← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

قولان في الاعتكاف والصلاة والصوم، وعند بعضهم: يفعل الصوم بموضعه من غير قولين، وظاهر المصنف أنه يفعل ذلك بموضعه مطلقا. وتحصل مما مر أن من نذر عبادة من صوم أو صلاة أو اعتكاف بأحد المساجد الثلاثة، يلزمه الإتيان إلى الموضع الذي نذره ويفعل فيه ما ذكر، وهل إلا أن يكون محل النذر أفضل فيفعله فيه، أو ولو كان أفضل خلاف، وأن من نذر الاعتكاف في غيرها لا يلزمه الإتيان إليه بل يفعله في موضعه، سواء كان الغير ساحلا أو غيره قرب جدا أو بعد، وقيل: إن قرب جدا يذهب إليه ويفعله به، وأن من نذر الصوم والصلاة بساحل يلزمه الإتيان إليه ليفعله به، وأن من نذر الصوم والصلاة بغير المساجد الثلاثة والسواحل يفعلهما بموضعه ولا يذهب للغير قرب أو بعد، وقيل: إن قرب جدا يذهب إليه ويفعله به. والله سبحانه أعلم. ولما تكلم على شروط الاعتكاف وأركانه ومفسداته وما يتعلق بذلك، شرع يتكلم على مكروهاته، فقال: وكره أكله خارج المسجد؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يأكل خارج المسجد بفنائه أو رحبته الخارجة عنه، فإن أكل خارجا عن ذلك بطل اعتكافه، وما ذكره المصنف من التفصيل للمدونة والمجموعة، وعليه يحمل ما قاله الباجي من إطلاق البطان بالخروج من المسجد برحبته التي هي صحنه، وما كان داخلا فيه، فلا يكره أكله بهما، ففي المدونة: ولا يأكل ولا يشرب إلا في المسجد وفي رحبه، وأكره أن يخرج منه فيأكل بين يدي بابه، وظاهر المصنف كالمدونة كراهة الأكل خارجه ولو خف الأكل، وقرب الخارج جدا، وعدم كراهة الشرب. قاله عبد الباقي والخرشي والشبراخيتي. وزاد الشبراخيتي والخرشي: وفي المدونة ما يفيد أن الشرب كالأكل في الكراهة. انتهى. ونحوه للأجهوري، وقال: لو قال المصنف: وكره أكله بفناء المسجد لسلم مما يرد عليه لشموله للأكل خارج الفناء أيضا، ولا بأس بالأكل داخل النارة ويغلقها عليه، وإنما طلب بغلق المنارة عليه زيادة في الستر وحسما من أن يتشاغل مع من يأتي بالتحدث ونحوه. قاله الخرشي. وكلام المصنف مقيد لما في إحياء الموات من كراهة الأكل الكثير في المسجد؛ إذ أكل المعتكف في المسجد مطلوب.

стр. 2452

تنبيه: سنل ابن القاسم وابن وهب عن طعام الفجاءة يغشى الرجل القوم وهم يأكلون فيدعونه؟ فقالا: حسن جميل أن يجيبهم إذا دعوه، وإن لم يدعوه فلا يأكل. ابن رشد: ينبغي أن يعمل بما يظهر من حالهم، فإن ظهر له منهم استبشارهم وسرورهم بأكله معهم استحب له أن يجيبهم إذا دعوه، وإن ظهر له منهم أنهم كرهوا غشيانه إياهم وهم يأكلون وإنما دعود استحياء منهم، كره له أن يجيبهم، وإن لم يتبين له أحد الوصفين جاز له أن يجيبهم من غير استحباب ولا كراهة. ابن هلال. واعتكاف غير مكفي؛ يعني أنه يكره للإنسان أن يعتكف غير واجد من يكفيه مؤنته من طعام وشراب ونحو ذلك حتى لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، وإذا اعتكف غير مكفي فله الخروج لشراء طعام ونحوه، ولا يقف مع أحد يحدثه، ولا لقضاء دين أو طلب حق، ولا يمكث بعد قضاء حاجته زمانا لأنه يخرج بذلك عن عمل الاعتكاف كحرمة الصلاة عند خروج راعف فيها لغسل دم، فإن فعل شيئا من ذلك فسد اعتكافه، قال إمامنا مالك: وندب شراؤه من أقرب الأسواق إلى المسجد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال ابن الحاجب: يخرج المعتكف لحاجة الإنسان أو لمعيشة إن احتاج ولو بعد، قال في توضيحه: يعني إذا لم يجد إلا ذلك، ولو وجد الأقرب ثم تعداه فذلك مكروه أو مفسد. انتهى. وظاهره أن له الخروج لحاجته، ولو وجد من يقوم مقامه في ذلك بغير عوض أو بعوض لا يشق مثله به. قاله الخرشي، وغيره. قوله: "واعتكافه غير مكفي"، يشمل ما إذا لم يجد كافيا، أو وجده وتركه واعتكف، وفي الحطاب: ولا يخرج لشراء طعام ولا غيره، ولا يدخل حتى يُعِدَّ ما يصلحه، ولا يعتكف إلا من كان مكفيا حتى لا يخرج إلا لحاجة الإنسان. انتهى المراد منه. وقد مر أنه إذا خرج لقضاء الحاجة لا يقف بعد قضاء الحاجة يحدث أحدا مثلا، وأنه إن فعل ذلك فسد اعتكافه، وقوله: "غير"، حال من الضمير في اعتكافه ودخوله منزلة؛ يعني أنه يكره للمعتكف إذا خرج لحاجة -كما للأمير- أن يدخل منزلة الساكن فيه القريب من المسجد وفيه أهله، فإن لم يكن قريبا من المسجد بطل اعتكافه، فإن كان قريبا من المسجد ولم يكن به أهله لم يكره له دخوله، وإن دخل أسفل القريب وأهله بالعلو فلا كراهة، وما ذكره المصنف من الكراهة

стр. 2453

لا ينافي جواز مجيء زوجته إليه وأكلها معه في المسجد وحديثها له؛ لأن المسجد وازع أي مانع من الوطء ومقدماته ولا وازع في المنزل. واعلم أنه إن خرج لحاجة فلا يجاوز القريب الممكن فعله فيه، قال الشبراخيتي: فإن جاوزه بطل اعتكافه. وإن لغائط؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يدخل منزلة القريب من المسجد الساكن فيه وبه أهله وإن كان ذلك لأجل قضاء حاجة الإنسان من بول أو غائط، فإن لم يكن قريبا من المسجد إلى آخر ما مر، قال ابن نافع عن مالك: وإذا قرب منه كرهت له دخوله لحاجة الإنسان إلا أن يكون غير مسكون فيه. واشتغاله بعلم؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يشتغل بالعلم تعلما أو تعليما، قاله في المدونة، خلافا لابن وهب القائل: يجوز له سائر الأعمال المختصة بالآخرة، وقوله: "بعلم": أي غير عيني وإلا لم يكره، فإن قيل الاشتغال بالعلم غير العيني أفضل من صلاة النافلة فلم كره هنا واستحبت هي والذكر والقرآن؟ فالجواب أنه يحصل بالنافلة وما في حكمها ما شرع الاعتكاف له من رياضة النفس وخلوصها من صفاتها المذمومة غالبا، وذلك لا يحصل بالعلم، وقوله: "واشتغاله بعلم"، قال محمد بن الحسن: ابن رشد: هذا مذهب ابن القاسم. وروايته عن مالك الذي يرى أن الاعتكاف يخص من أعمال البر بذكر الله تعالى وقراءة القرآن والصلاة، وأما على مذهب ابن وهب الذي يبيح للمعتكف جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، فتجوز له مدارسة العلم وعيادة المريض في موضع معتكفه، والصلاة على الجنائز إذا انتهى إليه زحام الناس، ويجوز له أن يكتب المصاحف للثواب لا ليتمولها ولا على أجرة يأخذها، بل ليقرأ فيها وينتفع بها من احتاج لها. انتهى من رسم شك من سماع ابن القاسم، وهو يدل على أن كتب المصحف لا يباح للمعتكف على المشهور. تنبيه: اعلم أن العلم إما قديم وإما حادث، الأول علم الله تعالى وهو صفة وجودية قائمة بذاته تعالى، واحدة متعلقة بكل معلوم موجود ومعدوم، قديمة بقدم ذاته، باقية ببقائها، مخالفة لعلمنا كسائر صفاته تعالى، موجبة له تعالى كونه عالما. والثاني علم الحادث، وينقسم -سواء كان تصورا أو تصديقا- إلى ضروري ونظري، وقد يقال: ضروري وكسبي أو بديهي وكسبي، أما الضروري فيفسر بما يحصل للنفس بلا اختيار، ويقابله الكسبي وهو العلم الحاصل عن كسب العبد

стр. 2454

استدلالا أو غيره، كالتصفية والرياضة، وبما يحصل بمجرد التفات العقل ويقال له البديهي ويقابله النظري، فالكسبي على هذا أعم من النظري. تنبيه آخر: قد مر ذكر شيء من فضائل العلم، والمراد به العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله تعالى وصفاته، وما يجب له من القيام بأمرد وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه. قاله ابن حجر. "وكتابته". الواو بمعنى: أو؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يشتغل بالكتابة، والضمير في قوله: "كتابته"، للمعتكف من إضافة المصدر إلى فاعله، وليس الضمير عائدا على العلم إذ لو كان عائدا عليه لما صحت المبالغة بقوله: وإن مصحفا؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يشتغل بالكتابة، ولا فرق في ذلك بين كتابة المصحف وكتابة غيره، وبالغ على المصحف ليلا يتوهم أن كتابة القرآن كتلاوته. قاله غير واحد. قوله: "وكتابته"، ينبغي أن تقيد بما إذا لم تكن بمعاشه، وقوله: "وكتابته وإن مصحفا"، قال فيه الحطاب: يعني أنه يكره كتابة المعتكف سواء كتب مصحفا أو علما فأحرى غير ذلك، وقوله: "وكتابته"، بالجر عطف على علم، وبالرفع عطف على "اشتغاله"؛ وهو أقعد. قاله الحطاب. إن كثر؛ يعني أن محل كراهة الاشتغال بالعلم والكتابة حيث كثر ذلك، بأن شغله عما ندب له، فإن خف بأن لم يشغله عما ندب له فلا كراهة. وبما قررت علم أن قوله: "إن كثر"، راجع للعلم والكتابة، وسئل مالك: أيجلس مجالس العلم أو يكتب العلم؟ قال: لا يفعل إلا الشيء الخفيف والترك أحب إلي. وفعل غير ذكر وصلاة وتلاوة؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يفعل غير هذه الثلاثة؛ وهي الذكر من تسبيح وتهليل ودعاء واستغفار وتدبر في آيت الله تعالى. ومآل الدنيا والاخرة؛ لأنه عبادة السلف، والصلاة وفي معنى الصلاة الطواف ودخول الكعبة والتلاوة، وحكمه بالكراهة على غير فعل الذكر والصلاة والتلاوة يدل على أن فعلها ليس بواجب ولا جائز مستوي الطرفين؛ إذ لو وجب لحرم فعل غيرها وقد حكم بكراهته، ولو جاز فعلها لجاز مقابلها، فلم يبق إلا استحباب فعلها. قاله الأجهوري.

стр. 2455

ونوزع في الملازمة المذكورة، وإنما قلنا إن الطواف من معنى الصلاة، لقوله ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام (١))، وفي المدونة: وليقبل على شأنه. أبو الحسن: شأنه الذكر وقراءة القرآن والصلاة، وفي غيرها من أفعال الآخرة قولان. ابن ناجي في شرح الرسالة: ولا خلاف أن المعتكف يحاكي المؤذن انتهى. أي يحكي أذانه. والله سبحانه أعلم. وقال في سماع ابن القاسم: وترقيع ثوبه مكروه، ولا ينتقض به اعتكافه، وشبه في الكراهة التي هي حكم غير الذكر والصلاة والتلاوة، ولم يعطف لإيهام العطف على ذكر، فقال: كعيادة؛ يعني أنه يكرفى للمعتكف عيادة مريض في المسجد إلا أن يكون قريبا منه، فلا بأس أن يسلم عليه، ولا يقوم ليعزي ولا لِيُهَنِّئَ، وأما إن كان المريض في غير المسجد فلا يجوز للمعتكف أن يعوده. تنبيهان: الأول: قال ابن بطال: تشرع عيادة الشرك إذا رجي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام، فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا. انتهى. قاله الخرشي. الثاني: اعلم أن للعيادة شروطا منها: أن يقل السؤال عنه، وأن لا يطيل الجلوس عند المريض، وأن يظهر الشفقة عليه، وأن يضع يده على رأسه ليعلم مرضه، وأن يدعو له، وأن لا ينظر في عورة منزلة، وأن لا يقنطه، وقد ورد في الدعاء له: (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيه ((٢)) سبع مرات، فإنه يعافى ما لم يأت أجله، وأما المريض فلاستكماله الأجر شروط: أن لا يضيع الطاعات، وأن يكثر الرجاء، وأن لا يظهر الشكوى إلا لصالح يستجلب بذلك دعاءه، وأن لا يتوكل على صاحب الدواء إذا داوى، وتجوز زيارة المريض في كل وقت إلا عند الهاجرة. انتهى ملخصا من الشبراخيتي والخرشي. وفي النفراوي ما نصه: واعلم أن الزيارة مطلوبة لكل مريض ولو أرمد أو صاحب ضرس، وأما حديث: ثلاثة لخ، فقد ضعفه بعض المحدثين. انتهى.

стр. 2456

وجنازة، عطف على مدخول الكاف؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يصلي على الجنازة، ظاهره ولو لجار أو صالح، ولو لاصقت؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يصلي على الجنازة ولو قربت منه؛ بأن لاصقته، أو انتهى إليه زحام المصلين عليها، ورد المصنف بلو القول بأن له أن يصلي على الجنازة في المسجد، ولا ترجع المبالغة لقوله: "كعيادة"، لقوله بعد: "وسلام على من بقربه"؛ فإنه شامل للمريض. والله سبحانه أعلم. وفي الحطاب ما نصه: ظاهر كلامه -يعني المصنف- أن العيادة والجنازة يكره له فعلهما في المسجد وغيره وليس كذلك، بل الكراهة إنما هي إذا كان ذلك في المسجد، وأما إن كان في غير المسجد فلا يجوز، قال في المدونة: قال مالك: ولا يعجبني أن يصلي على جنازة وهو في المسجد، قال عنه ابن نافع: ولو انتهى إليه زحام المصلين عليها، ولا يعود مريضا معه في المسجد إلا أن [يصل (١)] إلى جنبه فلا بأس أن يسلم عليه، ولا يقوم ليعزي أو ليهنئ أو ليعقد نكاحا في المسجد إلا أن [يغشا (٢)] ذلك في مجلسه فلا بأس به. انتهى. وقال بعد ذلك: ولا يكون معتكفا حتى يجتنب عيادة المرضى، والصلاة على الجنائز واتباعها، وغير ذلك مما يجتنبه المعتكف. ابن نافع عن مالك: وإن شهد جنازة أو [عاد (٣)] مريضا أو أحدث سفرا منع ذلك (٤) وجب عليه الابتداء، ولا ينفعه أن يشترط ذلك عند دخوله. انتهى. وقال اللخمي: ولا يجوز له أن يخرج لعيادة مريض، ولا لشهود جنازة، ولا لأداء شهادة، فإن فعل فسد اعتكافه. انتهى. وقال قبله: واختلف في صلاته على الجنازة وهو في مكانه، فكرهه في المدونة وفي المعونة إجازته. انتهى. وصعوده لتأذين بمنار أو سطح؛ يعني أنه يكره للمعتكف أن يرقى المنار للأذان؛ أي يكره له أن يؤذن على المنار بفتح الميم، وكذا يكره للمعتكف أن يؤذن فوق سطح المسجد لأنه كالخروج من المسجد، وكذا يكره أكله فوق سطح المسجد بخلاف صعوده للأكل بالمنارة، فلا كراهة فيه كما ذكره الشارح وغيره عند قوله: وكره أكله، والفرق أن المنار أشد تعلقا بالمسجد من سطحه؛ لأنه

стр. 2457

بني للإعلام بدخول وقت ما بني المسجد له، وأفهم قوله: "وصعوده لتأذين"، أن تأذينه بصحن المسجد ليس بمكروه وهو كذلك؛ إذ هو جائز، وقوله: "وصعوده لتأذين أو سطح"، قال فيه عبد الباقي: قيدت الكراهة بما إذا لم يرصد الوقت، وإلا لم يكره. انتهى قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل هو تحريف؛ إذ المقيد لعياض وهو لم يقيد به الكراهة، وإنما قيد به الجواز بمكانه أو صحنه. ابن عرفة: عياض: إن كان يرصد الأوقات، أو كان يؤذن بغير معتكفه برحاب المسجد فيخرج إلى بابه كره، وإلا فظاهرها جوازه. انتهى. وترتبه للإمامة؛ يعني أنه يكره ترتب المعتكف للإمامة؛ لأن الإمامة على تلك الحالة ربما شغلته عن بعض شأنه، وهذا أحد قولي سحنون، وقوله الثاني الجواز، وعليه اقتصر الشيخ ابن أبي زيد في الرسالة واللخمي، وقال ابن ناجي: إنه المشهور. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: وكره ترتبه للإمامة في الفرض والنفل، وفيه نظر لقول ابن ناجي: المشهور جوازه -انتهى- بل استحبابه، ولا مفهوم لترتبه، بل لا فرق بين أن يكون راتبا أو غير راتب، وفي بعض النسخ: وترتبه للإقامة، وفيه نظر أيضا، فإن النص عن مالك أنه يكره له أن يقيم لأنه يمشي إلى الأمام وذلك عمل. انتهى. وحينئذ فلا فرق بين أن يكون راتبا وغير راتب، لكن قيده في الحاشية بما إذا احتاج لمشي وإلا فلا كراهة. وإخراجه لحكومة؛ يعني أنه يكره للحاكم أن يخرج المعتكف من معتكفه قبل تمام مدة الاعتكاف لأجل حكومة، والحكومة بضم الحاء هي القضية المحكوم فيها. إن لم يلد به؛ أي بالاعتكاف؛ يعني أن محل كراهة إخراج المعتكف من موضع اعتكافه للحكومة إنما هو حيث لم يلد المعتكف باعتكافه؛ أي حيث لم يكن ممتنعا من الانقياد لحكم الشرع باعتكافه، وأما إن جعل اعتكافه وسيلة إلى الامتناع من الانقياد لحكم الشرع فلا يكره للحاكم إخراجه للحكومة، بل يجب إخراجه ويبطل اعتكافه كما قال الأمير. وبما قررت علم أن الباء في قوله: "به"، سببية، وقوله: "يلد"، بفتح الياء واللام وبضم الياء من ألد رباعيا، واعلم أن محل قوله: "وإخراجه لحكومة"، حيث بقي من اعتكافه زمن لا يحصل لرب الحق ضرر بصبره لفراغه وإلا لم يكره، ومحل عدم الكراهة فيما إذا ألد بالاعتكاف إنما هو

стр. 2458

حيث لم يبق منه يسير بل بقي منه كثير، وأما إن بقي من اعتكافه يسير وقد لد بالاعتكاف فإنه يكره إخراجه لحكومة. وعلم مما قررت أن كلا من منطوق المصنف ومفهومه مقيد، فالمنطوق مقيد بما إذا بقي من اعتكافه زمن لا يحصل لرب الحق ضرر بصبره لفراغه، وإلا لم يكره -كما علمت- والمفهوم مقيد بما إذا بقي من اعتكافه كثير، فإن بقي منه يسير كُرِهَ إخراجه كما مر، وصحح ابن الحاجب بناءه إذا أخرجه الحاكم مكرها، وظاهره كره له إخراجه أم لا، ومفهومه أنه لو خرج باختياره لم يبن ويبطل اعتكافه وهو كذلك. قاله الشبراخيتي. وقال الحطاب: قال في المدونة: وإن خرج يطلب حدا أو دينا أو أخرج فيما عليه من حد أو دين فسد اعتكافه، وقال ابن نافع عن مالك: إن أخرجه قاض لخصومة أو غيرها، فأحب إلي أن يبتدئ اعتكافه، وإن بنى أجزأه، ولا ينبغي له إخراجه لخصومة أو غيرها حتى يتم إلا أن يتبين له أنه إنما اعتكف لددا فيرى رأيه فيه. انتهى. انتهى. وقال محمد بن الحسن بعد أن نقل كلام المدونة -أعني وإن خرج يطلب حدا إلى قولها وإن بنى أجزأه- ما نصه: قال مصطفى: وظاهر إطلاقها سواء ألد باعتكافه أم لا، وقال القلشاني في شرح الرسالة: إن خرج كارها وكان اعتكافه هربا من ذلك الحق فخروجُه يبطل اعتكافه اتفاقا. انتهى. ونحوه في الجواهر. وجاز إقراء قرآن؛ يعني أنه يجوز للمعتكف أن يعلم غيره القرآن بموضعه، لقول الجلاب: ولا بأس أن يقري غيره القرآن بموضعه، لكن ذكر الحطاب أنه يكره تعليمه القرآن كما يفيده كلام سند، وأن ما في الجلاب خلاف المعتمد. قاله غير واحد. وليس للقاضي أن يعتكف؛ إذ لا يقضي بين الناس حالة اعتكافه، فمنع من الاعتكاف لما تعلق به من حقوق الناس، وعبارة عبد الباقي: وجاز للمعتكف إقراء قرآن أو قراءته على غيره أو سماعه من غيره لا على وجه التعليم أو التعلم، وإلا كره على المذهب كما في الحطاب، ثم الجواز منصب على الإقدام على سماعه من غيره لا لتعلم أو تعليم، وإن كانت القراءة مستحبة وكذا سماعها. انتهى. وقال الحطاب بعد جلب أنقال: فيحمل كلام المصنف على أن المراد قراءة القرآن على الغير وسماعه من الغير. انتهى. وقيد الشارمساحي في شرحه للجلاب كلام الجلاب بما إذا لم يقصد

стр. 2459

بإقرائه للقرآن التعليم، وإلا فيمتنع كثيرة. قال محمد بن الحسن: وبهذا يجمع بين كلام سند والجلاب. انتهى. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المكروه: وفعل غير ذكر وصلاة وتلاوة وإن علما وإن كان أفضل؛ لأن المقصود ما يسرع بكسر النفس. شيخنا: الكراهة في زيادة الغير، فإن اقتصر على المتعدية محضة لم يصح كما يفيده تعريف ابن عرفة للاعتكاف، ثم قال عاطفا على الجواز: وإسماعه القرآن وسماعه. انتهى. وسلامه على من بقربه؛ يعني أنه يجوز للمعتكف أن يسلم على من كان قريبا منه من غير سعي ولا قيام لأجله ولا انتقال عن مجلسه، ومعنى سلامه عليه سؤاله عن حاله، لا قوله: السلام عليكم، فإن هذا غير متوهم، وأيضا هو داخل في الذكر. قاله عبد الباقي. قال جامعه عفا الله تعالي عنه: وهو يفيد أنك تخاطب بالسلام على من كان جالسا عندك أو قربك، وإن لم تقدم عليه. والله سبحانه أعلم. وقوله:. "وسلام على من بقربه"؛ أي سواء كان الذي سلم عليه المعتكف صحيحا أو مريضا، وعبارة الخرشي: والمراد بالسلام هنا السؤال عن الأحوال، كالسؤال عن حاله وحال عياله، كقولك: كيف حالك وحال عيالك؟ وأما السلام عليكم، فقد دخل في الذكر، والمراد بالقرب أن لا ينتقل إليه من مجلسة. انتهى. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وهذا وما تقدم صريح أو كالصريح في أن غير القادم يسلم ابتداء حيث لم يسلم عليه القادم، فيفيد أنه إذا لم يسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس فإنه يسلم على الراكب أو الماشي؛ أي يبدؤه بالسلام. والله سبحانه أعلم. وعلم مما مر أنه يجوز السؤال عن الأحوال، كالسؤال عند السلام. وتطيبه؛ يعني أنه يجوز للمعتكف أن يتطيب بأنواع الطيب. قاله في المدونة. قاله الشبراخيتي. وقال الحطاب: قال في المدونة: ولا بأس أن يتطيب المعتكف، قال في الطراز: ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي إلى جواز ذلك من غير كراهة، وقال ابن حنبل: يستحب له أن لا يتطيب ولا يلبس الرفيع من الثياب. انتهى. وانظر هذا مع ما ذكره صاحب الشامل أن الصائم لا يشم الرياحين والمعتكف لا يكون إلا صائما. انتهى كلام الحطاب. والجواب عما أورده أن الصائم غير المعتكف ربما قَرِب بسبب الطيب النساء، بخلاف المعتكف فإن المسجد مانع له وبعيد من النساء، نقله غير واحد. وقوله: "وتطيبه"، بمثناة تحتية

стр. 2460

تتلوها باء موحدة؛ أي استعماله شيئا من أنواع الطيب نهارا لأنه المتوهم وأولى ليلا، وذكر بعض مشايخ التتائي أن في بعض النسخ بيَاءَيْنِ، قال: وكأن المعنى: يجوز أن يتطيب وأن يطيب غيره. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وتطيبه"، هو المشهور، وقيل: لا يتطيب. قاله الشارح. وأن ينكح. بفتح الياء كما قاله الشبراخيتي؛ يعني أنه يجوز للمعتكف أن ينكح أي يتزوج أي يعقد نكاح نفسه إذا كان ذلك بمجلسه من غير انتقال ولا طول، فلو قام من مجلسه لذلك كره، وينكح بضم الياء وبالنصب عطفا على ينكح؛ يعني أنه يجوز للمعتكف أن يعقد نكاح غيره، كان الغير ذكرا أو أنثى، ومحل جواز نكاحه وإنكاحه إنما هو حيث فعل ذلك بمجلسه؛ أي بمجلسه المعتكف به، وأما لو قام من مجلسه ليتزوج أو ليزوج فإن ذلك مكروه أو مفسد. قاله ابن القاسم. وترك المصنف قيدا آخر وهو أن لا يطول تشاغله بذلك، وعبارة الشبراخيتي والخرشي: مفهومه لو كان بغير مجلسه، فإن كان في المسجد كره، وإن كان خارجه بطل اعتكافه. انتهى. قال غير واحد: والفرق بين جواز ذلك للمعتكف ومنعه للمحرم أن مفسدة الإحرام أعظم أو أن الأصل جوازه لهما، وخرج المحرم بالحديث أوأن مع المعتكف وازعا وهو الصوم والمسجد، أو أن المحرم بعيد عن الأهل بالسفر غالبا فعنده شدة الشوق والتذكر. انتهى. والحديث المشار إليه هو قوله ﷺ : (لا ينكح المحرم ولا ينكح (١)). انظر الشبراخيتي. وجاز للمعتكف أخذه، المراد بالأخذ هنا الإزالة والقص؛ إذا خرج من معتكفه لأجل كغسل أدخل الكاف على الغسل، والمقصود دخولها على المضاف إليه وهو قوله: جُمعَةٍ؛ أي غسل كجمعة من جنابة أو عيد أو حر أصابه. ظفرا، مفعول "أخذه"، وقوله: أو شاربا، معطوف على قوله: "ظفرا"، وإيضاح معنى كلام المصنف أنه يجوز للمعتكف إذا خرج من معتكفه لأجل غسل جمعة أو لغسل جنابة أو لغسل العيدين أو لحر أصابه وما أشبه ذلك، أن يحلق شعر عانته، وأن يقص أظفاره أو شاربه، أو ينتف إبطه، أو يستاك يفعل ذلك خارج المسجد كما أفاد ذلك بقوله: "إذا خرج"، فإذا ظرف زمان متعلق بالمصدر؛ وهو قوله: "أخذه"؛ أي تجوز إزالة ما ذكر حيث خرج من المسجد، وأما فعل شيء من ذلك في المسجد فإنه مكروه لحرمة المسجد، وإن جمع ذلك في ثوبه

стр. 2461

وألقاه خارجه. وقوله: "إذا خرج"، مثله إذا كان في المسجد وأخرج العضو الذي يتعلق به القص أو النتف، وأشعر كلام المصنف بمنع الحجامة والفصادة في المسجد، وهو كذلك كما نص عليه سند؛ أي ولوألقى الدم في إناء مثلا وألقاه خارجه، فإن فعل، فهل يبطل لكونه كبيرة أم لا؟ قاله الخرشي. وقال الحطاب: ولا يجوز له الحجامة ولا الفصادة في المسجد، كما لا يجوز له البول والتغوط، فإن اضطر للفصد والحجامة خرج، فإن فعل ذلك في المسجد فمن أبطل الاعتكاف بكل منهي عنه أبطله بهذا، ومن راعى كون الذنب كبيرة فلا. قاله سند. ولا يخرج لمجرد قص الشارب والظفر، ولا بأس أن يخرج يده أو يدني رأسه لمن هو خارج المسجد فيأخذ منه ويصلحه، ولا يخرج للحمام إذا احتلم إلا أن لا يستطيع الماء البارد ولا أمكنه الطهر في بيته فليذهب إليه، وأشعر جواز أخذ الظفر والشارب بعدم جواز حلق الرأس إذا خرج وهو كذلك، قال أبو الحسن: لأنه يشغله فإن أمكنه إخراج رأسه لمن يحلقه جاز (لترجيل السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها رأس رسول الله ﷺ في حجرتها وهو في المسجد (١))، ولو أخرج العضو الذي يحتجم فيه أو يفصده فالظاهر الكراهة؛ إذ تلويث المسجد بشيء من الدم غير محقق، والظاهر أن خروجه لذلك حيث اضطر له لا يبطل اعتكافه لأنه صار من الأمور الحاجية. قاله الشبراخيتي. وفي الخرشي عن بعضهم: فعل الدم (٢) والفصادة في المسجد ليس كبيرة وإنما هو مكروه فقط، وأما الدم فيجب طرحه خارج المسجد. انتهى. وفي الحطاب: ويخرج لغسل الجنابة إجماعا، ولا يؤخر ذلك لأنه يحرم عليه اللبث في المسجد، فإن تعذر عليه الخروج ولم يجد له سبيلا تيمم لاستباحة اللبث ولاستباحة الصلاة، وإذا أمكنه الخروج فهل يخرج من غير تيمم أولا يخرج ولا يمشي في المسجد حتى يتيمم؟ قولان قد مر ذكرهما في فصل التيمم، وتقدم أن الأرجح عدم التيمم، وهل يذهب إلى الحمام؟ قال في المجموعة في المعتكف في الشتاء يحتلم ويخاف الماء البارد: لا ينبغي له أن يدخل الحمام، وهذا إذا وجد من ذلك بدا وأمكنه أخذ الماء من الحمام، ويتطهر في

стр. 2462

بيته: فإن لم يمكنه جاز له بل واجب عليه، ولا يتيمم الجنب مع قدرته على استعمال الماء. انتهى. وإذا احتاج المعتكف إلى قص أظفاره وشاربه جاز له أن يخرج يده من المسجد ثم يقلم أظفاره، ويدني رأسه لمن يأخذ من شعره ويصلحه، ولا يخرج في ذلك إلى بيته ولا إلى دكان حجام؛ لأنه يقدر على ذلك وهو في المسجد. انتهى. وانتظار غسل ثوبه يعني أن المعتكف إذا أجنب في ثوبه مثلا وخرج لغسله، فإنه يجوز له أن ينتظر غسل ثوبه. وتجفيفه؛ يعني أنه يجوز للمعتكف أن ينتظر ثوبه حتى يغسل ويجف؛ بأن يمكث عنده حتى يجف، غَسَلَهُ هو أو غَيْرُهُ في المسألتين؛ أعني قوله: "غسل ثوبه"، وقوله: "وتجفيفه"، وقوله: "وانتظار غسل ثوبه وتجفيفه"؛ أي إذا لم يكن له ثوب غيره ولا وجد من يستنيبه في ذلك كما قال سند؛ لأنه حينئذ صار من الأمور الضرورية، فلا يعترض عليه بقوله فيها: ولا ينتظر غسل ثوبه وتجفيفه أي يكره له ذلك؛ لأنه فيمن له غيره. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال في المدونة: ولا ينتظر غسل ثوبه وتجفيفه، قال أبو الحسن: للشيوخ هنا تأويلان: منهم من قال لا ينتظر واحدا من الأمرين لا الغسل ولا التجفيف، ومنهم من قال بل معناه لا ينتظر التجفيف وأما الغسل فإنه يغسله. انتهى. وفهمها ابن الحاجب على الأول، فقال: ولا ينتظر غسل ثوبه ولا تجفيفه. انتهى. وظاهر كلام ابن عرفة الثاني، لقوله: وفيها لا ينتظر في خروجه لغسل جنابة جفاف ثوبه. انتهى. وقال الشبراخيتي: وتجفيفه أي انتظار تجفيفه إذا لم يكن له غيره ولا وجد من يستنيبه، قال سند: لأنه حينئذ من الضروريات لقضاء الحاجة، فإن كان له غيره أو وجد من يستنيبه كره له ذلك. انتهى. وندب إعداد ثوب؛ يعني أنه يندب للمعتكف أن يعد ثوبا غير الثوب الذي اعتكف فيه ليأخذه إذا أصابت الثوب الذي اعتكف فيه نجاسة كالمرضع، ولا يتوهم أن معنى كلام المصنف أنه يستحب للمعتكف أن يعد أي يهيئ ثوبا للاعتكاف، فلا يعتكف في الثوب الذي كان عليه قبل الاعتكاف فيتوجه عليه الاعتراض، وفي المدونة: وأحب إلى أن يعد ثوبا آخر يأخذه إذا أصابته جنابة. انتهى.

стр. 2463

ومكثه ليلة العيد؛ يعني أنه يندب للمعتكف أن يمكث في معتكفه ليلة العيد إذا اتصل اعتكافه بها ليمضي من مصلاه لبيته، لفعله ﵊، وقوله: "ومكثه ليلة العيد"، ظاهره سواء كان ليلة العيد آخر اعتكافه، كما لو اعتكف العشر الأخيرة من رمضان أو في أثنائها، كما لو اعتكفها ثم مرض ثم صح قبل يوم العيد فرجع إلى المسجد، فإنه يندب له أن يمكث ليلة العيد وله أن يخرج ليلة العيد ويومه ثم يرجع للقضاء، وقال التونسي: ظاهر المدونة أنه في الأثناء يجب مبيته بالمسجد ولا يخرج إلا يوم العيد. قاله الشبراخيتي. وأشر قوله: "ليلة العيد"، أنه لو كان اعتكافه العشر الأول أو الوسطى من رمضان -مثلا- لا يندب له مبيت الليلة التي تليه وهو كذلك، فيخرج إذا غربت الشمس آخر اعتكافه. وعلم مما قررت أن الأقسام ثلاثة، وقوله: "ومكثه ليلة العيد"، هو بحسب ظاهره يشمل الفطر والأضحى، ولكن ظاهر كلامهم قصر الندب على عيد الفطر؛ لأنه فعله ﵊ أي إنما اعتكف العشر الأخيرة من رمضان لا عشر ذي الحجة. قاله عبد الباقي وقوله: "ومكثه ليلة العيد"، قال حلولو: ولا يذهب لبيته للبس حوائجه ولكن يؤتى بها إلى المسجد فيلبسها ثم يخرج إلى العيد ويرجع من المصلى إلى أهله، وقوله: "ومكثه ليلة العيد"، وقع في نسخة الشارح في الكبير موضع مكثه مبيته، وكتب عليه إبراهيم اللقاني: مكثه أخصر بحرف، لكن لا تدل على إتمام الليلة صريحا بخلاف مبيته. ودخوله قبل الغروب؛ يعني أنه يستحب في الاعتكاف المنوي أن يدخل المعتكف في معتكَفه قبل الغروب من اليوم الذي يريد أن يبتدئ اعتكافه في الليلة التي تعقبه، ولو كان الاعتكاف المنوي يوما فقط أو ليلة فقط، وأما الاعتكاف المنذور فيجب دخوله فيه قبل الغروب أو معه للزوم الليل له كما قاله جد علي الأجهوري وتبعه أحمد، وأما قوله: وصح إن دخل قبل الفجر، فهو شامل للمنوي والمنذور مع مخالفة الندب في الأول أي المنوي، والواجب في الثاني أي المنذور، وسواء كان الاعتكاف يوما أو أكثر. قوله: "وصح إن دخل قبل الفجر"، بناء على أن أقله يوم، وأما على أن أقله يوم وليلة فلا بد أن يدخل قبل الغروب. قاله الشبخ إبراهيم.

стр. 2464

تنبيه: للمعتكف أن يطلب فضيلة الصف الأول. قاله اللخمي. نقله الحطاب. وقال محمد بن الحسن: ابن الحاجب: ومن دخل قبل الغروب اعتد بيومه وبعد الفجر لا يعتد به وفيما بينهما قولان. التوضيح: واختلف فيما إذا دخل بينهما والمشهور الاعتداد، وقال سحنون: لا يعتد، وحمل بعضهم قول سحنون على أنه ليس بخلاف، وأن المشهور محمول على النذر، وقول سحنون محمول على التطوع. ابن رشد: والظاهر أنه خلاف. ابن هارون: وظاهر كلامه أن الخلاف جار ولو دخل لقرب غروب الشمس، وظاهر الرواية أن الخلاف لا يدخل هذه، وإنما محله إذا دخل قبل طلوع الفجر. انتهى. لكن في كلام ابن رشد عكس الحمل الذي في التوضيح كما نقله ابن عرفة، ونصه: ابن رشد: وحمل قول سحنون والمعونة على الخلاف أظهر من حمل بعضهم الأول على النذر والثاني على النفل. انتهى. فما في التوضيح سبق قلم، وتبعه على ذلك ابن فرحون. قاله مصطفى. وبما ذكر تعلم أن الصواب إبقاء كلام المصنف على الإطلاق لاستظهار ابن رشد أن القولين خلاف، وقول التوضيح: والمشهور الاعتداد، ثم اعلم أن ما شهره المصنف عزاه ابن عرفة للمعونة، ورواية المبسوطة وهو على أصلهم أن من نذر اعتكاف يوم لا تلزمه الليلة لكنه خلاف ما تقدم للمصنف من لزوم ذلك الذي هو مذهب المدونة، وعلى اللزوم لابد من الدخول قبل الغروب كما صرحت به، وإلا لم يصح، ودرج المصنف هنا على الصحة لقول التوضيح تبعا لابن عبد السلام إنه المشهور؛ لأن عادته أن يتبع المشهور حيث وجده، ولم يتنبه إلى أنه خلاف ما قدمه الذي هو مذهب المدونة. قاله مصطفى. واعتكاف عشرة؛ يعني أنه يستحب للمعتكف أن يعتكف عشرة أيام؛ أي يستحب له أن لا ينقص عن عشرة أيام؛ لأن أقل المستحب منه عشرة؛ (لأنه ﷺ لم ينقص عنها (١))، وأكثره -أي المستحب- شهر، ويكره ما زاد عليه كما أنه يكره ما نقص عن عشرة، وعبارة الأمير: والمندوب من عشرة لشهر، وكره غيره زيادة ونقصا، قال: وهذه زبدة خلاف

стр. 2465

كثير. انتهى. وفي شرح عبد الباقي: ويكره ما زاد على شهر وما نقص عن عشرة، ولابن الحاجب أكمله عشرة فيكره ما فوقها، وفي كراهة ما دونها قولان، وفائدة الخلاف في الأقل تظهر فيمن نذر اعتكافا ودخل فيه ولم يعين، فيلزمه الأقل على هذه الأقوال، فإن قيل: من نذر اعتكاف أكثر من عشرة أو من شهر أو أقل من عشرة ولو يوما فإنه يلزمه ذلك مع أنه نذر مكروها؟ على ما مر. فالجواب: أنه إنما لزمه ذلك نظرا للفعل بمجرده كما مر نظيره في نذر رابع النحر. انتهى بالمعنى. وفي الشبراخيتي: ويكره ما زاد على الشهر، كما يكره ما نقص عن العشرة كما قال مالك في المدونة، وذكره ابن رشد، وقول التتائي: وأما أكثره فلا حد له فيه نظر، وقول ابن الحاجب: إن أكمله عشرة وأقله يوم وليلة، مردود؛ لأنه قول منكر عن مالك. انتهى. وقول عبد الباقي عن ابن الحاجب: أكمله عشرة، فيكره ما فوقها، قال فيه محمد بن الحسن: وأما ما عزاه لابن الحاجب فليس كذلك فيه، ونصه: وأكمله عشرة، وفي كراهة ما دونها قولان. انتهى. فلم يقل: ويكره ما فوقها، وإنما نقله في التوضيح عن بعضهم، وقوله: على هذه الأقوال، صوابه على هذين القولين. وبآخر المسجد؛ يعني أنه يندب للمعتكف أن يعتكف بآخر المسجد أي عجزه بضم الجيم كما في القاموس. خلافا لقول التتائي: إنه بسكونها وأما عجز الرجل والمرأة فيجوز فيه سكون الجيم وضمها مع فتح الأول وضمه. قاله الشبراخيتي. وندب بآخر المسجد لقلة الناس في العجز، ففيه إخفاء العبادة فيبعد عن الرياء، ويفهم من التعليل المذكور ندبه بصدره عند انعكاس الأمر، وأجاز في المدونة للمعتكف ضرب الخباء في رحابه الداخلة التي يُعْتَكَفُ فيها أي لا لغير معتكف أوله داخلا عن رحابه. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر أن للمعتكف طلب فضيلة الصف الأول، وعبارة الشيخ إبراهيم عند قوله: "وبآخر المسجد"؛ لأنه من إخفاء العبادة ولبعده عن اشتغاله مع غيره بالحديث. وبرمضان؛ يعني أنه يندب الاعتكاف برمضان، فقوله: "برمضان"، بالنسبة للزمان، وقوله: "وبآخر المسجد"، بالنسبة للمكان، وإنما ندب برمضان لأنه سيد المشهور، ولأنه تضاعف فيه الحسنات، ولخبر:

стр. 2466

(شهر رمضان شهر الله (١))، ولنزول القرآن فيه. وبالعشر الأواخر؛ يعني أنه يتأكد ندب الاعتكاف بالعشر الأواخر من رمضان لمواظبته ﷺ على الاعتكاف فيه في أكثر الأمر، وعلل المصنف ذلك بقوله: لليلة القدر؛ أي الشرف والعظم؛ يعني أنه يتأكد ندب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ليوافق اعتكافه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وأنزل الله فيها القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل مفرقا على حسب الوقائع في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة. الغالبة به؛ أي بالعشر الأخير؛ يعني أن ليلة القدر يغلب وجودها بالعشر الأخير من رمضان، (وكان ﵊ إذا دخل العشر الأخير من رمضان يوقظ أهله كل ليلة (٢))؛ لأجل طلب ليلة القدر الغالب كونها به. وقوله: "القدر"، بسكون الدال وفتحها جائز أي الشرف والعظم، ومعنى قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، فتكون الركعة فيها خير من ثلاثين ألف ركعة في غيرها، وكذلك سائر أنواع البر وشهود مغربها وعشائها، وخصت بها هذه الأمة لقصر أعمارها ليحصل فيها لهم ما يحصل في الأعمار الطويلة لطفا بها، وجاء (أنه ﷺ اعتكف العشر الأول فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الأواسط فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الأواخر (٣)) وقيل في تسميتها: بليلة القدر وجوه أحدها أنها ليلة تقدير الأمور والأحكام، قال عطاء عن ابن عباس: إن الله تعالى قدر ما يكون في تلك السنة من رزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة، وقيل: القدر الضيق لأن الأرض تضيق على الملائكة فيها، وقيل: القدر للفاعل من أتى فيها بالطاعة كان ذا قدر وشرف، وقيل: نزل فيها كتاب ذو قدر وشرف عظيم، وقيل غير ذلك. واعلم أن الله تعالى لا يحدث بقدرته في هذه الليلة ما لم يكن قدره؛ لأن الله تعالى قدر مقادير الخلائق في الأزل، ولكن المراد إظهار تلك المقادير للملائكة في تلك الليلة لتكتبها في اللوح المحفوظ، وهذا هو الحق الذي لا شك فيه. والله سبحانه أعلم. انظر الصفدي.

стр. 2467

وفي كونها بالعام أو برمضان خلاف؛ يعني أنه اختلف في ليلة القدر، هل هي في جميع العام بمعنى أنها لا تختص برمضان، بل هي دائرة في ليالي العام، وهو مذهب مالك وابن مسعود، أو هي خاصة برمضان لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وشهره ابن غلاب. واعلم أن الصحيح وهو مذهب الجمهور أن ليلة القدر لم ترفع بعد النبي ﷺ ، بل هي باقية لأمته إلى يوم القيامة، لقوله ﷺ : (التمسوها في العشر الأواخر (١))، فلو كانت ارتفعت لم يأمر ﵊ بالتماسها، وشهر في التوضيح أنها في العشر الأواخر، وقال: إنه المذهب عند الجمهور، وأنها تدور في العشر لأن الأحاديث في هذا الباب صحيحة ولا يمكن الجمع بينها إلا على ذلك. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وانتقلت، قد تقدم أنه قال: وفي كونها بالعام أو برمضان خلاف؛ يعني أن ليلة القدر لا تختص بليلة، بل هي تدور على كل من القولين، أعني القول بكونها بالعام، والقول بكونها برمضان، وكون ليلة القدر تنتقل ولا تختص بليلة هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم. ابن رشد: وهو أصح الأقاويل وأولاها بالصواب؛ وهو أولى من إعمال بعض الأحاديث واطراح بعض، فحديث أبي سعيد: أنها (ليلة إحدى وعشرين (٢))، معناه في ذلك العام بعينه، وكذا حديث عبد الله بن أنيس: (ليلة ثلاث وعشرين (٣))، وأبي: (سبع وعشرين (٤))، وعبر بالفعل في قوله: "وانتقلت"، إشارة إلى أن ذلك واقع. وبما قررت علم أن معنى قوله: "وانتقلت"، أنها لا تختص بليلة على كل من القولين، فعلى القول بأنها دائرة في ليالي العام تكون في بعض الأعوام ليلة إحدى وعشرين من رجب مثلا، وفي عام آخر تكون ليلة إحدى وعشرين من رمضان مثلا، وعلى القول بأنها خاصة برمضان تأتي في عام ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وفي عام آخر تكون ليلة تسع وعشرين من رمضان مثلا، وقوله: "وانتقلت"، ذهب قوم إلى أنها معينة أبدا ولا تنتقل وهي غير معروفة، وأنها في العام كله

стр. 2468

وهو قول ابن مسعود، وروي عن أبي حنيفة وصاحبيه، وقيل: بل في شهر رمضان كله وهو قول ابن عمر وجماعة من الصحابة، وقيل: بل في العشر الأواسط والأواخر، وقيل: في العشر الأواخر وهي في هذا كله عند هؤلاء معينة ولكنها غير معروفة المعين، وقال قوم آخرون: هي معروفة معينة ثم اختلفوا، فقيل: ليلة إحدى وعشرين، وروي عن علي وابن مسعود، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين وهو قول كثير من الصحابة وغيرهم، وقيل: ليلة أربع وعشرين وهو قول الحسن وقتادة وبلال وابن عباس، وقيل: ليلة سبع وعشرين وهو قول جماعة من الصحابة، وقيل: ليلة سبع عشرة وهو قول زيد بن أرقم وروي عن ابن مسعود، وقيل: تسع عشرة وروي أيضا عن ابن مسعود وعلي، وقيل آخر ليلة، وشذ قوم فقالوا: إنما كانت خاصة للنبي ﷺ ثم رفعت، واحتجوا بالحديث الذي جاء فيها أنه أعلمها النبي ﷺ حتى تلاحى رجلان فرفعت، ومعنى هذا عندنا أنه رفع عنه علم عينها كما قال في الحديث فأنسيتها، وفيه شؤم الخصام والتلاحي وعقوبة العامة بذنب الخاصة، وفي حديث فجاء رجلان يَحْتَقَّانِ فأنسيتها، ومعنى يحتقان يدعي كل منهما حقا ويؤكده. قاله في الإكمال (١)). وفي إخفائها لطف بهذه الأمة ليجتهدوا في طلبها ويكثر (٢) العمل ولا يتكلوا على عملهم فيها فقط إذا تعينت لهم، وقد جاء في كتاب النسائي: (فجاء رجلان معهما الشيطان فأنسيتها (٣)). والمراد بكسابعة ما بقي؛ يعني أنه ورد في الحديث عنه ﷺ : (التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة (٤))، وأَنَّه ذهب مالك ومن وافقه إلى أن المراد بالتاسعة التاسعة بالنسبة لما بقي من العدد، لا بالنسبة لما مضى، وهذا المراد مأخوذ من الحديث الآخر الذي فيه: (التمسوها لتاسعة تبقى ولسابعة تبقى ولخامسة تبقى (٥))، فحمل مالك الحديث الذي أطلق فيه التاسعة والسابعة على الحديث الآخر، وهل يعتبر الشهر ناقصا لأن اليوم المكمل للثلاثين غير محقق كونه من الشهر، ولموافقة طلب التماسها في الأفراد؟ فالتاسعة أن يبقى تسع، والسابعة أن يبقى سبع،

стр. 2469

والخامسة أن يبقى خمس، وعليه ابن رشد فإنه قال: القول بأنها معدودة من آخر العشر، وأن التاسعة ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين مذهب مالك في المدونة، ودليله أن الأظهر في الواو الترتيب، والحساب على النقص أظهر لأن يوم التسع والعشرين متيقن ويوم الثلاثين غير متيقن بل يحتمل كونه وعدمه، ولا يحتمل أن يكون ﵊ أراد أن تحسب على كمال الشهر ليلا يكون حضا منه على التماسها في غير الأوتار وهو قد حض على الأوتار في غير حديث، ولا على ما ينكشف من كماله ونقصانه ليلا يكون أمرا بما لا يصح الامتثال له إلا بعد فواته، ولا أن يكون أبهم مراده لتلتمس في جميع العشر؛ إذ لابد أن يكون في قوله: التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة زيادة فائدة على قوله: التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، أو يعتبر كاملا وعليه الشاذلي على الرسالة وهو قول الأنصار؛ إذ قالوا: معنى قوله اطلبوها لتاسعة تبقى هي ليلة اثنين وعشرين ونحن أعلم بالعدد منكم، وعليه فتكون في الأشفاع؛ لأنه إذا عُدَّ الشَّهْرُ مِن آخره كاملا كانت أشفاعه أوتارا وأوتاره أشفاعا، وعلى هذا فهي أفراد بالنسبة لما بقي، وعلى قول ابن رشد هي أفراد بالنسبة لما مضى ولما بقي، وقال ابن عطية: هي مستديرة في أوتار العشر الأواخر بحسب الكمال والنقصان، فينبغي لمرتقبها تحريها كل ليلة؛ لأن الأوتار مع النقص ليست هي مع الكمال، وعلى هذا فقوله: "ما بقي"، بأن يعد ما بقي من آخر الشهر على كماله ونقصانه، وقول المصنف: "والمراد"، مبتدأ وخبره: "ما بقي"، "وما" واقعة على عدد، فهي نكرة موصوفة، أو على العدد الذي بقي فهي (١) موصولة. والله سبحانه أعلم. وعلى أن الواو ليست للترتيب، فالتاسعة ليلة تسع وعشرين، والسابعة ليلة سبع وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين، وقال الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه: هي في النصف الأخير، ومن شرطها أن تكون وترا ليلة جمعة، وحسابها أنه إذا دخل هلال رمضان بليلة السبت فإنها ليلة إحدي وعشرين، أو ليلة الأحد فليلة سبع وعشرين، أو بالاثنين فليلة تسع عشرة، أو بالثلاثاء فليلة خمس وعشرين، أو بالأربعاء

стр. 2470

فليلة سبع عشرة، أو بالخميس فليلة ثلاث وعشرين، أو بالجمعة فليلة تسع وعشرين، ونظم هذا الضابط بقوله: وإنا جميعا إن نصم يوم جمعة … ففي تاسع العشرين خذ ليلة القدر وإن كان يوم السبت أول صومنا … فحاد وعشرين اعتمده بلا غدر وإن هل يوم الصوم في أحد فخذ … ففي سابع العشرين ما رمت فاستقر وإن هل بالاثنين فاعلم بأنه … يوافيك نيل الوصل في تاسع العشر ويوم الثلاثا إن بدا الشهر فاعتمد … على خامس العشرين تحظ بها فادر وفي الأربعا إن هل يامن يرومها … فدونك فاطلب وصلها سابع العشر ويوم خميس إن بدا الشهر فاجتهد … توافيك بعد العشر في ليلة الوتر أي تكون ليلة القدر فيما إذا استهل الشهر بالخميس ليلة جمعة من الأوتار بعد عشر ليال، وذلك إنما يكون ليلة ثلاث وعشرين كما مر عنه. والله سبحانه أعلم. الإمام مالك في الموطأ: سمعت من أثق به أنه ﷺ أرِيَ من قَبْلَهُ، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل ما بلغ غيرهم، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر خير من ألف شهر. الباجي: مقتضى هذا اختصاص هذه الأمة بها، وثواب العمل فيها بما يرضي الله تعالى أكثر من ثوابه في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقيل: إنه كان في بني إسرائيل رجل مكث ألف شهر؛ وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر يقوم الليل ويجاهد النهار، فتمنى ﷺ أن يكون من أمته، فأعطاه الله تعالى بدل ذلك لكل سنة ليلة القدر، وقيل: كان مَلِكٌ له ألف ولد فيجهز الولد بماله في عسكره ويخرجه مجاهدا، فيقيم الولد شهرا ثم يقتل حتى جهز الألف ولد في ألف شهر وهو مع ذلك صائم النهار قائم الليل، فقال الناس: من يصل لدرجة هذا؟ فأعطى الله تعالى نبيه محمدا ﷺ ليلة القدر خير من ألف شهر ذلك الملك، وقيل: لأنه رأى بني أمية تنزو على منبره نزو القردة ألف شهر فأحزنه ذلك فأعطي بدلها ليلة القدر، وفي

стр. 2471

المدونة: من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ منها، وروي: [من صلي المغرب والعشاء في جماعة فقد أصابها أو وافقها] (١)؛ أي أخذ منها حظه لا أنه كمن قامها. سند: لم يذكر الصبح مع ما جاء في شهوده من أنه كقيام ليلة لأنها إلى مطلع الفجر، فلا يكون الصبح من وقت الفضل المختص بها، وانظر هذا مع ما ورد أن ليالي أربعا ليلها كنهارها: ليلة الجمعة، وليلة العيد، وليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، وفي الحديث: [كنت أريت ليلة القدر فتلاحي فلان وفلان] (٢)؛ أي أبي بن كعب وعبد الله بن [أبي] حدرد؛ أي تخاصما لأجل اقتضاء أحدهما دينا من الآخر فرفعت؛ أي رفع تعيينها لا ذاتها كما قيل، فهي باقية ببقاء هذه الأمة، ولو قال لزوجته في رمضان: أنت طالق ليلة القدر لنجز عليه الطلاق على مذهب مالك أنها باقية، وعلى أنها ارتفعت فهو كما لو قال لها: أنت طالق أمس فيلزم، وقيل: لا يلزم. تنبيه: اختلف في المفاضلة بين ليلة القدر وليلة الإسراء، واختلف أيضا بين الليلتين المذكورتين وليلة مولده ﷺ ، قال بعض المحققين: وعلى تقدير تفضيل إحدى الليلتين على ليلة القدر، فمعناه تفضيل خصوص تلك الليلة التي ولد فيها بعينها، وخصوص تلك الليلة التي أسري فيها، أما نظيرتهما من كل عام فليلة القدر أفضل. قاله الأمير في شرح سورة القدر. واعلم أن مبطلات الاعتكاف منها ما ينعطف على ما قبله؛ أي يبطل زمنه وغيره ويوجب استينافه؛ وهو ما مر ذكره في قوله: "وإلا خرج وبطل"، وما شبه به وعطف عليه، ومنها ما يخص زمنه ولا ينعطف على ما قبله وهو على ثلاثة أقسام: ما يمنع الصوم والمسجد وأشار إليه بقوله: "وبني بزوال إغماء أو جنون"، وما يمنع الصوم فقط وأشار إليه بقوله: "كأن منع من الصوم لمرض" لخ، وما يمنع المسجد فقط كالسلس وأشار إلى القسم الأول بقوله: وبنى بزوال إغماء أو جنون؛ يعني أن المعتكف إذا نذر أياما غير معينة أو معينة من رمضان، فحصل له عذر من إغماء أو جنون أو مرض شديد لا يجوز معه المكث في المسجد، ثم زال عذره ذلك، فإنه يبني بناء ملاصقا لزوال العذر؛ بمعنى أنه يأتي بما فاته من الاعتكاف لذلك العذر، ولا يلزمه أن يستأنف

стр. 2472

جميع اعتكافه، فليس عليه قضاء ما فعله قبل العذر المذكور، فمعنى البناء أنه يبني على ما سبق من اعتكافه قبل حصول المرض. مثلا. واعلم أن البناء إنما يكون فيما يلزمه فيه القضاء، فما لا قضاء فيه لا يبني فيه، فمن مرض في اعتكاف متطوع به لا يقضي ما مرض فيه، فلا يبني على ما اعتكفه منه قبل المرض، ومثل الإغماء والجنون أيضا الحيض والنفاس لأنهما يمنعان من الصوم والمسجد، وقولي: إذا نذر أياما غير معينة أو معينة من رمضان، وأما إن نذر أياما معينة من غير رمضان فمرضها كلها أو بعضها، ففيه ثلاثة أقوال: أحَدُهَا: وجوب القضاء مطلقا على رواية ابن وهب، وهذا هو ظاهر المصنف وهو الجاري على ما عزاه ابن رشد للمدونة، الثاني: نفي القضاء مطلقا وهو مذهب سحنون، الثَّالِثُ: التفرقة بين أن يمرض قبل دخوله في الاعتكاف فلا يلزمه وبعده فيلزمه؛ وهو مذهب ابن القاسم في المدونة على تأويل ابن عبدوس، وإن نذر أياما بأعيانها فيقضي ما مرض منها أو أفطره ساهيا يصل ذلك باعتكافه، ولا خلاف في هذا. انتهى. واختصر ابن عرفة هذه المسألة بقوله: وما مرض فيه من نذر مبهم أو رمضان قضاه، ومن غيره ففي قضائه، ثالثها إن مرض بعد دخوله. انتهى. وقال في التوضيح: فإن كان الاعتكاف تطوعا، فإن أفطر فيه لمرض أو حيض فلا قضاء عليه -انتهى- لكن إن بقي شيء من المنوي بعد زوال المانع بني كما في ابن عاشر. قاله محمد بن الحسن. وبما قررت علم أن الباء في قوله: "بزوال"، للإلصاق وتحتمل المعية أي بني مع هذه الأعذار لا مع غيرها مما تقدم مما يوجب الاستيناف وكل صحيح. قاله الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. وَقَالَ الأَمِيرُ: وقضى ناس مطلقا كذي عذر في نذر مبهم أو معين من رمضان كغيره في الأثناء، ودخوله برمضان كنذره. انتهى. قوله: ناس؛ أي مفطر نسيانا، وقوله: مطلقا؛ أي ولو تطوعا ويقضي الصوم تبعا له ويمسك، وقوله: كذي عذر، في نذر مبهم أو معين من رمضان أي فيقضي الاعتكاف، وإن معينا تبعا للصوم، وقوله: كغيره في الأثناء؛ أي لا حين الدخول أو قبله فيفوت بقوات زمنه، ومن الغير التطوع فلا يقضي بالعذر، وما يأتي من وجوب المنوي حسين الدخول إذا

стр. 2473

لم يحصل عذر، وقوله: ودخوله برمضان كنذره؛ أي دخوله في التطوع برمضان كنذره فيقضي مع العذر. قاله في الشرح. وأشار للقسم الثاني يقوله: كأن منع من الصوم؛ يعني أن المعتكف إذا منع من الصوم فقط دون المسجد، فإنه يمكث في المسجد ويبني لأجل زوال مرض خفيف لا يمنع المكث في المسجد؛ بأن لا يكون معه إغماء ويؤمن معه ما يقدر المسجد فيبني بناء ملاصقا بعد زوال العذر. وبما قررت علم أن التشبيه في البناء بعد زوال العذر. أو حيض؛ يعني أن المرأة إذا اعتكفت ثم إنها حاضت وزال الحيض نهارا، فإنها ترجع إلى معتكفها ولا يكون منعها من الصوم مبيحا لها ترك دخول المسجد حينئذ؛ لأنها إنما تمنع من الصوم فقط دون المسجد، أو عيد؛ يعني أن المعتكف إذا عرض له ما يمنعه من الصوم دون المسجد، كما إذا كان يوم العيد في زمن اعتكافه، فإنه يجب عليه أن يبني على ما مر من اعتكافه بعد مضي يوم العيد، وهل يجب عليه أيضا أن يمكث يوم العيد لأنه لا يمنع إلا الصوم فقط لا دخول المسجد، أو لا يجب عليه وهو ما يفيده ما مر في قوله: "ومكثه ليلة العيد"؟ وقد مر تقريره بما إذا اعتكف العشر الأواخر من رمضان مثلا، ثم مرض منها خمسة، ثم أتي المسجد للبناء فله الخروج ليلة العيد ويومه، ولو نذر خمسة آخر رمضان وخمسة من شوال، فسيأتي الخلاف في خروجه وعدمه، وكذا يأتي الخلاف في الذي قبله. والله سبحانه أعلم. وعبارة الأمير: ومكث إن لم يمنع عذره المسجد ولو العيد، وما يأتي إنما هو إذا خرج بالفعل، وأما القسم الثالث وهو ما يمنع المسجد فقط كالسلس فلا يبني فيه فيما يظهر. نقله أبو الحسن. وجزم التتائي بأنه يبني في هذا وعليه العهدة فيه مع تنظير ابن عتاب فيه. قاله عبد الباقي. وفي حاشية بناني عن المدونة: إن عجز عن الصوم لمرض خرج، فإذا صح بني ثم قالت: ولا يلبث يوم الفطر في معتكفه؛ إذ لا اعتكاف إلا بصيام ويوم الفطر لا يصام، فإذا مضى يوم الفطر عاد إلى معتكفه فبني على ما مضى. وبما قررت علم أن المراد بالبناء في قول المصنف: "وبني"، الإتيان ببدل ما حصل فيه ما منع صومه، سواء كان ما يأتي به قضاء عن صومه، كأن يصح بعد انقضاء زمنه كرمضان، أو غير

стр. 2474

قضاء كنذر غير معين. وخرج؛ يعني أن المعتكف إذا حصل له عذر من الأعذار المانعة لدخول المسجد لا ما منع الصوم فقط، فإنه يخرج من معتكفه وجوبا، وإذا خرج فإنه يخرج، وعليه حرمته أي حرمة الاعتكاف، فلا يقبل ولا يباشر ولا يفعل شيئا من مقدمات الجماع، والحَاصِل أنه إذا كان رجلا لا يقرب النساء، وإذا كان امرأة فلا تقرب الرجال، وأن مانع الصوم فقط يجب معه المكث في المعتكف إلا يوم العيد ففيه ما مر، وأنَّ مانع المسجد يوجب الخروج من المسجد فيخرج وعليه حرمة الاعتكاف، والفطر ناسيا لا يجوز معه الخروج من المسجد. وإن أخره بطل اعتكافه؛ يعني أنه إذا قلنا إن المعتكف يلزمه الرجوع لمعتكفه؛ أي فيما إذا كان يبني فإنه يلزمه الرجوع فورا، وإذا أخر رجوعه إلى المسجد فإنه يبطل اعتكافه فيستأنفه، وكذلك إذا أخر البناء حيث يمكنه البناء فهذا يتفرع على قوله: "وبني بزوال إغماء أو جنون"، وعلى قوله: "كأن منع من الصوم" لخ. إلا ليلة العيد ويومه؛ يعني أن المعتكف إذا أخر رجوعه بعد زوال العذر ليلة العيد ويومه، فإن ذلك لا يضر إذ له أن يمكث ليلة العيد ويومه كما في التوضيح، وقد مر عن الأمير أن محل هذا حيث خرج لعذر، وأما إن كان يوم العيد في أثناء اعتكافه فقد مر ما يفيد أن في خروجه قولين وهما في مانع الصوم من عيد ومرض، وقال محمد بن الحسن: ذكروا أن في خروجه قولين روي في المجموعة: يخرج، وقال عبد الوهاب: لا يخرج هكذا في ابن عرفة وابن ناجي وغيرهما، قال في التوضيح: والخروج مذهب المدونة. انتهى. وكذا عزاه اللخمي أيضا لظاهر المدونة كما نقله الحطاب أول الباب، وأما ما قرره به على الأجهوري من وجوب البقاء في المسجد فهو الذي شهره ابن الحاجب وصوبه اللخمي كما في الحطاب أيضا؛ أي ولفظ ابن الحاجب: ولو طرأ ما يمنعه فقط دون المسجد كالمريض إن قدر والحائض تخرج ثم تطهر ففي لزوم المسجد ثالثها المشهور يخرجان، فإذا صح وطهرت الحائض [رجعت تلك الساعة وإلا ابتدا] (١)). انتهى. قال في التوضيح: الضمير في يمنعه عائد على الصوم، قال محمد بن الحسن: واعتمد في عدم اللبث يوم العيد على نص المدونة، وفي ليلته على اختيار التونسي كما في المواق، قال في التوضيح: وناقض عياض

стр. 2475

والتونسي هذه المسألة بمسألة المريض يصح والحائض تطهر، فإنهما أمرا بالرجوع على المشهور مع أن الجميع يتعذر منه الصوم، وأجيب بأن اليوم الذي ظهرت فيه الحائض وصح فيه المريض يصح صومه لغيرهما، بخلاف يوم العيد فإنه لا يصح صومه لأحد. انتهى باختصار. انتهى. وإذا تأملت قول محمد بن الحسن: شهر ابن الحاجب وجوب البقاء، علمت ما فيه. والله سبحانه أعلم. وقول ابن الحاجب: المشهور يخرجان، اعلم أن الأقوال الثلاثة إنما هي في العود، فالأول: يرجعان وإن لم يرجعا لم يبتدئا، والقول الثاني: أنهما لا يرجعان إلى الليل لفقدان الصوم وهو لسحنون، والثالث وهو المشهور: يرجعان تلك الساعة وإلا ابتدآ، وأما الخروج فإن الحائض تخرج اتفاقا، وأما المريض مرضا لا يمنع المكث في المسجد ففي خروجه قولان، والخروج مذهب المدونة، فإذا عرفت هذا عرفت أن كلام ابن الحاجب مشكل، وقوله: ففي خروجه قولان؛ أي في جواز خروجه ومنعه قولان، ومثله العيد كما مر. والله سبحانه أعلم. قال ابن الحاجب: وفي البقاء يوم العيد لقضاء ما بقي قولان. انتهى. قال في التوضيح: كما لو نوى العشر الأواخر من رمضان، ثم مرض بعد دخوله فيها خمسة ثم صح فإنه يقضي الخمسة التي مرضها، وهل يلزمه أن يقيم يوم العيد في المسجد؟ قولان وهما معا في المدونة، والمشهور عدم اللزوم، قال فيها في المثال المذكور: فإذا صح قبل الفطر بيوم فليرجع إلى معتكفه ويبني، ولا يثبت يوم الفطر في معتكفه ويخرج، فإذا انقضى يوم الفطر عاد إلى معتكفه، وقال ابن نافع عن مالك: يشهد العيد مع الناس ويرجع إلى المسجد ذلك اليوم لا إلى بيته، وعلى المشهور فلو صح المريض ليلة العيد فلا يأتي المسجد. انتهى. قال ابن الحاجب عقب قوله: قولان، بخلاف ما لو تخلل ابتداء على الأصح. قال في التوضيح: هذه مسألة الجلاب، قال فيه: ولو اعتكف خمسا من رمضان وخمسا من شوال خرج في يوم الفطر من المسجد إلى أهله، وعليه حرمة الاعتكاف كما مر ثم عاد قبل غروب الشمس من يومه، وقال عبد الملك: يقيم في المسجد يومه ولا يخرج إلى أهله، ويكون يومه ذلك كليل أيام الاعتكاف، وعلى هذا فمخالفة هذا الفرع للذي قبله إنما هي على كلام المصنف، وإلا فقد ذكرنا

стр. 2476

أن المشهور الخروج، ثم قال: في كلام المصنف نظر؛ لأن مسألة الجلاب مقيدة بالنذر وذلك لا يؤخذ من كلام المصنف. انتهى. وإن اشترط المعتكف قبل دخوله أو بعده سقوط القضاء عنه عند لزومه لم يفدي شرطه، ولا يبطل هذا الشرط اعتكافه بل اعتكافه صحيح، ولذا لم يعبر بيبطل ليلا يلزم عوده على الاعتكاف، ومعنى كلام المصنف أن المعتكف إذا اشترط قبل دخول معتكفه أو بعده ما ينافي الاعتكاف، كما لو اشترط أنه إذا لزمه قضاء في الاعتكاف على ما مر يسقط عنه لم يفده ذلك الشرط، بل حيث لزمه قضاء اعتكافه فإنه يلزمه أن يقضيه، ولو اشترط سقوط القضاء عنه ولا يبطل اعتكافه لهذا الشرط بل هو صحيح، ويلزمه أن يتمه على مقتضى شرط الشرع، ومثل اشتراط سقوط القضاء اشتراط غيره كعدم صومه، أو اعتكاف النهار غير الليل أو مباشرة النساء، فالشرط باطل وتلزمه شروطه الشرعية، وقوله: "وإن اشترط سقوط القضاء لم يفده"، هذا هو المعروف، وحُكي عن ابن القصار أنه قال: إن اشترط في الاعتكاف ما يغير سنته فلا يلزمه الاعتكاف. قاله في التوضيح. وروى ابن نافع عن مالك: وإن شهد جنازة أو عاد مريضا أو أحدث سفرا مَنَع ذلك وَجَبَ عليه الابتداء، ولا ينبغي أن يشترط ذلك عند دخوله. انتهى. ولما أنهى الكلام على دعائم الإسلام الثلاث؛ وهي الصلاة والزكاة والصوم وما يلحق بها، شرع في الكلام على الدعامة الرابعة وهي الحج. فقال:

стр. 2477

باب: ذكر فيه الحج وما يتعلق به وذكر فيه العمرة وهي الحج الأصغر، والحج الأكبر هو الدعامة وهو المشار إليه بقوله : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾، والحج بفتح الحاء وهو القياس والكسر أكثر سماعا، وكذا اللغتان في الحجة، وقيل: بالفتح المصدر وبالكسر الاسم، وقيل: الاسم بهما. قاله الشبراخيتي. وقال الحطاب: وأما ضبطه، فقال ابن فرحون في شرحه: الحج بفتح الحاء وكسرها وكذا الحجة فيها لغتان، وأكثر المسموع فيها الكسر والقياس الفتح، وقال ابن راشد: الحج بالكسر: الاسم. انتهى. وقال في الصحاح: الحج بالكسر: الاسم. انتهى. ونحوه في القاموس، وقال في الإكمال: الحج بالفتح: المصدر. وبكسرها وفتحها معا: الاسم، وبالكسر أيضا الحجاج. انتهى. الجوهري: الحج القصد، ورجل محجوج أي مقصود، وهذا الأصل ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة المشرفة للنسك، تقول: حججت البيت أحجه حجا فأنا حاج، وربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر، قال الراجز: . . . . . . . . . . . . . . . … بكل شيخ عامر أو حاجج وقال الخليل: الحج كثرة القصد، وسميت الطريق محجة لكثرة التردد، ووافقه صاحب المقدمات وصاحب الطراز، والحجيج والحجاج جمع حاج، وفي التنزيل: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ولم يقل في الصلاة وغيرها: لله؛ لأنهما مما يكثر فيهما الرياء جدا، وعرف ابن عرفة الحج: بأنه عبادة يلزمها وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة، وطواف ذي طهر أخص بالبيت عن يساره سبعا بعد فجر يوم النحر، وسعي من الصفا إلى المروة، ومنها إليها سبعا بعد طواف كذلك لا بقيد وقته بإحرام في الجميع. انتهى. قوله: ذي طهر أخص، أشار به إلى أن الطائف لابد أن يكون كالمصلي، فالطهر الأخص هو رفع الحدث الأصغر؛ لأنه يلزم من وجوده وجود الطهارة الكبرى، ولا يلزم من وجود الكبرى ثبوت رفع الحدث الأصغر، وقوله: عن يساره، بيان لصفة الطواف الشرعي، ونصب سبعا على المصدر كقولك: ضربته عشرين ضربة، وقوله: بعد فجر يوم النحر، أخرج به طواف القدوم وبين به أن

стр. 2478

ذاتِيَّ الحج من الطواف إنما هو طواف الإفاضة، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، وقوله: وسعي، عطف على طواف، وقوله: كذلك؛ أي مثل الطواف المذكور بصفته وهو طواف ذي طهر أخص لخ، وقوله: لا بقيد وقته، أخرج به خصوص طواف الإفاضة المذكور، وأفاد به أن السعي إنما يشترط فيه حصول طواف قبله، وقوله: يلزمها وقوف بعرفة، لا يخفي أن لزوم الوقوف ليس جزءا من ماهية الحج، بل هو أمر خارج عنها، والذي هو جزؤها فعل الوقوف، وقوله: بإحرام في الجميع، يقتضي أنه لا بد لكل ركن من إحرام يخصه، ويحتمل أن إحرام الأركان لما كان مندرجا في إحرام الحج صار بذلك الإحرام للجميع. قاله الشبراخيتي. والباء في بإحرام بمعني مع، وهذا الذي عرفه ابن عرفة هو الحج الأكبر، وهو المشار إليه كما تقدم بقوله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وأما العمرة؛ وهي الحج الأصغر كما مر. فهي في اللغة: الزيارة، يقال: اعتمر فلان فلانا زاره، ولذا كان ابن عباس لا يرى العمرة لأهل مكة لأنهم بها، فلا معنى لزيارتهم إياها. قاله الحطاب. المازري: الاعتمار لزوم الموضع، وقال آخرون: معنى الاعتمار والعمرة: القصد، قال الشاعر: لَقَدْ سَمَا ابنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ … مَحَلَّا أعلى محتدٍ ومُفْتَخَرْ أراد حين قصد، وفي الشرع زيارة البيت على وجه مخصوص، أو تقول عبادة يلزمها طواف وسعي فقط مع إحرام، وقلنا فقط ليخرج الحج، وعرفها بعضهم بأنها: عبادة ذات طواف ذي طهر أخص بالبيت عن يساره سبعا بعده سعي من الصفا للمروة ومن المروة للصفا سبعا، ولما كان الحج والعمرة أحكامهما لا تنحصر، أشار إلى ما ظهر له منها بقوله: فُرِضَ الحَجُّ، قوله: "فرض" فعل مركب، ونائبه "الحج"، ومعنى فرض أنه أوجبه الله تعالى، بمعنى أنه يثاب على فعله ويعاقب على تركه؛ أي يترتب العقاب على تركه؛ يعني أن الحج فرض عين وهو واجب وجوب عين كتابا وسنة وإجماعا، فمن جحده كفر واستتيب على ما تقرر في حكم المرتد، ومن تركه مستطيعا فالله حسيبه. قاله في الرسالة. أي لا يتعرض له، وقال القاضي عياض: وُعِظَ وَزُجِرَ وَوُبِّخَ، وقال بعض العلماء: إنه يقتل. والله أعلم.

стр. 2479

وأنكرت الملحدة الحج، وقالت: إن فيه التجرد من الثياب وهو يخالف الحياء، وفيه السعي وهو يخالف الوقار، ورمي الجمار لغير مرمي فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة؛ إذ لم يعرفوا لها حكمة، وجهلوا أنه ليس من شرط العبد مع المولى أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به، ولا أن يطلع على فائدة تكليفه، وإنما يتعين عليه الامتثال ويلزمه الانقياد من غير طلب فائدة، ولا سؤال عن مقصود، ولهذا كان قوله ﵊: [لبيك حقا حقا لبيك تعبدا ورقا] (١)). انظر الحطاب. وسنت العمرة، قوله: "سنت"، فعل مركب، ونائبه: "العمرة"، والجملة عطف على الجملة قبلها؛ يعني أن العمرة سنة مؤكدة آكد من الوتر، وقال مالك في الموطإ: العمرة سنة ولا نعلم أحدا من المسلمين أرخص في تركها، وقال ابن حبيب وأبو بكر بن الجهم: هي فرض كالحج، وبه قال الشافعي، وبه قال جماعة من أهل المدينة، والمشهور الأول لقوله ﵊: [الحج جهاد والعمرة تطوع] (٢)). رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض الروايات: حسن صحيح، وقال عطاء: العمرة واجبة على الناس إلا على أهل مكة لأنهم يطوفون بالبيت، وأما قول الزركشي من الشافعية: كره مالك الاعتمار لأهل مكة والمجاورين بمكة، وقال: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم الطواف بالبيت وهو قول عطاء وطاووس، بخلاف غيرهم فإنها واجبة عليهم. انتهى. فقال الحطاب: هو غريب لا يعرف في المذهب عن مالك، ولا خلاف أن العمرة تجب بالنذر، ويجب إتمامها بعد الشروع فيها. والله أعلم. قاله الحطاب. وقد رغب الشرع في العمرة في رمضان، وورد [أنها تعدل حجة أو حجة معه ﷺ ] (٣). ابن فرحون: أفضل شهورها رجب ورمضان. مرة، قال الشيخ محمد بن الحسن: لفظ مرة منصوب على أنه مفعول مطلق معمول للعمرة، ويقدر مثله للحج، فإن الحج والعمرة مصدران يحل أنْ والفعلُ محلَّهما؛ أي فرض أن يحج مرة وسن أن يعتمر مرة، ولا يعمل فيه فرض وسنت؛ لأنه يفيد أن الفرض والسنة وقعا من الشارع مرة، وليس بمراد لأن المفعول قيد في عامله، ويجوز نصب

стр. 2480

مرة على التمييز المحول عن النائب عن الفاعل؛ أي فرضت المرة من الحج وسنت المرة من العمرة، ويصح رفع مرة على أنه خبر وفرض وسنة مصدران مبتدآن مؤولان باسم المفعول؛ أي المفروض من الحج مرة والمسنون من العمرة مرة. هذا حاصل ما في الحطاب. انتهى. وفي الشبراخيتي ما نصه: ثم إنه يقع في غالب النسخ بناء فرض وسنت للمفعول، وإقامة الحج والعمرة مقام الفاعل، ونصب مرة على المفعول المطلق مبين للعدد والعامل فيه العمرة، ويقدر مثله للحج لأن الحج والعمرة مصدران مقدران بأن والفعل، والمعنى فرض أن يحج مرة وسن أن يعتمر مرة، ولا يصح أن يعمل فيه فرض وسن؛ لأنه إنما يفيد أن الفرض والسنة وقعا من الشارع مرة؛ لأن المفعول المطلق قيد في عامله وليس المراد ذلك، ويجوز نصب مرة على التمييز المحول عن نائب الفاعل؛ أي فرض المرة من الحج وسنت المرة من العمرة، ثم حول ونصب على التمييز، ويوجد في بعض النسخ فرض الحج مصدر مرفوع بالابتداء، وعطف سنة العمرة عليه ورفع مرة على الخبر، وعليه فالمصدر مراد به اسم المفعول أي مفروض الحج ومسنون العمرة مرة، وذكر بعضهم أن مرة منصوب على الظرفية، ولذا جرى الخلاف في تارة وطورا، قال شيخنا في شرحه: وتبعد الظرفية عن ما نحن فيه إن كانت لفرض وسن، لا إن جعلت ظرفا للمسنون والمفروض. انتهى. قوله: لأنه إنما يفيد أن الفرض والسنة لخ؛ أي لأن كل واجب ومسنون لم يقع فرضه وسنيته إلا مرة واحدة فلا خصوصية ولا فائدة حينئذ، والله سبحانه أعلم. وقوله: مرة؛ يعني به أن الحج فرض مرة في العمر، وأما ما زاد على ذلك فهو مستحب، وسيأتي في الجهاد أن زيارة الكعبة فرض كفاية كل عام، وإذا ثبت أن الحج فرض عين مرة في العمر، وأن إقامة الموسم فرض كفاية كل عام، فينبغي للشخص في غير المرة الأولى أن يقصد بالحج إقامة الموسم ليقع حجه فرض كفاية، فإن لم يقصد إقامته وقع مندوبا، وكذا العمرة فهي سنة مرة في العمر مؤكدة آكد من الوتر، وما زاد على المرة فهو مستحب؛ وهي سنة كفاية كل عام، ويقال فيها ما يقال في الحج: سنة عين مرة في العمر، وسنة كفاية إن قصد بها القيام عن الناس في غير المرة الأولى، وإلا فمندوبة كل عام، وسيأتي أنه يكره تكرارها في العام الواحد ويلزم بالإحرام إتمام المكروه، وكون الحج واجبا

стр. 2481

مرة في العمر هو المعروف من مذاهب العلماء، فحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: [خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: يا أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه] (١))، رواه مسلم. وفي طريق ابن عباس عن النسائي: [لو قلت نعم لوجبت ثم إذًا لا تسمعون ولا تطيعون ولكنها حجة واحدة] (٢))، وذكر الفاكهاني أنهم لما سألوا عن ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، [والرجل السائل هو الأقرع بن حابس] (٣))، وقال بعض من شذ: إن الحج يجب كل سنة، وعن بعضهم أنه يجب في كل خمسة أعوام لحديث رووه في ذلك وهو ضعيف لا يلتفت إليه لشذوذه، قال الحطاب: قال النووي: هو خلاف الإجماع فقائله محجوج بإجماع من قبله، وعلى تسليم وُرُودِهِ فيحمل على الاستحباب والتأكيد في مثل هذه المدة، كما حمل العلماء الحديث الصحيح الآتي ذكره على ذلك، ولا يجب بعد المرة الأولى إلا أن ينذره أو يريد دخول مكة فيجب عليه الإحرام بأحد النسكين أو بهما، ويستحب الحج كل سنة لمن حج الفرض، ويتأكد ذلك في كل خمس سنين لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ، قال: [إن الله تعالى يقول إن عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم] (٤)). رواه ابن أبي شيبة وابن حبان في صحيحه، قال ابن فرحون في مناسكه: قال العلماء: هو محمول على الاستحباب والتأكد في مثل هذه المدة، وهذا ما لم يؤد إلى إخلاء البيت عمن يقوم بإحيائه في كل سنة، فإنه يجب إحياؤه فرضا على الكفاية كل سنة كما ذكره المصنف في باب الجهاد، حيث قال: كزيارة

стр. 2482

الكعبة، والمراد بها إقامة الموسم، وإقامة الموسم هي الوقوف بعرفة، فيجب على الإمام أن يرسل جماعة لإقامة الموسم، ولا يكتفي بزيارة الكعبة بلا إقامة الموسم، بل لا بد منهما أي من زيارة الكعبة مع إقامة الموسم، ولا يسقط ذلك في عام من الأعوام إلا لعذر لا يستطاع معه الوصول إليها. نعوذ بالله تعالى من ذلك. وفي مصنف عبد الرزاق بسنده إلى ابن عباس: [لو ترك الناس زيارة هذا البيت عاما واحدا ما أُمْطِرُوا] (١)). قاله الحطاب. النووي: ومن فروض الكفاية: إحياء الكعبة بالحج في كل سنة هكذا أطلقوا، وينبغي أن تكون العمرة كالحج والاعتكاف والصلاة في المسجد الحرام. التادلي: وهذا لا يبعد قول مثله على أصل المذهب، فإن عمارة المساجد غيره بالجماعات من فروض الكفاية وكذلك عمارة الكعبة بالحج والعمرة. انتهى. قال الحطاب: وهو ظاهر. والله أعلم وفي الإحياء: ويكره للحاضر بمكة مقيما بها أن لا يحج في كل سنة. انتهى. قال الحطاب: والظاهر أنه موافق لمذهبنا. والله أعلم. وتحصل مما مر أن الحج على ثلاثة أقسام: فرض عين، وفرض كفاية، وتطوع. وأن العمرة على ثلاثة أقسام أيضا: سنة عين، وكفاية، ومندوبة. وقد مر أن العمرة يكره تكرارها في العام الواحد وهو قول مالك في المدونة وهو المشهور؛ لأنه ﵊ لم يكررها في عام واحد مع قدرته على ذلك، وقد كرهه جماعة من السلف، وأجاز ذلك مطرف وابن الماجشون، وقال ابن حبيب: لا بأس بها في كل شهر مرة، وروي عن ابن عمر أنه اعتمر ألف عمرة، وحج ستين سنة، وحمل على ألف فرس في سبيل الله تعالى، وأعتق ألف رقبة، قاله الحطاب. سند: كره مالك تكرارها في السنة الواحدة تأسيا بالنبي ﷺ ؛ لأنه اعتمر في كل عام مرة، وحكي كراهة ذلك عن كثير من السلف، وما روي عن ابن عمر وعلي يحتمل أن يكون قضاء عن نذر، ونقل اللخمي عن مطرف وابن المواز جواز تكرارها في السنة الواحدة، ولو أحرم بالثانية انعقد إحرامه إجماعا. انتهى. وقاله غير سند، وإذا اعتمر في ذي الحجة فهل له أن يعتمر أخرى في المحرم؟ روايتان عن مالك، وعلى أنه لا يعتمر فإذا لم يكن اعتمر فلا يعتمر إلا واحدة، وإذا قلنا إنه لا يفعل إلا واحدة، فهل الأَوْلَى أن تكون في آخر ذي الحجة أو في المحرم؟

стр. 2483

قال مالك: أحب إلي أن تكون في المحرم، وَوَجْهُ اعتمار من اعتمر في آخر ذي الحجة في المحرم كون المحرم هو أول السنة التالية لما قبلها، فلم تكرر العمرة في عام واحد، ووجه الأخرى قرب الزمان. والله أعلم. ويستثنى من كراهة تكرار العمرة في السنة من تكرر دخوله إلى مكة من موضع يجب عليه الإحرام منه، وهذا ظاهر. قاله الحطاب. واعلم أن أحكام الحج كثيرة وفروعها غزيرة، والاعتناء بها اليوم قليل ولا سيما ببلاد المغرب، وقد تنضبط أفعاله وجمعها بعضهم في أبيات وهي: أحرم ولب ثم طف واسع وزد … في عمرة حلقا وحجا إِنْ تُرِدْ فزد منى وعرفات جمعا … ومشعرا والجمرات السبعا وانحر وقصر وأفض ثم ارجع … للرمي أيام مني وودع وكمل الحجة بالزياره … متقيا من نفسك الأماره فالسر في التقوى والاستقامه … وفي اليقين أكبر الكرامه وورد عنه ﷺ [أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة] (١))، وورد أيضا: [من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه] (٢))، والحج المبرور هو الذي لا يتعمد فيه معصية، وقال عياض: هو الذي لا يخالطه شيء من الإثم، وقيل المبرور المتقبل، واستشكل بأنا لا نطلع على القبول، وأجيب بأن من علامات القبول أن يزداد بعده خيرا، وقوله: لم يرفث، فاؤه مثلثة في الماضي والمضارع، والرفث: الجماع أو الفحش من القول، والفسوق: المعاصي، وقوله: كيوم ولدته أمه، قال ابن حجر: أي صار بلا ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والسيئات، والتحقيق في هذا أن قضاء الصلاة والكفارة وحقوق الآدميين لا يسقط، ولفظ الذنب لا يتناول هذه الأشياء التي في الذمة، وإنما الذنب الأخذ من المالك بغير اختياره، وتأخير

стр. 2484

الصلاة وعدم تأدية الزكاة -مثلا- وحينئذ فيجب عليه رد الأعيان المغصوبة -مثلا- أو عوضها إن تعذر ردها، ويجب عليه أداء ما عليه من الزكاة وقضاء الصلوات، ويسقط عنه إثم الذنوب المتعلقة بتلك الأمور، وإذا تعذر الرد فيما يجب فيه الرد والقضاء والأداء فيما يجب عليه ذلك فيه فإنه لا يُوَاخَذُ به، ففي الأجهوري عن الحطاب أن عدم سقوط الصلوات المترتبة في الذمة والكفارات وحقوق الآدميين من ديون وغيرها مجمع عليه؛ إذ لم يقل أحد من العلماء إن من حج البيت لا يجب عليه أن يقضي ما في ذمته من ذلك، نعم يرجى أن الله تعالى يغفر ذلك في الآخرة لمن عجز عن أدائه في الدنيا ويرضي عنه الخصوم للأحاديث الواردة، فإن قيل: كيف يسوي الله تعالى بين الفعل العظيم وغيره في الجزاء مع قوله ﷺ : [أجرك على قدر نصبك] (١)، والغفران قد رتبه الشرع على الحج المبرور، ورتبه على قيام رمضان، وقيام ليلة القدر، وموافقة التأمين تأمين الملائكة، والتوبة؟ فالجواب أن هذه الأمور استوت في التكفير وإن اختلفت في رفع الدرجات. وفي فوريته؛ يعني أنه اختلف في الحج هل هو واجب على الفور؟ بمعنى أنه إذا حصلت شروطه الآتية وجب على المكلف المبادرة إليه في أول سنة يمكنه الإتيان به فيها ويعصي بتأخيره عنها ولو ظن السلامة وإن فعله بعد فأداء، وحكي عليه الإجماع، وقال ابن القصار: قضاء أو هو واجب على التراخي كما قال: وتراخيه؛ يعني أن من الأشياخ من ذهب إلى أن الحج واجب على التراخي؛ بمعنى أنه لا تجب المبادرة إليه وإن كان قادرا عليه، ويمتد التراخي لخوف الفوات؛ يعني أنه على القول بالتراخي إنما تجب المبادرة به عند خوف الفوات، فعنده يتفق على الفور، ويختلف الفوات باختلاف الناس من ضعف وقوة، وكثرة مرض وقلته، وأمن طريق وخوفه، ووجود مال وعدمه. قال سحنون: وببلوغ الستين من الأعوام قادرا ويفسق وترد شهادته بعدها. ابن عبد البر: ولا أعلم له موافقا في التفسيق ورد الشهادة، وهذا توقيت لا يجب إلا [بتوقيف] (٢) ممن يجب له التسليم، وكل من قال بالتراخي في هذه المسألة لم

стр. 2485

يحد حدا وإنما تؤخذ الحدود ممن له أن يشرع، واحتج له بعض بخبر: [أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين] (١))، وتسمى معترك المنايا، وتسميها العرب دقاقة الرقاب. قاله الشبراخيتي. واعلم أن الراجح القول بأن الحج واجب على الفور، فكان حق المصنف أن يقتصر عليه، وغالب الفروع الآتية مبني عليه، وقال في التوضيح: الظاهر قول من شهر الفور لأنه المنقول عن مالك، والتراخي مأخوذ من مسائل ليس الأخذ منها بالقوي، وقال الشيخ المحقق الأمير: والراجح فوريته وإن كان رواية العراقيين والثاني رواية المغاربة، والغالب تقديمهم بعد المصريين كابن القاسم. انتهى. خلاف، مبتدأ، وخبره قوله: "في فوريته وتراخيه"، وهو خلاف في التشهير، والقول بالتراخي شهره الفاكهاني، ورأى الباجي وابن رشد وغيرهم من المغاربة أنه ظاهر المذهب، وقد مر أن الراجح القول بالفورية، واعلم أنه لا خلاف في الفورية إذا فسد حجه، سواء قلنا إن الحج على التراخي أو على الفورية كما يأتي عند قوله: "ووجب إتمام المفسد"، وسواء كان الأول فرضا أو نفلا، قوله: "وفي فوريته" لخ، الظاهر أن هذا الخلاف يجري في العمرة أيضا كما استظهره غير واحد، وقد تقدم أنه إذا خاف الفوات كما لو خاف عجزه في بدنه يتفق القولان على الفورية. وتحصل مما مر أن المذهب اختلف على قولين مشهورين، هل وجوب الحج على الفور أو على التراخي؟ وأن القائل بالتراخي يري التوسعة مقيدة بخوف الفوات، وعليه فإذا اخترمته المنية ولم يكن خاف الفوات لم يعص، ولو خاف الفقر أو الضعف مثلا ولم يحج حتى فات أثم وعصى، وأن الراجح القول بالفورية. وصحتهما بالإسلام؛ يعني أنه يشترط في صحة الحج والعمرة أن يقعا من مسلم، فلا يصحان من غير مسلم، وعلم من هذا أن الكفار مخاطبون بالحج والعمرة كغيرهما من فروع الشريعة. وهذا هو الراجح، وفائدة ذلك تضاعف العذاب عليهم، قال في التنقيح: أجمعت الأمة على خطابهم بالإيمان، واختلف في خطابهم بالفروع. انتهى. وظاهر مذهب مالك خطابهم بها خلافا لجمهور الحنفية، وقيل: إن الإسلام شرط وجوب بناء على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وإذا قلنا إن الإسلام شرط في الوجوب، فهو شرط في الصحة أيضا،

стр. 2486

وقوله: "وصحتهما بالإسلام"؛ يعني سواء كان المحرم بهما حرا أو عبدا صغيرا أو كبيرا، وقال ابن جماعة: لو اعتقد الصبي الكفر لم يكفر عند الشافعية، فلو حج واعتمر في تلك الحال، فقال ابن القاسم الرويالي: لا يصح، وقال والده: يصح بخلاف الصلاة، ومذهب الثلاثة أن ارتداده ارتداد فلا يصح منه ما ذكر. فيحرم ولي عن رضيع؛ يعني أنه بسبب أنه يشترط في صحة الحج والعمرة الإسلام، صح الإحرام بالحج والعمرة عن الصبي ولو كان رضيعا لأنه محكوم له بالإسلام، وكذا المجنون (١) والمطبق، وقوله: "فيحرم"؛ أي ندبا، وقوله: "فيحرم" لخ، هو مذهب المدونة وهو المشهور في المذهب، وفي الموازية: لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع سنين أو خمس فنعم. ابن عرفة: وفي صحته -يعني الإحرام لغير المميز- قولان لها، وللخمي مع رواية ابن وهب بابن أربع لا برضيع، وفي المجنون قولان لها، ولتخريج اللخمي على الصبي، وقول الباجي: عدم العقل يمنع صحته خلاف النص، وحمل عياض قول الموازية: لا يحج بالرضيع على الكراهة، واللخمي على المنع. والأصل في الحج بالصغير ما رواه مالك في الموطإ [أنه ﷺ مر بامرأة وهي في محفتها، فقيل لها: هذا رسول الله ﷺ ، فأخذت بضبعي صبي كان معها، وقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ فقال: نعم، ولك أجر] (٢)). رواه مسلم في صحيحه. قال في الإكمال: ولا خلاف بين أيمة العلم في جواز الحج بالصبيان إلا قوما من أهل البدع منعوه ولا يلتفت لقولهم، وفعل النبي ﷺ لذلك وإجماع الأيمة والصحابة يرد قولهم، وإنما الخلاف للعلماء، هل ينعقد عليهم حكم الحج؟ وفائدة الخلاف إلزامهم الفدية والدم والجبر لما يلزم الكبير وعدمه، فأبو حنيفة لا يلزمهم شيئا، وإنما يجتنب ذلك عنده ما يجتنب المحرم على طريق التعليم والتمرين، وسائرهم يلزمونه ذلك ويرون حكم الحج منعقدا عليه؛ إذ جعل له النبي ﷺ حجا، وأجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن الفريضة، وشذت فرقة فقالت: يجزئه، ولم يلتفت العلماء إلى قولها.

стр. 2487

وإذا أحرم وهو صبي فبلغ قبل عمل شيء من الحج، فقال مالك: لا يرفض إحرامه ويتم حجه ولا يجزئه عن حجة الإسلام، وأبو حنيفة: يلزمه تجديد النية ورفض الأولى، وقال الشافعي: يجزئه ولا يحتاج إلى تجديد نية، وكذلك اختلفوا على هذا في العبد يحرم ثم يعتق سواء، واختلف عن مالك في الرضيع ومن لا يفقه، هل يحج به أم لا؟ وقوله: "فيحرم ولي عن رضيع"؛ أي ندبا -كما مر- لما سيأتي أن غير المكلف يجوز له دخول الحرم بغير إحرام ولو أراد مكة. وجرد؛ يعني أن الصبي ولو رضيعا ومثله المجنون؛ إذا أراد الولي أبا أو غيره أن يحرم عنهما فإنه يجردهما من المحيط وجوبا، فيجرد الصبي الذكر ولو رضيعا، ووجه الأنثى وكفيها ككبيرة، وقوله: "فيحرم ولي" لخ، ليس المراد بإحرام الولي عنه حقيقته، وإنما المراد أن يجرده وينوي إدخاله في حرمة الإحرام. وقوله: قرب الحرم، ظرف متعلق بقوله: "فيحرم"، لا "بجرد"؛ يعني أن الولي يحرم عن الرضيع قرب الحرم -أي مكة شرفها الله تعالى- وذلك أن ينوي أنه أدخله في حرمة الإحرام، وإذا أراد الإحرام به جرده، ولو قدم قوله: "قرب الحرم"، على قوله: "وجرد"، لكان أحسن وأبين؛ لأن مذهب المدونة أنه بمجرد إحرامه يجنبه ما يجتنب الكبير، وذلك أن غير البالغ على ثلاثة أقسام: مراهق، ورضيع، وبين ذلك. ويجوز للولي أن يدخل الجميع بغير إحرام، وأن يحرم بهم من الميقات أو بعده أو قرب الحرم، والأولى أن يؤخر إحرام الرضيع ومن فوقه ممن لا يجتنب ما نهي عنه إلى قرب الحرم، وأن يحرم المناهز من الميقات. قاله الحطاب. وقد مر أن المراد بالإحرام، عن الرضيع تجريده ونية إدخاله في حرمة الإحرام وذلك لأن الحج إنما ينعقد بنية مع قول أو فعل تعلقا به كما يأتي، وهم جعلوا تجريده كالتوجه في حق غيره، ولا يشترط أن يكون الولي محرما ولا أن يتساويا في الإحرام، والمراد به من يلي أمره بإيصاء أو غيره، وخص الرضيع للخلاف في الإحرام به، وإلا فمثله من لم يميز بدليل مقابلته بقوله: "والمميز" لخ: وقال مالك: ومن أراد أن يحج صبيا صغيرا لا يتكلم فلا يلبي عنه، ويجرده إذا دنا من الحرم، وإذا جرده كان محرما، ويجنبه ما يجتنب الكبير، ومن كان من الصبيان قد ناهز، ويترك ما

стр. 2488

يؤمر بتركه فهذا يحرم من الميقات، ومن كان منهم ابن ثمان سنين أو سبع ولا يجتنب ما يؤمر باجتنابه فهذا أيضا يقرب من الحرم ويجنب ما يجتنبه الكبير. انتهى. وقال ابن فرحون: للولي أن يحج بالصبي، ويلبي الطفل الذي يتكلم، والذي لا يتكلم يلبي عنه، وقال ابن عبد البر في التمهيد بعد أن ذكر جواز الحج بالصبيان عن مالك والشافعي وفقهاء الحجاز والثوري وأبي حنيفة والكوفيين والأوزاعي والليث وغيرهم من أهل مصر والشام وكل من ذكرناه: يستحب الحج بالصبيان، ويأمر به ويستحسنه، وعلى ذلك جمهور العلماء في كل قرن، وقالت طائفة: لا يحج بالصبيان، وهو قول لا يشتغل به ولا يعرج عليه. انتهى. قاله الحطاب. ونقل عن بعضهم الاتفاق على أنه يستحب لكافل الصبي تمرينه على العبادات حتى تصير له كالعادات، وفيه أنه لا اختلاف بين العلماء أن الصبي يثاب على ما يفعله من الطاعات ويعفي عنه ما يجترحه من السيئات، وأن عمده كالخطإ، وكان من أخلاق المسلمين أن يحجوا بأبنائهم يعرضونهم لله تعالى، وفي أبي داوود أنه ﷺ ، قال: [أيما صبي حج به أهله فمات أجزأ عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات أجزأ عنه فإن عتق فعليه الحج] (١). تنبيهات: الأول: قول المصنف: "فيحرم ولي"، اعلم أن الولي هنا يشمل الأب والوصي من قِبَلِهِ أو قِبَلِ القاضي، ويتنزل منزلة الولي كل من كان الصبي في كفالته ولو بغير وصية من قريب أو غيره. قاله في الطراز. قاله الحطاب. الثاني: اعلم أن سفر الولي بالصبي حيث كان الولي حاجا على وجهين: جائز وممنوع -كما يأتي إن شاء الله تعالى- ففي الوجه الجائز له أن يحرم به لأنها مصلحة في دينه ولا كبير ضرر على الصبي فيها، وكذلك له أن يحرم به أيضا في الوجه الممنوع على ما قاله اللخمي، ونصه: قال ابن القاسم: وإذا جاز للوصي أن يخرجه جاز له أن يُحِجُّهُ، وأرى أن لو خرج به تعديا لأنه لا يخشى عليه لو خلفه أنه يجوز له أن يحرم به؛ لأن التعدي إنما كان قبل، فإذا وصل إلى الميقات كان إحرامه أولى وأفضل، وزيادة النفقة على وليه. انتهى. وكلامه في الطراز يقتضي أنه

стр. 2489

منصوص عليه في الموازية، فإنه قال: فإن أحرم به في الوجه الممنوع فأصاب صيدا، ففي الموازية أن ذلك في مال الأب. انتهى. فدل كلامه على أن إحرامه ينعقد. قاله الحطاب. الثالث: قال في المقدمات: للصبي حالان؛ حال لا يعقل فيها معنى القربة فهو فيها كالبهيمة والمجنون ليس بمخاطب بعبادة ولا مندوب إلى فعل طاعة، وحال يعقل فيها معنى القربة فاختلف، هل هو فيها مندوب إلى فعل طاعة كالصلاة والصيام والوصية عند الممات وما أشبه ذلك؟ أو ليس بمندوب إلى فعل شيء من ذلك، وأن وليه هو المخاطب بتعليمه والمأجور على ذلك؟ والصواب عندي أنهما جميعا مندوبان إلى ذلك مأجوران عليه. قال ﷺ : [نعم ولك أجر] (١). الحديث المتقدم. قاله الحطاب. وقال ابن جماعة: وعند الأربعة أن الصبي يثاب على طاعته وتكتب حسناته، كان مميزا أو غير مميز، ويروي ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه، ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك. الرابع: قال في المدونة: ولا بأس أن يحرم بالأصاغر الذكور وفي أرجلهم الخلاخل وعليهم الأسورة، وكره مالك للصبيان الذكور حلي الذهب. انتهى. قال في الطراز: لا يختلف المذهب في أن الصبي يمنع من لباس المحيط ويجنب ما يجتنب الكبير، وإنما خرج قوله في ذلك مخرج قوله في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس أن يلبس المحرم الخاتم، فلم يجعله من جنس المحيط ولا في معناه، ومن منع الخاتم للرجل منع أيضا للصبي الخلخالين والسوارين. انتهى. قاله الحطاب. ونقل ابن عرفة عن محمد مثل ما في المدونة، قال الإمام الحطاب بعد ما جلب من النقل في ذلك: فعلم أن كلامه في المدونة مخالف لمشهور مذهبه، وكذلك كلام الموازية الذي نقله ابن عرفة. والله أعلم. انتهى. الخامس: قال الشيخ إبراهيم: فإذا كان يحصل بتجريده قرب الحرم ضرر فالظاهر أنه يؤخر الإحرام والتجريد إلى دخول الحرم، كما أن الظاهر من كلامهم أنه إذا كان يحصل بتجريده الضرر فإنه يحرم عنه بغير تجريد ويفدي.

стр. 2490

ومطبق، معطوف على رضيع، وهو صفة لمحذوف؛ يعني أن الولي يحرم ندبا عن المجنون المطبق قرب الحرم ويجرده، وَأَجْرِهِ في جميع أحكامه على ما مر في الصبي غير المميز من غير فرق بينهما يا فتى، والمطبق هو الذي لا يفهم الخطاب، ولا يحسن رد الجواب، ولو كان يميز بين الإنسان والفرس، واحترز بالمطبق عن الذي يفيق أحيانا، فإنه ينتظر ولا ينعقد عليه إحرام غيره، فإن علم بالعادة أنه لا يفيق حتى ينقضي الحج صار كالمطبق كما قاله غير واحد، ولو أحرم الولي عن المطبق ثم أفاق بعد إحرام وليه عنه فالظاهر أن الإحرام يلزمه وليس له رفضه وتجديد إحرام بالفرض، ولا يجزئه عن الفرض. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. لا مغمي؛ يعني أن الولي لا يحرم عن المغمى عليه؛ أي لا يصح إحرامه عنه ولا يندب، أحْرَمَ بفرض أو نفل. وقوله: "لا مغمي"؛ يعني ولو خيف فوات الحج لأنه مظنة عدم الطول ويرجي زواله بالقرب غالبا، بخلاف المطبق فإنه شبيه بالصبي لطول مدته، وصح الإحرام عن الصبي لأنه يتبع غيره في أصل الدين، فإن لم يفق المغمى عليه إلا بعد زمن الحج فلا شيء عليه، فإن أفاق في زمن يدرك الوقوف فيه أحرم وأدركه ولا دم عليه في عدم رجوعه إلى الميقات، وسيأتي حكم طرو إغمائه بعد إحرامه إن شاء الله تعالى. وفي الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أن للمغمى عليه قبل الإحرام أربع حالات: الأُولَى: أن لا يفيق أصلا من أول الحج إلى كماله، الثانية: أن يفيق في أثناء الحج بعد وقت الوقوف فهذا قد فاته الحج في الصورتين، الثالثة: أن يفيق بعرفة فهذا يحرم حينئذ ويلبي إلى الزوال إن كانت إفاقته قبل الزوال، وإن كانت إفاقته بعد الزوال فيلبي ثم يقطع في حينه على المشهور، الرابعة: أن يفيق قبل عرفة فإن أمكنه أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه فالأحسن له أن يرجع، فإن لم يفعل وأحرم من موضعه أجزأه ولا دم عليه. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. والمميز بإذنه، قوله: "والمميز"، عطف على قوله: "ولي"، أو فاعل فعل محذوف تقديره: يحرم، والضمير في "بإذنه"، عائد على الولي؛ يعني أن الصبي المميز يحرم عن نفسه من الميقات، لكن إنما يحرم بإذن وليه، والمميز هو الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجوابْ ومقاصد الكلامْ، ولا ينضبط بسن مخصوص بل يختلف باختلاف الأفهام، قال الشبراخيتي: ومن أحرم ثم بلغ، فقال
следующие страницы →