← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وقوله: "وصحتهما بالإسلام"؛ يعني سواء كان المحرم بهما حرا أو عبدا صغيرا أو كبيرا، وقال ابن جماعة: لو اعتقد الصبي الكفر لم يكفر عند الشافعية، فلو حج واعتمر في تلك الحال، فقال ابن القاسم الرويالي: لا يصح، وقال والده: يصح بخلاف الصلاة، ومذهب الثلاثة أن ارتداده ارتداد فلا يصح منه ما ذكر. فيحرم ولي عن رضيع؛ يعني أنه بسبب أنه يشترط في صحة الحج والعمرة الإسلام، صح الإحرام بالحج والعمرة عن الصبي ولو كان رضيعا لأنه محكوم له بالإسلام، وكذا المجنون (١) والمطبق، وقوله: "فيحرم"؛ أي ندبا، وقوله: "فيحرم" لخ، هو مذهب المدونة وهو المشهور في المذهب، وفي الموازية: لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع سنين أو خمس فنعم. ابن عرفة: وفي صحته -يعني الإحرام لغير المميز- قولان لها، وللخمي مع رواية ابن وهب بابن أربع لا برضيع، وفي المجنون قولان لها، ولتخريج اللخمي على الصبي، وقول الباجي: عدم العقل يمنع صحته خلاف النص، وحمل عياض قول الموازية: لا يحج بالرضيع على الكراهة، واللخمي على المنع. والأصل في الحج بالصغير ما رواه مالك في الموطإ [أنه ﷺ مر بامرأة وهي في محفتها، فقيل لها: هذا رسول الله ﷺ ، فأخذت بضبعي صبي كان معها، وقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ فقال: نعم، ولك أجر] (٢)). رواه مسلم في صحيحه. قال في الإكمال: ولا خلاف بين أيمة العلم في جواز الحج بالصبيان إلا قوما من أهل البدع منعوه ولا يلتفت لقولهم، وفعل النبي ﷺ لذلك وإجماع الأيمة والصحابة يرد قولهم، وإنما الخلاف للعلماء، هل ينعقد عليهم حكم الحج؟ وفائدة الخلاف إلزامهم الفدية والدم والجبر لما يلزم الكبير وعدمه، فأبو حنيفة لا يلزمهم شيئا، وإنما يجتنب ذلك عنده ما يجتنب المحرم على طريق التعليم والتمرين، وسائرهم يلزمونه ذلك ويرون حكم الحج منعقدا عليه؛ إذ جعل له النبي ﷺ حجا، وأجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن الفريضة، وشذت فرقة فقالت: يجزئه، ولم يلتفت العلماء إلى قولها.

стр. 2487

وإذا أحرم وهو صبي فبلغ قبل عمل شيء من الحج، فقال مالك: لا يرفض إحرامه ويتم حجه ولا يجزئه عن حجة الإسلام، وأبو حنيفة: يلزمه تجديد النية ورفض الأولى، وقال الشافعي: يجزئه ولا يحتاج إلى تجديد نية، وكذلك اختلفوا على هذا في العبد يحرم ثم يعتق سواء، واختلف عن مالك في الرضيع ومن لا يفقه، هل يحج به أم لا؟ وقوله: "فيحرم ولي عن رضيع"؛ أي ندبا -كما مر- لما سيأتي أن غير المكلف يجوز له دخول الحرم بغير إحرام ولو أراد مكة. وجرد؛ يعني أن الصبي ولو رضيعا ومثله المجنون؛ إذا أراد الولي أبا أو غيره أن يحرم عنهما فإنه يجردهما من المحيط وجوبا، فيجرد الصبي الذكر ولو رضيعا، ووجه الأنثى وكفيها ككبيرة، وقوله: "فيحرم ولي" لخ، ليس المراد بإحرام الولي عنه حقيقته، وإنما المراد أن يجرده وينوي إدخاله في حرمة الإحرام. وقوله: قرب الحرم، ظرف متعلق بقوله: "فيحرم"، لا "بجرد"؛ يعني أن الولي يحرم عن الرضيع قرب الحرم -أي مكة شرفها الله تعالى- وذلك أن ينوي أنه أدخله في حرمة الإحرام، وإذا أراد الإحرام به جرده، ولو قدم قوله: "قرب الحرم"، على قوله: "وجرد"، لكان أحسن وأبين؛ لأن مذهب المدونة أنه بمجرد إحرامه يجنبه ما يجتنب الكبير، وذلك أن غير البالغ على ثلاثة أقسام: مراهق، ورضيع، وبين ذلك. ويجوز للولي أن يدخل الجميع بغير إحرام، وأن يحرم بهم من الميقات أو بعده أو قرب الحرم، والأولى أن يؤخر إحرام الرضيع ومن فوقه ممن لا يجتنب ما نهي عنه إلى قرب الحرم، وأن يحرم المناهز من الميقات. قاله الحطاب. وقد مر أن المراد بالإحرام، عن الرضيع تجريده ونية إدخاله في حرمة الإحرام وذلك لأن الحج إنما ينعقد بنية مع قول أو فعل تعلقا به كما يأتي، وهم جعلوا تجريده كالتوجه في حق غيره، ولا يشترط أن يكون الولي محرما ولا أن يتساويا في الإحرام، والمراد به من يلي أمره بإيصاء أو غيره، وخص الرضيع للخلاف في الإحرام به، وإلا فمثله من لم يميز بدليل مقابلته بقوله: "والمميز" لخ: وقال مالك: ومن أراد أن يحج صبيا صغيرا لا يتكلم فلا يلبي عنه، ويجرده إذا دنا من الحرم، وإذا جرده كان محرما، ويجنبه ما يجتنب الكبير، ومن كان من الصبيان قد ناهز، ويترك ما

стр. 2488

يؤمر بتركه فهذا يحرم من الميقات، ومن كان منهم ابن ثمان سنين أو سبع ولا يجتنب ما يؤمر باجتنابه فهذا أيضا يقرب من الحرم ويجنب ما يجتنبه الكبير. انتهى. وقال ابن فرحون: للولي أن يحج بالصبي، ويلبي الطفل الذي يتكلم، والذي لا يتكلم يلبي عنه، وقال ابن عبد البر في التمهيد بعد أن ذكر جواز الحج بالصبيان عن مالك والشافعي وفقهاء الحجاز والثوري وأبي حنيفة والكوفيين والأوزاعي والليث وغيرهم من أهل مصر والشام وكل من ذكرناه: يستحب الحج بالصبيان، ويأمر به ويستحسنه، وعلى ذلك جمهور العلماء في كل قرن، وقالت طائفة: لا يحج بالصبيان، وهو قول لا يشتغل به ولا يعرج عليه. انتهى. قاله الحطاب. ونقل عن بعضهم الاتفاق على أنه يستحب لكافل الصبي تمرينه على العبادات حتى تصير له كالعادات، وفيه أنه لا اختلاف بين العلماء أن الصبي يثاب على ما يفعله من الطاعات ويعفي عنه ما يجترحه من السيئات، وأن عمده كالخطإ، وكان من أخلاق المسلمين أن يحجوا بأبنائهم يعرضونهم لله تعالى، وفي أبي داوود أنه ﷺ ، قال: [أيما صبي حج به أهله فمات أجزأ عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات أجزأ عنه فإن عتق فعليه الحج] (١). تنبيهات: الأول: قول المصنف: "فيحرم ولي"، اعلم أن الولي هنا يشمل الأب والوصي من قِبَلِهِ أو قِبَلِ القاضي، ويتنزل منزلة الولي كل من كان الصبي في كفالته ولو بغير وصية من قريب أو غيره. قاله في الطراز. قاله الحطاب. الثاني: اعلم أن سفر الولي بالصبي حيث كان الولي حاجا على وجهين: جائز وممنوع -كما يأتي إن شاء الله تعالى- ففي الوجه الجائز له أن يحرم به لأنها مصلحة في دينه ولا كبير ضرر على الصبي فيها، وكذلك له أن يحرم به أيضا في الوجه الممنوع على ما قاله اللخمي، ونصه: قال ابن القاسم: وإذا جاز للوصي أن يخرجه جاز له أن يُحِجُّهُ، وأرى أن لو خرج به تعديا لأنه لا يخشى عليه لو خلفه أنه يجوز له أن يحرم به؛ لأن التعدي إنما كان قبل، فإذا وصل إلى الميقات كان إحرامه أولى وأفضل، وزيادة النفقة على وليه. انتهى. وكلامه في الطراز يقتضي أنه

стр. 2489

منصوص عليه في الموازية، فإنه قال: فإن أحرم به في الوجه الممنوع فأصاب صيدا، ففي الموازية أن ذلك في مال الأب. انتهى. فدل كلامه على أن إحرامه ينعقد. قاله الحطاب. الثالث: قال في المقدمات: للصبي حالان؛ حال لا يعقل فيها معنى القربة فهو فيها كالبهيمة والمجنون ليس بمخاطب بعبادة ولا مندوب إلى فعل طاعة، وحال يعقل فيها معنى القربة فاختلف، هل هو فيها مندوب إلى فعل طاعة كالصلاة والصيام والوصية عند الممات وما أشبه ذلك؟ أو ليس بمندوب إلى فعل شيء من ذلك، وأن وليه هو المخاطب بتعليمه والمأجور على ذلك؟ والصواب عندي أنهما جميعا مندوبان إلى ذلك مأجوران عليه. قال ﷺ : [نعم ولك أجر] (١). الحديث المتقدم. قاله الحطاب. وقال ابن جماعة: وعند الأربعة أن الصبي يثاب على طاعته وتكتب حسناته، كان مميزا أو غير مميز، ويروي ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه، ونقل بعض العلماء الإجماع على ذلك. الرابع: قال في المدونة: ولا بأس أن يحرم بالأصاغر الذكور وفي أرجلهم الخلاخل وعليهم الأسورة، وكره مالك للصبيان الذكور حلي الذهب. انتهى. قال في الطراز: لا يختلف المذهب في أن الصبي يمنع من لباس المحيط ويجنب ما يجتنب الكبير، وإنما خرج قوله في ذلك مخرج قوله في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس أن يلبس المحرم الخاتم، فلم يجعله من جنس المحيط ولا في معناه، ومن منع الخاتم للرجل منع أيضا للصبي الخلخالين والسوارين. انتهى. قاله الحطاب. ونقل ابن عرفة عن محمد مثل ما في المدونة، قال الإمام الحطاب بعد ما جلب من النقل في ذلك: فعلم أن كلامه في المدونة مخالف لمشهور مذهبه، وكذلك كلام الموازية الذي نقله ابن عرفة. والله أعلم. انتهى. الخامس: قال الشيخ إبراهيم: فإذا كان يحصل بتجريده قرب الحرم ضرر فالظاهر أنه يؤخر الإحرام والتجريد إلى دخول الحرم، كما أن الظاهر من كلامهم أنه إذا كان يحصل بتجريده الضرر فإنه يحرم عنه بغير تجريد ويفدي.

стр. 2490

ومطبق، معطوف على رضيع، وهو صفة لمحذوف؛ يعني أن الولي يحرم ندبا عن المجنون المطبق قرب الحرم ويجرده، وَأَجْرِهِ في جميع أحكامه على ما مر في الصبي غير المميز من غير فرق بينهما يا فتى، والمطبق هو الذي لا يفهم الخطاب، ولا يحسن رد الجواب، ولو كان يميز بين الإنسان والفرس، واحترز بالمطبق عن الذي يفيق أحيانا، فإنه ينتظر ولا ينعقد عليه إحرام غيره، فإن علم بالعادة أنه لا يفيق حتى ينقضي الحج صار كالمطبق كما قاله غير واحد، ولو أحرم الولي عن المطبق ثم أفاق بعد إحرام وليه عنه فالظاهر أن الإحرام يلزمه وليس له رفضه وتجديد إحرام بالفرض، ولا يجزئه عن الفرض. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. لا مغمي؛ يعني أن الولي لا يحرم عن المغمى عليه؛ أي لا يصح إحرامه عنه ولا يندب، أحْرَمَ بفرض أو نفل. وقوله: "لا مغمي"؛ يعني ولو خيف فوات الحج لأنه مظنة عدم الطول ويرجي زواله بالقرب غالبا، بخلاف المطبق فإنه شبيه بالصبي لطول مدته، وصح الإحرام عن الصبي لأنه يتبع غيره في أصل الدين، فإن لم يفق المغمى عليه إلا بعد زمن الحج فلا شيء عليه، فإن أفاق في زمن يدرك الوقوف فيه أحرم وأدركه ولا دم عليه في عدم رجوعه إلى الميقات، وسيأتي حكم طرو إغمائه بعد إحرامه إن شاء الله تعالى. وفي الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أن للمغمى عليه قبل الإحرام أربع حالات: الأُولَى: أن لا يفيق أصلا من أول الحج إلى كماله، الثانية: أن يفيق في أثناء الحج بعد وقت الوقوف فهذا قد فاته الحج في الصورتين، الثالثة: أن يفيق بعرفة فهذا يحرم حينئذ ويلبي إلى الزوال إن كانت إفاقته قبل الزوال، وإن كانت إفاقته بعد الزوال فيلبي ثم يقطع في حينه على المشهور، الرابعة: أن يفيق قبل عرفة فإن أمكنه أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه فالأحسن له أن يرجع، فإن لم يفعل وأحرم من موضعه أجزأه ولا دم عليه. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. والمميز بإذنه، قوله: "والمميز"، عطف على قوله: "ولي"، أو فاعل فعل محذوف تقديره: يحرم، والضمير في "بإذنه"، عائد على الولي؛ يعني أن الصبي المميز يحرم عن نفسه من الميقات، لكن إنما يحرم بإذن وليه، والمميز هو الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجوابْ ومقاصد الكلامْ، ولا ينضبط بسن مخصوص بل يختلف باختلاف الأفهام، قال الشبراخيتي: ومن أحرم ثم بلغ، فقال

стр. 2491

الإمام مالك: لا يرفض إحرامه ويتمه ولا يجزئه، وقال أبو حنيفة: يجدد النية ويجزئه، وقال الشافعي: يجزئه من غير تجديد، وعلى هذا اختلافهم في العبد يعتق بعد إحرامه. انتهى. وقد مر هذا، وقال عبد الباقي: ويحرم المميز حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، وكذا السفيه المولى عليه بإذنه -أي الولي- وجرد قرب الحرم إن لم يناهز البلوغ، فإن ناهزه فمن الميقات. قاله في المدونة. انظر أحمد. فإذا أحرم بإذنه فلا يحلله، وإلا فله تحليله؛ يعني أن المميز إذا أحرم بحج بغير إذن وليه فإن الولي له تحليله أي إخراجه مما أحرم به وإمضاؤه بما يراه مصلحة، وإنما يحلله بنية وحلاق معا، ولا يكفي رفضه النية؛ لأن الحج لا يرتفض بها، وإذا أراد الولي الرجوع بعد الإذن وقبل الإحرام فالظاهر أن له الرجوع كالعبد، بل هذا أولى ولا سيما إذا كان بمصلحة. قاله الحطاب. تنبيهات: الأول: إذا أحرم ولي المميز عنه، هل ينعقد بذلك إحرام المميز؟ قال الإمام الحطاب: للشافعية فيه قولان، والأصح عندهم الانعقاد، والجاري على المذهب أنه لا ينعقد لأن القاعدة أن كل فعل يمكن للصبي فعله فلا يفعله الولي عنه، ولا شك أن المميز يمكنه مباشرة الإحرام فلا يصح أن يفعله الولي عنه. فتأمله. والله أعلم. الثاني: فهم من المصنف أن إحرام الصبي بغير إذن وليه منعقد، وأن تحليله له جائز، قال أشهب في الموازية: إذا أحرم العبد فحلله سيده ثم أعتق، أو حلل الصبي وليه ثم بلغ، فإنهما يحرمان بالحج ويجزئهما عن حجة الإسلام، قال سند: وهذا يقتضي انعقاد إحرامه، وإنما للولي النظر في إمضائه ورده وهو الأظهر لأنه تنعقد صلاته، واختلف في هذا الفرع أصحاب الشافعي. الثالث: قال ابن عرفة: وللسيد تحليل ذي رق أحرم بغير إذنه، وشَكُّ ابن عبد السلام في جواز تحليل الصغير والكبير السفيه قصورٌ لقبول الصقلي والشيخ قول أشهب: لو أعتق أو بلغ عقب تحليله سيده أو وليه فأحرم لفرضه أجزأه، وسماع ابن القاسم إحرام المولى عليه لسفه لا يمضي، وقبله الشيخ، وتعليلُه ابنُ رشد بأنه قبل أشهر الحج وميقاته بعيدٌ. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب.

стр. 2492

ولا قضاء؛ يعني أن الصبي المميز إذا أحرم بغير إذن وليه وحلله الولي، فإنه لا قضاء على الصبي لما حلله منه الولي، لا قبل البلوغ ولا بعده، ومثل الصبي المميز السفيه المولى عليه. فتحصل من هذا ومما مر قريبا أن السفيه البالغ إذا أحرم بغير إذن وليه أنه كالصبي المميز إذا أحرم بغير إذن وليه في جواز التحليل وعدم القضاء. بخلاف العبد؛ يعني أن العبد البالغ إذا أحرم بغير إذن سيده فإن له أن يحلله، وإذا حلله فإن عليه قضاء ما حلله منه؛ أي يلزمه قضاؤه في حال الرق إن أذن له السيد في القضاء، وإن لم يأذن له فإنه يلزمه القضاء إذا أعتق، وأما العبد الصغير فإنه داخل تحت قوله: "والمميز بإذنه وإلا فله تحليله ولا قضاء"، وقد علمت أن العبد البالغ يلزمه قضاء ما حلله سيده منه في حال الرق إن أذن له السيد، فإن منعه من القضاء في حال الرق فإنه يلزمه القضاء بعد العتق، ويقدم القضاء على حجة الإسلام كما يأتي، فإن قدم حجة الإسلام على القضاء صحت، ومثل العبد المرأة إذا أحرمت في التطوع بغير إذن زوجها فله تحليلها وعليها القضاء كما سيقوله المصنف في موانع الحج وعليها القضاء كالعبد. والفرق بين السفيه والعبد والمرأة أن الحجر على السفيه لحق نفسه وهو مع الحجر وبعده، والحجر على العبد والمرأة لحق غيرهما، فإذا زال بالتأيم والعتق وجب القضاء، وإذا أذن للمميز أو الرقيق وأراد منعه قبل الإحرام، فلأبي الحسن على المدونة: للسيد منع عبد أذن له قبل الإحرام لا بعده، وهو الموافق لما مر في الاعتكاف، وفي الشامل: ليس له منعه وإن لم يحرم على الأظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وأمره مقدوره؛ يعني أنه يجب على الولي أن يأمر المحجور الذي يقبل الأمر وإن لم يكن مميزا بالمعنى المذكور في فصل الجماعة؛ بأن يأتي بما يقدر عليه من أفعال الحج وأقواله، ويلقن التلبية والذكر إن قبل التلقين. قاله عبد الباقي. والمذكور في فصل الجماعة هو قول المصنف: "وصبي عقل القربة كالبالغ"، وأما الذي لا يفهم الخطاب فيدخل تحت قوله: وإلا، مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإلا بأن عجز عن شيء أو لم يكن مميزا بمعنى أنه لا يفهم الخطاب، أو كان مطبقا ناب عنه؛ يعني أن الولي ينوب عنه في فعل ما لا يقدر على فعله إن قبلها؛ يعني أن محل فعل الولي لما لا يقدر عليه المحجور إنما هو فيما يقبل النيابة، ومثل لذلك بقوله:

стр. 2493

كطواف، وسعي ورمي، وفي جعله الطواف ونحوه مما يقبل النيابة نظر، فإن حقيقة النيابة أن يأتي النائب بالفعل دون المنوب عنه كما في الصحاح، والطواف والسعي ليسا كذلك بل لا بد أن يطاف به ويسعي به محمولا ويقف به بعرفة، فحقه أن يمثل لما يقبل النيابة بالرمي والذبح. لا كتلبية؛ يعني أن الولي لا يفعل ما عجز عنه محجوره إذا لم يقبل ذلك الأمر النيابة، وذلك كتلبية وركوع؛ يعني أن الركوع للإحرام أو للطواف لا يقبل النيابة فلا يفعله الولي، وإذا قلنا إن ما لا يقبل النيابة لا يفعله الولي فإنه يسقط، قال في التوضيح: كل ما يمكن الصبي فعلُه فعلَه بنفسه، وما لا يمكنه فعلُه فإن قبل النيابة فعلَه (١) عنه وإلا سقط، وما ذكره المصنف من السقوط في التلبية والركوع هو المشهور، وقيل يلبي عنه، وقيل يركع عنه، وقد علمت أن المشهور السقوط، وقد ثبت أنه لا يصلي أحد عن أحد، وسيأتي للمصنف أنه إذا طاف شخص بصبي أو مجنون طوافا واحدا ينوي به عن نفسه ومن معه لم يجز عن واحد منهما، والرمي مثله بخلاف السعي، وحيث أراد فعل واحد من الثلاثة عن نفسه وآخر منها عن صبي وجب تقديم ما لنفسه، وسكت المصنف عن اشتراط الطهارة في الصغير، والظاهر اشتراطها فيه كالكبير. قاله الحطاب. أي فيما يمكن طهارته لا كالرضيع. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الخرشي: وسكت المصنف عن شروط الطواف من طهارة حدث وخبث وستر عورة، وكون البيت عن يساره، والخروج عن الشاذروان، قاله بعض. والظاهر اشتراطها كما في الكبير؛ لأنهم لما ذكروا هذه الشروط لم يخصوا بها أحدا. انتهى. وقوله: قال؛ يعني به الحطاب. والله سبحانه أعلم. وذكر ابن فرحون في ألغازه في باب الحج أن الصغير الذي لا يميز الطهارة ولا يمتثل ما يؤمر به يشترط في صحة طوافه ستر العورة وطهارته من الخبث، ولا يبطل طوافه بطرو الحدث الأصغر عليه. قاله الحطاب. وحكم المجنون المطبق في جميع ما ذكر حكم الصبي، ففي المدونة: والمجنون في جميع أموره كالصبي. وأحضرهم المواقف، الضمير البارز للرضيع والمطبق والصبي المميز؛ يعني أن الولي لا بد أن يحضر الصبي -مميزا أو غيره- والمجنون المطبق مواقف الحج،

стр. 2494

والمراد بها: عرفة ومزدلفة ومني، ولا ينوب عنهم في ذلك، فأفاد المصنف بقوله: "وأحضرهم المواقف"، أن المواقف مما لا يقبل النيابة. وبما قررت علم أن الجمع في المواقف على حقيقته، فقول بعضهم: إن المراد بالمواقف عرفة وجمعت باعتبار أن كل موضع منها يَصِحُّ فيه الوقوف غير ظاهر؛ لأنه لا يطلب منه إحضاره في جميع أجزاء عرفة، وكذا تفسير بعضهم المواقف بعرفة ومزدلفة، وقال: أقل الجميع اثنان لأن منى من المواقف أيضا لأنه يطلب فيها الوقوف إثر رمي الجمار. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي بعد أن ذكر ما ذكره الحطاب: وعلي كل ففيه تغليب لأن الموقف حقيقة عرفة وهو واحد، ولو قال: المشاهد، كان أحسن؛ أي يطلب من الولي أن يحضرهم المشاهد التي يطلب فيها الحضور، كعرفة ومزدلفة ومنى وجوبا في عرفة وندبا في غيرها، وقوله: "وأحضرهم المواقف"، مثل الثلاثة المتقدمين (١) في ذلك: المغمى عليه إذا طرأ عليه الإغماء بعد الإحرام، ثم تكلم على من تكون نفقة المحجور لصبا أو جنون في السفر، قال عبد الباقي: وينبغي أن لا يخص ذلك بسفر الحج، بقوله: وزيادة النفقة عليه؛ يعني أن الولي إذا سافر بمحجوره صبيا أو غيره فزادت نفقته في السفر على نفقته في الحضر، كما لو كانت نفقته في الحضر ربع درهم في اليوم وفي السفر نصف درهم، فالزيادة عليه أي على الصبي؛ أي في مال الصبي. إن خيف ضيعة؛ يعني أن محل كون الزيادة المذكورة على الصبي إنما هو إذا كان الولي يخاف على الصبي الضيعة إذا تركه ولم يستصحبه معه في السفر، وإلا؛ أي وإن كان لا يخاف الولي على الصبي الضيعة إذا لم يسافر به، فالغارم لتلك الزيادة وَلِيُّهُ الذى سافر به لتعديه، والمراد بالولى الأب والوصى، وكل من كان الصبي في كفالته من أم وغيرها، قال في المدونة: وليس لأبي الصبي أوأمه أو من هو في حجره من وصي أن يخرجه وَيُحِجَّهُ وينفق عليه من مال الصبي، إلا أن يخاف من ضيعته بعده ولا كافل له فله أن يفعل به ذلك، وإلا ضمن له ما أكرى له به وأنفق عليه إلا قدر ما كان ينفق في مقامه. انتهى. قاله الحطاب.

стр. 2495

قول المدونة: وإلا ضمن له ما أكرى له به، لم يفصل في ذلك، وقال في الطراز: كراء الدابة على من سافر به إلا قدر كراء بيته في مدة سفره إن كان مسكنه بالكراء، ولا ضمان على الولي لما طرأ في السفر من صنع الله تعالى على نفس الصبي من غير تفريط، مثل أن يفر أو يموت أو يقتل؛ إذ لا صنع للآدمي في ذلك -ذكره صاحب الطراز- فيما إذا سافر به ولم يخف عليه الضيعة. والله أعلم. وقول المصنف: "إن خيف ضيعة"، الضيعة هي الضياع، والضياع بفتح الضاد الهلاك، ضاع الشيء يضيع ضياعا هلك، ولم يذكر المصنف حكم السفر بالصبي، قال سند في الطراز: السفر في أصله مضرة بالصبي في مُؤَنِهِ، ولمكان مشقته قصر المسافر وأفطر في رمضان، والصبي لا يسلك به وليه إلا سبيل المصلحة، فإن كان السفر مخوفا لشدة حر أو برد أو نحوه لم يجز له أن يخرج به لما فيه من التغرير به، وإن لم يكن مخوفا إلا أنه لا حاجة به إليه فالأب له أن يحمله معه لما في صحبته حينئذ من حسن النظر ولكمال شفقته، وله أن يتركه بعده لما عليه في السفر من المشقة والكلفة، وغير الأب لا يخرج به إذا وجد من يكفله بعده، فإن خاف ضيعته حمله، ونفقة الصبي في ماله إذا سافر به لمصلحته؛ لأن سفره من مصلحته في هذه الحالة، وله حينئذ أن يحرم به لأنها مصلحة دينية لا كبير ضرر فيها على الصبي لأنه مع وليه. انتهى. وقال قبله: ولا يحج بالصبي إلا وليه أو وصية ومن له النظر في ماله؛ لأن ذلك يتعلق بإنفاق المال، فكان أمره أن له الولاية في ماله، وذلك الأب ووصيه وولي الحاكم، ولو كان في كفالة أحد بغير إيصاء فهل له ذلك؟ يختلف فيه، وقد قال مالك في الصبية من الأعراب تأخذهم السنة فيضمها الإنسان ويربيها ويريد تزويجها ومن أنظر لها منه؛ فعلى هذا إذا كان الصبي تحت أمه أو خالة أو عمة أو أخته وشبه ذلك يجوز له أن يحج به -يعني إذا خاف عليه الضيعة- وأما إن لم يخف عليه الضيعة فلا يحج به إلا الأب كما تقدم، وإن كان الأب حيا لم تسافر الأم به إلا بإذن الأب، وإن كان ميتا ولا وصي له فلها أن تسافر به إن خافت ضيعته. انتهي، قاله الحطاب.

стр. 2496

وقال: وينبغي أن يكون لها أن تسافر به وإن لم يخف عليه الضيعة إذا لم يكن له وصي لِمَالَهَا من الشفقة كالأب، بل هي أعظم، وهذا إذا كان السفر بعيدا مما تسقط به الحضانة وإلا جاز من غير إذن الأب والوصي كما يأتي في باب الحضانة. انتهى. ثم شبه المصنف بما بعدَ وإلَّا قولَه: كجزاء صيد، الجزاء بالمد والهمز مصدر جزاه بما صنع أي كافاه؛ يعني أن الصيد الذي صاده الصبي محرما في غير الحرم لازم لوليه جزاؤه، سواء خاف الولي على الصغير الضيعة أو لم يخف عليه الضيعة، وجزاء الصيد هو ما يجعل في مقابلته من النعم ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ كما في التنزيل، وأما إن ترتب عليه الجزاء في الحرم بأن قتله الصبي فيه محرما أولا فيفصل فيه كزيادة النفقة. قاله الحطاب. أي لأنه لا تأثير للإحرام فيه. وفدية؛ يعني أن الصبي إذا ترتبت عليه فدية للبس أو طيب أو غير ذلك، فإن الولي هو الذي يغرمها أي يلزمه غرمها مطلقا، سواء خيف على الصبي من تركه ضيعةٌ أم لا، بلا ضرورة، راجع لقوله: "وفدية"؛ يعني أن محل كون الفدية على الولي إنما هو إذا لم تكن عن ضرورة، وأما إن لبس الصبي مثلا لضرورة فإن الفدية تكون في مال الصبي، وقبله الشارح قال: وقاله ابن شأس، وتعقبه الحطاب بأنه ليس في كلام ابن شأس التصريح بأنها في مال الصبي. والحاصل من كلامهم هنا أن الذي به الفتوى هو أن الفدية على الولي سواء كانت هناك ضرورة أم لا، فتقييد المصنف الفدية بالضرورة لا مفهوم له، ولهذا قال الشيخ إبراهيم عند قوله "بلا ضرورة": لا مفهوم له، أو أن مفهومه مفهوم موافقة؛ إذ ظاهر المدونة وهو المذهب أنها على الولي مطلقا لضرورة أم لا. انتهى. ونحوه للشيخ عبد الباقي والشيخ الخرشي، وعبارة الخرشي: لا فرق بين كونها لضرورة أم لا؛ لأن الولي أدخله في عهدته بإحجاجه كما هو ظاهرها، وبعبارة أخرى نص المؤلف على المتوهم وأحرى لضرورة كما قاله الحطاب وهذا أحسن، وعبارة الشيخ الأمير: وما لزمه بالإحرام على الولي مطلقا. انتهى. وقوله: "كجزاء صيد"، هو الأشهر من أقوال ثلاثة،

стр. 2497

وعلى ما قررت به المصنف فالتشبيه غير تام، والقول الثاني هو ما في الموازية أنه يفصل في ذلك كالنفقة، ولا يحسن حمل كلام المصنف على هذا لأنه خلاف الأشهر، والقول الثالث أن ذلك في مال الصبي مطلقا، وعلى الأشهر الذي مشى عليه المصنف فالفرق بين زيادة النفقة حيث فصل فيها بين خوف الضيعة فتكون على الصبي أولا فتكون على الولي، وبين جزاء الصيد والفدية حيث كانا على الولي مطلقا؛ هو أن الولي كان قادرا على أن يصحبه من غير إحرام فلما أدخله في الإحرام صار كأنه هو الذي ألزمه ذلك، ولم يذكر المصنف حكم الهدي وذلك لأن موجب الهدي لا يكون غائبا إلا بتفريط من الولي، فإذا فرط فذلك عليه ويؤخذ ذلك من قوله في المدونة: وكل شيء وجب على الصبي من الدم في الحج فذلك على والده. والله أعلم. ولا مفهوم لقوله في الحج: فالحج والعمرة في ذلك سواء. قاله الإمام الحطاب. وإذا أفسد الصبي حجه فعليه القضاء والهدي. قاله المصنف في المناسك. وذكره غير واحد، وأصله في الموازية. قاله الحطاب. وقال سند في الطراز بعد أن ذكر كلام الموازية وخلاف الشافعية فيه: أما على قول أصحابنا فإن أعطينا وطأه حكم الجماع في نقض الطهارة لم يبعد أن يوجب عليه القضاء، وإن لم نعطه حكم الغسل والحدث فلا قضاء فيه. انتهى. وانظر هل يصح منه القضاء في حال صباه؟ للشافعية في ذلك قولان، وذكر ابن جماعة الشافعي في منسكه الكبير عن المالكية ما يقتضي صحة ذلك، فإنه قال في محرمات الإحرام والكلام على جماع الصبي: وعند المالكية أن حجه يفسد بذلك، وعليه القضاء والهدي، وأنه إذا بلغ في أثناء القضاء لا يقع عن حجة الإسلام. انتهى. قال الحطاب: ولم أر فيه نصا لأصحابنا، والظاهر من إطلاق المذهب الصحة. والله أعلم. انتهى. وشرط وجوبه؛ يعني أنه يشترط في وجوب الحج الحرية، فلا يجب على عبد ولا على من فيه بقية رق من مكاتب ومدبر ومعتق لأجل وأم ولد ومبعض ولو قل جزء رقه، وكما يشترط في وجوب الحج الحرية، يشترط فيه أيضا التكليف، فلا يجب على صبي ولو مراهقا، ولا على مجنون، ولا على ضعيف عقل. كوقوعه فرضا؛ يعني أن الإنسان إذا حج وهو رقيق ثم أعتق بعد ذلك فإنه يجب عليه أن يحج حجة الإسلام، ولا يكون حجه في حال الرق مسقطا لوجوب الحج عنه؛ لأن حج العبد لا يقع فرضا بحيث يجزئ عن حجة الإسلام ولو نوى به الفرض بتقدير عنقه، وكما

стр. 2498

يشترط في وقوعه فرضا الحرية، يشترط فيه أيضا التكليف، فإذا حج الصبي فلا يقع منه فرضا، فإذا بلغ وجب عليه أن يحج حجة الإسلام، ولا يسقط عنه الوجوب بحجه في الصبا ولو مراهقا ولو نوي به الفرض، ومثل الصبي المجنون وضعيف العقل وهو المعتوه، فلا يقع من الجميع فرضا، وقوله: "وشرط"، مبتدأ مضاف ووجوبه مضاف إليه، وخبر المبتدأ قوله: حرية، كما يعلم من التقرير، وقوله: وتكليف، عطف على الخبر كما يعلم من التقرير أيضا؛ أي يشترط في وجوب الحج ووقوعه فرضا أمران؛ أحدهما الحرية ثانيهما التكليف، والتكليف بالبلوغ والعقل، وسيأتي للمصنف تقييد الوجوب بالاستطاعة. ولما أطلق قوله: "كوقوعه فرضا"، ولم يقيده بإمكان الاستطاعة علمنا أنه لو تكلف الحج في الحالة التي لا يجب عليه فيها فإنه يقع فرضا، ويجزئه عن حجة الفرض إن أتي به على الوجه المقرر. واعلم أن شروط وجوب الحج ثلاثة: الحرية والتكليف والاستطاعة كما سيقول المصنف: "ووجب باستطاعة" لخ، وشروط وقوعه فرضا: ثلاثة أيضا الحرية والتكليف وعدم نية النفل؛ لأن غير المستطيع إذا تكلف وأداه وقع فرضا كما مر قريبا، وكذا السفيه إذا أداه بغير إذن وليه حيث لم يطلع عليه حتى فعله، فالظاهر أنه يقع فرضا إن أتى به على الوجه المشترط في الفرض. والله سبحانه أعلم. وقد مر أنه إذا أحرم بغير إذن وليه فله تحليله، وقد علمت أن المراد بالفرض حجة الإسلام؛ لأن المنذور يفعله العبد، وسيأتي للمصنف أن السفه من موانع الحج إلا بإذن وليه، فيزاد في السفيه إذن الولي، فتكون شروط الوجوب في حقه أربعة هذا هو الظاهر دون ما للرماصي. والله سبحانه أعلم. وقوله: "كوقوعه فرضا"، قال الشيخ الخرشي: الظاهر أن قوله: "كوقوعه فرضا"، مقدم من تأخير، والأصل: وشرط وجوبه حرية وتكليف كوقوعه فرضا، فاعترض به بين المبتدإ وخبره ولم يعطفه على المبتدإ ويخبر عنهما بخبر واحد، ليرجع قوله: وقت إحرامه، وما بعده لما بعد الكاف؛ يعني أن الحرية والتكليف إنما يعتبران في وقوع الحج فرضا وقت الإحرام.

стр. 2499

وبما قررت علم أن قوله: "وقت إحرامه"، ظرف لقوله: "حرية وتكليف"، لكن تقييدهما به إنما هو بالنسبة للوقوع فرضا لا ظرف لوقوعه ولا لوجوبه، فمن لم يكن حرا وقت الإحرام أو مكلفا لم يصح منه الفرض، ولو عتق العبد أو بلغ الصبي بعد ذلك قبل الوقوف وصح نفلا، ولا ينقلب فرضا ولا يرتفض إحرامه ولا يجزئهم إرداف إحرام عليه -قاله الشيخ عبد الباقي- وحجة الإسلام باقية عليهم. بلا نية نفل، حال من المضاف إليه الذي هو الضمير في إحرامه؛ يعني أنه يشترط في وقوع الحج فرضا: حرية وتكليف حاصلان وقت الإحرام، حال كون المحرم خاليا من نية نفل، بأن نوى به الفرض أو الحج أو أطلق وينصرف للفرض. قاله سند. فلو نوى النفل وقع نفلا ولم يقع عن الفرض بل الفرض باق عليه خلافا للشافعي، ويكره تقديم النفل على الفرض، وكذا يكره تقديم النذر على الفرض، ولا يصدق كلام المصنف بعدم النية بالكلية لعدم توهمه بأن يترك نية الحج من أصله، وما تقدم من أنه إذا لم يكن مكلفا أو حرا وقت الإحرام الذي أذن فيه السيد أو الولي لا يصح منه الفرض ولو صار من أهل الوجوب قبل الوقوف بعرفة لخ، هو المعروف من المذهب، وقال الشافعي وابن حنبل: يجزئهما إذا كان العتق والبلوغ قبل الوقوف، وأما أبو حنيفة فوافقنا في العبد ومنع انعقاد إحرام الصبي بالكلية، وفي المدونة: ولو أحرم العبد قبل عتقه والصبي أو الجارية قبل البلوغ تمادوا على حجهم، ولم يجز لهم أن يجددوا إحراما، ولا يجزئهم عن حجة الإسلام، ولفظ الطراز: قال مالك في الصبي يحرم ثم يبلغ عشية عرفة فيجدد إحراما: إنه لا يجزئه عن حجة الإسلام، وكذلك الجارية، وقال سند في الرد على الشافعي: لأن إحرامه انعقد نفلا إجماعا وما انعقد نفلا لا ينقلب فرضا كسائر العبادات، وكلام القاضي عياض مخالف للنصوص، وقال المشدَّالي بعد أن ذكر كلام صاحب الإكمال: وهذا النقل لا يعرف لغيره. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب. تنبيهات: الأول: قال الإمام الحطاب بعد ما ذكرته هنا: هذا الذي ذكرناه ظاهر إذا أحرم الصبي بإذن وليه والعبد بإذن سيده، أو أحرما بغير إذن الولي والسيد وأجازا ذلك، فإن أحرم الصبي بغير إذن وليه والعبد بغير إذن سيده ولم يعلم الولي ولا السيد حتى بلغ الصبي وعتق العبد، فلم

стр. 2500

أر في ذلك نصا صريحا، والذي يظهر من كلامهم أن للولي أن يحلل الصبي ولو بلغ إذا كان سفيها؛ لأنه سيأتي أن للولي أن يحلل السفيه إذا أحرم بغير إذنه، وقاله غير واحد، فيحلله من هذا الإحرام النَّفل ليحرم بفريضة الحج وهذا ظاهر، وأما إن بلغ الصبي رشيدا وانفك عنه الحجر فالظاهر أنه ليس له تحليله، وكذلك العبد إذا أحرم بغير إذن سيده ثم عتق فليس للسيد أن يحلله بعد أن عتق، ويتمادى على حجه وعليه حجة الإسلام. انتهى كلام الحطاب. الثاني: لو أحرم الولي عن المجنون المطبق ثم أفاق بعد إحرام وليه عنه، فالظاهر أن إحرام وليه يلزمه وليس له أن يرفضه ويجدد إحراما بالفرض. قاله الحطاب. الثالث: قال البساطي: ولا يجب على صبي ولا مجنون ولا معتوه. انتهى. قال الحطاب: إن كان مراده بالمعتوه المجنون -كما فسره به ابن رشد، فقال: المعتوه الذاهب العقل- فلا يصح منه نية ويعيد من ائتم به أبدا، فلا يصح عطفه عليه وإن كان مراده به ضعيف العقل كما هو الغالب في استعمالهم، فالظاهر أن الحج يسقط عنه. انتهى. الرابع: قد مر أن من لم يكن مستطيعا وتكلف الحج يجزئه عن الفرض، ولا يقال: كيف يجزئ ما ليس بفرض عن الفرض؛ لأنا نقول إنه في الحقيقة لما حصل بموضع الحج والتمكن منه وجب عليه فأجزأه فعله، وظاهر نصوصهم أنه يجزئه ولو تكلفه بالكلية، وقال الحطاب: ولو قرن النفل مع الفرض فجعله البساطي بمنزلة من نوى النفل ولم أره لغيره. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وما قاله البساطي هو ظاهر كلام المؤلف. والله سبحانه أعلم. ووجب باستطاعة؛ يعني أن الحج يجب على من استطاع إليه سبيلا، لقوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ولم يقل المصنف: واستطاعة، بالرفع عطفا على حرية لاقتضائه أنه يشترط في وقوعه فرضا الاستطاعة، كما أنها مشترطة في الوجوب وليس كذلك كما عرفت؛ إذ لو تكلفه غير المستطيع ممن هو صرورة وقع فرضا كما عرفت، قاله غير واحد، وقال الحطاب: إن الاستطاعة سبب للوجوب، قال: وإفرادها عن شروط الحج وعدم عطفها عليها وإدخال الباء الدالة على السببية عليها يدل على أن مراده ما ذكرناه، قال: وأكثر أهل المذهب يجعلون الاستطاعة من شروط الوجوب، وإذا وجدت شروط وجوب الحج فإن كان بينه

стр. 2501

وبين زمانه وقت واسع كان وجوبه موسعا، ومتى سعى فيه سعى في واجب، وإن مات قبل فوت وقته سقط عنه كما إذا طرأ العذر في وقت أداء الصلاة، فإن لم يخرج إلى الحج حتى فات الحج فقد استقر الوجوب عليه، لكنه إن مات سقط الوجوب عنه بموته عندنا، ولا يلزم ورثته ولا ماله شيء إذا لم يوص بذلك. قال صاحب الطراز: وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: إن مات قبل مضي زمن الحج فلا شيء عليه، وإن مات بعده فذلك في رأس ماله. انتهى. ثم أبدل من قوله: "باستطاعة"، قوله: بإمكان الوصول؛ يعني أن الاستطاعة هي أن يمكن الشخص أن يصل إلى مكة -شرفها الله تعالى- راجلا أو راكبا، بشراء أو كراء، وسئل إمامنا مالك رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، أذلك الزاد والراحلة؟ فقال: لا، والله ما ذلك إلا على طاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على المسير، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه ولا صفة في هذا أبين مما قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ورب صغير أجلد من كبير. انتهى. وقيل: الاستطاعة الزاد والراحلة، وهو قول سحنون وابن حبيب، ودليله ما رواه أبو داود والترمذي [أنه ﷺ سئل عن الاستطاعة، فقال: هي الزاد والراحلة] (١)، وأجيب عنه بأنه فهم عن السائل أنه لا قدرة له إلا بذلك، وقال ابن رشد: وما روي عن النبي ﷺ في الزاد والراحلة معناه في بعيد الدار، وحكي سند الإجماع على أن من كان دون مسافة القصر لا يعتبر في حقه وجود الراحلة، قال الحطاب: وأما الزاد فلا بد من اعتباره في القريب والبعيد. انتهى. وسيأتي أن الصنعة تقوم مقام الزاد، وقوله: بإمكان الوصول أي إمكانا عاديا لا بطيران ونحوه كما يفيده كلام بعضهم جزما لأنه خلاف ما وقع منه ﷺ ، وأما الإجزاء فلا مانع منه. قاله غير واحد. قوله: لأنه خلاف ما وقع لخ، قال محمد بن الحسن: الظاهر أنه لا دليل في هذا لأنه ﷺ أمكنه الوصول العادي. انتهى. وقال الأمير: فإن وقع أجزأ قطعا. انتهى. وقال عبد الباقي: أما الإجزاء فلا مانع إذ لا يحتاج الإجزاء

стр. 2502

لاستظهار بل يُجزم به، وتردد الشيخ زروق في الوجوب، فقال: أما الإجزاء فالظاهر أنه لا مانع منه، وأما الوجوب فمحل نظر. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: والظاهر الوجوب، لقوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقد مر قول محمد بن الحسن لأنه ﷺ أمكنه الوصول العادي. والله سبحانه أعلم. ومن غير المستطيع سلطان يخشى من سفره العدو على المسلمين بعده، أو يخشى عليهم من المفسدين من المسلمين أو اختلال الرعية أو ضررا عظيما يلحقه بعزله مثلا لا مجرد العزل فيما يظهر. انتهى. وفي الشبراخيتي أنه يعتبر في وجوب الحج وجود الماء في كل منهل، قال: وهذا متعذر الآن. بلا مشقة، الباء في قوله: "بإمكان الوصول"، للسببية كما مر، والظاهر في قوله: "بلا مشقة"، أنه حال من "إمكان"، وأن الباء للمصاحبة؛ يعني أن الاستطاعة هي أن يمكنه الوصول إلى مكة من غير مشقة فادحة، ولهذا قال: عظمت؛ يعني أن المشقة المسقطة لوجوب الحج هي المشقة العظيمة أي الفادحة، وهي المشقة الخارجة عن المعتاد في ذلك المحل بالنسبة للشخص، والفادحة من فدحه الدين أي أثقله، واحترز بقوله: "عظمت"، عن مطلق المشقة، فإن السفر لا يخلو عنها، ولذلك رخص فيه للمسافر في القصر والفطر. وفي الحديث الشريف عنه ﵊ أنه قال: [السفر قطعة من العذاب] (١)، وهو متفق عليه، وقال سند: المشقة على حسب الأحوال، فما هان تحمله لم يؤثر وما [صعب] (٢) أثر، وإذا فسرنا الاستطاعة بإمكان الوصول كما هو المشهور دخل في ذلك إمكان المسير وأمن الطريق، وإن فسرناها بالزاد والراحلة فهما شرطان زائدان. قاله الحطاب، ومعنى إمكان السير أن يبقى بينه وبين الحج زمان يمكن فيه السير المعتاد، وإذا تعذرت طريق للحج لخوفها أو لعدم مائها مثلا وكانت له طريق أخرى لم يسقط الوجوب عنه وإن كان أبعد، كما لا يسقط الوجوب عمن بعدت داره إلا أن يكون في كلا الطريقين عذر قاطع، وقد مر سقوط فرض الحج عن السلطان يخاف

стр. 2503

بخروجه إلى الحج اختلال أمر الرعية، وحينئذ فهل يستأجر من يحج عنه أولا؟ المشهور من المذهب كراهة الإجارة حينئذ وصحتها إن وقعت والحالة هذه. والله أعلم. ومقابل المشهور يقول بجوازها ابتداء، وقال أبو القاسم بن القاضي أبي السعادات: إن كان لا يرجي زوال ذلك فحكمه حكم المعطوب، فيجوز له الاستيجار، وإن رجي زوال ذلك لم يجز وهو كمرجو الصحة، فالسلطان المذكور إن تحقق أن ما خشيه من اختلال أمر الرعية وصف لا يرجى زواله فهو كالمعطوب، ومشهور المذهب جواز الاستنابة فيه بمعنى أن له أجر النفقة والدعاء، وإن رجي زواله فلا تجوز له الاستنابة كالمريض المرجو صحته. وأمن على نفس؛ يعني أنه يشترط في وجوب الحج أن يأمن مريد الحج على نفسه من القتل والأسر وعلى البضع، ولا خلاف في اعتبار ذلك. قاله الحطاب. وقوله: "وأمن على نفس"؛ أي من العدو واللصوص والسباع، وظاهر قول المصنف: "وأمن على نفس"، يشمل الخوف من الضرب والقطع، وكذا هو ظاهر كلام غيره. والله سبحانه أعلم. ومال؛ يعني أنه يشترط في وجوب الحج أن يأمن مريد الحج على ماله من اللصوص، جمع لص وهو في الأصل السارق، والمراد به هنا المحارب الذي لا يندفع إلا بالقتال، وأما السارق الذي يندفع بالحراسة فلا يسقط به الحج وهذا ظاهر. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي عند قوله "وأمن": معطوف على "لا". انتهى. وهو كالصريح في أن لا من قوله: "بلا مشقة"، اسم بمعني غير. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. وقال عبد الباقي عند قوله: "وأمن على نفس ومال": من عطف الخاص على العام أي على نفس من عدو بقتل أو أسر أو سباع، ومال من لصوص جمع لص مثلث اللام وهو في الأصل السارق، ولكن المراد به هنا المحارب، وأما السارق الذي يندفع بالحراسة فلا يسقط به الحج، ونحوه للشبراخيتي، قال: واعترض المصنف بأنه يستغني عن قوله "وأمن على نفس ومال" بقوله" "بلا مشقة عظمت"؛ لأن المشقة -العظيمة إذا انتفت فقد أمن على النفس والمال انتهى. إلا لأخذ ظالم ما قل، مستثنى من مفهوم مال؛ أي فإن لم يأمن على ماله سقط الوجوب إلا لأخذ لخ؛ يعني أن الخوف على المال يسقط وجوب الحج إلا أن يكون الخوف من أجل ظالم لص أو

стр. 2504

عشار لا يأخذ إلا قليلا بالنسبة للشخص المأخوذ منه لكونه لا يجحف، وهذا هو الذي عليه الأكثر، وللخمي أن المراد بالقليل هو القليل في نفسه، وفي الشارح عن أبي الحسن الصغير: واختلف فيمن لا يمكنه الوصول إلى الحج إلا بإخراج المال لسلطان جائر، فقال بعضهم: لا يجب عليه الحج، وقال الشيخ أبو بكر الأبهري: إن لم يمكنه إلا بإخراج المال الكثير الذي يشق ويخرج عن العادة لم يلزمه، وإن كان شيئا يسيرا فالحج واجب عليه، وقوله: "ما"، مفعول المصدر الذي هو أخذ. لا ينكث؛ يعني أنه إذا قلنا إن أخذ الظالم لليسير لا يسقط وجوب الحج، فإنما محل ذلك حيث كان الظالم لا ينكث أي لا يغدر ولا يرجع إلى الأخذ ثانيا، وأما إن كان يعود إلى الأخذ فإنه يسقط بذلك وجوب الحج، فلو علم منه النكث أو جهل حاله لم يختلف في سقوط الحج. قاله الشيخ زروق. نقله الشيخ إبراهيم. وقوله: على الأظهر، راجع لقوله: "إلا لأخذ ظالم ما قل"، ولا يرجع لقوله: "لا ينكث"؛ إذ اعتبار كونه لا ينكث متفق عليه، وعدم السقوط الذي استظهره ابن رشد هو قول الأبهري المتقدم ذكره، ومقابله سقوط الوجوب بأخذ ظالم ما قل. حكاه ابن القصار عن بعض الأصحاب. والقول بالسقوط هو اختيار ابن العربي وغيره. قاله الحطاب. ونقل الحطاب عن صاحب السراج وهو ابن العربي أنه قال: فإن طلب منه الظالم في الطريق أو في دخول مكة مالا فقال بعض الناس لا يدخل ولا يعطيه وليرجع، والذي أراه أن يعطيه، ولا ينبغي أن يدخل في ذلك خلاف، فإن الرجل بإجماع الأمة يجوز له أن يمنع عرضه ممن يهتكه بماله، وقالوا كل ما وقى المرء به عرضه فهو صدقة، فكذلك ينبغي أن يشتري دينه ممن يمنعه إياه، ولو قال الظالم للرجل: لا أمكنك من الوضوء والصلاة إلا بجعل لوجب أن يعطيه إياه، وظاهر هذا ولو كان يجحف به، وما قدمته مما يدل على أن قول المصنف على الأظهر صحيح، نقل الحطاب عن البرزلي ما يدل عليه، ونص الحطاب: رأيت في أول مسائل الحج من البرزلي في جواب سؤال عزاه لابن رشد ذكر فيه القولين، وصدر بالقول بعدم السقوط ما نصه: والأول أولى إن سأل يسيرا وعلم عدم غدره، قياسا على عادم الماء يلزمه شراؤه إن كان يسيرا لا يجحف، وإن أجحف لم يلزمه. انتهى. قال الشيخ إبراهيم: وذكره حلولو بأتم منه.

стр. 2505

تنبيهات: الأول: قال سند ما يأخذه الجند على بذرقة الحجيج ليدفعوا عنهم كل يد عادية، فقال الشيخ أبو بكر بن الوليد: هي من وجه تشبه سائر النفقات اللازمة؛ لأن أخذها للجند جائز؛ إذ لا يلزمهم الخروج معهم فهي أجرة يصرفونها في الكراع والسلاح والزاد، وهي من وجه تشبه الظلم لأن أصل توظيفها خوف قاطع الطريق. انتهى. ونقله ابن جماعة الشافعي في منسكه عن الشيخ أبي بكر وزاد عنه، وقد اتفق على جواز استيجارهم من يخفر من الأعراب واللصوص مع تجويز الغرر، وقال: إن أجرة الدليل تجب على المكلف، فلا يسقط بها الفرض. قاله الحطاب. ثم قال بعد جلب نقول: وتحصل من هذا أن أجرة الدليل وما يأخذه الجند ومن يحفظ الحجاج من اللصوص لا يسقط بها الحج. والبذرقة بفتح الموحدة وسكون الذال المعجمة، ويقال بالمهملة أيضا وفتح الراء وبعدها قاف ثم هاء تأنيث لفظة عَجَمِيَّةٌ معناها: الخفارة. قاله في القاموس. وقال النووي في تهذيبه: هو الخفير، وهو الذي يحفظ الحجاج ويحرسهم، وكأنها تطلق على المعنيين، والخفارة بضم الخاء المعجمة وكسرها وفتحها هي الذمة، فهي مثلثة، وقال الأمير: ويحرم إعانة غير القادر بما لا يكفيه قبل السفر؛ لأن سفره معصية وأثناء الطريق يواسى. انتهى. الثاني: الخفارة جائزة، وتوزع بحسب ما يخفر من الأموال والرءوس حيث ذهب الخفير أو نائبه لأنه عمل وإلا كان مجرد جاه فالأخذ عليه لا يجوز. قاله الشيخ المحقق الأمير. الثالث: أجرة الدال على الطريق على المسافرين على عدد رؤوسهم؛ إذ من معه دواب ولو كثرت كالمجرد منها في النفع بالدال، وهل يعتبر عدد رؤوس التابعين والمتبوعين وهو الظاهر؟ أو يعتبر رؤوس المتبوعين فقط؟ وإذا جرى عرف بشيء عمل به. قاله الخرشي. الرابع: قال الشيخ زروق: قول القائل: الحج ساقط عن أهل المغرب قلة أدب وإن كان الأمر كذلك، والأولى أن يقال: الاستطاعة معدومة في المغرب، ومن عَدِمَ الاستطاعة لا حج عليه، ورأيت كتابا في الرد على قائل هذه الكلمة ومن قالها من العلماء، فقصده التقريب إلى فهم العامة. انتهى. نقله الحطاب. وقال: وقفت على تأليف في الرد على قائل هذه الكلمة للشيخ أحمد بن محمد اللخمي السبتي، ولعله هو الذي ذكره الشيخ زروق، وأوله: سألت أيها الأخ عن قول من قال:

стр. 2506

الحج ساقط عن أهل المغرب، وذلك مذكور عن بعض من يعزى إلى الفقه من المتأخرين، ويأبى الله والمسلمون سقوط قاعدة من قواعد الإسلام، وركن من أركان الدين، وعلم من أعلام الشريعة عن مكلف في أفق من آفاق الدنيا وصقع من صقاع الأرض، وهذا معلوم في الكتاب والسنة والإجماع وأطال في ذلك. والصقع بضم الصاد المهملة وسكون القاف: الناحية، ويقال بالسين، ويحكى عن المازري أن الشيخ أبا الوليد أفتى بسقوط الحج عن أهل الأندلس، وأن الطرطوشي -بضم الطاء الأولى- أفتى بأنه حرام على أهل المغرب، وأن من غر وحج سقط فرضه ولكنه آثم. ورد ابن العربي على القائلين بمثل هذا، فقال: العجب ممن يقول: الحج ساقط عن أهل المغرب وهو يسافر من قطر إلى قطر، ويقطع المخاوف ومخوف البحار في مقاصد دينية ودنيوية والحال واحد في الخوف والأمن والحلال والحرام وإنفاق المال وإعطائه في الطريق وغيره لمن لا يرضى. انتهى. قال ابن المعلى: إشارة صوفية، وقال المازري: حضرت مجلس شيخنا أبي الحسن اللخمي وحوله جمع من أهل العلم من تلامذته، فأكثروا القولَ والتنازعَ في هذه المسألة، فمن قائل بالإسقاط ومن متوقف ساكت والشيخ رحمه الله تعالى ساكت لا يتكلم، وكان معي في المجلس الشيخ أبو الطيب الواعظ، وكنا ما أبصرناه، فأدخل رأسه في الحلقة وخاطب الشيخ اللخمي: إن كان سفك دمي أقصى مرادهم … فما غلت نظرة منهم بسفك دمي فاستحسن اللخمي هذه الإشارة من جهة المتصوفة لا من جهة المتفقهة، ولما فسر الاستطاعة بإمكان الوصول الخ من غير زيادة الراحلة والزاد على المشهور رد على مقابله بقوله: ولو بلا زاد وراحلة؛ يعني أن المكلف إذا أمكنه الوصول إلى مكة على ما مر فإنه يجب عليه الحج، ولو كان لا زاد معه ولا راحلة، واشترطهما سحنون وابن حبيب وابن أبي أويس لخبر أبي داوود والترمذي (أنه ﷺ سئل عن الاستطاعة، فقال: هي الزاد والراحلة)، وأجيب عن الحديث بأن بعض أهل العلم تكلم في راويه من قِبَلِ حفظه كما قاله الترمذي، أو بأنه خرج مخرج الغالب، أو أنه فهم عن السائل أنه لا قدرة له إلا بذلك.

стр. 2507

والراحلة الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك الرحول ويقال الراحلة للمركوب من الإبل ذكرا كان أو أنثى، وهذا الثاني هو المراد هنا والجمع رواحل، وسمي راحلة للرحل الذي عليه. لذي صنعة تقوم به، راجع لقوله: "بلا زاد"؛ يعني أن المكلف الذي لا زاد معه إذا كانت له صنعة تقوم به في سفره لزاده ولا تزري به -وعلم أو ظن عدم كسادها- فإنه يجب عليه الحج، وأما إن كانت تزري به أو علم أو ظن كسادها أو شك في ذلك فإنه لا تراعي تلك الصنعة، وقوله: وقدر على المشي، راجع لقوله: "وراحلة"، فهو لف ونشر مرتب؛ يعني أن المكلف الذي لا راحلة له يركب عليها إذا كان قادرا على المشي تحقيقا أو ظنا، فإنه يلزمه الحج، وظاهر المصنف كاللخمي ولو لم يكن المشي معتادا له، واشترط القاضي والباجي اعتياده، وقوله: "ظالم"، احترز به عما يأخذه الدال من المسافرين على دلالته على الطريق، فإنه جائز وليس فيه تفصيل، وقد مر أنها على عدد رؤوس المسافرين، ولا تعتبر الأمتعة والظاهر كما قاله غير واحد اعتبار عدد رؤوس التابعين والمتبوعين لا المتبوعين فقط كما مر. واحترز به أيضا عما يأخذه الجند ونحوه على حفظ المارة من موضع لآخر أو في جميع الطريق فإنه جائز، ويلزم الحج حينئذ كما أفتى به ابن عرفة. وللجواز ثلاثة شروط: أن لا يُجْحِفَ وإلا سقط الحج، وأن يمشوا هم أو خدمهم مع المارة وإلا حرم عليهم الأخذ لأنه أخذ على الجاه ولكن لا يسقط بذلك الحج، الشرط الثالث أن لا يكون لهم من بيت المال قدر يكفيهم في مقابلة حفظ المارة وإلا كانوا كالظالم. ثم إذا أخذوا على حفظ المارة فعلى عدد الرؤوس وقَدْرِ الأمْتِعةِ والدواب لاستواء الجميع في النفع بالحفظ من سارق ونحوه، وأما الدال على الطريق فإنما ينتفع به المسافرون فقط، فلذا كانت على عددهم دون أمتعتهم كما مر. قاله الشيخ عبد الباقي. كأعمى بقائد؛ يعني أن الأعمى إذا وجد من يقوده وهو قادر على المشي مثل البصير فيجب عليه الحج، وقوله: "كأعمى بقائد"؛ يعني ولو بأجرة وكان له مال يوصله. اللخمي: أو كان يتكفف حيث أمكن الوصول بلا مشقة خارجة عن المعتاد، وقوله: "كأعمى بقائد"، نبه به على أنه لا يشترط في الاستطاعة أن يكون المكلف صحيح الأعضاء جميعها، فلو كانت به زمانة في بعض أعضائه وأمكنه الوصول إلى مكة معها بلا مشقة عظيمة مع الأمن وجب عليه الحج، وذلك كالأعمى وأقطع اليدين وأشلهما والأعرج إذا قدروا على الوصول بلا مشقة

стр. 2508

عظمت وأمنوا، وكذا الأصم بل هو أحرى، قال الحطاب: ولذلك أتى بالكاف في قوله: "كأعمى بقائد". انتهى. وهو صريح أو كالصريح في أن الكاف في قوله: "كأعمى بقائد"، للتمثيل للمستطيع؛ إذ كاف التشبيه لا تُدْخِل. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. وقال ابن جماعة: مذهب المالكية وجوب الحج على الأعمى إذا وجد قائدا ولو بأجرة وقدر على المشي أو وجد المركوب، ومقطوع اليدين أو الرجلين كغيره عند الشافعية وهو مقتضى قول المالكية. انتهى. وإلا؛ أي وإن لم يمكن الوصول بلا زاد ولا راحلة ولا وجد ما يقوم مقامهما من الصنعة والقدرة على المشي انفرادا أو اجتماعا، فالصور ثلاث: فقدان الزاد والراحلة معا وما يقوم مقامهما، فقدان الزاد فقط وما يقوم مقامه، فقدان الراحلة فقط وما يقوم مقامها. اعتبر المعجوز عنه منهما؛ أي يعتبر في جانب وجوب الحج وجود ذلك المعجوز عنه؛ أي فيسقط عنه وجوب الحج في الصور الثلاث؛ لأن المعجوز عنه لم يوجد. وعلم مما قررت أن معنى قوله: "اعتبر المعجوز عنه منهما"، سقط عنه وجوب الحج الآن، ومتى وجد المعجوز عنه وجب عليه الحج. والله سبحانه أعلم. ويحتمل أن معناه اعتبر في جانب السقوط أي سقوط وجوب الحج فقد المعجوز عنه منهما؛ أي فلا يجب عليه الحج في الصور الثلاث لفقد المعجوز عنه الآن، فإذا وجده وجب عليه. والحاصل أن المراد بقوله: "اعتبر المعجوز عنه منهما"، على كلا الاحتمالين أنه يسقط عنه وجوب الحج حينئذ، فإن وجد المعجوز عنه وجب عليه الحج، فإن لم يقدر على المشي ولم تكن له صنعة اعتبر في حقه وجود الزاد والراحلة، فإذا قدر عليهما ولم يكن به مرض ولا ضعف يمنعه من الركوب فهذا يجب عليه الحج وإن لحقته فيه مشقة إلا أن تكون عظيمة، مثل أن يشق عليه ركوب المقتب والزاملة فيعتبر في حقه وجود المحمل، فإن لحقته فيه مشقة عظيمة اعتبر وجود غيره مما لا يلحقه فيه ذلك، وإن قدر على المشي ولم تكن له صنعة تقوم به اعتبر في حقه وجود الزاد المبلغ إلى مكة أو ما يرد به إلى بلده على ما يأتي من الخلاف، فإن كانت له صنعة إلا أنها لا تقوم به، فإذا وجد من الزاد ما يقوم به مع صنعته وجب عليه الحج، وإن كانت له صنعة تقوم به ولكنه لا يقدر على المشي

стр. 2509

اعتبر في حقه وجود الراحلة، فقوله: "منهما"؛ أي من الزاد وما ينوب عنه، ومن الراحلة وما ينوب عنها، فَأَيُّهُمَا عجز عنه لم يكن لعجزه عنه مستطيعا فلا يجب عليه الحج، وظاهر المصنف عدم اشتراط وجود الماء في كل منهل. ونقل عبد الحق اشتراطه عن بعض أهل العلم: ابن عرفة: ولهذا لم يحج أكثر شيوخنا لتعذر الماء غالبا في بعض المناهل، وحكاية الشامل قول عبد الحق بقيل تقتضي ضعفه، وكلام جمع يقتضي اعتماده، وأنه المذهب وهو الظاهر والمراد -والله أعلم- وجوده في المناهل المعتاد وجوده فيها غالبا لا في كل مرحلة. وقوله: "منهما"، من باب أحرى لو عجز عنهما فلا يجب عليه، ومن قدر أن يمشي بعض الطريق ويركب البعض ووجد إلى ذلك سبيلا لزمه الحج. قاله في الطراز، وهو واضح. قاله الحطاب. والظاهر من كلام أهل المذهب أنه يلزم تحصيل المركوب حيث كان لا يحج دونه، ولو كان لا يحصله إلا بأكثر من ثمن المثل. ابن فرحون: من قدر على الوصول إلى مكة إما راجلا أو راكبا بشراء أو كراء فقد لزمه فرض الحج. انتهى. وإن بثمن ولد زنا، متعلق بإمكان الوصول، فهو مبالغة في وجوب الحج، ورد على من يقول: إن الحج لا يجوز بثمن ولد الزنا. وهو الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه؛ يعني أن المكلف إذا لم يجد ما يحج به إلا ثمن ولد الزنى فإنه يلزمه الحج بذلك، ويجوز عتقه في الرقاب الواجبة وإن كان المستحب خلافه؛ وذلك لأن ثمن ولد الزنا حلال لمالكه لا شبهة فيه لأنه عبده، وإثم الزنا على أبويه، ولابن رشد ما يقتضي أن المستحب عند مالك أن لا يحج به؛ يعني لمن يملك غيره. قاله الحطاب. وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: [ولد الزنا شر الثلاثة] (١)، وفي حديث: [لا يدخل الجنة ولد زنية] (٢))، وفي حديث: [أنه ﵊ سئل عن عتقه، فقال: نعلان يعان بهما أحب إلي من عتق ولد الزنا] (٣)، وليست الأحاديث على ظاهرها، فالأول إنما قاله في رجل بعينه كان يؤذيه وبذلك فسرته عائشة رضي الله تعالى عنها لما بلغها ما حدث

стр. 2510

به أبو هريرة، وقالت: رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إجابة. وقد سئل ابن عمر عن ذلك، فقال: بل هو خير الثلاثة قد أعتقه عمر، ولو كان خبيثا ما فعل، وهو كما قال لأنه لا يؤاخذ بما اقترف أبواه، وقيل في معناه أنه حَدثَ عن شر الثلاثة أبويه والشيطان؛ أي فعلهم الخبيث لا أنه شر في نفسه والأول أولى لأنه مروي عن عائشة. وأما الحديث الثاني فالمعنى في ذلك من كثر منه الزني حتي نسب إليه كما ينسب إلى الشيء من أكثر منه، فيقال للمتحققين بالدنيا العاملين لها: أبناء الدنيا، ولمن أكثر من السفر: ابن سبيل، وعلى هذا يحمل الحديث الثالث قاله الحطاب. ويتحصل من كلامهم هنا أنه يجوز الحج بثمن ولد الزنا إذا كان معه غيره، وإن لم يكن معه إلا ذلك وجب عليه أن يحج به، وقد مر أن المستحب خلافه لمن معه غيره. ابن رشد: وأما ولد الزني فعتقه جائز في الكفارة بإجماع من مالك وأصحابه، وقال القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة: هو قولنا وقول فقهاء الأمصار، وحكي عن قوم منع ذلك، وأما الكلب المأذون في اتخاذه فعلى القول بجواز بيعه فهو كثمن ولد الزنا وهذا القول قد شهره بعضهم، وعلى القول بمنع بيعه وهو المشهور الذي مشى عليه المصنف في باب البيع فروى أشهب أنه يفسخ إلا أن يطول، وروى ابن عبد الحكم: يفسخ وإن طال، وصدر في الشامل بالأول، وعطف الثاني بقيل، فعلى أنه لا يفسخ مع الطول إذا باعه وطال الأمر لزمه أن يحج بثمنه، ولو قتله شخص وجب عليه قيمته وكانت حلالا لمالكه، ويجب عليه أن يحج بها إن كان فيها كفاية أو كمل بها ما عنده، وأما غير المأذون في اتخاذه فلا خلاف في عدم جواز بيعه، وأنه لا يحل ثمنه، وأنه لا قيمة على من قتله. والله أعلم. قاله الحطاب. أو ما يباع على المفلس، مفرع على القول بوجوب الحج على الفورية؛ يعني أنه ليس من شرط الاستطاعة أن يكون عند الشخص من الدنانير والدراهم ما يصرفه في حجه، بل يلزمه أن يبيع من عروضه ما يبيعه القاضي على المفلس من ربع وعقار وماشية وخيل ودواب وسلاح ومصحف وكتب العلم وإن كان محتاجا إليها فيحج بذلك ويبيع ثياب جمعته إن كثرت قيمتها وكان في ثمنها ما يحج به أو ما يكمل ما يحج به، وسيأتي إن شاء الله تعالي بيان ما يباع على المفلس في

стр. 2511

محله. وقوله: "أو ما يباع" عطف، على "ولد"؛ أي وإن بثمن ما يباع على المفلس، وأما قوله: أو بافتقاره، فمعطوف على قوله: "بثمن"، لكن الباء في قوله: "بثمن"، باء الآلة، والباء في هذا بمعني: مع، كما يظهر من صنيع الشارح؛ يعني أن الحج يجب باستطاعة بإمكان الوصول وإن مع افتقاره بعد الحج، وإيضاح ذلك أن من كان معه ما يكفيه لسفره للحج لكن إذا سافر وحج يصير فقيرا لا شيء له ولا لأهله يجب عليه الحج من غير نظر إلى ما يؤول إليه أمره وأمر أهله؛ إذ يصدق عليه أنه مستطيع وهذا هو المشهور. أو ترك ولده للصدقة، عطف على قوله: "بافتقاره"؛ يعني أن المكلف إذا كان له أولاد تلزمه نفقتهم ومعه ما ينفقه عليهم، فإذا حج لم يبق لهم شيء بل يتركهم للصدقة يأكلون منها فإنه يجب عليه الحج ويتركهم للصدقة؛ لأنه يصدق عليه أنه مستطيع بناء على أن الحج على الفور، ومثل الولد الأبوان الفقيران، فلو قال: وإن بترك من تلزمه نفقته لكان أتم فائدة. قاله الشيخ إبراهيم. إن لم يخش هلاكا، قيد في المسألتين، وقوله: "هلاكا"، وكذلك شديد الأذى؛ يعني أن محل وجوب الحج على المكلف فيما إذا كان يفتقر بعد الحج، وفيما إذا لم يبق لولده شيئا إنما هو حيث لم يخش بعد ذلك هلاكا ولا شديد أذي على نفسه أو ولده، وأما إن خشي ذلك على نفسه أو ولده فإنه يسقط عنه فرضية الحج؛ لأن خشية الهلاك على من ذكر تسقط عنه فرضية الحج. وقوله: "أو ترك ولده للصدقة"، قد مر قريبا أن هذا على الفور، وأما على التراخي فلا إشكال في تبدئة نفقة الولد، فإن قيل: لم بدئ بالحج على نفقة أولاده حيث لم يخش عليهم هلاكا ولا شديد أذى وإلا أنفق على ولده وسقط عنه الحج، وفي التفليس يؤخذ جميع ماله ولا يترك له من نفقة الأولاد إلا ما يعيشون به الأيام وإن خشي عليهم الضيعة والهلاك؟ فالجواب أن الفرق بينهما أن المال في التفليس للغرماء، والغرماء لا يلزمهم من نفقة أولاده إلا ما يلزم جميع المسلمين من المواساة، وفي الحج المال ماله وهو يلزمه نفقة أولاده فافترقا وهذا بين. قاله الحطاب. وقد مر أن حكم نفقة الأبوين حكم نفقة الولد، قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وعلم من هذا أن من له أولاد يخرج عنهم، وإن تكففوا حيث لم يخش عليهم الهلاك أو شديد الأذى.

стр. 2512

انتهى. وأما نفقة الزوجة فتقدم على القول بالتراخي، ويقدم الحج عليها على القول بالفور، فإن شاءت صبرت أو فارقت وهذا ما لم يخش بطلاقها الوقوع في الزنا ولو بغيرها وإلا ترك الحج، ولا يجب على الشخص التوفير والجمع حتى يصير مستطيعا، والرجل الأعزب يكون معه ما يتزوج به أو يحج به، قال: يحج ولا شك فيه على الفور، وأما على التراخي فقال ابن رشد: الحج أولى فإن تزوج لم يفسخ بلا خلاف -كما في الحطاب- وكان آثما على الفور. وهذا إذا لم يخش العنت وإلا تزوج. قاله مالك في المدونة. قال بعضه الشارح، وقال بعضه الشبراخيتي. وقوله: وإن بتركه ولده، قد تقدم أنه على القول بالفور، وأما على القول بالتراخي فيعتبر ما ينفقه في ذهابه وعوده وما ينفقه على من يخلفه ممن تلزمه نفقته، ومن كان له حرفة تقوم به في ذهابه وعوده اعتبر ما يتركه من النفقة لأهله ولم يعتبر هو لأجل حرفته. وقال صاحب الطراز: وأما المرأة فإن قلنا للزوج منعها فمتى قدرت على الحج وعرض لها النكاح فلا تنكح حتى تحج، فإن نكحت قبله فالنكاح صحيح، وإن قلنا لا يملك الزوج منعها من الحج فلا يكره لها النكاح. انتهى. قال الحطاب: والمشهور أنه ليس منعها من الفريضة، وإذا خشى الرجل العنت لم يجز له تزوج الأمة ليستبقي ما يحج به؛ لأن الأمة لا تنكح مع استطاعة الطول للحرة. قاله الحطاب. تنبيهات: الأول: لو كانت له دار سكنها وخادم يحتاج إليها لا فضل فيهما عن كفايته، وإذا باعهما وجد مسكنا وخادما، يكتريهما ويفضل ما يحج به وجب عليه الحج على القول بالفور، ولو كان في ثمنهما فضل يحج به لوجب عليه الحج بالأولى. الثاني: لو كان ثمن الخادم والدار قدر كفاية الحج ولا يجد ما يكتري به لأهله دارا ولا خادما لجرى ذلك على حكم النفقة المتقدمة في قوله: "أو ترك ولده للصدقة"، فيجب على الفور إن لم يخش هلاكا أو شديد أذى، لا على التراخي لأنه لما عجز عن المتعين كان حق الآدمي أولى من حق الحج كما في الكفارة، فإن حق الآدمي مقدم عليها، ومن له دراهم يتسبب بها ويأكل من ربحها لزمه الحج بها إلا أن يخشي هلاكا أو شديد أذى، وهذا داخل تحت قوله: "أو بافتقاره".

стр. 2513

الثالث: من عليه دين للآدميين فقضاؤه مقدم على الحج، فإن كان على أبيه دين قدم الحج عليه، سواء قلنا إن الحج على الفور أو على التراخي، ولو كان الدين الذي عليه من ديون الزكاة فالظاهر أنه يجب عليه أن يؤدي دين الزكاة ويسقط عنه الحج لأن الزكاة يجب أداؤها على الفور إجماعا أو اتفاقا، وأما لو كان عليه دين كفارات فالظاهر أن الحج مقدم على ذلك لأنها على التراخي، والراجح في الحج الفورية ولأن لها بدلا وهو الصيام فيرجع إليه، ومن حلف بصدقة ربع وحنث وعليه الحج، قال: يحج به نفقة لا ترفه فيها ولا إسراف ولا هدية ولا تفضل على أحد، وما بقي بعد ذلك من ثمن الربع تصدق به. انتهى. ولو نذر صدقة ما بيده وكان إخراج ثلث ماله ينقص ما بيده حتى لا يبقى معه ما يقدر به على الحج فالظاهر أنه لا يلزمه لأنه نذر معصية. لأنه سيأتي أنه لا يجوز له التصدق بالمال الذي صار به مُسْتطيعًا، وكذا لو كان ماله كله شيئا معينا كعبد أو دار ونذر التصدق بذلك، فالظاهر أنه لا يلزمه لأنه نذر معصية، ولو حلف ليتصدق بذلك المال؛ فإن كانت يمينه بالله تعالى فليكفر عنها بغير الصوم إن كان الباقي بعد الكفارة يمكن الحج به، وإلا فليكفر بالصوم، وإن كانت يمينه بالطلاق فالظاهر على القول بالفور أنه يجب عليه أن يحج، ولو أدى لوقوع الطلاق إلا أن يخشى العنت، وهذا كله لم أر فيه نصا فليتأمل. والله الموفق للصواب. الرابع: إذا وجد ما يحج به فلا يجوز له أن يتصدق به، وكذا لا يجوز له أن يعتق (١) ما يحج به، فإن فعل فالعتق والصدقة ماضيان لوقوع العقد على شرائطه إلا أن ذلك جرحة في شهادته، ومن آجر نفسه سنة ثم أراد أن يحج فيها فللمستأجر منعه ولو قيل بالفور، ولا يمنعه من الصلاة لأنه لا كبير ضرر عليه فيها قاله في الطراز. قاله الحطاب. واعلم أن قولهم في الفروع المتقدمة: هذا على القول بأن الحج على الفور، يريدون أو في محل يتفق فيه على الفورية كما إذا خيف الفوات وهذا ظاهر. وقاله الشيخ زروق. قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم.

стр. 2514

لا بدين؛ يعني أن من لا يمكنه الوصول إلى مكة إلا بأن يتداين في ذمته كأن يقترض مالا ليحج به أو يشتري مالا في ذمته ليحج به، لا يلزمه ذلك حيث لم يكن عنده ما يقضيه به أو كان، ولا يمكنه الوصول إليه لبعده أو نحو ذلك وإلا وجب عليه الحج. وقال الشيخ محمد بن الحسن عند قوله "لا بدين": أي لا يجب عليه أن يشتري مالا في ذمته ليحج به وهو حينئذ مكروه أو حرام كما في الحطاب. أو عطية؛ يعني أن الشخص إذا أعطي عطية وكان لا يمكنه الوصول إلى مكة إلا بقبولها، فإنه لا يلزمه قبولها ليكون بذلك مستطيعا، وإذا لم يقبلها فالحج ساقط عنه، وإذا قبلها فلا إشكال في وجوب الحج عليه لكونه مستطيعا، وأما لو تداين وكان لا قدرة له على الوفاء به فقد مر أن قضاء الدين مقدم على الحج -وبالله تعالى التوفيق- والعطية تشمل الصدقة والهبة والهدية والوصية. تنبيهات: الأول: قال صاحب الطراز: إذا لم يكن له مال فبذل له مال ليحج به لم يلزمه قبوله عند الجميع إلا أن يكون الباذل ولده لما فيه من تحمل مشقة المنة، وأما إن بذل له الولد قرضا فلا يلزمه لأنه يكون عليه دينا والدين يمنع وجوب الحج، فبان من هذا أن قوله: "لا بدين"، عام في الولد وغيره، وأن قوله: "أو عطية"، مقيد بغير هبة الولد لوالده. والله سبحانه أعلم. ولابن العربي عن مالك وأبي حنيفة: لا يلزمه قبول هبة ابنه ويلزمه عند الشافعي، وما لسند أظهر ولابن رشد ما يوافقه. قاله الحطاب. الثاني: لا يُكْرِه السلطانُ المرءَ على أن يحجَّ أباه ولا على أن ينكحه على القول بالتراخي، وأما على الفور فيلزمه ذلك كما يلزمه أن يشتري ماء لغسله ووضوئه؛ إذ لا يسعه أن يؤخر ذلك من أمر دينه. قال الحطاب. وقد علمت أن الراجح أن الحج واجب على الفور، فيلزم حينئذ الولد أن يحجج (١) أباه ويلزم الوالد القبول، وإذا قلنا إنه لا يجب عليه الحج بالدين إذا لم يكن له جهة وفاء كما مر، فهل يباح له ذلك وهو فعل قبيح؛ لأنه يشغل ذمته وكانت بريئة؟ قاله المصنف. والقبيح هو المنهي عنه شرعا، سواء كان حراما أو مكروها، والمنع ظاهر إذا لم يُعْلِمْ من يقترض

стр. 2515

منه بأنه لا جهة وفاء له، وأما إذا أعلمه بذلك ورضي بإقراضه فالظاهر عدم المنع ولكنه خلاف الأولى؛ لأنه يشغل ذمته وكانت بريئة. والله أعلم. قاله الحطاب. الثالث: قد مر أنه لا يجب على الشخص أن يحصل ما يصير به مستطيعا؛ أي لا بصنعته ولا بغيرها، قال صاحب المدخل: ليس على المكلف أن يحتال في تحصيل شي، لم يجب عليه؛ لأن السلامة غالبا في براءة الذمة، وذمته الآن بريئة فلا يشغلها بشيء لم يتحقق براءتها فيه. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وهذا ظاهر في أنه لا يلزمه أن يؤاجر نفسه حتى يُعِدَّ ما يصير به مستطيعا، وأما إن كانت له راحلة أو قدرة على المشي، وكانت له صنعة تقوم به لزاده فقد علمت أنه يجب عليه الحج. والله سبحانه أعلم. أو سؤال، عطف على قوله: "بدين"؛ يعني أن الحج لا يجب على من لا يمكنه الوصول إلى مكة إلا بسؤال الناس، وقد مر أنه يلزمه الحج وإن كان يترك ولده أو والديه للصدقة. والله سبحانه أعلم. وقوله: مطلقا، معناه سواء كانت عادته السؤال ببلده أو لم تكن، وسواء كانت العادة إعطاءه أو لم تكن، أما إذا لم تكن عادته السؤال فلا خلاف في أنه لا يجب عليه الحج، سواء كانت العادة إعطاءه أولا، وكذلك إذا كانت عادته السؤال ولم تكن العادة إعطاءه، ففي هذه الصور الثلاث لا إشكال في سقوط الحج ولا في منعه إذا لم تكن العادة إعطاءه، سواء كانت عادته السؤال أم لا؛ لأنه من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وأما من عادته السؤال والإعطاء أي أنه يعطي ما يكفيه وعلم ذلك أو ظنه، فنصوص المذهب مصرحة بأن الحج واجب عليه. قاله الحطاب؛ يعني حيث قدر على المشي أو الراحلة، وأما من كانت العادة إعطاءه ولم تكن عادته السؤال فيختلف في خروجه على قولين: الكراهة والإباحة، والأرجح منهما الكراهة مع سقوط الحج اتفاقا. وقد علمت أن الخروج يحرم لكون العادة عدم الإعطاء، وحينئذ فقال صاحب المدخل: يتعين على من علم بحالهم إعانتهم بما تيسر في الوقت ولو بالشربة والشربتين واللقمة واللقمتين، ويعرفهم أن ما ارتكبوه محرم عليهم لا يجوز لهم أن يعودوا لمثله، وقال النووي في مناسكه: إنه يواسيهم ولا يوبخهم في خروجهم بلا زاد ولا راحلة.

стр. 2516

وقوله: "مطلقا"، قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه حال من قوله: "سؤال"، سوغ ذلك وقوعه بعد نفي. والله سبحانه أعلم. ولما فسر الاستطاعة بإمكان الوصول، خشي أن يتوهم أنه لا يعتبر ما يرد به فبيَّن حكم الرد بقوله: واعتبر ما يرد به، ومعنى كلام المصنف أنه يعتبر في الاستطاعة ما يوصل المكلف إلى مكة شرفها الله تعالى، وما يرد به إلى أقرب مكان يمكنه التمعيش فيه بما لا يزري به من الحرف، ومحل اعتبار وجود ما يرد به إنما هو إن خشي في بقائه بمكة -شرفها الله ضياعا على نفسه، وقوله: "ضياعا"، مفعول "خشي"، وما مشى عليه المصنف ذكره اللخمي وساقه كأنه المذهب، واقتصر عليه ابن عرفة وصدر به في الشامل، وقيل: يعتبر ما يرد به إلى بلده مطلقا، خشي ضياعا أم لا. ذكره ابن معلى عن بعض المتأخرين. وقيل: لا يعتبر مطلقا والراجح هو ما مشى عليه المصنف، ومفهوم قول المصنف: "إن خشي ضياعا"، أنه إن لم يخش في بقائه ضياعا لم يعتبر إلا ما يوصله لمكة فقط، ولا يعتبر ما يرجع به إلى غيرها، ولما ذكر أن المعتبر في الاستطاعة إمكان الوصول خشي أن يتوهم أن ذلك خاص بالبر بفتح الباء، فبين أنه لا فرق بين البر والبحر في ذلك، فقال: والبحر كالبر؛ يعني أن البحر في وجوب ركوبه على من تعين له طريقا للحج كالبر، فيجب عليه ركوبه على الشروط المتقدمة، ويجوز ركوبه أي البحر في الحج لمن له مندوحة عن ركوبه، وما مشى عليه المصنف هو المشهور، لقوله : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، ويبعد أن يمن الله تعالى على عباده بما لم يُبحْه لهم، وقد قيل إن فرض الحج ساقط عمن لا يقدر على الوصول إلى مكة إلا على البحر، لقوله : ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾؛ إذ لم يذكر إلا هاتين الصفتين وهو قول شاذ ودليل ضعيف؛ لأن مكة ليست داخلة في البحر، فلا يصل إليها أحد إلا راجلا أو راكبا، ركب البحر في طريقه أو لم يركبه. وفي الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من ذلك ثلاثة أقوال، الأول: المشهور وهو وجوب الحج من البحر لمن تعين عليه بشروطه وجواز ذلك لمن لم يتعين عليه، الثاني: سقوط الحج عمن لا يمكنه الحج إلا من البحر، الثالث: كراهة السفر فيه إلا لمن لا يجد طريقا سواه. انتهى. ودليل المشهور الآية المتقدمة وحديث أنس في الصحيح [أنه ﷺ نام عند أم حرام ثم

стр. 2517

استيقظ وهو يضحك، فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة] (١). الحديث. وما رواه أبو داوود عن عبد الله بن عمر أنه ﵊، قال: [لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله] (٢). إلا أن يغلب عطبه؛ يعني أن محل وجوب ركوب البحر حيث تعين طريقا للحج، وجوازه حيث لم يتعين إنما هو حيث لم يغلب على الظن العطب أي التلف في نفس أو مال، وذلك عند ارتجاجه وطغيانه، ويرجع في ذلك لقول أهل المعرفة. وقوله: إلا "أن يغلب عطبه"، يدخل فيه عطب الدين كالخوف من عدو الدين أو المفسدين من المسلمين. واعلم أن فائدة قوله: "والبحر كالبر" الخ، التنصيص على أعيان المسائل والرد على من يقول بالمنع مطلقا، وعلى من يقول بالمنع إلا فيمن لا يمكنهم الحج إلا بركوبه كأهل الأندلس، وكراهة ركوبه لغيرهم. وفي التوضيح: قال القاضي أبو الحسن: إن كان بحرا مأمونا يكثر سلوكه التجارُ وغيرهم فإنه لا يسقط فرض الحج، وإن كان بحرا مخوفا تندر فيه السلامة ولا يكثر ركوب الناس له فإن ذلك يسقط فرض الحج. انتهى. وفي التلقين: والبحر كالبر إن غلبت السلامة فيفيد أنه لا يجب الحج في حال تساوي العطب والسلامة، خلاف ما يفيده المصنف من وجوب الحج فيها. والله سبحانه أعلم. تنبيهان: الأول: اعلم أنه إذا غلب العطب في الطريق بحرا أو غيره حرم الخروج، وسئل اللخمي عمن خرج حاجا في طريق مخوفة على غرر ويغلب على ظنه أنه لا يسلم، هل هو من الإلقاء باليد إلى التهلكة، أو هو مأجور بسبب قصده إلى فريضة الحج أو التقرب بالنفل إن كان قد حج، أم ليس بمأجور ولا مأثوم؟ فأجاب: الحج مع هذه الصفة من الغرر ساقط، وتحامله بعد ذلك لا يُسلم فيه من الإثم، قال البرزلي: هذا بين على ما حكى ابن رشد أن من شرط جواز تغيير المنكر أن لا يخاف على نفسه، وأما على ما اختاره عز الدين من أنه جائز ولو خاف على نفسه لأن

стр. 2518

كثيرا ممن رأيناه فعل ذلك وسلم، فيحمل الأمر على الغالب فكذلك يكون هنا إذا صلحت نيته، وهذا إذا كان يعلم أنه يؤدي فرائض الصلاة وتوابعها. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب. الثاني: قد مر أنه يرجع في غلبة ظن العطب لأهل الخبرة، فما قالوا فيه يغلب العطب امتنع ركوبه، ونص الداوودي على أن من ركبه عند سقوط الثريا بريء من الله تعالى، وقوله: "إلا أن يغلب عطبه"، قد علمت أن المراد به أن لا يغلب عطبه بأن غلبت السلامة أو تساوى الأمران، وقد علمت أنه خلاف ما مر عن التلقين. أو يضيع ركن صلاة لكميد؛ يعني أنه يشترط في ركوب البحر للحج -فأحرى لغيره- أن يعلم الراكب أنه يوفي بصلاته في أوقاتها من غير أن يضيع شيئا من فروضها؛ بأن علم أنه لا يميد ميدا يؤدي إلى ضياع ركن من أركانها أو تضييع شرط كصلاته بالنجاسة لعدم الماء، وقوله: "يضيع"، بفتح أوله مضارع ضاع ثلاثيا، وبضمه وتشديد ثالثه مضارع ضيع رباعيا، فيرفع ركن على الأول على الفاعل وينصب على الثاني مفعولا به، وقوله: "لكميد"، أو ضيق مكان لا يستطيع السجود فيه إلا على ظهر أخيه. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي عند قوله "يضيع ركن صلاة": ومثل ركنها الإخلال بشرط من شروطها من استبراء أو نجاسة أو عورة أو قبلة أو إخراج عن وقت، ويقضي العالم بالميد ما خرج وقته في غيبة عقله كالسكران بجامع إدخال ذلك على نفسه، ولا يقضي غيره لعذره ويؤمر بالرجوع في الوجه الممنوع من أي وجه أمكنه. انتهى كلام عبد الباقي. وقوله: ويقضي العالم بالميد؛ أي من يعلم من نفسه أنه يميد إذا ركب البحر، كما سيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى، وما ذكرته من أنه يشترط في ركوب البحر للحج أن لا يضيع شيئا من فروض الصلاة ليس خاصا بالبحر، بل هو شرط في وجوب الحج مطلقا، قال في المدخل: قال علماؤنا: إذا علم المكلف أنه تفوته صلاة واحدة إذا خرج إلى الحج فقد سقط عنه الحج، وقال مرة: إن الحج إذا لم يمكن إلا بإخراج الصلاة عن وقتها وشبهه فهو ساقط، ونقل التادلي عن المازري أن الاستطاعة هي الوصول إلى البيت من غير مشقة مع الأمن على النفس والمال، والتمكن من إقامة الفرائض وترك التفريط وترك المناكر. انتهى.

стр. 2519

وقال ابن المنير: اعلم أن تضييع صلاة واحدة سيئة عظيمة لا توفيها حسنات الحج، بل الفاضل عليه لأن الصلاة أهم، فإن كانت عادته الميد ولو عن صلاة واحدة بركوب البحر أو الدابة ترك الحج، بل يحرم عليه الحج إذا لم يتوصل إليه إلا بترك الصلاة ولا يقصر في الاستبراء، ويجب عليه من الاستبراء ما يجب في الحضر. وفي الحطب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أنه إذا كان ركوب البحر يؤدي إلى الإخلال بالسجود فإنه لا يركب البحر ويسقط عنه الحج، وإن ركبه وصلى أعاد أبدا -هذا هو المنصوص- وإن أداه إلى الصلاة جالسا فيقتضي إطلاق المصنف والبرزلي وما قاله ابن أبي جمرة، وقياس اللخمي وابن عرفة وابن فرحون ذلك على السجود على ظهر أخيه أنه كذلك، ومقتضي كلام اللخمي في كتاب الصلاة وكلام صاحب الطراز أن ذلك لا يسقط وجوب الحج ولا يعيد الصلاة، وفي المدونة والعتبية أن من لم يستطع القيام في السفينة يصلي جالسا. انتهى. واعلم أن ركوب البحر على ثلاثة أقسام كما صرح به اللخمي وابن بشير وابن معلى وغيرهم جائز في حق من يعلم من نفسه أنه لا يميد ولا يضيع الصلاة، وممنوع في حق من يعلم من نفسه تضييع الصلاة، ومكروه في حق من يشك في ذلك. قاله الحطاب. هذا حكم ركوب البحر ابتداء. وتحصيل حكم ركوبه بعد الوقوع أنه إذا ركب البحر فهو مطلوب بالصلاة فيه على أي حال قدر عليها في الأقسام الثلاثة، ثم يختلف الحكم في إعادته بعد ذلك فيما إذا أخل ببعض الأركان، ففي القسم الجائز وهو من علم من نفسه السلامة لا شيء عليه إذا طرأ عليه شيء منعه من أداء الصلاة على وجهها، ولا يشك في عدم إعادته وهذا ظاهر، والظاهر أن حكم القسم المكروه وهو من شك في أمره كذلك لأنه لم يقدم على الإخلال بالصلاة ولا بشيء منها، وعليه يحمل ما في المدونة والعتبية أنهم إذا لم يقدروا على القيام في السفينة قعدوا، وما قاله ابن بشير أن من صلى في السفينة وأخل بفرض مع قدرته على الخروج إلى البر بطلت صلاته وإن كان لا يقدر صحت، وأما القسم الممنوع وهو من يعلم من نفسه تضييع الصلاة فإنه يعيد أبدا حيث أخل بشيء من فروض الصلاة. قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم. ودَعَّمَهُ بالنقول الكثيرة جدا، فإذا كان يعلم من نفسه أنه إذا ركب

стр. 2520

البحر حصل له ميد يغيب عقله منه ويغمى عليه فيترك الصلاة به بالكلية فلا خلاف في عدم جواز ركوب من كان بهذه المثابة، فخروجه للحج إنما هو شهوة نفسانية بل نزغة شيطانية. قال البرزلي: وقد شاهدت في سفري للحج بعض هذا -انتهى- نسأل الله تعالى العافية، فإذا حصل له ميد حتى غاب عن عقله بالكلية وخرج وقت الصلاة وهو غائب، فالظاهر أنه في الوجه الجائز والمكروه لا قضاء عليه، وفي الوجه الممنوع يقضي الصلاة، وإن خرج وقتها قياسا على السكران بجامع أن كلا منهما أدخل على نفسه شيئا يؤدي إلى ترك الصلاة إلا أن يكون الإغماء لمرض غير الميد فتسقط عنه الصلاة والله أعلم. قاله الحطاب. وإذا ركبه في الوجه الممنوع فالظاهر أنه يطلب بالنزول منه من أي موضع أمكنه النزول منه. والله أعلم. قاله الحطاب. وفي الرسالة: وتكره التجارة إلى أرض الحرب وبلد السودان، القلشاني: الكراهة قيل على ظاهرها وقيل على التحريم، وفي المدونة: وشدد مالك الكراهة في التجارة إلى بلد الحرب لجري أحكام الكفر عليهم، قال عياض: إن تحقق جري أحكام المشركين عليهم حرم، ويختلف إذا لم يتحقق هل يحرم أو يكره؟ وقوله: بلد السودان؛ أي الكفار منهم، والمركب يكون فيه الحكم للنصارى يجري الأمر فيه على ما شهر من الخلاف والتقصيل في السفر لأرض العدو. قاله الحطاب. وقال ابن معلي: وينبغي أن لا يقدم على ما يتساهل فيه من السفر مع الكفرة فإنه دائر بين التحريم والكراهة، وما ذكره ابن العربي في أحكامه من إباحة السفر إليهم لمجرد التجارة خلاف المذهب. انتهى. اللخمي: ويترجح البر الموصل من عامة على البحر المباح الموصل من عام آخر على القول بالتراخي، ويتعين على القول بالفور، فإن تساويا جرى على أيهما أحب. البرزلي إثره: والظاهر رجحان البر لكونه أكثر نفقة، ولمرجوحية ركوب البحر من حيث الجملة. انتهى. ويفهم من كلام اللخمي أنه لو كان البحر أسرع تعين على القول بالفور. قاله الحطاب. (والمرأة كالرجل)؛ يعني أن حكم المرأة كحكم الرجل في جميع ما مر من وجوب الحج عليها مرة في العمر، وسنية العمرة كذلك، وفي فورية الحج وتراخيه وشروط صحته وشروط وجوبه وغير ذلك

стр. 2521

لدخولها في عموم قوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، ولقوله ﵊: (بني الإسلام على خمس (١))، الحديث. وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال يا محمد: أخبرني عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتقيم الصلاة وتوتيَ الزكاة وتصومَ رمضان وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال صدقت فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال فأخبرني عن أمارتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبثت ثلاثا، ثم قال يا عمر أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال فإنه جبريل ﵇ أتاكم يعلمكم دينكم (٢))، انتهى. وقد مر الكلام على هذا الحديث قبيل باب الطهارة فراجعه إن شئت. (إلا في بعيد مشي وركوب بحر) مستثنى من مساواة المرأة للرجل؛ يعني أن المرأة لا يجب عليها الحج ماشية من المكان البعيد وإن قويت عليه بخلاف الرجل، والمراد بالمشي هنا المشي على الرجلين لا ما يصدق به وبالركوب، وقوله: "إلا في بعيد مشي"، فيكره لها ذلك، ولم يبين المصنف حد القرب الذي يجب عليها المشي منه وهو مثل مكة وما حولها مما لا يكون مسافة قصر، وقال اللخمي: مثل مكة من المدينة، قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أنه يختلف باختلاف الأشخاص، فنساء البادية لسن كنساء الحاضرة وأيضا كل منهما يختلف بالقوة والضعف.

стр. 2522

وركوب بحر؛ يعني أن المرأة تساوي الرجل فما يجب عليه في شأن الحج يجب عليها وما لا فلا، إلا في بعيد مشي فإنه لا يجب عليها أن تحج ماشية من المكان البعيد وإن قويت عليه كما عرفت، وإلا في ركوب البحر فإنه يجب عليه أن يركب البحر حيث تعين ركوبه طريقا للحج على ما مر في قوله: "والبحر كالبر إلا أن يغلب" الخ، وأما المرأة فإنه لا يجب عليها أن تركب البحر، بل يكره لها ركوب البحر نص عليه الإمام مالك رضي الله تعالى عنه، وإنما لم يحرم على المرأة المشي في البعيد لأنا لم نتحقق فيه انكشاف العورة، لكن الغالب عليهن العجز والضعف، فيئول بها الحال إلى التعب المؤدي إلى انكشاف العورة. والله أعلم. قاله الحطاب. (إلا أن تختص بمكان) مستثنى من قوله: "وركوب بحر"؛ يعني أن المرأة إذا كانت تخص بمكان عند ركوبها للبحر، فإنه يجب عليها الحج فتركبه وتخص بمكان في السفينة عن الرجال، ومثل اختصاصها بمكان في السفينة اتساع المكان بحيث لا تخالط الرجال عند حاجة الإنسان، وما ذكره المصنف من عدم لزوم المشي لها من المكان البعيد هو المنصوص لمالك في الموازية، والقول بلزوم المشي لها ولو كان المكان بعيدا خرجه اللخمي من قول مالك في المدونة في الحانث والحانثة، والمشي على الرجال والنساء سواء، قال في تبصرته: لأن الوفاء بحجة الفريضة آكد من النذر، وفرق في التوضيح بينهما بأنها لو كلفت بالمشي في الحج لزم منه عموم الفتنة والحرج بخلاف النذر فإنها صورة نادرة وقد ألزمت نفسها ذلك، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يكن عنده إلا قوت يوم الفطر لا يلزمه إخراجه في زكاة الفطر؟ ولو نذر إخراجه لزمه، وظاهر المصنف أنه لا يلزمها المشي من المكان البعيد ولو كانت متجالة وهو كذلك، وقال اللخمي بعد أن ذكر كلام مالك في كتاب محمد: وهذا يحسن في الرائعة والجسيمة ومن ينظر لمثلها عند مشيها، وأما المتجالة ومن لا يؤبه بها من النساء فيجب عليها كالرجل، فيكون قوله هذا ثالثا. قاله الحطاب. وعلم مما مر أنهما في نذر المشي سواء في اللزوم، وما تقدم من كراهة ركوبهن البحر هو قول مالك المنصوص له في الموازية والمجموعة والعتبية، وقوله: "إلا أن تخص بمكان"، قد وردت السنة بجواز ركوب النساء في البحر في حديث أم حرام (١))، فركوب النساء البحر جائز إذا كانت في سرير

стр. 2523

وما أشبه ذلك مما تستتر به وتستغني به عن مخالطة الرجال عند حاجة الإنسان، وإن كان على غير ذلك لم يجز ومنعت. قاله الحطاب. واعلم أن الباجي قد مال إلى ركوب البحر وإن أدى إلى تضييع بعض أركان الصلاة، وزيادة محرم، عطف على قوله: "إلا في بعيد مشي"؛ يعني أنه يشترط في وجوب الحج على المرأة أيضا وجود محرم، لما في الموطإ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ، قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها (١))، ورواه البخاري ومسلم بروايات مختلفة، وقوله ﷺ : تؤمن بالله واليوم الآخر على جهة التغليظ، يريد أن مخالفة هذا ليس من أفعال من يؤمن بالله تعالى ويخاف عقابه في الآخرة. قاله الباجي. والعلة في منعها في السفر مع غير ذي محرم كونها عورة، فيجب عليها التستر ويحرم عليها التبرج حيث الرجال، وقوله: "وزيادة محرم"؛ أي إلا في زيادة محرم كما علم من التقرير. أو زوج؛ يعني أن الزوج مثل المحرم، فلا بد في وجوب الحج على المرأة من أن يكون معها محرم أو زوج، سافرت ببر أو بحر، وقوله: "وزيادة محرم أو زوج"، قال الخرشي: أي وإلا في زيادة محرم أو زوج على الرجل، وقال عبد الباقي: وأراد المصنف بقوله: "زيادة محرم أو زوج"، زيادتهما على ما قدمه في معنى الاستطاعة وهو قريب من الأول أو هو هو، وقال الحطاب: لو قال عوضه: واستصحاب محرم أو زوج، لكان أولى. انتهى. وقوله: "أو زوج"، قد ورد النص على الزوج في الصحيحين (٢))، والمحرم يشمل النسب والرضاع والصهر، لكن كره مالك سفرها مع ربيبها، والظاهر أن ذلك لما بينهما من العداوة، فسفرها معه تعريض لضيعتها كما قاله المصنف، أو لفساد الزمان لحداثة الحرمة، فلا يرد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، الآية. وإنما كره مالك سفرها مع ربيبها حيث طلقها أبوه وتزوجت بعده. ابن القاسم: وما يعجبني أن يسافر بها فارقها أبوه أم لا. ابن رشد: كراهة الإمام أن يسافر بها إذا كان أبوه قد طلقها وتزوجت

стр. 2524

الأزواج استحسان مخافة الفتنة عليه؛ إذ ليست في تلك الحالة زوجة لأبيه، وكره ابن القاسم ذلك مطلقا لاحتمال أن يكون أراد النبي ﷺ ذوي محارمها من النسب دون الصهر، فقول مالك في حمل الحديث على ظاهره من العموم أظهر، وقول ابن القاسم أحوط. (كرفقة أمنت بفرض) تشبيه في الوجوب المفهوم من قوله: "إلا أن تخص بمكان"؛ يعني أنه إذا لم يكن للمرأة زوج ولا محرم، أو كان لها زوج أو محرم وامتنع من الخروج معها للحج أو عجز عن ذلك، فإنه يجب عليها أن تخرج للحج إذا وجدت رفقة مأمونة، ولا بد أيضا أن تكون هي مأمونة في نفسها. وبما قررت علم أن قوله: "كرفقة أمنت"، إنما هو عند عدم الزوج والمحرم، أو امتناعهما من الخروج معها، أو عجزهما عن ذلك وهو الذي يفيده النقل لا ما يوهمه المصنف من مساواة الرفقة للمحرم والزوج إذا وجدا، أو وجد أحدهما ولو امتنع المحرم أو الزوج من الخروج معها إلا بأجرة لزمتها إن قدرت عليها، ويحرم عليها حينئذ الخروج مع الرفقة المأمونة، فإن امتنعا بكل وجه أو طلبا ما لا تقدر عليه خرجت مع الرفقة، (أمنت بفرض)، راجع لما بعد الكاف وهو حال من المرأة المفهومة من السياق، فهو متعلق بمحذوف. قاله الحطاب. وقال البساطي: متعلق بالتشبيه لما فيه من معنى الفعل؛ أي ويشبه المحرم رفقة أمنت في فرض؛ يعني أنه يجب على المرأة أن تسافر مع الرفقة المأمونة في فرض، وليس قوله: "بفرض"، متعلقا بأمنت؛ لأن الأمن ثابت مطلقا. ومثل فرض الحج سفر واجب عليها كإسلامها بدار الحرب، فإنها تخرج منها مع رفقة مأمونة، فإن لم تجدها وكان يحصل بكل من بقائها وخروجها ضرر، فإن خف أحدهما ارتكبته، وإن تساويا خيرت. كذا يفيده كلامهم. قاله الشيخ عبد الباقي. وبرجوع قوله: "بفرض"، لما بعد الكاف علم أن اشتراط المحرم أو الزوج إنما هو في السفر المباح أو المندوب، وأما الواجب فتكفي فيه الرفقة المأمونة كما علم. وقال التلمساني في شرح جامع الجلاب: وأما سفر الحج فإنها تسافر مع جماعة النساء إذا لم يكن لها محرم، قال الأبهري: لأنها لو أسلمت في دار الحرب لوجب عليها أن تخرج مع غير ذي محرم إلى دار الإسلام، وكذا إذا أسرت وأمكنها أن تهرب منهم فإنه يلزمها أن تخرج مع

стр. 2525

غير ذي محرم، فكذلك يلزمها أن تؤدي كل فرض عليها إذا لم يكن معها محرم من حج أو غيره. انتهى. قاله الحطاب. ويجوز للزوج والمحرم أخذ الأجرة على الخروج معها. والله أعلم. وأراد المصنف بقوله: "زيادة محرم أو زوج"، زيادتهما على ما قدمه في معنى الاستطاعة كما مر، وليس المراد أن يكون المحرم زائدا أي متعددا، ولا يشترط في المحرم البلوغ بل يكفي التمييز ووجود الكفاية، هذا هو الظاهر. قاله الحطاب. قال: ولم أر في ذلك نصا، وللشافعية فيه خلاف، وينبغي أن يجري مثل ذلك في الزوج، واختلف في عبد المرأة هل هو محرم مطلقا؟ وصححه ابن القطان أولا مطلقا، واستظهره ابن الفرات أو إن كان وغدا فمحرم فتسافر معه وإلا فلا، وعزاه ابن القطان لمالك وابن عبد الحكم وابن القصار، وفي النوادر: وكره عمر بن عبد العزيز أن يخرج بها عبدها، قيل له إنه أخوها من الرضاعة فلم ير بذلك بأسا. انتهى. واعلم أنهم قد صرحوا بأنه يجوز للعبد أن ينظر من سيدته ما يراه ذو المحرم إلا أن يكون له منظر جميل، فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تواكله إن كان وغدا دنيا يؤمن تلذذه بها، بخلاف الشاب الذي لا يؤمن. قاله الحطاب. وقد ذكر الفاكهاني المالكي في شرح عمدة الأحكام ضابطا في المحرم الذي يجوز معه سفر المرأة والخلوة بها عن الشافعية، وهو كل من حرم عليه نكاح المرأة لحرمتها على التأبيد بسبب مباح، فعلى التأبيد احترازٌ من أخت المرأة وعمتها وخالتها، وقوله: بسبب مباح، احترازًا من أم الموطوءة بشبهة فإنها ليست محرما، فإن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة، وقوله: لحرمتها، احترازا من الملاعنة، فإن تحريمها ليس لحرمتها بل تغليظا، قال الفاكهاني: ولا أعلم ما يخالف ذلك عندنا. انتهى. قاله الحطاب. وقد نقل الباجي في المنتقى عن أبي محمد أنه قال: ليس عبدها من ذوي محارمها؛ إذ لا يجوز لها السفر معه لأن حرمتها معه لا تدوم؛ لأنه يمكنها أن تعتقه فيحل له تزويجها، وفسر الباجي المحرم بأنها من تأبد تحريمها على المرء، وأما الكافل فإنه يخلو بمكفولته ويسافر معها لأنه كالأب معها. قاله الحطاب. عن ابن فرحون، وللوصي والولي غير المحرم أن يسافر بالصبية إذا لم يكن لها أهل تَخَلَّفُ عندهم وكانا مأمونين ويختلف فيه إذا كان للصبية أهل وهو مأمون أوله أهل،
следующие страницы →