← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

البرزلي: هو ظاهر المدونة، ونقل عن السيوري كما في الحطاب أنه لا إطعام، وأنه ليس مفرطا، قال بعض الشيوخ: وهو الظاهر. ثم إذا قلنا إن الناسي [مفرطٌ (١)]، فالجاهل أحرى؛ إذ لا يكون الجاهل أعذر من الناسي، فما ذكره الزرقاني من أن الجاهل ليس مفرطا والناسي مفرط غير ظاهر، ولا يتكرر الإطعام بتكرر المثل، فلو قال: لمثله أو أكثر لوفى بذلك، فإن لم يفرط كما إذا مرض أو سافر فلا يلزمه الإطعام كما يأتي قريبا: ولو فرط في ثاني عام والأظهر لا كفارة إن ظن شعبان كاملا فإذا هو ناقص. قاله الأمير. وقال: إن السفر ليس بعذرة وقال ابن الحاجب: ولا يجب قضاء رمضان على الفور اتفاقا، فإن أخره إلى رمضان ثان من غير عذر فالفدية اتفاقا، فلو مرض أو سافر عند تعين القضاء ففي الفدية قولان. انتهى. قال في التوضيح: أي لو لم يبق لرمضان إلا قدر ما عليه فمرض أو سافر حينئذ وهو مراده بقوله عند تعين القضاء. انتهى. وقوله: "لمسكين"، أي فلا يجزئه أن يعطيه مدين عن يومين، ولو أعطاه كل واحد في يومه حيث التفريط بعام واحد، فإن كانا عن عامين جاز، وكذا إن تغاير السبب كمرضع أفطرت وفرطت لكن مع الكراهة كما استظهره المصنف. وعلم من هذا أن المرضع إذا أفطرت أنها تطعم؛ وهو المشهور دون الحامل، فلا إطعام عليها كما مر، وإذا لم تقض الحامل حتى دخل عليها رمضان آخر فلا كفارة عليها؛ لأنها مريضة ما دامت حاملا. قاله عبد الباقي. ولا يعتد بالزائد؛ يعني أنه إذا دفع لمسكين واحد أكثر من مد فإنه لا يعتد بذلك الزائد على المد، وله نزعه إن بقي وَبَيَّنَ، ويفهم من المصنف أنه يعتد بالمد وهو كذلك، ونبه المصنف بقوله: "ولا يعتد بالزائد"، على خلاف الشافعي القائل بالإجزاء. إن أمكن قضاؤه بشعبان؛ هو راجع لقوله: "لمفرط"، وهو إيضاح له، فلو حذفه كان أولى لأنه ليس بشرط حقيقة، وإنما هو إيضاح للمفرط في قضاء رمضان لمثله، ووقع للمصنف نحو هذا في غير موضع، كقوله في باب الزكاة: "وعدم كفاية بقليل" لخ، وكقوله في الصداق: "ولكل تحليف الآخر فيما يفيد إقراره إن لم تقم بينة"، ومعنى كلام المصنف أن لزوم الإطعام للمفرط في قضاء رمضان لمثله إنما هو حيث أمكن قضاء ما عليه

стр. 2417

بشعبان؛ أي بقدر ما عليه من رمضان الذي يليه قبله؛ بأن يكون صحيحا مقيما خاليا من الأعذار حين تعين القضاء؛ أي حين بقي من شعبان قدر ما عليه، وأما إن بقي من شعبان قدر ما عليه، فمرض أو سافر أو نفست أو حاضت أو أغمي عليه أو جن، فإنه لا يجب عليه إطعام، ولو كان فيما قبل من الأيام متمكنا لا عذر له، فقوله: "إن أمكن قضاؤه"؛ أي الصوم أو المكلف، لا إن اتصل مرضه، هذا مفهوم قوله: "إن أمكن قضاؤه" لخ؛ يعني أنه إذا اتصل مرضه من القدر الواجب عليه إلى تمام شعبان، فلا إطعام عليه، وليس معنى قوله: "إن اتصل مرضه"، أنه اتصل من رمضان إلى رمضان كما هو ظاهره، ليلا يكون ماشيا على غير المشهور، وذلك لأنه إذا اتصل مرضه من رمضان إلى رمضان لا إطعام عليه اتفاقا، وإن مرض بقدر ما عليه في شعبان لا إطعام عليه على المشهور، قال في التوضيح: وذهب بعضهم إلى أن مراعاة ذلك في شهر شوال بعد رمضان الذي أفطره، فمتى مضى عليه عدد أيام ما أفطر وهو صحيح مقيم ولم يصم حتى دخل عليه رمضان آخر وجبت عليه الفدية، ولو كان لا يقدر على الصوم في بقية الحج، وهذا المذهب أسعد بظاهر الكتاب، ثم قال في التوضيح: وعلى هذا فكان الأولى أن يقول -يعني ابن الحاجب-: فلو مرض أو سافر بعد مضي أيام يمكنه فيها القضاء. والله أعلم. انتهى. يشير إلى قول ابن الحاجب الذي قدمت عند قوله: "عن كل يوم لمسكين"، وهو: ولا يجب قضاء رمضان على الفور اتفاقا، فإن أخره إلى رمضان ثان من غير عذر فالفدية اتفاقا، فلو مرض أو سافر عند تعين القضاء ففي الفدية قولان. انتهى. قوله: في بقية الحج؛ أي أشهر الحج. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. والله سبحانه أعلم. وقال في التوضيح أيضا: قال سند: إذا أمكنه القضاء فلم يقضه حتى مات، فالمذهب أنه لا إطعام عليه في ذلك؛ وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي: عليه الإطعام. انتهى. واعلم أن شعبان الذي يعتبر فيه التفريط وعدمه: شعبان الواقع في السنة التي تلي سنة رمضان الذي القضاء له، فمن لم يصم رمضان سنة إحدى وثلاثين مثلا، ولم يمكن له القضاء لمرض -مثلا- وصام رمضان سنة اثنين وثلاثين، ولم يقض حتى دخل شعبان سنة ثلاث وثلاثين، وأمكنه القضاء ولم يقض حتى صام رمضان سنة ثلاث وثلاثين، فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يفرط في

стр. 2418

القضاء في شعبان الواقع في السنة التي تلي سنة رمضان الذي القضاء له، ولو لم يصم في الفرض المذكور رمضان سنة اثنين وثلاثين، فإن فرط في قضائه في شعبان سنة ثلاث وثلاثين كان عليه فيه وحده الكفارة، قال غير واحد: قال الشيخ أحمد: ومقتضى كلام المصنف أن من عليه خمسة أيام من رمضان، ثم ترك قضاءها أول شعبان وأخرها إلى أن بقي منه أيام، فمرضها إلى أن دخل رمضان يلزمه الإطعام، والنص أنه لا إطعام عليه في هذا الفرض، وهو مقدم على المقتضى، وقوله: "مرضه"، صوابه: عذره، ليشمل السفر والإغماء والجنون والحيض والنفاس والإكراه، وقال أحمد عقب ما مر عنه: انظر فيمن عليه ثلاثون يوما ثم صام من أول شعبان فكان تسعة وعشرين، هل عليه الإطعام أي ليوم أم لا؟ والظاهر الثاني. انتهى. أي لأن هذا لم يفرط في القضاء بشعبان وهو ظاهر، ويفهم من المسألة المتقدمة المنصوصة بالأولى. قاله عبد الباقي. وقوله: مع القضاء، متعلق "بإطعام"؛ يعني أن الإطعام المذكور يندب أن يكون مع القضاء، فكل ما أخذ يقضي يوما أخرج مدا. أو بعده؛ يعني أن المفرط بالخيار بين أن يطعم مع القضاء فكلما أخذ يقضي يوما أطعم مدا، وبين أن يطعم بعد القضاء، يحتمل بعد مضي كل يوم، ويحتمل بعد فراغ أيام القضاء فإن أخرجها بعد الوجوب وقبل الشروع في القضاء، خالف الندب وأجزأه ذلك، فإن قدمها حين إمكان القضاء بشعبان فلا تجزئ؛ إذ لا وجوب عليه مع الإمكان بشعبان، والوجوب يحصل بدخول رمضان الثاني، بأن لا يبقى من شعبان ما يفعل فيه، فمن عليه عشرة أيام مثلا فلم يصمها تفريطا حتى بقي من شعبان يومان؛ فإن الثمانية الماضية وجبت فيها الكفارة قبل مضي شعبان، فيجزئ الإخراج عنها حينئذ على الراجح، بخلاف اليومين الباقيين فلا يجزئ الإخراج عنهما لتمكنه من قضائهما. ابن حبيب: المستحب كلما صام يوما أطعم مسكينا، ومن قدم الإطعام أو أخره أو فرقه أو جمعه أجزأه، وفي الجلاب: إذا قدمه قبل القضاء أو أخره أجزأه، والاختيار أن يطعم مع القضاء. واعلم أن إطعام المرضع والهرم والعطش كإطعام المفرط في أن كلا من ذلك مد عن كل يوم لمسكين. ومنذور؛ معطوف على فاعل وجب، والضمير عائد على الصوم أو المكلف أو الناذر؛ يعني أنه يلزم المكلف الوفاء بما نذره من الصوم يوما أو يومين أو أكثر، معينا أو غير معين وكذا يلزمه؟

стр. 2419

منذوره من أي نوع من أنواع البر كالصدقة والحج والصلاة والاعتكاف، ونحو ذلك كما يأتي في باب النذر، ومن قال: لله تعالى علي صوم ولم ينو شيئا لزمه يوم، ويستحب ثلاثة أيام، ولو قال: الصيام يلزمني ولا نية له، لزمه ثلاثة أيام عند المشذالي، وبحث فيه الحطاب، وقال: الصواب أن يلزمه يوم واحد على قولهم: الطلاق يلزمه ولا نية له، فإنما تلزمه واحدة. ابن عرفة: وفطر ناذر الدهر نسيانا أو لعذر لغو وعمدا في كونه كذلك، ولزوم كفارة التفريط أو الانتهاك قولا سحنون وابن حبيب مع روايته فيه، وفي صوم من نذر الاثنين والخميس أبدا. انتهى. نقله الحطاب هنا، وقد قدم عند قوله: "في رمضان فقط"، عن التوضيح فيمن نذر صيام الدهر ثم أفطر يوما متعمدا كافة الناس لا شيء عليه وليستغفر الله، وقدم عنده عن سحنون قولا بكفارة التفريط في فطره عمدا، وقولا لسحنون أيضا بكفارة الانتهاك. والله سبحانه أعلم. ومن نذر صوم نصف يوم لزمه إتمامه، وقيل: يسقط لأنه لم ينذر طاعة، وهل يتخرج على ذلك كل نذر نصف عبادة كركعة أو نصف حج، ذكر اللخمي في هذا الأصل خلافا مخرجا على نذر اعتكاف ليلة، هل يلزمه يومها وهو مذهب ابن القاسم، أولا يلزمه شيء؟ ومن قال: لله تعالى علي أن أصوم هذا الشهر يوما صام يوما واحدا منه، وإن نذر أن يصوم هذا اليوم شهرا فليصم مثل ذلك اليوم ثلاثين يوما، فإن كان يوم خميس مثلا لزمه أن يصوم ثلاثين يوما كلها يوم خميس، ووجه ما قبلها أنه جعل اليوم بدلا من الشهر بدل بعض من كل، أو جعل اليوم مفعولا به والشهر ظرفا، ومن قال: علي صوم المسلمين لزمه صوم يوم فقط، ولو قال: نذرت غدا يوم الجمعة أو عكسه فإذا هو الخميس، فالعبرة بما عول عليه في نيته، فإن لم يكن فالأظهر ما قدمه. قاله الأمير. والأكثر، عطف على فاعل وجب، يعني أنه إذا احتمل لفظ الناذر أن يراد به واحد من عددين أحدهما أكثر من الآخر، فإنه يلزمه الأكثر احتياطا حيث لا نية له بواحد منهما، وإلا عَمِلَ على ما نوى إن احتمله لفظه؛ أي إذا أتى الناذر بلفظ يحتمل أن يراد به عدد وعدد أقل منه، فإنه يلزمه الأكثر احتياطا كما قررت، ومثل المصنف لذلك بقوله: كشهر؛ يعني أن الشخص إذا قال: لله تعالى علي صوم شهر، فإنه يلزمه أن يصوم ثلاثين يوما.

стр. 2420

وبما قررت علم أن قوله: "ثلاثين"، معمول ليصوم مقدرا؛ أي فيصوم ثلاثين، وقد علمت أن الشهر يحتمل ثلاثين يوما، ويحتملى تسعة وعشرين يوما، إن لم يبدأ بالهلال؛ يعني أن محل لزوم صوم ثلاثين لمن نذر صوم شهر، إنما هو فيمن لم يبدأ الصوم بالهلال، وأما إن بدأ بالهلال بأن صام أول يوم منه واستمر صائما حتى انقضى ذلك الشهر الذي بدأ بأول يوم منه فإنه يجتزئ به كان ثلاثين يوما، أو تسعة وعشرين يوما، ويلزمه إتمامه إذا كان كاملا، ومن نذر نصف شهر ولا نية له، لزمه خمسة عشر يوما إن لم ينذره بعد مضي النصف، فإن نذر نصفه بعد مضي نصفه كمله حيث كان كاملا، وكذا إن كان ناقصا على المشهور فيكمله خمسة عشر؛ لأنه كمن نذر أربعة عشر ونصفا، وقد مر أن من نذر نصف يوم لزمه إتمامه، وقيل يسقط، ومقابل المشهور أنه يصوم أربعة عشر فقط وهو لابن الماجشون، ووجهه أنه لم ينذر طاعة، وقوله: "فثلاثين"، هو مذهب المدونة، وقال ابن عبد الحكم: يجزئه أن يصوم تسعة وعشرين؛ لأن الأصل براءة الذمة، ومحل الخلاف إن لم يبدأ بالهلال وإلا لزمه إتمامه كاملا أو ناقصا اتفاقا، وعورض ما للمصنف هنا بما في كتاب الحج أن من قال: لله علي هدي أجزأته شاة، فقياس ما هنا أن تلزمه بدنة، وفرق بأن الأصل في الشهر ثلاثون، وأما الهدي فلم يتقرر له أصل فأجزأه أدناه، وبأن المال يشق فلزمه الأقل، ولذا لزم من قال مالي في سبيل الله تعالى ثلث ماله تخفيفا. وبما قررت علم أن قوله: والأكثر، يدخل فيه ما إذا نذر نصف شهر، أو ثلث شهر، أو ربع شهر، أو نحو ذلك. والله سبحانه أعلم. وابتداء سنة؛ يعني أن الشخص إذا نذر صوم سنة بأن قال: لله تعالى علي صوم سنة؛ وهي الصيغة الآتية، فإنه يلزمه أن يبتدئ صوم سنة كاملة، أي يلزمه أن يصوم سنة كاملة؛ بأن يصوم اثني عشر شهرا، ولا يكتفي بصوم باقي السنة؛ أي بما بين وقت قوله ذلك والمحرم من الزمن، وليس المراد بالابتداء الشروع في الصوم من حين النذر أو الحنث، وحينئذ فالأحسن أن يقول: وأتى بسنة لأنه أصرح في المراد، وإن أجيب عنه بأن المراد بالابتداء الاستيناف والاستقبال لا الشروع، كما أشرت إلى ذلك في أول الحل. والله سبحانه أعلم. وقضى ما لا يصح صومه؛ يعني أن الشخص إذا قال: لله تعالى علي صوم سنة، فإنه يلزمه أن يصوم اثني عشر شهرا، ويلزمه أن يقضي ما لا يصح فيه صوم النذر كالعيدين، وتاليي النحر،

стр. 2421

وأيام الحيض والنفاس، ورمضان، ويوم نذره قبل ذلك مكرر، ككل خميس ونحو ذلك، وجعل الشارح والحطاب والتتائي مما لا يصح صومه رابع النحر، وهو الذي في المواق عن المختصر وغيره، وقال عقبه: وهذا بين لأنها سنة غير معينة، فصار اليوم الرابع لم ينذره، وهو لا يصومه إلا من نذره قال محمد بن الحسن: فمراد المصنف ما لا يصح صومه أصلا أو لا يصح صحة كاملة. انتهى. وهذا هو الصواب كما قاله الرماصي، وما صام من هذه السنة بالأهلة احتسب به، وما أفطر فيه من المشهور فإنه يكمله ثلاثين، وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن هذا الناذر لا يلزمه قضاء رابع النحر إذا صامه، ورد عليه ذلك محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وقضى"، في إطلاق القضاء هنا تجوز؛ لأنها ليست بأيام من سنة معينة فاتت فتقضى، إنما هي في الذمة. في سنة، راجع لقوله: "وابتداء سنة" لخ؛ يعني أن من قال لله تعالى علي صوم سنة، يلزمه أن يستأنف صوم سنة كاملة، ويقضي الأيام التي لا يصح صومها في النذر على ما مر بيانه، فقوله: "في سنة"، متعلق "بوجب"، ومعناه: وجب في قوله: لله تعالى علي صوم سنة ابتداء الخ. إلا أن يسميها؛ يعني أن ما تقدم من لزوم صوم السنة وقضاء ما لا يصح صومه إنما هو حيث كانت السنة المنذورة مبهمة كما مر، وأما إن كانت السنة معينة، بأن سماها كأن يقول: لله تعالى علي صوم سنة اثنتين وستين بعد المائتين والألف مثلا، فإنه يلزمه أن يصوم الباقي منها؛ أي ما قبل المحرم، حيث قال ذلك في أثنائها. والحاصل أن المعينة تفترق هي والمبهمة في ثلاث: الفورية، والمتابعة، ورابع النحر، فتجب في المعينة دون المبهمة. أو يقول هذه، عطف على قوله: "أن يسميها"، فهو في حيز الاستثناء؛ يعني أن الشخص إذا قال: لله تعالى علي صوم هذه السنة؛ وهو في أثناء السنة المذكورة مثلا، فإنما يلزمه الباقي منها، أي ما قبل المحرم، هذا إذا نوى الباقي، كما أشار إلى ذلك بقوله: أو يَنوِيَ بَاقِيَها. فإذا قال وهو في رمضان: لله تعالى علي صوم هذه السنة، ونوى الباقي منها، فإنه يلزمه صوم شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، وأما الباقي من رمضان فإنه يصومه لكونه من رمضان لا

стр. 2422

للنذر، فقوله: فهو، الفاء داخلة على مبتدإ مقدر، والضمير خبره؛ أي فاللازم له هو أي الباقي في الصورتين؛ أي فيما إذا سماها، وفيما إذا قال هذه ونوى باقيها. وبما قررت علم أن قوله: "وينوي باقيها"، إنما هو قيد في الأخيرة لا التي قبلها، ويلزم الابتداءُ في المسألتين من حين النذر، أو الحنث، ومتابعةُ الصوم، ورابع النحر. ولا يلزم القضاء؛ يعني أنه لا يلزم القضاء لما فات من السنة في الصورتين قبل النذر أو الحنث، ولا قضاء ما لا يصح صومه فيما بعد النذر أو الحنث: ولا ما يجب كرمضان كما في ابن عرفة، ولا ما أفطره لمرض أو حيض كما قدمه، بقوله: إلا المعين لمرض أو حيض، ومفهوم قوله: "أو ينوي باقيها"، أنه إن لم ينو باقيها فإنه يكون كنذر سنة مبهمة في وجوب ابتداء سنة كاملة. وقضاء ما لا يصح صومه لا في غير ذلك من الأحكام كالفورية والتابعة، فإنهما واجبتان في هذه دون المبهمة. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "وينوي باقيها"، بالواو كما في بعض النسخ، وفي بعضها بأو وهي بمعنى الواو، فالمصنف إنما اشتمل فيما بعد الاستثناء على المسألتين، ومن نذر صوم يوم الخميس مثلا أبدا، ثم نذر بعد ذلك صيام سنة بعينها يصوم اليوم الذي نذره لنذره ولا يقضيه لتلك السنة، كما لا يقضي رمضان ولا أيام الأعياد والأعذار. بخلاف فطره لسفر؛ يعني أن من أفطر في النذر المعين كما في هاتين المسألتين لأجل سفر، يلزمه أن يقضي ما أفطره لأجل سفره، ومثل السفر الإكراه والنسيان. وصبيحة القدوم في يوم قدومه؛ يعني أن الشخص إذا نذر صوم يوم قدوم فلان، كقوله: لله تعالى علي صوم يوم قدوم زيد من سفره، فإنه يلزمه أن يصوم صبيحة قدوم زيد، والمراد بالصبيحة اليوم كله لا أوله فقط، ومحل لزوم صوم يوم قدوم زيد لهذا الناذر، إنما هو إن قدم زيد ليلة يوم غير يوم عيد فطر أو أضحى. ومثل العيد ما منع صومه لمانع كحيض أو نفاس، أو لكونه لا يصام لنذر كرمضان، ولو أبدل عيدا بعذر لشمل ما ذكر، وإلا يقدم زيد ليلة غير عيد؛ أي عذر، بل قدم نهارا أو ليلة عيد أو حيض أو نفاس أو رمضان، فلا يلزمه صوم ذلك اليوم ولا قضاؤه.

стр. 2423

قال الشيخ عبد الباقي بعد كلام: فتلخص أنه متى قدم ليلة يصام يومها تطوعا لزمه صومه فقط إن لم يقيد بأبدا، ومماثله أيضا إن قيد بأبدا. ومتى قدم ليلة عيد لم يلزمه قضاؤه ولا صوم مماثله إن قيد بأبدا. ومتى قدم نهارا غير عيد لم يلزمه قضاؤه صيم تطوعا أم لا، ولزمه مماثله إن قيد بأبدا، وقوله: "وإلا فلا"، محله ما لم ينو مطلق الزمن فيلزمه صوم يوم، والظاهر اللزوم إذا لم يعلم هل قدم نهارا أو ليلا؟ احتياطا، وانظر لو قدم به ميتا ليلة غير عيد ونحوه، هل يلزمه الصوم أم لا؟ انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: والذي يظهر أنه لا يلزمه شيء. والله سبحانه أعلم. انتهى. وقال الأمير: وإلا بأن قدم نهارا أو ليلة كعيد فلا إلا أن ينوي التأبيد، فمثله كل أسبوع، ظاهره ولو في العيد وهو ما قواه بناني، ورد على الأجهوري وعبد الباقي. انتهى. وقال محمد بن الحسن: والظاهر أنه لا فرق بين العيد وغيره في لزوم صوم مماثله من الأسبوع إن قيد بأبدا؛ لأن المتبادر من ذلك هو المماثل في الأسبوع لا المماثل في الصفة. انتهى. وفي المدونة: من نذر صوم يوم قدوم فلان فقدم ليلا، صام صبيحة تلك الليلة، وإن قدم نهارًا وبَيَّتَ الناذر الفطر فلا قضاء عليه، وإن نذر صوم يوم قدومه أبدا، فقدم يوم الاثنين صام كل اثنين فيما يستقبل، ومن نذر صوم غد فإذا هو يوم الفطر أو يوم الأضحى وقد علم به أم لا فلا يصومه ولا قضاء عليه فيه. أبو الحسن: هذا على أحد قولي مالك: هذا فيمن نذر صوم ذي الحجة، وعلى القول الآخر عليه، وهذا إذا علم أنه يوم الفطر أو الأضحى، وأما إن لم يعلم فلا قضاء عليه، ومن حلف ليصومن غدا فإذا هو يوم الفطر أو الأضحى لا شيء عليه لأنه إنما أراد صياما يثاب عليه. انتهى. قاله الحطاب عن العتبية. وصيام الجمعة إن نسي اليوم؛ يعني أن الشخص إذا نذر صوم يوم معين، وقال: من جمعة وأحدة، ونسيه فإنه يلزمه أن يصوم الجمعة كلها، أي يلزمه أن يصوم أيام الأسبوع كلها، هذا هو القول المشهور، واختاره اللخمي، ولهذا قال: علي المختار، وقيل: يصوم، أي يوم شاء، وقيل: يصوم آخر الأيام وهو يوم الجمعة، وهذه الأقوال نقلت عن سحنون، وآخر أقواله أنه يصوم جميعها، واستظهر للاحتياط.

стр. 2424

وبما قررت علم أن قول المصنف: "على المختار"، صواب، فقول عبد الباقي: صوابه على ما اختير غير صحيح، قال ابن الحاجب: ولو نذر يوما بعينه ونسيه فثلاثة يتخير وجميعها وآخرها. انتهى. التوضيح: الأقوال كلها نقلت عن سحنون، وآخر أقواله أن يصومها جميعها واستظهر للاحتياط. انتهى. وفي المواق: الذي رجع إليه سحنون أن من نذر صوم يوم بعينه فنسيه أنه يصوم الجمعة كلها. انتهى. نقله محمد بن الحسن. وقال عقبه: فتبين أن ما اختاره اللخمي هو قول سحنون، لا من عند نفسه. انتهى. وأما إن نذر صوم يوم قدوم زيد ونسي يوم قدومه، فإنه يصوم أي يوم شاء، فإن نذر صوم يوم القدوم أبدا ثم نسيه، ففي سماع ابن القاسم أنه يصوم اليوم الآخر من الجمعة أبدا وهو يوم الجمعة، وقال اللخمي: آخر قول سحنون أنه يصوم الدهر وهو الأقيس. انتهى. وأما إن نذر صوم يوم بعينه ولم يقل من جمعة، فإنه يلزمه أيضا صومها وليس للخمي فيها اختيار. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو صام اليوم المعين الذي نذره فأفطر فيه ناسيا، ثم نسي أي يوم كان من الجمعة أجزأه صوم يوم واحد، فلو ظن أنه يوم بعينه فنواه لقضائه، ثم انكشف أنه غيره، فالظاهر عندي أنه لا يجزئه. قاله ابن رشد. نقله غير واحد. وقال الشيخ الأمير: فإن نذر يوما يأتي ونسيه صام الأسبوع، وقيل آخره فإنه هوأو قضاؤه، وعلى الأول إن نذر مكررا صام الدهر، وعلى الثاني يفطر ستة ويصوم يوما. انتهى. ورابع النحر لناذره؛ يعني أن الشخص إذا نذر صوم يوم رابع النحر، فإنه يلزمه صومه سواء نذره غير معين، ككل خميس أو يوم قدوم زيد وقدم ليلا فوافق رابع النحر، وصوم سنة معينة يجب فيها تتابع الصوم أو نذره معينا، كلله تعالى علي صوم رابع النحر، كما قال المصنف. وإن تعبينا، وإنما لزمه إعمالا للنذر ما أمكن. واعم أن صوم رابع النحر يكره تطوعا قال المصنف: وانظر لِمَ أُلْزِمَ بالنذر ما صومه مكروه، ويمكن أن يجاب بأن لهذا اليوم جهتين: جهة تضعف كونه من أيام التشريق المنهي عن صومها من أنه لا ينحر فيه عند مالك، ولا يرمي فيه المتعجل، وفيه جهة أخرى وهي أنه يوم نحر عند بعضهم، ويرمي فيه غير المتعجل، وشمول اسم أيام التشريق له فشمله النهي، فغلبنا الجهة

стр. 2425

الأولى لما اقتضاه النذر من الوجوب احتياطا لبراءة الذمة، ولما لم يعارض الكراهة ما هو أقوى منها غلبت عليه، فقلنا: لا يصام تطوعا إعمالا للجهتين، ولا يقال: إعمال الجهتين باطل من أصلة؛ لأن حديث زمعة دليل على حجة (١) القول به، وأما نذر سنة لا يجب تتابعها، فقد مر أنه لا يصام فيها رابع النحر، ومما يجب فيه التتابع كفارة الظهار فيصام فيها رابع النحر. واعلم أن في صوم رابع النحر ثلاثة أقوال: الكراهة إلا لمن نذره أو كان في صيام متتابع قبل ذلك وهذا هو المشهور، وقيل بإباحته، وقيل بتحريمه. انظر الحطاب.، لا سابقيه؛ يعني أن سابقي رابع النحر، وهما اليومان اللذان بعد يوم النحر، إذا نذرهما أحد، فإنه لا يلزمه أن يصومهما بل يحرم، والمصنف نفى الوجوب، وهو لا يستلزم نفي الجواز. إلا المتمتع؛ يعني أن المتمتع إذا لم يجد هديا، أو القارن، أو من لزمه هدي لنقص في شعائر الحج ولم يجد هديا، فإنه يصوم اليومين اللذين بعد يوم النحر، والاستثناء منفصل لأن الحكم السابق في الناذر، وهذا في غير الناذر، والفدية مثل الهدي، وكلام التتائي يفيد أن جزاء الصيد كذلك، وكلام غيره يفيد أنه ليس كذلك. وقوله: "لا سابقيه" اعلم أن صومهما يحرم لغير المتمتع الذي لا يجد هديا على المشهور، وقيل: يكره، قال الحطاب: قال الشبيبي: واختلف في اليومين اللذين بعد يوم النحر لغير المتمتع الذي لا يجد هديا، أو من كان في معناه، فيمنع على المشهور من المذهب. انتهى. ثم قال: صح عنه في صيام اليومين اللذين بعد يوم النحر لغير المتمتع، وشبهه قولان: الكراهة والتحريم. انتهى. لا تتابع سنة؛ يعني أن الشخص إذا نذر صوم سنة مبهمة، كقوله: لله تعالى علي صوم سنة، فإنه لا يلزمه تتابعها، فقوله فيما مر: "وابتداء سنة"، يعني مع ذلك أنه لا يلزمه تتابعها، أو شهر؛ يعني أن الشخص إذا نذر صوم شهر مبهم، كقوله: لله تعالى علي صوم شهر فإنه لا يلزمه تتابعه، أو أيام؛ يعني أن الشخص إذا نذر صوم أيام مبهمة، كقوله: لله تعالى علي صوم ثلاثة أيام، فإنه لا يلزمه تتابعها، وأما غير المبهم من ذلك فيلزم تتابعه، كلله تعالى علي صوم هذه السنة، أو هذا الشهر، أو الأيام السبعة الأول من المحرم، فالأيام إن عينها متتابعة لزمه تتابعها وإلا فلا، كما لو قال: لله علي صوم ستة أيام من المحرم، وقوله: "لا تتابع سنة أو شهر أو أيام"

стр. 2426

هذا إذا لم ينو تتابع ما ذكر، وأما إن نواه فإنه يلزمه كما هو مذهب المدونة، فَقَوْلُ عبد الباقي وغيره: وظاهره أنه لا يلزمه التتابع فيما ذكر، ولو نواه وهو كذلك على المشهور، وهو ما عزاه ابن عرفة لمالك، خلافا للتتائي -انتهى- غَيْرُ صَحِيحٍ كما قال محمد بن الحسن، ونصه قوله: وهو كذلك على المشهور لخ غير صحيح، بل مذهب المدونة لزوم التتابع إن نواه، ولا دليل له في كلام ابن عرفة، ونصه: ولو نذر سنة مبهمة ففي وجوب اثني عشر شهرا غير رمضان مطلقا، أو إلا أن ينوي تتابعها فكمعينة قولا المشهور واللخمي عن أشهب. انتهى. وقال: قال مصطفى: استدلالة به غير صحيح لأن مراد ابن عرفة، هل بنية تتابعها تصير معينة في عدم قضاء ما لا يصح صومه أم لا؟ أما التتابع فلا بد منه عند نيته، وهذا ظاهر لمن تأمل وأنصف. انتهى. وإن نوى رمضان في سفره غيره؛ يعني أن المسافر في رمضان سفرا يبيح له الفطر إذا صامه، ونوى بصيامه غير رمضان كتطوع أو نذر أو كفارة، فإنه لا يجزئه صومه ذلك عن واحد منهما، أي لا يجزئه عن رمضان ولا عن غيره، وَمَفهُومُ قوله: "في سفره"، أنه لو نوى الحاضر بصومه في رمضان عامة غيره كذلك أيضا، فإنه لا يجزئ عن واحد منهما لا رمضان ولا غيره. أو قضاء الخارج، يعني أن المسافر إذا نوى بصومه رمضان الذي هو فيه قضاء رمضان الخارج أي الذي مضى زمنه، فإن ذلك لا يجزئه أيضا عن واحد منهما، لا عن رمضان الذي هو فيه، ولا عن رمضان الماضي، وعليه للخارج إطعام للتفريط حيث فرط، ولا كفارة كبرى لرمضان الذي هو فيه لأنه مسافر سفر قصر، قال الشبراخيتي: ولا يخفى أن قوله: "أو قضاء الخارج"، يدخل فيما قبله، فلو حذفه لكان أخصر. انتهى. ومفهوم قوله: "في سفره"، لو نوى الحاضر بصوم رمضان الذي هو فيه قضاء الخارج فإنه لا يجزئ عن واحد منهما أيضا كما مر، وقد مر عن أشهب أنه لا كفارة عليه، ومر عن ابن المواز أن عليه الكفارة الكبرى، وأما الصغرى فإن حصل التفريط لزمت وإلا فلا. وكون الشخص إذا صام رمضان الذي هو فيه ونوى به قضاء الخارج لا يجزئه عن واحد منهما، قال ابن الجلاب: إنه الصحيح من الأقوال، وقال ابن رشد: هو الصواب عند أهل النظر كلهم. ووجهه أن رمضان لا

стр. 2427

يقبل غيره فلا يجزئ عن القضاء، وأما عدم إجزائه عن الأداء فلأنه لم ينوه، وقيل: يجزئ عن القضاء لأن الأعمال بالنيات، وقيل: يجزئ عن الأداء لأن رمضان لا يقبل غيره. أو نوأه ونذرا؛ يعني أن المسافر وكذا الحاضر، إذا صام رمضان عامة ونواه مع غيره كما إذا نواه ونذرا، أو نواه وكفارة، أو نواه وقضاء الخارج بأن شرك رمضان عامة وغيره في نيته، فإن ذلك لا يجزئ عن واحد منهما، لا عن رمضان عامة ولا عن غيره، وقال الأمير: وإن نوى برمضان غيره ولو في سفر أو شرك لم يجز عن واحد منهما، وكفر إن لم يتأول، ورجح في التشريك الإجزاء عن الحاضر لأنه صاحب الوقت. انتهى. وبما قررت علم أن قوله: لم يجز عن واحد منهما جواب الشرط؛ أعني قوله: "وإن نوى برمضان" لخ، فهو راجع للمسائل الثلاث، أعني قوله: "وإن نوى برمضان في سفره غيره"، وقوله: "أو قضاء الخارج"، وقوله: "أو نواه ونذرا"، وهي مشتملة على ست عشرة صورة، ثمانية في المنطوق؛ أعني قوله: "في سفره، ومثلها في مفهومه وهو الحضر، وذلك أن قوله: "وإن نوى برمضان في سفره غيره"، اندرج فيه ثلاث صور: النذر، والكفارة، والتطوع، وقوله: "أو قضاء الخارج"، صورة، وقوله: "أو نواه ونذرا"، اندرج تحته أربع: أي نواه ونذرا، أو نواه وكفارة، أو نواه وتطوعا، أو نواه وقضاء الخارج، فهذه ثمان صور في السفر، ومثلها في الحضر، والحكم في الجميع أنه لا يجزئ عن واحد منهما، لا عن رمضان ولا عن غيره -كما مر- وعبارة الأمير تقتضي الكفارة مطلقا إن لم يتأول، قال ابن غازي: وخص المؤلف السفر؛ لأن الحضر أحرى، وقد مر الكارم على من نوى بصوم رمضان عامة قضاء الخارج عند قوله: والقضاء بالعدد بزمن أبيح صومه غير رمضان: والله سبحانه أعلم. وليس لامرأة يحتاج لها زوج تطوع بلا إذن، يعني أنه إذا كان للمرأة زوج يحتاج لها في الجماع، فإنه لا يجوز لها أن تتطوع بالصوم إلا أن يأذن لها في ذلك، وكذا السرية، وأم الولد لا أمة خدمة أو عبد، إلا أن يضعفا به عن العمل، وقوله: "وليس لامرأة" لخ، وكذا لو استأذنته فمنع، ومثله ما أوجبته على نفسها، أو وجب عليها لكفارة، أو فدية، أو جزاء صيد. الشارح: أطلق التطوع ولم يقيده بالصوم حتى يدخل فيه نافلة الصلاة. انتهى. ومثل التطوع الفريضة مع سعة الوقت،

стр. 2428

فإذا أحرمت به فله قطعها ومجامعتها، ونَظَّرَ فيه الباجي بأنها تريد براءة ذمتها والصلاة يسيرة وصوبه، وأشعر قوله: "يحتاج لها"؛ بأنه ليس له أن يفطرها بالأكل، ولو لم يأذن لها، وقوله: "وليس لامرأة يحتاج لها زوج تطوع بلا إذن"، لم يتعرض فيه المصنف لإفطارها إذا تطوعت بغير إذنه، قال العوفي: لو طلبها فقالت: صائمة -أي تطوعا- لم أطلع فيها على نص. انتهى. قال عبد الباقي: والظاهر أن له إفطارها، وقال محمد بن الحسن: جزم ابن ناجي بأن له إفطارها كما في الحطاب، وسيأتي للمصنف أن له التحليل في تطوع الحج. انتهى. وكونه له أن يفطرها هو ظاهر كلام الشيخ أبي الحسن، ولا يجوز لها هي الفطر في نفسها كما يأتي عن الباجي، وفهم من قوله: "يحتاج لها"، أنها لو علمت أي أو ظنت كما بحثه المصنف أنه لا يحتاج لها صامت بغير إذنه، ولو جهل حاله فالأقرب الجواز، وفهم من قوله: "تطوع"، أنها لا تستأذن في قضاء رمضان زوجا ولا سيدا؛ وهو كذلك، وليس له أن يجبر الزوجة على تأخير القضاء لشعبان، وفهم منه أيضا أن المسلم لا يكره زوجته الذمية على الفطر في صومها الذي هو من دينها؛ وهو كذلك كما أنه ليس له منعها من شرب خمر وأكل خنزير وذهاب لكنيسة، وهو مذهب المدونة، ولا أن يكرهها على أكل ما يجتنبون في صيامهم أو يجتنبونه رأسا. ابن رشد: وهذا مما لا خلاف فيه. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: وحكم أم الولد والأمة التي للوطء كالزوجة، وأما الخادم التي للخدمة والعبد فليس عليهما استيذان السيد إذا لم يضر الصوم بخدمة السيد. قاله في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم. قال: وإذا أذن لهم في صيام التطوع لم يكن له أن يرجع في الإذن، وإن صاموه بإذنه لم يكن له أن يفطرهم. انتهى. الباجي: من صام منهن ولو دون إذنه لم يجز فطره، وانظر هل للزوج إفطارهن. انتهى. وقد مر أن ابن ناجي جزم بأن له أن يفطرهن، وهو ظاهر كلام الشيخ أبي الحسن. ولما أنهى الكلام على ما أراده من فروع الصوم، وكان من حكمة مشروعيته تصفية مرآة العقل والتشبه بالملائكة في وقته، أتبعه بالكلام على الاعتكاف التام التشبه بهم في استغراق الأوقات في العبادات وحبس النفس عن الشهوات وكف اللسان عما لا ينبغي، فقال:

стр. 2429

باب: في الاعتكاف وهو لغة: لزوم الشيء من خير أو شر، قال تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، وقال جل من قائل: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾، وخص شرعا بالعكوف على الخير. ابن العربي: جرت الشريعة على عادتها في قصر اللفظ المشترك على بعض متناولاته، أو تخصيص على بعض محتملاته. انتهى. ويقال: عكف يعكف بالضم والكسر عكفا وعكوفا: أقبل على الشيء مواظبا، واعتكف وانعكف بمعنى، وقيل: اعتكف على الخير وانعكف على الشر. وعرفه ابن عرفة بقوله: لزوم مسجد مباح لقربة قاصرة بصوم معزوم على دوامه يوما وليلة سوى وقت خروجه لجمعة أو معينه الممنوع فيه. انتهى. اللزوم هنا الإقامة، وخرج بقوله: مباح، مسجد البيت، وخرج بقوله: لقربة ما إذا كان ملازما للمسجد لا لقربة: وقوله: قاصرة أخرج به المتعدية لأنها لا تكون في الاعتكاف، واللازم لها لا يصدق عليه أنه معتكف، وقوله: بصوم، الباء للمصاحبة، والصوم شرط على المشهور، وقيل: ركن، وقوله: معزوم صفة للزوم؛ لأن اللزوم بمعنى الإقامة، وهي أعم من أن تكون بنية العزم على الدوام أم لا، فلذا خصص اللزوم، وقوله: يوما وليلة، متعلق بدوامه، وهو أقل الاعتكاف، وقوله: سوى وقت خروجه لجمعة، فيه نظر؛ فإن خروجه للجمعة يبطل اعتكافه، فتعريفه الاعتكاف إنما يجري على الشاذ أن خروجه للجمعة لا يفسد الاعتكاف، كخروجه لحاجته، فقد علمت أنه خلاف المشهور، وقوله: أو لمعينه، يحتمل أن يكون بالنون وبالياء المشددة بعدها، والإضافة لضمير المعتكف أي لمقصوده الممنوع فيه أي المسجد، ويحتمل لمعينه بالياء التحتية ثم بالنون من التعيين صيغة اسم الفاعل، والضمير فيه عائد على الخروج أي الذي يعين عليه الخروج مما هو ممنوع في المسجد، كالبول والغائط والجنابة إذا احتلم ونحو ذلك. قاله الأجهوري. وقال محمد بن الحسن: الظاهر أنه بتشديد الياء مكسورة اسم فاعل من التعيين، والضمير للخروج، ومعينه كالبول والغائط والحيض والنفاس وغسل الجنابة، وقوله: معزوم على دوامه يفيد أنه لا بد فيه من النية، ولم يعرف المؤلف الاعتكاف، بل ذكر حكمه وأركانه وشروطه ومفسداته وآدابه وأعذاره: وحكمها من بناء وقضاء واستنان، فقال: الاعتكاف نافلة؛ يعني أن الاعتكاف نافلة أي مستحب متأكد، والمستحب دون السنة في الثواب، وليس سنة وإن فعله صلى

стр. 2430

الله عليه وسلم لكنه لم يواظب عليه؛؛ لأنه تارة يعتكف وتارة لا يعتكف، فلا يصدق ضابط السنة عليه. قاله غير واحد. وقال محمد بن الحسن: إن كونه ﷺ لم يواظب عليه غير صحيح. نقله عن مصطفى. ونقل عن العارضة ما نصه: سنة لا يقال فيه مباح، وقَولُ أصحابنا في كتبهم جائز جَهْلٌ. الأبي: يريد لوجود حقيقة السنة فيه؛ لأنه فعله ﷺ وأظهره، ففي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله (١))، واعتكف أزواجه بعده. انتهى. ومثله لابن عبد السلام، ولفظ التوضيح: والظاهر أنه مستحب؛ إذ لو كان سنة لم يواظب السلف على تركه. انتهى. وما مشى عليه المصنف من أن الاعتكاف مستحب هو المشهور: وقيل بالكراهة، وأخذت مما رواه ابن نافع عن مالك: ما زلت أفكر في ترك الصحابة وقد اعتكف ﷺ حتى قبض وهم أتبع الناس لأموره وآثاره حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال الذي نهى عنه ﵊ وفعله، والمشهور عن مالك الأول. قاله الشارح. وفي الكافي: أنه في رمضان سنة، وفي غيره جائز، وفي العارضة: أنه سنة. قاله الحطاب. وصحته لمسلم؛ يعني أن الاعتكاف إنما يصح من مسلم، فلا يصح من كافر لعدم صحة القُرَبِ منه وإن خوطب بها؛ لأن الإيمان شرط في صحة كل عبادة، وقد قدمت أن الذي يعمل بلا إيمان كالذي يبني في الهواء -نعوذ بالله تعالى- مميز؛ يعني أن الاعتكاف إنما يصح من المسلم -كما مر- الميز، لا من صبي غير مميز، ولا من مختبل، ولا مجنون ونحوهم، ويصح اعتكاف الصبي الميزت والرقيق، والمرأة. والمميز: هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب؛ أي أنه إذا كلم بشيء من مقاصد العقلاء فهمه وأحسن الجواب عنه، لا أنه إذا دعي أجاب ولا ينضبط بسن، بل يختلف باختلاف الأفهام، قوله: "وصحته"، مبتدأ، وقوله: "لمسلم"، ظرف لغو يتعلق بالمبتدأ، وخبر المبتدأ قوله: بمطلق صوم؛ يعني أن الاعتكاف إنما يصح بالصوم سواء قيد بزمن كرمضان أو سبب كنذر وكفارة، أو كان مطلقا كتطوع فلا يصح من مفطر ولو لعذر: خلافا لابن لبابة القائل: إنه يصح من غير صوم، ولم يقل المؤلف بصوم مطلق ليلا يخرج رمضان والنذر والكفارة؛ لأن

стр. 2431

مطلق الصوم يفيد أن المراد الماهية، سواء قيدت أم لا، والصوم المطلق يفيد أن المراد الماهية بقيد، والأول أعم من الثاني، وهذا شيبة بقولهم: مطلق ماء والماء المطلق، ويفهم منه أن من لا يستطيع الصوم لا يصح اعتكافه، كالضعيف، والشيخ الكبير، وما قدمته من جعل الخبر قوله: "بمطلق صوم"، هو لغير واحد، وأما جعل الخبر قوله: "لمسلم"، فيلزم عليه الإخبار عن المصدر قبل الإتيان بمعموله، وقال محمد بن الحسن: الظاهر أنهما -أعني قوله: "لمسلم"، وقوله: "بمطلق صوم" - خبران. ولو نذرا؛ يعني أن الاعتكاف المنذور يصح بمطلق صوم، فلا يفتقر لصوم يخصه، فيفعل في رمضان وغيره كغير المنذور، وهذا قول مالك وهو المشهور، وقال عبد الملك وسحنون: لا بد للاعتكاف المنذور من صوم يخصه، فلا يجزئ في رمضان، وتحصل مما مر أن الاعتكاف إنما يصح بصوم أي صوم كان، وأنه يصح ويجوز مطلقا، أي سواء كان الاعتكاف والصوم منذورين أو مُتَطَوَعًا بهما، أو كان الاعتكاف منذورا والصوم متطوع به أو العكس، ومعنى نذر الصوم أنه نذر قبل الاعتكاف، ومعنى تطوعه نيته قبل نية الاعتكاف. قاله الشيخ عبد الباقي. ومسجد: عطف على صوم، يعني أنه يشترط في صحة الاعتكاف أن يكون بمطلق مسجد، سواء كان جامعا أو غيره بشرط أن يكون مباحا لجميع الناس، فلا يصح الاعتكاف في مساجد البيوت، ولو لامرأة، ولا يصح في الكعبة وان جاز له دخولها، خلافا لابن الحاج القائل: إن الاعتكاف يصح في الكعبة. وبما قررت علم أن معنى الإطلاق في قوله: "ومسجد"، أي مطلق مسجد، سواء كان تصح فيه الجمعة أم لا، بدليل الاستثناء الآتي، وما تقدم من شرط الإباحة في المسجد لجميع الناس هو لمالك، فلا يصح الاعتكاف عنده في مساجد البيوت، لا لرجل ولا لامرأة، خلافا لقول أبي حنيفة: إن المرأة تعتكف في مسجد بيتها، وإنما لم يصح في الكعبة على غير ما لابن الحاج؛ لأن في الكعبة تحجيرا خاصا وهو غلقها في أكثر الأوقات، وعلى قول ابن لبابة والشافعي إنه لا يشترط المسجد يَصِحُّ الاعتكاف في الكعبة، وظاهر القرآن أن في المسجد خصوصية في الاعتكاف لذكره فيه. قاله الحطاب. وقال عن الأبي: يجري عندي الخلاف في صلاة الجمعة في الكعبة

стр. 2432

على القول بجواز الفرض، وعلى عدم الإجزاء والإعادة في الوقت، لا تصح الجمعة فيها، ومن هذا النمط بيت القناديل والصومعة وظهر المسجد وغير ذلك، وفي الاعتكاف في بعضها خلاف، وكذلك صعود المنار والسطح، واختلف في الأذان والإقامة لأنه يمشي لقدم المسجد، وكذا من في الكعبة لابد من خروجه منها والصلاة خارجها على مذهب من يمنع الفرض، وعلى قول من لا يشترط المسجد -وهو ابن لبابة والشافعي-: يصح الاعتكاف في الكعبة. انتهى. الشبراخيتي: ويصح في الباء في بمطلق صوم وفي مسجد أن تكون للمعية، ويصح أن تكون في مسجد للظرفية ويكون ذلك من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. انتهى. إلا لمن فرضه الجمعة، هذا مستثنى مما استفيد من قوله: "ومسجد"، من مساواة المسجد غير الجامع للجامع؛ يعني أن من تجب عليه الجمعة سواء كان ممن تنعقد به أم لا إذا أراد أن يعتكف زمنا، والحال أن الجمعة تجب به؛ أي في زمن اعتكافه الذي يريده سواء كان ابتداء، كما لو نوى أو نذر اعتكاف عشرة أيام، أو انتهاء كما لو نذر أربعة أيام أولهن السبت، فمرض بعد يومين وصح يوم الخميس، فالواجب لاعتكاف ذلك الزمن الذي تجب فيه الجمعة في الابتداء أو الانتهاء، إنما هو المسجد الجامع، أي لا يجوز له أن يعتكف إلا في الجامع، وهو المسجد الذي تصح فيه الجمعة. وبما قررت علم أن الواو في قوله: "وتجب"، واو الحال، وأن الضمير في "به"، عائد على الاعتكاف على حذف مضاف، وأن الباء بمعنى: في؛ أي في زمن اعتكافه، والفاء في قوله: "فالجامع"، مدخولها جواب عن شرط يلاحظ؛ أي فإن كان كذلك فالجامع. قاله الشبراخيتي. مما تصح فيه الجمعة؛ يعني أن الشخص إذا اعتكف في المسجد فإنه لا بد أن يعتكف بمكان منه تصح فيه الجمعة تحقيقا في الجامع، وعلى تقدير إقامتها في غيره، وبهذا تعلم أن قوله: "مما تصح فيه الجمعة"، راجع للجامع وللمسجد بتقدير إقامة الجمعة، واحترز بذلك عن بيت القناديل وسطح المسجد وعن الصومعة، وكذا رحبة المسجد الخارجة عنه لعدم دخولهما في المسجد، وقوله: "مما تصح فيه الجمعة"، قال محمد بن الحسن: الظاهر أن من للبيان، وأن تقديره: وصحته بالكون في جزء مسجد؛ وهو ما تصح فيه الجمعة تحقيقا في الجامع، وعلى تقدير إقامتها في غيره. قاله ابن عاشر. انتهى.

стр. 2433

وعلم مما مر قريبا أن رحبة المسجد الداخلة فيه يصح الاعتكاف فيها، وزاد الشيخ عبد الباقي بعد قوله "مما تصح فيه الجمعة": اختيارا ليخرج رحبة المسجد الخارجة عنه، والطرق المتصلة به. قال محمد بن الحسن: هما غير داخلين في لفظ مسجد، وهذا المقيد لا يخرجهما لما تقدم أن مذهب المدونة صحة الجمعة بهعا مطلقا، خلافا لتفصيل المصنف حيث قال: إن ضاق أو اتصلت الصفوف، وخرج بقوله: لمن فرضه الجمعة، الخارج عن كفرسخ من النار والمرأة، ونحوهما ممن لا تلزمه الجمعة. وإلا، مركب من إن الشرطية ولا النافية، أي وإن لم يعتكف في الجامع، والحال أنه ممن تلزمه الجمعة واعتكف في غير الجامع أياما تأخذه فيها الجمعة، خرج للجمعة وجوبا، وإذا خرج لها بطل اعتكافه، سواء دخل على أن يخرج أم لا ويقضيه، قالوا: إلا أن يجهل ذلك كحديث عهد بالإسلام فيعذر، ولا يبطل اعتكافه بخروجه، قوله: "خرج"، فإن لم يخرج حرم عليه ذلك، والظاهر عدم بطلان اعتكافه. قاله الحطاب وغيره. لأنه لم يرتكب كبيرة إلا على قول من يبطله بالذنوب مطلقا، وقوله: "وإلا خرج وبطل"، هو المشهور من ثلاثة أقوال: البطلانُ مطلقا وهو المشهور كما علمت، وَعَدَمُه مطلقا وهو رواية ابن الجهم، والتَالِثُ التفصيل لابن الماجشون إذا نذر أياما تأخذه فيها الجمعة خرج وبطل، ولو نذر أياما لا جمعة فيها، وأراد اعتكافها فمرض بعد أن شرع فيها، ثم خرج، ثم رجع لإتمامها فصادف الجمعة خرج إليها، ولا يبطل اعتكافه، ففي قول عبد الباقي وغيره: إن هذا محل اتفاق نظر. انظر حاشية محمد بن الحسن. وقوله: "وإلا خرج وبطل"، اعلم أنه يعد خارجا بخروج رجليه معا لا بإحداهما كذا يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. كمرض أبويه؛ يعني أن المعتكف إذا مرض أبواه فإنه يجب عليه أن يخرج لعيادتهما، وكذا إذا مرض أحدهما فإنه يجب عليه أن يخرج لعيادته وجوبا، وإذا خرج لأجل عيادتهما أو عيادة أحدهما فإنه يبطل اعتكافه، ويخرج وجوبا لأجل ما ذكر، ولو كان المريض منهما أو من أحدهما كافرا، وإنما خرج لذلك لأن الخروج إليهما من برهما وبرهما فرض بنص القرآن، وهو فوق وجوب الاعتكاف بالنذر، مع أن الاعتكاف يقضيه وما فاته من بر والديه لا يستدركه ولا يقضيه، وفهم

стр. 2434

من كلام المصنف أنه لا يخرج لعيادة غير الأبوين، ولا يجوز له الخروج، وأنه إن خرج بطل اعتكافه، ولو لم يخرج لمرض أبويه بطل اعتكافه على أحد التأويلين الآتيين. وبما قررت علم أن التشبيه في قوله: "كمرض أبويه"، في وجوب الخروج والبطلان. الباجي: وإذا كان الوالدان حيين لزمه طلب مرضاتهما واجتناب سخطهما، وقوله: "كمرض أبويه"، قال الشيخ علي الأجهوري: أي كمرض أحد أبويه وأولى مرضهما، وهذا وما بعده يجري في الأبوين الكافرين، ومراده بأبويه أبواه دنية -كذا ينبغي-، وقوله: "كمرض أبويه"، ظاهره: ولو كان المرض خفيفا والاعتكاف منذورا، وقد مر أنه إن لم يخرج بطل اعتكافه على أحد التأويلين أي للعقوق. ابن الحاجب: ويبني من خرج لتعين جهاد على الأصح، وإليه رجع مالك. انتهى. ومقابل الأصح أنه يستأنف. لا جنازتهما؛ يعني أن المعتكف لا يخرج لجنازة أبويه، ولا لجنازة أحدهما بعد موت الآخر؛ أي لا يجوز له الخروج لأجل ذلك، فإن خرج بطل اعتكافه، وأما جنازة أحدهما والآخر حي فيخرج وجوبا خوف عقوق الحي، ويبطل اعتكافه. وبما قررت علم أن قوله: معا إنما احترز به عن موت أحدهما والآخر حي؛ لأن عدم خروجه حينئذ مظنة عقوق الحي؛ لأنه يسخطه ولا يرضاه، ويعتقد أنه يفعل به ذلك فيسوءه، فيجب عليه الخروج. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن ذلك يفتقر إلى نص، وسيأتي عن الأمير ما يرشح ما لعبد الباقي. والله سبحانه أعلم. وأما جنازة أحدهما بعد موت الآخر فكجنازتهما معا. والله سبحانه أعلم، ورد المصنف بقوله: "لا جنازتهما معا"، قول سند بعد أن نقل قبول الباجي لكلام الإمام أنه لا يخرج لجنازتهما معا، حيث قال -أي الباجي-: إذا كانا حيين لزمه طلب مرضاتهما واجتناب ما يسخطهما، فيخرج لهما، ولا يلزمه الخروج لجنازتهما. انتهى. في ذلك -أي كلام الباجي- نظر، فإن من حقوق الأبوين أن يعودهما إذا مرضا، ويصلي عليهما إذا ماتا، انتهى. وفي الموطإ: لا يخرج لجنازتهما. ابن رشد: لأن ذلك غير عقوق. انتهى. وقال الأمير: كمرض أحد أبويه وأولى هما معا، وجنازة أحدهما إن كان الآخر حيا؛ لأن مكثه عقوق للحي، وأما من مات

стр. 2435

فقد انتقل لدار الحق لا يغضب من المكث في العبادة، نعم إن تعين التجهيز خرج ولو لأجنبي؛ لأن الواجب لذاته أهم مما أوجبه على نفسه. انتهى. وكشهادة، يعني أن المعتكف لا يخرج لأجل الشهادة، أي لا يخرج لتحملها ولا لأدائها؛ أي لا يجوز له ذلك، فإن خرج بطل اعتكافه، وقوله: "وكشهادة"، التبادر من المصنف أنه معطوف على قوله: "كمرض أبويه"، وعليه فالمشاركة في أحد حكميه وهو البطلان لا في مجموع الحكمين من وجوب الخروج والبطلان. كما قاله عبد الباقي. أي لما علمت من أن الخروج هنا لا يجوز، وقال الشبراخيتي: وكان المناسب إسقاط الواو ليكون مشبها بقوله: "لا جنازتهما"، ويدل عليه ما بعده، ومع وجودها يتبادر منه أنه عطف على قوله: "كمرض أبويه"، وقد علمت برده. انتهى. وإن وجبت، مبالغة في عدم الخروج، أي لا يخرج لأجل أداء الشهادة، وإن تعينت عليه بأن لم ينب عنه غيره فيها أو لا يتم النصاب إلا به، ولتؤدَّ بالمسجد؛ يعني أن المعتكف لا يجوز له أن يخرج من المسجد لأداء الشهادة وإن تعينت، وحينئذ فإنه يؤدي شهادته في المسجد بأن يأتيه القاضي لسماعها منه لأجل عذره، أو تنقل عنه؛ يعني أن المعتكف لا يجوز له أن يخرج من المسجد لأجل أداء الشهادة، وإن تعينت عليه، وحينئذ فإما أن يؤديها بالمسجد، وإما أن تنقل عنه، وإن لم تتوفر شروط النقل من موت الأصل أو غيبته غيبة بعيدة للضرورة. وبما قررت علم أن قوله: "ولتود"، جواب عن سؤال مقدر؛ أي وإذا قلتم إنه لا يخرج، فما الحكم؟ فأجاب بقوله: "ولتود لخ". وكردة، عطف على قوله: "كمرض أبويه"؛ يعني أن المعتكف إذا ارتد -والعياذ بالله تعالى- فإنه يبطل اعتكافه، ويجب أن يخرج من المسجد لأن الكافر يمنع من دخول المسجد، وإنما بطل اعتكافه؛ لأن من شروط صحة الاعتكاف الإسلام؛ وهي محبطة للعمل، قال عبد الباقي: ولا يجب عليه استيناف الاعتكاف إذا تاب، خلافا للبساطي، وإذا كانت أيام الاعتكاف معينة ثم رجع المرتد للإسلام قبل مضيها لم يلزمه إتمامها. انتهى كلام عبد الباقي. وقاله غيره. وقوله: "ولا يجب عليه استيناف" لخ، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، فقد نص في الجواهر على وجوب الاستيناف. نقله المواق. وعبارة الشبراخيتي: ولا يجب عليه استيناف إذا تاب عند ابن

стр. 2436

القاسم لأنه يقدره كافرا أصليا، خلافا لأشهب. انتهى. وفي الأمير أنه يستأنف، قال كما في الجواهر: وقيل لا لسقوط ذلك بالإسلام، والظاهر أن يتخرج عليه كفارة رمضان وقضاؤه. انتهى. وكمبطل صومه "مبطل" بالتنوين: اسم فاعل فاعله ضمير مستتر يعود على المعتكف، "وصومه": مفعول مبطل؛ يعني أن المعتكف إذا تعمد إبطال صومه فإنه يفسد اعتكافه ويستأنفه، فإن أفطر ناسيا لم يبطل اعتكافه ويقضي ذلك اليوم واصلا له باعتكافه، ومثل النسيان الفطر بحيض أو نفاس أو مرض، وفي التتائي نظر، حيث جعل الحيض ونحوه من مبطلات الاعتكاف، وأدخلها في كلام المصنف، قال محمد بن الحسن: وقد اعترض عليه مصطفى أيضا، وقد علمت أنه يقضي إن أفطر ناسيا أو لحيض أو نفاس أو مرض، قال عبد الباقي: ومحل القضاء إذا كان الصوم فرضا ولو بالنذر ولو معينا أو تطوعا وأفطر فيه ناسيا ولزمه القضاء فيه لتقوي جانبه بالاعتكاف لشرطيته فيه فإن أفطر فيه لمرض أو حيض لم يقضه، كما يأتي بيانه في قوله: وبنى بزوال إغماء إلى آخره، وأما الوطء ومقدماته فعمدها وسهوها سواء في الإفساد كما يأتي، والفرق بينهما وبين الأكل أنهما من محظورات الاعتكاف بخلافه، ولهذا يأكل في غير زمن الصوم. انتهى -قوله: ومحل القضاء إذا كان الصوم فرضا إلى آخره، قال بناني: فيه نظر، بل يجب القضاء أيضا في التطوع على مذهب المدونة، وهو المشهور، كما يؤخذ من كلام ابن عرفة، وصرح به القلشاني. انتهى. ورده الرهوني بأنه إن عنى أنه أفطر فيه ناسيا فما قاله صحيح، ولكنه موافق لكلام عبد الباقي، وإن عنى أنه أفطر فيه لمرض أو حيض فغير صحيح؛ لأن مذهب المدونة والتشهير الذي حكاه عن القلشاني إنما هو في الفطر سهوا لا لحيض أو مرض. وكسكره ليلا؛ يعني أن المعتكف إذا سَكِرَ سُكْرًا حراما بالليل، فإنه يفسد اعتكافه وإن صَحَا قبل الفجر، ومعنى صحا: زال سكره وَرُدَّ إليه عقله، مأخوذ من صحو السماء وهو زوال غيمها؛ لأنه يغطي العقل كما يغطي الغيم السماء، وأما السكر الحلال فيبطل اعتكاف يومه إن حصل السكر نهارا كالجنون والإغماء، فيجري فيه ما جرى فيهما من التفصيل الذي أشار له المؤلف بقوله في الإغماء: "أو أغمي يوما أو جله أو أقله ولم يسلم أوله بالقضاء". قاله الشبراخيتي. ويدل على أن المؤلف جرى على تقييد السكر بالحرام. قوله: وفي إلحاق الكبائر به؛ يعني أنه اختلف، هل تلحق الكبائر غير المبطلة

стр. 2437

للصوم، كغيبة، ونميمة، وقذف، وغصب، وسرقة، وكذب، وزور بالسكر فتبطل الاعتكاف، ويجب استينافه بجامع الذنب، وعدم إلحاقها به لزيادته عليها تعطيل الزمن، فقوله: تأويلان، مبتدأ، وخبره قوله: "في إلحاق الكبائر به"، والتأويل الأول هو فهم العراقيين للمدونة، ألحقوها بالسكر الحرام ليلا، والسكر الحرام هو المنصوص عليه، والثاني هو فهم المغاربة أن الكبائر التي لا تبطل الصوم لا تبطل الاعتكاف، فلا تلحق بالسكر لزيادته عليها تعطيل الزمن، وعلى القول بالإلحاق يؤمر بالخروج، وليس من الكبائر إدامة النظر بلذة ولو طال زمنه، ولا يقال إدامته إصرار وهو يصير الصغيرة كبيرة؛ لأنا نقول: الإصرار هو العزم على الفعل بعد الفراغ منه كما في التتائي على الرسالة، وهذا ليس كذلك، بل هو استمرار على نظرة واحدة. وقوله: "وفي إلحاق الكبائر لخ، قال الحطاب: فهم منه أن الصغائر لا تبطل الاعتكاف وهو كذلك: قال في التوضيح: يقيد بما إذا لم تكن الصغيرة مبطلة للصوم كالنظر للأجنبية إذا والاه حتى أمذى، فينبغي أن يبطل اعتكافه. انتهى. وهذا ظاهر، بل هو داخل في مبطل صومه. انتهى. وسيأتي أن المعتكف يخرج لقضاء حاجة الإنسان، واختلف إذا فعلها في المسجد، هل هي صغيرة فلا يبطل اعتكافه، أو كبيرة؟ قاله غير واحد؛ أي فيجري فيها التأويلان، وأما الكبائر المبطلة للصوم، كالزنى، واللواط، وشرب الخمر نهارا فمبطلة للاعتكاف، لبطلان شرطه. وبعدم وطء؛ يعني أنه يشترط في صحة الاعتكاف عدم الوطء، فإن وطئ ليلا أو نهارا أبطل اعتكافه وابتدأه: وظاهره ولو في غير مطيقة وهو هنا كذلك؛ لأن أدناه أن يكون كقبلة شهوة ولمس، فهو كالوضوء لا كالصيام المتقدم أنه لا يوجب كفارة فيه إلا جماع يوجب الغسل. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وبعدم وطء"، يشمل الفاعل والمفعول، فإذا وطئ الرجل ليلا وطئا مباحا بطل اعتكافه، وكذا المرأة إذا وطئت فإنه يبطل اعتكافها، ووطء المكرهة كوطء المختارة، والنائمة كاليقظانة، والاحتلام لغو. واعلم أن قوله: "كمبطل صومه"، خاص بغير الوطء ومقدماته، وأما الوطء ومقدماته فيبطل بها الاعتكاف سهوا أو عمدا.

стр. 2438

وقبلة شهوة؛ يعني أن صحة الاعتكاف مشروطة بعدم قبلة شهوة، وأما إن فعل ذلك بأن قبل مع قصد اللذة أو وجدانها فإنه يبطل اعتكافه، لا إن انتفيا، كما لو قبل صغيرة لا تشتهى، أو قبل زوجته لوداع أو رحمة ولا قصد اللذة ولا وجدها، فلا يبطل اعتكافه، وقوله: "وقبلة شهوة"؛ ينبغي في غير الفم، وإلا فلا تشترط الشهوة، ولا يصدق في أنه لم يرد الشهوة لأنها مظنة الشهوة، وفي شرح عبد الباقي أنه: تعتبر الشهوة في القبلة ولو كانت على فم. انتهى. وناقشه محمد بن الحسن، فقال: فيه نظرت بل الظاهر البطلان مطلقا فيما إذا كانت على فم لما تقدم أنه يبطله من مقدمات الوطء ما يبطل الوضوء. انتهى. ولمس؛ يعني أنه يشترط في صحة الاعتكاف عدم لمس شهوة، فإن وقع لمس شهوة بأن قصد لذة أو وجدها بطل اعتكافه، وقد مر أن الوطء ومقدماته تبطل الاعتكاف، وقع ذلك عمدا أو سهوا. ومباشرة؛ يعني أن صحة الاعتكاف مشروطة بعدم مباشرة شهوة، فالمباشرة بشهوة أي بقصد لذة أو وجودها تبطل الاعتكاف، وقعت سهوا أو عمدا، قال فيها: فإن جامع في ليل أو نهار ناسيا، أو قبل أو باشر أو لامس فسد اعتكافه وابتدأه. انتهى. قال أبو الحسن: يريد إن قصد اللذة أو وجدها. انتهى. نقله الحطاب. وقال عن ابن عرفة: تقبيله مكرها لغو إن لم يلتذ انتهى، وقال ابن ناجي: ظاهره أنه لا يشترط في القبلة والمباشرة وجود اللذة؛ وهو قول مطرف، حكاه ابن رشد. وشرط اللخمي وجود اللذة، وعليه تأول المغربي قولها، فقال: يريد إذا وجد اللذة أو قصدها. انتهى. نقله الحطاب. وقال الشبراخيتي: ولمس لشهوة، ومباشرة لشهوة، سواء أنزل أم لا، ولو حذف، قوله: "ومباشرة"، لكان أنسب بمرامه إذ اللمس يشمل المباشرة كما يفيده كلامه في نواقض الوضوء، بل لو حذف قوله: "وقبلة شهوة"، ما ضَرَّهُ لاستفادة، حكمها من قوله: "ولمس"، ثم إن قوله: "وبعدم وطء"، شامل لما لا يبطل الصوم، كفعله ليلا أو في تطوع نهارا ناسيا. كما قاله الزرقاني. ويجري مثله في قوله: "وقبلة شهوة"، وما بعده، وهذه إحدى المسائل التي فيها حكم القبلة حكم الوطء، ومن عقد في العدة وقبل فيها حرمت عليه تأبيدا، ومن خير امرأته فلم تختر حتى قبلها، ومن اشترى أمة بالخيار فقبلها زمن خياره فهو رضى، وقيد القبلة وما بعدها بالشهوة ليخرج قبلة الصغيرة التي لا تشتهى، والكبيرة

стр. 2439

لوداع أو رحمة. وإن لحائض، مبالغة في المفهوم واللام لام الملابسة؛ يعني أنه إذا فعل بالحائض المعتكفة شيء مما تقدم من قبلة شهوة ولمس شهوة ومباشرة شهوة فإنه يبطل اعتكافها، قال الشبراخيتي: ثم إن "اللام" في "لحائض"، لام الملابسة فاعلا كانت أو مفعولا. انتهى. والحاصل أن الوطء يبطل الاعتكاف، ويجب استينافه، سواء كان المعتكف رجلا أو امرأة، فتستأنف هي ويستأنف هو، حصل الوطء ليلا أو نهارا، كان عن اختيار أو إكراه، وقع في نوم أو يقظة، كان مباحا أم لا، وقع عمدا أو سهوا، وكذلك مقدمات الوطء من قبلة شهوة، أو لمس شهوة، أو مباشرة شهوة، كانت ليلا أو نهارا إلى آخر ما مر في الوطء من غير فرق، فتستأنف هي ويستأنف هو: وسيأتي أن المعتكفة إذا حاضت تخرج من المسجد وعليها حرمة الاعتكاف، فإذا حصل لها شيء مما مر فإنه يبطل اعتكافها، ويجب عليها أن تستأنفه. ناسيةٍ، بالجر صفة لحائض؛ يعني أنه إذا حصل من الحائض المعتكفة أو فيها شيء مما مر وهي ناسية لاعتكافها، فإنه يبطل اعتكافها، ويجب عليها أن تستأنفه، قال الشبراخيتي: وقوله: "ناسية"، لا يعين أنها فاعل لإمكان كون المقبل أو اللامس أو المباشر لها غيرها، وهي ناسية، وإنما بالغ عليها حينئذ ليلا يتوهم أنها لما كانت ناسية كانت معذورة لأن الفرض أنها التذت. انتهى. وقوله: "ناسية". مفهومه أحروي كما نص عليه غير واحد، وقوله: "وإن لحائض" لخ، مثل الحائض المريض وغيره من أرباب الأعذار المانعة من الصوم والاعتكاف كما يأتي. تنبيه: اعلم أن قوله: "ناسية"، إنما يحسن رجوعه للحائض المعتكفة، كما هو ظاهر، وأما إذا كان المعتكف هو الرجل فلا تظهر فائدة بين كونها ناسية وغير ناسية. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإن لحائض"، قال الشارح عقبه: يريد أو مريض وهو مذهب المدونة والرسالة وغيرهما. انتهى. وإن أذن لعبد؛ يعني أن السيد إذا أذن لعبده الذي تضر عبادته بعملة في نذر الاعتكاف فنذره، فليس له أن يمنعه من الوفاء به، ومعنى تضر عبادته بعمله: تضر بخراجه، بأن لا يؤدي خراجه إن كان من عبيد الخراج أو بخدمته إن كان من عبيد الخدمة، ولا مفهوم للاعتكاف عن غيره من العبادات، فلو أذن له في صيام أو إحرام في زمن معين فنذر ذلك، فليس له أن يمنعه من الوفاء به.

стр. 2440

أو امرأة؛ يعني أن الزوج إذا أذن لامرأته التي يحتاج إليها في نذر اعتكاف فنذرته، فليس له أن يمنعها من الوفاء به: ولا مفهوم للاعتكاف، بل لو أذن لها في صوم أو إحرام في زمن معين فنذرت ذلك فليس له أن يمنعها من الوفاء به. وبما قررت علم أن قوله: في نذر. متعلق بقوله: "أذن"، وعلم أيضا أن قوله: فلا منع، جواب الشرط، فهو راجع لمسألتي العبد والمرأة؛ أي ليس لمن ذكر من سيد وزوج أن يمنع العبد أو المرأة من الوفاء بالنذر الذي أذن فيه حيث نذراه، وهذا إذا أذن له أولها في نذر زمن معين، فإن لم يعين زمنه فله منعهما ولو حصل منهما النذر؛ لأنه ليس على الفور. قاله سند. قاله الأجهوري. كغيره؛ أي النذر وهو فعل الاعتكاف؛ يعني أن السيد أو الزوج إذا أذن للعبد أو المرأة في فعل الاعتكاف لا في نذره فليس لواحد منهما أن يمنع صاحبه من فعل ما أذن له فيه، ومحل كون السيد والزوج لا منع لهما فيما قبل الكاف وفيما بعدها إنما هو، إن دخلا أي العبد والزوجة فيما أذن لهما فيه من نذر اعتكاف أو من فعله، فالدخول في النذر باللفظ، كقول الناذر: لله علي اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، والدخول في الثاني في المعتكَف؛ أي موضع الاعتكاف، والدخول فيه يكون بالرجلين معا، وأما بواحدة فهل كذلك؟ رعيا للعبادة وقياسا على الحنث بالبعض، أو لا؟ رعيا للسيد والزوج، وقياسا على البر، ومفهوم قوله: "إن دخلا"، أنهما لو لم يدخلا بأن لم يلفظ بالنذر في الأول، ولم يدخل في المعتكف في الثاني، لكان له المنع وهو كذلك، فإن اتُّفِقَ على الإذن واختلف في إيقاع النذر، بأن قال العبد أو الزوجة: وقع مني النذر وخالف الزوج أو السيد، فالقول قول العبد أو الزوجة، وأما إن تنازعا في أصل الإذن فالقول للزوج أو السيد. وأتمت ما سبق منه أو عدة؛ يعني أن الاعتكاف إذا سبق المعدة، فإن المرأة تتمه؛ بمعنى أنها تمضي على اعتكافها حتى ينقضي، ولا تخرج إلى منزل عدتها، فلو طلقها زوجها أو مات عنها وهي معتكفة فإنها تمضي على اعتكافها حتى ينقضي، ولا تخرج لمنزل عدتها، فإذا تم اعتكافها أتمت ما بقي من عدتها في بيتها كما في المدونة. قاله الحطاب. كما أن المعدة إذا سبقت؟ الاعتكاف فإنها تتمها! أي لا تخرج من منزل عدتها إلى المسجد لتعتكف فيه حتى تنقضي

стр. 2441

عدتها، فإذا أتمتها فإن كان نذرها مطلقا فعلته، وإن كان معينا ومضى وقته لم تقضه عند سحنون. قاله في النكت. وقوله: "أو عدة"، مجرور عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار على حد قوله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ بجر الأرحام، وقوله: اليوم أقبلت تهجونا وتشتمنا … فاذهب فما بك والايام من عجب ولو أحرمت ثم طلقها زوجها أو مات عنها فإنها تتمادي على إحرامها حتى تتمه، والظاهر أن الاستثناء في قوله: إلا أن تحرم، منقطع كما قاله الخرشي: يعني أن المرأة إذا طلقت بعد البناء ثم أحرمت فإنها ينفذ إحرامها، بمعنى أنها تأتي بما أحرمت به من حج أو عمرة أو هما فورا، ويبطل حقها في السكنى، ولذا قال: وإن بعدة موت؛ أي إذا أحرمت وهي معتدة فإنها تأتي بما أحرمت به، سواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة، وبالغ على عدة الوفاة لما فيها من الشدة على عدة الطلاق بالإحداد. وقد مر أنه لو سبق الإحرام المعدة فإنها تتم الإحرام وهذا يفهم من المصنف بالأحروية؛ لأنها إذا كانت تتم الإحرام الطارئ على العدة فأحرى أن تمضي عليه وتتمه لو سبق. والله سبحانه أعلم. وقد مر عن الخرشي أن الاستثناء منقطع. قال جامعه عفا الله تعالى عنه. ويصح كونه متصلا بتقدير أو إحرام بعد قوله: "أو عدة"، كما يرشد له الاستثناء؛ أي تتم ما سبق من أحد الثلاثة إلا فيما إذا أحرمت وهي معتدة. فإنها تمضي على إحرامها. وفيما عدا هذه الصورة يُرَاعَى السابقُ. والله سبحانه أعلم. فعلم من هذا أنه إذا أحرمت وهي معتكفة فإنه لا ينفذ إحرامها، بل تبقى على اعتكافها كما قاله الشارح. وبما قررت علم أن قوله: فينفذ، راجع لما قبل المبالغة وما بعدها؛ أي فينفذ إحرامها مع عصيانها؛ بمعنى أنها تأتي بما أحرمت به فورا كما مر قريبا، ويبطل؛ يعني أن المعتدة من وفاة أو طلاق إذا أحرمت قبل أن تنقضي عدتها، فإنه ينفذ إحرامها ويبطل مبيتها أي حقها في السكنى، فالضمير راجع للمبيت هذا على التذكير، وأما على التأنيث فالضمير يرجع للعدة على حذف مضاف؛ أي فتبطل المعدة أي يبطل مبيت عدتها أي يبطل حقها فيه.

стр. 2442

واعلم أن الصور ست: طرو عدة على اعتكاف أو على إحرام، طرو اعتكاف على عدة أو على إحرام، طرو إحرام على عدة أو على اعتكاف؛ فالإحرام والاعتكاف تتم السابق منهما، فهذه أربع وبقيت اثنتان: ما إذا سبقت المعدة الإحرام فينفذ إحرامها كما علمت، وما إذا سبقت المعدة الاعتكاف فإنها تتم العدة في منزلها ولا تخرج إلى المسجد لتعتكف. وعلم من هذا أنها تتم الاعتكاف السابق للإحرام، قال الشيخ عبد الباقي: إلا أن تخشى فوات الحج فتقدمه إن كانا فرضين أو نفلين، أو الإحرام فرضا والاعتكاف نفلا، فإن كان الاعتكاف فرضا والإحرام نفلا فإنها تتم الاعتكاف، فعلم أن الصور ست: طرو عدة على إحرام أو اعتكاف، وطروهما عليها، وطرو اعتكاف على إحرام وعكسه، فتتم السابق في أربع وتمضي على الطارئ في إحرام ولو بنفل على عدة، وكذا على اعتكاف نفل إن خشي فوات الحج الفرض لا إن كان نفلا والاعتكاف فرضا فتتم الاعتكاف، والفرق بين الاعتكاف والعدة في طرو الإحرام على أحدهما، أن نفوذ إحرام المعتدة إنما يخل بالمبيت لا بالعدة رأسا، ونفوذ إحرام المعتكفة يخل بالاعتكاف رأسا؛ لأن المسجد شرط أو ركن فيه، وليس المبيت في العدة شيئا منها بل واجب مستقل لا يزيد في المعدة ولا ينقص منها، ثم إن قوله: "ما سبق منه"، أتي فعلا لا نذرا، فيدخل في ذلك ما إذا نذرت اعتكاف شهر بعينه فطلقت أو مات زوجها قبل أن يأتي الشهر، فإنها تستمر على عدتها ولا تقضي الاعتكاف لأنه لم يسبق في الفعل، لكن تصوم الشهر عند مجيئه، ويفهم من الحطاب أن هذا أرجح من مقابله. انتهى. ومقابله هو أن تخرج إلى المسجد فتعتكف، قوله: إلا أن تخشى فوات الحج، أصله للشيخ علي الأجهوري، واعترضه الرماصي بأنه مناف لإطلاق أبي الحسن وأبي عمران. انتهى. قاله محمد بن الحسن. تنبيه: إذا حاضت المعتكفة، فخرجت للحيض، فطلقها زوجها، فإنها ترجع إلى المسجد إذا طهرت لتكمل اعتكافها، كما لو طلقها وهي في المسجد قاله الحطاب. وإذا سبق الطلاق أو الموت الاعتكاف أو الإحرام لم يصح لها أن تعتكف ولا أن تحرم حتى تنقضي العدة؛ لأنها قد لزمتها، فليس لها أن تنقضها، قاله ابن رشد في رسم مرض من سماع ابن

стр. 2443

القاسم. ونقله الشيخ خليل في التوضيح. وقال إثره: وقال أبو الحسن: إذا أحرمت بعد موت زوجها نفذ وهي عاصية فانظره مع كلام صاحب البيان، إلا أن يحمل قوله في البيان: لا يصح، على معنى لا يجوز. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب. وإن منع عبده نذرا فعليه إن عتق؛ يعني أن العبد إذا نذر اعتكافا مثلا بغير إذن سيده، ومنعه سيده من الوفاء به فإنه يجب على العبد الوفاء بنذره إذا أُعْتِقَ حيث كان مضمونا أو معينا وبقي وقته، قال عبد الباقي: فلو كان معينا وفات وقته لم يقضه. قاله سحنون. وهو المعتمد فإن منعه ما نذره بإذنه، فعليه إن عتق ولو معينا وفات وقته، وهذا في منعه بعد شروعه، وأما إن منعه من نذر ما أذن له في نذره، أو من فعل ما تطوع به قبل شروعه في كل منهما فلا شيء عليه. انتهى. كلام عبد الباقي. قوله: وهو المعتمد، قال محمد بن الحسن: انظر من أين له أنه المعتمد، وظاهر التوضيح أن قول سحنون خلاف مذهب المدونة، وقوله: فإن منعه لخ، هذا التفصيل ظاهر لأن طاعته لسيده في ترك ما نذره بإذنه لا تجوز، وقد تقدم أن النذر المعين يجب قضاؤه على من تركه اختيارا. انتهى كلام محمد بن الحسن. وقوله: "وإن منع عبده نذرا فعليه إن عتق"، قال الشبراخيتي: لبقائه في ذمته، وليس للسيد إسقاطه بخلاف الدين، وقال ابن الحاجب: وإن منعه نذرا فعليه إن عتق، قال في التوضيح: ظاهره سواء كان معينا أو مضمونا، قيل: وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة، وقال سحنون: إن كان معينا فلا قضاء عليه. انتهى. ونص قول ابن القاسم: فإن نذر عبد عكوفا فمنعه سيده كان ذلك عليه إن عتق، وكذا المشي والصدقة، فإذا نذر ذلك فلسيده أن يمنعه، فإن عتق يوما لزمه ما نذر من مشي أو صدقة إن بقي ماله ذلك في يده، ولو أذن له السيد وهو رقيق ففعل ذلك أجزأه. انتهى. وفي التوضيح: وليس للسيد أن يسقطه عنه مطلقا، بخلاف الدين. قاله الحطاب. وهو ما مر عن الشبراخيتي. وقوله: مطلقات يريد نذره بإذنه أولا. والله تعالى أعلم. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. وقال الشبراخيتي عند قوله. "وإن منع عبده نذرا": هو شامل لما إذا منعه من فعل ما نذره بغير إذنه، ولما إذا منعه من فعل ما نذره بإذنه، ولك أن تخصه بالأول ويكون الثاني أحرى، ثم

стр. 2444

قال: والظاهر أنه في الثاني؛ يعني فيما إذا منعه من فعل ما نذره بإذنه عليه بدل ما منعه منه، ولو كان معينا، ولا يجري فيه الخلاف الجاري في الأول، وهو ما إذا نذره بغير إذن سيده وكان معينا من أنه هل عليه بدله، وهو ظاهر قول ابن القاسم، أو ليس عليه بدل، وهو ظاهر قول سحنون؛ وهو المذهب كما يفيده كلام أبي الحسن؟ وعليه اقتصر ابن عبدوس. انتهى. وقد مر بحث بناني في كونه المعتمد، ومر تصويبه لهذا التفصيل. والله تعالى أعلم. ولا يمنع المكاتب لسيده؛ يعني أن المكاتب لا يجوز لسيده أن يمنعه من يسير الاعتكاف، وهو ما لا يحصل به عجز عن نجوم الكتابة، وينبغي أن بقية الصوم وبقية العبادة كذلك مما لا ضرر فيه على سيده في عمله ووفاء نجومه، ويمنع من كثير يضر بذلك، فلوأخرجه الحاكم من معتكفه عند حلول أجل الكتابة وعجزه فلسيده منعه من الاعتكاف، ويبقى دينا في ذمته، فإن اعتكف بإذنه لم يكن له إخراجه، ومَنْ بَعْضُهُ حر يعتكف يوم ملكه نفسه إن كان بينه وبين مالك بعضه مهايأة، وإلا لم يعتكف إلا بإذنه. قاله عبد الباقي. وفي الخرشي عند قوله: "ولا يمنع مكاتب يسيره": ومثله المرأة: وهو غير صحيح، لقوله: "وإن أذن لعبد" لخ، ولقوله فيما مر: ولا يقضى على زوجها به لأنه إذا كان له منعها من المسجد لصلاة واحدة فأحرى للاعتكاف. قاله محمد بن الحسن. ولزم يوم إن نذر ليلة؛ يعني أن من نذر أن يعتكف ليلة، يلزمه أن يعتكف يوما وليلة وكذا العكس، وإنما نبه على نذر الليلة ردا على من يقول: لا يلزمه شيء لأنه نذر ما لا يصح فيه صوم، قال في المدونة: ومن نذر اعتكاف يوم أو ليلة لزمه يوم وليلة، قال ابن يونس: قال سحنون: فأما إن نذر اعتكاف يوم فيلزمه يوم ويدخل اعتكافه عند غروب الشمس من ليلته، وإن دخل فيه قبل الفجر فاعتكف يومه لم يجزه. ابن يونس: لأنه نذر اعتكاف يوم، فيلزمه يوم تام وذلك يوم وليلة، وأما إن نوى اعتكاف يوم فدخل فيه قبل طلوع الفجر أجزأه. انتهى. قاله الحطاب. وفي الطراز: فإن اعتكف من نذر اعتكاف يوم من قبل طلوع الفجر، فهل يجزئه أولا يجزئه؟ الأول: -وهو الإجزاء- اختاره القاضي ونحوه لمالك في المبسوط، والثاني: -وهو عدم الإجزاء-

стр. 2445

لسحنون، وقوله: "ولزم يوم إن نذر ليلة"، وأولى العكس كما مر، والليلة التي تلزمه مع اليوم إنما هي ليلة اليوم الذي نذره لا التي بعده، كما مر ما يفيده. والله سبحانه أعلم. وقوله: "ولزم يوم إن نذر ليلة"، قال الشبراخيتي: ويلزمه الدخول قبل الغروب أو معه على ما ذكر الزرقاني والشيخ عبد الرحمن، ولكن الراجح ما في التوضيح أنه يصح دخوله فيه قبل الفجر، وقال أبو الحسن: المعتمد أن الذي يجزنه الدخول قبل الفجر هو المتطوع، وقد دخل النهار مع الليل في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾. سند: وفي ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. انتهى. وسئل سحنون عمن قال لعبد: أنت حر يوم تلد فلانة، وقال لآخر: أنت حر ليلة تلد: إن ولدت نهارا عتق صاحبه، وليلا عتقا جميعا لأن الليل من النهار. انتهى. لا بعض يوم؛ يعني أن الشخص إذا نذر اعتكاف بعض يوم فإنه لا يلزمه شيء. نص عليه اللخمي. قاله الشارح. وقال الحطاب: قال سند: لو نذر عكوف بعض يوم، قال عبد الوهاب: لا يصح ذلك، وينبغي أن يلزمه ذلك من غير صوم، ولا يكون عكوفا، وإنما يكون جوارا قصده بلفظ العكوف كما يلزمه العكوف إذا قصد معناه ونذره بلفظ الجوار. انتهى. وقال الخرشي: وإذا انتفى لزوم اليوم مع أن أقل الاعتكاف يوم وليلة علم أنه لا يلزمه ما نذره وهو بعض اليوم، وقوله: لا بعض يوم؛ أي إلا أن ينوي الجوار فيلزمه ما نواه، وفي الشبراخيتي عند قول المصنف: "لا بعض يوم"، وانظر هذا مع نقل التتائي عن ابن القاسم، من نذر طاعة ناقصة كصلاة ركعة أو صوم بعض يوم لزمه إكمالها. انتهى. ونحوه نقله بناني عن الخرشي، وقال: إنه غير صحيح، وكلام بناني: الخرشي: انظر قول المؤلف: "لا بعض يوم"، مع نقل التتائي عن ابن القاسم لخ، نقله عن التتائي غير صحيح؛ إذ ليس في صغيره ولا كبيره، وقد قال القرافي: لو نذر بعض يوم لم يصح عندنا، خلافا للشافعي. وتتابعه في مطلقة؛ يعني أن من نذر اعتكاف عشرة أيام مثلا؛ وأطلق في نذره أي لم يقيده بتتابع ولا عدمه، فإنه يلزمه أن يعتكفها متتابعة؛ لأن ذلك سنة الاعتكاف، وأما إذا نوى التتابع أو

стр. 2446

عدمه، فقال غير واحد: إنه يلزمه ما نوى، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل إن نوى عدم التتابع لم يلزمه تتابع ولا تفريق. انتهى. ونحوه للأمير. وعلم مما قررت أن محل قوله: "وتتابعه في مطلقة"، في النذر الملفوظ به، وَأَمَّا المنوي من غير لفظ، فهو المشار إليه بقوله: ومنويه حين دخوله، الظرف يتعلق بقوله: "ومنويه"، كما في حاشية بناني: ومعنى كلام المصنف أن الشخص إذا نوى أن يعتكف أياما وقت دخوله في معتكفه؛ أي وقت شروعه في الاعتكاف، فإنه يلزمه أن يتمها متتابعة إن نوف تتابعه، أو لا نية له كما في الخرشي، فإن نوى أن يفرقها فإنه لا يلزمه أن يتابعها، وقال الأمير: ووجب متابعة منذوره إلا مع نية التفريق، ولا يلزم التفريق إن نواه، فإنه لا ندب فيه إلا لتعيين كخمسة أول الشهر، والخمسة الأخيرة منه. فتدبر. انتهى. وقال بعد هذا: ووجب بالشروع إتمام منويه. انتهى. وعلم مما قررت أن مجرد النية أي من غير شروع لا يوجب شيئا، لقوله ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تعمل به أو تتكلم (١))، وقوله: "ومنويه"؛ أي ما نواه من تتابع أو عدد، والفرق بين الصوم -لا يلزم التتابع فيما إذا أبهم فيه، ولم يقيده بتتابع ولا تفريق كما مر عند قوله: "وابتداء سنة" -والاعتكاف- يلزمه تتابعه في نذره له حيث لم يقيده بتتابع ولا تفريق- هو أن العادة أن من دخل معتكفه وهو ينوي أياما أنه يأتي بها متتابعة، ولولا العادة لم يلزمه ذلك؛ لأن أقل الاعتكاف يوم ولا يجوز أقل منه، وأقل الصيام يوم ولا يلزم أقل منه. قال اللخمي. وقال ابن محرز: الفرق بين الصيام والاعتكاف أن الصوم إنما يفعل بالنهار دون الليل، فكيفما أصابه متتابعا أو متفرقا إذا أوفى بالعدة فقد جاء بنذره، والاعتكاف يستغرق الزمانين الليل والنهار، فكانت حكمته تقتضي التتابع اعتبارا بأجل الإجارة والخدمة والديون والأيمان لما كانت تستغرق الزمانين جميعا، فوجب تتابعها، والشروع فيها عقب عقدها أشار له الخرشي، ويفهم من المصنف؛ أي من قوله: "وتتابعه في مطلقة"، أن ما نوى فيه التتابع من المنذور يجب تتابعه.

стр. 2447

كمطلق الجوار. للمسجد بضم الجيم وكسرها، والكسو هو الأفصح؛ يعني أن الشخص إذا قال: لله علي أن أجاور المسجد عشرة أيام بلياليها -مثلا- فإنه بمنزلة ما إذا نذر أن يعتكف ذلك، قال الحطاب: قال سند: من قال لله علي أن أجاور المسجد ليلا ونهارا عدة أيام، فهذا نذر اعتكاف بلفظ الجوار، فلا فرق في المعنى بين قوله: أعتكف عشرة أيام أو أجاور عشرة أيام، يلزم في ذلك ما يلزم في الاعتكاف، ويمتنع فيه ما يمتنع في الاعتكاف، واللفظ لا يراد لعينه وإنما يراد لمعناه، ولو لم يسم اعتكافا ولا جوارا إلا أنه نوى ملازمة المسجد لعبادة أياما متوالية وشرع في ذلك فإنه يلزمه سنة الاعتكاف. انتهى كلام الحطاب. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: هذا صريح أو كالصريح في أن الاعتكاف يلزم بأي لفظ يدل على معناه. وبما قررت علم أن قوله: "كمطلق الجوار"، تشبيه تام في جميع ما مر من أحكام الاعتكاف، فيلزمه تتابعه إن نوى التتابع أو لم ينو شيئا، ويلزمه الصوم ويمنع فيه ما يمنع في الاعتكاف ويبطله ما يبطله، ويبني فيه كما يبني في الاعتكاف، والمراد بالمطلق ما لم يقيد بنهار فقط ولا بليل فقط ولا بفطر، والأولى أن يقول المصنف: كالجوار المطلق، واحترز المصنف بالمطلق عن الجوار المقيد؛ وهو المشار إليه بقوله: لا النهار؛ يعني أن الجوار المقيد بالنهار فقط، أو بالليل فقط، ليس كالمطلق، فليس كالاعتكاف في الأحكام، فلا يلزم بالنية، وإنما يلزم باللفظ، وكذا الجوار المطلق الذي نوى فيه الفطر، فإنه لا يلزم إلا باللفظ كالجوار المقيد بالنهار فقط أو بالليل فقط، فإذا قال: لله على أن أجاور المسجد نهارا؛ يعني به يوم الجمعة فقط مثلا دون ليلتها، فإنه يلزمه ملازمة المسجد في ذلك اليوم، وكذا لو قيد بليلة يوم الجمعة فقط فإنه يجب عليه أن يلازم المسجد تلك الليلة، ولا يلزم فيه حينئذ صوم؛ يعني أن الجوار المقيد لا يلزم إلا باللفظ -كما علمت- فإذا لفظ به لزمه، ولكن لا يلزم فيه حينئذ؛ أي حين لفظه بالنذر صوم ولا غيره من لوازم الاعتكاف، لكنه لا يخرج من المسجد لعيادة المريض ونحوها؛ لأن ذلك مناف لنذر مجاورة المسجد، ويخرج لما يخرج له المعتكف، ولا يخرج لما لا يخرج له المعتكف.

стр. 2448

واعلم أن الجوار المقيد بالنهار فقط، أو بالليل فقط، أو المنوي فيه الفطر سواءٌ في الحكم، وإنما اقتصر المصنف على المقيد بالنهار فقط، لقوله: "ولا يلزم فيه حينئذ صوم"؛ يعني ولا غيره من لوازم الاعتكاف، مع أن المقيد بالليل فقط، والمطلق الذي نوى فيه الفطر كذلك -كما علمت- إذ هذان الأخيران لا يتوهم فيهما الصوم حتى يحتاج لنفيه، وأما إذا نوى الجوار نهارا ولم ينذره، فقال إمالنا مالك في المجموعة: له أن يجامع أهله خارج المسجد. الباجي: ويخرج في حوائجه، ولعيادة المريض، وشهود الجنائز. قوله: "وَلا يَلْزَمُ فِيهِ حِينَئِذٍ صَوم"، ولا تحرم المباشرة على المجاور، وكذا لا يحرم عليه الوطء وإن كان ممنوعا منه في المسجد لحرمة المسجد حتى لو جامع خارج المسجد لم يأثم. أبو الحسن: والجوار مندوب إليه من نوافل الخير، وقوله: "فباللفظ"، قال في التوضيح: وأما عقده بالقلب فذلك جار على الخلاف في انعقاد اليمين بالقلب. وفي يوم دخوله؛ يعني أن الجوار المقيد لا يلزم بالنية كما عرفت؛ أي لا يلزم بالنية وحدها، فإذا انضم إليها فعل وهو الدخول في المسجد، فهل يلزمه أن يكمل ذلك اليوم الذي دخل فيه؟ سواء نوى المجاورة في يوم مفرد، أو نوى أن يجاور المسجد أياما، أو لا يلزمه أن يكمل ذلك اليوم الذي دخل فيه مفردا أو مع أيام؟ في ذلك طويلان؛ أي اختلف الشيوخ في فهم المدونة في ذلك على تأويلين، فتأولها ابن يونس وعبد الحق على أنه يلزمه إتمام ذلك اليوم الذي دخل فيه المسجد للمجاورة، وتأولها أبو عمران على أنه لا يلزمه إتمام ذلك اليوم. وقوله: "وفي يوم دخوله"، سواء كان اليوم الذي دخل فيه أولا أو ثانيا أو ثالثا أو غير ذلك كما في الحطاب. وبما قررت علم أن كلام المصنف عام فيمن نوى يوما واحدا أو أياما كما للشارح والحطاب والتتائي وغيرهم، وقوله: "وفي يوم دخوله تأويلان"؛ يعني، وأما اليوم الذي بعده فلا يلزمه اتفاقا، ومحل عدم لزوم النهار فقط مع النية حيث كان من عادته الفطر كأهل مكة، وأما لو نوى الصوم في النهار أو كان من عادته الصوم فيه، فإنه يلزم بالنية، والدخول فيه كالاعتكاف كما هو نص ابن رشد. قاله الخرشي. وقوله: "تأويلان"، الذي يظهر من كلامهم أن الراجح هو التأويل بعدم اللزوم؛ لأن سندا حكى الاتفاق فيمن نوى مجاورة يوم أنه لا يلزمه إتمامه بالدخول فيه.

стр. 2449

تنبيهان: الأول: علم مما مر أن الجوار أربعة أقسام: الجوار المطلق الذي لم ينو فيه الفطر حكمه كالاعتكاف من غير فرق لأنه اعتكاف بلفظ الجوار، الجوار المطلق الذي نوى فيه الفطر، والمقيد بالنهار فقط، أو بالليل فقط وهذه الثلاثة ليس لها حكم الاعتكاف كما مر، إلا أن عدم لزوم الجوار المقيد بالنهار فقط بالنية محله في غير من نوى الصوم بالنهار أو في غير من كانت عادته الصوم فيه، وأما لو نوى الصوم بالنهار أو كانت عادته الصوم فيه فإنه يلزم بالنية مع الدخول فيه كالاعتكاف. الثاني: لو نوى جوار المسجد ما دام فيه أو وقتا معينا لم يلزم ببقية ذلك اليوم على ما قاله سند وابن رشد وأبو عمران، وكذا على قول ابن يونس وعبد الحق فيما يظهر، وقد صرح بذلك في المدخل. قاله الحطاب. وفي النكت: إذا نوى عكوف أيام أو شهر أو شهور لزمه بالدخول في يوم من أيامها؛ لأن ذلك لاتصاله كيوم واحد، بخلاف من نوى صوما، هذا وإن نواه متتابعا لم يلزمه إلا اليوم الذي دخل فيه -خاصة- لأنه ليس عمل الصوم متصلا؛ لأن الليل فاصل عن الصوم، والعكوف عمله متصل بالليل والنهار، فهو كاليوم الواحد في الصوم، انتهى. نقله الحطاب. قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه: حاصله: أَنَّ الفَرْقَ بين من نوى أن يصوم عشرة أيام متتابعة ولم يوجبها باللفظ، لا يلزمه منها إلا اليوم الأول الذي بيت صومه، ومن نوى أن يعتكف عشرة أيام حين دخوله، فَصْلُ العمل بالليل في الصوم، واتصاله في النهار والليل في الاعتكاف. والله سبحانه أعلم. وإتيان ساحل لناذر صوم به مطلقا، الساحل في الأصل شاطئ البحر، والمراد به هنا محل الرباط، كدمياط واسكندرية وعسقلان ونحوها، والضمير في "به"، عائد على قوله: "ساحل"، وقوله: "مطلقا"؛ أي سواء كان المكان الذي فيه الناذر فاضلا كمكة والمدينة والمسجد الأقصى ونذر أن يصوم بدمياط مثلا، أو مساويا أو مفضولا، وإيضاح كلام المصنف أن من نذر أن يصوم بساحل من السواحل، فعليه أن يأتيه ليصوم فيه، يريد إذا كان ذلك محل رباط يتقرب إلى الله بإتيانه، فكأنه قال: وإتيان ثغر، وسواء كان الناذر في بلد أشرف منه -كما مر التمثيل له- أو لم يكن أشرف منه، وقوله: ": لناذر صوم"، وأما من نذر الصلاة بثغر، فإن نذر أن يأتيه لصلاة ويعود

стр. 2450

من فوره فليصل بموضعه ولا يأتيه، وإن نذر صلاة تمكن معها الحراسة لزمه الإتيان إلى ذلك الثغر الذي نذر به الصلاة. انظر حاشية الشيخ بناني. وقال الشيخ عبد الباقي: ولو نذر صلاة في ساحل لزم الإتيان إليه لفعلها فيه، كما في الصوم. قاله أبو الحسن على الرسالة: انتهى. وقوله: "لناذر صوم به"، وأما من نذر رباطا بثغر، فقال في الرسالة: ومن نذر رباطا بموضع من الثغور فذلك عليه أن يأتيه، انتهى، ما لم يكن بثغر، وإلا لزمه أن يذهب للآخر إن كان أخوف مما فيه، وإن كان بالعكس لم يلزمه وإن تساويا، فيجري فيه نحو ما يأتي في قوله: "وهل وإن كان ببعضها أو إلا لكونه بأفضل خلاف"، وقوله: "لناذر صوم به"، وأما لو نذر اعتكافا بساحل من السواحل فلا يلزمه الإتيان إليه، بل يعتكف بموضعه بخلاف الصوم كما علمت؛ لأن الصوم لا يمنعه من الحَرْسِ والجهاد، بخلاف الاعتكاف فإنه يمنعه من ذلك، فهو بموضعه أفضل. قاله ابن يونس. نقله محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. ومن نذر الصوم بمكة أو المدينة أو بيت المقدس لزمه من باب أحرى من الساحل، فيلزمه أن يأتيه كما في المدونة. (والمساجد الثلاثة فقط لناذر عكوف بها)؛ يعني أن الشخص إذا نذر العكوف بأحد المساجد الثلاثة؛ وهي مسجد مكة ومسجد المدينة وبيت المقدس، فإنه يلزمه الإتيان إليه ليعتكف فيه، وكذا الصوم والصلاة، وظاهر كلام المصنف: ولو كان الناذر بالفاضل، وقال الشارح: وينبغي أن لا يأتي من الفاضل إلى المفضول كما قال أصحابنا في ناذر الصلاة؛ إذ لا فرق بينهما، وأفاد المصنف بقوله: "فقط"، أنه لو نذر العكوف بساحل لا يلزمه الإتيان إليه بل يفعله بموضعه، ولهذا قال: وإلا؛ أي وإن لم يكن نذر العكوف بأحد المساجد الثلاثة، بل نذره بغيرها من ساحل أو غيره، كجامع عَمْرو بالفسطاط، وكجامع ابن طولون رغبة في استجابة الدعاء فيه، لكونه على جبل الشكر، فبموضعه؛ أي فليفعل ما نذره من الاعتكاف بموضعه؛ أي موضع الناذر، ويدخل في ذلك أيضا ما إذا نذر صوما بغير ساحل ولا بأحد المساجد الثلاثة، فإنه يفعله بموضعه، وكذا الصلاة هذا إن بعد ما نذر فيه الفعل المذكور، فإن قرب جدا، فهل كذلك أو يذهب إليه ويفعله فيه؟

стр. 2451

قولان في الاعتكاف والصلاة والصوم، وعند بعضهم: يفعل الصوم بموضعه من غير قولين، وظاهر المصنف أنه يفعل ذلك بموضعه مطلقا. وتحصل مما مر أن من نذر عبادة من صوم أو صلاة أو اعتكاف بأحد المساجد الثلاثة، يلزمه الإتيان إلى الموضع الذي نذره ويفعل فيه ما ذكر، وهل إلا أن يكون محل النذر أفضل فيفعله فيه، أو ولو كان أفضل خلاف، وأن من نذر الاعتكاف في غيرها لا يلزمه الإتيان إليه بل يفعله في موضعه، سواء كان الغير ساحلا أو غيره قرب جدا أو بعد، وقيل: إن قرب جدا يذهب إليه ويفعله به، وأن من نذر الصوم والصلاة بساحل يلزمه الإتيان إليه ليفعله به، وأن من نذر الصوم والصلاة بغير المساجد الثلاثة والسواحل يفعلهما بموضعه ولا يذهب للغير قرب أو بعد، وقيل: إن قرب جدا يذهب إليه ويفعله به. والله سبحانه أعلم. ولما تكلم على شروط الاعتكاف وأركانه ومفسداته وما يتعلق بذلك، شرع يتكلم على مكروهاته، فقال: وكره أكله خارج المسجد؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يأكل خارج المسجد بفنائه أو رحبته الخارجة عنه، فإن أكل خارجا عن ذلك بطل اعتكافه، وما ذكره المصنف من التفصيل للمدونة والمجموعة، وعليه يحمل ما قاله الباجي من إطلاق البطان بالخروج من المسجد برحبته التي هي صحنه، وما كان داخلا فيه، فلا يكره أكله بهما، ففي المدونة: ولا يأكل ولا يشرب إلا في المسجد وفي رحبه، وأكره أن يخرج منه فيأكل بين يدي بابه، وظاهر المصنف كالمدونة كراهة الأكل خارجه ولو خف الأكل، وقرب الخارج جدا، وعدم كراهة الشرب. قاله عبد الباقي والخرشي والشبراخيتي. وزاد الشبراخيتي والخرشي: وفي المدونة ما يفيد أن الشرب كالأكل في الكراهة. انتهى. ونحوه للأجهوري، وقال: لو قال المصنف: وكره أكله بفناء المسجد لسلم مما يرد عليه لشموله للأكل خارج الفناء أيضا، ولا بأس بالأكل داخل النارة ويغلقها عليه، وإنما طلب بغلق المنارة عليه زيادة في الستر وحسما من أن يتشاغل مع من يأتي بالتحدث ونحوه. قاله الخرشي. وكلام المصنف مقيد لما في إحياء الموات من كراهة الأكل الكثير في المسجد؛ إذ أكل المعتكف في المسجد مطلوب.

стр. 2452

تنبيه: سنل ابن القاسم وابن وهب عن طعام الفجاءة يغشى الرجل القوم وهم يأكلون فيدعونه؟ فقالا: حسن جميل أن يجيبهم إذا دعوه، وإن لم يدعوه فلا يأكل. ابن رشد: ينبغي أن يعمل بما يظهر من حالهم، فإن ظهر له منهم استبشارهم وسرورهم بأكله معهم استحب له أن يجيبهم إذا دعوه، وإن ظهر له منهم أنهم كرهوا غشيانه إياهم وهم يأكلون وإنما دعود استحياء منهم، كره له أن يجيبهم، وإن لم يتبين له أحد الوصفين جاز له أن يجيبهم من غير استحباب ولا كراهة. ابن هلال. واعتكاف غير مكفي؛ يعني أنه يكره للإنسان أن يعتكف غير واجد من يكفيه مؤنته من طعام وشراب ونحو ذلك حتى لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، وإذا اعتكف غير مكفي فله الخروج لشراء طعام ونحوه، ولا يقف مع أحد يحدثه، ولا لقضاء دين أو طلب حق، ولا يمكث بعد قضاء حاجته زمانا لأنه يخرج بذلك عن عمل الاعتكاف كحرمة الصلاة عند خروج راعف فيها لغسل دم، فإن فعل شيئا من ذلك فسد اعتكافه، قال إمامنا مالك: وندب شراؤه من أقرب الأسواق إلى المسجد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال ابن الحاجب: يخرج المعتكف لحاجة الإنسان أو لمعيشة إن احتاج ولو بعد، قال في توضيحه: يعني إذا لم يجد إلا ذلك، ولو وجد الأقرب ثم تعداه فذلك مكروه أو مفسد. انتهى. وظاهره أن له الخروج لحاجته، ولو وجد من يقوم مقامه في ذلك بغير عوض أو بعوض لا يشق مثله به. قاله الخرشي، وغيره. قوله: "واعتكافه غير مكفي"، يشمل ما إذا لم يجد كافيا، أو وجده وتركه واعتكف، وفي الحطاب: ولا يخرج لشراء طعام ولا غيره، ولا يدخل حتى يُعِدَّ ما يصلحه، ولا يعتكف إلا من كان مكفيا حتى لا يخرج إلا لحاجة الإنسان. انتهى المراد منه. وقد مر أنه إذا خرج لقضاء الحاجة لا يقف بعد قضاء الحاجة يحدث أحدا مثلا، وأنه إن فعل ذلك فسد اعتكافه، وقوله: "غير"، حال من الضمير في اعتكافه ودخوله منزلة؛ يعني أنه يكره للمعتكف إذا خرج لحاجة -كما للأمير- أن يدخل منزلة الساكن فيه القريب من المسجد وفيه أهله، فإن لم يكن قريبا من المسجد بطل اعتكافه، فإن كان قريبا من المسجد ولم يكن به أهله لم يكره له دخوله، وإن دخل أسفل القريب وأهله بالعلو فلا كراهة، وما ذكره المصنف من الكراهة

стр. 2453

لا ينافي جواز مجيء زوجته إليه وأكلها معه في المسجد وحديثها له؛ لأن المسجد وازع أي مانع من الوطء ومقدماته ولا وازع في المنزل. واعلم أنه إن خرج لحاجة فلا يجاوز القريب الممكن فعله فيه، قال الشبراخيتي: فإن جاوزه بطل اعتكافه. وإن لغائط؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يدخل منزلة القريب من المسجد الساكن فيه وبه أهله وإن كان ذلك لأجل قضاء حاجة الإنسان من بول أو غائط، فإن لم يكن قريبا من المسجد إلى آخر ما مر، قال ابن نافع عن مالك: وإذا قرب منه كرهت له دخوله لحاجة الإنسان إلا أن يكون غير مسكون فيه. واشتغاله بعلم؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يشتغل بالعلم تعلما أو تعليما، قاله في المدونة، خلافا لابن وهب القائل: يجوز له سائر الأعمال المختصة بالآخرة، وقوله: "بعلم": أي غير عيني وإلا لم يكره، فإن قيل الاشتغال بالعلم غير العيني أفضل من صلاة النافلة فلم كره هنا واستحبت هي والذكر والقرآن؟ فالجواب أنه يحصل بالنافلة وما في حكمها ما شرع الاعتكاف له من رياضة النفس وخلوصها من صفاتها المذمومة غالبا، وذلك لا يحصل بالعلم، وقوله: "واشتغاله بعلم"، قال محمد بن الحسن: ابن رشد: هذا مذهب ابن القاسم. وروايته عن مالك الذي يرى أن الاعتكاف يخص من أعمال البر بذكر الله تعالى وقراءة القرآن والصلاة، وأما على مذهب ابن وهب الذي يبيح للمعتكف جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، فتجوز له مدارسة العلم وعيادة المريض في موضع معتكفه، والصلاة على الجنائز إذا انتهى إليه زحام الناس، ويجوز له أن يكتب المصاحف للثواب لا ليتمولها ولا على أجرة يأخذها، بل ليقرأ فيها وينتفع بها من احتاج لها. انتهى من رسم شك من سماع ابن القاسم، وهو يدل على أن كتب المصحف لا يباح للمعتكف على المشهور. تنبيه: اعلم أن العلم إما قديم وإما حادث، الأول علم الله تعالى وهو صفة وجودية قائمة بذاته تعالى، واحدة متعلقة بكل معلوم موجود ومعدوم، قديمة بقدم ذاته، باقية ببقائها، مخالفة لعلمنا كسائر صفاته تعالى، موجبة له تعالى كونه عالما. والثاني علم الحادث، وينقسم -سواء كان تصورا أو تصديقا- إلى ضروري ونظري، وقد يقال: ضروري وكسبي أو بديهي وكسبي، أما الضروري فيفسر بما يحصل للنفس بلا اختيار، ويقابله الكسبي وهو العلم الحاصل عن كسب العبد

стр. 2454

استدلالا أو غيره، كالتصفية والرياضة، وبما يحصل بمجرد التفات العقل ويقال له البديهي ويقابله النظري، فالكسبي على هذا أعم من النظري. تنبيه آخر: قد مر ذكر شيء من فضائل العلم، والمراد به العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله تعالى وصفاته، وما يجب له من القيام بأمرد وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه. قاله ابن حجر. "وكتابته". الواو بمعنى: أو؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يشتغل بالكتابة، والضمير في قوله: "كتابته"، للمعتكف من إضافة المصدر إلى فاعله، وليس الضمير عائدا على العلم إذ لو كان عائدا عليه لما صحت المبالغة بقوله: وإن مصحفا؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يشتغل بالكتابة، ولا فرق في ذلك بين كتابة المصحف وكتابة غيره، وبالغ على المصحف ليلا يتوهم أن كتابة القرآن كتلاوته. قاله غير واحد. قوله: "وكتابته"، ينبغي أن تقيد بما إذا لم تكن بمعاشه، وقوله: "وكتابته وإن مصحفا"، قال فيه الحطاب: يعني أنه يكره كتابة المعتكف سواء كتب مصحفا أو علما فأحرى غير ذلك، وقوله: "وكتابته"، بالجر عطف على علم، وبالرفع عطف على "اشتغاله"؛ وهو أقعد. قاله الحطاب. إن كثر؛ يعني أن محل كراهة الاشتغال بالعلم والكتابة حيث كثر ذلك، بأن شغله عما ندب له، فإن خف بأن لم يشغله عما ندب له فلا كراهة. وبما قررت علم أن قوله: "إن كثر"، راجع للعلم والكتابة، وسئل مالك: أيجلس مجالس العلم أو يكتب العلم؟ قال: لا يفعل إلا الشيء الخفيف والترك أحب إلي. وفعل غير ذكر وصلاة وتلاوة؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يفعل غير هذه الثلاثة؛ وهي الذكر من تسبيح وتهليل ودعاء واستغفار وتدبر في آيت الله تعالى. ومآل الدنيا والاخرة؛ لأنه عبادة السلف، والصلاة وفي معنى الصلاة الطواف ودخول الكعبة والتلاوة، وحكمه بالكراهة على غير فعل الذكر والصلاة والتلاوة يدل على أن فعلها ليس بواجب ولا جائز مستوي الطرفين؛ إذ لو وجب لحرم فعل غيرها وقد حكم بكراهته، ولو جاز فعلها لجاز مقابلها، فلم يبق إلا استحباب فعلها. قاله الأجهوري.

стр. 2455

ونوزع في الملازمة المذكورة، وإنما قلنا إن الطواف من معنى الصلاة، لقوله ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام (١))، وفي المدونة: وليقبل على شأنه. أبو الحسن: شأنه الذكر وقراءة القرآن والصلاة، وفي غيرها من أفعال الآخرة قولان. ابن ناجي في شرح الرسالة: ولا خلاف أن المعتكف يحاكي المؤذن انتهى. أي يحكي أذانه. والله سبحانه أعلم. وقال في سماع ابن القاسم: وترقيع ثوبه مكروه، ولا ينتقض به اعتكافه، وشبه في الكراهة التي هي حكم غير الذكر والصلاة والتلاوة، ولم يعطف لإيهام العطف على ذكر، فقال: كعيادة؛ يعني أنه يكرفى للمعتكف عيادة مريض في المسجد إلا أن يكون قريبا منه، فلا بأس أن يسلم عليه، ولا يقوم ليعزي ولا لِيُهَنِّئَ، وأما إن كان المريض في غير المسجد فلا يجوز للمعتكف أن يعوده. تنبيهان: الأول: قال ابن بطال: تشرع عيادة الشرك إذا رجي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام، فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا. انتهى. قاله الخرشي. الثاني: اعلم أن للعيادة شروطا منها: أن يقل السؤال عنه، وأن لا يطيل الجلوس عند المريض، وأن يظهر الشفقة عليه، وأن يضع يده على رأسه ليعلم مرضه، وأن يدعو له، وأن لا ينظر في عورة منزلة، وأن لا يقنطه، وقد ورد في الدعاء له: (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيه ((٢)) سبع مرات، فإنه يعافى ما لم يأت أجله، وأما المريض فلاستكماله الأجر شروط: أن لا يضيع الطاعات، وأن يكثر الرجاء، وأن لا يظهر الشكوى إلا لصالح يستجلب بذلك دعاءه، وأن لا يتوكل على صاحب الدواء إذا داوى، وتجوز زيارة المريض في كل وقت إلا عند الهاجرة. انتهى ملخصا من الشبراخيتي والخرشي. وفي النفراوي ما نصه: واعلم أن الزيارة مطلوبة لكل مريض ولو أرمد أو صاحب ضرس، وأما حديث: ثلاثة لخ، فقد ضعفه بعض المحدثين. انتهى.
следующие страницы →