف؛ يعني أن من شرع في قضاء يوم عليه من رمضان، أو تطوع أفطر فيه عمدا ثم أفطر في قضائه عمدا، اختلف هل يجب عليه قضاء يومين؛ يوم لرمضان مثلا، ويوم لقضاء قضائه وهو رواية سحنون عن ابن القاسم وقاله مالك، أو إنما يجب عليه قضاء يوم واحد لأنه الأصل والقضاء ليس مقصودا لذاته وهو رواية يحيى عن ابن القاسم أيضا؟ وشهر ابن الحاجب القول بعدم وجوب قضاء القضاء، وذكر الشارح في الصغير عن وجيز ابن غلاب أن المشهور وجوب قضاء القضاء، وظاهر القول الأول ولو تسلسل، وبه جزم ابن عرفة وابن رشد،

стр. 2414

ونصه في القول الأول: ثم إن أفطر بعد ذلك متعمدا في قضاء القضاء كان عليه صيام ثلاثة أيام، اليوم الذي كان ترتب في ذمته بالفطر في رمضان وبالفطر متعمدا في صيام التطوع، ويوم لفطره في القضاء متعمدا، ويوم لفطره في قضاء القضاء. وبما قررت علم أن محل الخلاف في الفطر عمدا؛ لأنه إن أفطر سهوا اتفق على عدم وجوب قضائه كما تفيده الذخيرة، خلافا لمن قال: إن الخلاف جار في فطره سهوا، فإن قيل: التطوع إذا أفطر فيه ساهيا لا يقضيه، وإذا أفطر في قضائه سهوا متعمدا فطر أصله في قضاء ذلك السهو خلاف، فجرى فيه خلاف، ولم يكن كأصله المُفْطَرِ فيه سهوا؟ فَالْجَوابُ أن قضاء التطوع واجب ابتداء بخلافه، وَإن قِيل: القول بعدم وجوب قضاء القضاء فيمن تعمد فطره، والاتفاق على عدم وجوب قضائه بفطره ناسيا كل منهما يشكل على قوله: وقضى في الفرض مطلقا؛ لأن صوم القضاء فرض؟ فَالجَوابُ أنه لما وجب قضاء الأصل بغيره، وألغي اعتباره لحصول الفطر فيه عمدا أو سهوا في كونه قضاء عن الأصل ونائبا عنه لم يطلب قضاؤه، وفارق النفل في وجوب قضائه في الفطر عمدا؛ لأنه لم يأت نائبا عن شيء، وإنما قصد لذاته بخلاف فطره عمدا في قضائه، فإنه مقصود لا لذاته، بل للنيابة عن غيره. قاله الشيخ عبد الباقي. وأدب المفطر عمدا، قوله: "وأدب" بصيغة الاسم، عطف على فاعل وجب؛ يعني أن الشخص إذا أفطر عمدا من غير عذر في رمضان، فإنه يجب تأديبه بما يراه الإمام، من ضرب أو سجن أو هما مع الكفارة، ليُجْمَع عليه عقوبة البدن والمال، وأما في النفل فلا أدب لاختلاف المذاهب، ولو كان فطره يوجب الحد كزنى وشرب خمر لَحُدَّ مع إقامة الأدب والكفارة، وإن كان رجما قدم الأدب عليه. قاله غير واحد. واستظهر المسناوي سقوط الأدب في هذا؛ لأن القتل يأتي علي الجميع وقد أتي علي بالنجاشي الشاعر وقد شرب خمرا في نتهر رمضان، فضربه الحد، ثم ضربه عشرين أو بضع عشرة، وقال: هذا لاجترائك على الله تعالى في شهر رمضان، وجاء أنه ضربه الحد ثم سجنه، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، وقال: هذه العشرون لجرأتك على الله تعالى وفطرك في شهر رمضان. قاله الشبراخيتي.

стр. 2415

وقد مر أن قوله: "وأدب" بصيغة الاسم عطفا على فاعل وجب، وعلى ذلك شرحه عبد الباقي، وقال الشبراخيتي عن الأجهوري: الأولى قراءته بالفعل. انتهى. ويأتي توجيهه لذلك إلا أن يأتي تائبا؛ يعني أن المفطر عمدا إذا أتى الإمام تائبا قبل الاطلاع عليه فإنه يسقط عنه الأدب، ولا خصوصية لهذا بهذا، بل سائر من وجب عليه أدب بحق الله تعالى إذا جاء تائبا يثبت له هذا الحكم. قاله الخرشي. وقد مر عن الشبراخيتي أن قوله: "وأدب" الأولى أن يقرأ بالفعل، ويكون الاستثناء باعتبار ظاهر اللفظ؛ أي وأدب إلا أن يأتي تائبا فلا يؤدب، فيصدق بعدم جواز التأديب لأنه على قراءته بالاسم يكون معطوفا على فاعل وجب، فيكون وجوب التأديب صريحا، فيشكل الاستثناء، بخلاف قراءته بالفعل فإنه لا يكون وجوب التأديب صريحا، فلا يشكل الاستثناء نظرا لظاهر اللفظ وهو التأديب لا للمعنى؛ وهو وجوب التأديب. انتهى. وقوله: "إلا أن يأتي تائبا"؛ أي لأن النبي ﷺ لم يُعَاقب السائل ولم يعنفه، ولو عوقب لخشي أن لا يأتي أحد يستفتي. اللخمي: ويجري فيه قول أنه يعاقب، قياسا على شاهد الزور إذا جاء تائبا. انظر التوضيح. وإطعام مده ﷺ لمفرط في قضاء رمضان لمثله قوله: "وإطعام"، معطوف على فاعل وجب، وهذا شروع من المصنف -عليه رحمة السلام، وجمعني وإياه في دار السلام- في الكفارة الصغرى؛ يعني أن من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر، فإنه يجب عليه أن يكفر بأن يطعم عن كل يوم يقضيه مدا لمسكين، كما قال: عن كل يوم لمسكين، قوله: "عن كل"، متعلق بقوله: "إطعام"، وكذا قوله: "لمسكين"، وأما قوله: "لمفرط"، فاللام فيه بمعنى: على؛ وهو متعلق "بوجب"، كما في الشبراخيتي، وأما قوله: "لمثله"، فاللام فيه للانتهاء، بمعنى: إلى، وهو متعلق بقوله: "لمفرط"، والضمير فيه عائد على رمضان. والله سبحانه أعلم. وقوله:. "لمفرط"، قال عبد الباقي: ولو عبدا أو سفيها، كان التفريط حقيقة أو حكما، كناسي القضاء لا المكره على تركه والجاهل، فإنه يجب تقديمه على رمضان التالي له، فليسا بمفرطين كمسافر ومريض. انتهى. قال محمد بن الحسن: كون الناسي مفرطا يجب عليه الإطعام، قال

стр. 2416

البرزلي: هو ظاهر المدونة، ونقل عن السيوري كما في الحطاب أنه لا إطعام، وأنه ليس مفرطا، قال بعض الشيوخ: وهو الظاهر. ثم إذا قلنا إن الناسي [مفرطٌ (١)]، فالجاهل أحرى؛ إذ لا يكون الجاهل أعذر من الناسي، فما ذكره الزرقاني من أن الجاهل ليس مفرطا والناسي مفرط غير ظاهر، ولا يتكرر الإطعام بتكرر المثل، فلو قال: لمثله أو أكثر لوفى بذلك، فإن لم يفرط كما إذا مرض أو سافر فلا يلزمه الإطعام كما يأتي قريبا: ولو فرط في ثاني عام والأظهر لا كفارة إن ظن شعبان كاملا فإذا هو ناقص. قاله الأمير. وقال: إن السفر ليس بعذرة وقال ابن الحاجب: ولا يجب قضاء رمضان على الفور اتفاقا، فإن أخره إلى رمضان ثان من غير عذر فالفدية اتفاقا، فلو مرض أو سافر عند تعين القضاء ففي الفدية قولان. انتهى. قال في التوضيح: أي لو لم يبق لرمضان إلا قدر ما عليه فمرض أو سافر حينئذ وهو مراده بقوله عند تعين القضاء. انتهى. وقوله: "لمسكين"، أي فلا يجزئه أن يعطيه مدين عن يومين، ولو أعطاه كل واحد في يومه حيث التفريط بعام واحد، فإن كانا عن عامين جاز، وكذا إن تغاير السبب كمرضع أفطرت وفرطت لكن مع الكراهة كما استظهره المصنف. وعلم من هذا أن المرضع إذا أفطرت أنها تطعم؛ وهو المشهور دون الحامل، فلا إطعام عليها كما مر، وإذا لم تقض الحامل حتى دخل عليها رمضان آخر فلا كفارة عليها؛ لأنها مريضة ما دامت حاملا. قاله عبد الباقي. ولا يعتد بالزائد؛ يعني أنه إذا دفع لمسكين واحد أكثر من مد فإنه لا يعتد بذلك الزائد على المد، وله نزعه إن بقي وَبَيَّنَ، ويفهم من المصنف أنه يعتد بالمد وهو كذلك، ونبه المصنف بقوله: "ولا يعتد بالزائد"، على خلاف الشافعي القائل بالإجزاء. إن أمكن قضاؤه بشعبان؛ هو راجع لقوله: "لمفرط"، وهو إيضاح له، فلو حذفه كان أولى لأنه ليس بشرط حقيقة، وإنما هو إيضاح للمفرط في قضاء رمضان لمثله، ووقع للمصنف نحو هذا في غير موضع، كقوله في باب الزكاة: "وعدم كفاية بقليل" لخ، وكقوله في الصداق: "ولكل تحليف الآخر فيما يفيد إقراره إن لم تقم بينة"، ومعنى كلام المصنف أن لزوم الإطعام للمفرط في قضاء رمضان لمثله إنما هو حيث أمكن قضاء ما عليه

стр. 2417

بشعبان؛ أي بقدر ما عليه من رمضان الذي يليه قبله؛ بأن يكون صحيحا مقيما خاليا من الأعذار حين تعين القضاء؛ أي حين بقي من شعبان قدر ما عليه، وأما إن بقي من شعبان قدر ما عليه، فمرض أو سافر أو نفست أو حاضت أو أغمي عليه أو جن، فإنه لا يجب عليه إطعام، ولو كان فيما قبل من الأيام متمكنا لا عذر له، فقوله: "إن أمكن قضاؤه"؛ أي الصوم أو المكلف، لا إن اتصل مرضه، هذا مفهوم قوله: "إن أمكن قضاؤه" لخ؛ يعني أنه إذا اتصل مرضه من القدر الواجب عليه إلى تمام شعبان، فلا إطعام عليه، وليس معنى قوله: "إن اتصل مرضه"، أنه اتصل من رمضان إلى رمضان كما هو ظاهره، ليلا يكون ماشيا على غير المشهور، وذلك لأنه إذا اتصل مرضه من رمضان إلى رمضان لا إطعام عليه اتفاقا، وإن مرض بقدر ما عليه في شعبان لا إطعام عليه على المشهور، قال في التوضيح: وذهب بعضهم إلى أن مراعاة ذلك في شهر شوال بعد رمضان الذي أفطره، فمتى مضى عليه عدد أيام ما أفطر وهو صحيح مقيم ولم يصم حتى دخل عليه رمضان آخر وجبت عليه الفدية، ولو كان لا يقدر على الصوم في بقية الحج، وهذا المذهب أسعد بظاهر الكتاب، ثم قال في التوضيح: وعلى هذا فكان الأولى أن يقول -يعني ابن الحاجب-: فلو مرض أو سافر بعد مضي أيام يمكنه فيها القضاء. والله أعلم. انتهى. يشير إلى قول ابن الحاجب الذي قدمت عند قوله: "عن كل يوم لمسكين"، وهو: ولا يجب قضاء رمضان على الفور اتفاقا، فإن أخره إلى رمضان ثان من غير عذر فالفدية اتفاقا، فلو مرض أو سافر عند تعين القضاء ففي الفدية قولان. انتهى. قوله: في بقية الحج؛ أي أشهر الحج. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. والله سبحانه أعلم. وقال في التوضيح أيضا: قال سند: إذا أمكنه القضاء فلم يقضه حتى مات، فالمذهب أنه لا إطعام عليه في ذلك؛ وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي: عليه الإطعام. انتهى. واعلم أن شعبان الذي يعتبر فيه التفريط وعدمه: شعبان الواقع في السنة التي تلي سنة رمضان الذي القضاء له، فمن لم يصم رمضان سنة إحدى وثلاثين مثلا، ولم يمكن له القضاء لمرض -مثلا- وصام رمضان سنة اثنين وثلاثين، ولم يقض حتى دخل شعبان سنة ثلاث وثلاثين، وأمكنه القضاء ولم يقض حتى صام رمضان سنة ثلاث وثلاثين، فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يفرط في

стр. 2418

القضاء في شعبان الواقع في السنة التي تلي سنة رمضان الذي القضاء له، ولو لم يصم في الفرض المذكور رمضان سنة اثنين وثلاثين، فإن فرط في قضائه في شعبان سنة ثلاث وثلاثين كان عليه فيه وحده الكفارة، قال غير واحد: قال الشيخ أحمد: ومقتضى كلام المصنف أن من عليه خمسة أيام من رمضان، ثم ترك قضاءها أول شعبان وأخرها إلى أن بقي منه أيام، فمرضها إلى أن دخل رمضان يلزمه الإطعام، والنص أنه لا إطعام عليه في هذا الفرض، وهو مقدم على المقتضى، وقوله: "مرضه"، صوابه: عذره، ليشمل السفر والإغماء والجنون والحيض والنفاس والإكراه، وقال أحمد عقب ما مر عنه: انظر فيمن عليه ثلاثون يوما ثم صام من أول شعبان فكان تسعة وعشرين، هل عليه الإطعام أي ليوم أم لا؟ والظاهر الثاني. انتهى. أي لأن هذا لم يفرط في القضاء بشعبان وهو ظاهر، ويفهم من المسألة المتقدمة المنصوصة بالأولى. قاله عبد الباقي. وقوله: مع القضاء، متعلق "بإطعام"؛ يعني أن الإطعام المذكور يندب أن يكون مع القضاء، فكل ما أخذ يقضي يوما أخرج مدا. أو بعده؛ يعني أن المفرط بالخيار بين أن يطعم مع القضاء فكلما أخذ يقضي يوما أطعم مدا، وبين أن يطعم بعد القضاء، يحتمل بعد مضي كل يوم، ويحتمل بعد فراغ أيام القضاء فإن أخرجها بعد الوجوب وقبل الشروع في القضاء، خالف الندب وأجزأه ذلك، فإن قدمها حين إمكان القضاء بشعبان فلا تجزئ؛ إذ لا وجوب عليه مع الإمكان بشعبان، والوجوب يحصل بدخول رمضان الثاني، بأن لا يبقى من شعبان ما يفعل فيه، فمن عليه عشرة أيام مثلا فلم يصمها تفريطا حتى بقي من شعبان يومان؛ فإن الثمانية الماضية وجبت فيها الكفارة قبل مضي شعبان، فيجزئ الإخراج عنها حينئذ على الراجح، بخلاف اليومين الباقيين فلا يجزئ الإخراج عنهما لتمكنه من قضائهما. ابن حبيب: المستحب كلما صام يوما أطعم مسكينا، ومن قدم الإطعام أو أخره أو فرقه أو جمعه أجزأه، وفي الجلاب: إذا قدمه قبل القضاء أو أخره أجزأه، والاختيار أن يطعم مع القضاء. واعلم أن إطعام المرضع والهرم والعطش كإطعام المفرط في أن كلا من ذلك مد عن كل يوم لمسكين. ومنذور؛ معطوف على فاعل وجب، والضمير عائد على الصوم أو المكلف أو الناذر؛ يعني أنه يلزم المكلف الوفاء بما نذره من الصوم يوما أو يومين أو أكثر، معينا أو غير معين وكذا يلزمه؟

стр. 2419

منذوره من أي نوع من أنواع البر كالصدقة والحج والصلاة والاعتكاف، ونحو ذلك كما يأتي في باب النذر، ومن قال: لله تعالى علي صوم ولم ينو شيئا لزمه يوم، ويستحب ثلاثة أيام، ولو قال: الصيام يلزمني ولا نية له، لزمه ثلاثة أيام عند المشذالي، وبحث فيه الحطاب، وقال: الصواب أن يلزمه يوم واحد على قولهم: الطلاق يلزمه ولا نية له، فإنما تلزمه واحدة. ابن عرفة: وفطر ناذر الدهر نسيانا أو لعذر لغو وعمدا في كونه كذلك، ولزوم كفارة التفريط أو الانتهاك قولا سحنون وابن حبيب مع روايته فيه، وفي صوم من نذر الاثنين والخميس أبدا. انتهى. نقله الحطاب هنا، وقد قدم عند قوله: "في رمضان فقط"، عن التوضيح فيمن نذر صيام الدهر ثم أفطر يوما متعمدا كافة الناس لا شيء عليه وليستغفر الله، وقدم عنده عن سحنون قولا بكفارة التفريط في فطره عمدا، وقولا لسحنون أيضا بكفارة الانتهاك. والله سبحانه أعلم. ومن نذر صوم نصف يوم لزمه إتمامه، وقيل: يسقط لأنه لم ينذر طاعة، وهل يتخرج على ذلك كل نذر نصف عبادة كركعة أو نصف حج، ذكر اللخمي في هذا الأصل خلافا مخرجا على نذر اعتكاف ليلة، هل يلزمه يومها وهو مذهب ابن القاسم، أولا يلزمه شيء؟ ومن قال: لله تعالى علي أن أصوم هذا الشهر يوما صام يوما واحدا منه، وإن نذر أن يصوم هذا اليوم شهرا فليصم مثل ذلك اليوم ثلاثين يوما، فإن كان يوم خميس مثلا لزمه أن يصوم ثلاثين يوما كلها يوم خميس، ووجه ما قبلها أنه جعل اليوم بدلا من الشهر بدل بعض من كل، أو جعل اليوم مفعولا به والشهر ظرفا، ومن قال: علي صوم المسلمين لزمه صوم يوم فقط، ولو قال: نذرت غدا يوم الجمعة أو عكسه فإذا هو الخميس، فالعبرة بما عول عليه في نيته، فإن لم يكن فالأظهر ما قدمه. قاله الأمير. والأكثر، عطف على فاعل وجب، يعني أنه إذا احتمل لفظ الناذر أن يراد به واحد من عددين أحدهما أكثر من الآخر، فإنه يلزمه الأكثر احتياطا حيث لا نية له بواحد منهما، وإلا عَمِلَ على ما نوى إن احتمله لفظه؛ أي إذا أتى الناذر بلفظ يحتمل أن يراد به عدد وعدد أقل منه، فإنه يلزمه الأكثر احتياطا كما قررت، ومثل المصنف لذلك بقوله: كشهر؛ يعني أن الشخص إذا قال: لله تعالى علي صوم شهر، فإنه يلزمه أن يصوم ثلاثين يوما.

стр. 2420

وبما قررت علم أن قوله: "ثلاثين"، معمول ليصوم مقدرا؛ أي فيصوم ثلاثين، وقد علمت أن الشهر يحتمل ثلاثين يوما، ويحتملى تسعة وعشرين يوما، إن لم يبدأ بالهلال؛ يعني أن محل لزوم صوم ثلاثين لمن نذر صوم شهر، إنما هو فيمن لم يبدأ الصوم بالهلال، وأما إن بدأ بالهلال بأن صام أول يوم منه واستمر صائما حتى انقضى ذلك الشهر الذي بدأ بأول يوم منه فإنه يجتزئ به كان ثلاثين يوما، أو تسعة وعشرين يوما، ويلزمه إتمامه إذا كان كاملا، ومن نذر نصف شهر ولا نية له، لزمه خمسة عشر يوما إن لم ينذره بعد مضي النصف، فإن نذر نصفه بعد مضي نصفه كمله حيث كان كاملا، وكذا إن كان ناقصا على المشهور فيكمله خمسة عشر؛ لأنه كمن نذر أربعة عشر ونصفا، وقد مر أن من نذر نصف يوم لزمه إتمامه، وقيل يسقط، ومقابل المشهور أنه يصوم أربعة عشر فقط وهو لابن الماجشون، ووجهه أنه لم ينذر طاعة، وقوله: "فثلاثين"، هو مذهب المدونة، وقال ابن عبد الحكم: يجزئه أن يصوم تسعة وعشرين؛ لأن الأصل براءة الذمة، ومحل الخلاف إن لم يبدأ بالهلال وإلا لزمه إتمامه كاملا أو ناقصا اتفاقا، وعورض ما للمصنف هنا بما في كتاب الحج أن من قال: لله علي هدي أجزأته شاة، فقياس ما هنا أن تلزمه بدنة، وفرق بأن الأصل في الشهر ثلاثون، وأما الهدي فلم يتقرر له أصل فأجزأه أدناه، وبأن المال يشق فلزمه الأقل، ولذا لزم من قال مالي في سبيل الله تعالى ثلث ماله تخفيفا. وبما قررت علم أن قوله: والأكثر، يدخل فيه ما إذا نذر نصف شهر، أو ثلث شهر، أو ربع شهر، أو نحو ذلك. والله سبحانه أعلم. وابتداء سنة؛ يعني أن الشخص إذا نذر صوم سنة بأن قال: لله تعالى علي صوم سنة؛ وهي الصيغة الآتية، فإنه يلزمه أن يبتدئ صوم سنة كاملة، أي يلزمه أن يصوم سنة كاملة؛ بأن يصوم اثني عشر شهرا، ولا يكتفي بصوم باقي السنة؛ أي بما بين وقت قوله ذلك والمحرم من الزمن، وليس المراد بالابتداء الشروع في الصوم من حين النذر أو الحنث، وحينئذ فالأحسن أن يقول: وأتى بسنة لأنه أصرح في المراد، وإن أجيب عنه بأن المراد بالابتداء الاستيناف والاستقبال لا الشروع، كما أشرت إلى ذلك في أول الحل. والله سبحانه أعلم. وقضى ما لا يصح صومه؛ يعني أن الشخص إذا قال: لله تعالى علي صوم سنة، فإنه يلزمه أن يصوم اثني عشر شهرا، ويلزمه أن يقضي ما لا يصح فيه صوم النذر كالعيدين، وتاليي النحر،
следующие страницы →